Полный текст (3 483 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وكل أولئك ظهروا فى أواخر حياة النبى ﷺ ،
لكنه لم يحفل بهم كثيرًا؛ لثقته بالقدرة على القضاء على تلك
الحركات، وفى الوقت نفسه أمر بإنفاذ جيش «أسامة بن زيد» إلى
جنوب «الشام»؛ لتأديب القبائل القاطنة هناك، التى تعادى
المسلمين، ولتثبيت هيبة الإسلام فى أعين الروم، التى فرضها عليهم
فى غزوة «تبوك»، وللفت أنظار أصحابه إلى خطورة دولة الروم
على الإسلام، لكن هذا الجيش لم يذهب لأداء مهمته؛ لمرض النبى
ﷺ ووفاته، فكان أول قرار للصديق، هو تنفيذ ما
عزم عليه الرسول ﷺ .
لكن الصحابة جميعًا عارضوا «أبا بكر» فى قراره بإرسال جيش
«أسامة»، وتعللوا بأن الردة قد عمت شبه جزيرة العرب، وأن الخطر
داهم ومحدق بهم، حتى لم تسلم منه «المدينة» نفسها، واشرأبت
أعناق أعداء الإسلام من يهود ونصارى وغيرهما، وتحفزوا للقضاء
على الإسلام، ولذا فإن بقاء الجيش فى «المدينة» ضرورة ملحة؛
لحمايتها من الأخطار المحدقة بها.
لكن ذلك كله لم يثن عزيمة الصديق عن إرسال جيش «أسامة»، ووقف
كالأسد الهصور يذود عن الإسلام باتخاذ ذلك القرار الصعب قائلا:
«والذى نفس أبى بكر بيده، لو ظننت أن السباع تخطفتنى لأنفذت
بعث أسامة، كما أمر به رسول الله ﷺ ، ولو لم يبق
فى القرى غيرى لأنفذته».
وقد ظهرت نتائج سياسة «الصديق» الموفقة، عندما ذهب جيش
«أسامة» وحقق ما قصده الرسول ﷺ من أهداف،
وعاد محمَّلا بالغنائم، وألقى الرعب والفزع فى قلوب القبائل العربية
التى مرَّ عليها فى شمالى شبه الجزيرة العربية وهو فى طريقه إلى
الشام؛ لأنهم قالوا: «لو لم يكن بالمسلمين قوة لما أرسلوا هذا الجيش
الكبير إلى هذا المكان البعيد فى مثل هذا الوقت»؛ ولذا كانت حركة
الردة فى المناطق التى مرّ بها «أسامة» بجيشه أضعف منها فى أى
مكان آخر من شبه الجزيرة العربية.
حركة الردة:
стр. 72
يعد موقف «الصديق» من حركة الردة ومواجهته لها من أروع المواقف
فى التاريخ، لأنه آمن إيمانًا عميقًا بانتصار الحق مهما تكن قوة
أعدائه، وأظهر تصميمًا على الدفاع عن الإسلام مهما يبذل من جهد.
وقد بدأت حركة الردة بالقبائل التى منعت الزكاة كعبس و «ذبيان»
و «غطفان» وغيرها، حيث أرسلت وفدًا إلى «المدينة»، يعرض على
«الصديق» مطالبهم، وأنهم لم يرفضوا الإسلام، ولكنهم يرفضون دفع
الزكاة لحكومة «المدينة»؛ لأنها فى ظنهم معرَّة، ويعدُّونها إتاوة
تدفع لأبى بكر، ولم تدرك تلك القبائل أثر الزكاة فى التكافل
الاجتماعى بين المسلمين.
كان رأى فريق من الصحابة وعلى رأسهم «عمر بن الخطاب» أن
يستجيب «أبو بكر» لتلك القبائل، ولا يجبرها على دفع الزكاة،
وخاصة أن «المدينة» مكشوفة، وليس بها قوة تحميها وتدافع عنها؛
لأن جيش «أسامة» لما يعد بعد من شمالى بلاد العرب، لكن «الصديق»
لم يقتنع بهذا الرأى، ورد على «عمر بن الخطاب» ردا جازمًا قائلا له:
«والله لو منعونى عقالا -الحبل الذى يجرُّ به الحمل - لجاهدتهم عليه».
وكان هذا الموقف الثابت من «الصديق» رائعًا كل الروعة، فماذا لو
وافق «أبو بكر» «عمر» ومن معه على رأيهم؟ ربما شجع هذا
التنازل قبائل أخرى، فتمتنع عن دفع الزكاة أسوة بهؤلاء، ولربما
تطور الموقف إلى أبعد من هذا، فتمتنع قبائل عن إقامة الصلاة أو
غيرها من أركان الإسلام، ويكون هذا هدمًا للدين من أساسه. وكأن
«الصديق» حين فعل هذا تمثل واقتدى بموقف لرسول الله - صلى الله
عليه وسلم - عندما جاءه وفد «ثقيف» يعلنون إسلامهم، ويطلبون منه
إعفاءهم من أداء الصلاة، فرفض النبى ﷺ ذلك،
وقال لهم: «لا خير فى دين لاصلاة فيه»، ولعل «الصديق» قصد ذلك
حين قال: «والله لأقاتلن من فرَّق بين الصلاة والزكاة».
ولم يكن «الصديق» صاحب قرارات صائبة فحسب، بل كان يقرنها
بالعمل على تنفيذها، فلما رأى الغدر فى عيون مانعى الزكاة أدرك
стр. 73
أنهم سيهاجمون «المدينة» على الفور؛ لأنهم عرفوا غياب معظم
الرجال مع جيش «أسامة»، وأعلن حالة الاستعداد للدفاع عن
«المدينة» عقب عودة المانعين إلى ديارهم، واتخذ مسجد رسول الله،
مقرا لغرفة عمليات عسكرية، وبات ليلته يُعد للمعركة ويستعد لها،
وأمر عددًا من كبار الصحابة بحراسة مداخل «المدينة»، على رأسهم
«على بن أبى طالب»، و «طلحة بن عبيد الله»، و «الزبير بن العوام»،
و «عبد الله بن مسعود» رضى الله عنهم.
وحدث ما توقعه «الصديق» فبعد ثلاثة أيام فقط هاجم مانعو الزكاة
«المدينة»، فوجدوا المسلمين فى انتظارهم، فهزمهم المسلمون
وردوهم على أعقابهم إلى «ذى القصة» - شرقى «المدينة». ثم
تعقبهم «الصديق» وألحق بهم هزيمة منكرة، وفرت فلولهم، وغنم
المسلمون منهم غنائم كثيرة، واتخذ «الصديق» من «ذى القصة»
مكانًا لإدارة المعركة ضد حركة الردة كلها، وفى هذه الأثناء جاءت
الأخبار بوصول جيش «أسامة» سالمًا غانمًا، فأسرع «الصديق»
بنفسه لاستقبال قائد الجيش الشاب، الذى قام بهذه المهمة الخطيرة
خير قيام، وبعد أن احتفى به وهنأه على عمله، أنابه عنه فى حكم
«المدينة»، وعاد هو إلى «ذى القصة» ليدير المعركة مع المرتدين
بعزيمة لا تلين.
أسباب حركة الردة:
قبل الخوض فى الحديث عن مواجهة «أبى بكر» لحركة الردة، ينبغى
معرفة أسبابها، التى جعلت تلك القبائل ترتد بعد أن أعلنت إسلامها
أمام الرسول ﷺ فى السنة الأخيرة من حياته.
- السبب الأول: أن إسلام أغلب هذه القبائل كان ضعيفًا، فقد أذعنوا
لقوة المسلمين، التى لم يكن لهم قِبَل بمواجهتها؛ فاستسلموا ولم
يسلموا إسلامًا حقيقيًا، فظنوا أن وفاة الرسول - صلى الله عليه
وسلم - ستفتُّ فى عضد المسلمين، ولن يستطيعوا مواجهتهم.
- والسبب الثانى: أن العصبية القبلية كانت عندهم قوية، فمعظم
المرتدين الذين التفوا حول مدعى النبوة كانوا يعلمون صدق النبى
стр. 74
- ﷺ ، ولكن كل قبيلة كانت تريد أن يكون لها نبى
من أبنائها ولو كان كذابًا، كما لقريش نبى من أبنائها، وعبروا عن
ذلك بوضوح وصراحة، فيقول أحد «بنى حنيفة» لمسيلمة: «أشهد
أنك كذاب، ولكن كذاب ربيعة - التى منها مسيلمة - خير من صادق
مضر- التى منها محمد»، وقال «عيينة بن حصن الفزارى» عن
«طليحة بن خويلد الأسدى»: «نبى من الحليفين خير من نبى من
قريش، ومحمد مات، وطليحة حى».
- والسبب الثالث: أن زعماء القبائل وشيوخها كانوا مستفيدين من
الوضع القبلى القديم؛ إذ كانت حياة معظم القبائل تقوم على الإغارة
والسلب والنهب، ويأخذ شيوخها ربع ما تحصل عليه من تلك الغارات،
ولذا تزعموا حركة الردة، وحرضوا أبناء القبائل عليها، ليستمروا فى
السيطرة على قبائلهم.
- والسبب الرابع: أن الفرس والروم حاولا القضاء على الإسلام
باستخدام العرب وتحريضهم ومساعدتهم، فلما فشلا فى ذلك تدخلا
تدخُّلا مباشرًا، فحرَّض الفرس عرب الخليج على الردة، ثم أمدوا
«سجاح بنت الحارث اليربوعية» - مدعية النبوة - بجيش كبير، قوامه
أربعون ألف رجل، جاءت بهم من «العراق» التى كانت تحت الحكم
الفارسى لمحاربة المسلمين، فلما فشلت تدخلوا مباشرة ضد «المثنى
بن حارثة»، الذى كان يحارب المرتدين على حدود «العراق».
وفعل الروم البيزنطيون ما فعله الفرس، فاعتدوا فى حروب الردة
على جيش «خالد بن سعيد بن العاص» فى منطقة «تيماء» شمالى
«الحجاز»، وألحقوا به هزيمة كبيرة وقتلوا معظم جنوده.
المواجهة السلمية:
أراد «أبو بكر الصديق» أن يبصِّر المرتدين بخطورة ما أقدموا عليه،
فواجههم مواجهة سلمية بأن دعاهم إلى العودة بدون قتال إلى
الإسلام، الذى أكرمهم الله به، وأرسل إليهم كتابًا يقرأ على القبائل
كلها؛ لعلهم يعقلون، جاء فى أخره:
«وإنى بعثت إليكم فلانًا فى جيش من المهاجرين والأنصار والتابعين
بإحسان، وأمرته ألا يقاتل أحدًا ولا يقتله حتى يدعوه إلى داعية
стр. 75
الله، فمن استجاب له وأقرَّ وكف وعمل صالحًا، قبل منه وأعانه
عليه، ومن أبى أمرت أن يقاتله على ذلك، ثم لا يبقى على أحدٍ منهم
قدر عليه، .. ولا يقبل من أحدٍ إلا الإسلام فمن اتبعه فهو خير له، ومن
تركه فلن يعجز الله، وقد أمرت رسولى أن يقرأ كتابى فى كل
مجمع لكم، والداعية الأذان، فإذا أذن المسلمون فأذَّنوا كفوا عنهم،
وإن لم يؤذنوا عاجلوهم ... ».
الاستعداد العسكرى:
وفى الوقت الذى كان يأمل فيه أن يستجيب المرتدون، ويعودوا إلى
دين الله دون قتال؛ كان يعد أحد عشر جيشًا فى وقت واحد، تغطى
المناطق التى ارتد أهلها فى شبه جزيرة العرب، جاهزة للانطلاق إلى
كل منطقة؛ ليشغل كل قبيلة بالدفاع عن نفسها فى ديارها، ولا
تأخذ فرصة للتجمع والتكتل ضده، وكان هذا تصرفًا بارعًا وحكيمًا
من «الصديق».
واختار «الصديق» لهذه الجيوش أمهر القادة وأكثرهم خبرة بالقتال،
وهم: «خالد بن الوليد»، سيف الله وعبقرى الحرب، وأمره بقتال
المرتدين من «بنى أسد» و «غطفان» وحلفائهم بقيادة «طليحة بن
خويلد» فى «بذاخة»، فإذا انتهى من مهمته توجه لقتال المرتدين من
«بنى تميم» فى «البطاح»، إلى الشرق من ديار «بنى أسد».
- و «عكرمة بن أبى جهل» وأردفه بشرحبيل بن حسنة، وأمرهما
بالتوجه إلى «مسيلمة الكذاب» ومن معه فى «اليمامة»، وأمرهما ألا
يقاتلاه حتى يأمرهما بذلك، لمعرفة «أبى بكر» بقوة جيش
«مسيلمة»، وأنهما لن يقدرا على هزيمته بسهولة، بل يشغلاه حتى
يحين الوقت المناسب لإرسال قوات أكبر؛ لمواجهة «بنى حنيفة» فى
جموعهم الكبيرة.
- و «العلاء بن الحضرمى»، وأمره بقتال المرتدين فى «البحرين» وما
والاها.
- و «حذيفة بن محصن»، وأمره بقتال المرتدين فى «دبا» فى جنوبى
شرقى شبه الجزيرة.
و «عرفجة بن هرثمة»، وأمره بقتال المرتدين فى «مهرة» فى
جنوبى شبه الجزيرة.
و «المهاجر بن أبى أمية المخزومى»، وأمره بقتال المرتدين فى
جنوبى «اليمن».
стр. 76
و «سويد بن مقرن»، وأمره بقتال المرتدين فى «تهامة اليمن» على
ساحل «البحر الأحمر».
- و «عمرو بن العاص»، وأمره بقتال قبائل «قضاعة» فى الشمال.
- و «معن بن حاجز» وأمره بقتال المرتدين فى «هوازن» و «بنى
سليم».
و «خالد بن سعيد بن العاص»، وأمره أن يعسكر فى «تيماء»، ولا
يقاتل أحدًا إلا إذا قوتل.
أهم معارك حروب الردة:
لم يستجب المرتدون لدعوة «أبى بكر» السلمية، فبدأ قادته ينفذون
ما عهد إليهم من مهام، وخاض «خالدبن الوليد» أول معارك الردة
فى «بذاخة» ضد المرتدين من «غطفان» و «بنى أسد» وحلفائهم ممن
التفوا حول «طليحة بن خويلد الأسدى» مدعى النبوة، وكان النصر
حليف «خالد»، بعد أن ألحق بهم هزيمة منكرة وغنم كثيرًا، وأرسل
عددًا من زعمائهم أسرى إلى الخليفة، وفر «طليحة»، وظهر كذبه،
ويجدر بالذكرى أن «طليحة» قد أسلم بعد ذلك، وحسن إسلامه فى
عهد «أبى بكر الصديق»، واشترك فى الفتوحات الإسلامية فى
«فارس»، فى عهد «عمر بن الخطاب»، وكان له دور بارز فيها.
وبعد ذلك توجه «خالد بن الوليد» إلى «البطاح» فى «نجد» لقتال
المرتدين من «بنى تميم» بزعامة «مالك بن نويرة»، ونجح فى إلحاق
الهزيمة بهم، والقضاء على الردة فى بلادهم.
معركة اليمامة:
«اليمامة» مصطلح جغرافى قديم، يشمل المناطق الشرقية من شبه
الجزيرة العربية التى تقع فيها الآن مدينة «الرياض» عاصمة «المملكة
العربية السعودية». ووقعت معركة «اليمامة» نفسها فى مكان قريب
من هذه المدينة.
وسبق أن ذكرنا أن «أبا بكر» أرسل «عكرمة بن أبى جهل»
و «شرحبيل بن حسنة» للوقوف فى وجه «مسيلمة»، ولم يأمرهما
بقتال؛ لكنهما تعجلا مخالفين أوامر الخليفة، واشتبكا مع «مسيلمة»
فى حرب لم يصمدا فيها، وعادا منهزمين، ولعلهما أرادا أن يتشبها
بخالد بن الوليد حتى يحوزا أكاليل النصر، كما حازها هو.
وما إن وصلت أنباء هزيمتهما إلى «أبى بكر» حتى غضب غضبًا
стр. 77
شديدًا، وطلب منهما ألا يعودا إلى «المدينة»، وقرر فى الوقت نفسه
أن يرسل «خالد بن الوليد» إلى «اليمامة» للقضاء على فتنة
«مسيلمة»، فهو أصلح الناس لهذه المهمة. وكان «خالد» قد فرغ من
القضاء على فتنة المرتدين من «بنى أسد» و «غطفان» و «تميم»،
فجاءته أوامر من «أبى بكر» بالتوجه إلى «اليمامة» للقضاء على
فتنة «مسيلمة الكذاب».
امتثل «خالد بن الوليد» لأوامر الخليفة، وسار فى صحراء وعرة نحو
ألف كيلو متر، حتى التقى بجيوش «مسيلمة» - وكانت نحو أربعين
ألفًا - فى مكان يسمى «عقرباء» فى حين كانت قوات «خالد» تبلغ
نحو ثلاثة عشر ألفًا، فيهم عدد كبير من المهاجرين والأنصار، ودارت
الحرب بين الفريقين، وكانت حربًا شرسة، اشتدت وطأتها على
المسلمين فى البداية، وكادوا ينهزمون، لولا أن زأر «خالد» كالأسد
الهصور، ونادى بأعلى صوته «وامحمداه»، وكان شعار المسلمين
فى المعركة، فاشتعلت جذوة الإيمان فى القلوب، وهانت الحياة
على النفوس، وأقبل المسلمون على القتال دون خوف أو وجل، طمعًا
فى النصر أو الشهادة، وصبروا لأعداء الله حتى هزموهم هزيمة
منكرة، وقتلوا «مسيلمة» الكذاب مع نحو عشرين ألفًا من رجاله،
واستسلم من بقى من قواته أسرى للمسلمين، واستشهد من المسلمين
أكثر من ألف ومائتى رجل، منهم عدد كبير من القراء وحفظة القرآن
الكريم.
وحين ترامت إلى المرتدين أخبار انتصارات «خالد» وما فعله فى
«بنى حنيفة»، وقر فى أذهانهم أن المسلمين لا ينهزمون؛ ولذا كانت
مهمة بقية القادة فى المناطق التى توجهوا إليها أقل صعوبة مما
واجهه «خالد بن الوليد» فى «اليمامة».
وقبل أن يمضى عام على بدء حركة الردة كان «أبو بكر الصديق»
قد نجح فى القضاء عليها فى كل مكان، وعادت شبه الجزيرة
العربية موحدة دينيًا وسياسيًا تحت لواء المسلمين وحكومتهم فى
«المدينة» على ما كانت عليه فى آخر حياة الرسول.
الفتوحات الإسلامية فى عهده:
أسبابها:
стр. 78
من يتتبع حركة الفتوحات الإسلامية خارج شبه الجزيرة العربية يجد
أنها جاءت استطرادًا، وجاءت تحت ضغط الظروف، وأن المسلمين
اضطروا إليها اضطرارًا؛ إذ لم يكن لهم برنامج أو خطة معدة من قبل
للفتح أو التصادم مع الآخرين؛ لأن نشر الإسلام، وهو الغاية الأولى
للمسلمين، لا يتطلب أعمالا حربية أو الدخول فى معارك عسكرية،
وكل ما كان يطلبه المسلمون هو أن يفسح لهم الآخرون الطريق
ليدعوا إلى دينهم بالحكمة والموعظة الحسنة، ولكن الفرس والروم لم
يعطوا المسلمين هذه الفرصة، فكادوا لهم واعتدوا عليهم، مما اضطر
المسلمين إلى خوض الحروب معهم، ورد عدوانهم، وتحقيق الحرية
لنشر العقيدة الإسلامية دون عوائق، وليس لنشر العقيدة، والفرق
كبير بين المعنيين.
فتح العراق:
فى أثناء حروب الردة طارد «المثنى بن حارثة» - أحد قادة المسلمين
- المرتدين إلى الشمال، على الساحل الغربى للخليج العربى، فلما
وصل إلى حدود «العراق» تكاثرت عليه قوات الفرس، بعد أن رأوا
فشل عملائهم من المرتدين فى القضاء على الإسلام فألقوا بثقلهم
فى المعارك ضد المسلمين.
ولما رأى «المثنى» أنه غير قادر بمن معه على مواجهة القوات
الفارسية، أرسل إلى الخليفة يشرح له الموقف، ويطلب منه المدد،
فأدرك الخليفة خطورة الموقف، ورأى أن يردع الفرس ويرد عدوانهم،
فرماهم بخالد بن الوليد أعظم قواده، وأردفه بعياض بن غنم.
وفى المحرم من العام الثانى عشر من الهجرة تحرك «خالد بن الوليد»
من «اليمامة»، وكان لايزال بها، بعد أن قضى على فتنة «مسيلمة
الكذاب»، وتوجه إلى «العراق». حيث خاض سلسلة من المعارك ضد
الفرس فى خلال عدة شهور، فى «ذات السلاسل» و «المذار»،
و «الولجة»، و «أليس»، وهذه أسماء الأماكن التى دارت فيها
الحروب، وكان النصر حليفه فيها، ثم توَّج انتصاراته بفتح «الحيرة»
عاصمة «العراق» فى ذلك الوقت، واستقر بها فى شهر ربيع الأول من
العام نفسه، ثم فتح «الأنبار» و «عين التمر» إلى الشمال من
стр. 79
«الحيرة»، ثم جاءته أوامر من «أبى بكر» أن يعود إلى «الحيرة»
ويستقر بها إلى أن تأتيه أوامر أخرى.
وخلاصة القول أنه فى خلال بضعة أشهر نجح «خالد» فى فتح أكثر
من نصف «العراق»،وصالح أهله على دفع الجزية، ولم يجبر أحدًا
على الدخول فى الإسلام».
فتح الشام:
كان «خالد بن سعيد بن العاص»، أحد قادة حروب الردة، معسكرًا
بقواته فى «تيماء» شمالى «الحجاز» بأمر من الخليفة الذى ألزمه
بألا يقاتل أحدًا إلا إذا قوتل، وقصد الخليفة بذلك أن يكون هذا الجيش
احتياطيًا، يمد -عند الضرورة - القوات المحاربة فى جهات أخرى،
وأن يراقب تحركات الروم؛ لأنه كان على يقين أنهم سوف يستغلون
فرصة انشغاله بحروب الردة، ويكرروا عدوانهم.
وحدث ما توقعه «أبو بكر الصديق»، فقد هجم الروم على جيش
«خالد»، ومعهم القبائل العربية القاطنة فى الشام، وألحقوا به هزيمة
قاسية، وقتلوا معظم جنوده، واستشهد ابنه فى المعركة، فلما
وصلت أخبار الهزيمة إلى الخليفة «أبى بكر» جمع كبار الصحابة
لدراسة الموقف، فاستقر رأيهم على ضرورة صد العدوان، وشرع
«أبو بكر» فى حشد أربعة جيوش لتحقيق ذلك:
- جيش بقيادة «أبى عبيدة بن الجراح» وجهه إلى «حمص» شمالى
الشام.
- وجيش بقيادة «يزيد بن أبى سفيان»، ووجهه إلى «دمشق» فى
وسط الشام.
- وجيش بقيادة «شرحبيل بن حسنة»، ووجهه إلى «الأردن».
- وجيش بقيادة «عمرو بن العاص»، ووجهه إلى «فلسطين».
وقال «أبو بكر» لقادة جيوشه: إذا عملتم منفردين، فكل واحد منكم
أمير على من معه من قوات - وكان مع كل واحد منهم نحو ثمانية
آلاف جندى - ثم أمير على المنطقة التى يفتحها، أما إذا ألجأتكم
الظروف إلى الاجتماع فى مكان واحد، فالقائد العام «أبو عبيدة بن
الجراح».
موقعة اليرموك:
تحرك القادة الأربعة بجيوشهم، فلما دخلوا جنوبى الشام، وجدوا
جيشًا روميا، قوامه نحو (٢٥٠) ألف جندى، بقيادة «تذراق» أخى
стр. 80
«هرقل»، يساندهم نحو ستين ألفًا من العرب - تقريبًا - بقيادة «جبلة
بن الأيهم الغسانى»، فلم يستطيعوا الالتحام مع هذه الجموع
الحاشدة، فدارت بينهم مراسلات تجمعوا بعدها فى وادى
«اليرموك»، تحت قيادة «أبى عبيدة بن الجراح».
لكن تجمعهم لم يؤدِ إلى تحريك للموقف ضد الروم، فأخبروا الخليفة
«أبا بكر» بما هم فيه، وطلبوا المدد منه، فرأى أنه لن ينقذ الموقف
فى الشام سوى «خالد بن الوليد»، وقال عبارته المشهورة: «والله
لأُنسين الروم وساوس الشيطان بخالد بن الوليد»، ثم كتب رسالة إليه:
«أما بعد فإذا جاءك كتابى هذا، فدع العراق، وأخلف فيه أهله الذين
قدمت عليهم وهم فيه وامضِ متخففًا فى أهل القوة من أصحابك الذين
قدموا العراق معك من اليمامة، وصحبوك من الطريق، وقدموا عليك
من الحجاز، حتى تأتى الشام، فتلقى أبا عبيدة بن الجراح ومن معه
من المسلمين، فإذا التقيتم فأنت أمير الجماعة والسلام عليك».
امتثل «خالد» لأوامر الخليفة، وسار من «العراق» فى سبعة آلاف
جندى فى واحدة من أجرأ المسيرات العسكرية فى التاريخ وأكثرها
خطرًا، حيث قطعوا أكثر من ألف كيلو متر فى ثمانية عشر يومًا، فى
صحراء قاحلة مهلكة، حتى وصلوا إلى «وادى اليرموك» فتسلم
«خالد بن الوليد» القيادة من «أبى عبيدة» وخاض معركة مع الروم
تُعد من أعظم المعارك وأبعدها أثرًا فى حركة الفتح الإسلامى،
وسحق جيش الروم الذى كان يعد يومئذٍ أقوى جيوش العالم، إذ قتل
منه نحو مائة وعشرين ألفًا، وقد أدرك «هرقل» إمبراطور الروم حجم
الكارثة التى حلت بجيشه، فغادر المنطقة نهائيًا، وقلبه يقطر دمًا،
ويتحسر على جهوده التى بذلها فى استرداد الشام من الفرس، ثم ها
هى ذى يفتحها المسلمون، وقال: «السلام عليك يا سوريا، سلامًا لا
لقاء بعده، ونعم البلد أنت للعدو وليس للصديق، ولا يدخلك رومى بعد
الآن إلا خائفًا».
وقد استشهد من المسلمين نحو ثلاثة آلاف، وقد فتح هذا النصر
стр. 81
العظيم الطريق لفتح بقية الشام، الذى تم فى عهد «عمر بن الخطاب».
الجمع الأول للقرآن فى عهد أبى بكر الصديق:
فزع «عمر بن الخطاب» لاستشهاد عدد كبير من حفظة القرآن فى
حروب الردة، وبخاصة معركة «اليمامة»، فأشار على «أبى بكر»
بضرورة جمع القرآن فى مصحف واحد؛ خشية أن يُستشهد عدد آخر
من الحفاظ، فيضيع القرآن، أو يدخله تحريف إذا تباعد الزمن بين
نزوله وجمعه، كما حدث للكتب السابقة.
تردد «أبو بكر» فى بادئ الأمر من اقتراح «عمر»، وقال: «كيف
أفعل شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ »، فقال له
«عمر»: «أرى والله أنه خير»، فلم يزل «عمر» بأبى بكر حتى قبل،
ثم استدعى «أبو بكر» «زيد بن ثابت الأنصارى»، وكلفه بمهمة جمع
القرآن، قائلا له: «إنك رجل شاب عاقل، لا نتهمك، وقد كنت تكتب
الوحى لرسول الله ﷺ ، فتتبع القرآن فاجمعه»،
فقبل «زيد» هذه المهمة الثقيلة، وبدأ فى تتبع القرآن، وجمعه من
الرقاع والعظام، والعسب (سعف النخل) التى كان مكتوبًا عليها ومن
صدور الرجال، وجعل ذلك فى مصحف واحد.
وقد ظل هذا المصحف عند «أبى بكر»، ثم انتقل بعد وفاته إلى «عمر
بن الخطاب»، ثم انتقل بعد وفاته إلى ابنته أم المؤمنين «حفصة»،
وفى عهد «عثمان» دعت الضرورة إلى جمع الناس على قراءة
واحدة، فأخذه «عثمان» منها، ونسخ منه عدة نسخ ووزعها على
الأمصار.
وهكذا توَّج «أبو بكر الصديق» أعماله الجليلة بجمع القرآن.
وفاة أبى بكر الصديق:
قضى «أبو بكر» فى الخلافة سنتين وثلاثة أشهر وعشرة أيام قام
فيها بجلائل الأعمال، ونهض بمسئولية قيادة الدولة على خير وجه،
وعاش حياته للإسلام وللمسلمين، ووهب حياته لخدمة رعيته، والدفاع
عن عقيدتها، دون أن يأخذ أجرًا على تحمله تبعات هذا المنصب
الجليل، منصب الخليفة، وعاش مثل بقية رعيته دون أن يمتاز عنهم
فى مسكن أو ملبس، بل إنه رد ما خصصه له كبار الصحابة من راتب
ضئيل، كى يترك التجارة ويتفرغ لمنصبه.
стр. 82
وفى أواخر شهر جمادى الآخرة من العام الثالث عشر للهجرة، فاضت
روح «أبى بكر» إلى بارئها بعد مرض استمر أسبوعين، كان سببه
الحمى، وتولى بعده الفاروق «عمر بن الخطاب».
стр. 83
الفصل السابع
*خلافة عمر بن الخطاب (١٣ - ٢٣ هـ)
نسبه وصفته وإسلامه:
هو «عمر بن الخطاب بن نُفيل بن عبدالعُزى بن رباح» وأمه «حنتمة
بنت هشام بن المغيرة».
أسلم فى العام الخامس من البعثة، وعمره سبع وعشرون سنة، بعد
أربعين رجلا، وإحدى عشرة امرأة، أسلموا قبله، وكان قبل إسلامه
معاديًا للإسلام شديدًا فى عداوته، لكن الله شرح صدره للإسلام
استجابة لدعاء النبى ﷺ له: «اللهم أعز الإسلام
بعمر بن الخطاب».
وعُرف «عمر بن الخطاب» بشخصية قوية، وإرادة لا تلين، وحزم وعزم
فى الأمور، وهيبة فى القلوب، وكان سفير «قريش» فى الجاهلية،
وهى مهمة تحتاج إلى علم وعقل، وكياسة وحسن تصرف.
عمل «عمر» فى بداية نشأته بالرعى، ثم عمل فى التجارة إلى
الشام وإلى «اليمن»، وكان يحرص على مقابلة ذوى الشأن فى تلك
البلاد؛ ليزداد علمًا وخبرة بالحياة، وكان واحدًا من سبعة عشر رجلا
من «قريش» يعرفون القراءة والكتابة فى «مكة».
واشتهر «عمر بن الخطاب» أنه كان قوى البنية، طويل القامة، إذا
مشى بين الناس أشرف عليهم، كأنه راكب على دابته، أبيض اللون
تعلوه حمرة، جهورى الصوت، قليل الضحك، لا يمازح أحدًا، مقبلا
على شأنه.
أما صفاته الأخلاقية فهى «الإحساس الكامل بالمسئولية، والشدة
والفراسة، والعدل والهيبة، وواضح أن هذه الصفات هى نتاج عوامل
كثيرة متنوعة، مثل نشأة «عمر» الأولى وثقافته، والقيم التى
غرسها الإسلام فى نفسه. أما إحساس «عمر» الكامل بمسئوليته قِبَل
الرَّعية، فذلك ما لاحاجة بنا إلى التدليل عليه، ويمكن إرجاعه إلى
النزعة الدينية التى ملكت عليه شغاف نفسه، والتى شهد له بها
الجميع، وعلى رأسهم رسول الله ﷺ ، فالعقيدة
وحدها هى التى تبلغ بالمرء هذا المستوى القدسى، وهى التى
تجعل الإنسان رقيبًا على نفسه فى جميع حركاته وسكناته، ولن
تغنى عنها أية رقابة أخرى».
عمر والرسول ﷺ :
стр. 84
احتل «عمر بن الخطاب» منذ أن أسلم المكانة التالية لمكانة «أبى
بكر الصديق» عند النبى ﷺ ، لصفاته العالية التى
سبق أن ذكرنا بعضها، ولدعوة النبى ﷺ أن يُعز
الله الإسلام بعمر بن الخطاب، وكانت دعوة ناشئة عن معرفة دقيقة
بخصائص الرجل الذى سيكون ثالث ثلاثة فى الإسلام قدرًا ومنزلة.
وعلى أية حال فإن أخلاق «عمر» وصفاته مهما تكن لم تكن لتبلغ به
ما بلغ من المكانة العالية والقدر الرفيع إلا بإسلامه وبصلته برسول
الله ﷺ ، الذى تعهده بالتربية والرعاية، وأفسح
لمواهبه أن تنطلق إلى أفاق عالية، لتؤدى دورها الخلاق لا فى
تاريخ الإسلام فحسب، بل فى تاريخ البشرية، وليكون صاحبها واحدًا
من عظماء الدنيا، وقد وضعه الكاتب الأمريكى «مايكل هارت» بين
الخالدين المائة فى التاريخ الإنسانى كله.
ومنذ أن أسلم «عمر بن الخطاب»، وهو من أكثر الصحابة ملازمة
للنبى ﷺ ، حتى إن الصحابة أطلقوا عليه وعلى
أبى بكر الصديق: وزيرَى محمد.
واشتهر «عمر» دون غيره من الصحابة بمواقف كثيرة، كان يناقش
النبى ﷺ فيها ويعترض عليه فى صراحة، مثل:
موقفه من أسرى «بدر»، و «صلح الحديبية» والصلاة على «عبد الله
بن أبى بن سلول» رأس النفاق، ولم يكن النبى ﷺ
يضيق بذلك، بل يسمع برحابة صدر وسعة أفق، ويشجع «عمر»
وغيره على إبداء آرائهم دون خوف أو وجل، يعلمهم بذلك حرية
الرأى، والمشاركة فى صنع القرار.
وكثير من تلك الآراء التى عارض فيها النبى ﷺ
نزل القرآن مؤيدًا لها لفرط إخلاصه لدينه، وشفافية روحه، وقد عدَّ
العلماء نحو عشرين موقفًا من هذا القبيل منها: تحريم الخمر، وضرب
الحجاب على زوجات النبى ﷺ .
وقد وردت أحاديث كثيرة فى فضل «عمر»، منها قوله - صلى الله
عليه وسلم -: «إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه».
توليه الخلافة:
стр. 85
أراد «الصديق أبو بكر» أن يختار المسلمون خليفتهم بأنفسهم دون
قيد، وبإرادتهم الحرة بلا تدخل، فقال لهم وهو على فراش المرض:
«إنى قد نزل بى ما ترون، ولا أظننى إلا ميتًا لما بى من المرض، وقد
أطلق الله أيمانكم من بيعتى، وحلَّ عنكم عقدتى، ورد عليكم أمركم،
فأمروا عليكم من أحببتم، فإنكم إن أمّرتم فى حياة منى كان أجدر
ألا تختلفوا بعدى».
لكنهم طلبوا منه أن يرشح لهم من يراه أهلا لتولى الخلافة بعده،
وأقدر على تحمل تبعاتها الجسام، فقبل ذلك، وطلب منهم مهلة حتى
ينظر لله ولدينه ولعباده، وبعد تفكير عميق، واستشارة لكبار
الصحابة مثل: «عثمان بن عفان» و «على بن أبى طالب»
و «عبدالرحمن بن عوف» استقر رأيه على «عمر بن الخطاب».
ولم يكن ترشيح كبار الصحابة «عمر بن الخطاب» للخلافة وتزكيتهم
له، بعد «أبى بكر» غريبًا أو مفاجأة، فهم يعرفون قدره ومنزلته،
وقد سبق أن ذكرنا تقديم النبى ﷺ «أبا بكر»
ليؤم الناس فى الصلاة، ورفضه أن يقوم بهذا «عمر بن الخطاب»، فلما
تأخر «أبو بكر» يومًا عن الصلاة، قدَّم «بلال» «عمر بن الخطاب»
اجتهادًا منه ليؤم الناس، فلما سمع الرسول «عمر» يقيم الصلاة رفض
ذلك، وقال «أين أبو بكر؛ يأبى الله ذلك والمسلمون».
وعلى الرغم من ذلك فإن هذا التصرف التلقائى من «بلال» يدل على
أن الصحابة كانوا يعلمون أن أفضل الناس بعد «أبى بكر الصديق»
هو «عمر بن الخطاب».
ولم يعترض على ترشيح «عمر» للخلافة إلا عدد قليل من كبار
الصحابة، وعللوا ذلك بغلظته وشدته، لكن «أبا بكر» طمأنهم وبين
لهم أن ما يجدونه من شدته، إنما هو لله وفى الله، وإنه يشتد لأنه
يرانى أحيانًا لينًا، حتى يحدث نوعًا من التعادل، وأنه لو أفضى
الأمر - أى الخلافة - إليه لترك كثيرًا مما هو فيه.
ولا يقلل هذا الاعتراض من سداد رأى «أبى بكر» فى «عمر»، ولا من
شأن «عمر» نفسه، بل يدل ذلك على حرية الرأى تجاه الشخصية
стр. 86
التى ستلى أمر الخلافة، فلن يضير «عمر» أن نفرًا من ذوى الرأى لم
يؤيدوا ترشيحه، بل يكفيه أن أغلب الصحابة أجمعوا على تزكيته،
ورضوا به لهذا المنصب الجليل، وهذا ما تسير عليه الآن الأمم الحرة
فى اختيار حكامها، فالإجماع ليس شرطًا ضروريًا فى اختيار الحاكم.
اطمأنت نفس «أبى بكر الصديق» بعد أن استشار كبار الصحابة إلى
اختيار «عمر بن الخطاب» خليفة من بعده، فأشرف على الناس وهو
مريض، وقال: «أترضون بمن أستخلف عليكم؟، فإنى والله ما آلوت
من جهد الرأى، ولا وليت ذا قربة، وإنى قد وليت عليكم عمر بن
الخطاب، فاسمعوا له وأطيعوا» فقالوا: سمعنا وأطعنا.
بايع المسلمون «عمر بن الخطاب»، وبذا أصبحت خلافته شرعية.
وبعد الفراغ من دفن «أبى بكر الصديق» صعد «عمر بن الخطاب» منبر
رسول الله ﷺ ، ووقف على درجة أدنى من الدرجة
التى كان يقف عليها «أبو بكر الصديق»، فحمد الله وأثنى عليه
وصلى على النبى ﷺ ، وذكر «أبا بكر» - رضى
الله عنه - بكل خير، وقال: «أيها الناس ما أنا إلا رجل منكم، ولولا
أنى كرهت أن أرد أمر خليفة رسول الله ما تقلدت أمركم»، فأثنى
المسلمون عليه خيرًا، وزاد ثناؤهم حين رأوه يرفع بصره إلى السماء
ويقول: «اللهم إنى غليظ فليِّنِّى، اللهم إنى ضعيف فقونى، اللهم إنى
بخيل فسخِّنى».
وفى اليوم التالى لتوليه الخلافة خطب خطبة أخرى، أراد أن يوضح
فيها طريقته فى الحكم، ويزيل ما قد علق فى نفوسهم من خوفٍ من
شدته التى صرحوا بها لأبى بكر حين رشحه للخلافة، فقال: «بلغنى
أن الناس هابوا شدتى وخافوا غلظتى، وقالوا: كان عمر يشتد علينا
ورسول الله بين أظهرنا، ثم اشتد علينا وأبو بكر والينا دونه، فكيف
وقد صارت الأمور إليه؟ ومن قال ذلك فقد صدق .. إننى كنت مع
رسول الله فكنت عبده وخادمه، وكان من لا يبلغ أحد صفته من اللين
والرحمة، وكان كما قال الله تعالى بالمؤمنين رءوفًا رحيمًا، فكنت
стр. 87
بين يديه سيفًا مسلولا، حتى يغمدنى أو يدعنى فأمضى، فلم أزل
مع رسول الله حتى توفاه الله، وهو عنى راضٍ، والحمد لله كثيرًا،
وأنا به أسعد، ثم ولى أمر المسلمين أبو بكر، فكان من لا تنكرون
دعته وكرمه ولينه، فكنت خادمه وعونه، أخلط شدتى بلينه، فأكون
سيفًا مسلولا، حتى يغمدنى أو يدعنى فأمضى، فلم أزل معه كذلك
حتى قبضه الله ، وهو عنى راضٍ، فالحمد لله على ذلك
كثيرًا، وأنا به أسعد، ثم إنى وليت أموركم أيها الناس، فاعلموا أن
تلك الشدة قد أضعفت - أى زادت - فارتعد بعضهم من الخوف لكنه
طمأنهم فقال: ولكنها إنما تكون على أهل الظلم والتعدى على
المسلمين، فأما أهل السلامة والقصد - أى الاعتدال - فأنا ألين لهم
من بعضهم على بعض، ولست أدع أحدًا يظلم أحدًا أو يتعدى عليه
حتى أضع خده على الأرض، وأضع قدمى على الخد الآخر، حتى
يذعن بالحق، وإنى بعد شدتى تلك أضع خدى على الأرض لأهل
العفاف وأهل الكفاف، ولكم على أيها الناس خصال أذكرها لكم،
فخذونى بها، لكم على ألا أجبى شيئًا من خراجكم، ولا ما أفاء الله
عليكم إلا من وجهه، ولكم على إذا وقع فى يدى ألا يخرج منى إلا
فى حقه، ولكم على أن أزيد عطاياكم وأرزاقكم إن شاء الله -
تعالى - وأسد ثغوركم، ولكم على ألا ألقيكم فى المهالك، وإذا غبتم
فى البعوث فأنا أبو العيال - أى يرعاهم - فاتقوا الله عباد الله
وأعينونى على أنفسكم بكفها عنى، وأعينونى على نفسى بالأمر
بالمعروف والنهى عن المنكر، وإحضارى النصيحة فيما ولانى الله من
أمركم، أقول قولى هذا وأستغفر الله لى ولكم».
الفتوحات فى عهد عمر بن الخطاب:
مواصلة فتح العراق:
بعد أن رحل «خالد بن الوليد» من «العراق» إلى الشام؛ ليتولى قيادة
الجيوش فى «اليرموك»؛ تنمَّر الفرس بالمثنى بن حارثة خليفة «خالد»
على قيادة الجيش فى «العراق» وبدءوا فى الضغط عليه، فطلب مددًا
من «أبى بكر»، الذى كان مشغولا بحرب الروم.
стр. 88
فلما تأخر رد «الصديق أبى بكر» على «المثنى» جاء بنفسه ليعرف
سبب ذلك، فوجد الخليفة على فراش المرض، فلم يستطع أن يكلمه،
ولما علم بذلك الخليفة أدرك أن «المثنى» لم يأت إلا لضرورة، فكان
أخر كلامه لعمر بن الخطاب أن أوصاه بتجهيز جيش، يرسله مع
«المثنى» إلى «العراق»، لصد عدوان الفرس، فعمل «عمر» بوصية
«أبى بكر»، وأرسل جيشًا على الفور إلى «العراق» بقيادة «أبى
عبيد بن مسعود الثقفى».
موقعة الجسر:
وفى شهر شعبان من سنة ١٣هـ خاض «أبو عبيد بن مسعود» معركة
ضد الفرس سميت بموقعة الجسر، لأن المسلمين أقاموا جسرًا على
«نهر الفرات» لعبور قواتهم البالغة تسعة آلاف جندى، وكان عبورهم
النهر خطأ عسكريًا جسيمًا وقع فيه «أبو عبيد»، ولم يستمع إلى
نصيحة قادة جيشه ومنهم «المثنى بن حارثة»، الذين نبهوه إلى
خطورة ذلك، وأن موقف المسلمين غربى النهر أفضل وضع لهم،
وليتركوا قوات الفرس تعبر إليهم، فإذا انتصروا كان عبور النهر إلى
الشرق أمرًا سهلا، وإذا انهزموا كانت الصحراء وراءهم يتراجعون
فيها، ليعيدوا ترتيب أوضاعهم، لكن «أبا عبيد» لم يستجب لهم،
فحلت الهزيمة بالمسلمين على يد القائد الفارسى «بهمن جاذويه»،
وقُتل «أبو عبيد» نفسه، واستشهد أربعة آلاف مسلم.
موقعة البويب:
بذل «المثنى بن حارثة» جهدًا كبيرًا فى تأمين عبور من بقى من
قوات المسلمين إلى الناحية الأخرى، وأدرك أنه لابد من خوض معركة
أخرى مع الفرس، حتى لا تؤثر الهزيمة فى معنويات المسلمين،
وبخاصة أنها كانت أول مرة يهزمون فيها فى هذه الجبهة منذ أن
بدأت الفتوحات.
استدرج «المثنى بن حارثة» قوات الفرس للعبور إلى غرب النهر،
فعبروا إليه مدفوعين بنشوة النصر السابق، وظنوا أن تحقيق نصر
آخر سيكون أمرًا سهلا، لكن «المثنى» فاجأهم بعد أن استثار حمية
العرب القاطنين فى المنطقة، وأوقع بالفرس هزيمة كبيرة، على
حافة نهر يُسمى «البويب» الذى سميت المعركة باسمه.
стр. 89
وعلى الرغم من هذا النصر الذى أعاد به «المثنى» الثقة إلى قواته،
فإنه أدرك بعد طول تجربة أنه لن يستطيع بمن معه من قوات أن
يواجه الفرس الذين ألقوا بثقلهم كله فى الميدان، فتراجع إلى الخلف،
ليكون بمأمن من هجمات الفرس، وأرسل «إلى» «عمر» يخبره بحقيقة
الموقف.
معركة القادسية:
لما وصلت إلى «عمر بن الخطاب» تقارير «المثنى» عن الوضع فى
جبهة «العراق» عزم على الخروج بنفسه على رأس جيش كبير،
لينسى الفرس وساوس الشيطان كما أنسى «خالد بن الوليد» الروم
تلك الوساوس، لكن الصحابة لم يوافقوه على رأيه، ورأوا أن الأفضل
أن يبقى هو فى «المدينة» يدير أمور الدولة، ويشرف على تجهيز
الجيوش، ويختار واحدًا لقيادة الحرب ضد الفرس، فقبل نصيحتهم،
وقال لهم: أشيروا على، فأشاروا عليه بسعد بن أبى وقاص، وقالوا
عنه: هو الأسد فى عرينه، فاستدعى «سعدًا» وأمَّره على الجيش،
فاتجه به «سعد» إلى «العراق» حيث عسكر فى القادسية.
وقبل نشوب المعركة أرسل «سعد» وفدًا إلى بلاط فارس، ليعرض
الإسلام على «يزدجرد الثالث» أخر ملوكهم، فإذا قبله فسيتركونه
ملكًا على بلاده، كما ترك رسول الله ﷺ «باذان»
ملكًا على «اليمن»، وإذا رفض الدخول فى الإسلام، فلن يكرهه عليه
أحد، ولكن لابد من دفع الجزية دليلا على عدم المقاومة، فإذا امتنع
عن دفعها، حاربوه، لأن رفضه دفع الجزية يعنى عزمه على حرب
المسلمين، ومنعهم بالقوة من تبليغ دعوة الإسلام إلى الناس.
سمع «يزدجرد» هذا الكلام، فأخذه العجب، وعلته الدهشة؛ لأنه لم
يتعود سماع مثل هذا الكلام من هؤلاء الناس، فخاطب رئيس الوفد
قائلا: «إنى لا أعلم أمة كانت أشقى، ولا أقل عددًا، ولا أسوأ ذات
بين منكم، قد كنا نوكل بكم قرى الضواحى -الحدود- فيكفونناكم، لا
تغزون فارس، ولا تطمعون أن تقوموا لهم .. وإن كان الجهد - الجوع -
دعاكم فرضنا لكم قوتًا إلى خصبكم، وأكرمنا وجوهكم وكسوناكم،
стр. 90
وملكنا عليكم ملكًا يرفُق بكم».
فقام زعيم الوفد ورد على الملك الذى كان لا يزال يتحدث بروح
السيادة، ومنطق الاستعلاء، قائلا: «إن ماقلته عنا صحيح قبل بعث
النبى ﷺ ، الذى قذف الله فى قلوبنا التصديق له
واتباعه، فصار فيما بيننا وبين رب العالمين، فما قال لنا فهو قول
الله، وما أمرنا فهو أمر الله .. وقال: من تابعكم على هذا فله مالكم
وعليه ما عليكم، ومن أبى فاعرضوا عليه الجزية، ثم امنعوه مما
تمنعون منه أنفسكم، ومن أبى فقاتلوه».
رفض الملك هذا العرض فى كبرياء وصلف، ثقة منه بقدرة جيوشه
بقيادة «رستم» على سحق هؤلاء العرب، وعاد الوفد إلى «سعد بن
أبى وقاص» وقصوا عليه ما حدث، فاستعد هو للمعركة الحاسمة.
وفى «القادسية» دارت رحى الحرب بين الفريقين، واستمرت ثلاثة
أيام ونصف اليوم الرابع، وأسفرت عن نصر حاسم للمسلمين، وهزيمة
منكرة للفرس، وقتل قائدهم «رستم»، وتشتيت من نجا منهم من
القتل.
وتُعد معركة «القادسية» من المعارك الفاصلة فى التاريخ؛ لأنها
حسمت أمر «العراق» العربى نهائيا، وأخرجته من السيطرة الفارسية
التى دامت قرونًا، وأعادته إلى أهله العرب المسلمين.
فتح المدائن:
انفتح الطريق أمام المسلمين بعد انتصارهم فى «القادسية» إلى
«المدائن» عاصمة الفرس، فعبر «سعد» نهر «دجلة» من أضيق مكان
فيه بنصيحة «سلمان الفارسى»، ودخل «المدائن»؛ ليجد الملك
الفارسى قد فرَّ منها، وكان قبل أيام قليلة يهدد المسلمين ويتوعدهم
من قصره الأبيض، مقر ملك الأكاسرة، الذى كان آية من آيات الفخامة
والبهاء.
وفى ذلك القصر صلى «سعد ابن أبى وقاص» صلاة الشكر لله على
هذا الفتح العظيم وتلا فى خشوع قول الله تعالى: ﴿كم تركوا من
جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين كذلك
وأورثناها قومًا آخرين فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا
منظرين﴾. [الدخان: ٢٥ - ٢٩].
أرسل «سعد» إلى «عمر بن الخطاب» رسولا يبشره بالنصر وبما
стр. 91
حازوه من غنائم، ويطلب منه السماح لهم بمواصلة الفتح فى بلاد
فارس، لكن «عمر» رفض ذلك، وقال له: «وددت لو أن بيننا وبينهم
سدًا من نار، لا يصلون إلينا ولا نصل إليهم، حسبنا من الأرض السواد -
أى أرض العراق- إنى آثرت سلامة المسلمين على الأنفال».
معركة نهاوند:
اعتقد «عمر بن الخطاب» أن الفرس سيجنحون إلى السلام بعد
هزيمتهم فى «القادسية»، واسترداد المسلمين «العراق» وهى أرض
عربية، لكن الحوادث كثيرًا ماتكون أقوى من الرجال، وتدفعهم دفعًا
إلى تعديل سياساتهم، فقد وردت الأنباء إلى «عمر» أن الفرس التفوا
حول ملكهم الذى هرب من «المدائن»، واحتشدوا فى جموع هائلة فى
«نهاوند» تصل إلى نحو مائتى ألف جندى بقيادة «الفيرزان».
وكانت سياسة «عمر بن الخطاب» أن يقف بالفتوحات الإسلامية عند
حدود «العراق» و «الشام»، ولايتعداها، حيث قبائل العرب التى نزحت
من شبه الجزيرة العربية وأقامت هناك، أما ما وراء ذلك من أرض
الفرس والروم فلم يكن للمسلمين مطمع فى غزوه وفتحه، ولكن ليس
كل ما يتمناه المرء يدركه، فقد حملت حوادث الفتوحات وتطوراتها
«عمر بن الخطاب» على تعديل سياسته تجاه الفرس والروم.
ولما وصلت أخبار استعداد الفرس جمع «عمر» كبار الصحابة
واستشارهم فى كيفية مواجهة هذا الموقف، فأشاروا عليه بتجهيز
جيش لردع الفرس قبل أن ينقضوا على المسلمين فى بلادهم، فعمل
بمشورتهم، وجهز جيشًا قوامه نحو أربعين ألف مجاهد تحت قيادة
«النعمان بن مقرن».
ودارت معركة «نهاوند»، وانتهت بنصر عظيم للمسلمين، وهزيمة
ساحقة للفرس، وقد سمى المؤرخون المسلمون هذ النصر «فتح
الفتوح»، لأن الفرس قد تفرقت كلمتهم، وانفرط عقد دولتهم بهذا
النصر.
الانسياح فى بلاد فارس:
كانت معركة «نهاوند» من المعارك الفاصلة فى التاريخ، فقد أزالت
نهائيًا الإمبراطورية الفارسية بعد معركتى «القادسية» و «نهاوند»،
ولم تقم لها قائمة بعد ذلك.
стр. 92
وبعد «نهاوند» عقد «عمر بن الخطاب» العزم على القضاء تمامًا على
التهديد الفارسى للدولة الإسلامية ودعوتها، فأعد تسعة جيوش فى
وقت واحد، لفتح جميع المقاطعات الفارسية، من «خراسان» فى
أقصى الشمال الشرقى إلى إقليم «فارس» فى الجنوب الغربى،
ومن «أذربيجان» فى الشمال الغربى إلى «مكران» فى الجنوب
الشرقى، وفى خلال سنة (٢٢هـ) كانت تلك المقاطعات كلها تحت
السيادة الإسلامية، ولم يجبر المسلمون أحدًا من سكانها على الدخول
فى الإسلام، وإنما قبلوا منهم الجزية، وأعطوهم معاهدات، ضمنوا
لهم بمقتضاها حرية العبادة، وحفظوا لهم أنفسهم وأموالهم.
وبدأ تاريخ جديد لبلاد فارس، ذاقت فيه طعم الحرية والعدل؛ وعرفت
معنى المساواة، وتحررت من استبداد الأكاسرة وظلمهم.
استكمال فتح الشام:
بعد تولى «عمر بن الخطاب» الخلافة عزل «خالد بن الوليد» من قيادة
جيوش الشام، وأعاد «أبا عبيدة بن الجراح» إليها، وجعل «خالداً»
تحت قيادته، وقد قبل القائد البطل هذا التعديل دون تذمر، لأنه كان
جنديًا يعمل للإسلام لا لمجده الشخصى، وإذا كان قد احتل المكان
الأعلى بين قادة الفتوحات ببطولاته وانتصاراته، فإنه اعتلى ذروة
أعلى بقبوله العزل، وضرب أروع الأمثلة فى الانضباط والطاعة، وتلك
أهم صفات القادة العظام.
وكانت تعليمات «عمر» لأبى عبيدة بعد «اليرموك»، أن تعود الأمور
إلى ما كانت عليه من قبل فى مطلع فتح الشام، حين رتب ذلك «أبو
بكر الصديق»، فيسير «أبو عبيدة» ومعه «خالد بن الوليد» إلى
«حمص»، و «يزيد بن أبى سفيان» إلى «دمشق»، و «شرحبيل بن
حسنة» إلى «الأردن»، و «عمرو بن العاص» إلى «فلسطين»، وكل
قائد يكون أميرًا على منطقته التى يفتحها، على أن يكون ذلك بعد
أن يشتركوا جميعًا فى فتح «دمشق».
وبعد أن نجح القادة جميعهم فى فتح «دمشق» وأعطوا أهلها
معاهدة صلح بقى «يزيد بن أبى سفيان» أميرًا عليها، فى حين اتجه
стр. 93
القادة الباقون إلى مناطقهم، وفى خلال عامين فقط تم فتح الشام
كله.
وفى سنة (١٥ هـ) جاء «عمر ابن الخطاب» إلى «فلسطين»؛ ليتسلم
مفاتيح «بيت المقدس» من البطريرك «صفرونيوس»، وأعطى معاهدة
لأهلها هى آية فى التسامح والعدل، أمنهم على عقائدهم وأموالهم
وأنفسهم، وأخذت منهم نظير ذلك الجزية لرفضهم الدخول فى
الإسلام.
وقد رفض «عمر بن الخطاب» أن يصلى فى «كنيسة القيامة»، معللا
ذلك بخوفه أن يأتى من المسلمين من يقول: لقد صلى «عمر» فى
الكنيسة فهى من حقنا، وهذا ظلم للمعاهدين لا يقره عمر.
فتح مصر:
بعد فتح «بيت المقدس» اتجه «عمر» إلى الشمال، وعقد فى
«الجابية» جنوبى «دمشق» مؤتمرًا حضره جميع القادة المسلمين،
ناقش فيه ماتم إنجازه والترتيبات اللازمة لإدارة البلاد المفتوحة إدارة
حسنة، والعمل على إشاعة العدل والحرية بين الناس بعد الظلم
والاستبداد والاستعباد الذى ذاقوه من الروم.
وفى هذا المؤتمر عرض «عمرو بن العاص» والى «فلسطين» على
«عمر بن الخطاب» ضرورة فتح «مصر»، لأن فلول قوات الروم فى
«الشام» لجأت إلى «مصر» التى كانت فى ذلك الوقت تحت حكم
الروم، كما لجأ «الأطربون» قائد قواتهم فى فلسطين إلى «مصر»؛
ليستعد من جديد للانقضاض على المسلمين فى الشام، ولذا فإن بقاء
«مصر» فى أيدى الروم سيكون خطرًا على فتوحات المسلمين فى
الشام، بل قد يصل الخطر إلى شبه الجزيرة العربية نفسها.
ولما اقتنع «عمر بن الخطاب» بما أبداه «عمرو بن العاص» أذن له
بالسير إلى «مصر» لفتحها، فخرج فى أربعة آلاف جندى، ودخل
«العريش» دون قتال، ثم توجه إلى «الفرما» (مدينة قديمة شرقى
«بور سعيد») ففتحها بعد معارك يسيرة مع حاميتها الرومية، ثم
توجه إلى «بلبيس» فى محافظة «الشرقية» الحالية، فهزم جيشًا
روميا كان يقوده «الأطربون»، ثم هزم الروم مرة أخرى فى «عين
شمس».
ولما تجمعت قوات الروم كلها فى «حصن بابليون» بالقرب من «مصر
стр. 94
القديمة» الحالية؛ طلب «عمرو» مددًا من الخليفة «عمر»، فأمده
بثمانية آلاف جندى، مكنته من فتح الحصن والاستيلاء عليه، ثم اتجه
إلى «الإسكندرية» ففتحها، وأرسل فرقة من قواته لفتح «الفيوم».
وفى نحو «عامين» (١٩ - ٢١هـ) فتُحت «مصر» بأكملها، وكان فتحًا
سهلا ويسيرًا، لأن القبط لم يشتركوا فى معارك ضد المسلمين، بل
ساعدوهم وقدموا لهم يد العون، فدلوهم على أيسر الطرق، وأمدوهم
بالطعام، تخلُصًا من حكم الروم الذين اضطهدوهم دينيا، مع أنهم
مسيحيون مثلهم، وأرهقوهم بالضرائب، واستغلوهم أبشع استغلال.
ولما تعامل أهل «مصر» مع الفاتحين المسلمين أدركوا أن ما سمعوه
كان حقيقة، فقد منحوهم الحرية الدينية الكاملة، وأعادوا بطريركهم
«بنيامين» إلى كنيسته بالإسكندرية، وكان الروم قد نفوه إلى
«وادى النطرون»، وقد حفظ الرجل هذا العمل الجليل لعمرو بن
العاص، فعاونه كثيرًا فى إدارة «مصر» إدارة حسنة.
وقد أتاح الفتح الإسلامى لمصر جوا من الحرية والتسامح لم تشهده
البلاد منذ زمن بعيد، بنص المعاهدة التى أعطاها «عمرو بن العاص»
لأهل «مصر»: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى عمرو بن
العاص أهل مصر من الأمان على أنفسهم وملتهم وأموالهم وكنائسهم
وصلبهم وبرهم وبحرهم، لا يدخل عليهم شىء من ذلك ولا ينتقص، ولا
يساكنهم النوب - أهل النوبة - وعلى أهل مصر أن يعطوا الجزية ..
ومن دخل فى صلحهم من الروم والنوب، فله مثل ما لهم، وعليه مثل ما
عليهم، ومن أبى واختار الذهاب فهو آمن حتى يبلغ مأمنه، على ما
فى هذا الكتاب عهد الله، وذمة رسوله، وذمة الخليفة أمير المؤمنين،
وذمة المؤمنين».
وقد عمل المسلمون بوصية رسول الله ﷺ التى
أوصاهم فيها بأهل «مصر» خيرًا عندما يفتحونها؛ لأن لهم ذمة
ورحمًا، كما نصحهم أن يتخذوا منها جندًا كثيفًا، فأجنادها من خير
أجناد الأرض، لأنهم وأزواجهم فى رباط إلى يوم القيامة.
стр. 95
عوامل نجاح الفتوحات الإسلامية فى عهد عمر:
فى خلال السنوات العشر التى تولى «عمر» فيها الخلافة (١٣ - ٢٣هـ)
امتدت حدود الدولة الإسلامية من ولاية «برقة» - فى «ليبيا» حاليًا -
غربًا إلى نهر «جيحون» شرقًا، ومن بحر «قزوين» فى الشمال إلى
«المحيط الهندى» فى الجنوب.
وقد حار المؤرخون فى تفسير نجاح هذه الفتوحات، وتعليل
أسبابها، فقد أذهلهم أن العرب الذين كانوا قبل دخولهم الإسلام
قليلى الشأن، لا حول لهم ولا قوة، ولا يأبه بهم أحد ولا يحسب لهم
حساب، هم فى سنوات قليلة ينجحون فى إزالة الإمبراطورية
الفارسية كلها، وهى التى وقفت ندًا للإغريق والرومان نحو ألف
سنة، وفى فتح الشام، و «مصر» وهما أعظم ولايات الدولة البيزنطية
وأكثرها غنى فى الشرق بعد إنزال هزائم قاسية بجيوشها فى
«اليرموك» وغيرها.
وسبب حيرة هؤلاء المؤرخين أنهم يربطون عادة بين الانتصارات
والهزائم فى الحروب، وبين أعداد الجيوش المتحاربة وما معها من
عدة وأسلحة، ولما كان المسلمون أقل عددًا وعتادًا على نحو لا
يقارن بما كان عند الفرس والروم، راحوا يبحثون عن أسباب أخرى
غير قضية العدد والأسلحة، وذهبوا فى ذلك مذاهب شتى.
ذهب بعضهم إلى القول بأن المسلمين واجهوا دولتى الفرس والروم،
وهما فى حالة ضعف وانهيار بعد الحروب الطويلة التى دامت بينهما،
وانتصروا عليهما بسهولة وفى وقت قصير. غير أن هذا التفسير بعيد
عن الواقع ومخالف للحقيقة، فالمعارك التى دارت فى «القادسية»
و «نهاوند» و «اليرموك» لا تؤيد هذا التعليل؛ لأنها كانت معارك
كبيرة، ولم تكن جيوش الفرس والروم فيها ضعيفة، وهى لم تهزم أمام
المسلمين لضعف قوتها المادية من الرجال والأسلحة، ولكن لأن
معنويات أفرادها كانت منحطة إلى أبعد الحدود، فى حين كانت
معنويات المسلمين عالية، ويعرفون الهدف الذى يحاربون من أجله،
وكان الموت أحب إليهم من الحياة.
وهذا هو السبب الرئيسى فى انتصاراتهم الذى نسيه الكتاب الغربيون
стр. 96
أو تناسوه، فمنبع هذه القوة وسبب هذا الانقلاب العظيم الذى لا
يوجد له مثيل فى التاريخ أن العرب أصبحوا بفضل رسالة الإسلام
أصحاب دين ورسالة، فبعثوا بعثًا جديدًا، وخُلقوا من جديد، وعلموا
أن الله قد ابتعثهم ليخرجوا الناس من الظلمات إلى النور، ومن عبادة
العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان
إلى عدل الإسلام، .. وعرفوا أن الله قد ضمن لهم النصر ووعدهم
الفتح، فوثقوا بنصر الله ووعد رسوله، واستهانوا بالقلة والكثرة،
واستخفوا بالمخاوف والأخطار.
وفى ذلك قال المؤرخون: «لما أقبل خالد بن الوليد من العراق،
ليتولى قيادة الجيوش فى الشام لحرب الروم، قال رجل من نصارى
العرب أمامه: ما أكثر الروم وأقل المسلمين، فنهره خالد، وقال له:
ويحك بل قل: ما أكثر المسلمين وأقل الروم إن الجيوش تكثر بالنصر
وتقل بالهزيمة لا بعدد الرجال».
وهذه الحقيقة عرفها أعداؤهم حتى إن هرقل لما انتهى إليه خبر
زحف المسلمين وانتصاراتهم، قال وكان عندئذٍ موجودًا فى حمص:
«ويحكم إن هؤلاء أهل دين جديد، وإنهم لا قبل لأحد بهم، فأطيعونى
وصالحوهم على نصف خراج الشام، ويبقى لكم جبال الروم، وإن أنتم
أبيتم ذلك أخذوا منكم الشام، وضيقوا عليكم جبال الروم».
نتائج الفتوحات الإسلامية وآثارها على العالم:
لقد ترتب على الفتوحات الإسلامية نتائج وآثار بعيدة المدى فى
تاريخ العالم، وإذا ما قورنت بغيرها - مثل فتوحات «الإسكندر»
قبلها، وفتوحات المغول بعدها - فإن تلك المقارنة تظهر عظمة
المسلمين، وأن فتوحاتهم كانت أكثر الفتوحات فى العالم خيرًا
وبركة، ففتوحات «الإسكندر» وامبراطوريته التى شادها فى الشرق
انهارت وتمزقت أوصالها بعد وفاته مباشرة، وأصبحت ذكرى من
ذكريات التاريخ، أما غزوات المغول التى لم يعرف لها تاريخ العالم
مثيلا من قبل فى همجيتها ووحشيتها، فقد دمرت معظم العالم
الإسلامى فى الشرق بما كان فيه من حضارة مزدهرة، ولم يوقف
стр. 97
زحفها المدمر سوى الجيش المصرى فى معركة «عين جالوت» سنة
(٦٥٨هـ).
وهذه الغزوات المغولية البربرية كان يمكن أن ينساها التاريخ أو
يذكرها باعتبارها عملا بربريا ألم بالإنسانية فى مسيرتها الطويلة،
لولا أن الله - تعالى - أدرك برحمته الواسعة هذه الجموع الوحشية
وهداها إلى دينه، فأسلم أغلب المغول، وأظلهم الإسلام بحضارته،
وحولهم من قوة مدمرة إلى طاقة خيرة، ومن أعداء مهاجمين إلى
أتباع مدافعين، بل مشاركين فى صنع الحضارة الإسلامية.
والخلاصة أن كل أرض وصلت إليها الفتوحات الإسلامية انتشر فيها
الإسلام بحرية تامة، ودون إكراه، وانتشرت اللغة العربية والثقافة
الإسلامية، ولم يتراجع الإسلام عن أية منطقة من العالم وصل إليها
سوى «الأندلس» وكان تراجعه لأسباب تعود إلى المسلمين لا إلى
الإسلام وعندما تراجع فى «الأندلس» امتد فى مناطق أخرى فى
«جنوب شرق آسيا» وفى «أوربا» و «إفريقيا» بدون حرب أو
معارك، بل عن طريق الدعاة والتجار المسلمين، مما يدحض كلام من
يقول إن الإسلام انتشر بحد السيف. كما يردد أعداء الإسلام فى
كتاباتهم.
عمر وإدارة الدولة:
تجلت عبقرية «عمر بن الخطاب» أعظم ما تجلت فى ميادين الإدارة،
فقد ضبط نظم الدولة الإسلامية، وكانت مترامية الأطراف، وأحكم
إدارتها بمقدرة فائقة تثير الدهشة والإعجاب، فى وقت كانت فيه
وسائل الاتصال بطيئة تمامًا.
ويصعب على أى باحث أن يحيط بالجوانب الإدارية عند «عمر بن
الخطاب»، ولذا سنتعرض لبعض منها:
أولا: عمر واختيار الولاة:
استعان «عمر بن الخطاب» برجال يديرون شئون الولايات البعيدة
عنه، أما القريبة منه فكان يديرها بنفسه، وكان يقول: «ما يحضرنى
من أموركم لا ينظر فيه أحد غيرى، أما ما بعد عنى فسوف أجتهد
فى توليته أهل الدين والصلاح والتقوى، ثم لا أكتفى بذلك، بل لابد
من متابعتهم؛ لأعرف هل يقومون بالعدل بين الناس أم لا؟».
وكان لعمر بن الخطاب طريقة فى اختيار ولاته، فلم يكن يستعمل
стр. 98
أحدًا من أهل بيته، وقلما استعمل كبار الصحابة على الأمصار، بل
استبقاهم معه فى «المدينة» ليعينوه فى شئون الدولة، ويقدموا له
المشورة، ومن أهم شروط «عمر» فى الوالى:
- القوة والأمانة: والمقصود بالقوة قوة الدين، وقوة الإرادة والحزم
فى الأمور، ومن أقواله المأثورة: «إنى لأتحرج أن أستعمل الرجل
وأنا أجد أقوى منه»، ولذا فقد عزل «شرحبيل بن حسنة» عن
«الأردن»، و «عمير بن سعد» عن «حمص»، وضم ولايتهما إلى
«معاوية بن أبى سفيان»، وكان المعزولان أسبق إسلامًا من
«معاوية» وأفضل، فلما كلمه الناس فى ذلك قال إنه لم يعزلهما عن
سخط أو خيانة، ولكنه كان يريد رجلا أقوى من الرجل.
- الهيبة مع التواضع: أدرك «عمر بن الخطاب» حاجة ولى الأمر إلى
الهيبة واحترام الناس، حتى يستطيع أن يقودهم، ولكن لا ينبغى لها
أن تتجاوز الحد لتصبح تسلطًا وتعاليًا، وكان يقول: «أريد رجلا - أى
واليًا - إذا كان فى القوم وليس أميرهم، كان كأنه أميرهم، وإذا كان
أميرهم كان كأنه واحد منهم».
- الرحمة بالناس: كان «عمر» يختار للولاية من اشتهر بالرحمة ولين
الجانب وحب الخير للناس، وحين كان يولى أحدًا يكتب له كتاب تولية،
ويشهد عليه بعض الصحابة، ويشترط عليه ألا يظلم أحدًا فى جسده
ولا فى ماله، ومن وصاياه لعماله: «ألا وإنى لم أبعثكم أمراء ولا
جبارين، ولكن بعثتكم أئمة الهدى، يهتدى بكم فادرءوا على
المسلمين حقوقهم، ولا تضربوهم فتذلوهم، ولاتغلقوا الأبواب دونهم،
فيأكل قويهم ضعيفهم، ولا تستأثروا عليهم فتظلموهم، ولا تجهلوا
عليهم».
ثانيًا: قواعد العمل بالنسبة إلى العمال والولاة:
لم يكن «عمر» يقنع بحسن اختيار الولاة وفق شروطه، وإنما كان
يحدد لهم أسلوب العمل، والقواعد التى يسيرون عليها، إما فى
صورة خاصة محددة كما كان يحدث فى عهد الولاية، وإما فى
توجيهات عامة كما فى المؤتمرات التى كان يعقدها للعمال والولاة،
وبخاصة فى موسم الحج.
ثالثًا: المتابعة:
стр. 99
فطن «عمر بن الخطاب» إلى فاعلية المتابعة، وأثرها فى حسن سير
الإدارة، ولذا لم يكتفِ بالتدقيق فى اختيار الولاة، وإنما وضع عليهم
العيون والأرصاد، يحصون عليهم حركاتهم وسكناتهم، ويسجلون
أعمالهم وينقلونها إلى الخليفة فور وقوعها، لأنه أدرك أن الخطأ قد
يقع بدون قصد، وأن الانحراف لا يبدأ كبيرًا، وأن كل شىء يمكن
وقفه فى أوله قبل استفحاله، عملا بالحكمة الخالدة: «الوقاية خير من
العلاج».
رابعًا: سياسة الباب المفتوح:
أدرك «عمر بن الخطاب» أن آفة الإدارة فى كل عصر هى احتجاب
كبار المسئولين عن أصحاب الحاجات فتضيع مصالح الناس أو
تتعطل، ولذا لم يكن يتهاون مع أى أمير أو والٍ يسمع أنه يحتجب
عن الناس مهما يكن شأنه، وحين بلغه أن «سعد بن أبى وقاص» قد
بنى بيتًا فى «الكوفة» من طابقين، وسماه الناس قصر «سعد»، لأن
بقية البيوت كانت من طابق واحد، وأنه اتخذ لمكانه الذى يباشر منه
أعمال الولاية بابًا، أرسل إليه «محمد بن مسلمة الأنصارى»، وكان
مبعوث «عمر» فى المهمات الكبيرة، وأمره أن يحرق ذلك الباب الذى
يحول بين الأمير وبين الناس، وأن يقدم بسعد معه، فلما قدم عليه
وبخه ولم يقبل اعتذاره بأن داره قريبة من السوق وأنه كان يتضايق
من ارتفاع أصوات الناس وجلبتهم، ثم رده إلى عمله بعد أن أكد عليه
ألا يعود إلى مثل هذا أبدًا.
خامسًا: المؤتمرات العامة:
ابتكر «عمر» عقد المؤتمرات العامة لمناقشة أمور الدولة، حتى يتيح
لأكبر عدد من المسلمين المشاركة فى صنع السياسة والقرار بالحوار
والمشاورة، فاهتدى إلى استثمار مناسبة الحج، وتجمع الناس فى
البلد الحرام، وقرر أن يحج كل عام، عدا السنة الأولى من خلافته،
وأن يحج معه كل ولاة الأمصار، وهناك يدور النقاش والحساب مع
الولاة عما صنعوا فى عامهم الذى مضى، وما ينوون عمله فى العام
القادم، وفوق ذلك تكون تقارير عيونه بين يديه قبل مجىء الولاة،
بحيث تكون أمورهم كلها واضحة، ولا يستطيع أحد منهم أن ينكر
стр. 100
شيئًا، ولما كانوا يعرفون ذلك فإنهم حرصوا على أن تكون سجلات
أعمالهم نظيفة، فالخليفة لا يتهاون فى حساب المقصر أو من تثبت
عليه مخالفة لشرع الله.
سادسًا: محاسبة الولاة والأمراء:
دأب «عمر بن الخطاب» على محاسبة كل والٍ مقصر، أو من يشتبه
أنه قصر فى عمله، لا يمنعه من ذلك كون الوالى كبير القدر أوصاحب
سابقة فى الإسلام، وقلما نجا والٍ من ولاته من المحاسبة، وإذا كان
الجرم صغيرًا يمكن إصلاحه؛ اكتفى بالتوبيخ، ورد الوالى إلى عمله
كما فعل مع «سعد بن أبى وقاص»، أما إذا كان الجرم كبيرًا من
وجهة نظره؛ فإنه يأمر بعزل الأمير على الفور، ومن أشهر إجراءاته
فى هذا المجال: عزله «خالد بن الوليد» حين علم بأنه أعطى
«الأشعث بن قيس» عشرة آلاف درهم، فساورته شكوك فى أن من
يعطى عشرة آلاف مرة واحدة لرجل واحد، كم يكون لديه؟ فأمر
«أبا عبيدة بن الجراح» أمير الأمراء فى الشام بمحاكمة «خالد»
ومقاسمته ماله، فامتثل «خالد» لهذا العزل كما امتثل من قبل للعزل
الأول عن القيادة العامة.
ولم يكن «عمر» يقصد بهذا التصرف الإساءة إلى «خالد» قط، وإنما
كان يريد أن يعلم الجميع أن الإسلام فوقهم، وليس هناك استثناء
لمخالف، ولو كان قائدًا عظيمًا فى مكانة «خالد».
سابعًا: القدوة الحسنة:
أدرك «عمر» أثر القدوة فى سياسة الناس، وأن عليه أن يعلم الناس
بأعماله قبل أن يعلمهم بأقواله.
وكثيرًا ما كان يردد للناس قوله: «سأسوكم بالأعمال وليس
بالأقوال»، وأن الرعية مؤدية إلى الإمام ما أدى الإمام إلى الله، فإن
رتع الإمام رتعوا.
وكان «عمر» قدوة فى حياته الخاصة، يعيش كما يعيش عامة الناس
دون تميز، وحين فرضوا له عطاءً (راتبًا) من بيت مال المسلمين،
ليعول منه أسرته قدروا له راتبًا يمكنه من معيشة رجل من أوسط
الناس، لا أغناهم ولا أفقرهم.
وفوق ذلك هو يشارك المسلمين ويواسيهم إذا أصابهم ضر، كما حدث
فى عام «الرمادة» المشهور سنة (١٨هـ) الذى أصاب الناس فيه
стр. 101
مجاعة شديدة فى شبه الجزيرة العربية لقلة الأمطار، فكان يجلب
إليهم الأقوات من الأمصار، ويأكل مما يأكله الناس، حتى ساءت
صحته، فنصحه بعض أصحابه بأن يحسِّن من طعامه، ليقوى على
العمل وإنجاز مصالح المسلمين، لكنه أجاب بقوله: «كيف يعنينى
شأن الرعية إذا لم يصبنى ما أصابهم؟».
ولا شك أن ما عبر عنه الخليفة «عمر» هو مفتاح الحكم الصالح فى
كل عصر وزمان فيوم يحس الحاكم بإحساس شعبه فسوف يستقيم
الحكم، وينصلح حال الرعية، ويوم ينفصل الحاكم عن شعبه، وتكون
له حياته الخاصة، فحينئذٍ ينفتح باب الفساد.
وقد حرص «عمر» على أن يجعل من أبنائه وأهله قدوة كذلك،
فأخذهم بما أخذ به نفسه، لأنه الناس ينظرون إليهم، وكان يقول لهم
إذا عزم على أمر يهم المسلمين: «لقد عزمت على كذا وكذا، أو نهيت
الناس عن كذا وكذا، وأقسم بالله لو خالفنى أحد منكم لأضاعفن له
العقوبة».
بهذه الإجراءات حصن «عمر» نفسه وأولاده وكل من يلوذون به ضد
أية انحرافات أو إغراءات، فأطاعه المسلمون وأحبوه سواء أكانوا
أمراء أم من عامة الناس، ولم يعرف التاريخ رجلا بعد رسول الله
ﷺ و «أبى بكر الصديق» أطاعه كبار الأمراء
وصغارهم كما أطاعوا «عمر بن الخطاب»، لا لهيبته فى عيونهم
فحسب، بل للقدوة الحسنة فى حياته وانضباطه الشديد، ولهذا كله
احتل مكانة عالية فى التاريخ الإنسانى.
عدل عمر بن الخطاب:
لم ترتبط صفة من صفات «عمر» الكثيرة باسمه كما ارتبطت به صفة
العدل، فإذا ذُكر «عمر» ذكر الناس عدله، الذى كان لا يفرِّق بين
قريب وبعيد، أو كبير وصغير، أو صديق وعدو، والأخبار المتواترة
فى ذلك أكثر من أن تحصى، ولعل قصته مع «أبى مريم السلولى»
قاتل أخيه «زيد» فى معركة «اليمامة» أصدق مثال على تجرده فى
عدله، وعدم خلطه بين عواطفه ومسئولياته باعتباره حاكمًا يُجرى
العدل بين الناس.
فحين قابل «عمر» - وهو خليفة - قاتل أخيه بعد أن أسلم، قال له:
стр. 102
أأنت قاتل «زيد بن الخطاب»؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: والله
لا أحبك أبدًا، فقال «أبو مريم»: أو تمنعنى بذلك حقا لى، قال: لا.
قال: إذًا يا أمير المؤمنين إنما يأسى على الحب النساء. يريد أنه
مادام لا يظلمه الخليفة فلا يعنيه أحبه أم كرهه، لأن النساء هن اللائى
يأسفن على الحب.
ولا لوم على «عمر» فى التعبير عن عواطفه التى لا يملكها تجاه
قاتل أخيه، فقد ورد أن النبى ﷺ قال لوحشى
قاتل عمه «حمزة بن عبدالمطلب» حين رآه بعدما أسلم: «غيِّب وجهك
عنى يا وحشى لا أراك». ولكن للقصة دلالة على ضبط النفس والتجرد
المطلق لعمر ابن الخطاب، فلم يحمله غضبه من قاتل أخيه على ظلمه.
وامتد عدل «عمر» ليشمل كل من يعيش على أرض الإسلام، سواء
أكانوا مسلمين أم غير مسلمين، فحين رأى يهوديا يتسول أحزنه
ذلك. وأخذ الرجل من يده، وأعطاه معونة عاجلة من بيت الدقيق (٨)،
وأمر له براتب دائم من بيت مال المسلمين.
إحساسه بالمسئولية:
بلغ من شدة إحساس «عمر» بالمسئولية أنه لم يكتفِ بأن يكون
مسئولا عن حياة البشر الذين يعيشون فى دولته، بل مسئولا عن
البهائم والدواب أيضًا. وذلك فى مقولته الشهيرة: «والله لو أن بغلة
عثرت بشط الفرات لكنت مسئولا عنها أمام الله، لماذا لم أعبد -
أسوى - لها الطريق».
وأعمال «عمر» العظيمة من الفتوحات واستكمال بناء الدولة
ومؤسساتها لم تشغله عن متابعة أحوال الناس وتفقدها؛ ليقف على
أوجه النقص ليتلافاها أولا بأول، فكان كثير الطواف ليلا بالمدينة،
وسمع ذات ليلة طفلا يبكى بكاء مستمرا، فسأل عن أمره، فعرف أن
أمه منعت عنه الرضاع، لأنه لا يُفرض عطاء من بيت المال إلا للأطفال
المفطومين، فانزعج «عمر»، وأصدر أوامره أن يفرض عطاء لكل
مولود فى الإسلام، ونادى مناديه: لا تعجلوا فطام أولادكم.
وحوادث «عمر» التى من هذا القبيل كثيرة، وقد يظنها بعض الناس
стр. 103
أنها من المبالغات، ولكنها متواترة فى المصادر التى أرَّخت لعمر
وعصره، فمن يصدق أن خليفة المسلمين يأخذ امرأته «أم كلثوم بنت
على بن أبى طالب» ومعها كل ما تحتاج إليه عملية ولادة، لمساعدة
امرأة غريبة جاءها المخاض، فيشترك هو معها فى الإشراف على
ولادتها؛ وصنع الطعام لها، ولما أنجز مهمته، قال لزوج المرأة: «إذا
كان الغد فأتنا نأمر لك بما يصلحك»، ففعل الرجل فأجازه وأعطاه.
عمر والقضاء:
عندما بويع «أبو بكر» بالخلافة شكى لعمر من كثرة أعبائها وخوفه
من عدم النهوض بكل مسئولياتها، فقال له «عمر»: «أنا أكفيك
القضاء وأبو عبيدة يكفيك الأموال»، ومعنى ذلك أن «عمر» كان
قاضيًا لأبى بكر.
وفى عهد «عمر» اتسعت الدولة، واحتاج كل إقليم إلى قاضٍ، فعين
«عمر» القضاة وكان يدقق فى اختيارهم، فعين: «شريح بن الحارث
الكندى» على قضاء «الكوفة»، و «أبا الدرداء» على قضاء الشام،
و «عثمان بن قيس» على قضاء «مصر».
ولم يكن «عمر» فى حاجة إلى سن قوانين للقضاة، لأنهم يحكمون
طبقًا لكتاب الله وسنة رسوله، ولكنه كان فى حاجة إلى تعليمهم
كيف يتصرفون حين يلتبس الأمر عليهم، وقد كتب لأحدهم يقول له:
«فإن جاءك أمر ليس فى كتاب الله ولم تكن فيه سنة من رسول الله،
ولم يتكلم فيه أحد قبلك، فاختر أى الأمرين شئتَ، إن شئتَ أن تجتهد
رأيك وتقدِّم فتقدم، وإن شئتَ أن تأخَّر فتأخر».
ومن أعظم وصاياه للقضاة وصيته لأبى موسى الأشعرى، ومما جاء
فيها: «آس - أى سوِّ بين الناس فى مجلسك ووجهك - حتى لا يطمع
شريف فى حيفك - ظلمك - ولا ييأس ضعيف من عدلك، والبينة على من
ادعى واليمين على من أنكر، والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا
حرَّم حلالا أو حلل حرامًا .. ».
إصلاحات عمر بن الخطاب وإنشاءاته:
لعمر بن الخطاب كثير من الإصلاحات والإنشاءات التى لم يُسبق إليها،
وسماها مؤرخو سيرته «أوليات عمر»، فهو أول من سُمى أمير
стр. 104
المؤمنين، وأول من اتخذ حادث الهجرة مبدأ التاريخ للدولة الإسلامية،
بعد أن استشار فى ذلك كبار الصحابة، وهو أول من اتخذ بيت
المال، وهو يشبه خزانة الدولة، وأول من مصَّر الأمصار، أى بنى مدنًا
جديدة كالبصرة و «الكوفة» فى «العراق»، و «الفسطاط» - حى مصر
القديمة حاليا - فى «مصر»، وأول من وسَّع مسجد رسول الله - صلى
الله عليه وسلم -، وأدخل فيه دار «العباس بن عبد المطلب»، وفرشه
بالحصباء، أى الحجارة الصغيرة، وكانوا قبل ذلك يصلون على
التراب.
وهو أول من دوَّن الدواوين، وهى تشبه الوزارات فى الوقت الحاضر،
وقد اقتبس هذا النظام من الفرس والروم، فأنشأ «ديوان العطاء»،
وكان مختصًا بالعطاء الذى فرضه «عمر» للمسلمين، وأنشأ «ديوان
الجند» - وزارة الدفاع حاليًا - و «ديوان الخراج» - وزارة المالية -
و «نظام البريد» الذى كان يُستخدم فى أمور الدولة.
ومن أعظم اجتهاداته إبقاؤه الأرض المفتوحة فى أيدى أهلها
يزرعونها، ويدفعون خراجًا -إيجارًا - للدولة، تنفق منه على الجيش
والمرافق العامة، كما أمر بإعادة مسح الأرض - أى قياسها
واختبارها - ووضع الخراج المناسب عليها. حسب جودة الأرض.
وهو أول من قنن الجزية على أهل الذمة، فوضع على الأغنياء ثمانية
وأربعين درهما للفرد الواحد فى السنة، وعلى متوسطى الحال أربعة
وعشرين درهمًا، وعلى الفقراء القادرين على الكسب اثنى عشر
درهمًا، وأعفى منها الشيوخ والنساء والأطفال ورجال الدين
والعاجزين عن الكسب، وقد سبق القول إنه فرض للعاجزين عن
الكسب من أهل الذمة عطاءً من بيت المال.
وكما ترك «عمر بن الخطاب» الأرض لأهلها يزرعونها؛ ترك معظم
الدواوين - وبخاصة «ديوان الخراج» - فى أيدى أبناء البلاد المفتوحة
يزاولونها بلغاتها؛ لأنها كما يقول العقاد: «ليست من أسرار الدولة،
وليس من الميسور أن ينصرف إليها فتيان العرب عما هو أولى بهم،
وهو فرائض الدفاع والجهاد».
стр. 105
ولاشك أن ترك تلك الأعمال فى أيدى أبناء البلاد المفتوحة كان
مبعث ارتياح لهم، فاطمأنوا للحكم الإسلامى، بل أخذوا يعتنقون
الإسلام، ويتعلمون اللغة العربية.
استشهاده:
فى يوم الأربعاء الموافق ٢٦ من شهر ذى الحجة سنة ٢٣هـ وبينما
«عمر بن الخطاب» يسوِّى صفوف المسلمين فى صلاة الفجر كعادته
كل يوم، وبدأ ينوى مكبرًا للصلاة، إذا بأبى لؤلؤة المجوسى يسدد
للخليفة عدة طعنات بخنجر مسموم، فقطع أمعاءه، وسقط مغشيًا
عليه، واضطرب المسلمون فى الصلاة اضطرابًا شديدًا من هول
المفاجأة، وأقبلوا على القاتل محاولين القبض عليه، لكنه أخذ يضرب
شمالا ويمينًا بدون هدى، فأصاب اثنى عشر من الصحابة، مات ستة
منهم، ثم أتاه رجل من خلفه وألقى عليه رداءه وطرحه أرضًا فلما
أيقن «أبو لؤلؤة» أنه مقبوض عليه لا محالة، طعن نفسه بالخنجر
الذى طعن به أمير المؤمنين، ومات على الفور قبل موت الخليفة نفسه
ومات معه السر الخفى الذى دفعه إلى هذه الجريمة البشعة.
حمل المسلمون الخليفة إلى بيته، وظل فاقد الوعى فترة طويلة، فلما
أفاق كان أول سؤال سأله للمسلمين: هل صليتم الصبح؟ قالوا: نعم،
قال: الحمد لله، لا إسلام لمن ترك الصلاة، ثم سأل: من الذى قتلنى؟
قالوا: «أبو لؤلؤة» غلام «المغيرة بن شعبة». قال: الحمد لله الذى
جعل منيتى على يد رجل كافر، لم يسجد لله سجدة واحدة يحاجنى
بها عند الله يوم القيامة.
المؤامرة:
كان «أبو لؤلؤة» غلامًا مجوسيا، أُسِرَ فى معركة «نهاوند»، ووقع
من نصيب المغيرة بن شعبة، وكان يجيد حرفًا كثيرة كالحدادة
والنجارة، وكان سيده يتركه يعمل ويأخذ منه درهمين فى اليوم.
فاشتكى إلى أمير المؤمنين «عمر» مستكثرًا الدرهمين، فسأله
«عمر» عن صناعته، فأخبره، فقال: لا أرى ذلك كثيرًا، وكانت تلك
المهن رائجة فى ذلك الوقت وتدرُّ عليه مالا وفيرًا، فحقدها العبد
المجوسى وعزم على قتله.
هذا هو السبب الظاهر الذى روته كتب التاريخ والسير، لكنه لا يقنع
стр. 106
وحده بارتكاب جريمة خطيرة كهذه، فالأمر أكبر من ذلك وأبعد
مدى، ووراءه تدبير واسع ومؤامرة محكمة نُسجت خيوطها فى بلاد
فارس وكان فيها «أبو لؤلؤة» أداة تنفيذ فحسب، وكان هو مستعدًا
بتكوينه للقيام بها، فقد رُوى عنه أنه كان كلما رأى أسرى بلاده
فى «المدينة»، يقول: «أكل عمر كبدى»، لأن «عمر» هو الذى أزال
دولة الفرس وأنزل الأكاسرة من على عروشهم.
ولم تكن الجريمة فارسية فقط باشتراك «أبى لؤلؤة»، و «الهرمزان»
الذى كان أميرًا فارسيا وأُسِرَ فى إحدى الحروب وجاء إلى
«المدينة» وأظهر الإسلام، بل كانت يهودية باشتراك «كعب الأحبار»،
ونصرانية باشتراك «جفينة».
وكان «كعب الأحبار» يهوديا ادعى الإسلام، جاء إلى «عمر» قبل
طعنه بثلاثة أيام، وقال له: يا أمير المؤمنين اعهد - أى اختر لك خلفًا
يعقبك فى الحكم - فإنك ميت بعد ثلاثة أيام، فتعجب «عمر» وسأله
كيف عرفت ذلك؟ قال: أجده فى التوراة، فقال «عمر»: يا سبحان
الله! هل تجد «عمر بن الخطاب» مذكورًا فى التوراة، قال: أجدك
بصفتك. لكن «عمر» لم يعط لهذا الحديث اهتمامًا، فهل كان «كعب
الأحبار» على علم بما دبره «أبو لؤلؤة المجوسى» وبقية شركائه؟
يقول الدكتور «هيكل»: «لابد إذًا أن يكون كعب الأحبار عرف بسر
ماكان يجرى، فوجه النذير إلى «عمر»، وأغفل «عمر» أمر هذا
النذير .. فحدث ما حدث، ونذير «كعب» وطعنات «أبى لؤلؤة» تدل
على أن فى الأمر سرا لم يظهر ساعة ارتكاب الجريمة؛ لكنه ظهر من
بعد».
أما «الهرمزان» و «جفينة» فأمرهما أوضح من أمر «كعب الأحبار»،
واشتراكهما فى الجريمة لا لبس فيه، فقد شهد «عبدالرحمن بن عوف»
أنه رأى الخنجر الذى طُعِن به «عمر» مع «الهرمزان» و «جفينة» فى
اليوم السابق ليوم الجريمة، وسألهما ماذا يصنعان به؟ فقالا: نقطع
به اللحم، وشهد «عبدالرحمن بن أبى بكر الصديق» أنه مرَّ فى الليلة
التى طعن «أبو لؤلؤة» «عمر» فى صبيحتها فى أحد طرق
стр. 107
«المدينة»، فوجد «أبا لؤلؤة» و «الهرمزان» و «جفينة» يتناجون -
يتحدثون سرا - فلما طلع عليهم فجأة، قام «أبو لؤلؤة» مرتبكًا،
فسقط منه الخنجر نفسه الذى طعن به «عمر».
ومما يؤكد أن قتل «عمر بن الخطاب» كان مؤامرة انتحار «أبى
لؤلؤة» نفسه، فليس هناك رجل يقدم على عمل كهذا من أجل بضعة
دراهم، حتى لو رأى أن «عمر» لم ينصفه، فقد كان بإمكانه أن
يعاود الشكوى ويأخذ حقه، ولكن العبد المجوسى مُلئ حقدًا، وأوعز
عليه فأقدم على جريمته إقدام من يؤمن بأنه يقوم بعمل بطولى
يستحق أن يدفع من أجله حياته.
وهناك أمر آخر يؤكد المؤامرة، وأنها نُسجت خيوطها فى بلاد فارس
نفسها، وهو ثورة معظم بلاد فارس على المسلمين، ونقض معاهدات
الصلح، التى وقعها معهم الفاتحون المسلمون، فور سماعهم خبر
مقتل «عمر»، وكأنهم كانوا ينتظرون ذلك بصبر نافد؛ لأنهم ظنوا أن
وفاة «عمر» هى فرصتهم لإعادة الأمور إلى ماكانت عليه قبل
الفتوحات.
تفكير عمر فى أمر الخلافة ووفاته:
أيقن «عمر بن الخطاب» بعد طعنه أنه لم يبق من عمره سوى
ساعات، وكذلك أيقن المسلمون، ولذا ألحوا عليه أن يختار لهم من
يخلفه فيهم، فرشَّح لهم ستة من الصحابة، هم بقية العشرة المبشرين
بالجنة، يختارون من بينهم واحدًا للخلافة، ومع أن ابن عمه «سعيد بن
زيد بن عمرو بن نُفيل» واحد من العشرة المبشرين بالجنة، فقد
استبعده من الترشيح، خوفًا أن يقع عليه الاختيار لقرابته منه، كما
استبعد ابنه «عبد الله» من الترشيح تمامًا، بل رد على من اقترح عليه
ترشيحه ردا قاسيًا، إبعادًا لشبهة الوراثة عن نظام الحكم الإسلامى،
وجعل الأمر فى يد الأمة تختار الأصلح ليتولى أمرها.
قال «عمر» لهم: «عليكم هؤلاء الرهط الذين قال رسول الله - صلى الله
عليه وسلم -: إنهم من أهل الجنة، سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل
منهم، ولست مدخله فيهم، ولكن الستة، هم: على بن أبى طالب،
وعثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وسعد بن أبى وقاص،
стр. 108
وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة بن عبيد الله».
واهتم «عمر» وهو فى تلك الحال بأمر دفنه، وطلب أن يُدفن إلى
جوار الرسول ﷺ و «أبى بكر الصديق» - رضى الله
عنه - فى بيت «عائشة»، لينعم بصحبته فى الآخرة كما نعم بها فى
الدنيا، فأرسل ابنه «عبد الله» إلى «عائشة» - رضى الله عنهما -
وقال له: قل لها: «عمر» يقرأ عليك السلام ويستأذنك فى أن يُدفن
مع صاحبيه، فأتاها «عبد الله» فوجدها تبكى، فسلم عليها، ثم قال
لها ما أمره به أبوه، فقالت: «كنت والله أريده لنفسى - أى المكان -
ولأوثرنه به اليوم على نفسى»، فلما رجع «عبد الله»، وأخبر أباه أن
«عائشة» أذنت له، تهلل وجهه، وقال: الحمد لله ماكان شىء أهم
إلى من ذلك المضجع.
وفى اليوم التالى لطعنه أى يوم الخميس الموافق ٢٧ من ذى الحجة
سنة ٢٣هـ فاضت روح «عمر» بعد أن قضى فى الخلافة عشر سنوات
وبضعة شهور، وكُفن فى ثلاثة أثواب أسوة بكفن رسول الله،
وصلى عليه «صهيب الرومى» -رضى الله عنه - وكان «عمر» قد أمره
أن يصلى بالناس بعد طعنه، ودُفن مع رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - و «أبى بكر الصديق».
стр. 109
الفصل الثامن
*خلافة عثمان بن عفان (٢٤ - ٣٥)
نسبه:
هو «عثمان بن عفان بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد
مناف»، ولِد بعد «عام الفيل» بست سنوات (٥٧٦م)، وأمه «أروى بنت
كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس»،فعثمان يلتقى فى نسبه من
جهة أمه وأبيه مع النبى ﷺ فى «عبدمناف».
صفاته:
كان ربعة من الرجال، ليس بالقصير ولا بالطويل، حسن الوجه أبيض
مشربًا بحمرة، غزير الشعر يكسو ذراعيه شعر طويل، طويل اللحية،
ومن أحسن الناس ثغرًا.
أخلاقه:
أجمعت المصادر التى أرخت له على وصفه بسماحة النفس، ورقة
المشاعر، وكان رضى الخلق، كريمًا، شديد الحياء، صوَّامًا قوَّامًا،
محبوبًا من الناس فى جاهليته وإسلامه.
وتحدث هو عن نفسه فقال: لقد اختبأت لى عند ربى عشرًا، إنى
لرابع أربعة فى الإسلام، ولقد ائتمننى رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - على ابنته - رقية - ثم توفيت، فزوجنى الأخرى - أم كلثوم -
ووالله ما سرقت ولا زنيت فى جاهلية ولا إسلام قط ولا تغنيت، ولا
تمنيت ولا مسحت فرجى بيمينى منذ بايعت رسول الله، ولقد جمعت
القرآن على عهد رسول الله، ولا مرت بى جمعة منذ أسلمت إلا وأنا
أعتق فيها رقبة، فإن لم أجد فيها رقبة أعتقت فى التى تليها
رقبتين.
إسلامه:
أسلم «عثمان» مبكرًا، وكان الذى دعاه إلى الإسلام هو «أبو بكر
الصديق»، وجاء به إلى رسول الله ﷺ فأسلم على
يديه بعد إسلام «أبى بكر» مباشرة، ولذا كان يقول: «إنى لرابع
أربعة فى الإسلام بعد «أبى بكر» و «خديجة» و «زيد بن حارثة»،
وحرص عثمان على إسلامه أشد الحرص، على الرغم من الضغوط التى
تعرض لها، فعندما علم عمه «الحكم بن أبى العاص» بإسلامه أوثقه
بالحبال، وقال له: «ترغب عن دين آبائك إلى دين محدث؟ والله لا
أدعك حتى تدع ما أنت فيه» فأجابه «عثمان»: «والله لا أدعه أبدًا
ولا أفارقه».
مصاهرته للرسول ﷺ :
стр. 110
تزوج «عثمان بن عفان» من ابنتى رسول الله ﷺ ،
فتزوج «رقية»، وظلت معه حتى تُوفيت يوم انتصار المسلمين فى
غزوة «بدر»، ولهذا لم يحضر «عثمان» «بدرًا»، لأن الرسول - صلى الله
عليه وسلم - أمره بالبقاء معها لتمريضها، وقد عده النبى - صلى الله
عليه وسلم - من البدريين رغم غيابه عن المعركة، وفرض له فى
غنائمها، ثم زوجه النبى ﷺ ابنته «أم كلثوم»،
ولهذا لُقب بذى النورين، فلما توفيت فى العام التاسع من الهجرة؛
حزن «عُثمان» حزنًا شديدًا؛ لانقطاع مصاهرته للنبى - صلى الله عليه
وسلم -، فواساه مواساة رقيقة قائلا: «لو كانت لنا أخرى لزوجناكها
يا عثمان».
عثمان مع النبى ﷺ :
جاهد «عثمان بن عفان» منذ أن أسلم مع النبى - صلى الله عليه
وسلم - بماله ونفسه، فهاجر الهجرتين: إلى «الحبشة» وإلى
«المدينة»، وصاحبته زوجه رقية بنت النبى ﷺ ،
وتحمل كثيرًا من الأذى.
بذل «عثمان» ماله فى سبيل الله ونصرة دعوته، وكان من أكثر
«قريش» مالا، فاشترى «بئر رومة» باثنى عشر ألف درهم، وجعلها
للمسلمين فى «المدينة»، وكانوا يعانون من قلة المياه، وغلاء
أسعارها.
كما أنفق ماله فى تجهيز الجيوش وبخاصة جيش العسرة فى غزوة
«تبوك» فى العام التاسع من الهجرة، فقد جهز وحده ثلث الجيش،
وكان عدده نحو ثلاثين ألفًا، فدعا له رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - بخير، وقال: «ماضر عثمان مافعل بعد اليوم»، قالها مرتين.
وشهد «عثمان» المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ،
عدا غزوة «بدر»، فقد تخلف عنها بأمر من النبى - صلى الله عليه
وسلم -، وأرسله النبى إلى «مكة» عام «الحديبية» لمفاوضة «قريش»،
بعد اعتذار «عمر بن الخطاب» لرسول الله بقوله: «إنى أخشى على
نفسى من «قريش» لشدتى عليها وعداوتى إياها، ولكنى أدلك على
رجل أمنع وأقوى بها منى، عثمان بن عفان».
следующие страницы →