Полный текст (3 483 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
تبعيتهم، وتم لهم ذلك واستمر حتى دبَّ الضعف والتفكك بين سلاطين
«بنى حفص» وأفراد أسرتهم، فوجه إليهم بنو زيان عدة ضربات
متوالية، وتمكنوا من هزيمتهم والاستيلاء على «تونس» فى سنة
(٧٣٠هـ= ١٣٣٠م).
وعلى الرغم مما سبق فقد شهدت العلاقات الزيانية الحفصية - أحيانًا-
بعض حالات الهدوء، وحسن الجوار، وتجلى ذلك حين صاهرهم
«يغمراس» وزوَّج ابنه «عثمان» إحدى بنات «أبى إسحاق الحفصى»
فى سنة (٦٨١هـ= ١٢٨٢م).
بعض المظاهر الحضارية:
- النظام السياسى والإدارى:
كان الحكم فى «دولة بنى زيان» وراثيا، وكانت ألقاب حكامهم
تتراوح بين «أمير المسلمين» ولقب «السلطان»، وقد تفشت ظاهرة
قتل سلاطينهم على أيدى أفراد أسرتهم الحاكمة للوصول إلى
الحكم، كما فعل «تاشفين» مع والده «أبى حمو».
وتعددت المناصب الإدارية فى هذه الدولة، وجاء منصب «الوزارة»
فى مقدمتها، كما كان قاضى القضاة يتقدم مجموعة القضاة بالدولة،
وكذلك كان قائد الجيش من رجال هذه الدولة البارزين، ولذا كان
السلطان يختاره من أفراد أسرته، أو يتولى هو مكانه، ويخرج
بنفسه على رأس الجيوش. وكان ديوان الإنشاء والتوقيع من أبرز
الدواوين، لأنه يختص بالمراسيم السلطانية، ومراسلات الدولة مع
غيرها من الدول.
الحياة الاقتصادية:
تمتع «المغرب الأوسط» بسطح متنوع، جمع بين السهل الساحلى
والوديان الداخلية، وسلسلة جبال الأطلس، فضلاً عن تمتعه بمناخ
يختلف من منطقة إلى أخرى، وبتربة خصبة صالحة للزراعة، وبأنهار
منتشرة فى كل مكان مثل نهرى «شلف» و «سيرات»، وبعيون مائية
منبثة، وبأمطار تسقط على منطقة الساحل، فهيأت كل هذه العناصر
لقيام زراعة ناجحة، أولاها ولاة الأمر عنايتهم ورعايتهم، فتنوعت
المحاصيل الزراعية، كما ازدهرت صناعة الأقمشة الحريرية والصوفية،
وصناعة السجاد والبسط، وكذلك صناعة السفن الحربية والتجارية،
والأسلحة، والمصنوعات الجلدية، والمشغولات الذهبية والفضية
والنحاسية.
стр. 737
وكان لموقع «المغرب الأوسط» دور كبير فى تنشيط التجارة،
باعتباره همزة الوصل بين المغربين الأدنى والأقصى، حيث تمتد
شواطئه، وتكثر موانيه المطلة على «البحر المتوسط»، فضلا عن طرق
التجارة المتعددة بجنوبه، والتى كانت تمر منها القوافل التجارية
القادمة من جنوب الصحراء قاصدة الموانى المطلة على «البحر
المتوسط»، لتكمل رحلتها إلى «أوربا» وغيرها من المناطق.
وقد تعددت صادرات «المغرب الأوسط»، وكان الصوف والأسلحة
والمنتجات الزراعية من أهم صادرات «بنى زيان» وأسهمت موانى:
«وهران» و «تنس» و «الجزائر» و «بجاية» إسهامًا بارزًا فى تنشيط
التجارة، وازدهار الاقتصاد، وكان ذلك سببًا رئيسيا فى اهتمام
سلاطين «بنى زيان» بالبناء والتعمير، فتنوعت فى عهدهم
المؤسسات وعُنوا بإنشاء المساجد والمدارس والقصور، والمنشآت
العسكرية، وكانت أبرز مساجدهم هى: «مسجد أبى الحسن» الذى
أمر «عثمان بن يغمراس» ببنائه سنة (٦٩٦هـ= ١٢٩٦م)، و «مسجد
الولى إبراهيم» الذى تم بناؤه فى عهد أبى حمو الثانى، كما شهد
عهد «أبى تاشفين الأول» نهضة عمرانية كبيرة.
وتعددت المدارس بتلمسان ووهران، وكانت أبرز هذه المدارس هى
«المدرسة التاشفينية» (أو المدرسة القديمة) التى أنشأها «أبو
تاشفين بن عبد الرحمن» (٧١٨ - ٧٣٦هـ = ١٣١٨ - ١٣٣٦م)، و «المدرسة
اليعقوبية» التى بناها «أبو حمو موسى الثانى»، وكان افتتاحها
فى الخامس من صفر سنة (٧٦٥هـ= نوفمبر ١٣٦٣م).
وبنى «بنو زيان» الحصون والأبراج والأسوار والقلاع العسكرية
لتحصين بلادهم، ومن أبرز قلاعهم: قلعة «تامز يزدكت» التى كانت
مركز مقاومتهم على الحدود الشرقية مع «بنى حفص».
الحياة الفكرية:
اهتم «بنو زيان» بتنشيط الحركة الفكرية فى بلادهم، ودعموها
بإنشاء المدارس والمساجد والكتاتيب والزوايا لتعليم الطلاب، ولم
يختلف أسلوب التعليم فى دولتهم عن مثيله فى «دولة بنى مرين»
و «دولة الحفصيين»، وامتلأت المؤسسات التعليمية بالعلماء
стр. 738
المتخصصين فى كل علم وفن، وقد لقى هؤلاء من الدولة معاملة
حسنة وأغدقت عليهم المنح والعطايا، وولتهم المناصب الرفيعة حتى
ينهضوا بالمستوى التعليمى والفكرى فى البلاد.
واستعاد المذهب المالكى مكانته بدولة «بنى زيان» كما استعاده
فى بقية الدول الأخرى عقب سقوط «دولة الموحدين»، وازدهرت علوم
التفسير والفقه والحديث والمنطق والجدل والكلام، وغيرها من العلوم،
وتبوأت مجموعة من العلماء مكانة ممتازة لدى «بنى زيان»، منهم:
«أبو إسحاق إبراهيم بن يخلف التنسى» المتوفى عام (٦٨٠هـ=
١٢٨١م)، و «أبو عبدالله محمد بن محمد المقرى» المتوفى عام (٧٥٩هـ=
١٣٥٨م) والذى تتلمذ على يديه مجموعة من العلماء النابغين، أمثال:
ابن الخطيب، وابن خلدون، والشاطبى وغيرهم.
وبرزت كذلك جماعة من العلماء فى علوم اللغة والأدب منهم: «أبو
عبدالله بن عمر بن خميس التلمسانى» المتوفى عام (٧٠٨هـ= ١٣٠٨م)،
وقد أشرف على «ديوان الإنشاء» بتلمسان فى عهد «عثمان بن
يغمراس»، و «أبو عبدالله محمد بن منصور القرشى التلمسانى» الذى
أنشأ «ديوان الرسائل» فى عهد أبى حمو الأول.
الدولة الحفصية:
[٦٢٥ - ٨٩٣ هـ= ١٢٢٨ - ١٤٨٨م]:
ينتسب الحفصيون إلى «أبى حفص عمر بن يحيى» الذى ينتمى إلى
«قبيلة هنتانة»، وهى من قبائل المصامدة التى عاشت بالمغرب
الأقصى، واتخذت المعاقل والحصون، وشيدت المبانى والقصور،
وامتهنوا الفلاحة وزراعة الأرض. وقد طمع الحفصيون فى الاستقلال
بإفريقية بعد هزيمة الموحدين فى معركة «العقاب» بالأندلس فى
سنة (٦٠٩هـ= ١٢١٢م)، وعملوا على تحقيق ذلك حتى سنة (٦٢٥هـ=
١٢٢٨م)، فوصل «أبو زكريا بن عبدالواحد الحفصى» إلى مقعد
الإمارة بتونس، ومهد لقيام «دولة الحفصيين» حتى سنة (٦٢٧هـ=
١٢٣٠م) فبايعه الحفصيون واستقل عن طاعة الموحدين وضم إليه
«الجزائر» و «تلمسان».
وقد واجهت الدولة الحفصية عدة ثورات، إلا أنها تمكنت من القضاء
عليها فى عهد قوتها، فلما حل الضعف بخلفاء الأمير «أبى زكريا
стр. 739
الحفصى»، زادت الخلافات بين أفراد الأسرة الحاكمة، وقامت الثورات
فى أماكن كثيرة، ولم يتمكن أمراء الحفصيين من مواجهة هذه
الاضطرابات، فحل الضعف بدولتهم حتى سقطت على أيدى العثمانيين
سنة (٨٩٣هـ=١٤٨٨م).
العلاقات الخارجية:
تنوعت علاقات «الدولة الحفصية»، وشملت «الأندلس»، و «أوربا»،
ودول: «بنى مرين» والوطاسيين والزيانيين.
واتسمت علاقتهم بالأندلسيين بالهدوء تارة وبالتوتر والمنافسة تارة
أخرى، وكذلك تمثلت علاقتهم بالأوربيين فى عدة حملات عسكرية،
عُرفت باسم الحروب الصليبية، وسعى الصليبيون إلى تحويل مسلمى
«المغرب الأدنى» إلى المسيحية، غير أن وباءً تفشى بالمعسكر
الصليبى، وتوفى لويس متأثرًا بهذا الوباء، فلجأ الصليبيون إلى
التفاوض والصلح مع الحفصيين، ثم الانسحاب فى سنة (٦٦٩هـ=
١٢٧٠م) ولكن الصليبيين عاودوا الهجوم على مدينة «طرابلس» فى
سنة (٧٥٥هـ= ١٣٥٤م)، واستولوا عليها واستباحوها، ولم يخرجوا
منها إلا بعد الحصول على قدر كبير من المال، ثم توالت حملاتهم
الصليبية بعد ذلك على بلاد «المغرب الأوسط» ومدنه.
وقد مرت العلاقات الحفصية المرينية بعدة مراحل ارتبطت بالأحوال
والظروف السياسية التى كانت تمر بها كل من الدولتين، واتسمت
هذه العلاقات بالصراع بين الطرفين، ودخول بنى حفص فى تبعية
«بنى مرين» فى أحايين كثيرة، ولكن ذلك لم يمنع من قيام بعض
العلاقات الطيبة فى فترة حكم «عثمان ابن أحمد المرينى» (٨٠١ -
٨٢٣هـ = ١٣٩٨ - ١٤٢٠م)، و «عبدالحق بن سعيد المرينى» (٨٦٣ -
٨٦٩هـ = ١٤٥٩ - ١٤٦٥م).
- بعض المظاهر الحضارية:
الجانب السياسى والإدارى:
عرفت «دولة بنى حفص» نظام الخلافة، وكان الحكم بها وراثياًّ،
ويعاون الخليفة هيئة استشارية، يُطلق عليها اسم أشياخ البساط،
وجميعهم من قبيلة «هنتانة» التى تنتمى إليها الأسرة الحاكمة،
وكذلك عرفت هذه الدولة نظام الحجابة، وتطور هذا النظام لدرجة أن
стр. 740
الحاجب كان يفصل فى الأمور دون الرجوع إلى الخليفة، وجاء منصب
الوزارة فى مرتبة تلى منصب الحجابة، ويأتى إلى جانبهما منصب
القضاء الذى أولاه الحفصيون عنايتهم لأهميته.
الحياة الاقتصادية:
تنوعت مصادر الدخل فى «دولة بنى حفص»، وشملت: الضرائب
والزكاة، والجزية، والمصادرات، والخراج، وانتعشت الزراعة وكثرت
المحاصيل، ونشطت الصناعات مثل: المنسوجات بأنواعها،
والصناعات الجلدية والزجاجية، وصناعة الأسلحة والسفن، واستخدم
«بنو حفص» عملة خاصة بهم ليؤكدوا استقلالهم.
الحياة الاجتماعية:
تشكل المجتمع الحفصى من عدة عناصر، وكانت قبيلة هنتاتة
البربرية فى مقدمة هذه العناصر، كما كان العرب المقيمون، والعرب
الهلالية ممن شكلوا هذا المجتمع، تضاف إليهم مجموعات الروم
والأتراك.
وشهدت «الدولة الحفصية» حركة واسعة فى البناء والتعمير، وأقام
الحفصيون المؤسسات التعليمية مثل: الكتاتيب، والزوايا والمساجد،
فقامت بدورها فى دعم العلوم المختلفة وتدريسها، ثم أنشأ
الحفصيون المدارس بالعاصمة «تونس»، وكانت أول مدرسة هى
«المدرسة الشماعية» التى أنشأها «أبو زكريا يحيى الأول» فى
سنة (٦٣٣هـ= ١٢٣٥م)، وتلتها «التوفيقية» فى سنة (٦٥٠هـ= ١٢٥٢م).
وأخذت «الدولة الحفصية» بالمذهب المالكى، واهتمت بالعلوم الدينية
مثل تفسير القرآن، وعلم الحديث، والفقه، وكذلك اهتم الحفصيون
بالعلوم العقلية مثل: المنطق والكيمياء والفلك وغيرها. وساهمت
المكتبات - التى زُوِّدت بالكتب فى شتى فروع المعرفة- فى تنشيط
الحركة الثقافية بالبلاد، وكذا ساهمت المجالس العلمية، التى شجعها
بعض الحكام الحفصيين فى إثراء النشاط العلمى ودعمه.
وقد أثمرت هذه الحركة الثقافية المزدهرة مجموعة من العلماء
البارزين فى شتى فروع العلم والمعرفة، فكان من الفقهاء «أبو
عبدالله محمد بن عرفة» المتوفى عام (٨٠٢هـ= ١٣٩٩م)، ومن
المحدثين: «أبو بكر بن سيد الناس» المتوفى عام (٦٥٩هـ= ١٢٦١م)،
стр. 741
ومن النحويين: «أبو الحسن على بن موسى» المعروف «بابن
عصفور» المتوفى عام (٩٦٩هـ= ١٥٦١م)، ومن الشعراء: «حازم
القرطاجنى» المتوفى عام (٦٨٤هـ= ١٢٨٥م)، و «ابن الأبار» المتوفى
عام (٦٦٢هـ= ١٢٦٤م).
وقد أسهم هؤلاء وغيرهم فى دعم المعرفة، وتنشيط الثقافة،
ومؤازرة الحركة الفكرية فى دولة «بنى حفص».
стр. 742
- المراجع:
* إبراهيم العدوي: الأمويون والبيزنطيون - مكتبة الأنجلو المصرية -القاهرة - ١٩٥٣م.
* بن الأثير (عز الدين): الكامل ففي التاريخ - دار الكتب العلمية - بيروت - الطبعة الأولي - ١٩٨٧م.
* أحمد بن أبي الضياف: إتحاف أهل الزمان - الدار التونسية للنشر - تونس - ١٩٨٩م.
* بن حجرالعسقلاني (أحمد بن علي): الدرر الكامنة - دار الجيل - بيروت - ١٤١٤هـ = ١٩٩٣م.
* الحسن الوزان: وصف إفريقية - ترجمه عن الفرنسية محمد حجي ومحمد الأخضر - دار الغرب الإسلامي - بيروت - الطبعة الثانية - ١٩٨٣م.
* حسين مؤنس: تاريخ المغرب وحضارته - العصر الحديث للنشر والتوزيع - بيروت - الطبعة الأولى - ١٤١٣هـ = ١٩٩٢م.
* بن الخطيب (لسان الدين محمد): الحلل الموشية في ذكر الأخبار المراكشية - رباط الفتح - ١٩٣٦م.
* بن خلدون (عبد الرحمن بن محمد): تاريخ ابن خلدون - مؤسسة جمال للطباعة والنشر - بيروت - ١٩٧٩م.
* بن أبي دينار (محمد بن أبي القاسم): المؤنس في أخبار إفريقية وتونس - تونس - ١٣٠٣هـ.
* روبار برنشفيك: تاريخ أفريقية في العهد الحفصي - ترجمة: حمادي الساحلي - دار الغرب الإسلامي - بيروت - الطبعة الأولى - ١٩٨٨م.
* بن أبي زرع (أبو الحسن علي بن عبد الله): الأنيس المطرب بروضة القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس - باريس - ١٨٦٠م.
* السراج (محمد بن محمد): الحلل السندسية في الأخبار التونسية - تحقيق محمد الحبيب الهيلة - دار الغرب الإسلامي - الطبعة الأولي - ١٩٨٥م.
* سعد زغلول عبد الحميد: تاريخ المغرب العربي - منشأة المعارف - الإسكندرية - ١٩٧٩م.
* السلاوي (أحمد بن خالد): الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى - الدار البيضاء - ١٩٥٤م.
* السيد عبد العزيز سالم: المغرب الكبير - العصر الإسلامي - القاهرة - ١٩٦٤م.
стр. 743
* بن عبد البر (يوسف بن عمر): الاستيعاب في معرفة الأصحاب - تحقيق: علي محمد البجاوي - دار نهضة مصر - القاهرة - بدون تاريخ.
* عبد الله علي علام: الدولة الموحدية بالمغرب - دار المعارف - القاهرة - ١٩٦٤م.
* علي الجزنائي: زهرة الآس في بناء مدينة فاس - الجزائر - ١٩٢٣م.
* بن القاضي (أحمد بن محمد بن العافية): جذوة الاقتباس فيمن حل من الأعلام بمدينة فاس - طبعة حجرية بمدينة فاس - ١٣٠٩هـ.
* القلقشندي (أحمد بن علي): صبح الأعشى في صناعة الإنشا - دار الكتب المصرية - القاهرة - ١٩٢٣م.
* المراكشي (عبد الواحد بن علي): المعجب في تلخيص أخبار المغرب - تحقيق: محمد العربي ومحمد سعيد العريان - القاهرة - ١٩٦٢م.
* النويري (أحمد بن علي): نهاية الأرب في فنون الأدب - الهيئة المصرية العامة للكتاب - القاهرة ١٤٠٣هـ = ١٩٨٣م.
* الهادي روجي: الدولة الصنهاجية - ترجمة: حمادي الساحلي - دار الغرب الإسلامي - بيروت - الطبعة الأولي - ١٩٢٢م.
стр. 744
الجزء السابع
المسلمون في الأندلس
تأليف:
أ. د. عبد الله جمال الدين
أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية بجامعة القاهرة
الفصل الأول
*بلاد الأندلس
لمحة جغرافية:
تطلق كلمة الأندلس على الأجزاء التى سيطر عليها المسلمون من شبه
الجزيرة الأيبيرية (إسبانيا والبرتغال)، وظلت تطلق على ما فى
أيديهم حتى عندما انحصر وجودهم فى مدينة «غرناطة» وحدها.
وتعود كلمة «الأندلس» فى أصولها إلى كلمة «الوندال»، وهى تعنى
مجموعة القبائل الجرمانية التى غزت أيبيريا فى القرن الخامس
الميلادى، وأقامت فى طرفها الجنوبى الذى كان آنذاك باسم
«أندلوسيا»، فلما فتح المسلمون هذه المناطق قيل لهم: إن هذه
أرض «وندلس» فحولها العرب إلى «أندلس»، وبقيت الكلمة مستخدمة
حتى نهاية الحكم الإسلامى.
ولاتزال كلمة «أندلوسيا» مستخدمة حتى اليوم فى «الإسبانية»،
وتطلق على ثمانى محافظات فى جنوب إسبانيا، هى: المرية،
وغرناطة، وجيان، وقرطبة، ومالقة، وقادش، وولبة، وإشبيلية.
وشبه الجزيرة الأيبيرية مخمسة الشكل، تصل مساحتها إلى (٦٠٠)
ألف كيلو مترمربع، تحتل إسبانيا (٦/ ٥) من هذه المساحة، وهى
هضبة متوسطة الارتفاع، بها سلاسل جبلية كثيرة تشقها بالعرض،
ويفصل بين كل سلسلة جبلية وأخرى وادٍ يجرى فيه نهر بالعرض
أيضًا، وتنبع معظم هذه الأنهار من وسط شبه الجزيرة، وتصب فى
المحيط الأطلسى.
ويفصل أوربا عن شبه الجزيرة سلسلة جبال تغلق الطريق إلى
جنوبى فرنسا إلا من خلال ممرات، ومن هنا جاءت تسمية جبال
البرت، أى جبال الأبواب.
الثغور الإسلامية:
وجدت فى الأندلس ثلاثة ثغور عبارة عن مناطق حدودية بينها وبين
إسبانيا النصرانية، وهذه الثغور هى:
أ - الثغر الأعلى، وعاصمته سرقسطة ويواجه مملكة نبرَّة.
ب - الثغر الأوسط وعاصمته مدينة «سالم» ثم «طليطلة»، ويواجه
مملكتى قشتالة وليون.
ج - الثغر الأدنى، بين نهرى «دويرة» و «تاجة» وعاصمته طليطلة ثم
قورية.
وقد تمكن النصارى فى نحو القرن الرابع الهجرى من إقامة ثلاث
دويلات نصرانية، هى:
أ - ليون فى الشمال والشمال الغربى، وعاصمتها مدينة «ليون»،
стр. 745
وتضم مملكتى «جليقية» و «أشتوريس».
ب - نبرّة، فى الشمال والشمال الشرقى؛ حيث تعيش قبائل
البشكنس، وعاصمتها «بنيلونة».
ج - قشتالة، وتقع بين مملكتى ليون ونبرة، وعاصمتها «برغش».
ومن هذه الدويلات الثلاث ستبدأ حركة المقاومة ضد الوجود الإسلامى
فى الأندلس.
عهود الحكم الإسلامى بالأندلس:
ظل المسلمون يحكمون الأندلس نحو ثمانية قرون منذ تم فتحها سنة
(٩٢هـ)، إلى أن سقطت «غرناطة» آخر معاقلها بيد النصارى سنة
(٨٩٧هـ)، وقد مرت البلاد بعهود يمكن إجمالها على النحو الآتى:
أولا: عهد الفتح (٩٢ - ٩٥هـ = ٧١١ - ٧١٤م).
ثانيًا: عهد الولاة (٩٥ - ١٣٨هـ = ٧١٤ - ٧٥٥م).
ثالثًا: عهد الإمارة (١٣٨ - ٣١٦هـ = ٧٥٥ - ٩٢٨م).
رابعًا: عهد الخلافة (٣١٦ - ٤٠٠هـ = ٩٢٨ - ١٠٠٩م).
خامسًا: عهد ملوك الطوائف (٤٠٠ - ٤٨٤ هـ = ١٠٠٩ - ١٠٩١م).
سادسًا: عهد المرابطين والموحدين (٤٨٤ - ٦٢٠هـ = ١٠٩١ - ١٢٢٣م).
سابعًا: مملكة غرناطة (٦٢٠ - ٨٩٧ هـ = ١٢٢٣ - ١٤٩٢م).
أولا: الفتح الإسلامى للأندلس:
كانت شبه الجزيرة الأيبيرية خاضعة لحكم القوط قبل الفتح الإسلامى،
ويتولى أمرها ملك ظالم يدعى رودريك (لذريق) فأبغضه الناس
وفكروا فى الثورة عليه وإبعاده عن الحكم بالاستعانة بالمسلمين
الذين دانت لهم بلاد الشمال لإفريقى، فقام بهذه الوساطة حاكم
«سبتة» الكونت يوليان، واتصل بطارق بن زياد قائد القوات الإسلامية
المعسكرة عند مدينة «طنجة» بالمغرب الأقصى والقريبة من مدينة
«سبتة».
وأقبلت الوفود على «طارق» تدعوه لعبور المضيق والوصول إلى
شبه الجزيرة، وتصور هؤلاء أن المسلمين سينزلون ضربة قاصمة
بالقوط ثم يعودون إلى بلاد المغرب محملين بالغنائم، وغاب عنهم أن
المسلمين حملة رسالة سامية، وأنهم مكلفون بتبليغها لكل الناس،
وأن ما يشغلهم قبل كل شىء هو نشر مبادئ دينهم السمحة وتعريف
الشعوب به.
وقد رحّب «طارق» بهذا الطلب ووجد فيه فرصة طيبة لمواصلة الفتح
стр. 746
والجهاد، وأرسل إلى «موسى بن نصير» والى الأمويين على المغرب
يستأذنه فى فتح الأندلس، فنصحه باختبار مدى مقاومة القوط
بإرسال بعض السرايا إليهم، وبالتأكد من ولاء «يوليان» وصدق
كلامه، ثم أرسل «موسى بن نصير» إلى الخليفة الأموى «الوليد بن
عبدالملك» يستأذنه فى فتح «الأندلس»، ويشرح له حقيقة الأوضاع
هناك، فتردد الخليفة فى أول الأمر، خوفًا على المسلمين من
المخاطرة بهم فى بلاد لا عهد لهم بها من قبل، لكن «موسى» نجح
فى إقناعه بأهمية الفتح، وتم الاتفاق على أن يسبق الفتح حملات
استطلاعية.
وفى سنة (٩١هـ = ٧١٠م) أرسل «طارق بن زياد» بعثة استطلاعية
بقيادة «طريف بن زرعة» فنزلت فى الطرف الجنوبى لشبه الجزيرة،
ولم تلق مقاومة، وعادت بغنائم وفيرة، ومنذ ذلك الحين أُطلق اسم
«طريف» على إحدى تلك المناطق.
وقد شجعت نتيجة حملة «طريف» «طارق بن زياد» فعبر المضيق فى
(شعبان ٩٢هـ = أبريل- مايو ٧١١م)، وتجمع المسلمون عند الجبل
الذى يعرف من ذلك التاريخ بجبل طارق، وأقام «طارق» بتلك المنطقة
عدة أيام، بنى خلالها سورًا أحاط بجيوشه سمَّاه «سور العرب»، كما
أقام قاعدة عسكرية بجوار الجبل على الساحل؛ لحماية ظهره فى
حالة اضطراره إلى الانسحاب، هى مدينة الجزيرة الخضراء، أو جزيرة
«أم حكيم»، نسبة إلى جارية كان طارق قد حملها معه، ثم تركها
فى هذا المكان، وهذا الميناء يسهل اتصاله بميناء «سبتة» المغربى،
على حين يصعب اتصاله بإسبانيا لوجود مرتفعات بينهما، ولم يكتفِ
طارق بذلك، بل أقام قاعدة أمامية أخرى وبنى حصنًا، وطلب من
«يوليان» ومن معه من الجند حراسة هذا الموضع وحمايته من كل
هجوم منتظر.
ثم واصل «طارق» السير جنوبًا حتى بلغ الساحل الجنوبى لشبه
الجزيرة، ومشى فى محاذاته، وعبر نهرًا صغيرًا يسمى «وادى
لكه»، وأقام معسكره فى منطقة واسعة يحدها من الشرق «وادى
لكه»، ومن الغرب «وادى البرباط»، وهى منطقة سهلية واسعة تكثر
стр. 747
فيها المدن، مثل: «قادش» على البحر، وإلى جوارها من الداخل مدينة
«شريش»، وفى الشمال على الطريق إلى «قرطبة» مدينة شذونة
(سيدونيا)، وفى ذلك السهل الواسع أخذ «طارق» ينظم قواته ويرتب
لمعركته انتظارًا للقاء القوط.
علم «لذريق» بمجىء القوات الإسلامية، وهو مشغول بمحاربة أعدائه
فى شمالى شبه الجزيرة، فأصيب بهلع ورعب عظيمين، وجمع
جنوده وانحدر بهم لمواجهة المسلمين، ووصلت أنباء تلك الحشود
الضخمة إلى «طارق بن زياد»، فكتب إلى «موسى بن نصير» يخبره
بذلك، فأمده بخمسة آلاف جندى صار بهم مجموع جنود المسلمين
بالأندلس (٢١) ألف جندى.
وصل «لذريق» إلى بلدة «شذونة» وأتم بها استعداداته، ثم اتجه
للقاء المسلمين ودارت بين الفريقين معركة فاصلة فى كورة
«شذونة» جنوب غربى إسبانيا، استمرت ثمانية أيام من (الأحد ٨٢ من
رمضان إلى الأحد ٥ من شوال سنة ٢٩هـ = ٩١ - ٦٢ يوليو ١١٧م)،
وكانت معركة هائلة، اقتتل فيها الطرفان اقتتالا شديدًا حتى ظنوا
أنه الفناء، وكان النصر فى النهاية حليف المسلمين، وفر «لذريق»
من أرض المعركة، وتبعه المسلمون حتى أدركوه وقتلوه بالقرب من
بلدة «لورقة».
وبعد هذا النصر العظيم الذى حققه «طارق بن زياد»، وامتلاء أيدى
أصحابه بالغنائم - اتجه إلى الشمال فاستولى على بعض القلاع، ثم
عبر نهر الوادى الكبير قاصدًا مدينة «طليطلة» عاصمة القوط، وكانت
تبعد عن أرض المعركة بنحو ستمائة كيلومتر، وكلها جبال ووديان
ومضايق عسيرة، وقد تمكن المسلمون بعزيمتهم وإصرارهم وإيمانهم
الجياش من دخول العاصمة بعد مقاومة عنيفة من القوط.
وفى أثناء سير «طارق» إلى «طليطلة» أرسل جزءًا من قواته لفتح
«البيرة» كما أرسل «مغيث الرومى» إلى «قرطبة» ففتحها بعد
حصار دام ثلاثة أشهر، وكانت آنئذ معسكرًا رومانيا قديمًا يقع على
ضفة نهر الوادى الكبير وعندها بُنيت قنطرة حجرية على النهر.
وأثبت «طارق» بهذا التصرف أنه على خبرة واسعة بشئون الحرب
стр. 748
وفنون القتال، لأن السيطرة على هذه القنطرة تيسّر له طريق العود.
استقر «طارق بن زياد» فى «طليطلة»، فهرب منها كبار القوط وكبار
رجال الدين الذين حملوا معهم ذخائر كنيستهم، فأدرك المسلمون
هؤلاء الفارين عند بلدة صغيرة تسمى قلعة «عبدالسلام»، وغنموا ما
كان معهم من ذخائر بالغة القيمة، وتجل عن الحصر، من بينها مذبح
الكنيسة الذى سموه «مائدة سليمان» - ولاصلة لنبى الله سليمان
بهذه المائدة - التى كانت من الزبرجد الخالص، ومزدانة بالجواهر،
وتوضع فى صدر الكنيسة وعليها الصلبان والكؤوس والكتب
المقدسة، وبعد أن حل الشتاء آثر «طارق» العودة إلى «طليطلة»،
وكتب إلى «موسى» يحيطه بأنباء الفتح وما أحرزه من نجاح،
ويطلب منه المدد.
موسى بن نصير والمشاركة فى فتح الأندلس:
قرر «موسى بن نصير» التوجه إلى الأندلس على رأس قوات مقدارها
ثمانية عشر ألفا معظمهم من العرب - على حين كان معظم جند طارق
من البربر - فغادر القيروان، ووصل إلى «طنجة» سنة (٩٣هـ = ٧١٢م)،
ثم عبر المضيق ونزل الجزيرة الخضراء.
سار «موسى بن نصير» بجنوده فى غير الطريق الذى سلكه «طارق
بن زياد»، بناءً على نصيحة رجاله وحلفاء المسلمين؛ ليكون له شرف
فتح بلاد أخرى غير التى فتحها طارق، فنزل «شذونة»، واستولى
على حصنين كبيرين بجوارها، هما «قرمونة» وقلعة «وادى إبرة»،
ثم تقدم نحو «إشبيلية» فحاصرها حتى استسلمت وانسحبت حاميتها
إلى مدينة «لبلة» فى الغرب، وهى الآن مدينة برتغالية.
ثم اتجه «موسى» ناحية بلد كبير يحيط به سور حصين، تسمَّى
«ماردة» كان يعتصم به قسم كبير من جيش «لذريق»، فحاصرها
واشتد فى حصارها على الرغم مما كابده المسلمون من خسائر،
حتى استسلمت صلحًا فى (أول شوال سنة ٩٤هـ = ٣٠ من يونيو
٧١٣م)، وغنم المسلمون ما كان بها من ذخائر نفيسة.
وبعد شهر تقدم «موسى» نحو «طليطلة» حيث التقى بطارق عند نهر
«التاجو»، ثم سارا معًا لمواصلة الفتح، وفى أثناء ذلك حدثت ثورة
стр. 749
معادية للمسلمين فى «إشبيلية»، فأرسل «موسى» ابنه «عبدالعزيز»
فقضى على تلك الثورة وفتح مدن: «لبلة» و «باجة» و «أكشونبة»
وهى تكوِّن النصف الجنوبى من البرتغال الآن، ثم وصل المسلمون
إلى ساحل المحيط الأطلسى من تلك الناحية.
استقر «موسى بن نصير» فى «طليطلة» فى شتاء سنة (٩٥هـ =
٧١٤م)، وبدأ فى ممارسة عمله، باعتباره أول مسلم يحكم قطرًا
أوربيا، فأمر بضرب عملة إسلامية، مكتوب على أحد وجهيها
باللاتينية «شهادة أن لا إله إلا الله»، وعلى الوجه الآخر «ضربت فى
إسبانيا سنة (٧١٤م)»، ثم أرسل رسولين هما «على بن رباح
اللخمى»، و «مغيث الرومى» إلى الخليفة «الوليد بن عبدالملك»
يحملان إليه نبأ الفتح العظيم، وطرفًا من الذخائر والتحف التى غنمها
المسلمون.
وفى سنة (٩٥هـ = ٧١٤م) اتجه «موسى» ناحية الشمال الشرقى
قاصدًا مدينة «سرقسطة» مفتاح منطقة «وادى أبرة» كلها ونجح فى
الاستيلاء عليها، ثم قام «حنش بن عبدالله الصنعانى» وهو من
التابعين الذى قدموا فى جيش «موسى ابن نصير» باختطاط جامع
سرقسطة، الذى أصبح واحدًِا من أكبر مساجد الأندلس، ثم فتح
«موسى» مدينة «وشقة»، وأتبعها فتح مدينة «لاردة» سالكًا بجيشه
الطريق الرومانى الكبير «المبلط» المسمى بالطريق القيصرى، وبدأ
فى الاستعداد للسير فى اتجاه «برشلونة».
وفى تلك الأثناء عاد «مغيث الرومى» من «دمشق» وطلب من
«موسى» أن يذهب إلى عاصمة الخلافة ومعه «طارق بن زياد» ليقدما
بيانًا شافيًا عن فتوحاتهما، فاستجاب «موسى» للطلب، ولكنه عزم
على إرجائه حتى يتم فتح الشمال الغربى والشرقى لشبه الجزيرة
الأيبيرية، وأمر طارقاً فواصل السير مع الطريق القيصرى، على حين
سار هو فى اتجاه الشمال الغربى، حتى وصل إلى خليج بسكاى
عند «خيخون».
وقد نجح «طارق» فى إخضاع منطقة «أراجون»، ثم اتجه غربًا ليلحق
بموسى، فاستولى على بعض الحصون، وعلى مدينتى «اشترقة»
стр. 750
و «ليون»، وبهذه الإنجازات التى حققها القائدان شعرا أنهما أتما
فتح شبه الجزيرة، وأن بإمكانهما الآن تلبية دعوة الخليفة «الوليد»
وبخاصة أنه قد بعث برسول يتعجَّل عودتهما.
أخذ الفاتحان العظيمان طريق العودة إلى المشرق فى (ذى القعدة
٩٥هـ = يوليو ٧١٤م) بعدما نظما شئون البلاد، ورسما سياسة
الحكومة، واتخذا «إشبيلية» عاصمة؛ لموقعها وقربها من البحر، ثم
أسرعا السير نحو العاصمة «دمشق» فوصلاها بعد تولية «سليمان بن
عبدالملك» الخلافة، خلفًا لأخيه «الوليد»، وظلا هناك ولم يعودا
لمواصلة الفتح.
وكان «موسى بن نصير» قد ترك ابنه «عبدالعزيز» واليًا على
الأندلس، فقضى أيام ولايته فى استكمال فتح شبه الجزيرة الأيبيرية،
فى شرقها وغربها، ففتح كورة تدمير (مرسية) صلحًا بعد أن
استسلم ملكها، وقضى على جيوب المقاومة ولذا عده بعض المؤرخين
ثالث فاتحى الأندلس، وكان معروفًا بالصلاح والتقوى والشجاعة
والإقدام، بارعًا فى تنظيم الحكومة وترتيب إدارتها، متبعًا سياسة
الرفق والاعتدال والوفاء بالعهد.
وبنجاح الفتح الإسلامى تنفس أهالى «الأندلس» نسيم الحرية، فقد
رفعت عنهم المغارم والأعباء، وعرف الناس سياسة التسامح
والإنصاف، وأمنوا على حياتهم وأموالهم وحرياتهم، وعاشوا حياة
العدل والمساواة، وترك لهم حق اتباع قوانينهم والخضوع لقضاتهم،
ولم يظلم أحد بسبب دينه أو عقيدته، ولم يفرض الإسلام عليهم فرضًا،
ومن أسلم عن طواعية ودون إكراه فله ما للمسلمين وعليه ما عليهم،
ومن بقى على دينه لم يكلف بأكثر من الجزية. مقابل حمايته والدفاع
عنه وتأمين حقوقه.
حريق السفن وخطبة طارق:
يرتبط بفتح المسلمين للأندلس مسألة حرقهم لمراكبهم بعد عبورهم
المضيق، والخطبة التى ألقاها «طارق» بعد هذا العبور.
أما مسألة إحراق السفن فإن الدراسة التاريخية ترفض التصديق بقيام
مثل هذا العمل من «طارق»، فلم يكن المسلمون فى حاجة إليه
стр. 751
ليخلصوا فى القتال ويتحمسوا له، لأن عملهم جهاد فى سبيل الله
ينتظر المسلم من ورائه النصر أو الشهادة، وقتال من أجل عقيدة
يفدونها بدمائهم وأرواحهم، كما أن إحراق السفن ليس عملا عسكريا
مناسبًا، لأنهم فى حاجة إليها بصفة دائمة للاتصال ببلاد المغرب.
وأما الخطبة المنسوبة إلى «طارق» والتى حث فيها المسلمين على
الجهاد، وقال فيها: أين المفر .. البحر من ورائكم والعدو أمامكم .. ،
فلا توجد كاملة فى المصادر الأندلسية الأولى، مما يشير إلى عدم
شيوعها ويقلل من الثقة بواقعيتها. وأنها مليئة بالسجع المتكلف
الذى لم يكن شائعًا فى ذلك العصر، كما أن طارقًا وأكثر جنوده
كانوا من البربر، ولايتوقع أن تكون لغتهم العربية إلى هذا المستوى
العالى من البيان، وهذا لايمنع أن يكون القائد قد ألقى كلمته فى
جنده البربر بلغتهم التى يفهمونها، ثم جاء من كتاب العرب من نقل
معانى تلك الخطبة إلى اللغة العربية، فأصابها شىء من التعديل
والتغيير.
стр. 752
الفصل الثاني
*عهد الولاة بالأندلس
[٩٧ - ١٣٨ هـ = ٧١٥ - ٧٥٥ م].
يقصد بالولاة حكام الأندلس الذين عينتهم الحكومة الأموية فى دمشق،
أو والى الشمال الإفريقى الذى كانت الأندلس تابعة له أحيانًا، وقد
تولى على الأندلس خلال هذه الفترة (٢٢) واليًا، حكم اثنان منهم
مرتين، وهذا يعنى أن متوسط فترة حكم الوالى تقل عن سنتين،
وهذا يعنى أن عدم الاستقرار هو السمة الغالبة على هذه الفترة،
ويعود ذلك إلى اضطراب السياسة العامة بعد وفاة «الوليد بن
عبدالملك» وانتشار العصبيات القبلية والشخصية، ونزاع العرب مع
البربر.
أيوب بن حبيب البلخى:
قتل «عبدالعزيز بن موسى بن نصير» والى الأندلس عندما وثب عليه
جماعة من الجند على رأسهم وزيره «زياد بن عذرة البلوى» أثناء
صلاته بأحد مساجد «إشبيلية»، وذلك فى (رجب ٩٧هـ = فبراير
٧١٦م)، لتبدأ فترة عهد الولاة.
وقد آل أمر الأندلس إلى «أيوب بن حبيب البلخى» ابن أخت «موسى
بن نصير»، وهو من العرب الذين اشتركوا فى فتح هذه البلاد، ثم
استقروا بها، ورأوا أنهم أولى من غيرهم بحكم الأندلس، ولم تزد
ولاية «أيوب» على ستة أشهر لم يفعل فيها شيئًا يذكر سوى نقله
العاصمة من «إشبيلية» إلى «قرطبة» لأن موقعها أوسط وأقرب إلى
منازل جماعات العرب فى الشرق، والجنوب، والجنوب الشرقى.
الحر بن عبدالرحمن الثقفى:
لم تجر الأمور على النحو الذى أراده «أيوب»؛ إذ قام والى إفريقية
الذى تتبعه الأندلس بتعيين «الحر بن عبدالرحمن» واليًا عليها، ودام
حكمه سنتين وثمانية أشهر، بدأت فى (ذى الحجة ٩٨هـ = يوليو
٧١٧م)، واستطاع خلالها أن يقمع المنازعات التى كانت بين العرب
والبربر، ويصلح الجيش، وينظم الإدارة، ويوطد الأمن.
وينسب إلى «الحر» إقامته دار الإمارة فى «قرطبة» فى مواجهة
«قنطرة الوادى»، وكانت من قبل مقرا للحاكم القوطى، فاعتنى بها
«الحر» وسمى القصر والأرض الواسعة أمامه على ضفة النهر «بلاط
الحر».
стр. 753
وبعد أن تولى «عمر بن عبدالعزيز» الخلافة عزل «الحر» عن ولاية
الأندلس، لاضطراب النظام فى آخر عهده.
السمح بن مالك الخولانى:
كانت الأندلس تابعة لإفريقية من الناحية الإدارية، فلما ولى «عمر بن
عبدالعزيز» جعلها تابعة للخلافة مباشرة لأهميتها واتساعها، وأقام
عليها «السمح ابن مالك الخولانى» سنة (١٠٠هـ = ٧١٩م)، غير أن
تبعية «الأندلس» لإفريقية عادت مرة أخرى فى عهد «يزيد بن
عبدالملك».
ويعد «السمح» من خيرة ولاة «الأندلس»، فضلا وصلاحًا وكفاءة
وقدرة؛ حيث نظم شئون البلاد، وأعاد بناء القنطرة التى كانت مقامة
على الوادى الكبير، وكانت قد تهدَّمت ولم يعد الناس يستطيعون
العبور إلا فى السفن، وكان العرب فى أمسِّ الحاجة إلى قنطرة متينة
يستطيعون العبور إليها من الجنوب إلى عاصمتهم الجديدة، كما أعاد
الأمن والاستقرار إلى البلاد لحسن سياسته، وحمله الناس على طريق
الحق، ورفقه بهم.
ولم يكن «السمح بن مالك» كفءا من الناحية الإدارية فحسب، بل كان
أيضًا قائدًا عسكريا ممتازًا قام بحملة شاملة، اخترقت «جبال البرت»
من الشرق، وسيطر على عدد من القواعد هناك، واستولى على
«سبتمانيا» وأقام حكومة إسلامية بها فى هذا الوقت المبكر، واتخذ
من «أربونة» قاعدة للجهاد وراء «البرت»، وقد استشهد فى معركة
مع النصارى عند «تولوز» فى يوم عرفة من سنة (١٠٢هـ = ٧٢١م)،
فتولى القيادة «عبدالرحمن بن عبدالله الغافقى»، وأقر واليًا للأندلس
حتى يأتى الحاكم الجديد.
عنبسة بن سحيم الكلبى:
قدم إلى الأندلس فى (صفر سنة ١٠٣هـ = ٧٢٢م)، وكان كالسمح بن
مالك صالحًا قويا، فأنفق وقته فى تنظيم الإدارة، وضبط النواحى،
وإصلاح الجيش، وإعداده لغزوات جديدة، وقد عبر «عنبسة» بجيوشه
«جبال البرت»، وتمكن من بسط سلطان المسلمين فى شرقى جنوب
فرنسا، وفى أثناء عودته داهمته جموع من الفرنجة، فأصيب فى
المعركة، ثم توفى سنة (١٠٧هـ = ٧٢٥م).
стр. 754
وبعد «عنبسة» توالى على «الأندلس» سبعة من الولاة بين سنتى
(١٠٧ - ١١٢هـ = ٧٢٥ - ٧٣٠م) تفاقمت خلالها المشكلات، وازدادت
الاضطرابات، وانتشر الخلل والخلاف بين الزعماء ورجال القبائل فى
الأندلس، وتجددت المنازعات بين العرب البلدانيين (وهم العرب الذين
طال بهم المقام والعمل فى إفريقية حتى سمو بالبلدانيين)،
والشاميين، وهاجم الأعداء القواعد الإسلامية.
عبدالرحمن الغافقى:
ظلت الأمور تجرى على هذا النحو المضطرب حتى عُيِّن «الغافقى»
واليًا على الأندلس من قبل والى «إفريقية»، فى (صفر ١١٢هـ = مارس
/ إبريل ٧٣٠م) لتبدأ فترة ولايته الثانية، وقد أيد الخليفة هشام بن
عبدالملك ذلك الاختيار.
وكان «الغافقى» من كبار رجالات الأندلس عدلاً وصلاحًا، وقدرة
وكفاءة، نظَّم شئون البلاد، وأصلح نظم الحكم والإدارة، وعين
أصحاب الكفاءات فى المناصب المختلفة، وقمع الظلم، ورد إلى
النصارى كنائسهم وأملاكهم، وفرض ضرائب عادلة وعنى بتنظيم
الجيش وإصلاحه، وأنشأ فرقًا من العرب والبربر، وحصن القواعد
والثغور الإسلامية، وجمع أعظم جيش سيره المسلمون إلى فرنسا.
موقعة بلاط الشهداء:
فى أوائل سنة (١١٤هـ = ٧٣٢م) سار «الغافقى» بجيوشه نحو
الشمال وعبر جبال «البرت» من طريق «بنبلونة» ودخل فرنسا؛ حيث
قام بمعارك ناجحة ضد أعدائه، وفتح نصف فرنسا الجنوبى كله من
الشرق إلى الغرب فى بضعة أشهر، وواصل زحفه المظفر حتى
أشرف بجيشه على نهر اللوار، وهناك احتشد له «شارل مارتل»
بجيش ضخم من الفرنج والمرتزقة نصف العراة، ويتشحون بجلود
الذئاب، وتنسدل شعورهم الجعدة فوق أكتافهم العارية.
استولى المسلمون على مدينتى «بواتيه» و «تور»، ثم فاجأهم العدو
دون أن تشعر به طلائع المسلمين أو تحسن تقدير عدده، وأراد
عبدالرحمن أن يقتحم «اللوار» ففاجأه «شارل مارتل» بجموعه
الجرارة فارتد إلى السهل الواقع بين مدينتى «بواتيه» و «تور»،
стр. 755
وعبر جيش الفرنج «اللوار» وعسكر غربى الجيش الإسلامى.
عزم «الغافقى» على لقاء العدو على الرغم من أن بعض قبائل البربر
فى جيشه كانت تتوق إلى الانسحاب بما تحمله من غنائم كثيرة، وأن
عدد جنوده قد قل بسبب تخلف حاميات كثيرة فى المدن والقرى
المفتوحة.
ودامت المعركة تسعة أيام دون أن يحقق الفريقان نصرًا حاسمًا،
وفى اليوم العاشر أبدى كلا الطرفين غاية الجلد والشجاعة، وظهر
الإعياء على الفرنج، وبدت علامات انتصار المسلمين، لكن حدث أن
افتتح الفرنج ثغرة فى معسكر غنائم المسلمين وارتفعت فيه صيحة
مجهول تقول إن معسكر الغنائم سيقع فى يد العدو، فارتدت قوات
كبيرة إلى ماوراء الغنائم لحمايتها، واختلت صفوف المسلمين، وبينما
يحاول «الغافقى» إعادة النظام إلى جيشه أصابه سهم أرداه من
فوق جواده قتيلا، فعم الاضطراب بين المسلمين، وكثر القتل فيهم،
واشتد الفرنج عليهم، لكنهم صبروا حتى جن الليل وافترق الجيشان
دون فصل فى (أوائل رمضان ١١٤هـ = ٢١ أكتوبر ٧٣٢م)، ثم انسحب
المسلمون نحو مراكزهم فى «سبتمانيا» تاركين غنائمهم.
وفى فجر اليوم التالى تقدم «شارل» بحذر فوجد المعسكرات
الإسلامية خالية إلا من الجرحى ومن لم يتمكنوا من مرافقة الجيش
المنسحب فذبحوهم، وخشى «شارل مارتل» الخديعة فاكتفى
بانسحاب المسلمين ولم يتعقبهم، وآثر العودة بجيشه إلى الشمال.
وكان مقتل «الغافقى» خسارة فادحة للمسلمين، وضربة شديدة
لمشاريع الخلافة فى الغرب؛ إذ أخفقت آخر محاولة بذلتها لفتح العالم
الغربى.
عبدالملك بن قطن الفهرى:
تولى «عبدالملك بن قطن الفهرى» بعد استشهاد «الغافقى»، فعبر
إلى الأندلس فى جيش من جند إفريقية فى أواخر سنة (١١٤هـ =
٧٣٢م) وسار إلى «أراجون» وهزم الثائرين فى عدة مواقع، ثم عبر
جبال البرت إلى بلاد «البشكنس» سنة (١١٥هـ = ٧٣٣م)، وكانت أشد
المقاطعات الجبلية مراسًا وأكثرها انتفاضًا وثورة، فشتت جندها
стр. 756
وألجأهم إلى طلب الصلح، ثم اضطر بعد ذلك إلى أن يرتد إلى الجنوب
دون أن يتوغل كثيرًا فى أرض العدو، لقلة ما معه من الجند، ثم سخط
عليه الزعماء، ودب خلاف بين القبائل، وأدى ذلك إلى عزله.
عقبة بن الحجاج السلولى:
تولى سنة (١١٦هـ = ٧٣٤م) بعد «عبدالملك بن قطن» وكان رجلاً
عظيمًا مثل «الغافقى»، فنشر العدل ورد المظالم، وأنشأ المساجد
ودور العلم ونظم الجيش، وتوغل فى أراضى «جليقية» شمالى
الأندلس، واهتم بتحصين جميع المواقع الإسلامية، ومنح عناية خاصة
لثغر «أربونة» واتخذه قاعدة للجهاد، وأمد رجاله بالجند والذخيرة.
وكان يخرج للغزو كل عام على مدار خمس سنوات فى الجنوب
والشمال الشرقى من فرنسا، حتى أصبح نهر «الرون» رباط
المسلمين ومعقل فتوحاتهم بعد أن كان الفرنج قد استردوا مافى
أيدى المسلمين، وقد استشهد «عقبة» فى معركة مع الأعداء سنة
(١٢١هـ = ٧٣٩م)، فكان خاتمة الولاة المجاهدين وراء البرت.
عبدالملك بن قطن:
أقام عرب الأندلس «عبد الملك بن قطن» واليًا عليهم للمرة الثانية،
فكان عهده بداية عهد من الفتن والاضطرابات والحروب الأهلية؛ إذ
اشتعلت ثورة البربر بسبب تعصب العرب لبنى جنسهم وتعاليهم على
غيرهم، وكان معظم هؤلاء من «القيسية» الذين يرون أن الدولة
الأموية دولتهم، على حين كان العرب البلدانيون ومعظمهم من
«اليمنية» بعيدين عن هذه النزعة.
وقام البربر فى الأندلس أثناء ثورتهم بإخراج العرب من المناطق التى
شكلت أغلبية بربرية، وبخاصة «جليقية» ومناطق نهر تاجة وغيرها،
وظن «عبدالملك بن قطن» وهو كبير البلدانيين أن الثورة موجهة ضد
الشاميين، ثم مالبث أن تبين أنها موجهة إلى العرب جميعًا، وأن
البربر يسيرون فى جيوش ثلاثة: واحد منها متجه إلى «طليطلة»،
والثانى نحو «قرطبة»، والثالث نحو «الجزيرة الخضراء».
وفى تلك الأثناء كان «بلج بن بشر القشيرى» أحد قادة والى
المغرب محاصرًا فى «سبتة» مع عشرة آلاف من جنده من قبل البربر
стр. 757
الذى ثاروا فى إفريقية ضد العرب، تلك الثورة التى انتقلت أصداؤها
إلى الأندلس، فثار البربر هناك ضد العرب.
وقد استغاث هؤلاء المحاصرون بوالى الأندلس «عبدالملك بن قطن»
وطلبوا منه أن يسمح لهم بالعبور إليه لمعاونته فى القضاء على
ثورة البربر، فاستجاب على مضض، وطلب من «بلج» أن يعود بمن
معه إلى شمال إفريقيا متى صلحت الأحوال.
وقد حقق هؤلاء مع «عبدالملك» انتصارات على البربر فى شذونة،
وقرطبة، ثم فى معركة حاسمة قرب طليطلة عند وادى سليط قرب
الجزيرة الخضراء فى أوائل سنة (١٢٤هـ = ٧٤٢م)، وأخذ العرب
الشاميون يطاردون البربر، فتركوا أراضيهم فى الوسط والشمال
الغربى، وعادوا إلى إفريقيا فى هجرات جماعية تركت آثارًا سيئة
على مستقبل المسلمين فى الأندلس.
وكان من نتيجة تلك الهجرات أن تركت الأراضى شمالى نهر تاجة
خالية من المسلمين تقريبًا، فامتد إليها نفوذ نصارى الشمال،
فساحوا فيها، ولم يمر وقت طويل حتى أصبحت تلك الأراضى
نصرانية، وخسر المسلمون بذلك ربع شبه الجزيرة، نتيجة انقسامهم
وتفرقهم.
رفض «بلج» العودة إلى المغرب حسب الاتفاق، وقام بعزل
«عبدالملك» وزعم أنه الوالى الرسمى بتأييد من اليمانية، وانقسمت
الأندلس إلى معسكر للشاميين يضم مائتى ألف، وآخرللعرب البلدانيين
ضم مائة ألف، ونشبت معارك قتل فيها «بلج» ومع ذلك انتصر
الشاميون، وولوا على الأندلس «ثعلبة بن سلامة العاملى» فى (شوال
سنة ١٢٤هـ = أغسطس٧٤٢م)، فحاول أن يعيد الأمن والاستقرار، لكن
الحكومة كانت قد ضعف سلطانها، وانقسمت البلاد إلى عدة مناطق
نفوذ، واشتعلت الحرب من جديد، ولم ينقذ الموقف إلا قدوم الوالى
الجديد.
أبو الخطار حسام بن ضرار الكلبى:
أرسله والى إفريقية فقدم إلى «الأندلس» فى (رجب سنة ١٢٥هـ =
مايو ٧٤٣م)، وبدأ ولايته بتأمين العرب البلدانيين والبربر على
ممتلكاتهم ومصالحهم، وحال بين الشاميين وبين إيذائهم، وعمل على
стр. 758
القضاء على المنازعات القبلية بين السكان، ورأى بعد نصيحة ذوى
الرأى أن يفرق الشاميين فى مناطق لايوجد فيها بلدانيون أو
يمنيون، ويستقر كل فريق منهم بناحية ويأخذ ثلث خراج الأرض مقابل
أن يقدموا عددًا معينًا من الجند، كلما طلبت السلطات منهم ذلك، كما
تتبع الزعماء الخارجين وسلك معهم سبيل الحزم، وكان عادلا؛
فَرضى عنه الجميع.
غير أن «أبا الخطار» مالبث أن تخلى عن تلك السياسة الحكيمة،
ومال إلى قومه من اليمنية وتنكر للمُضَرية، فعادت المعارك بينه وبين
خصومه من جديد، وقتل بعضهم بعضًا، وانفضت عنه جنده، وعمت
الفوضى البلاد إلى أن تولى الفهرى.
يوسف بن عبدالرحمن الفهرى:
تولى الأندلس سنة (١٢٩هـ = ٧٤٧م) دون مصادقة من إفريقية أو من
دمشق التى كانت قد بدأت فترة من الضعف فلم تتمكن الخلافة من
الإشراف على الولايات، واستقلت الأندلس بشئونها.
استقل «يوسف» بولاية الأندلس نحو عشرة أعوام، واتفق مع
«الصميل ابن حاتم» زعيم المضرية على أن يتداولا السلطة فيما
بينهما، لكن الأمور لم تستقر، وتجدد النزاع بين المضرية واليمنية، ولم
تستقر الأوضاع ليوسف إلا بعد مقتل زعيم اليمنية سنة (١٣٠هـ =
٧٤٨م).
وقد حاول «يوسف» إصلاح الدولة، فنظم شئونها المالية، وقسم
البلاد إلى خمس ولايات إدارية على نحو ماكانت عليه زمن القوط، كما
عنى بتنظيم الجيش وإصلاحه، والقضاء على خصومه، وشغلت الخلافة
بمشاكلها عن الأندلس.
ثم ظهر فى شمال البلاد رجل يدعى «عامر بن عمرو بن وهب
العبدرى»، وبدأ يراسل الخليفة العباسى «أبا جعفر المنصور»،
وعين نفسه واليًا على الأندلس، وأصبح الشمال فى قبضته، وخرج
عن سلطان «يوسف» الذى توجه إلى «سرقسطة»، وحاصرها بشدة
سنة (١٣٧هـ = ٧٥٤م) حتى استسلم «عامر»، ثم اتجه «يوسف» بعد
ذلك إلى «طليطلة».
وفى طليطلة جاء رسول من قرطبة بخبر مؤداه أن فتىً من بنى أمية
يدعى «عبدالرحمن بن معاوية» قد نزل فى ثغر المنكب بالأندلس،
стр. 759
واجتمع حوله أشياع بنى أمية فى كورة غرناطة، وأن دعوته
انتشرت بسرعة فى الجنوب، وقد ذاع هذا الخبر فى جند يوسف
فأحدث فزعًا واضطرابًا، وتفرق عنه جنده، فاضطر هو و «الصميل»
بالعودة بمن معهما متوجهين إلى قرطبة؛ لمواجهة هذا الخطر الداهم،
وكان ذلك سنة (١٣٨هـ= ٧٥٥م).
وأثناء هذه الفتن استولى الفرنج على جميع القواعد الإسلامية فى
الشمال ماعدا «أربونة» أمنع قلاع المسلمين فيما وراء جبال البرت،
وقد قاوم المسلمون بها، وصبروا على مدار أربعة أعوام، ولم تستسلم
إلا بعد خيانة القوط بها، وقد دخلها الفرنج، وخربوا مساجدها
ومعاهدها ودورها سنة (١٤٢هـ = ٧٥٩م)، وبذلك انتهى الوجود
الإسلامى فيما وراء جبال البرت بعد أن استمر هناك ما يقرب من
نصف قرن، وقد حدث هذا فى الوقت الذى كانت فيه قوى الإسلام
فى شبه الجزيرة مشغولة بتمزيق بعضها بعضًا.
وقد استفادت المجموعة التى اعتصمت فى جبال «استوريا»
و «جليقية» فى شمالى غرب إسبانيا، والتى عرفت بمجموعة «بلاى»
من هذا التمزق، وأخذت تنمو مع الزمن، ويشتد ساعدها ابتداءً من
القرن الثامن الميلادى حتى صارت شوكة فى جنب المسلمين هناك.
وأدت الحروب المتوالية بين العرب بعضهم بعضًا، وبينهم وبين البربر
إلى مجاعة شديدة بلغت أقصاها سنة (١٣٦هـ = ٧٥٣م)، وترتب عليها
تزايد حركة الهجرة إلى إفريقية وقلة عدد المسلمين فى شبه الجزيرة
الأيبيرية، ولايستثنى من ذلك سوى إقليم «سرقسطة» الذى كان
معظم سكانه من اليمنيين، فاستقروا به واشتغلوا بالزراعة.
стр. 760
الفصل الثالث
*الدولة الأموية بالأندلس
عهد الإمارة الأموية الأندلسية
[١٣٨ - ٣١٦هـ = ٧٥٥ - ٩٢٨م].
عبدالرحمن الداخل يحكم الأندلس (١٣٨ - ١٧٢هـ = ٧٥٥ - ٧٨٨م):
سقطت الدولة الأموية بالمشرق سنة (١٣٢هـ = ٧٤٩م)، واضطهد
العباسيون الأمويين، وطاردوهم فى كل مكان، لكن واحدًا منهم هو
«عبدالرحمن ابن معاوية بن هشام بن عبدالملك» تمكن من الوصول
إلى الأندلس، بعد أن عبر فلسطين ومصر، ثم لحق به مولاه «بدر»
وهو رومى الأصل، ومولاه «سالم» ومعهما شىء من المال
والجواهر، ثم وصل «عبدالرحمن» إلى «برقة» والتجأ إلى أخواله من
«بنى نفزة» - من برابرة طرابلس - وأقام عندهم مدة، ثم غادر إلى
المغرب الأقصى، وتجول هناك، متغلبًا على ما قابله من صعاب،
وأقام حينًا عند شيوخ البدو، وحينًا عند بعض رجال قبيلة زناتة،
وكان أثناء ذلك يدرس أحوال الأندلس، ويرقب الفرصة المناسبة للعبور
إليها.
وقد اتصل بمعونة مولاه «بدر»، الذى كان قد نزل بساحل «لبيرة»
فى كورة «غرناطة» موطن أهل «الشام» بموالى خلفاء البيت الأموى
والقرشيين عامة، وبالكلبية اليمنية، خصوم الوالى يوسف الفهرى، ثم
عبر عبدالرحمن إلى الأندلس فى ربيع سنة (١٣٧هـ = ٧٥٤م)، ونزل
بثغر «المنكبّ» لموقعه الممتاز، وقد التف الناس حوله بما فى ذلك
جماعات البربر، على أمل أن ينقذهم من الأوضاع المتردية.
تقدم عبدالرحمن نحو العاصمة «قرطبة»، وجمع «يوسف الفهرى»
و «الصميل» ما أمكنهما من قوات، والتقى الفريقان عند «المصارة»
أو «المسارة» بالطرف الغربى، وتمكن عبد الرحمن من تحقيق انتصار
حاسم، دخل على إثره قرطبة وصلى بالناس الجمعة، وخطب الجند،
وعُد ذلك اليوم ميلادًا للدولة الأموية فى الأندلس، ولقب «عبدالرحمن بن
معاوية» بعبدالرحمن الداخل، لأنه أول من دخل الأندلس من بنى أمية
حاكمًا.
ولم يكن عمر «عبدالرحمن الداخل» حين حقق هذا الإنجاز يتجاوز
السادسة والعشرين من عمره، لكنه كان رجل الموقف، شحذت همته
стр. 761
الخطوب والمحن، وأعدته لحياة النضال والمغامرة، فقضى بقية عمره
اثنين وثلاثين عامًا فى كفاح مستمر، لاينتهى من معركة إلا ليخوض
أخرى، ولايقمع ثورة إلا تلتها ثورة، ولم تبق بالأندلس ناحية أو مدينة
إلا ثارت عليه، ولاقبيلة إلا نازعته فى الرياسة، فكانت الأندلس طوال
عهده بركانًا يشتعل بنيران الحرب والثورة والمؤامرة، لكنه صمد لتلك
الخطوب جميعًا، واستطاع بما أوتى من حزم وحسن سياسة وبعد
الهمة والجلد والإقدام أن يغالب تلك الأخطار والقوى وأن يقبض على
زمام الأمور بالأندلس بيده القوية.
وقد تصور اليمنيون أن من حقهم ماداموا قد ناصروا «عبدالرحمن» أن
يفعلوا ما يشاءون، فينشروا الفوضى ويستولوا على أموال الناس،
ويغرقوا البلاد فى مستنقع العصبيات القبلية كما كان الحال من قبل،
لكن عبدالرحمن أثبت أنه لايفرق بين شامى أو بلدى، أو بين بربرى
ويمنى، فجميعهم يضمهم وطن واحد، وعليهم أن يخضعوا لسلطان
العاصمة المركزية.
غير أن تلك السياسة لم تعجب اليمنيين، وعدُّوها لونًا من الجحود
والنكران فثاروا عليه، لكنه تمكن من القضاء عليهم فى الجزيرة
الخضراء، وإشبيلية، وطليطلة، وباجة، معتمدًا على حشود البربر
وأهل البلاد وأعوان بنى أمية.
ولعل من أخطر الثورات التى واجهت عبدالرحمن ثورة «العلاء بن
مغيث الحضرمى»، من وجوه باجة ومن ذوى الرئاسة بها، وكان قد
كاتب «أبا جعفر المنصور» الخليفة العباسى، واستصدر منه سجلا
بولاية الأندلس، وجمع حوله جندًا عظيمًا، ورفع العلم الأسود شعار
العباسيين سنة (١٤٦هـ = ٧٦٣م)، فاشتعلت باجة بنيران الثورة،
وتحالفت «شذونة» مع الثائر، فخرج عبدالرحمن من قرطبة ولجأ إلى
الدفاع أولا، فلما ضعف خصمه تحوَّل إلى الهجوم، ونشبت معارك
هزم فيها العلاء وتشتت جنده، وقتل الآلاف بما فيهم العلاء نفسه،
وحمل عبدالرحمن رءوس الزعماء والقادة وبعث بها إلى القيروان،
ووضع رأس العلاء فى سفط ومعه اللواء الأسود، وسجل المنصور
стр. 762
بتوليته، وحمله بعض ثقاة التجار إلى مكة، وكان المنصور يحج،
وألقى هذا أمام سرادقه، فلما حمل إليه قال: «مافى هذا الشيطان
مطمح، فالحمد لله الذى جعل بيننا وبينه البحر».
ولم يكن على عبدالرحمن أن يواجه مشاكل الجنوب فقط بل شمالى
الأندلس أيضًا، فقد ثار عليه «سليمان بن يقظان» والى «برشلونة»
و «الحسين بن يحيى» والى «سرقسطة»؛ مستغلين طبيعة بلادهم
الجبلية وانشغال عبدالرحمن بحركات الثائرين فى الجنوب، ثم
استفحل خطرهم بعد انتصارهما على جيش أرسله عبدالرحمن.
ولم يكتفِ الثائران بذلك بل قدما على رأس وفد إلى «شارلمان
الأكبر» إمبراطور الدولة الفرنجية، وكان فى ولاية «سكونيا» شمالى
ألمانيا حاليا، واقترحا عليه غزو الولايات الأندلسية الشمالية، وتعهدا
بمعاونته ضد عبدالرحمن، وأن يعمل جميعهم على خلعه، وتسليم
البلاد إلى شارلمان والخضوع له.
وقد رحب شارلمان بهذا العرض واجتاز جبال البرت، والتقى بحلفائه
على نهر الإيرو عند سرقسطة، لكن حاكم سرقسطة عدل عن موقفه
فى آخر لحظة، ورفض تسليم مدينته لشارلمان، وحصّنها فتمكنت من
رد هجماته عليها، وكذلك فعل والى برشلونة، واضطر «شارلمان»
أن يرتد إلى بلاده بسبب ثورات قامت عليه سنة (١٦١هـ = ٧٧٨م)،
وهكذا شاءت العناية الإلهية أن يبوء عاهل الفرنج بالفشل بعد أن
اختلف معه هؤلاء الخارجون على عبدالرحمن، وانقلبوا إلى مقاومته.
وفى الوقت الذى كانت تجرى فيه هذه الحوادث فى الشمال، كان
عبدالرحمن فى الجنوب يحارب الثائرين عليه، فقضى على ثورة
مؤيدة للعباسيين فى «مرسية»، وقمع ثورات أخرى فى غرناطة
وطليطلة والجزيرة الخضراء، ثم توجه إلى سرقسطة فى جيش ضخم
وعقد صلحًا مع الثائرين بها، ثم عاد إليها مرة أخرى فحاصرها
وضربها بالمنجنيق، ثم اتجه إلى الشمال الشرقى واخترق بلاد
البشكنس، ففرض عليها الجزية، ثم عاد مظفرًا إلى قرطبة سنة
(١٦٧هـ = ٧٨٣م) وبعدها عقد صداقة مع شارلمان استمرت بقية
стр. 763
حياته، ثم قاد حملة سنة (١٦٨هـ = ٧٨٤م) إلى طليطلة؛ حيث هزم زعيم
الفهرية هناك بعد معارك شديدة وقتال فى أكثر من موقع.
ولما شعر عبدالرحمن بهدوء نسبى، استدعى بنى أمية من المشرق،
فأقبل إليه كثيرون، استعان بهم فى تحمل بعض المسئوليات، لكنه
فوجئ بأن من بينهم من ينقم عليه، ويقيم ضده المؤامرات، فاضطر
إلى أن يعتمد على المخلصين من موالى بنى أمية ومن انضم إليه من
أهل البلاد، بالإضافة إلى قوة من الصقالبة اشتراهم صغارًا من بلاد
النصارى ورباهم تربية إسلامية، ونشأهم تنشأة عسكرية، وأصبح
هؤلاء عنصرًا أساسيا من عناصر القوة السياسية فى الأندلس.
وتُوفِّى عبدالرحمن فى (١٠من جمادى الآخرة ١٧٢هـ = ١٦ من أكتوبر
٧٨٨م) بعد حياة طويلة قضاها فى كفاح متواصل، ومواجهة للصعاب
والأهوال، وأقام ملكًا ودولة فوق بركان يضطرم بالثورات والمؤامرة،
وأثبت أنه بطل فريد من أبطال التاريخ، لا يجود الزمان بمثله كثيرًا،
فتى شريدًا بلا أنصار وأعوان يفر من الموت الذى تعرضت له أسرته،
لكنه يستغل ظروف الأندلس فيقودها بكثير من الدهاء والحزم
والعزيمة والذكاء، ويقيم دولة على أسس إدارية وسياسية ومالية
ثابتة.
ويزيد من قيمة ما قام به أن من حكمهم تعودوا على الفوضى
والأنانية، وتقديم المصالح الشخصية على المصالح القومية، ولم يكن
باستطاعة عبدالرحمن إلا أن يعامل هؤلاء بما يستحقون من شدة
وقسوة، لكنه أصبح فى أخريات أيامه شديد الاستبداد، لايقبل
المناقشة من أحد حتى مولاه «بدر» غضب عليه، وأقصاه بعد طول
خدمة.
وأفضل ماتميز به؛ عقله المرتب وأسلوبه المنظم، فقد كان يدرس
مشاكله، ويتلقى أخبار الثورات بجنان ثابت، ثم يرسم خطته للقضاء
عليها، ويصفه ابن حيان أمير مؤرخى الأندلس بقوله: «كان راجح
العقل، واسع العلم، ثاقب الفهم، كثير الحزم .. متصل الحركة لايخلد
إلى راحة، ولايسكن إلى دعة، ولا يكل الأمور إلى غيره، ثم لاينفرد
فى إبرامها برأيه، شجاعًا، مقدامًا .. ».
стр. 764
نظام حكومة عبدالرحمن:
لم يكن هناك نظام لولاية العهد، وكان اختيار ولى العهد يترك للأمير،
وأنشأ عبدالرحمن منصب الحجابة، وأحاط نفسه بمجموعة من الأعوان
يساعدونه فى القيام بمهام الحكم بدلا من الوزراء، وقد اختارهم فى
أول الأمر من بين أعوانه الذين استقبلوه وقاتلوا معه، فكانت
حكومته عربية شكلا وروحًا، ثم مال إلى البربر والموالى بعد أن
استراب فى العرب وشك فى ولائهم له، لثوراتهم المتعددة عليه.
وقد منح الجيش عناية خاصة، فجنَّد مائة ألف عدا حرسه البالغ
أربعين ألفًا من العرب والموالى والرقيق، كما عنى بالبحرية فى
أخريات حياته، وأنشأ عدة قواعد لبناء السفن.
عناية الداخل بالإنشاء والتعمير:
عنى «عبدالرحمن الداخل» عناية فائقة بالإنشاء والتعمير فى قرطبة
على الرغم من كثرة مشاغله، فحصَّن العاصمة وزينها بالحدائق،
وأنشأ منية الرصافة وقصرها العظيم فى الشمال الغربى على بعد
(٤) كم من قرطبة، وقد أحاطها بالحدائق الزاهرة، وأطلق عليها
الرصافة، تخليدًا لذكرى الرصافة التى أنشأها جده «هشام بن
عبدالملك» بالشام، وكان هذا القصر يطل من ناحية الجنوب على
الحقول التى تفصله عن قرطبة، ويطل من الشمال على أرض واسعة
تسمى «فحص السرادق»، وقد اتخذ عبدالرحمن من ميدانها الفسيح
منازل لجنده وقواده، ومكانًا يتدرب فيه الجنود بصورة مستمرة
ومنتظمة.
كما بدأ عبدالرحمن سنة (١٥٠هـ= ٧٦٧م) فى إنشاء سور قرطبة الكبير
الذى استمر العمل فيه أعوامًا، كما أنشأ مساجد محلية كثيرة فى
قرطبة وغيرها، وعلى رأسها المسجد الأموى الجامع الذى بدأ فى
إنشائه سنة (١٧٠هـ = ٧٨٦م)، وجلب إليه الأعمدة الفخمة، والرخام
المنقوش بالذهب واللازورد؛ وبلغ ما أنفقه عليه ١٠٠ ألف دينار، ثم
زاد خلفاؤه من بعده فى هذا العمل، حتى أصبح أعظم مساجد
الأندلس.
ويقع هذا المسجد فى الجهة المقابلة لقصر الإمارة، وبينهما مساحة
واسعة استغلها عبدالرحمن فى إنشاء قصر خاص لنفسه، وعدد من
стр. 765
القصور الصغيرة لآل بيته، أحاطها بالحدائق الغناء، وبسور يدور
حولها، وقد امتدت هذه القصور حتى وصلت إلى ضفة نهر الوادى
الكبير، فبنى عبدالرحمن قصور الإدارة ناحية النهر، وفتح بابًا فى
الشارع بين النهر والسور سمى «باب السدة»، فتح للجمهور،
ويفضى إلى المكاتب الحكومية، وإلى جانب باب السدة خُصِّصت
مواقع الكتَّاب الذين يعاونون الناس فى كتابة شكاواهم وطلباتهم،
والذين يشبهون من نسميهم اليوم بالكتاب العمومين.
ومن منشآت عبدالرحمن التى بناها فى قرطبة، «دار السكة» لضرب
النقود على النحو الذى كانت تضرب عليه نقود بنى أمية فى المشرق
من حيث الوزن والنقش.
هشام الأول بن عبدالرحمن المعروف بالرضى [١٧٢ - ١٨٠هـ = ٧٨٨ -
٧٩٦م]
خلف «هشام» أباه «عبدالرحمن» على حكم الأندلس، الذى اختاره لا
لأنه أكبر أبنائه، بل لما توسَّمه فيه من المزايا الخاصة، وقد أبدى
«هشام» لينًا وورعًا، وحسن سياسة، وبصرًا بالأمور، فجذب الناس
إليه بإقامته للحق وتحريه للعدل، ومعاقبته للولاة المقصرين.
ولم يعكر صفو أيام «هشام» إلا اشتعال بعض الثورات، منها: الثورة
التى قام بها أخواه «سليمان» و «عبدالملك»، وانتهت بالصلح سنة
(١٧٤هـ = ٧٩٠م) على أن يقيما بعدوة المغرب، كما قاد حملة على
نصارى الشمال الذين أغاروا على البلاد، فنجح فى القضاء عليهم
سنة (١٧٥هـ = ٧٩١م) ثم تكررت حملاته عليهم، حتى قضى على
محاولاتهم التي استهدفت التوسع جنوبًا.
وأهم ما يتميز به عهد «هشام» ذيوع مذهب الإمام «مالك بن أنس»،
وحلوله محل مذهب الأوزاعى إمام أهل الشام الذى اتبعه الأندلسيون،
وكان الإمام مالك معاصرًا لهشام بن عبدالرحمن، كثير الثناء عليه،
وقد وفد بعض الأندلسيين إلى المشرق وتتلمذوا على الإمام مالك،
أمثال: الغازى بن قيس، وزياد بن عبدالرحمن المعروف بشيطون،
وغيرهما، فلما عادوا إلى الأندلس رحَّب بهم هشام، وسمح لهم
بتدريس مذهب «مالك»، وأخذ القضاة يصدرون أحكامهم بناءً عليه،
стр. 766
واتخذ منهم هشام كبار قضاته ومستشاريه، وشيئًا فشيئًا أصبح
المذهب المالكى هو المذهب الرسمى للدولة.
وحرصت الإمارة الأندلسية على جعل اللغة العربية لغة الدواوين
الرسمية، ولغة الدرس والتعليم، ولم تكن تقبل إلا ما هو عربى، وكان
ذلك اتجاهًا عاما سار عليه الأمويون فى حياتهم وتبعهم الناس فى
ذلك، وبلغ من اهتمام هشام بالعربية أن جعلها لغة نصارى الأندلس
ويهودها، وترجم إليها الكتاب المقدس ونصوص الصلوات، وساعد ذلك
كله على التحول إلى الإسلام، وانتشار اللغة العربية وأصبحت الأندلس
مركزًا من أهم مراكز الحضارة العربية.
ويكاد يجمع المؤرخون على أن «هشاماً» كان رقيقًا تقيا، صارمًا
فى الحق، محبا للجهاد، أنفق كثيرًا من الأموال فى فداء الأسرى،
كما كان شغوفًا بالإصلاح والتعمير، فأتم بناء مسجد قرطبة الجامع،
وأنشأ مساجد أخرى، وزين «قرطبة» بكثير من الحدائق والمبانى،
وجدَّد قنطرة قرطبة التى بناها «السمح بن مالك»، ونظَّم وسائل
الرى، وجلب إلى الأندلس الأشجار والبذور.
وكان هشام يحب مجالس العلم والأدب، وبخاصة مجالس الفقه
والحديث، فقرَّب إليه الفقهاء والعلماء، وبوَّأهم أهم المناصب، خلافًا
لما كان عليه زمن والده، وقد ترتب على ذلك نتائج سياسية
واجتماعية ظهرت فيما بعد.
الحكم الأول بن هشام المعروف بالربضى [١٨٠ - ٢٠٦هـ = ٧٩٦ - ٨٢٢م]
بدأ «الحكم» عهده بالجهاد ضد البشكنس (ثافارا)، لكنه اضطر إلى
تركه لمواجهة الثورات التى اشتعلت ضده فى الثغر الأعلى سنة
(١٨١هـ = ٧٩٧م)، وكان عمَّاه «سليمان» و «عبدالله» قد أتيا إليها
سرا واتصلا بملك الفرنج وطلبا مساعدتهما، ولما علم «الحكم» سار
بجيوشه إلى الشمال، فاضطر الفرنج إلى الانسحاب، فأحكم سيطرته
على هذه المناطق، وفى هذه الآونة حاول عمَّاه الإغارة على
قرطبة، فعاد الحكم وهزمهما، وقتل «سليمان»، على حين فرَّ «عبد
الله» إلى «بلنسية» والتزم الهدوء طوال فترة الحكم.
стр. 767
وفى سنة (١٨٥هـ = ٨٠١م) سير «شارلمان»، جيشًا لغزو «برشلونة»،
وكان الحكم مشغولا بمطاردة الخارجين عليه، فلم يتمكن من نجدة
المدينة، فسقطت بعد كفاح مشرف، وقد استقل حكام القوط بهذه
المنطقة عن الفرنج بعد فترة وأنشئوا إمارة «قطلونية» النصرانية،
التى اتحدت مع مملكة أراجون، وتمكنوا من غزو الجانب الشرقى من
مملكة الإسلام فى الأندلس، وخسر المسلمون بذلك حصنًا منيعًا،
وارتدت حدود الأندلس إلى الثغر الأعلى بعد أن كانت قد تجاوزت
جبال البرت.
ولم تهدأ العواصف والثورات ضد الحكم، فاكتشف فى سنة (١٨٩هـ =
٨٠٥م) مؤامرة للإطاحة به، لكنه أحيط علمًا بما يدبره خصومه فقضى
عليهم، وأعدم (٧٢) منهم فى صورة بالغة القسوة، مما أثار غضب
أهل قرطبة وحنقهم عليه، كما قضى على الثورات المتكررة التى قام
بها أهالى طليطلة، مستخدمًا أسلوب القتل والاغتيال، حتى إن واليه
على طليطلة أعد وليمة دعا إليها كبار زعماء طليطلة، ثم أعدمهم،
وألقى جثثهم فى حفرة خلف القصر سنة (١٩١هـ = ٨٠٧م)، وفى تلك
الأثناء غزا الفرنج الثغر الأعلى وحاصروا مدينة «طرطوشة» لكن
المسلمين تمكنوا من هزيمتهم، وإنقاذ المدينة المحاصرة سنة (١٩٣هـ
=٨٠٩م)، كما توالت حملات النصارى على أطراف الثغر الأدنى
والمنطقة التى بين نهرى دويرة والتاجة لبعدها عن قرطبة، وضعف
وسائل الدفاع عنها، وعانى المسلمون كثيرًا فى تلك المناطق من
جراء تلك الغزوات، ولما بلغت الأنباء مسامع «الحكم بن هشام» خرج
بنفسه سنة (١٩٤هـ = ٨١٠م) على رأس جيشه، وهزم النصارى فى
عدة مواقع وأسر وغنم غنائم كثيرة، كما أرسل فى العام التالى
جيشًا إلى الثغر الأعلى، غزا قطالونية، وهاجم برشلونة، وانتهى
الأمر بصلح دام حتى وفاة «شارلمان» سنة (١٩٨هـ= ٨١٤م)، ثم كانت
آخر غزوات الحكم سنة (٢٠٠هـ = ٨١٥م) إلى «جليقية» حيث توغل
المسلمون فيها، ونشبت بينهم وبين النصارى مواقع حربية، انتهت
بهزيمة النصارى وارتدادهم إلى الداخل.
стр. 768
وفى أواخر عهد الحكم اشتعلت فى «قرطبة» ثورة عنيفة سميت
ثورة الربض، بسبب كراهية «المولِّدين» للحاكم، وبغضهم له لصرامته
وقسوته، واتهامهم له بممارسة اللهو والشراب، والمبالغة فى فرض
الضرائب، وقد تأجج لهيب الثورة فى الربض الجنوبى المسمى
«شقندة» بصفة خاصة يوم (١٣ من رمضان ٢٠٢هـ = ٢٥ من مارس
٨١٨م) وتوجه الثوار إلى القصر، وتأهب الحكم ورجاله لردِّهم، وقد
نجحوا فى ذلك، ثم مالبث أن شقت قوات الحكم طريقها إلى النهر،
وعبرته إلى الضاحية الأخرى موطن الثائرين وأضرمت النيران فى
جوانبها، فأسرع الثوار إلى دورهم، لإطفاء النيران وإنقاذ الأهل
والعشيرة.
وفى هذه اللحظة أحاط الجنود بالثوار، وأوسعوهم قتلا ومطاردة
ونهبوا دورهم، واستمرت هذه المأساة ثلاثة أيام، فرَّ خلالها إلى
طليطلة من استطاع، ثم نودى بالأمان بعد أن هدأت الفتنة، ثم أصدر
الحكم قرارًا بهدم دور الثوار ولاسيما فى الضاحية التى شهدت ميلاد
الثورة، فتم محوها تمامًا، ثم أمر بإخراج الثائرين من قرطبة،
فتفرقوا فى الثغور، وعبر بعضهم إلى العدوة الأخرى بالمغرب،
وهاجر بعضهم إلى طليطلة وشمالى غربى الأندلس.
كما ركب نحو (١٥) ألفًا منهم سفنًا رست بهم فى ميناء الإسكندرية،
حيث أقاموا فيها، غير أن والى مصر «عبدالله بن طاهر» أجبرهم
على الرحيل، فتوجهوا إلى جزيرة «كريت» وفتحوها سنة (٢١٢هـ =
٨٢٧م)، وأسسوا بها دولة زاهرة، بقيت هناك إلى أن استولى عليها
البيزنطيون سنة (٣٥٠هـ = ٩٦١م).
وعلى الرغم من نجاح «الحكم» فى القضاء على هذه الحركة الثائرة،
فإن أهل «قرطبة» تضاعفت كراهيتهم له، وزاد من نفورهم منه ما
فرض عليهم من ضرائب.
مرض الحكم بعد ذلك، وأخذ البيعة لولى عهده فى حياته، وأبدى
أسفه لما وقع منه لأهل الربض، ثم مات فى (٢٦ من ذى الحجة ٢٠٦هـ
= ٢٢ من مايو ٨٢٢م) بعد أن لُقِّب بالربضى، نسبة إلى ماقام به من
أعمال شنيعة فى منطقة الربض الجنوبى.
стр. 769
ولم يكن الحكم الربضى كأبيه محبا للعلماء والفقهاء، فتراجعت
مكانتهم فى زمنه وآثر عليهم حضور مجالس الإماء والشعراء،
وانصرف إلى حياة اللهو والصيد.
ويُعدُّ الحكم أول من أظهر هيبة الملك بالأندلس وفخامته، ورتَّب للبلاط
نظمه ورسومه، واستكثر من الموالى، فظهر «الصقالبة» بكثرة فى
بلاطه، وأسند إليهم معظم شئون الحكم والحرس الخاص، ووصل بهم
إلى مراتب القيادة والرياسة، كما كانت له شرطة قوية وعيون على
الناس.
وضمَّت حكومته شخصيات بارزة فى تاريخ الأندلس، منهم: «ابن
مغيث» الذى تولَّى حجابته، واستحدث منصبًا يهتم بشئون أهل الذمة،
سمَّى شاغله بالقومس أو «القمط».
وعلى الرغم من اشتعال الفتن والثورات فى عهد الحكم، فقد ازدهرت
العلوم والآداب ونبغ عدد كبير من الكتاب والشعراء والعلماء، منهم
«عباس بن ناصح الثقفى»، وابنه «عبدالوهاب»، و «أبو القاسم عباس
بن فرناس»، و «يحيى الغزال».
عبدالرحمن الثانى (الأوسط) بن الحكم [٢٠٦ - ٢٣٨هـ = ٨٢٢ - ٨٥٢م]
تولى «عبدالرحمن» الحكم فى (٢٧ من ذى الحجة ٢٠٦هـ = ٨٢٢م)
بعهد من أبيه؛ وكان «عبدالرحمن» منذ صغره شغوفًا بدراسة الأدب
والحديث والفقه، ذا عقل مستنير، خبيرًا بشئون الحرب والسياسة،
هادئ الطباع، حسن العشرة، متقربًا إلى الناس، حازمًا فى أمره،
ولهذا كان مؤهلاً لإزالة ما خلفته إمارة أبيه الحكم من آثار سيئة.
وقد واجه «عبدالرحمن» فى أول ولايته سنة (٢٠٧هـ = ٨٢٣م) ثورة
فى «بلنسية» دامت عدة سنوات، ولم تنته إلا فى سنة (٢١٣هـ =
٨٢٨م) حيث نجح فى القضاء عليها وإخماد فتنتها، كما واجه ثورة
فى قرطبة نجح فى القضاء عليها أيضًا.
استأنف «عبدالرحمن الثانى» برنامجه فى الجهاد مبكرًا، فأرسل فى
سنة (٢٠٨هـ = ٨٢٣م) حملة عسكرية بقيادة «عبدالكريم بن عبدالواحد
بن مغيث» إلى «ألبة والقلاع» بعد أن أغار ملك جليقية (ليون) على
مدينة سالم فى الثغر الأعلى، وقد نجحت الحملة فى إلحاق الهزيمة
стр. 770
بالنصارى فى عدة مواقع، وخربت مدينة «ليون» وأحرقت حصونها،
وأطلقت سراح المسلمين، وألزمت القوات المعتدية بدفع جزية كبيرة
وعادت الحملة بقيادة «عبدالكريم» إلى قرطبة مثقلة بالغنائم، وكانت
تلك آخر غزوات هذا القائد المظفر الذى استمر يدافع عن الأندلس فى
ميادين القتال أكثر من ثلاثين سنة؛ حيث توفى فى سنة (٢٠٩هـ =
٨٢٤م)
ثم تعرَّضت البلاد لعدد من الثورات والفتن والقلاقل فى «طليطلة»
و «ماردة» دامت سنوات طوال، واستنفدت كثيرًا من الجهد والمال
وإراقة الدماء حتى تمكن «عبدالرحمن» من القضاء عليها.
عاود «عبدالرحمن» نشاط الجهاد، فبدأ يرسل الصوائف كل عام إلى
الشمال تارة إلى أطراف الثغر الأعلى لتشتبك مع الفرنجة، وتارة إلى
«ألبة والقلاع» حيث تغير على بلاد البشكنس وأطراف مملكة جليقية
(ليون)، وكان أحيانا يقود تلك الصوائف، مثلما فعل سنة (٢٢٨هـ =
٨٤٣م) حيث سار بجيشه إلى الشمال، وزحف على بلاد البشكنس،
وألحق بملكها الهزيمة، واضطر إلى طلب الأمان، وعاد عبدالرحمن
إلى قرطبة بعد أن وطد نفوذه هناك، وفرض هيبته وقوته على
البشكنس، حتى لايتجرءوا على مهاجمة أراضى المسلمين مرة أخرى.
غزوات النورمان:
المقصود بالنورمان: هم أهل الشمال سكان اسكنديناوه ودانيماركه،
الذين اشتهروا بجوب البحار ومحاولة التغلب على قسوة الجليد
وأهوال الطبيعة، وبدأت جموعهم تغزو فرنسا وشواطئ أوربا
الغربية فى أوائل القرن التاسع الميلادى، تحملهم سفن صغيرة ذات
أشرعة سوداء، تدخل مصبات الأنهار، وتنشئ لها مراكز داخل البلاد،
وتغير على المدن وتنهب خيراتها، ثم توقد النيران للتعمية، ثم تهرب
مسرعة.
وكان ظهور هؤلاء فى مياه الأندلس لأول مرة سنة (٢٣٠هـ= ٨٤٥م)؛
حيث جاء أسطول لهم فى ثمانين سفينة، ورسا فى مياه «إشبونة»
فكتب حاكمها إلى «عبدالرحمن» يخبره بذلك، وحدث احتكاك بين
هؤلاء والمسلمين مدة ثلاثة عشر يومًا، ثم سار الأسطول النورمانى
стр. 771
إلى «قادش»، ومنها إلى «شذونة» ونهب كل ما وجده فى طريقه،
ثم اخترق نهر الوادى الكبير إلى «إشبيلية»، وظهر هناك بصورة
مفاجئة، ولما لم تكن هناك بحرية تدافع عن تلك المنطقة أو استعداد
لمواجهة هذا النوع من العمليات، فقد عاث النورمان فيها فسادًا لمدة
سبعة أيام، وأحرقوا الدور والمسجد الجامع، ثم غادروا مدينة
«إشبيلية»، وعسكروا فى الناحية الغربية منها.
وإزاء هذه التحركات هرع المسلمون لرد العدوان، ونشبت معارك
تفوق فيها النورمان فى أول الأمر، ثم هزمهم المسلمون بعد قتال
عنيف عند «طليطلة» شمالى «إشبيلية» فى (٢٥ صفر سنة ٢٣٠هـ =
٨٤٥م) ولقى قائدهم مصرعه، وأحرقت ثلاثون سفينة من سفنهم،
فأقلعت السفن الباقية نحو الجنوب حيث غادروا مياه الأندلس بعد
أسابيع من الفزع والرعب.
نشأة الأسطول:
كان لمفاجأة النورمان أثرها، فبدأت الحكومة الأندلسية تعطى
الاهتمام الكافى للأسطول والتحصينات البحرية، فبنى «عبدالرحمن»
سورًا ضخمًا حول «إشبيلية»، واتخذ قواعد بحرية، ودورًا لصناعة
السفن فى «إشبونة» و «إشبيلية»، و «المرية» و «بلنسية» و «مالقة»،
وعنى بصناعة السفن الكبيرة، وأعد لها المقاتلة، وأصبح للأندلس
أسطولان، أحدهما فى المحيط الأطلسى ومركزه إشبونة، والآخر
فى البحر المتوسط وقاعدته مالقة.
وبدأت تظهر أهمية البحرية الأندلسية منذ منتصف القرن التاسع
الميلادى وأثمرت جهوده فى فتح الجزائر الشرقية (جزر البليار)،
وهى ميورقة ومنورقة ويابسة، وتم ضمهما إلى الإمارة الأندلسية
سنة (٢٣٤هـ = ٨٤٨م).
وقد أدرك النورمان أن الأندلس لن تكون فريسة سهلة لغزواتهم،
فسعوا إلى الصلح مع الأمير عبدالرحمن، وبعثوا رسلهم يطلبون
السلام، فأرسل الأمير إليهم الشاعر «يحيى الغزال» ردًا على
سفارتهم.
وبعد الانتهاء من مشكلة النورمان استأنف «عبدالرحمن» عمليات
الجهاد فى الشمال، فأرسل صائفة اخترقت قشتالة القديمة، وسارت
стр. 772
فى اتجاه نابارَّا (نافار)، وغزت بنبلونة سنة (٢٣٠هـ = ٨٤٥م)، ثم
توجهت فى العام التالى صائفة إلى «جليقية»، وحاصرت «ليون»
عاصمتها، وحملت النصارى على اللجوء إلى الجبال، كما أرسل قوة
بحرية إلى جزيرتى ميورقة ومنورقة سنة (٢٣٤هـ = ٨٤٨م) تمكنت من
السيطرة عليهما.
وفى سنة (٢٣٧هـ = ٨٥١م) قامت حرب بين المسلمين وبعض قوات
البشكنس الذين هاجموا أراضى المسلمين فى أطراف بلاد الثغر
الأعلى، انتهت بانتصار المسلمين.
وقد حرص «عبدالرحمن» على موالاة إرسال الصوائف فى كل عام
إلى الحدود الشمالية مما يلى «طليطلة» شمالا، لأن الصراع هناك كان
شديدًا، ولأن أهل طليطلة كانوا يستنجدون بالإمارات النصرانية فى
منازعاتهم مع الإمارة الأندلسية، ويستنجدون أيضًا بنصارى الشمال
وبخاصة ملوك ليون.
المتعصبون النصارى يثيرون فتنة فى الأندلس:
تعرضت البلاد فى أواخر عهد «عبد الرحمن» الأوسط لفتنة شديدة،
أملتها روح التعصب، فقد كره بعض القساوسة والرهبان سيطرة
الثقافة واللغة العربية على المجتمع، وانتشار الإسلام، فلجئوا إلى
الشكوى لموت الثقافة المسيحية وإلى مواجهة المسلمين وتحديهم فلم
يفلحوا، فراحوا يجهرون بسب النبى ﷺ والإساءة
إليه، وإهانة المقدسات الإسلامية علنًا وعلى مرأى الناس وفى
الطرقات العامة.
وقد حمل رجال الشرطة هؤلاء القساوسة والرهبان إلى القضاة،
فكرروا الشىء نفسه أمامهم وأصروا على رأيهم، وحاول القضاة
استعمال الرفق معهم فى ثنيهم عن أفعالهم فلم ينجحوا، وتكررت
الجرائم، فاضطر القضاة إلى الحكم بإعدام هؤلاء المتعصبين، وقتل
كثير منهم فى صيف سنة (٢٣٧هـ = ٨٥١م)، فعدهم أحبار النصارى
شهداء، وكان هذا هو هدف هؤلاء المتعصبين، وتأزم الموقف،
والتهبت نيران الفتنة.
واجه «عبدالرحمن» هذه المشكلة بما تستحقه من صبر، فطلب من
قادة النصارى عقد مجمع دينى فى قرطبة لمعالجتها بحكمة واتزان،
стр. 773
فأوضح المجمع عواقب هذا العمل الوخيمة، وأن المعتدلين من
النصارى يبرءون منه ويستنكرونه، وكان من نتيجة ذلك استقرار
الأوضاع وعودة الوئام بين المسلمين والنصارى بفضل معالجة
عبدالرحمن وحسن تأنيه فى الأمور.
وفاة عبدالرحمن الأوسط:
توفى «عبدالرحمن» فى (٣ من ربيع الآخر ٢٣٨هـ = ٢٣ من سبتمبر
٨٥٢م) عن عمر يناهز (٦٢) سنة، بعد أن حكم البلاد أكثر من إحدى
وثلاثين سنة، عدت من أزهى سنوات الحكم الإسلامى فى الأندلس،
فقد عاش الناس فى رخاء وعم الهدوء والاستقرار البلاد، وقام الحكم
على أسس من العدالة والنظام.
وقد اعتمد «عبدالرحمن الأوسط» على عدد من الزعماء والوزراء
والقادة المخلصين، وكان الوزراء يعقدون اجتماعاتهم فى قصر
«السدة» فى بيت يسمى بيت الوزارة، ويحمل «الحاجب» رئيس
الوزراء نتيجة مناقشاتهم للأمير، لاتخاذ ما يراه مناسبًا. وكان الوزير
يتقاضى مرتبًا شهريًا قدره (٣٥٠) دينارًا وجرى عبدالرحمن على سنة
أبيه فى اصطفاء الموالى والصقالبة، وكان له خمسة آلاف، منهم
ثلاثة آلاف يرابطون إزاء أبواب القصر على الرصيف، وألفان على
أبواب القصر، وهم الذين كانوا يسمون الخرس بسبب عجمتهم.
ولم يكن عبدالرحمن الأوسط أميرًا فحسب، وإنما كان أديبًا شاعرًا
وعالمًا حكيمًا، أحاط نفسه بجماعة كبيرة من الشعراء والعلماء
والأدباء، كما كان أول من عُنى بجمع الكتب من أمراء الأندلس، وقد
أوفد شاعره «عباس بن ناصح» إلى المشرق يبحث له عن كتب،
فجمع منها طائفة كبيرة كانت نواة مكتبة قرطبة العظيمة، ومن
الشخصيات التى أحاطت به:
- على بن نافع:
الموسيقى المعروف بلقب زرياب (الطائر الأسود)، وكان قد غادر
بغداد إلى قرطبة، فاستقبله «عبدالرحمن الأوسط» بكل حفاوة،
وعاونه على إظهار فنه، فأنشأ معهدًا لتعليم الموسيقى وابتكر
طريقة لكتابتها، وأنشأ فرقة موسيقية تجمع بين العازفين
والمنشدين، واخترع وترًا خامسًا أدخل به تعديلا على العود، كما
стр. 774
أدخل كثيرًا من مظاهر الحياة المتحضرة فى المجتمع الأندلسى،
وتوفى فى (ربيع الأول ٢٣٨هـ= أغسطس ٨٥٢م).
- عباس بن فرناس:
كان من رجال الحكم الربضى وابنه عبدالرحمن، وهو فيلسوف
ورياضى وشاعر وموسيقى وكيميائى، من أصل بربرى، توصل إلى
صناعة الزجاج من طحن الأحجار، واخترع آلة تسمى «الميقانة» تعتمد
على الظل فى معرفة الوقت، واشتهر بأول محاولة يقوم بها الإنسان
للطيران فى الجو، كما اخترع شيئًا شبيهًا بقلم الحبر، وقد أدركته
الوفاة فى عهد الأمير محمد بعد ذلك.
- يحيى بن الحكم الجيانى «الغزال»:
هو فيلسوف شاعر، من أصل عربى، ولد فى جيان بالأندلس، ولقب
بالغزال لأناقته وجمال هيئته، كان من الندماء المقربين من
عبدالرحمن الأوسط، فأعجب به وكلفه بالسفارة عنه إلى إمبراطور
الدول البيزنطية، فقام بمهمته خير قيام، فشجع ذلك النجاح الأمير
عبدالرحمن فبعث به إلى ملك النورمان فى الدنيمارك ليتباحث معه
فى أمر الصلح بين الدولتين. وتوفى يحيى الغزال سنة (٢٥٠هـ=
٨٦٤م).
المظاهر الحضارية فى عهد عبدالرحمن الأوسط:
ظهرت آثار الرخاء وترف الحضارة فى عهد عبدالرحمن فيما بناه
الناس من قصور جميلة، تم تزيينها بالأثاث الفاخر والفرش الوثيرة،
والجوارى الحسان اللاتى جلبن من المشرق، وانتشرت فى قرطبة
البيوت المحاطة بالحدائق المزدانة بالأشجار وأطلقوا عليها اسم
«المنى»، وتوسَّع بعض الأغنياء فى الحدائق المحيطة بهذه المنازل
حتى أصبحت رياضًا، أطلق عليها اسم «الجور»، وفى كل منها مكان
معد لغناء المغنيات.
وامتاز عهد عبدالرحمن بالأمن والسكينة. وازدهار الصناعة والزراعة
والتجارة، وازدياد موارد الدولة التى بلغت نحو مليون دينار سنويا
مكنت الأمير من الإنفاق على الحملات العسكرية وإقامة المنشآت
العامة، كما أشرفت الحكومة المركزية على أعمال الحكام من خلال
ديوان المظالم المختص بالنظر فى شكاوى الناس من تصرفات بعض
رجال الحكومة.
стр. 775
ونالت إقامة المبانى والمنشآت قسطًا عظيمًا من عناية «عبدالرحمن
الأوسط»، فبنى مسجد إشبيلية الجامع، وزاد فى المسجد الجامع
بقرطبة قدر بهوين كبيرين من ناحية القبلة، ونقل المحراب إلى الجزء
الجديد، وأقام أعمدة أخرى، وأقواسًا فوق الأعمدة الأصلية، فكانت
الأقواس المزدوجة التى يعدها المعماريون من روائع العمارة
الإسلامية، وكان صحن المسجد مكشوفًا يدور حوله سور، وتزرع فيه
أشجار النارنج، ولهذا سُمِّى بهو النارنج، وهو الآن صحن الكنيسة.
ولايزال مسجد قرطبة الجامع باقيًا حتى اليوم بكل عقوده الإسلامية
وأروقته ومحاريبه، وقد تحوَّل إلى كاتدرائية فى القرن السادس
عشر الميلادى، وأقام المسيحيون هياكلهم فى عقوده الجانبية،
وبنوا مصلى على شكل صليب فى وسطه، وأزالوا كثيرًا من قباب
المسجد وزخارفه الإسلامية، وجعلوا مكانها زخارف نصرانية، وعلى
الرغم من ذلك فإن آيات القرآن الكريم، والنقوش الإسلامية لاتزال تزين
محاريبه الفخمة وأبوابه.
تجديد الشعر الأندلسى:
بدأت طلائع الشعر الشعبى الأندلسى فى الظهور فى عهد
عبدالرحمن الأوسط، وهو شعر يصاغ بعامية الأندلس التى هى خليط
من العربية والبربرية وغيرهما مع الالتزام بأوزان بحور الشعر العربى
وبخاصة بحرا الرمل والرجز، وهو ما عرف باسم «الزجل» وقد وصل
هذا الفن إلى أوج رقيه بعد ذلك فى زمن ملوك الطوائف على يد ابن
قزمان وغيره.
وقد برز من الشعراء فى هذا العصر «ابن عبدربه»، صاحب العقد
الفريد، ومؤمن بن سعيد، والشاعر الضرير أبو بكر بن هذيل.
الأمير محمد بن عبدالرحمن الأوسط [٢٣٨ - ٢٧٣هـ = ٨٥٢ - ٨٨٦م]
رشَّحه أبوه لولاية العهد، لأنه رأى أنه أصلح من يتولى الملك، وإن
لم يكن أكبر أبنائه، وقد وصفه المؤرخون بالاتزان والذكاء والعقل
وهدوء الأعصاب.
تولى الأمير «محمد» الحكم فى (٤من ربيع الآخر ٢٣٨هـ = ٢٤ من
سبتمبر ٨٥٢م)، وقدر له أن يقضى فترة حكمه فى إخماد الثورات
следующие страницы →