Полный текст (3 483 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
وشاركت التجارة فى دفع عجلة الاقتصاد بدولة المرابطين منذ
تأسيسها؛ حيث وجه أمراء هذه الدولة اهتمامهم إلى التجارة،
وعملوا على تنشيطها؛ بتشجيع التجار على ارتياد البلاد، ووفروا لهم
سبل الإقامة، وأنشأوا لهم الفنادق، مثلما فعل «يوسف بن تاشفين»
حين دخل مدينة «فاس» فى سنة (٤٦٢هـ= ١٠٦٩م).
وقد وُجدت المراكز التجارية فى أنحاء دولة المرابطين، وبخاصة فى
العاصمة «مراكش» التى حظيت باهتمام التجار، وصارت مركزًا للتجارة
الداخلية بين مدن الشمال والجنوب، كما كانت مدينة «فاس» مركزًا
تجارياًّ مهماًّ، لموقعها الممتاز فى قلب البلاد، وتوافر المحاصيل
الزراعية والصناعات المختلفة بها.
وارتبطت مراكز التجارة الخارجية بالمغرب الأقصى فى عهد
المرابطين، بعدة طرق برية يضاف إليها الطريق الملاحى الذى تنقل
التجارة بواسطته من هذه البلاد وإليها، وكانت أهم الطرق البرية
هى: الطريق الذى كان يربط البلاد بمنطقة «السنغال» و «النيجر»؛ إذ
كان يمر بسجلماسة «ودرعة» ومدن «المغرب الأقصى»، متجهًا إلى
«أودغشت»، ثم إلى منحنى «النيجر»، وهناك طريق الساحل الذى
يربط «دولة المرابطين» بالشرق حتى «مصر»، إلى جانب طريق آخر
من «أودغشت» و «سجلماسة»، تسير فيه القوافل بالصحراء حتى
«الواحات الداخلة» بمصر.
وكان للموانى المنتشرة على ساحل «البحر المتوسط» و «المحيط
الأطلسى» أثر كبير فى تنشيط حركة التجارة، فتنوعت صادرات
البلاد، وشملت: القطن، والقمح، والسكر، والزيتون، والزيت
المستخرج من الأسماك، والنحاس المسبوك، وغيرها من الصادرات.
أما أهم وارداتها، فكانت: الذهب، والزئبق، وبعض أنواع النسيج
البلنسى، والعطر الهندى، وبعض الواردات الأخرى.
الحياة الاجتماعية فى دولة المرابطين:
شكل البربر الغالبية العظمى من سكان «بلاد المغرب» الذين تأسست
على أيديهم دولة المرابطين، وقد شاركهم العرب فى الإقامة بالمنطقة
стр. 702
منذ بدأت فتوح المسلمين لهذه البلاد، ثم جاءت القبائل العربية
الهلالية بعد ذلك إليها، وشاركهم السودانيون الذين انضموا إلى
جيوش المرابطين، فضلاً عن تواجد عنصر الروم والصقالبة الذين
عاشوا فى ظل المرابطين، واتخذ منهم بعض الأمراء حرسه الخاص،
كما استخدمهم بعض الأمراء فى جباية الأموال.
وقد تبوأت المرأة مكانة مرموقة فى المجتمع المرابطى، وتمتعت
بوضع كريم فى القبيلة الصنهاجية؛ إذ كانت تشترك فى مجلس
القبيلة، وتشارك فى الأمور المهمة. وبلغ احترام المرابطين للمرأة حدا
جعل القادة والأمراء يُلقبون أنفسهم بأسماء أمهاتهم، تقديرًا لدور
المرأة فى المجتمع، فنجد «ابن عائشة»، و «عبدالله بن فاطمة»،
وهما من أبرز قادة المرابطين.
وعاش أهل الذمة فى بلاد المرابطين إلى جانب غيرهم من طبقات
المجتمع وفئاته فى ظل حماية القيادة العليا للبلاد، وأصبحت طائفة
اليهود على قدر كبير من الثراء، ولكن بعض أهل الذمة عمدوا إلى
مساعدة أعداء البلاد، وتحريضهم على غزوها، فكان رد فعل أمراء
المرابطين هو نفى عدد كبير من هؤلاء، ومنْع اليهود من المبيت
بالعاصمة «مراكش»، والسماح لهم بالعمل نهارًا، والانصراف منها
ليلاً؛ وهو إجراء وقائى للحفاظ على العاصمة من المؤامرات
والدسائس والفتن، وبها ما بها من تجمعات الجند وقادة الجيوش،
وإدارة البلاد، فضلا عن كونها مقر أمير البلاد وأسرته وأعوانه
وحاشيته.
البناء والتعمير:
انتعشت حركة البناء والتعمير فى «دولة المرابطين»، وقد بدأها
الأمير «يوسف بن تاشفين» بتأسيس مدينة «مراكش» وبنائها،
وغيرها من المنشآت، وتبعه فى ذلك ابنه «على» والأمراء من بعده،
وامتازت مبانى المرابطين بالضخامة والقوة والاتساع، والاقتصاد فى
الزخرفة تمشيًا مع بساطتهم.
وتعد «مراكش» من أبرز أعمال المرابطين، وكان سبب بنائها، ازدحام
مدينة «أغمات» بقبائل المرابطين القادمين من الجنوب، يضاف إلى
стр. 703
ذلك موقعها الاستراتيجى فى مفترق طرق الأطلس والصحراء، وقربها
من مواطن المصامدة الذين يشكلون غالبية السكان، وكذلك قربها من
صحراء المرابطين ومواطن «لمتونة»؛ حيث توجد الإمدادات العسكرية،
وتأسست «مراكش» على أرجح الآراء فى سنة (٤٥٤هـ= ١٠٦٢م)،
وشارك الأمير «يوسف» فى البناء لتشجيع من حوله فى المساهمة،
ثم بنى فيها ابنه الأمير «على» قصره المعروف بدار الحجر، وأحاطه
بالأسوار.
الحياة الفكرية:
عاشت «دولة المرابطين» نهضة فكرية مزدهرة، ازدهرت فيها علوم
الأدب واللغة والعلوم والفلسفة والطب، ووفد طلاب العلم على المدن
المغربية من كل مكان، وقد ساعد على ذلك تشجيع الأمراء المرابطين
للعلماء وطالبى العلم، فقصد العلماء العاصمة «مراكش»، وانتظم
الطلاب فى دراساتهم، واجتهد كل ذى موهبة فى إبراز ما لديه،
ورغب كثير من أبناء «المغرب» فى طلب العلم، لأن مناصب الدولة
ووظائفها كانت مقصورة على المتعلمين والمثقفين.
وأصبحت «مراكش» تضاهى «بغداد» فى ازدهار العلوم وكثرة
العلماء وشاركتها مدينة «فاس» التى أسسها «إدريس بن عبدالله»
فى المكانة، وظل مسجدها الكبير (جامع القرويين) مركز إشعاع
علمى يقصده طلاب العلم من كل مكان.
العلوم الدينية:
أسهمت الروح الدينية التى سادت «بلاد المغرب» منذ قيام «دولة
المرابطين» فى ازدهار العلوم الشرعية؛ مثل: علوم التفسير والحديث
والفقه والكلام، ووفود كثير من علماء الأندلس على مراكش وغيرها
فأسهموا فى دفع حركة التأليف، وشاركهم أبناء المغرب الذين
أقبلوا على الدراسة والبحث فى دفع هذه الحركة، فنبغ عدد كبير
من العلماء.
وعنى المغاربة بكتاب «الوجيز» فى التفسير لعبدالحق بن غالب بن
عطية المحاربى، المتوفى فى سنة (٥٤١هـ= ١١٤٦م)؛ حيث جمع فيه
«ابن غالب» خلاصة التفاسير كلها، وتحرَّى منها ما هو أقرب إلى
الصحة.
ونال علم الحديث عناية فائقة من ولاة الأمر، وكان «موطأ» الإمام
стр. 704
«مالك» مدار الدراسات فى الدولة، وكذلك نشط علم الفقه، ولم ينل
علم الكلام الرعاية والعناية خلال حكم المرابطين، لأنهم نهجوا طريق
السلف، ولم يميلوا إلى الخوض فى هذا العلم.
الحياة الأدبية والعلمية:
ازدهر الأدب بنوعيه الشعر والنثر فى هذه الفترة باعتباره مظهرًا من
مظاهر الحركة الفكرية بالبلاد، وحظى الأدباء برعاية الولاة، وكان
بالبلاط المرابطى بعض كبار الكتاب والأدباء الأندلسيين، أمثال:
«أبى القاسم بن الجد»، و «ابن القبطرنة»، و «أبى عبدالله بن أبى
الخصال»، و «ابن خلدون» وغيرهم.
وقد أثر المذهب المالكى وعلماؤه وفقهاؤه فى توجيه الأدب
المغربى وجهة تميزت بالبساطة والوضوح، وبعدت عن الزخرف
والصنعة وبعدته عن تناول بعض الأغراض التى تناولها أدباء المشرق
مثل: «الخمريات»، التى تتنافى مع الجو الدينى الذى ساد البلاد.
المكتبات:
كثر عدد المكتبات التى ازدحمت بالمؤلفات فى عهد المرابطين، نظرًا
لكثرة العلماء والمؤلفين والكتاب، واهتمام ولاة الأمر بهم وتكريمهم
لهم، وقد ساعد ذلك على ازدهار الحركة الفكرية للبلاد.
ولم تكن الرغبة فى جمع الكتب مقصورة على ولاة الأمر، بل تعدتها
إلى أبناء الشعب، ودفع الكثير منهم مبالغ كبيرة لشراء مرجع أو
اقتناء كتاب. مثلما فعل القاضى: «عيسى بن أبى حجاج بن
الملجوم» الذى اشترى من «أبى على الغسانى» نسخة من «سنن
أبى داود» بخمسة آلاف دينار.
وكان منصب «أمين مكتبة الخزانة العلية» من المناصب الرفيعة فى
الدولة، ولا يتولاه إلا أحد أكابر العلماء المشهورين بالثقافة
والكفاءة ودقة التصنيف.
وقد تحددت أماكن كثيرة لبيع الكتب بدولة المرابطين، ففى
«مراكش» كانت متاجر بيع الكتب المخطوطة إلى جوار جامع
الكتبيين، وكانت فى «تلمسان» سوق لبيع الكتب. وهكذا ساهمت
المكتبات فى دفع تيار الثقافة بالبلاد، وتزويدها بما تحتاجه من
مختلف فروع العلم والمعرفة.
стр. 705
الفصل الحادي عشر
*دولة الموحدين
ظهور المهدى بن تومرت:
لم تنعم «دولة المرابطين» بالهدوء والاستقرار منذ ظهور الداعية
«محمد ابن تومرت» على مسرح الأحداث، وقد نشأ «ابن تومرت»
نشأة دينية بقبيلة «هرنمة» إحدى قبائل المصامدة، ولكن ما تلقاه
من علوم فى وطنه لم يَرْوِ ظمأه، فسافر إلى المراكز الثقافية
المشهورة بالعالم الإسلامى، وبدأ رحلاته إلى «الأندلس» فى مطلع
القرن السادس الهجرى، ثم إلى المشرق مارَّا بالإسكندرية، ومنها إلى
«مكة» ثم إلى «بغداد» حيث التقى هناك بأكابر العلماء أمثال «أبى
بكر الطرطوشى»، واستغرقت رحلته فى طلب العلم نحو خمسة عشر
عامًا مكنته من التزود بقدر كبير من الثقافة والمعرفة، وتعرُّف أحوال
العالم الإسلامى، ومدى انقسام المسلمين وفرقتهم بالمشرق.
وبعد أن عاد إلى «المغرب» بدأ دعوته بمدن المغرب محاولاً إصلاح
الأوضاع الفاسدة وتغييرها. فوجدت دعوته قبولاً وترحيبًا من
الجماهير، ورفضًا شديدًا من الحكام؛ إذ رأوها خطرًا يهدد مصالحهم
ومراكزهم.
والتقى «ابن تومرت» خلال هذه الرحلة بعبد المؤمن بن على الذى
أصبح من أخلص تلاميذه، وصاحبه فى كل مكان يذهب إليه، ثم دخل
«ابن تومرت» العاصمة «مراكش» فى منتصف ربيع الأول سنة (٥١٥هـ=
١١٢١م)، وقام بدوره فى الوعظ والإرشاد، واعترض على سياسة
الدولة فى بعض الأمور، فوصل خبره إلى الأمير «على بن يوسف»
الذى استدعاه، وجمع كبار العلماء والفقهاء لمناظرته.
وانتهى الأمر بطرده من العاصمة خشية التأثير على العامة وإضعاف
مراكز الفقهاء. وكانت الحصافة السياسية تقتضى سجن هذا الداعية
أو التحفظ عليه لخطورته على الدولة، وهو ما تحقق عقب مغادرة
«ابن تومرت» «مراكش»، إذ أعلن عن نياته فى مواجهة السلطة
الحاكمة، وخلعه الأمير «على بن يوسف»، وبايعه مَن حوله إمامًا
للدعوة الجديدة فى سنة (٥١٥هـ= ١١٢١م)، واتخذ من مدينة «تينملل»
مقرا له، ومركزًا لدعوته، وشرع فى تحقيق أهدافه السياسية
стр. 706
والدينية لإقامة خلافة إسلامية بالمغرب، ولم يدخر فى ذلك وُسعًا ولا
وسيلة إلا استغلها، وعمد إلى نشر دعوته بين السذج، وألَّف لهم فى
التوحيد والعقيدة بلغتهم البربرية حتى يسهل عليهم التعلم، ويسهل
عليه السيطرة عليهم، ومن ثم باتت له الكلمة العليا فى كل شئونهم.
وفاة ابن تومرت [٥٢٤هـ= ١١٣٠م]:
شارك «ابن تومرت» فى الكفاح المسلح ضد «دولة المرابطين»،
وتذكر المراجع أنه اشترك فى تسع غزوات، وكانت معركة
«البحيرة» التى أصيب فيها الموحدون بالهزيمة هى السبب الرئيسى
فى خيبة أمل «ابن تومرت» ومرضه؛ حيث قتل فيها عدد كبير من
أتباعه، ولكن بقاء تلميذه ومساعده «عبد المؤمن بن على» على قيد
الحياة كان سببًا فى تخفيف هذه الصدمة، ومع ذلك لزم «ابن تومرت»
داره، واشتد عليه مرضه، وفارق الحياة فى سنة (٥٢٤هـ= ١١٣٠م)،
وخلَّف وراءه حربًا مشتعلة على أرض «المغرب الأقصى».
عبدالمؤمن بن على:
حمل «عبدالمؤمن» أعباء الدعوة عقب وفاة أستاذه، وشُغل بتنظيم
شئون الموحدين، مدة عام ونصف العام، ثم شرع فى الكفاح ضد
المرابطين فى منطقة «الأطلس» جنوبى «مراكش» فى «وادى درعة»
و «بلاد السوس» و «بلاد جاحة» القريبة من «تينملل»، ثم استولى
الموحدون على «مراكش» عاصمة المرابطين فى سنة (٥٤١هـ=
١١٤٦م)، بعد كفاح دام أكثر من عشر سنوات كان النصر فيها حليفًا
للموحدين.
وقد نجح «عبدالمؤمن» فى إحكام قبضته وسيطرته على «المغرب
الأقصى» بعد سقوط دولة المرابطين بسقوط عاصمتهم «مراكش»، ثم
وجه اهتمامه إلى الشرق، وبعث بحملاته المتتابعة التى وصلت حتى
«طرابلس» بإفريقية، فساعد هذا النصر على تحقيق الوحدة
السياسية للمغرب الإسلامى، وتلقب «عبدالمؤمن» بلقب خليفة، واتخذ
من «مراكش» عاصمة للخلافة، ثم شرع فى تجهيز حملة كبيرة لدفع
النصارى عن مدن «الأندلس» فى سنة (٥٥٦هـ= ١١٦١م)، إلا أن مرضه
حال دون إتمام هذه الحملة، ومات فى سنة (٥٥٨هـ= ١١٦٣م).
يوسف بن عبدالمؤمن:
стр. 707
بويع «يوسف» فى سنة (٥٥٨هـ= ١١٦٣م)، ليكون خلفًا لوالده.
وما إن استقر فى العاصمة حتى واجهته ثورة «مرزدغ الصنهاجى»
بجبال «غمارة»، فنجح فى القضاء عليها وتفريق أعوانها، ثم أمر
بقتل «مرزدغ»، وحمل رأسه إلى العاصمة «مراكش».
ووجه «ابن عبدالمؤمن» جُلَّ جهوده إلى دعم سلطة الموحدين
بالأندلس، وبعث بالحملات المتتابعة إليها، وخرج على رأس إحداها
فى سنة (٥٦٦هـ= ١١٧٠م)، لتأمين ثغور «الأندلس» وضبطها
وإصلاحها، ثم خرج فى سنة (٥٧٩هـ= ١١٨٣م) على رأس حملة كبيرة
إلى «الأندلس» لغزوها، إلا أنه أصيب بسهم عند أسوار «شنترين»،
فأسرع الجند بحمله والعودة به مصابًا إلى «مراكش»، فقضى نحبه
فى سنة (٥٨٠هـ= ١١٨٤م).
المنصور الموحدى:
ولى «يعقوب بن يوسف بن عبدالمؤمن» خلفًا لوالده فى سنة (٥٨٠هـ=
١١٨٤م)، ولقب نفسه بالمنصور، وتوزعت جهوده العسكرية فى أكثر
من ميدان؛ حيث قامت ثورة بزعامة «الجزيرى» الذى أخذ يدعو لنفسه
بين القبائل فى سنة (٥٨٥هـ= ١١٨٩م)، فقضى عليها «المنصور»
وقتل زعيمها، ثم قامت ثورة أخرى ببلاد «الزاب» بزعامة رجل يدعى
«الأشلّ» فى سنة (٥٨٩هـ = ١١٩٣م)، فكان مصيرها الفشل مثل
سابقتها.
أما ثورة «بنى غانية»، التى استهدفت إحياء «دولة المرابطين»
والدعاء للخلافة العباسية على المنابر بإفريقية، فكانت الخطر
الحقيقى الذى هدد «دولة الموحدين»، فوجّه «المنصور» إليها كل
جهوده للقضاء عليها، وعلى الرغم من تكرار المحاولة فإنه لم ينجح
فى القضاء عليها نهائياًّ.
وقد أولى «المنصور» «الأندلس» اهتمامه وعنايته، ودخل فى عدة
معارك مع الإفرنج؛ كانت أبرزها معركة «الأرك» فى سنة (٥٩١هـ=
١١٩٥م)، تلك التى أوقفت زحف النصارى، وزادت من هيبة الموحدين
ومكانتهم بالشمال الإفريقى، ثم أصيب المنصور بوعكة صحية أدت
إلى وفاته فى سنة (٥٩٥هـ = ١١٩٩م).
الناصر الموحدى:
تولى «الناصر أبو عبدالله محمد بن يعقوب» خلفًا لوالده «المنصور»،
стр. 708
فحدثت فى عهده بعض التطورات السياسية والعسكرية التى انتقلت
بدولة الموحدين من مرحلة القوة والسيادة إلى مرحلة الانهيار
والسقوط؛ حيث تمكن فى بداية حكمه من القضاء على ثورة «بنى
غانية» بإفريقية التى دخلها فى سنة (٥٩٨هـ= ١٢٠٢م)، وعاد منها
فى سنة (٦٠٤هـ= ١٢٠٧م)، بعد أن ولى على «إفريقية» «أبا محمد
عبد الواحد بن أبى حفص» أحد أشياخ الموحدين، فعكف «ابن أبى
حفص» على معالجة شئون «إفريقية»، ودعم سلطان الموحدين بها،
إلا أن ولاية «أبى حفص» كانت البداية لقيام «دولة الحفصيين»
بتونس؛ حيث استقل أبناؤه - بعد ذلك - بها وأسسوا ملكًا مستقلاً.
وقد فُجع الموحدون بهزيمة قاسية بالأندلس فى معركة «العقاب»
التى راح ضحيتها عدد كبير من الجند، مما أضعف «دولة الموحدين»
وأفقدهم هيبتهم، وأُصيب «الناصر» بالمرض، وتوفى فى سنة
(٦١٠هـ= ١٢١٣م).
وقد عرف الانهيار والضعف طريقهما إلى «دولة الموحدين» عقب وفاة
«الناصر»، ودخلت الدولة مرحلة من الفوضى، والصراع بين أفراد
البيت الموحدى، فضلاً عن اندلاع الثورات والقلاقل فى أماكن
متعددة، وظل هذا حالها حتى سنة (٦٦٨هـ= ١٢٦٩م)، التى قتل فيها
«أبو دبوس» آخر خلفاء الموحدين أمام أسوار العاصمة «مراكش»
التى دخلها «المرينييون» وقضوا على «دولة الموحدين». وقد تولى
عقب وفاة «الناصر» عدد من الخلفاء الضعاف، هم:
١ - أبو يعقوب يوسف الثانى المستنصر بالله [٦١١ - ٦٢٠هـ].
٢ - أبو محمد عبدالواحد المخلوع [٦٢٠ - ٦٢١هـ= ١٢٢٣ - ١٢٢٤م].
٣ - أبو محمد عبدالله العادل [٦٢١ - ٦٢٤هـ = ١٢٢٤ - ١٢٢٧م].
٤ - المأمون أبو العلاء إدريس ابن يعقوب المنصور [٦٢٤ - ٦٣٠هـ= ١٢٢٧
- ١٢٣٣م].
٥ - أبو محمد عبدالواحد الرشيد [٦٣٠ - ٦٤٠هـ= ١٢٣٣ - ١٢٤٢م].
٦ - أبو الحسن على السعيد المقتدر بالله [٦٤٠ - ٦٤٦هـ= ١٢٤٢ -
١٢٤٨م].
٧ - أبو حفص عمر المرتضى [٦٤٦ - ٦٦٥هـ = ١٢٤٨ - ١٢٦٧م].
٨ - أبو العلاء إدريس الثانى (المعروف بأبى دبوس) [٦٦٥ - ٦٦٨هـ=
стр. 709
١٢٦٧ - ١٢٦٩م].
العلاقات الخارجية:
انحصرت علاقات الموحدين الخارجية فى جبهتين هما: «الأندلس»،
و «الخلافة العباسية».
أما «الأندلس»، فقد استولى عليها الموحدون مع غيرها من المدن من
المرابطين، وساروا على نهج من سبقهم فى التصدى لعدوان
النصارى، وأعدوا الحملات، وخاضوا المعارك من أجل تحقيق هذا
الهدف، ولكن هزيمتهم فى معركة «العقاب» فى عام (٦٠٩هـ=
١٢١٢م)، كانت بداية انحسار نفوذهم على أرض «الأندلس»، ومن ثَم
بدأت القوى النصرانية تحقق انتصاراتها حتى زالت «دولة الموحدين».
وقد اختلف موقف الموحدين من الخلافة العباسية عن موقف
المرابطين؛ حيث لم يعترف الموحدون بالعباسيين، واعتبروا أنفسهم
خلفاء، وأن مركز الخلافة مدينة «مراكش»، وليس «بغداد»، ودعموا
خلافتهم بالادعاء بأن «ابن تومرت» و «عبدالمؤمن» من نسل الرسول
عن طريق «الأدارسة»، واتخذوا اللون الأخضر شعارًا لهم كى يظهروا
ميلهم إلى الدعوة العلوية، وتشبهوا بالرسول فى تصرفاته وأفعاله.
الأوضاع الحضارية فى دولة الموحدين:
أولا: السلطة العليا فى البلاد:
عمد ابن تومرت تنظيم أصحابه فى نظام إدارى معين، وعلى قمة هذا
التنظيم الإدارى هيئة العشرة التى تختص بالعظيم من الأمور، ولم
يتركهم «ابن تومرت» إلا وقد عهد إلى «عبدالمؤمن بن على» أن
يتولى خلفًا له قيادة الموحدين.
وقد بويع «عبدالمؤمن» بيعتين: بيعة خاصة، وبيعة عامة، أما الخاصة
فكانت عقب وفاة «ابن تومرت» (٥٢٤هـ= ١١٢٩م)، واقتصرت هذه
البيعة على أهل الجماعة.
وأما العامة فكانت فى سنة (٥٢٧هـ= ١١٣٢م) على أرجح الأقوال.
وقد اتخذ خلفاء الموحدين الوزراء لمعاونتهم فى إدارة شئون البلاد،
وأصبح للخليفة وزير أو أكثر، وكان اختيار الوزير يتم عادة من
الأسرة الحاكمة أو من أسر وقبائل معينة، ثم أصبح الوصول إلى هذا
المنصب يتم وفقًا لصفات وشروط يجب أن تتوافر فيمن سيقع عليه
الاختيار لهذه المكانة.
стр. 710
وقد تولى عدد من أفراد أسرة الخلافة منصب الوزارة، منهم: «عمرو»
ابن الخليفة «عبدالمؤمن»، وهو أول وزير من أسرة الخلافة، و «أبو
حفص بن عبدالمؤمن» أخو الخليفة «يوسف».
واختير عدد من الوزراء من أسرة «بنى جامع»، وقبيلة «هنتاتة»،
وقبيلة «كومية»، وأشهر وزرائهم على التوالى هم: «أبو العلاء
إدريس بن إبراهيم بن جامع»، و «أبو عمر بن أبى زيد الهنتانى»،
و «عبدالسلام بن محمد الكومى».
وهناك وزراء أهَّلتهم صفاتهم ومواهبهم لتولى هذا المنصب، مثل:
«أبى جعفر أحمد بن عطية».
ثانيًا: النظام الإدارى:
استعان الموحدون فى بداية عهدهم بأشياخهم فى تولى أقاليم
الدولة، ثم أنشأ الخليفة «عبدالمؤمن» بمراكش مدرسة جمع فيها
أولاده وثلاثة آلاف طالب من قبائل المصامدة، وزوَّدهم بمختلف
العلوم، وأشرف على تعليمهم إدارة شئون البلاد، وتدريبهم على
شئون الحرب والقتال، فلما أتموا تعليمهم استبدلهم بأشياخ
الموحدين فى تولى السلطة بأقاليم الدولة، ثم عين أبناءه بعد ذلك
على الأقاليم.
الدواوين:
اهتم الموحدون بإنشاء الدواوين المختلفة ويأتى فى مقدمتها ديوان
الإنشاء الذى يختص بالمراسيم السلطانية والرسائل الموجهة إلى
الولاة والقضاة، ولذا حشد له الخلفاء نخبة ممتازة من أدباء المغرب
والأندلس، ثم يأتى بعده «ديوان الجيش» الذى يتفرع إلى ديوانين
لكل منهما اختصاصه. كما كان هناك «ديوان الأعمال المخزنية» الذى
يشرف على تحصيل الأموال العامة، وعلى إنفاقها، ويراقب العمال
والمشرفين ويحاسبهم.
الشرطة:
كانت الشرطة من المناصب الإدارية المهمة التى اهتم بها الموحدون،
وظهر ذلك فى عهد «يوسف بن عبدالمؤمن» الذى زود المدن المغربية
بنخبة ممتازة من الرجال للسهر على أمنها وحمايتها، كما خُصص
للأسواق رجال من الشرطة لحمايتها من اللصوص والمتسللين.
النظام القضائى:
اتخذ الموحدون نظامًا قضائيًّا مشابهًا لنظام المرابطين، وحرص خلفاء
стр. 711
الموحدين على تعيين كبار القضاة بأنفسهم، وأحاطوهم بالهيبة
والجلال، وجعلوهم نوعين، هما: قضاة المدن المغربية، وقاضى
الجماعة بالعاصمة، وكان قاضى الجماعة أعظم رتبة ومنزلة من بقية
القضاة، وهو يوازى قاضى القضاة بالمشرق، وكان مقصورًا على
قاضى «مراكش» وقاضى «قرطبة» ويتم تعيينه من الخليفة مباشرة.
ومُنح القضاة الحق فى مراقبة جميع العمال والولاة، وجمع بعضهم
بين وظائف القضاء والكتابة والمظالم، كما جمع بعضهم بين وظيفتى
القضاء بالمغرب و «الأندلس».
الحياة الاقتصادية فى دولة الموحدين:
نعمت البلاد بالرخاء الاقتصادى فى عهد الموحدين؛ إذ وضعوا نظامًا
مالياًّ دقيقًا، تمثل فى الإدارة المشرفة على الجوانب المالية فى
الجباية والإنفاق، فضلا عن وجود دواوين للمال بالعاصمة، وديوان
للمال بكل إقليم يختص بماليته، وأفرد الموحدون دارًا للإشراف على
النواحى المالية، كما استحدثوا منصب الوزير المسئول عن الشئون
المالية أطلقوا عليه اسم «صاحب الأشغال»، ومهمته استخراج الأموال
وجمعها وضبطها، وتعقب نظر الولاة والعمال فيها، ثم تنفيذها على
قدرها وفى مواقيتها، وكان يعاون صاحب الأشغال رؤساء الدواوين
المالية بالدولة.
فوفرت هذه المصادر إلى جانب الزكاة وخمس الغنائم أموالا كثيرة
لخزينة الدولة، أُنفق معظمها على إعداد الجيش فى البر والبحر،
ودفع مرتبات الوزراء ورجال البلاط والحشم والقضاة والفقهاء،
وكذلك فى الإنفاق على الطلبة المنتظمين بالمدرسة التى أنشأها
الخليفة «عبدالمؤمن»، كما أنفق منها على إنشاء المدن والقصور
والحصون وغيرها من المنشآت.
وأصدر الموحدون عملة نقدية من الدنانير والدراهم.
وقد اهتم الموحدون بالزراعة وشجعوا المزارعين على استغلال
الأرض، ووفروا لهم المياه اللازمة للزراعة، فتوافرت محاصيل القمح
والشعير، والقطن، وقصب السكر، وغير ذلك من المحاصيل، كما
نعمت البلاد بأصناف الفواكه المتنوعة مثل: العنب والتفاح والكمثرى،
стр. 712
وغيرها، وانتشرت الغابات بالبلاد، وتوافر بها شجر الأَرْز والزان
والبلوط.
ونشطت الحركة الصناعية، وتوافرت المراكز الصناعية بالبلاد، مثل
مدينة «فاس» و «مراكش»،وغيرها من المدن التى تنوعت بها
الصناعات وضمت: صناعة الصابون، والتطريز، والدباغة، وسبك
الحديد والنحاس، وصناعة الزجاج، والفخار، وغير ذلك من الصناعات.
وازدهرت التجارة فى الداخل والخارج، وكثرت المراكز التجارية التى
أولاها الموحدون عنايتهم، وشيدوا بها عدة أسواق، كما شيدوا بها
الفنادق، كما ساهمت «مكناسة» فى دعم ازدهار التجارة حيث كانت
محطة للمسافرين يبيعون ويشترون بها، فضلاً عن وجود عدد من
الأسواق العامرة والتجارات المختلفة بها.
وتمتعت البلاد بنهضة تجارية خارجية، لوجود شبكة من الطرق التى
ربطت المدن المغربية بغيرها من المراكز التجارية، فضلاً عن وجود
عدد من الموانئ المطلة على «البحر المتوسط» و «المحيط الأطلسى»،
وكانت محطات للسفن المحملة بالبضائع القادمة أو الخارجة منها،
فتنوعت الصادرات مثل: القطن والقمح والسكر، وكذلك الواردات مثل:
الذهب وبعض أنواع النسيج البلنسى، والعطر الهندى.
ولعب ميناء «سبتة» على «البحر المتوسط»، وميناء «سلا» على
«المحيط الأطلسى»، دورًا بارزًا فى تنشيط الحركة التجارية فى ظل
حماية الأسطول الموحدى.
الحياة الاجتماعية فى دولة الموحدين:
شكلت قبائل المصامدة العنصر الرئيسى لسكان دولة الموحدين، وقد
استقرت بالمنطقة منذ زمن، واتخذت المعاقل والحصون والقلاع،
وشيدت المبانى والقصور، وامتهن أفرادها الزراعة وفلاحة الأرض،
ولم يحاولوا الهجرة من أرضهم، بل تمسكوا بها، ودافعوا عنها ضد
أى محاولة للاعتداء أو الاستيلاء عليها.
أما العنصر الثانى من سكان «دولة الموحدين» فهم العرب الهلالية
الذين ظهروا على مسرح الأحداث، وعمد الموحدون إلى تهجيرهم من
«إفريقية» إلى «المغرب الأقصى»، ليتخلصوا من ثوراتهم، كما
стр. 713
استخدموهم فى عمليات الجهاد بالأندلس، فأقبلت أعداد كبيرة منهم
إلى «المغرب الأقصى»، وانتقلت أعداد أخرى إلى الإقامة بالأندلس
من خلال الحملات التى قام بها الموحدون هناك، ثم حدد الموحدون
إقامة بعض القبائل.
وقد تمتع العرب الهلالية بما يتمتع به جند الموحدين، وأقطعهم ولاة
الأمر بعض الأراضى، وأنفقوا عليهم النفقات الكبيرة، وأغدقوا عليهم
بالعطايا حتى يوفروا لهم الاستقرار ويبعدوهم عن الفتن وإثارة
القلاقل والاضطرابات.
ونالت المرأة حظها من التكريم والإنصاف والاحترام فى «دولة
الموحدين»، وأتاحت لها الظروف أن تنال حظا من العلوم المختلفة،
وقسطًا من ثقافة العصر وأدبه، وبرزت الكثيرات من النساء مثل:
«زينب» بنت الخليفة «يوسف بن عبدالمؤمن»، والشاعرة العالمة
«حفصة بنت الحاج الركونية»، و «فاطمة بنت عبدالرحمن».
وعاش أهل الذمة فى أنحاء متفرقة من البلاد، وكانت لهم أحياؤهم
بالعاصمة «مراكش» وبمدينة «سجلماسة»، وكانوا يشتغلون بالبناء.
البناء والتعمير:
اهتم الموحدون بالبناء والتعمير بالمغرب و «الأندلس»، وحظيت
«مراكش» و «الرباط» وغيرهما من المدن المغربية بكثير من المنشآت
الموحدية، وأنشأ الخليفة «عبدالمؤمن» «مدينة الفتح»، كما شيد
المساجد والقصور فى أنحاء متفرقة من البلاد، وكان «المنصور»
مولعًا بالعمارة، فشهدت البلاد نهضة معمارية استمرت طيلة عهده.
الحياة الفكرية:
شهدت «بلاد المغرب» حركة فكرية نشيطة فى عهد المرابطين،
واستمرت كذلك فى عهد الموحدين، وساعدها على ذلك استقرار
الأوضاع بالبلاد، والصلة الوثيقة بين «المغرب» و «الأندلس»، إلى
جانب رغبة الكثيرين من أبناء «المغرب» فى طلب العلم، فضلاً عن
تكريم الموحدين للعلماء، والمتعلمين ووصلهم بالعطايا، والهبات،
والإنفاق عليهم، كما كانت الأسس الدينية التى قامت عليها «دولة
الموحدين» سببًا فى انتعاش دراسة علوم الدين، وانتعاش الحركة
الفكرية.
المذهب المالكى:
стр. 714
شن «ابن تومرت» حربًا شعواء على العلماء والفقهاء واتهمهم
بالجمود، ولكنه لم يستطع مهاجمة المذهب المالكى الذى رسخ فى
أذهان عامة الشعب وقلوبهم، وتحايل على ذلك بإعداد مُؤَلَّف جمع
فيه الأحاديث النبوية التى وردت بموطأ الإمام «مالك»، وحذف منها
معظم الإسناد للاختصار، فى محاولة لصرف أذهان الناس عن المؤلفات
المالكية، ثم جاء «عبدالمؤمن» من بعده وأمر بحرق كتب الفروع،
والاقتصار على الأحاديث النبوية. فلما تولى «المنصور الموحدى»
عمد إلى محو المذهب المالكى من البلاد، وجمع كتب المذهب المالكى
وحرقها، وأمر بجمع الأحاديث المتعلقة بالعبادات من كتب الأحاديث
مثل: «البخارى» و «مسلم» وغيرهما، وألزم الناس بدراستها وحفظها،
وعاقب علماء المذهب المالكى المتمسكين بتدريسه، وعلل ذلك بميله
إلى الرجوع إلى الكتاب والسنة والأخذ بظاهرهما، وكراهيته
للخلافات التى امتلأت بها كتب الفروع، ولكن علماء المالكية لم يؤثر
فيهم التهديد والعقاب، وظلوا يكافحون فى سبيل بقاء مذهبهم
وتدريسه، فسُجن بعضهم مثل «ابن سعيد الأنصارى»، وتُوفى
بعضهم نتيجة التعذيب مثل: «أبى بكر الجيانى المالكى»، ومع ذلك
نجح هؤلاء العلماء فى إبقاء هذا المذهب وظل مذهب المالكية راسخًا
ببلاد المغرب.
العلوم الدينية:
ازدهرت العلوم الدينية بدولة الموحدين، وزاد الإقبال على تفسير
القرآن ودراسته باعتباره مصدر التشريع الأول للبلاد، وبرز عدد من
المفسرين منهم: «عبدالجليل بن موسى الأنصارى الأوسى» المتوفى
عام (٦٠٨هـ= ١٢١١م)، و «أبو بكر بن الجوزى السبتى»، كما لاقى
علم القراءات رعاية ولاة الأمر، واشتهر فيه: «أبو بكر بن يحيى بن
محمد بن خلف الإشبيلى» المتوفى عام (٦٠٢هـ= ١٢٠٥م)، و «على بن
محمد بن يوسف اليابرى الضرير» المتوفى عام (٦١٧هـ= ١٢٢٠م).
أما علم الحديث فقد صار له شأن كبير واهتم به الخلفاء، وأمر الخليفة
«عبدالمؤمن» بحرق كتب الفروع، وردّ الناس إلى قراءة الحديث،
стр. 715
وأملى ابنه «يوسف» وحفيده «المنصور» الأحاديث بنفسيهما على
الكُتاب لتوزيعها على الناس، واشتهر «أبو الخطاب بن دحية السبتى»
و «ابن حبيش» المتوفى عام (٥٨٤هـ= ١١٨٨م)، و «القاضى عياض
السبتى» بتمكنهم من علم الحديث، ووضع بعضهم المصنفات فى هذا
العلم، أما فى مجال الفقه فقد وضع «ابن تومرت» كتابه «الموطأ»
على غرار «موطأ الإمام مالك» بعد حذف أسانيده.
ومن أعلام الفقه فى هذا العصر: «عبدالملك المصمودى» قاضى
الجماعة بمراكش، و «إبراهيم بن جعفر اللواتى» الفقيه المعروف
بالفاسى. ويعد كتاب: «الإعلام بحدود قواعد الإسلام» للقاضى عياض
من أبرز مؤلفات هذا العصر الفقهية.
وقد نال علم الكلام عناية الموحدين منذ قيام دولتهم؛ حيث دعا «ابن
تومرت» إلى دراسته، واتهم علماء المرابطين بالجمود لتحريمهم
دراسة هذا العلم، وقد اشتهر فى هذا العلم: «أبو عمرو عثمان بن
عبدالله السلالجى» المتوفى سنة (٥٦٤هـ= ١١٦٨م)، و «محمد بن
عبدالكريم الغندلاوى الفاسى» المعروف بابن الكتانى المتوفى عام
(٥٩٦هـ= ١٢٠٠م).
الحياة الأدبية والعلمية:
تابعت اللغة العربية انتشارها بدولة الموحدين، لأنها لغة البلاد
الرسمية فى مكاتباتها ومعاملاتها وشئونها، وقد ساعد مجىء
العلماء إلى المدن المغربية على انتشار اللغة العربية وازدهارها، كما
كان لقدوم القبائل الهلالية إلى «المغرب الأقصى» واستيطانهم بعض
مناطق البلاد أكبرالأثر فى دعم اللغة العربية وانتشارها؛ لتمسك هذه
القبائل البدوية باللسان العربى وما فيه من مفردات وتراكيب وبلاغة
فى الأساليب. وازدهر الأدب بفرعيه الشعر والنثر، وبلغ درجة عالية
من الرقى، وكثرت محافله ببلاد المغرب، وأقبل ولاة الأمر على
تشجيعه ودعمه، وسعى المغاربة إلى المساواة بالأندلسيين الذين
يفتخرون بمنزلتهم الأدبية، فضلا عن رغبة المغاربة فى الوصول إلى
المناصب العليا التى لا يرقى إليها إلا ذوو العلم والأدب.
стр. 716
وقد تدفق أدباء «الأندلس» وغيرهم على البلاط الموحدى؛ حيث
العطايا والمنح، وبرزت مجموعة من الشعراء منهم: «أحمد بن
عبدالسلام الجراوى»، و «أبو عبدالله محمد بن حبوس» من أهل
«فاس»، و «أبو بكر بن مجبر» من «شقورة»، وغيرهم كثير. وكانت
أبرز أغراض الشعر آنذاك هى الوصف والغزل والمدح.
حرص خلفاء الموحدين على تزويد أنفسهم من مختلف الثقافات، لدعم
موقف دولتهم، التى قامت على أساس دينى، ولذا تنوعت ثقافة
الخليفة «عبدالمؤمن»، وأجاد فى علوم الفقه والجدل والأصول، كما
حفظ الأحاديث النبوية، وأحاط بالنحو واللغة، والأدب، والتاريخ، وعلم
القراءات، والأنساب، وتنوعت ثقافة ابنه «يوسف»، حيث حظى بقسط
وافر من العلوم المختلفة حين كان واليًا من قِبل أبيه على «الأندلس»،
وكذلك كان «المنصور» عالمًا بالحديث والفقه واللغة.
أما طبقات الشعب فقد قامت المؤسسات التعليمية بتثقيفهم، سواء
بالمكتب أو الرباط أو المسجد أو المدرسة، وقد قامت المدرسة التى
أسسها الخليفة «عبدالمؤمن» بدور فعّال فى إثراء ثقافة طبقات
الشعب؛ إذ جمعت هذه المدرسة بين الدراستين النظرية والعملية.
وكان أبرز علومها النظرية هى: حفظ القرآن وتدريسه، ودراسة
«موطأ تومرت»، وحفظ «صحيح مسلم»، أما العلوم العملية، فكانت:
ركوب الخيل والرمى بالسهم والقوس، وتعليم السباحة فى بحيرة
صنعت من أجل ذلك بالمدرسة.
المكتبات:
سبقت الإشارة إلى ازدهار التأليف وكثرة عدد المكتبات العامة
والخاصة التى ازدحمت بمئات الكتب فى شتى فنون المعرفة بدولة
المرابطين، فلما قامت «دولة الموحدين»، أولى خلفاؤها هذا المجال
عنايتهم، وجمعوا الكتب من كل مكان، وحرصوا على اقتنائها.
وكانت هناك المكتبات العامة والخاصة إلى جانب مكتبات المساجد
والمدارس والزوايا، فضلا عن مكتبة الخزانة العلية التى أنشأها خلفاء
الموحدين، وزودوها بالكتب والمراجع من مختلف العلوم والفنون
стр. 717
للاطلاع والدراسة كما كانت هناك «المكتبة الشارية» بسبتة، تلك
المكتبة التى أسسها «أبو الحسن على بن محمد الغافقى» المعروف
بالشارى، وقد جعلها وقفًا على علماء المغرب. وكذلك كانت هناك
أعداد كثيرة من المكتبات الخاصة، ومنها: مكتبة «ابن صقر»
المتوفى (٥٦٩هـ= ١١٧٣م) بمراكش، ومكتبة «عبدالرحمن بن الملجوم»
بفاس، ومكتبة «عبدالرحمن بن موسى الأزدى الفاسى» المتوفى
(٦٠٥هـ= ١٢٠٨م)، وقد باعتها ابنته بأربعة آلاف دينار.
стр. 718
الفصل الثاني عشر
*الدول المغربية بعد سقوط الموحدين
دولة بنى مرين بالغرب الأقصى:
[٦٦٨ - ٨٦٩ هـ= ١٢٦٩ - ١٤٦٥م]:
تمهيد:
كانت هزيمة الموحدين فى معركة «العقاب» بالأندلس فى سنة
(٦٠٩هـ = ١٢١٢م) إيذانًا باضمحلال دولتهم؛ حيث تسببت هذه المعركة
فى سريان الضعف فى كيانات الدولة، بالإضافة إلى اعتلاء عرشها
مجموعة من الخلفاء الضعاف، وقيام عدد من الثورات وحركات
الانفصال التى حدثت بالدولة.
وقد استغلت القبائل المغربية ضعف الموحدين، وعدم قدرتهم على
التصدى لمحاولات الانفصال، فتأسست مجموعة من الدول على أرض
«المغرب»، وبسطت نفوذها وسلطانها على المنطقة، وهذه الدول
هى:
- دولة «بنى مرين» بالمغرب الأقصى [٦٦٨ - ٨٦٩هـ= ١٢٦٩ - ١٤٦٥م].
- ثم دولة «بنى وطاس» التى قامت على أنقاض دولة «بنى مرين»
بالمغرب الأقصى [٨٦٩ - ٩٦٢هـ= ١٤٦٥ - ١٥٥٥م].
- دولة «بنى زيان» بالمغرب الأوسط (الجزائر وتلمسان) [٦٣٧ - ٩٦٢هـ=
١٢٣٩ - ١٥٥٥م].
- «الدولة الحفصية» بإفريقية (تونس) [٦٢٥ - ٩٨١هـ= ١٥١٩ - ١٥٧٣م].
وهكذا فقد المغرب وحدته، وصارت تحكمه تجمعات قبلية فى أنحاء
متفرقة.
ينتمى المرينيون إلى قبائل «زناتة»، وهم - على أرجح الآراء- من
فرع بربر البتر، الذين كانوا ينتقلون من مكان إلى آخر سعيًا وراء
الماء والكلأ، وبدأ ظهورهم على مسرح الأحداث خلال عهد المرابطين
حيث شاركوا فى مجريات الأحداث بزعامة «المخضب بن عسكر» أحد
أبناء «بنى مرين»، وكان زعيمًا قويا مرهوب الجانب، ونجح فى
السيطرة على جميع «بلاد زناتة» و «بلاد الزاب»، فحاول المرابطون
مصانعته، وأرسلوا إليه الهدايا والأموال.
ثم انتقل ولاء المرينيين إلى الموحدين وساعدوهم فى إقامة دولتهم،
وتثبيت أقدامهم، وشاركوهم فى معاركهم بالميدان الأندلسى.
ولقد كان ضعف الموحدين سببًا رئيسيا فى انتقال «بنى مرين» من
المغربين الأدنى والأوسط إلى «المغرب الأقصى» حيث الخصب
والرخاء.
مراحل قيام دولة بنى مرين:
стр. 719
أولا: مرحلة تثبيت أقدامهم فى مناطق التلول والأرياف: (٥٩٢ - ٦١٤هـ
= ١١٩١ - ١٢١٧م).
اتصف الأمير عبدالحق زعيم قبائل بنى مرين بالتقوى والصلاح
والشجاعة والعدل والعطف على الفقراء مما كان له أثره على جموع
المرينيين الذين التفوا حوله، وجذبوا إليهم عددًا من القبائل المغربية
التى انضمت إليهم، وعمدوا إلى التوسع وفرض النفوذ على حساب
الموحدين، ودخلوا فى عدة معارك كانت أشهرها معركة «وادى
نكور» التى خسرها الموحدون.
وقد حمل «عثمان بن عبدالحق» (٦١٤ - ٦٣٧هـ=١٢١٧ - ١٢٣٩م) راية
المرينيين عقب مقتل والده الأمير «عبدالحق»، فواصل حملاته
العسكرية، وفرض نفوذه على مساحات واسعة من أرض «المغرب»،
ثم دعا شيوخ القبائل واتفق معهم على خلع طاعة الموحدين، والقيام
بأمر الدنيا والدين، والنظر فى صلاح المسلمين، فعملوا على تحقيق
ذلك حتى عام (٦٢٥هـ= ١٢٢٨م)، فقوى شأنهم، وخضعت لهم جميع
قبائل «المغرب»، وسيطروا على جميع موانى «المغرب» التى امتدت
من «وادى ملوية» إلى «رباط الفتح».
ثانيًا: مرحلة الاستيلاء على المدن الكبرى:
وحمل أعباء هذه المرحلة فارس «زناتة» الأمير «أبو يحيى أبو بكر
ابن عبدالحق»، الذى كان بطلا شجاعًا، قوى الإرادة، حازم الرأى،
فقام بتأمين الجبهة الداخلية للمرينيين، وأخضعها لإشراف مالى
وإدارى دقيق، ثم واصل مهاجمة المدن المغربية الكبرى، واستولى
على «مكناسة»، و «فاس»، و «سلا»، و «رباط الفتح»،
و «سجلماسة»، و «درعة».
ثالثًا: المرحلة الأخيرة للاستيلاء على العاصمة مراكش:
هيأ الله لبنى مرين فى هذه المرحلة أن يقوم بقيادتهم الأمير «أبو
يوسف يعقوب بن عبدالحق» (٦٥٦ - ٦٨٥هـ = ١٢٥٨ - ١٢٨٦م)، الذى
اعتبرته المصادر سيد «بنى مرين» على الإطلاق، وبدأ عهده بمواجهة
بعض المشاكل التى واجهت المرينيين فى هذه الفترة، ودخل فى
عدة معارك مع الموحدين تمهيدًا لدخول العاصمة «مراكش».
وقد أعد «أبو يوسف» حملة كبيرة، ثم خرج بها من «فاس» فى
стр. 720
شعبان سنة (٦٦٦هـ=إبريل ١٢٦٨م)، وعبر بها النهر المجاور لمدينة
«فاس»، ثم هاجم كل القوى والقبائل المعاونة للموحدين. ونجح فى
إخضاعها والسيطرة عليها، ثم كانت المعركة الأخيرة بين الموحدين
والمرينيين فى شهر المحرم سنة (٦٨٨هـ= يناير ١٢٨٩م) عند «وادى
غفو»، ودارت بين الفريقين معركة قوية، أسفرت عن هزيمة
الموحدين، ومقتل «أبى دبوس» خليفتهم، ثم دخل الأمير «أبو يوسف
يعقوب» العاصمة «مراكش» معلنًا سقوط «دولة الموحدين»، وقيام
«دولة بنى مرين».
استقرار دولة بنى مرين واتساعها:
ظلت «دولة بنى مرين» فى اتساعها ودعم استقرارها مدة خمس
وسبعين سنة، فى الفترة من سنة (٦٨٥هـ= ١٢٨٦م) إلى سنة (٧٥٩هـ=
١٣٥٩م)، وحكمها خلال هذه الفترة مجموعة من السلاطين الأقوياء،
هم:
١ - أبو يعقوب يوسف بن يعقوب [٦٨٥ - ٧٠٦هـ= ١٢٨٦ - ١٣٠٦م].
٢ - أبو ثابت عامر بن أبى عامر [٧٠٦ - ٧٠٨هـ= ١٣٠٦ - ١٣٠٨م].
٣ - أبو الربيع سليمان بن أبى عامر [٧٠٨ - ٧١٠هـ= ١٣٠٨ - ١٣١٠م].
٤ - أبو سعيد عثمان (الثانى) بن يعقوب [٧١٠ - ٧٣٢هـ= ١٣١٠ -
١٣٣٢م].
٥ - أبو الحسن على بن عثمان [٧٣٢ - ٧٤٩هـ = ١٣٣٢ - ١٣٤٨م].
٦ - أبو عنان فارس المتوكل بن على [٧٤٩ - ٧٥٩هـ= ١٣٤٨ - ١٣٥٨م].
وقد اتسمت هذه الفترة بتوسع نفوذ «بنى مرين» بالمغرب
و «الأندلس»، على الرغم من الثورات الكثيرة والقلاقل المتتابعة التى
واجهتهم.
مرحلة ضعف بنى مرين وسقوط دولتهم [٧٥٩ - ٨٦٩هـ= ١٣٥٨ - ١٤٦٥م]:
كان مقتل السلطان «أبى عنان فارس المتوكل بن على» فى سنة
(٧٥٩هـ= ١٣٥٨م) إيذانًا بدخول «دولة بنى مرين» فى مرحلة الضعف
والانهيار؛ حيث انتقلت السلطة من أيدى «بنى مرين» إلى أيدى
الوزراء، فضلا عن فقدان الدولة لنفوذها، وانكماشها داخل حدودها
بالمغرب الأقصى، وتعرضها للأزمات الاقتصادية، والأوبئة والكوارث
الطبيعة، التى حلَّت بالمغرب الأقصى، مما عجَّل بسقوط الدولة، فى
عهد السلطان «عبدالحق بن أبى سعيد»، الذى تمكن الثوار من القبض
стр. 721
عليه وقتله فى صبيحة يوم الجمعة (٢٧من رمضان سنة ٨٦٩هـ= ٢٣
مايو ١٤٦٥م).
العلاقات الخارجية:
تعددت العلاقات الخارجية لدولة «بنى مرين»، وشملت «الأندلس»،
و «دول المغرب» المختلفة، وتراوحت علاقتهم ببنى الأحمر بالأندلس
بين الود والعداء، وشابها الحذر والترقب، على الرغم من أنهما
تحالفا ضد الفرنج وهزموهما فى سنة (٦٧٦هـ= ١٢٧٧م) بالأندلس،
وانحصرت العلاقات بينهما فى أحايين كثيرة على التمثيل
الدبلوماسى وتبادل الرسائل.
وكانت علاقة المرنييين بجيرانهم من «بنى عبد الواد» بالمغرب
الأوسط علاقة عدائية لتضارب المصالح بينهما، وكانت فترات السلام
بينهما قليلة وقصيرة، لأن «بنى عبدالواد درجوا على نقض ما بينهما
من معاهدات، على الرغم من أن المرينيين سعوا إلى كسب ودهم؛
ليتفرغوا للجهاد بالأندلس، واضطر السلطان «أبو يوسف يعقوب بن
عبدالحق» إلى مهاجمة «المغرب الأوسط» وإلحاق هزيمة نكراء
بجيوش «بنى عبد الواد»، ثم عقد الصلح معهم.
وحاول «بنو عبدالواد» الإغارة على الحدود الشرقية لدولة «بنى
مرين» فى سنة (٦٧٩هـ= ١٢٨٠م)، فخرج إليهم المرينيون للدفاع عن
بلادهم وألحقوا بهم الهزيمة بالقرب من «تلمسان».
وفى سنة (٦٩٨هـ= ١٢٩٩م) حاصر السلطان «أبو يعقوب يوسف»
مدينة «تلمسان» ودام الحصار مدة سبع سنوات؛ ذاق فيها «بنو
عبدالواد» مرارة الحصار، ولم ينقذهم من الهلاك سوى مقتل السلطان
«أبى يعقوب» وعودة المرينيين بعدها إلى بلادهم.
ثم دخلت «دولة بنى عبدالواد» فى تبعية «بنى مرين» بعد أن غزاهم
السلطان «أبو الحسن على»، واستولى على عاصمتهم «تلمسان»
فى سنة (٧٣٢هـ= ١٣٣٢م)، ثم استغلت بقايا «بنى عبد الواد»
الخلافات التى دبت بالبيت المرينى وعادوا إلى عرش بلادهم فى
«تلمسان» سنة (٧٤٩هـ= ١٣٤٨م)، ولكنهم عادوا إلى تبعية «بنى
مرين» ثانية فى سنة (٧٥٩هـ= ١٣٥٨م)، وظلوا على عدائهم لبنى
مرين، وحاولوا العودة إلى «المغرب الأوسط» مرتين خلال فترة نفوذ
стр. 722
الوزراء بدولة المرينيين، كانت الأولى فى سنة (٧٧٢هـ= ١٣٧٠م)،
والثانية فى سنة (٧٩١هـ= ١٣٨٩م).
بعض مظاهر الحضارة:
- نظام الحكم والإدارة:
اتخذ «بنو مرين» وزراء تنفيذ حتى سنة (٧٥٩هـ= ١٣٥٨م)، وكانت
مهمة الوزير - آنذاك- تجهيز الجيوش والكتابة، أو الولاية على إقليم ما
لأهميته أو لخطورة أوضاعه، أو القيام بالحجابة على باب السلطان.
ثم تحول الوزراء من منفذين لأوامر السلاطين إلى مسيطرين على
مقاليد الحكم والبلاد، وبدأ ذلك من سنة (٧٥٩هـ= ١٣٥٨م) واستمر حتى
سقوط دولة «بنى مرين».
وكانت هناك طبقة الكُتاب التى أفرد لها السلاطين ديوانًا مستقلا
أُطلق عليه «ديوان الإنشاء والعلامة»، وضم هذا الديوان عددًا كبيرًا
من أئمة الفصاحة والبيان، منهم: «عبدالرحمن بن خلدون»،
و «عبدالمهيمن بن محمد الحضرمى»، و «أبو القاسم بن أبى مدين»،
وقد أسند السلاطين إلى كُتابهم بعض المهام الكبيرة - أحيانًا-
ليرفعوا من شأن هذه الوظيفة وشأن أصحابها.
وقد عرف البلاط المرينى «الحاجب» باسم «المزوار»، وكان يترأس
مجموعة الحرس السلطانى الذين عرفوا باسم «الجنادرة»، وكان
يشرف على السجون، وينفذ أوامر السلطان وعقوباته، ويتولى تنظيم
الناس لعرض مظالمهم على السلطان.
وقسم المرينيون دولتهم إلى تسعة أقاليم، تُدار بواسطة ولاة يعينهم
السلطان بنفسه، ويساعدهم بعض الموظفين الرئيسيين، وهم:
«صاحب القضية»، و «صاحب الشرطة» و «القاضى»،و «المحتسب».
وتضمن الجهاز الإدارى لدولة المرينيين عددًا من الدواوين، منها:
«ديوان الإنشاء والعلامة»، و «ديوان العسكر»، و «ديوان الخراج».
واحتفظ «بنو مرين» بأهمية القضاء وجلاله، واختص السلاطين بتعيين
«قاضى الجماعة» الذى كان له حق مراقبة صاحب الشرطة
والمحتسب، وشارك السلاطين معهم ولاة الأقاليم فى تعيين القضاة
العاديين، وجعلوا قاضيًا للعسكر، للفصل فى القضايا الخاصة بالجيش
والجنود.
الحياة الاقتصادية:
стр. 723
شهدت «الدولة المرينية» رخاءً وازدهارًا فى نواحى الحياة كافة.
وجعل المرينيون كل إقليم من أقاليم دولتهم وحدة اقتصادية مستقلة،
وجعلوها جميعًا تحت إشراف الوزير المختص أو صاحب الأشغال، وقد
تعددت مصادر الدخل المالى وشملت الزكاة، والخراج، والجزية،
والضرائب، والغنائم، والمصادرات، وكذلك تنوعت أوجه الإنفاق
وشملت: الرواتب، والعطايا، ونفقات الجيش، والبناء والتعمير.
وقد ازدهرت الزراعة ببلاد «المغرب الأقصى» نظرًا لتوافر أسبابها؛
حيث تمتعت البلاد بعدد من الأنهار، إلى جانب الأمطار التى تسقط
على جهات متفرقة، مع تنوع المناخ، فضلا عن خصوبة التربة،
واهتمام السلاطين بالزراعة، فأسفر ذلك عن وفرة وتنوع فى
المحاصيل مثل: القمح، والفول، والشعير، والزيتون، وقصب السكر،
والبقول، وكذلك توافرت الفواكه والخضراوات، ونمت الغابات فى
مساحات واسعة، فأمدت البلاد بأنواع الأخشاب المختلفة لصناعة
السفن والمنازل وغير ذلك من الأغراض.
وشهدت الصناعة ازدهارًا ورواجًا كبيرًا، وتعددت أغراضها ونشطت
مراكزها، خاصة وأن الموحدين تركوا وراءهم صناعة مزدهرة بهذه
البلاد، وجاء المرينيون فازدهرت فى عهدهم صناعة عصر الزيتون
وصناعة السكر، واهتموا بالصناعات الحربية نظرًا لكثرة حروبهم،
ويُروى أنهم كانوا روَّادًا فى استعمال البارود، بل لعلهم - كما يقول
«ابن خلدون» - أول من استعمله فى صناعة المدافع التى استخدمت
فى قذف الأسوار وتحطيمها.
ولم يهمل «بنو مرين» التجارة، بل حرصوا على توفير الأمن للقوافل
واهتموا بالتجارة، وأكثروا من الأسواق المتخصصة، وزادوا من عدد
الحوانيت ووفروا الراحة للتجار، وأنشأوا لهم الفنادق مثل: «فندق
الشماعين»، الذى كان من أهم مراكز التجميع لكبار التجار.
وقد تعددت طرق التجارة، وأقام المرينيون علاقات تجارية مع كثير
من الأقطار، فنشطت التجارة الخارجية، وكان التجار المغاربة يحملون
стр. 724
الذهب والصمغ من «السودان» إلى «الأندلس»، وقاموا بتصدير
المنسوجات الصوفية والجلدية إلى «أوربا»، واستوردوا الآلات
الحديدية والأحواض الرخامية، وكان لميناء «سبتة» وغيره من
الموانى دور بارز فى تسهيل عمليتى استيراد هذه البضائع
وتصديرها.
الحياة الاجتماعية:
تشكل المجتمع المرينى من عدة عناصر جاء البربر فى مقدمتها،
وجاءت «قبيلة هنتانة» التى تنتمى إليها الأسرة الحاكمة فى مقدمة
القبائل البربرية. ولاشك أن هذه القبيلة التى أسست «الدولة
المرينية» قد احتلت مركز الصدارة بالدولة، وتلتها فى المرتبة القبائل
الهلالية، ثم القبائل التركية، ثم بقايا الروم والفرنج الذين انضموا إلى
الجيش المرينى.
وقد اتسم بلاط المرينيين فى بداية عهدهم بالبداوة، ثم أخذوا بمظاهر
الرقى والترف بعد أن استقرت لهم أوضاع البلاد، وثبتت أركانها
وتنوعت احتفالات المرينيين، وتعددت بها مظاهر الأبهة والعظمة وكان
لاستقبال الوفود وتوديعها احتفال خاص يليق بالدولة، كما كان
الاحتفال بعيدى الفطر والأضحى، والمولد النبوى، من أهم ما حرص
عليه سلاطين هذه الدولة.
وحظى البناء والتعمير بمرتبة رفيعة لدى المرينيين، واهتموا به
اهتمامًا بالغًا، وشيدوا عدة مدن تأتى فى مقدمتها مدينة «فاس
الجديدة» أو «الدار البيضاء» التى أنشأها السلطان «يعقوب بن
عبدالحق»، فى سنة (٦٧٤هـ= ١٢٧٥م)، لتكون عاصمة لبلاده بدلا من
العاصمة القديمة «فاس» التى ازدحمت بالناس. كما بنى «يوسف بن
يعقوب» مدينة «المنصورة» أثناء حصاره لمدينة «تلمسان» سنة
(٦٩٨هـ= ١٢٩٩م) واختط بها قصره ومسجدًا، ومساكن للجند والدور
والفنادق والبساتين، ثم أُحيطت المدينة بسور كبير.
هكذا بنى المرينيون المساجد الكبيرة بشتى مدن «المغرب الأقصى»،
وعنوا بفرشها وتزويدها بالماء اللازم للوضوء، وكان المسجد الجامع
الذى بنى بفاس الجديدة سنة (٦٧٧هـ= ١٢٧٨م) من أهم هذه المساجد.
стр. 725
وكانت المدارس من أهم المنشآت التى حرص المرينيون على إقامتها،
فأقاموا «مدرسة الصفارين» فى عهد السلطان «يعقوب» الذى عين
لها المدرسين، وأجرى على طلبتها النفقات اللازمة، وزودها بخزانة
للكتب، وبنى السلطان «أبو سعيد» عدة مدارس منها: مدرسة
العطارين، ومدرسة المدينة البيضاء، ومدرسة الصهريج.
ولم يغفل المرينيون إنشاء المستشفيات، فأقام السلطان «يعقوب بن
عبد الحق» عدة مستشفيات للمرضى والمجانين، ووفر لها الأطباء،
وأجرى عليهم المرتبات، كما خصص جزءًا كبيرًا من أموال الجزية
لرعاية الجذامى والعميان.
الحياة الفكرية:
ورث «بنو مرين» عن المرابطين والموحدين ثروة ثقافية كبيرة،
فأسهموا بدورهم فى زيادة هذه الثروة، وأنشئوا المؤسسات العلمية
كالمساجد والمدارس، ورحبوا بالعلماء القادمين من «الأندلس»
وغيرها؛ وشجعوهم على بذل ما لديهم دفعًا للحركة العلمية بالبلاد.
فاهتم العلماء بتفسير القرآن، وبرع عدد كبير منهم فى هذا العلم
أمثال: «محمد بن يوسف بن عمران المزداغى» المتوفى عام (٦٥٥هـ=
١٢٥٧م)، و «محمد بن محمد بن على» المعروف بابن البقال المتوفى
عام (٧٢٥هـ= ١٣٢٥م)، و «محمد بن على العابد الأنصارى» الذى اختصر
تفسير الزمخشرى المتوفى عام (٧٦٢هـ= ١٣٦١م).
أما علم الحديث فقد ازدهر باعتباره المصدر الثانى للتشريع، ومن
أبرز علمائه: «عبدالمهيمن الحضرمى»، و «محمد بن عبدالرازق
الجزولى»، و «ابن رشيد» الذى تُوفى فى سنة (٧٢١هـ= ١٣٢١م).
وقد تقدم علم الفقه تقدمًا كبيرًا بسبب تشجيع سلاطين «بنى مرين»
للفقهاء؛ فكثرت المؤلفات، وظهر كثير من الفقهاء مثل: «محمد بن
محمد بن أحمد المقرى» المعروف بالمقرى الكبير المتوفى عام
(٧٥٨هـ= ١٣٥٧م)، و «أحمد بن قاسم بن عبدالرحمن الجذامى» الذى
عُرف بالقباب المتوفى عام (٧٧٨هـ= ١٣٧٦م).
وإلى جانب هذه العلوم الدينية ازدهرت علوم اللغة، والنحو والتاريخ،
والسير، والرحلات، والجغرافيا، والفلك، والرياضيات، والفلسفة
стр. 726
والمنطق والطب، كما ازدهرت الحركة الأدبية، واشتهر عدد كبير من
الشعراء، مثل: «أبى القاسم رضوان البرجى» الذى تولى وظيفة
الإنشاء فى عهد «أبى عنان المرينى»، و «لسان الدين بن الخطيب»
أشهر الشعراء الأندلسيين الذين عاشوا مدة طويلة بالدولة المرينية،
وكذا اشتهر عدد كبير فى فن النثر، منهم: «ابن خلدون» و «ابن
مرزوق الخطيب».
وأسهمت المكتبات إسهامًا بارزًا فى تنشيط الحركة الفكرية، وكان
السلطان «أبو عنان المرينى» قد أفرد دارًا للكتب وزوَّدها بالكتب
فى شتى مجالات العلوم والمعرفة، واستخدم بها الأمناء لحفظ الكتب
وترتيبها وتصنيفها، وكذا لاستقبال الزائرين.
بنو وطاس بالمغرب الأقصى:
[٨٦٩ - ٩٦٢هـ= ١٤٦٥ - ١٥٥٥م]:
تمهيد:
«بنو وطاس» فخذ من قبيلة «بنى مرين»، ولكنهم ليسوا من فرع
الأسرة المرينية الحاكمة، وقد قامت علاقة حذرة بين أسرتى «بنى
وطاس» و «بنى مرين»، ثم تعدى «بنو وطاس» هذا الحذر، واتخذوا
موقفًا عدائيا من دولة «بنى مرين» منذ قيامها، وساندوا الموحدين
فى صراعهم معهم، ومن ثم عمد المرينيون- بعد قيام دولتهم واستقرار
الأوضاع لهم - إلى إحكام قبضتهم على حصن «تازوطا» الذى كان
مقر «بنى وطاس» فى ذلك العهد، ولكن الوطاسيين قاموا بثورة فى
سنة (٦٩١هـ= ١٢٩٢م) للاحتفاظ بنفوذهم فى هذا الحصن، وامتدت
ثورتهم فشملت منطقة الريف، ثم طردوا الوالى المرينى وحاشيته،
وسيطروا على الحصن، مما دفع السلطان «يوسف بن يعقوب
المرينى» إلى تجهيز جيش كبير، وجعل عليه «عمر بن المسعود بن
خرباش» أحد قادته المخلصين، وأمره بالتوجه إلى حصن «تازوطا»،
ثم خرج السلطان بنفسه على رأس جيش آخر، وحاصر الجيشان الحصن
مدة عشرة أشهر، وتمكن «عمر» و «عامر» ابنا «يحيى بن الوزير
الوطاسى» زعيما الوطاسيين من الفرار بأموالهما إلى «تلمسان»،
ودخل السلطان الحصن، وأنزل العقاب بالوطاسيين ثم عاد إلى
عاصمته «فاس» فى آخر جمادى الأولى سنة (٦٩٢هـ= أبريل١٦٩٣م).
стр. 727
وقد تآمر «زيان بن عمر الوطاسى» مع الأمير «أبى عبدالرحمن
المرينى» ضد والده السلطان «أبى الحسن»، فى محاولة للاستيلاء
على السلطة، ولكن محاولتهما باءت بالفشل، وسُجن الأمير، وفر
«الوطاسى» إلى «تونس».
وعلى الرغم من كل ما سبق فإن الوطاسيين نالوا حظا وافرًا من
المراكز العامة بالدولة المرينية، وتغلغل نفوذهم داخل مراكز الحكم
المدنى، وكذا العسكرى، ووصل بعضهم إلى منصب الوزارة، مثل:
«رحو بن يعقوب الوطاسى» الذى ولى الوزارة فى عهد السلطان
«عامر بن عبدالله المرينى»، واستمر إلى عهد «سليمان بن عبدالله»،
وتولى «عمر بن على الوطاسى» الإمارة فى مدينة «بجاية» فى عهد
«أبى عنان المرينى» فى سنة (٧٥٩هـ= ١٣٥٨م).
الأوضاع الداخلية بدولة بنى وطاس ثم سقوطها:
دخل «محمد الشيخ الوطاسى» سلطان الوطاسيين فى مواجهة
مستمرة - منذ أسس دولته- مع الفتن والقلاقل والثورات التى قامت
بالدولة على أيدى العرب الذين أغاروا على «فاس» و «مكناسة»
ودمروهما، ثم واجه ثورة «على بن راشد» فى «شفادن» وهى مدينة
قريبة من «البحر المتوسط» و «المحيط الأطلسى»، و «مضيق جبل
طارق»، ثم حاول «محمد بن أحمد المرينى» الاستقلال بمدينة «دبرو»
التى تقع شمال شرق «المغرب»، ونجح فى ذلك، وبسط نفوذه على
المناطق الغربية منها، فأدرك «محمد الشيخ» خطورته، وخرج
لمواجهته مرتين، كانت الأولى فى سنة (٨٩٥هـ= ١٤٩٠م)، وهُزم فيها
الوطاسيون، وكانت الثانية فى سنة (٩٠٤هـ= ١٤٩٨م)، وانتصر فيها
«بنو وطاس»، وعقد سلطانهم الصلح مع «محمد بن أحمد المرينى»،
وزوج السلطان ابنتيه لولدىّ الأمير «محمد»، فحل بينهما السلام.
وقد واجهت هذه الدولة ثورة بالمنطقة الجنوبية، قادها «عمرو بن
سليمان الشيظمى»، الشهير بالسياف، فى سنة (٨٧٠هـ= ١٤٦٥م)، ولم
تهدأ هذه الثورة إلا بعد أن اُغتيل «الشيظمى» على يد زوجته فى
سنة (٨٩٠هـ= ١٤٨٥م).
والواقع أن «بنى وطاس» لم يتمكنوا من فرض سلطانهم ونفوذهم
стр. 728
على كل «المغرب الأقصى»، بل يمكن القول بأن نفوذهم لم يتجاوز
العاصمة «فاس»، واقتسمت القبائل والأشراف والزعامات المحلية
ومشايخ الصوفية باقى البلاد.
فأدى هذا إلى نشوب الاضطرابات والقلاقل بالبلاد، وتزايد
الانقسامات بها، واستغلال البرتغال والإسبان لهذه الأوضاع للتوسع
وفرض النفوذ ونشر المسيحية.
ثم بدأت مرحلة أخرى من الصراع بين الوطاسيين والسعديين الذين
حشدوا الناس إلى جانبهم بحجة الدفاع عن البلاد من خطر الإسبان
والبرتغال، وكانوا فى حقيقة الأمر يسعون لإسقاط «دولة
الوطاسيين»، ونجحوا فى السيطرة على بعض المدن المغربية، ثم
دخلوا «مراكش»، وفشل «بنو وطاس» فى صدهم، وتدخل العلماء
للصلح بينهما، ونجحت محاولتهم، واتفق الفريقان على اقتسام «بلاد
المغرب الأقصى»، ولكنهما دخلا فى صراع ثانية، وتوسع السعديون
على حساب أملاك الوطاسيين، ثم دخلوا مدينة «فاس»، وقتلوا
السلطان الوطاسى «أبا حسون على بن محمد بن أبى ذكرى» فى
يوم السبت (٢٤ من شوال سنة ٩٦١هـ=٢٢ من سبتمبر ١٥٥٤م)، وبدأ
السعديون بقيادة «محمد الشيخ السعدى» فى فرض نفوذهم على
بقية المناطق التابعة للوطاسيين، وهكذا سقطت دولة «بنى وطاس».
العلاقات الخارجية:
تعددت العلاقات الخارجية بين «بنى وطاس» و «دول المغرب»، فضلا
عن الإسبان والبرتغال، وحاولوا كسب ود الحفصيين بتونس،
وبايعوهم، ولكن هذا الود لم يدم، لأن الحفصيين ساندوا ثورة
«الشيظمى» التى استمرت نحو عشرين عامًا، وكذلك حاول «بنو
وطاس» مسالمة الإسبان والبرتغال، وعقد «محمد الشيخ الوطاسى»
مؤسس الدولة معاهدة سلام مع البرتغال فى سنة (٨٧٦هـ= ١٤٧١م)،
ولكن البرتغاليين نقضوا هذه المعاهدة، ثم توالت الاتفاقات بين
الطرفين.
وقد تطورت العلاقات بين «بنى وطاس» و «الإسبان»، أثناء الصراع
الذى دار بين «ابن حسون الوطاسى» والسعديين؛ حيث التمس «ابن
حسون» العون من الإسبان، وأعلن ولاءه لامبراطورهم، واستعداده
стр. 729
لتسليمهم «بادس» فى مقابل مساعدته فى استرداد عرش «فاس»،
وساعده الاسبان بالسفن والأموال، ولكنه فشل فى استعادة عرشه،
فلجأ إلى البرتغال، وساندوه بالجنود والأموال وعدة الحرب، ولكن
هذه المساعدات لم تحقق أغراضها؛ إذ حاصرتها قوات الدولة
العثمانية واستولت عليها، مما جعل «ابن حسون» يلجأ إليهم طلبًا
للعون فى مقابل الاعتراف بسلطة الخليفة العثمانى، فمكَّنه
العثمانيون من العودة إلى عاصمته «فاس» ثانية فى سنة (٩٦١هـ=
١٥٥٤م)، ثم مالبث الأتراك أن سيطروا على مقاليد الأمور بفاس،
وضاق الناس بذلك، فاضطر «ابن حسون» إلى تعويض الأتراك بمبالغ
مالية كبيرة للرحيل عن العاصمة، ففعلوا، وواصل «ابن حسون»
نشاطه ضد السعديين، حتى سقط قتيلا، ومن ثم سقطت «دولة بنى
وطاس».
بعض المظاهر الحضارية:
- النظام السياسى والإدارى:
كان الحكم وراثيا فى «بنى وطاس»، وكان السلطان يعين كبار
مستشاريه من كبار الشخصيات، وكان للسلطان أمين سر مهمته
الإشراف على أموال السلطان، كما كان السلطان يُعيِّن حكامًا على
كل مدينة، وجعل لهم الحق فى التصرف فى مواردها، وتزويد جيش
السلطان بالجنود من مدنهم، وتعيين وكلاء من طرفهم على القبائل
التى تسكن الجبال، وجباية الأموال، وأخضع السلطان كل ذلك
لسلطته، وأحكم قبضته على مقاليد الأمور، كما أخضع كل موارد
الدولة لخدمة الأغراض العسكرية.
واتخذوا الوزراء من أقاربهم، واستوزر «محمد الشيخ الوطاسى»
أخويه «محمد الحلو» و «الناصر أبا زكريا»، وعين مسعود بن الناصر
خلفًا لأبيه على الوزارة، وقد تنوعت اختصاصات الوزراء بين المهام
السياسية والحربية إلى جانب أعمالهم الإدارية.
وتنوعت الوظائف الإدارية وشملت: الباشا، والقائد، والقاضى،
والمحتسب، ويساعدهم مجموعة من الموظفين، منهم: الأمين والناظر،
وأمين المواريث. وقد نشطت حركات الاستقلال أثناء ضعف الحكومة
المركزية بفاس، وغياب سلطتها عن مناطق الأطراف، والمناطق
النائية.
стр. 730
النواحى الاقتصادية:
نجحت الزراعة نجاحًا عظيمًا، كعادتها ببلاد «المغرب»، وكثرت
المحاصيل وزادت أنواع الفواكه، وساعدت هجرة الأندلسيين إلى
«بلاد المغرب» على إدخال النظم الزراعية الحديثة، واستحداث أنواع
كثيرة من المحاصيل بالبلاد.
وقد ترتب على ازدهار الزراعة قيام صناعات كثيرة، إلى جانب
الصناعات التى كانت موجودة من قبل، واشتهرت «فاس» بصناعات
الأحذية والأوانى النحاسية والخيوط والمنسوجات. وكذلك صناعة
الحلى.
ونشطت التجارة - خاصة فى أوقات السلم- وتوافرت الطرق الداخلية
التى تربط بين المدن، كما توافرت الطرق الرئيسية التى تسير فيها
القوافل من المدن المغربية وإليها، مثل: «سوسة» و «درعة» اللتين
حظيتا بنشاط تجارى كبير.
وتنوعت صادرات «المغرب» من الأوانى النحاسية، والمصنوعات
الجلدية والزجاجية، والقطنية والحريرية، وكذلك التمور بأنواعها
والتين والحلى، أما وارداتهم فكانت الذهب وبعض التوابل.
الحياة الاجتماعية:
لم تختلف طبقات المجتمع كثيرًا فى العهد الوطاسى عما سبقه من
عهود، واحتل الجيش مكانًا بارزًا، نظرًا لكثرة الحروب التى خاضها
الوطاسيون، وقد انقسم هذا الجيش إلى قسمين هما: الجيش النظامى،
وأفراده من البربر، ويضم: الفرسان والرماة وراشقى السهام،
والمشاة، والقسم الثانى: من المتطوعة من العرب وغيرهم، وقد عرف
جيش الوطاسيين نظام الحصون والحاميات.
وتوقف نشاط الوطاسيين العمرانى على مدينة «فاس»، ويرجع ذلك
إلى الأوضاع السياسية المضطربة التى سادت تلك الفترة، وانصراف
«بنى وطاس» إلى المعارك والحروب، وصرف إمكاناتهم المادية فى
التسليح والإنفاق على الجيش. وقد أدى كل ذلك إلى توقف النشاط
العمرانى، وتناقص عدد الفنادق والمستشفيات، وقلة الاهتمام
بالمرضى.
الحياة الفكرية:
شهدت العلوم الدينية نشاطًا ملحوظًا، وبرز عدد كبير من العلماء فى
المجالات كافة، منهم: «أبو عبدالله بن أبى جمعة الهبطى»، صاحب
стр. 731
كتاب: «الوقف فى القرآن الكريم»، والمتوفى عام (٩٣٠هـ= ١٥٢٤م)،
والفقيه «محمد بن عبدالله بن عبدالواحد الفاسى» المتوفى عام
(٨٩٤هـ= ١٤٨٩م)، وألف «الوتشريشى» عدة كتب منها: «المعيار
المعزب، والجامع المعرب عن علماء إفريقية والأندلس والمغرب»، وهو
فى اثنى عشر جزءًا.
وفى علم التاريخ برز القاضى «أبو عبدالله محمد الكراسى
الأندلسى»، الذى ألف منظومة عن «بنى وطاس»، أسماها: «عروسة
المسائل فيما لبنى وطاس من فضائل». وتقع هذه المنظومة فى نحو
ثلاثمائة بيت، وهى المصدر الوحيد الذى يعتمد عليه المؤرخون فى
التأريخ لهذه الفترة، حيث لم يصل إليهم غيره.
ويعد كتاب «وصف إفريقيا» للجغرافى «حسن الوزان» من أهم الكتب
وأشهرها فى هذا المجال، وقد تناول فيه جغرافية «إفريقية»
عمومًا، و «المغرب الأقصى»، و «مملكة فاس»، و «مملكة مراكش»،
كما تناول العادات والتقاليد والحياة الاقتصادية والفكرية والدينية،
والنظم الإدارية.
وتنافس الشعراء والوعاظ - فى هذه الفترة- فى تأليف الخطب
والقصائد الحماسية؛ لحث الناس على جهاد الأسبان والبرتغال، ومن
أبرز هؤلاء المؤلفين «أبو عبدالله محمد بن عبد الرحيم التازى»
المتوفى عام (٩٢٠هـ= ١٥١٤م)، وله مؤلف عنوانه: «تنبيه الهمم
العالية، والانتصار للملكة الذاكية، وقمع الشرذمة الطاغية، عجل الله
دمارها، ومحا ببواتر المسلمين آثارها».
ووجدت علوم اللغة اهتمامًا بالغًا، وألف «عبدالعزيز بن عبدالواحد
اللمطى الميمونى» ألفية فى النحو تضاهى ألفية «ابن مالك»، و «ابن
عبدالواحد»، وهو من أهل «فاس» وقد توفى عام (٨٨٠هـ= ١٤٧٥م)،
وكذلك قام العالم «أبو العباس أحمد بن محمد» المتوفى عام (٩٩٥هـ=
١٥٨٧م) بتدريس الفلك والحساب بجامع القرويين بفاس.
دولة بنى زيان:
[٦٣٣ - ٩٦٢هـ= ١٢٣٥ - ١٥٥٥م]
تمهيد:
ترجع تسمية هذه الدولة بهذا الاسم إلى «زيان بن ثابت»، والد
«يغمراس» مؤسسها، كما أنها تسمى بدولة بنى عبدالواد (العبد
стр. 732
الوادية) نسبة إلى قبيلة «عبد الواد» التى ينتمى إليها «بنو زيان».
وقد قامت هذه الدولة بالمغرب الأوسط (الجزائر حاليا) وكان يحدها
غربًا «نهر ملوية»، ومدينة «قسنطينة» من الجانب الشرقى، وكانت
هذه المنطقة تضم عدة مدن منها: «بجاية»، و «الجزائر»، و «وهران»،
و «قسنطينة»، و «مليانة»، و «تلمسان».
قيام دولة بنى زيان:
شجع ضعف «دولة الموحدين» عقب هزيمتهم فى معركة «العقاب»
فى سنة (٦٠٩هـ= ١٢١٢م)، بعض القوى على الاستقلال، فشجع ذلك
بدوره «بنى عبدالواد» على الاستقلال بالمغرب الأوسط، فاستولوا
على «تلمسان» فى سنة (٦٢٧هـ= ١٢٣٠م).
ويعد «يغمراس بن زيان» الذى تولى الإمارة بعد أخيه فى سنة
(٦٣٣هـ= ١٢٣٥م) هو المؤسس الحقيقى لهذه الدولة، حيث سالم جيرانه
من الموحدين كى لا يعرض دولته الناشئة لمعارك جانبية، تصرفه عن
تأسيس الدولة، وبنى سياسته فى هذه المرحلة على عاملين مهمين
هما:
العامل العسكرى:
جاور «الحفصيون» «بنى زيان» من جهة الشرق، وجاورهم «بنو
مرين» من الغرب، وهاجم «بنو حفص» مدينة «تلمسان» فى سنة
(٦٤٠هـ= ١٢٤٢م)، فهادنهم «بنو زيان» وبايعوهم، ودعوا على
منابرهم للحفصيين، وفى الوقت نفسه بعثوا بجنودهم إلى الجبال
واتخذوا من الإغارة على القوات الحفصية وسيلة لطردهم من
«تلمسان» و «المغرب الأوسط»، فاضطر الحفصيون إلى عقد الصلح
معهم وأعادوا «يغمراس» إلى مقر حكمه بتلمسان ثانية، وكذلك فعل
«بنو زيان» مع الموحدين فى سنة (٦٤٦هـ= ١٢٤٨م) ثم قاموا بغارات
كثيرة على القبائل الموجودة داخل «المغرب الأوسط»، مثل قبائل
«توُين» و «مغرادة».
العامل السلمى:
لم يكتف «يغمراس» بالمعارك والغارات، وعمد إلى تحصين بلاده
شرقًا وغربًا، وجاء بقبيلة «بنى عامر» وأقطعها نواحى «وهران»
و «تلمسان» لتكون حائط الصد لأعدائه، ثم دعم كيان دولته بمصاهرة
الحفصيين، حيث زوج إحدى بناته لعثمان ابن الأمير الحفصى «أبى
стр. 733
إسحاق»، فأمن بذلك شرهم، وهجماتهم على الحدود الشرقية لدولته.
تطور دولة بنى زيان:
كانت القبيلة من أهم العوامل التى أثرت فى سياسة دولة «بنى
زيان» وكيانها؛ حيث دخلت هذه الدولة فى صراع طويل مع قبائل:
«بنى توُين» و «مغرادة» من البربر، و «بنى عامر سويد» من العرب،
لرفض هذه القبائل الخضوع لغيرها، ولتعصبها لبنى جلدتها
وقبيلتها، وشقت عصا الطاعة، ثم زادت حدة موقفها بعد وفاة
«يغمراس» فى سنة (٦٨١هـ= ١٢٨٢م)، واضطر الأمير «عثمان» الذى
خلف والده «يغمراس» إلى مواجهتهم، فاستولى على «مازونة» من
«مغرادة» فى سنة (٦٨٦هـ= ١٢٨٧م)، ثم احتل مدينة «تنس»، ودخل
«إنشريش» ولكن هذا الاتساع عاد إلى الانكماش ثانية نتيجة احتلال
«بنى مرين» للمغرب الأوسط، وحصارهم «تلمسان» فى سنة (٦٩٨هـ=
١٢٩٩م)، وعادت القبائل مرة أخرى إلى التمرد والعصيان عقب وفاة
الأمير «عثمان»، فخرج إليهم الأمير «أبو زيان محمد الأول» (٧٠٣ -
٧٠٧هـ= ١٣٠٣ - ١٣٠٧م)، ثم خضعت هذه الدولة أكثر من مرة لدولة
بنى مرين مثلما حدث فى سنة (٦٧٠ - ٦٨٠هـ= ١٢٧١ - ١٢٨١م) وسنة
(٦٨٩هـ= ١٢٩٠م) وسنة (٧٣٧ - ٧٤٩هـ= ١٣٣٦ - ١٣٤٨م) ولكن بنى زيان
كانوا يرفضون هذا الخضوع، وينتهزون الفرصة للعودة إلى حكم
بلادهم.
وقد عاشت هذه الدولة فى حروب واضطرابات دائمة، ونشبت
الخلافات بين أفراد البيت الزيانى، وأدى التهافت على السلطة بينهم
إلى أن يشهر الولد السيف فى وجه أبيه، بل يتعدى ذلك، ويقتل
أباه، مثلما حدث مع «أبى تاشفين (الثانى) عبد الرحمن» (٧٩١ -
٧٩٥هـ=١٣٨٩ - ١٣٩٣م) ووالده السلطان «أبى حمو موسى (الثانى) بن
يوسف»، حين خلع «تاشفين» أباه من السلطة، واستولى على
الحكم، ثم اعتقل أباه وإخوته فى سنة (٧٨٨هـ= ١٣٨٦م) فقامت حروب
بين أفراد هذه الأسرة، وعاد «أبو حمو» إلى عرشه، واستعان «ابنه
تاشفين» ببنى مرين عليه، وحاربه، ثم قتله وعاد «تاشفين» إلى
الحكم فى ظل التبعية لبنى مرين.
سقوط دولة بنى زيان:
стр. 734
تفشت ظاهرة قتل السلاطين بدولة بنى زيان، وزاد التناحر بين أفراد
البيت الزيانى، وتكررت هجمات الاسبان على الشواطئ المغربية،
واستولوا على «مرسى وهران» فى سنة (٩١١هـ= ١٥٠٥م)، ثم
استولوا سنة (٩١٢هـ= ١٥٠٦م) على «وهران» و «بجاية» و «تدلس»
وهى موانى تابعة «لبنى زيان»، وارتضى «أبو حمو الثالث» (٩٠٩ -
٩٢٣هـ= ١٥٠٣ - ١٥١٧م) دفع ضريبة سنوية للإسبان لكى يبقى فى
مقعد الحكم، فاستنجد الناس بالأتراك العثمانيين لتخليصهم من هذا
الاحتلال، فأسرع لنجدتهم الأخوان «عروج» و «خير الدين» ابنا
«يعقوب التركى»، اللذان كانا يحملان المتطوعين فى السفن لإنقاذ
مهاجرى الأندلس، ونقلهم إلى أرض «المغرب»، ودارت معركة بين
الطرفين، وأرسلت إسبانيا بالإمدادات لتعزيز قواتها وحليفها «أبى
حمو» الذى فر إلى «وهران» للاحتماء بالقوة الإسبانية هناك،
وحاصر الإسبان مدينة «تلمسان» واستشهد «عروج» فى سنة
(٩٢٤هـ= ١٥١٨م)، ومات «أبو حمو الثالث» فى السنة نفسها.
وتوالت الاضطرابات، وزاد التنافس على العرش، وأقبل السعديون من
«المغرب الأقصى» واستولوا على «تلمسان» فى سنة (٩٥٧هـ=
١٥٥٠م).
وانقسم البيت الزيانى إلى طوائف ثلاث: إحداها تضامنت مع الأتراك،
والأخرى استعانت بالأسبان، والأخيرة تحالفت مع السعديين، وتحرك
الأتراك، ودخلوا فى معركة مع السعديين وهزموهم، فعادوا إلى
«المغرب الأقصى»، ودخل الأتراك العاصمة «تلمسان». وكان آخر
حكام «بنى زيان» هو «الحسن بن عبدالله» (٩٥٧ - ٩٦٢هـ= ١٥٥٠ -
١٥٥٥م) الذى ثار عليه الناس لميله إلى الإسبان فخلعه الأتراك، وضموا
«تلمسان» إلى حكومة «الجزائر» التركية فى سنة (٩٦٢هـ= ١٥٥٥م).
العلاقات الخارجية:
كان موقع «الدولة الزيانية» بالمغرب الأوسط حافزًا للقوى الأخرى
بالمغرب على التطلع إليها، بغرض السيطرة وفرض النفوذ، ولعل هذا
هو ما فعله الموحدون، و «بنو مرين»، و «الحفصيون». وظلت العلاقات
стр. 735
بين هذه الدولة وهذه القوى بين شَد وجذب، فتارة يخضع «بنو
زيان» للنفوذ الموحدى والمرينى والحفصى، وتارة ينعمون
باستقلالهم، وأخرى يمتد فيها نفوذهم إلى بعض مناطق المغربين
الأدنى والأقصى.
ولقد وقف «بنو زيان» فى بداية الأمر فى وجه الزحف الموحدى، إلا
أن الموحدين تمكنوا من إخضاعهم والسيطرة على «المغرب
الأوسط»، ودخل «بنو زيان» فى تبعية الموحدين، فلما قويت شوكة
«بنى زيان» كانت «دولة الموحدين» فى مرحلة الضعف والانهيار،
فبدأ الموحدون يتوددون إليهم ويهادنونهم، فخشى الحفصيون من
هذا التحالف، وتوجهوا إلى «تلمسان» واستولوا عليها فى سنة
(٦٤٠هـ= ١٢٤٢م) بمساعدة بعض قبائل «المغرب الأوسط»، واشترطوا
لعودة «بنى زيان» إلى الحكم أن يخلعوا طاعة الموحدين ويعلنوا
تبعيتهم للحفصيين، فقبل «بنو زيان» ذلك، وعادوا إلى حكم
«تلمسان». ولكن الموحدين لم يعجبهم هذا الوضع وحشدوا جيوشهم
وحاصروا «تلمسان»، فأعلن «بنو زيان» طاعتهم لهم، وساعدوهم
فى صراعهم مع المرينيين على الرغم من العلاقات المتوترة بينهما،
وظل هذا شأنهما حتى سقوط «دولة الموحدين» فى سنة (٦٦٨هـ=
١٢٦٩م). أما علاقة «بنى زيان» بالحفصيين، فكانت علاقة عداء؛
نظرًا لتضارب مصالح الدولتين، حيث رغبت كل منهما فى التوسع
على حساب الأخرى. وقد بدأت هذه العلاقات باستيلاء الحفصيين
على «تلمسان» فى سنة (٦٤٠هـ= ١٢٤٢م)، ثم بدأت بينهما
المفاوضات، وعاد «يغمراس» إلى عاصمته «تلمسان» وأعلن تبعيته
للحفصيين، ولكن «بنى زيان» لم يرضوا بهذه التبعية وأعلنوا
استقلالهم عن هذه التبعية فى عهد «المتوكل الزيانى» فى سنة
(٨٦٨هـ= ١٤٦٤م)، ومن ثم حاصرتهم جيوش الحفصيين فى «تلمسان»
فى سنة (٨٧١هـ= ١٤٦٦م)، وهدموا أسوارها، وأجبروهم على إعلان
الطاعة والتبعية للحفصيين ثانية.
وقد عمد الحفصيون إلى إحداث الفُرقة، وإشعال الفتنة بين أفراد
البيت الزيانى، حتى يتسنى لهم إحكام قبضتهم عليهم، ويضمنوا
стр. 736
تبعيتهم، وتم لهم ذلك واستمر حتى دبَّ الضعف والتفكك بين سلاطين
«بنى حفص» وأفراد أسرتهم، فوجه إليهم بنو زيان عدة ضربات
متوالية، وتمكنوا من هزيمتهم والاستيلاء على «تونس» فى سنة
(٧٣٠هـ= ١٣٣٠م).
وعلى الرغم مما سبق فقد شهدت العلاقات الزيانية الحفصية - أحيانًا-
بعض حالات الهدوء، وحسن الجوار، وتجلى ذلك حين صاهرهم
«يغمراس» وزوَّج ابنه «عثمان» إحدى بنات «أبى إسحاق الحفصى»
فى سنة (٦٨١هـ= ١٢٨٢م).
بعض المظاهر الحضارية:
- النظام السياسى والإدارى:
كان الحكم فى «دولة بنى زيان» وراثيا، وكانت ألقاب حكامهم
تتراوح بين «أمير المسلمين» ولقب «السلطان»، وقد تفشت ظاهرة
قتل سلاطينهم على أيدى أفراد أسرتهم الحاكمة للوصول إلى
الحكم، كما فعل «تاشفين» مع والده «أبى حمو».
وتعددت المناصب الإدارية فى هذه الدولة، وجاء منصب «الوزارة»
فى مقدمتها، كما كان قاضى القضاة يتقدم مجموعة القضاة بالدولة،
وكذلك كان قائد الجيش من رجال هذه الدولة البارزين، ولذا كان
السلطان يختاره من أفراد أسرته، أو يتولى هو مكانه، ويخرج
بنفسه على رأس الجيوش. وكان ديوان الإنشاء والتوقيع من أبرز
الدواوين، لأنه يختص بالمراسيم السلطانية، ومراسلات الدولة مع
غيرها من الدول.
الحياة الاقتصادية:
تمتع «المغرب الأوسط» بسطح متنوع، جمع بين السهل الساحلى
والوديان الداخلية، وسلسلة جبال الأطلس، فضلاً عن تمتعه بمناخ
يختلف من منطقة إلى أخرى، وبتربة خصبة صالحة للزراعة، وبأنهار
منتشرة فى كل مكان مثل نهرى «شلف» و «سيرات»، وبعيون مائية
منبثة، وبأمطار تسقط على منطقة الساحل، فهيأت كل هذه العناصر
لقيام زراعة ناجحة، أولاها ولاة الأمر عنايتهم ورعايتهم، فتنوعت
المحاصيل الزراعية، كما ازدهرت صناعة الأقمشة الحريرية والصوفية،
وصناعة السجاد والبسط، وكذلك صناعة السفن الحربية والتجارية،
والأسلحة، والمصنوعات الجلدية، والمشغولات الذهبية والفضية
والنحاسية.
стр. 737
وكان لموقع «المغرب الأوسط» دور كبير فى تنشيط التجارة،
باعتباره همزة الوصل بين المغربين الأدنى والأقصى، حيث تمتد
شواطئه، وتكثر موانيه المطلة على «البحر المتوسط»، فضلا عن طرق
التجارة المتعددة بجنوبه، والتى كانت تمر منها القوافل التجارية
القادمة من جنوب الصحراء قاصدة الموانى المطلة على «البحر
المتوسط»، لتكمل رحلتها إلى «أوربا» وغيرها من المناطق.
وقد تعددت صادرات «المغرب الأوسط»، وكان الصوف والأسلحة
والمنتجات الزراعية من أهم صادرات «بنى زيان» وأسهمت موانى:
«وهران» و «تنس» و «الجزائر» و «بجاية» إسهامًا بارزًا فى تنشيط
التجارة، وازدهار الاقتصاد، وكان ذلك سببًا رئيسيا فى اهتمام
سلاطين «بنى زيان» بالبناء والتعمير، فتنوعت فى عهدهم
المؤسسات وعُنوا بإنشاء المساجد والمدارس والقصور، والمنشآت
العسكرية، وكانت أبرز مساجدهم هى: «مسجد أبى الحسن» الذى
أمر «عثمان بن يغمراس» ببنائه سنة (٦٩٦هـ= ١٢٩٦م)، و «مسجد
الولى إبراهيم» الذى تم بناؤه فى عهد أبى حمو الثانى، كما شهد
عهد «أبى تاشفين الأول» نهضة عمرانية كبيرة.
وتعددت المدارس بتلمسان ووهران، وكانت أبرز هذه المدارس هى
«المدرسة التاشفينية» (أو المدرسة القديمة) التى أنشأها «أبو
تاشفين بن عبد الرحمن» (٧١٨ - ٧٣٦هـ = ١٣١٨ - ١٣٣٦م)، و «المدرسة
اليعقوبية» التى بناها «أبو حمو موسى الثانى»، وكان افتتاحها
فى الخامس من صفر سنة (٧٦٥هـ= نوفمبر ١٣٦٣م).
وبنى «بنو زيان» الحصون والأبراج والأسوار والقلاع العسكرية
لتحصين بلادهم، ومن أبرز قلاعهم: قلعة «تامز يزدكت» التى كانت
مركز مقاومتهم على الحدود الشرقية مع «بنى حفص».
الحياة الفكرية:
اهتم «بنو زيان» بتنشيط الحركة الفكرية فى بلادهم، ودعموها
بإنشاء المدارس والمساجد والكتاتيب والزوايا لتعليم الطلاب، ولم
يختلف أسلوب التعليم فى دولتهم عن مثيله فى «دولة بنى مرين»
و «دولة الحفصيين»، وامتلأت المؤسسات التعليمية بالعلماء
стр. 738
المتخصصين فى كل علم وفن، وقد لقى هؤلاء من الدولة معاملة
حسنة وأغدقت عليهم المنح والعطايا، وولتهم المناصب الرفيعة حتى
ينهضوا بالمستوى التعليمى والفكرى فى البلاد.
واستعاد المذهب المالكى مكانته بدولة «بنى زيان» كما استعاده
فى بقية الدول الأخرى عقب سقوط «دولة الموحدين»، وازدهرت علوم
التفسير والفقه والحديث والمنطق والجدل والكلام، وغيرها من العلوم،
وتبوأت مجموعة من العلماء مكانة ممتازة لدى «بنى زيان»، منهم:
«أبو إسحاق إبراهيم بن يخلف التنسى» المتوفى عام (٦٨٠هـ=
١٢٨١م)، و «أبو عبدالله محمد بن محمد المقرى» المتوفى عام (٧٥٩هـ=
١٣٥٨م) والذى تتلمذ على يديه مجموعة من العلماء النابغين، أمثال:
ابن الخطيب، وابن خلدون، والشاطبى وغيرهم.
وبرزت كذلك جماعة من العلماء فى علوم اللغة والأدب منهم: «أبو
عبدالله بن عمر بن خميس التلمسانى» المتوفى عام (٧٠٨هـ= ١٣٠٨م)،
وقد أشرف على «ديوان الإنشاء» بتلمسان فى عهد «عثمان بن
يغمراس»، و «أبو عبدالله محمد بن منصور القرشى التلمسانى» الذى
أنشأ «ديوان الرسائل» فى عهد أبى حمو الأول.
الدولة الحفصية:
[٦٢٥ - ٨٩٣ هـ= ١٢٢٨ - ١٤٨٨م]:
ينتسب الحفصيون إلى «أبى حفص عمر بن يحيى» الذى ينتمى إلى
«قبيلة هنتانة»، وهى من قبائل المصامدة التى عاشت بالمغرب
الأقصى، واتخذت المعاقل والحصون، وشيدت المبانى والقصور،
وامتهنوا الفلاحة وزراعة الأرض. وقد طمع الحفصيون فى الاستقلال
بإفريقية بعد هزيمة الموحدين فى معركة «العقاب» بالأندلس فى
سنة (٦٠٩هـ= ١٢١٢م)، وعملوا على تحقيق ذلك حتى سنة (٦٢٥هـ=
١٢٢٨م)، فوصل «أبو زكريا بن عبدالواحد الحفصى» إلى مقعد
الإمارة بتونس، ومهد لقيام «دولة الحفصيين» حتى سنة (٦٢٧هـ=
١٢٣٠م) فبايعه الحفصيون واستقل عن طاعة الموحدين وضم إليه
«الجزائر» و «تلمسان».
وقد واجهت الدولة الحفصية عدة ثورات، إلا أنها تمكنت من القضاء
عليها فى عهد قوتها، فلما حل الضعف بخلفاء الأمير «أبى زكريا
стр. 739
الحفصى»، زادت الخلافات بين أفراد الأسرة الحاكمة، وقامت الثورات
فى أماكن كثيرة، ولم يتمكن أمراء الحفصيين من مواجهة هذه
الاضطرابات، فحل الضعف بدولتهم حتى سقطت على أيدى العثمانيين
سنة (٨٩٣هـ=١٤٨٨م).
العلاقات الخارجية:
تنوعت علاقات «الدولة الحفصية»، وشملت «الأندلس»، و «أوربا»،
ودول: «بنى مرين» والوطاسيين والزيانيين.
واتسمت علاقتهم بالأندلسيين بالهدوء تارة وبالتوتر والمنافسة تارة
أخرى، وكذلك تمثلت علاقتهم بالأوربيين فى عدة حملات عسكرية،
عُرفت باسم الحروب الصليبية، وسعى الصليبيون إلى تحويل مسلمى
«المغرب الأدنى» إلى المسيحية، غير أن وباءً تفشى بالمعسكر
الصليبى، وتوفى لويس متأثرًا بهذا الوباء، فلجأ الصليبيون إلى
التفاوض والصلح مع الحفصيين، ثم الانسحاب فى سنة (٦٦٩هـ=
١٢٧٠م) ولكن الصليبيين عاودوا الهجوم على مدينة «طرابلس» فى
سنة (٧٥٥هـ= ١٣٥٤م)، واستولوا عليها واستباحوها، ولم يخرجوا
منها إلا بعد الحصول على قدر كبير من المال، ثم توالت حملاتهم
الصليبية بعد ذلك على بلاد «المغرب الأوسط» ومدنه.
وقد مرت العلاقات الحفصية المرينية بعدة مراحل ارتبطت بالأحوال
والظروف السياسية التى كانت تمر بها كل من الدولتين، واتسمت
هذه العلاقات بالصراع بين الطرفين، ودخول بنى حفص فى تبعية
«بنى مرين» فى أحايين كثيرة، ولكن ذلك لم يمنع من قيام بعض
العلاقات الطيبة فى فترة حكم «عثمان ابن أحمد المرينى» (٨٠١ -
٨٢٣هـ = ١٣٩٨ - ١٤٢٠م)، و «عبدالحق بن سعيد المرينى» (٨٦٣ -
٨٦٩هـ = ١٤٥٩ - ١٤٦٥م).
- بعض المظاهر الحضارية:
الجانب السياسى والإدارى:
عرفت «دولة بنى حفص» نظام الخلافة، وكان الحكم بها وراثياًّ،
ويعاون الخليفة هيئة استشارية، يُطلق عليها اسم أشياخ البساط،
وجميعهم من قبيلة «هنتانة» التى تنتمى إليها الأسرة الحاكمة،
وكذلك عرفت هذه الدولة نظام الحجابة، وتطور هذا النظام لدرجة أن
стр. 740
الحاجب كان يفصل فى الأمور دون الرجوع إلى الخليفة، وجاء منصب
الوزارة فى مرتبة تلى منصب الحجابة، ويأتى إلى جانبهما منصب
القضاء الذى أولاه الحفصيون عنايتهم لأهميته.
الحياة الاقتصادية:
تنوعت مصادر الدخل فى «دولة بنى حفص»، وشملت: الضرائب
والزكاة، والجزية، والمصادرات، والخراج، وانتعشت الزراعة وكثرت
المحاصيل، ونشطت الصناعات مثل: المنسوجات بأنواعها،
والصناعات الجلدية والزجاجية، وصناعة الأسلحة والسفن، واستخدم
«بنو حفص» عملة خاصة بهم ليؤكدوا استقلالهم.
الحياة الاجتماعية:
تشكل المجتمع الحفصى من عدة عناصر، وكانت قبيلة هنتاتة
البربرية فى مقدمة هذه العناصر، كما كان العرب المقيمون، والعرب
الهلالية ممن شكلوا هذا المجتمع، تضاف إليهم مجموعات الروم
والأتراك.
وشهدت «الدولة الحفصية» حركة واسعة فى البناء والتعمير، وأقام
الحفصيون المؤسسات التعليمية مثل: الكتاتيب، والزوايا والمساجد،
فقامت بدورها فى دعم العلوم المختلفة وتدريسها، ثم أنشأ
الحفصيون المدارس بالعاصمة «تونس»، وكانت أول مدرسة هى
«المدرسة الشماعية» التى أنشأها «أبو زكريا يحيى الأول» فى
سنة (٦٣٣هـ= ١٢٣٥م)، وتلتها «التوفيقية» فى سنة (٦٥٠هـ= ١٢٥٢م).
وأخذت «الدولة الحفصية» بالمذهب المالكى، واهتمت بالعلوم الدينية
مثل تفسير القرآن، وعلم الحديث، والفقه، وكذلك اهتم الحفصيون
بالعلوم العقلية مثل: المنطق والكيمياء والفلك وغيرها. وساهمت
المكتبات - التى زُوِّدت بالكتب فى شتى فروع المعرفة- فى تنشيط
الحركة الثقافية بالبلاد، وكذا ساهمت المجالس العلمية، التى شجعها
بعض الحكام الحفصيين فى إثراء النشاط العلمى ودعمه.
وقد أثمرت هذه الحركة الثقافية المزدهرة مجموعة من العلماء
البارزين فى شتى فروع العلم والمعرفة، فكان من الفقهاء «أبو
عبدالله محمد بن عرفة» المتوفى عام (٨٠٢هـ= ١٣٩٩م)، ومن
المحدثين: «أبو بكر بن سيد الناس» المتوفى عام (٦٥٩هـ= ١٢٦١م)،
следующие страницы →