Полный текст (3 483 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
على مصادر الدخل وازدهرت العلوم والآداب ورخصت المعايش.
ولابد من الإشارة هنا إلى أن الدولة الأموية فى الأندلس كانت تعتمد
стр. 807
الفصل الرابع
*الدولة العامرية
[٣٦٨ - ٣٩٩ هـ = ٩٧٨ - ١٠٠٩ م].
بعد أن أصبحت السيطرة كاملة لابن أبى عامر فكر فى إنشاء مدينة
جديدة يتوافر فيها الأمان ومظاهر السلطان فكانت مدينته الزاهرة أو
العامرية شرقى قرطبة والتى استغرق بناؤها عامين، وضمت قصرًا
ومسجدًا ودواوين للإدارة ومساكن للحرس، ونقل خزائن المال
والسلاح إليها، وأقيم حولها سور ضخم كما بنى خندقًا وتم إقطاع
ضواحيها للوزراء والقادة، فابتنوا الدور وأنشئت الشوارع والأسواق
حتى اتصلت مبانيها بضواحى قرطبة، وقد انتقل إليها ابن أبى عامر
سنة (٣٧٠هـ = ٩٨٠م)، واتخذ له حرسًا خاصا من الصقالبة والبربر
أحاطوا بقصره، ومنعوا الدخول والخروج إليه، وبذلك أقفرت قرطبة
وأقفر قصرها ونقلت كل مظاهر السلطان إلى المدينة الجديدة، ومنع
الخليفة من أى حركة إلا بإذن ابن أبى عامر حماية له من المتآمرين
وحتى يتفرغ للعبادة كما زعم.
حاولت «صبح» بعد هذا التطور أن تستبعد «ابن أبى عامر» مستعينة
بمنافسيه، ولجأت إلى القائد «غالب» - صاحب الثغر - فى سرية تامة،
فرد ابن أبى عامر بتقريب «جعفر بن على بن حمدون الأندلسى»
-وهو بربرى من زناتة - عبر البحر وتقلد الوزارة، واستعان به ابن
أبى عامر على كسب مودة البربر الذين توافدوا من عدوة المغرب
إلى الأندلس، وغمرهم بأمواله.
أراد غالب مصانعة ابن أبى عامر فدعاه إلى غزوة مشتركة فى
أراضى قشتالة، وأقام له وليمة دخل معه خلالها فى نقاش عنيف
ورفع السيف فأصيب ابن أبى عامر، لكنه استطاع الفرار وذهب إلى
دار غالب بمدينة سالم واستولى على كل ما كان فيها، ثم دخل
الفريقان فى قتال عند حصن «شنت بجنت» يعاون غالب ملك ليون،
وانتهى الأمر بموت غالب وهزيمة أعوانه من المسلمين والنصارى فى
(٤ المحرم سنة ٣٧١هـ = ١٠يوليو ٩٨١م).
غزوات ابن أبى عامر:
بدأت سلسلة هذه الغزوات الشهيرة بعد أن استقرت الأمور لابن أبى
عامر، ووصل عددها إلى نحو أربع وخمسين غزوة استقصى المؤرخ
стр. 808
القرطبى ابن حيان أخبارها فى كتاب له مفقود عنوانه «الدولة
العامرية» ويتحدث عنها ابن خلدون فيقول:
«غزا ابن أبى عامر اثنتين وخمسين غزوة فى سائر أيام ملكه، لم
ينكسر له فيها راية ولا فل له جيش ولاأصيب له بعث ولا هلكت له
سرية».
وقد بدأ «ابن أبى عامر» غزواته بمملكة «ليون»؛ ليعاقب ملكها على
معاونته لغالب، وقد تحالف ضده ملوك النصارى الثلاثة: ملك ليون،
وملك قشتالة، وملك نبرة، وجرت بينه وبينهم موقعة عند «شنت
منكش» انتصر فيها «ابن أبى عامر»، ووصل إلى عاصمة مملكة
«ليون»، ثم عاد إلى «قرطبة» سنة (٣٧١هـ = ٩٨١م) بسبب حلول
الشتاء، وبعد عدة أشهر من عودته اتخذ لنفسه لقب «الحاجب
المنصور» ودعى له على المنابر وصدرت الكتب باسمه ونقش على
السكَّة، وقبَّل المسئولون وكبار الموظفين والوزراء يده وأصبح هو
كل شىء.
وفى سنة (٢٧٤هـ = ٩٨٤م) خرج «المنصور» إلى شمال شرقى
«الأندلس» على رأس جيش ضخم مر بغرناطة ثم «بسطة» فلورقة
فمرسية، ثم اتجه شمالا إلى «برشلونة»، حيث دخل منطقة
«قطلونية»، ثم اقتحم مدينة «برشلونة» ودمَّرها وأحرقها فى (صفر
٣٧٥هـ = يوليو ٩٨٥م)، ولم يحاول المنصور الاحتفاظ ببرشلونة، وإنما
قصد إلى تدمير قوى النصارى فى هذه المنطقة النائية.
ثم قام المنصور عام (٣٧٨هـ = ٩٨٨م) بغزو مملكة ليون بعد أن انقض
ملكهم على المسلمين، وطاردهم إلى آخر حدود بلاده، فسار المنصور
شمالا إلى ليون، ثم غربًا إلى مدينة قلمرية شمالى البرتغال بالقرب
من المحيط واستولى عليها وبقيت خرابًا مدة سبعة أعوام، ثم سار
المنصور نحو مملكة «نبرة» وقصد عاصمتها «بنبلونة» ردا على
إغارة ملكهم على أراضى المسلمين، وغزوة المنصور هذه تسمى
غزوة البياض، وقد عاد بجيشه إلى «سرقسطة» والتقى هناك بابنة
عبدالملك بعد عودته ظافرًا من حروبه فى بلاد المغرب كما سنشير
فيما بعد.
وفى ربيع سنة (٣٧٨هـ = ٩٨٨م) خرج المنصور فى جيش ضخم،
стр. 809
واخترق مملكة ليون واستولى على عاصمتها بعد معارك عنيفة، ثم
سار إلى «سمورة» وحاصرها حتى سلمت، واعترف النبلاء له
بالطاعة، ولم يبق تحت سيطرة ملك ليون إلا المنطقة الجبلية الواقعة
شمالى غربى إقليم جليقية.
وأثناء قيام المنصور بغزوته هذه رقم (٤٥) انضم ابنه «عبدالله» إلى
ملك قشتالة بتحريض من صاحب الثغر الأعلى «عبدالرحمن بن مطرف
التجيبى» وكانت عاصمته «سرقسطة»، ولكن المنصور ضغط على
الملك النصرانى عن طريق العمليات العسكرية المتتالية فسلمه ابنه،
ولم يتردد المنصور فى قتل ولده فى الحال.
ثم قام «المنصور» سنة (٣٨٧هـ = ٩٩٧ م) بأعظم غزوة قام بها متجهًا
نحو منطقة جليقية، وهى منطقة وعرة من الصعب غزوها؛ لأنها ملاذ
ملوك ليون يلجئون إليها كلما ضيق المسلمون الخناق عليهم، فخرج
المنصور إليها من قرطبة فى (شهر جمادى الآخرة سنة ٣٨٧هـ= ٩٩٧م)،
وفى الوقت نفسه تحرك الأسطول الأندلسى فى مياه البرتغال يحمل
المشاة والأقوات والذخيرة، وعبر المنصور الجبال والأنهار حتى وصل
إلى مدينة قورية، ثم زحف نحو الشمال الغربى واستولى على
مدينتى: «بازو» و «قلمرية»؛ حيث وفد إليه العديد من أمراء النصارى
وانضموا إلى جيشه وأطاعوه، بعد ذلك توجهت القوات الإسلامية
شمالا نحو نهر «دويرة»، حيث وافاه الأسطول، فجعله جسرًا عبر به
صوب جليقية، وسار فى شعب الجبال، ثم التزم المشى بحذاء
الشاطئ يهدم ويخرب، ففرت أمامه جموع النصارى، وظل المنصور
يواصل عملياته حتى انتهى إلى مدينة «شنت ياقب» المقدسة عند
النصارى فدخلها ثم سار المنصور حتى وصل إلى شاطئ المحيط
وتابع سيره إلى أن أصبح فى شمال البرتغال الحديثة، وهناك وزع
الهدايا على الموالين له من زعماء النصارى وطلب منهم أن يعودوا
إلى بلادهم ورجع هو إلى مدينته الزاهرة.
وقد هزت هذه الغزوة إسبانيا النصرانية، وبقى تأثيرها بضع سنين
وكانت الثامنة والأربعين من بين مجموع غزواته. ثم قام المنصور بعد
стр. 810
ذلك بغزوات فى سنوات (٣٨٩، ٣٩٠هـ= ٩٩٩، ١٠٠٠م) فى أراضى
نبرة وقشتالة؛ حيث واجه جموع النصارى متحدين مصممين على النيل
منه، وتعرض المسلمون للهزيمة أول الأمر، لكن المنصور صعد على
ربوة عالية، وأخذ يضاعف جهوده ويحرض الناس، حتى تمكن من
تحويل الهزيمة إلى نصر ومزق العدو شر ممزق، وتوالى زحفه حتى
اقتحم مدينة «برغش»، ومنها توجه إلى «سرقسطة»، ثم إلى
«بنبلونة» عاصمة «نبرة» دون أن يجرؤ أحد على اعتراضه وأخيرًا
رجع إلى العاصمة بعد تسعة ومائة يوم.
وفى ربيع (٣٩٢هـ =١٠٠٢م) خرج المنصور لآخر مرة، وتوجَّه إلى
قشتالة ومنها اتجه غربًا نحو «برغش» وعاث فى تلك المنطقة،
وتقول المصادر النصرانية إنه تعرض لهزيمة على أيدى ملوك
النصارى متحدين، وإنه اضطر إلى الفرار فى جنح الظلام بعد موقعة
معهم جرت أحداثها بمكان يسمى «قلعة النسور»، وقد جرح المنصور
ثم مات بعد ذلك متأثرًا بجراحه، لكن الباحثين المحدثين - ومنهم
المستشرق الهولندى دوزى - يرفضون هذه الرواية لأنها تخالف
الحقائق التاريخية الثابتة، فهى تتحدث عن تحالف بين ملوك من
النصارى ماتوا قبل هذه الموقعة، أضف إلى ذلك أن المصادر
الإسلامية لاتذكرشيئًا عن تلك الموقعة، مع أنها لاتخفى هزائم
المسلمين، فالصمت قرينة على أنه لم تكن هناك هزيمة ولاحتى
موقعة أصلا.
ومهما يكن من أمر فقد سار المنصور فى حملته هذه محمولا حتى
وصل إلى «مدينة سالم»، وهناك وافاه الأجل فى (٢٧ رمضان ٣٩٢هـ
= ١١ أغسطس ١٠٠٢م) بعد حكم دام ٢٧ عامًا.
المنصور وولاية العهد:
اتخذ المنصور فى سنة (٣٨١هـ= ٩٩١م) خطة غير مسبوقة بهدف دعم
سلطانه فرشح ابنه عبدالملك ليتولى الأمر من بعده، وتنازل له عن
الحجابة والقيادة وجميع ما كان يتولى من خطط مكتفيًا بلقب
«المنصور» ثم تلقب بالملك الكريم فى سنة (٣٨٦هـ = ٩٩٦م) وبولغ
فى تعظيمه وإجلاله، ولم يكن المنصور يقصد أن تجتمع السلطات فى
стр. 811
يده، فكل السلطات السياسية والعسكرية فى قبضة يديه بالفعل،
لكنه أراد أن يصبغ حكمه بالصبغة الشرعية، وأن تكون له رسوم
الملك والخلافة، ويقوم بتأسيس دولة تحل محل دولة بنى أمية، لكن
الظروف لم تكن مهيأة فالناس لاتميل كثيرًا إلى المنصور؛ بسبب
الوسائل الدموية التى لجأ إليها لتصفية خصومه.
الجيش فى عهد المنصور:
أعطى المنصور اهتمامًا كبيرًا للجيش، فعنى بتنظيمه، واستقدم قوات
تعد بالألوف من المرتزقة من قبائل زناتة وصنهاجة وغيرهما من البربر
ومن الجند النصارى، وكون من هؤلاء جميعًا جيشًا ضخمًا ضمن ولاءه
له بجوده ووفرة عطاياه، كما غير من نظام الجيش، فقدَّم رجالات
البربر وأخَّر زعماء العرب وفرق جند القبيلة الواحدة، وكان الخليفة
الناصر من قبله قد مهد له الطريق عندما سحق القبائل العربية
وأضعف هيبتها حسبما أشرنا من قبل، أى أن ابن أبى عامر وجد
الطريق ممهدًا، فلم تلق سياسته كبير معارضة.
وقد نفر المحاربون القدماء والأندلسيون بشدة من ذلك الجيش وسعِدَ
«ابن أبى عامر» بهذا النفور لأنه يقف حائلا بين عناصر الجيش القديم
وبين اتحادها ضده، كما أنه يشعر البربر بضرورة الاعتماد عليه.
ومن أهم ما فعله فصل جيش الحضرة (قرطبة) عن الجيش العام،
وتعيين نفسه قائدًا له، فأصبح قوة عسكرية، وفتحت له والدة
الخليفة بيت المال ظنا منها أنه يعمل لحسابها وحساب ابنها، فأكثر
من الجند، وأصبح مستبدا عسكريا، وتحوَّل من فقيه إلى رجل
سياسة، وملك من القوة العسكرية ما لم يملكه من سبقوه، فالناصر
رغم ميله إلى الاستبداد كان يقف عند حد معين، ويعلم أنه من
المستحيل القضاء على النصارى فيكتفى بإضعافهم وحملهم على
أداء الجزية، أما المنصور فتتوالى ضرباته دون أن يحاول ضم جزء
إلى أراضى الخلافة، أو إسكان بعض المسلمين فى الأراضى التى
يفتحها وإنما يضرب ويحوز الغنائم ويعود النصارى إلى ما كانوا
عليه، وكأنه لم يكن يهدف إلا إلى ذلك.
стр. 812
وجدير بالذكر أن المنصور فى سنة (٣٨٨هـ = ٩٩٨م) أعفى الناس من
إلزامهم بالغزو؛ بسبب ما وصلت إليه أعداد الجيش وما توافر له من
قوة، واكتفى بالقوات المرابطة، وقد بلغ الجيش المرابط أى الثابت
فى زمن المنصور (١٢١٠٠) من الفرسان يصرف لهم جميعًا المرتبات
والسلاح والنفقة بخلاف (٦٠٠) فارس للحراسة الخاصة، أما الجيش
المرابط من الرجَّالة فقد بلغ ستة وعشرين ألفًا، وكان هذا العدد
يتضاعف بمن ينضم إليه من المتطوعة أثناء الصوائف ولا يدخل فى
هذا الخيل ومطايا الركوب ودواب الحمل وغيرها من العدد، وكان
المنصور يتولى قيادة قواته بنفسه غالبًا.
وقد حققت غزواته أهدافها من ردع النصارى ومنعهم من الهجوم على
أراضى المسلمين، وكان يعرف أبرز جنده جميعًا بأسمائهم ويدعوهم
إلى المآدب التى يقيمها عقب كل انتصار، ومع ذلك فإن المحصلة
النهائية لغزواته كانت ضعيفة فهو لم يقضِ على كل قوى النصرانية
أو يسحقها، وغزواته وإن أضعفت النصارى، فإنها لم تغير
أحوالهم، وبقيت حدود دولة الإسلام على ما هى عليه، فهى غزوات
دويها عظيم تجذب الناس إليها، لكن نتائجها قليلة فقد أنهكت قوى
الجيوش الإسلامية دون أن تحقق هدفًا ثابتًا أو تقضى على خصم،
إنها مثل الطبل الأجوف صوت كبير وعمل قليل.
إدارة المنصور:
أظهر المنصور مقدرة كافية ممتازة فى جميع المناصب التى تولاها
وشهدت البلاد فى زمنه أمنًا واستقرارًا وطمأنينة لم تعرفها قبله،
وفى زمنه لم تعرف البلاد الثورات مقارنًا بغيره، وازدهرت الصناعة
والتجارة والزراعة، وارتقت العلوم والآداب، وامتلأت خزائن قرطبة
بالمال حتى وصلت الإيرادات إلى نحو أربعة ملايين دينار، بخلاف
الموارد من المواريث ومال السبى والغنائم، وقد عاون المنصور
مجموعة من الكتاب والوزراء فى هذا العصر من أبرزهم: «أبو مروان
عبدالملك بن شهيد» و «محمد بن جهور» و «أحمد بن سعيد بن حزم»
والد الفيلسوف المشهور، و «خلف بن حسين بن حيان» والد أمير
стр. 813
المؤرخين الأندلسيين «ابن حيان»، ومن الكتاب «سعيد بن القطاع»
وغيره من أبناء الأسر العريقة التى تعاقب أبناؤها على الوزارة.
العمارة فى عهد المنصور:
لم يخل عهد المنصور من الإنشاءات العظيمة على الرغم من الغزوات
المستمرة وقد أشرنا إلى بنائه مدينته الزاهرة بقصورها وحدائقها،
وجعلها قصرًا للحكم والإدارة، وقد بنى المنصور بجانبها مدينة جميلة
ازدانت بالحدائق والقصور أسماها «العامرية»، وكان يقصدها عندما
يريد الاستجمام.
كذلك قام بزيادة المسجد الجامع فى «قرطبة» بعد أن اتسعت
المدينة، وضمت واحدًا وعشرين حيا، الواحد فيها أكبر من أية مدينة
أندلسية، وقد حفر حولها خندقًا بلغ ١٦ ميلاً وزاد سكانها كثيرًا لا
سيما البربر، وضاق المسجد الجامع بهؤلاء السكان فأدخل المنصور
فى سنة (٣٨٧هـ = ٩٩٧م) زيادة عليه من الناحية الشرقية، بلغت
المساحة الأصلية نفسها تقريبًا، وحرص المنصور على الاشتراك فى
هذا المشروع بنفسه، واشتغل فيه أسرى النصارى، وتم تعويض
أصحاب الدور والأماكن التى صودرت لهذا الغرض، ولا يزال هذا
الجناح قائمًا حتى اليوم، ويعرف بمسجد المنصور، وإن تحولت
عقوده الجانبيه إلى هياكل وكنائس.
وبهذه الزيادة بلغت مساحة المسجد الجامع ما يزيد على ستة أفدنة،
كما انفرد بطرازه الرائع، وليس فى العالم مسجد ولا كنيسة فى مثل
حجمه اللهم إلا قصر «فرساى» بفرنسا.
كما جدد المنصور قنطرة قرطبة على نهر الوادى الكبير، وكان
«السمح بن مالك» قد جددها من قبل وأنفق المنصور على تجديدها
فى سنة (٣٧٨هـ = ٩٨٨م) مائة وأربعين ألف دينار وبنى قنطرة
«أستجة» على نهر «شنيل» أحد فروع نهر الوادى الكبير.
المنصور فى نظر المؤرخين:
يشهد المؤرخون القدماء للمنصور بالكرم، وبأنه كان يبذل الأموال
للمتصلين به والفقراء خاصة، ورغم سفكه للدماء فقد كان يتظاهر
بالتقوى، حريصًا فى كل غزواته على حمل مصحف خطه بيده، ويقال
стр. 814
إنه كان منصفًا عادلا يزجر الظالم حتى لو كان من كبار حاشيته،
وكان صبورًا حليمًا، ولكنهم ينعون عليه شغفه بمعاقرة الخمر، ولم
يتخل عن ذلك إلا قبل وفاته بعامين.
وتميز المنصور بأنه كان شغوفًا بالعلم والأدب، محبا للعلماء والأدباء
والشعراء ويناظرهم ويشترك معهم فى نظم الشعر ويغدق عليهم،
ساعده على ذلك نشأته فى بيت علم وأدب، وبراعته فى علوم
الشريعة وفنون الأدب خلال فترة صباه.
وحرص المنصور على نشر العلم والمعرفة بين طبقات الشعب، فأنشأ
كثيرًا من دور العلم فى قرطبة وأنفق عليها، وكان يزور المساجد
والمدارس، ويمنح المكافآت للمتفوقين من الطلاب، كما حرص على
جمع الكتب ومكافأة أصحابها، وقد منح «صاعد البغدادى» (٥٠٠)
دينار مكافأة له على كتابه «الفصوص»، وكان يكره الفلسفة، ويرى
أنها مخالفة للدين كما كان يبغض التنجيم ويطارد المنجمين، وقد
استخرج من المكتبة الأموية جميع كتب الفلاسفة والدهريين وأحرقها
بحضرة كبار العلماء، وما فعله «المنصور» أمر خطير، تسبب فى
ضياع ثروة علمية عظيمة.
ونظرًا للشهرة الواسعة التى حققها المنصور، جاء إليه بعض ملوك
النصارى واستعطفوه وتقربوا إليه وزوجوه من بناتهم.
ويرى بعض المؤرخين المعاصرين أن «ابن أبى عامر» من أعظم
الرجال وأنه قام بما لم يقم به أحد فى تاريخ الإسلام، فقد استطاع
الاستيلاء على الحكم فى دولة كبرى، وهى فى أوج سلطانها ووجه
أمورها بصورة مستبدة.
ومع ذلك فإن هنا أمورًا ثلاثة هى أكثر ما أضر به المنصور:
١ - إقامته ملكه على جند مرتزقة تعالوا على الناس، واصطناعه
لبيوت جديدة من زعانف الأسر، وصغار الفقهاء والطامعين، وتوليتهم
وظائف القضاء والولايات، وقد أثقل هؤلاء على الناس، وأرهقوهم
بالمطالب، واستولوا على أموالهم، ومن هؤلاء بنو عباد فى إشبيلية،
ومن البربر الذين استعان بهم فى النواحى، بنو الأفطس فى بطليوس،
وبنو ذى النون جنوب غربى طليطلة - بالإضافة إلى الصقالبة الجدد
стр. 815
الذين اشتراهم المنصور لحسابه ومن هؤلاء جميعًا يتكون الحزب
العامرى - وهم الذين قضوا على وحدة الأندلس فيما بعد، ويتكون
منهم ما يعرف بملوك الطوائف.
٢ - انعدام المفهوم الأخلاقى عنده، وهذا جعل الناس يخافونه ولا
يحبونه، بل إن أنصاره ما كانوا يأمنونه؛ لأنه كان كثير التجسس
فكان يطلب من العبيد والجوارى أن يكونوا عيونًا فى بيوتهم وأفسد
أخلاق الناس بالرشوة ونحوها.
٣ - حجر المنصور على الخليفة «هشام»، وتعيين ابنه «عبدالملك بن
المنصور» وليا لعهده، والتخلص من معارضيه بالتآمر والقتل.
ولقى المنصور ربه فى «مدينة سالم» فى (٢٧ من رمضان سنة ٣٩٢هـ
= أغسطس سنة ١٠٠٢م) كما أسلفنا وتولى الأمر من بعده ابنه
عبدالملك المظفر.
عبدالملك المظفر بالله ابن المنصور:
[رمضان ٣٩٢ - صفر ٣٩٩هـ = أغسطس ١٠٠٢ - أكتوبر ١٠٠٨م].
صدر أمر الخليفة «هشام» بتولية «عبدالملك» الحجابة بعد وفاة
والده، وقضى عبدالملك بسرعة على من أراد انتهاز الفرصة للعودة
إلى حكم الخليفة، وقد بدأ عهده بإسقاط سدس الجباية (الضرائب) عن
السكان بكل نواحى الأندلس فاستبشر الناس به خيرًا.
سياسة عبدالملك مع النصارى:
ظن ملوك النصارى أن خطر الغزوات الإسلامية عليهم سيقل بعد وفاة
المنصور، لكنهم كانوا واهمين لأن عبدالملك بدأ بعد أشهر قليلة من
ولايته يستعد لغزوته الأولى، ووفد إليه الزعماء والمتطوعة من
المغرب وغيرها للاشتراك معه، فرحَّب بهم وبذل لهم الأموال ووزع
عليهم السلاح، وخرج بالجيش من مدينة الزاهرة فى (شعبان ٣٩٣هـ =
يونيو ١٠٠٣م)، وتوجه إلى مدينة «طليطلة»، ومنها إلى مدينة
«سالم»، حيث انضم إليه «الفتى واضح» فى قواته وقوات من
النصارى حسب اتفاقهم مع المنصور، ثم اتجه الجنود نحو الثغر
الأعلى، ثم من سرقسطة إلى «برشلونة»، حيث استولت القوات
الإسلامية على بعض الحصون المنيعة، واستولت على سبى ومغانم،
ثم عاد المسلمون إلى قرطبة عن طريق مدينة «لاردة» فى شهر ذى
стр. 816
القعدة، وقد تلقى عبدالملك رسالة من أمير برشلونة تطلب الصفح
والمهادنة فاستقبل الرسل استقبالا يليق بمقام الخلافة.
ولما اعتدى أمير قشتالة على أراضى المسلمين سنة (٣٩٤هـ =
١٠٠٤م) قصد إليه عبدالملك وأدبه، واضطره إلى التسليم وطلب الصلح
ثانية، وتعهد على التعاون مع عبدالملك فى حملاته ضد مملكة ليون
وضد خصومه جميعًا.
وفى العام التالى خرج «عبدالملك» وسار نحو طليطلة ولحق به
«الفتى واضح» وملك قشتالة، واتجهوا شمالا نحو أراضى ليون
ومدينة سمورة وعاث فى هذه النواحى ووصل إلى جليقية واستولى
على كثير من المغانم والسبى، ولكنه لم يحقق نتائج حربية ذات
قيمة.
خرج عبدالملك فى أواخر سنة (٣٩٦هـ = ١٠٠٦م) إلى «بنبلونة»
عاصمة «نبرة» فقصد «سرقسطة» و «شقة» و «بريشتر» ومنها اخترق
المسلمون أراضى العدو وأخذوا يقتلون وينهبون، ثم تعرض الجيش
لبعض العواصف ورعد وبرق قاسٍ، واضطر إلى العودة إلى العاصمة.
حين وصل إلى مسامع عبدالملك أن أمير قشتالة يفكر فى الاعتداء
على أراضى المسلمين، خرج لغزوته الخامسة المسماة «غزوة
قلونية» فى (صيف ٣٩٧هـ = ١٠٠٧م)، واخترق أراضى قشتالة
ليحارب ملكها الذى تحالف معه ملك ليون وملك نبرة، وعدد من زعماء
النصارى الذين وحدوا صفوفهم، ومع ذلك فقد تمكن عبدالملك من
إلحاق هزيمة بهم جميعًا عند مدينة «قلونية»، وحملهم على طلب
الصلح ثم عاد إلى قرطبة أواخر العام المذكور، فسر الناس بما حقق،
واتخذ هو لقب «المظفر بالله» إشادة بما أحرز من نصر عظيم.
لكن ملك قشتالة جدد عدوانه وغدر بالمسلمين فخرج إليه عبدالملك
فى (صفر سنة ٣٩٨هـ = أكتوبر ١٠٠٧م)، واخترق أراضى قشتالة
الوسطى، وقصد إلى بعض الحصون المنيعة، وجرت معركة، اضطر
النصارى بعدها إلى دخول الحصن، وهجم عليهم المسلمون وضربوا
الحصن بالمجانيق والنيران حتى حملوا العدو على طلب التسليم، وهنا
أمر عبدالملك بقتل المقاتلة وسبى النساء والذرية، ثم رجع إلى
стр. 817
العاصمة فى شهر ربيع الثانى.
وفى شوال من العام نفسه خرج عبدالملك بغزوته السابعة والأخيرة
وتعرف «بغزوة العلة»؛ إذ إنه ما كاد يصل إلى مدينة سالم حتى
اشتد به المرض وتفرق عنه المتطوعة، واضطر إلى الرجوع إلى قرطبة
فى (المحرم ٣٩٩هـ = سبتمبر ١٠٠٨م) لكنه شعر بتحسن فى صحته
فعمل على استئناف الغزو بعد فترة وجيزة لكن حالته ساءت،
وتعرض لنكسة سببها التهاب رئوى، وعاد إلى العاصمة فى محفة
حيث مات فى (١٦ من صفر سنة ٣٩٩هـ = ٢١ من أكتوبر ١٠٠٨م) بعد
حكم دام نحو سبع سنوات.
أسلوب عبدالملك فى الإدارة والحكم:
التزم عبدالملك الأسلوب الذى كان يحكم به والده الأندلس فجعل
الخليفة محجورًا عليه لاحول له ولاقوة.
وجمع السلطات كلها فى يديه، وحدَّ من نفوذ الوزراء والكتاب
وراقبهم وحاسبهم، وجلس للناس وهجر اللهو، وعمل على تنمية
الموارد وترتب على هذا تحسن فى الأحوال المالية التى كانت قد
ساءت بسبب كثرة النفقات.
ولم يكن لعبدالملك نصيب كبير فى مجالات العلم والأدب وكان مجلسه
لايقوم إلا على الأعاجم من البربر وغيرهم، ومع ذلك فقد استمر يجرى
الرواتب التى كان أبوه يجريها على العلماء والأدباء والندماء، كما
استمع إلى الشعر ووصل الشعراء.
عبدالرحمن بن شنجول:
قلد الخليفة هشام الحجابة لعبدالرحمن بن منصور، وأنعم عليه بالخلع
السلطانية، وكانت أمه ابنة لملك «نبرة» تزوجها «المنصور» وأنجب
منها، وقد أسلمت وتسمت باسم «عبدة» ولأنه أشبه جده لأمه
المسمى «شانجة» لقب بشنجول أو شانجة الصغير.
ولم يكن الشعب يميل إلى «عبدالرحمن» لما فيه من دماء نصرانية
ولانحراف سلوكه، ولأنه جرى على منهج أبيه وأخيه فى الحجر على
الخليفة هشام مع الاستبداد بالرأى وإن مال هو إلى التودد إلى
الخليفة ومخالطته، وقد منحه الخليفة لقب المأمون ناصر الدولة بعد
عشرة أيام من ولايته، ليس هذا فحسب، بل إن عبدالرحمن جرؤ على
стр. 818
ما لم يجرؤ عليه أحد لا المنصور ولا عبدالملك، حين نجح بعد محاولات
فى استصدار مرسوم من الخليفة بتعيينه وليا للعهد من بعده، لتنتقل
رسوم الخلافة من أسرة بنى أمية إلى أسرة بنى عامر، وأقر فقهاء
قرطبة وعلماؤها هذا التحول وزكاه الوزراء والقضاة والقادة، وكان
ذلك فى ربيع الأول سنة (٣٩٩هـ= ١٠٠٨م)، ومضى «عبدالرحمن» أبعد
من ذلك حين عين ابنه الطفل فى خطة الحجابة ولقبه سيف الدولة، ثم
اتخذ قرارًا جلب عليه كثيرًا من السخط حين طلب من أكابر الموظفين
ورجال الدولة خلع القلانس الطويلة التى يتميزون بها لأنها لبس
الأندلسيين، وتغطية الرأس بالعمائم التى هى لباس البربر فأذعن
هؤلاء كارهين.
فكر عبدالرحمن أن يشغل الناس بالغزو، فقرر أن يتوجه إلى جليقية
رغم تحذيره من سوء الأحوال الجوية، ومن انقلاب قد يقوم به
المروانية ضده، لكنه صمم وسار بالجيش نحو طليطلة، ومنها إلى
جليقية وسط أمطار وبرد شديدين وكان يمارس هوايته فى اللهو
والشراب، وقد اخترق مملكة ليون قبل أن يصل إلى جليقية، فتحصن
الأعداء برءوس الجبال، ولم يجد عبدالرحمن سبيلا إلى مقاتلتهم بسبب
كثرة الثلوج وفيضان الأنهار، فاضطر إلى أن يعود دون أن يفعل
شيئًا.
وعند وصوله إلى طليطلة جاءته الأنباء تفيد أن انقلابًا قد حدث فى
قرطبة وأن الثوار استولوا على مدينة الزاهرة فاضطربت صفوفهم،
واضطر عبدالرحمن إلى أن يعود عن طريق قلعة رباح، ولم يلتفت إلى
نصح من طلب منه البقاء فى طليطلة، لاعتقاده أن الناس سترحب به
إذا رأوه يقترب من قرطبة.
وكان السبب الرئيسى للثورة هو استبداد بنى عامر وقهرهم للناس
استنادًا إلى قوة قوامها البربر والصقالبة، ثم كانت ولاية عبدالرحمن
للعهد واستئثاره برسوم الخلافة والحكم هى الشرارة التى انتقلت
منها نيران الثورة إلى كل العناصر الناقمة، وعلى رأسهم بنو أمية،
وكان المخطط للثورة والمتابع لمراحل تنفيذها «الزلفاء» والدة
стр. 819
عبدالملك -التى اعتقدت أن «شنجول» سم ابنها - ثم فتى أموى اسمه
«محمد بن هشام بن عبدالجبار بن عبدالرحمن الناصر» كان عبدالملك
قد أعدم أباه.
لم يكن المروانية وحدهم يرغبون فى القضاء على العامريين، وإنما
كان معهم كل العناصر الناقمة من البيوت العربية مضرية أو يمنية،
يؤازرهم كل طبقات الشعب، وأحكم هؤلاء جميعًا خطتهم وانتهزوا
فرصة خروج عبدالرحمن للغزو ومعه معظم الجيش ليقوموا بالتنفيذ،
وفى يوم (١٦ من جمادى الأولى ٢٩٩هـ = ١٥ من يناير ١٠٠٩م) جاءت
الأنباء بأن عبدالرحمن عبر بجيشه إلى أرض النصارى، فقام محمد بن
هشام بإنزال ضربته، وهجم على قصر قرطبة وقتل صاحب المدينة،
والتف حوله الساخطون، ثم اقتحم سجن العامرية وأخرج من فيه،
واجتمع حوله المروانية وانضم إليه الناس من كل حدب وصوب، وبعد
أن سيطر ابن عبدالجبار على القصر واستولى على كل ما فيه من
سلاح وغيره، طلب من الخليفة هشام أن يخلع نفسه فوافق، وانتهت
بذلك خلافته الصورية التى دامت (٣٣) سنة وتولى الأمر «محمد بن
هشام بن عبدالجبار» وتلقب بالمهدى فى (١٧ من جمادى الآخرة
٣٩٩هـ = ١٦ من فبراير ١٠٠٩م) وجاءه الناس مهنئين، وما شعروا أن
تلك هى بداية الفتنة التى ستطيح ليس بالدولة العامرية وحدها بل
وبالخلافة بكل ما تمثله.
وفى اليوم التالى قام الثائرون بهدم مدينة الزاهرة وقصورها،
وأحست الحامية المنوط بها الدفاع عنها أن المقاومة غير مجدية
ففتحوا أبواب المدينة شريطة أن يؤمنهم المهدى، وتم نهب القصور
والاستيلاء على كل ما كان فيها من متاع وجواهر، ولم يكتف
المهدى بذلك وإنما قام بهدم كل مبانى مدينة الزاهرة وأسوارها بعد
أن استولى على كل ما فيها من خزائن وأموال وتحف حرصًا منه
على إزالة كل آثار بنى عامر، وأصبحت المدينة أطلالا، وتحولت إلى
أثر بعد عين.
وقد حاول «عبدالرحمن» وهو فى «طليطلة» بعد أن بلغته أخبار
الثورة أن يتنازل عن ولاية العهد مكتفيًا بالحجابة، فلم يلتفت إليه
стр. 820
أحد ثم سار إلى قرطبة، ولما اقترب منها تركه جند البربر وفروا فى
جنح الظلام، ثم تمكن الخليفة الجديد من مطاردته وإلقاء القبض عليه
وهو مختبئ فى أحد الأديرة، وقتله فى (٣ من رجب ٣٩٩هـ = ٣ من
مارس ١٠٠٩م).
وهكذا انتظر الشعب أول فرصة وأطاح بالطغيان المستبد الذى فرضه
العامريون، ولم يشفع لذلك النظام ما تحقق على يدى المنصور من
أمن واستقرار عم ربوع الأندلس وكانت تلك الثورة بداية مرحلة من
الفتن والفوضى الشاملة التى أنهت وجود الحكومة المركزية، وقضت
على الخلافة الإسلامية، ومزَّقت الأمة وجعلتها أشلاء متناثرة.
ولم يكن محمد بن هشام بن عبدالجبار شخصًا مناسبًا لهذه الفترة، إذ
كان قليل التفكير لا يعرف شيئًا عن الدولة وشئونها أحاط نفسه
بطائفة على شاكلته لا تحسن غير النهب والسرقة ولم يكن يحركهم
إلا شىء واحد هو الانتقام من العامريين، وإهانة البربر، عقابًا لهم
على تأييدهم بنى عامر.
стр. 821
الفصل الخامس
*سقوط الخلافة الأندلسية وقيام دولة بنى حمود
[٣٩٩ - ٤٢٢ هـ = ١٠٠٩ - ١٠٣١ م].
استولى المهدى على الخلافة وقد ترتب على ذلك انطلاق ذوى
الأغراض، كل يحاول نيل نصيبه من البناء المتداعى. فهناك بنو أمية
يرون أنفسهم أصحاب الحق الشرعى، وهناك الفتيان العامريون
والصقالبة والجند المرتزقة وهم قوة لايستهان بها، وهناك البربر
الذين تضاعفت أعدادهم منذ عهد المنصور بعد أن استقدمهم من عدوة
المغرب، فكسبوا المال الكثير، واتخذوا الأندلس وطنًا لهم، وأبلوا بلاء
حسنًا فى الجهاد وحماية هذا الوطن، وهناك أيضًا العامة من الناس
الذين التفوا حول الخليفة الجديد، دون أن تكون لهم أغراض ثابتة،
وإنما نزعاتهم متباينة وأهواؤهم متقلبة.
بدأ المهدى عهده بالشدة فى التعامل مع البربر واحتقارهم ونزع
سلاحهم وسبهم، وانتقلت هذه الروح منه إلى العامة، فهاجموا البربر
ونهبوا دورهم وآذوهم، فشحنت نفوس هؤلاء بالغضب، كما لجأ
المهدى إلى نفى بعض الفتيان الصقالبة، فلجئوا إلى أطراف الأندلس
وعادوه ولم يسالمه منهم إلا «واضح» الذى تولى مدينة سالم والثغر
الأوسط.
أما الخليفة هشام المؤيد، فقد حبسه المهدى فى القصر، ثم أخرجه
وأخفاه فى بعض منازل قرطبة، وزاد فاستغل وفاة رجل ذمى يشبه
هشام المؤيد إلى حد كبير، وأعلن أن الخليفة المؤيد قد مات، وأشهد
على ذلك الوزراء والفقهاء، وسخر الناس من هذه الخطوة لأنهم
يعلمون أن هشام الذى دفنوه لم يمت.
ولما شعر «المهدى» أن الأمور قد استقرت له بالغ فى استهتاره
وارتكابه الموبقات، وبلغ الأمر مداه حين قتل من كان قد اختاره وليًا
للعهد ضمن آخرين، وحين أخرج من الجيش سبعة آلاف جندى وقطع
رواتبهم فأصبحوا من أهم عناصر الشغب، وحين بالغ فى اضطهاده
للبربر حتى أصبح ذلك حديث الناس فى كل مكان، بل وصل به الأمر
إلى أن منع زعيمهم «زاوى بن زيرى الصنهاجى» من دخول القصر
وأذله فخافه البربر وكسب عداوتهم، فى (رجب ٣٩٩هـ = أواخر مارس
стр. 822
١٠٠٩م)، ثم أراد إخراج البربر الذين كانوا فى خدمة المنصور من
قرطبة، فرفضوا، وجرى صراع بين البربر والأندلسيين وضاع جيش
الدولة فى هذا الصراع، وحرمت الدولة من أن تكون لها قوة عسكرية
تخصص للدفاع عنها.
كان هشام بن سليمان بن الناصر على رأس الناقمين على المهدى،
فقد كان يخشى مغبة تهوره على كل بنى أمية وانضم إليه جماعة
يتقدمهم الفتيان العامريون والبربر وحاصروا محمد بن هشام بن
عبدالجبار فى قصره، وجرى قتال بينه وبينهم انتهى بهزيمة البربر،
ودمرت بيوتهم ونهبت واضطروا للانسحاب إلى بعض ضواحى قرطبة،
ثم خشى المهدى سوء العاقبة فعفا عنهم وأمنهم، لكنهم اتجهوا
شمالا نحو قلعة رباح وبدءوا ينظمون صفوفهم والتفوا حول أموى
اسمه «سليمان بن الحكم بن عبدالرحمن الناصر» ورشحوه لتولى
الخلافة بدلا من المهدى، ولقبوه بالمستعين بالله، واستعانوا على
أمرهم بأمير قشتالة النصرانى، وهزموا قوات تابعة للمهدى بالتعاون
مع هذا الأمير، وأصبح هناك خليفتان، واحد فى قرطبة والآخر على
رأس البربر.
عرف المهدى ما تعرض له جنده من هزيمة فأخذ فى تحصين قرطبة
ونظم قواته وانضمت إليه قوات «واضح الفتى» وتوجه إليه سليمان
ابن الحكم على رأس قوات البربر وقوات أمير قشتالة والتقى
الفريقان فى (١١ من ربيع الأول ٤٠٠هـ = ٥ من نوفمبر ١٠٠٩م)، عند
مكان يسمى «قنتيش» إلى الشمال من بلدة القليعة عند ملتقى نهر
أرملاط بالوادى الكبير، وانتهت المعركة بهزيمة المهدى وقتل الآلاف
من أعوانه وفرار نفر من الأندلسيين الصقالبة إلى شرقى الأندلس
واستقرارهم فى «دانية»، وقتل البربر الكثير من أهل قرطبة، ومن
بين هؤلاء العالم الجليل «أبو الوليد الفرضى» وأصبح «زاوى بن
زيرى» سيد الموقف.
أما المهدى فقد حاول من جانبه تدارك الأمر، فلجأ إلى حيلة سخيفة
حين أظهر الخليفة هشام المؤيد الذى كان قد زعم أنه مات وأجرى
مراسم دفنه، ثم بعث إلى البربر يخبرهم أن هشام هو الخليفة
стр. 823
الشرعى وأنه هو - يعنى المهدى - نائبه، لكن البربر رفضوا ذلك
وأعلنوا تمسكهم بسليمان وأدخلوه القصر وبايعوه بالخلافة ولقبوه
بالمستعين بالله.
فر المهدى إلى طليطلة؛ ليدبر للعودة إلى الحكم من جديد وكان معه
«واضح الفتى العامرى» الذى توجه إلى «طرطوشة» من مدن الثغر
الأعلى، وطلب عون أمير برشلونة وغيره من زعماء النصارى، وحصل
على موافقتهم بشروط باهظة منها أن يستولوا على ما يغنمونه من
سلاح وأن تسلم لهم مدينة سالم ..
سار النصارى ومعهم واضح إلى قرطبة وانضم إليهم المهدى والتقوا
بقوات البربر والمستعين بالله، وحدثت موقعة هائلة فى مكان يسمى
«عقبة البقر» على بعد (٢٠كم) شمالى قرطبة فى (شوال ٤٠٠هـ =
مايو ١٠١٠م)، وانتهى الأمر بهزيمة البربر وفرار سليمان المستعين،
وعاد زاوى بن زيرى إلى قرطبة حيث أخذه أهله وانسحب إلى
الجنوب وفعل البربر مثلما فعل.
رجع المهدى إلى قرطبة وبدأ يحصنها ويعدها للدفاع، بينما استعد
سليمان والبربر لاستئناف الصراع على قرطبة، فى هذه الآونة ضاق
الفتيان العامريون - وفيهم واضح- من تصرفات المهدى وسلوكه،
فتآمروا عليه وأخرجوا هشام المؤيد من محبسه وولوه الخلافة للمرة
الثالثة وأتوا بالمهدى وضربوا عنقه بين يدى هشام المؤيد فى (ذى
الحجة سنة ٤٠٠هـ = ٢٣ يوليو ١٠١٠م) وبذلك استرد هشام الخلافة
ليكون ألعوبة فى يد الفتيان العامريين، وتولى واضح حجابته
وأرسل إلى سليمان المستعين وإلى البربر يدعوهم إلى طاعة
الخليفة الجديد، فلم يقبل البربر دعوته وأعلنوا تمسكهم بسليمان.
حاول البربر وسليمان الاستعانة بنصارى قشتالة مرة أخرى وعرضوا
على ملكها تسليمه الحصون الأمامية التى اقتحمها الخليفة الحكم
والمنصور بن أبى عامر، إذا وقف معهم فى خلعهم للخليفة هشام
المؤيد لكن الملك النصرانى رفض ذلك.
زحف البربر إلى قرطبة وأخذوا يقتلون الجند ويعيثون فيها فسادًا
وامتد تخريبهم إلى الجنوب حتى وصلوا إلى ضواحى غرناطة ومالقة،
стр. 824
ولم يبق فى طاعة هشام إلا قرطبة وما حولها وتمسك البربر بعودة
سليمان.
فى هذه الأثناء وصلت إلى العاصمة سفارة من ملك قشتالة تطلب
تسليم الحصون التى فتحها المسلمون أيام الحكم المستنصر والمنصور
بن أبى عامر وغيره، فعقد مجلس من الفقهاء والقضاة، وتمت كتابة
محضر بتسليم ما لا يقل عن مائتى حصن بينها قواعد أمامية إسلامية
وخسر المسلمون بذلك خط الدفاع الأول، وأصبحت حدودهم الشمالية
مفتوحة أمام النصارى، والذى دفع «هشام» وحاجبه «واضح» إلى
اتخاذ هذا الموقف المتخاذل هو الخوف من ملك قشتالة واحتمال أن
يهاجمهم وأن يتحالف مع البربر ضدهم إذا رفض طلبه.
واصل البربر عبثهم بقرطبة وتخريبهم لها، وفى كل يوم يزداد الحال
سوءًا وتتضاعف ضدهم مشاعر الكراهية، وأدرك «واضح» أنه يواجه
أمرًا يستحيل إصلاحه فقرر الهرب، لكن بعض كبار الجند عرفوا نيته،
فعاتبوه على تبديد الأموال وسوء التصرف ثم قتلوه واستولوا على
أموال كان ينوى الهروب بها، وتولى قاتله الحجابة، وهكذا أصبح
القتل وسيلة يلجأ إليها كل من يبغى التخلص من صاحبه.
بعد ذلك جرت محاولات فاشلة للصلح بين الأطراف، ثم حدث أمر جدد
إشعال النار هو قيام أهل قرطبة بقتل بعض زعماء البربر، وترتب
على ذلك قيام معركة هائلة فى (٢٦ من شوال ٤٠٣هـ =مايو ١٠١٣م)
دخل البربر على إثرها قرطبة وقتلوا الكثيرين ولم يرحموا حتى
النساء والأطفال، بل ارتكبوا أشنع ضروب الإثم حين اغتصبوا النساء
والبنات وأحرقوا الدور، وتعرضت قرطبة لمحنة لاتعادلها محنة، وفى
اليوم التالى دخل سليمان المستعين قصر قرطبة، واستدعى «هشام
المؤيد» وعنفه على موقفه، ثم أمر بحبسه.
استقر الأمر لسليمان، فأضاف إلى ألقابه «الظافر بالله» بعد
«المستعين»، وأنزل كلا من «على» و «القاسم» ابنى حمود بشقندة
من ضواحى قرطبة وهما قائدا الجماعة العلوية وينتميان إلى
الأدارسة وهما عربيان من حيث النسب، بربريان من حيث النشأة
стр. 825
والعصبية واللغة، وأخذ ينظم شئون الدولة واحتل البربر المناصب
الرئيسية، ثم أراد سليمان إرضاءهم من ناحية وإبعادهم عن قرطبة
من ناحية أخرى، فأقطعهم كور الأندلس -وكانت ست قبائل رئيسية-
كما ولى «على ابن حمود» ثغر سبتة، وأخاه القاسم على ثغور
الجزيرة الخضراء وطنجة وأصيلا، ومعنى ذلك أن البربر أصبحت لهم
السيطرة على ولايات الأندلس الجنوبية والوسطى.
من ناحية أخرى رأى الفتيان العامريون سيطرة البربر ففر معظمهم
إلى شرق الأندلس وأنشئوا هناك حكومات محلية، حيث حاول بعضهم
بزعامة الفتى «خيران» الاستقرار فى ألمرية ومرسية، وحاول بعضهم
الآخر الاستقرار فى دانية والجزائر الشرقية خاصة بنى برزال وبنى
يغرن، أما «زاوى بن زيرى» و «حبوس بن ماكس» الصنهاجيان فقد
استقرا فى غرناطة، وهكذا تمزقت البلاد وانتشرت الفوضى، وعمت
الفتن طوال فترة سليمان الأخيرة التى لم تزد على ثلاث سنوات.
دولة بنى حمود:
كان تمزق الأندلس بهذه الصورة فرصة يقتنصها من يريد، ولهذا كتب
«على بن حمود» صاحب سبتة إلى «خيران» يزعم أنه تلقى رسالة من
«هشام المؤيد» يوليه فيها عهده، ويطلب منه إنقاذه من البربر ومن
سليمان المستعين والتف حول «ابن حمود» بعض الأعوان، وعبر بهم
إلى الجزيرة الخضراء بناء على طلب خيران، واستوليا معًا على بعض
البلاد، وقرَّرا الزحف على قرطبة يعاونهما بربر غرناطة، واستعد
سليمان لقتالهم، ونشبت بينهما معركة فى مكان قريب من قرطبة
وانتهى الأمر بهزيمة سليمان ووقوعه فى الأسر.
بعد ذلك دخل على بن حمود قرطبة وبويع بالخلافة فى (محرم ٤٠٧هـ=
أول يوليو ١٠١٦م)، وأعلن وفاة هشام المؤيد، وقتل سليمان وأباه
وأخاه، وتلقب بالناصر لدين الله، وبموت سليمان انتهت الخلافة
الأموية بالأندلس بعد حكم دام (٢٦٨) سنة منذ وصل إليها عبدالرحمن
الداخل، وبدأت خلافة الحموديين الأدارسة.
قبض على بن حمود على الحكم واشتد فى معاملة البربر وواجه أية
стр. 826
محاولة للثورة بمنتهى الشدة سواء قام بها العرب أو البربر، وفى
الوقت نفسه أحسن معاملة القرطبيين، يعاونه فى ذلك مجموعة من
أعوان الخلافة السابقة من أمثال أبى الحزم بن جهور وابن برد.
لكن الأمور ما لبثت أن اتخذت خطا جديدًا، ذلك أن خيران العامرى
دخل قرطبة فلم يجد هشام المؤيد حيا، وخشى سطوة على بن حمود
فغادر قرطبة، وأعلن العصيان واتجه ناحية شرق الأندلس، حيث
يجتمع الزعماء العامريون، وأعاد دعوة بنى أمية فى شخص رجل
منهم اسمه عبدالرحمن بن محمد بن عبدالله من أحفاد عبدالرحمن
الناصر، وبايعه خيران بالخلافة ولقب بالمرتضى، وانضمت إليه ولايات
سرقسطة والثغر الأعلى وشاطبة وبلنسية وطرطوشة وغيرها،
وسارت قوات هؤلاء نحو غرناطة لمواجهة قوات صنهاجة، وجرت
معركة انتهت بهزيمة الأندلسيين ومقتل المرتضى، وكان «على بن
حمود» قد غيَّر سلوكه، مع أهل قرطبة بسبب علمه بميلهم إلى
المرتضى فنزع سلاحهم وصادر أموالهم واعتقل زعماءهم وعلى
رأسهم «أبو الحزم بن جهور»، ثم تربص جماعة من الصقالبة بعلى
هذا، وقتلوه فى الحمام فى (الثانى من ذى القعدة سنة ٤٠٨هـ =
٢٣من مارس ١٠١٨م) بعد خلافة دامت عامًا وتسعة أشهر.
بعث زعماء زناتة بخبر مقتل «على» لأخيه القاسم الذى كان واليًا
على إشبيلية، فخف مسرعًا، وبويع بالخلافة فى الثامن من الشهر
نفسه وتلقب بالمأمون، وقد مال فى سياسته إلى اللين والإحسان
إلى الناس وحاول التقرب إلى الفتيان العامريين، فولَّى زهير
العامرى على جيان وقلعة رباح لكنه لم يستطع التخلص من سيطرة
البربر عليه، فتآمر عليه أبناء أخيه، وزحف يحيى بن على بن حمود
على قرطبة، وبويع بالخلافة فى جمادى الأولى سنة (٤١٢هـ =
١٠٢١م) وتلقب بالمعتلى بالله، أما القاسم فقد استقر به المقام فى
إشبيلية وتلقب بالخلافة أيضًا.
والعجيب أن كلا الرجلين اعترف لصاحبه بالخلافة، ولم يسمع قبل ذلك
بخليفتين تصالحا واعترف كل منهما بصاحبه من قبل.
стр. 827
ثم لم يلبث أن دعا البربر القاسم إلى قرطبة، وولوه الخلافة فى (١٨
من ذى القعدة من العام نفسهـ)، ولقب بأمير المؤمنين، ولكن الرجل لم
يكن موفقًا فى سياسته، فقد أعان البربر على أهل قرطبة
فعاملوهم معاملة قاسية وطاردوهم وأهانوهم، وجرت معارك متفرقة
بين الطائفتين، ثم جرت موقعة كبيرة فاصلة انتهت بانتصار القرطبيين
وتمزيق البرابرة، واضطر القاسم إلى الرجوع إلى إشبيلية، وجرت
تطورات عاد البربر بعدها وبايعوا يحيى بن على بن حمود ولقبوه
بالمعتلى بالله، أما القاسم فقد سجن وبقى فى محبسه حتى قتل
خنقًا بعد ذلك بفترة سنة (٤٣١هـ = ١٠٤٠م).
كان أهل قرطبة قد سئموا سلوك البربر وقتالهم، وقرروا رد الأمر
لبنى أمية، وعقدت جلسة لهذا الغرض فى المسجد الجامع تمت فيها
مبايعة عبدالرحمن بن هشام فى (١٦ من رمضان سنة ٤١٤هـ= ديسمبر
سنة ١٠٢٣م)، ولقب بالمستظهر بالله، وتولى وزارته بعض القدامى من
وزراء بنى أمية، بيد أن الخليفة الجديد استفتح عهده بإلقاء القبض
على عدد من الزعماء والأكابر، واستقبل فرسان البربر وأحسن
وفادتهم، فهاجت العامة وامتلئوا غيظًا، وهجموا على القصر وقتلوا
كل من صادفهم، أما عبدالرحمن فقد اختفى وظهر ابن عمه «محمد بن
عبدالرحمن بن عبيدالله بن الناصر» وبويع بالخلافة وتلقب
بالمستكفى بالله، وأتى بعبدالرحمن المستظهر وقتله فى (٣من ذى
القعدة سنة ٤١٤هـ = ١٧ من يناير سنة ١٠٢٤م).
كان المستكفى سيئ التدبير ميالا إلى البطالة والمجون، وفى عهده
تهدمت القصور الناصرية، وأتى على مدينة الزاهرة من أساسها،
واضطهد معظم البارزين من الساسة والمفكرين، فنادى جميعهم
بخلعه واضطر إلى مغادرة قرطبة فى زى امرأة، وتمكن بعض
مرافقيه من قتله فى ضاحية قرطبية.
وجدير بالذكر أن محمد المستكفى هذا هو والد «ولادة» الشاعرة
المعروفة.
رجعت الفوضى التى لا ضابط لها إلى قرطبة وجاء إليها «يحيى ابن
على ابن حمود»، و «خيران» و «زهير» العامريان، وتم الاتفاق بين
стр. 828
الجميع يقودهم أبو الحزم بن جهور على تولية أموى، ووقع
اختيارهم على «هشام بن محمد» الذى بويع ولقب بالمعتد بالله، بيد
أنه ألقى بمقاليد الأمور كلها إلى رجل من المستبدين تولى وزارته
اسمه «سعيد القزاز» بالغ فى اضطهاد زعماء البيوت وإهانتهم
وشغل الخليفة نفسه عن أمور الحكم بشرابه ومجونه، وضاعت هيبة
الخلافة تمامًا.
ثم اضطر القرطبيون الناقمون إلى الفتك بالوزير «سعيد» فى (ذى
القعدة ٤٢٢هـ = نوفمبر ١٠٣١م)، ثم ساروا إلى القصر يتزعمهم «أمية
بن عبدالرحمن العراقى» من أحفاد «الناصر» ونهبوا أجنحة القصر.
وانتهى الأمر باتفاق رأى الناس جميعًا بزعامة أبى الحزم بن جهور
على التخلص من بنى أمية، وإبطال رسوم الخلافة كلها، وإجلاء كل
الأمويين عن مدينة قرطبة، فليس هناك من يستحق الخلافة، وينبغى
أن يتحول الحكم إلى شورى بأيدى الوزراء وصفوة الزعماء أو من
اسماهم «ابن حزم» «الجماعة».
تولى ابن جهور تنفيذ الأمر بمنتهى الحزم حتى أجلى الأمويين عن
المدينة ومحا رسومهم تمامًا، وبهذا انتهت معالم الخلافة الأموية،
وانقطع ذكرها فى كل من الأندلس والمغرب.
عناصر المجتمع الأندلسى:
تكون المجتمع الأندلسى من مجموعة من العناصر المتباينة انصهرت
جميعها فى بوتقة واحدة وكونت المجتمع الأندلسى وهذه العناصر
هى:
(١) العرب، وهم مجموعتان:
المضرية، واليمنية، وقد استمر الصراع بينهما فى الأندلس مثلما كان
فى المشرق، وتتفرع المجموعة المضرية إلى أربعة وعشرين فرعًا
انتشرت فى بلاد الأندلس المختلفة.
أما المجموعة اليمنية فقد وصل فروعها إلى واحد وعشرين فرعًا
تركز وجودها فى الجنوب الشرقى من الأندلس، وكان هؤلاء العرب
أقلية بين عناصر السكان الأخرى لأسباب عديدة، ويرى بعض
الباحثين أن عدد العرب الذين أتوا إلى الأندلس من شمال إفريقية
والشام وصل إلى ما يقرب من (٣٠) ألفًا ارتفع هذا الرقم ليصبح نحو
(٣٠٠) ألف بعد سنوات.
стр. 829
(٢) البربر: وهؤلاء كونوا السواد الأعظم من الجيش الفاتح وفاقت
أعدادهم أعداد العرب، وينتمى هؤلاء إلى زناتة ومكناسة وصنهاجة
ومصمودة وهوازة ومديونة وكتابة وسفيلة ونقرة وهؤلاء تركز
وجودهم فى المناطق الجبلية خاصة فى الشمال الغربى ووسط
الأندلس وأراضى السهلة ووادى الحجارة وإشبيلية وما حولها لتشابه
ظروفها مع ظروف الحياة والبيئة فى مواطنهم الأصلية، واشتغلوا
بالزراعة وتربية الماشية ويسَّرت لهم مواطنهم فى مناطق الحدود
وغيرها من المناطق الجبلية القيام بالثورات بعد ذلك.
(٣) المسالمة والمولدون: أما المسالمة أو الأسالمة أو أسالمة أهل
الذمة فهم الذين دخلوا فى عقيدة الإسلام من النصارى، أما المولدون
فهم فى أرجح الأقوال أبناء المسالمة أو هم نتاج الزواج المشترك
بين العرب والبربر من ناحية وبين الإسبان من ناحية أخرى، ومن
الطبيعى أن يكون عدد هؤلاء قليلا فى أول الأمر، ثم يتنامى نتيجة
كثرة اعتناق أهل البلاد للإسلام وانتشار ظاهرة الزواج المشترك بين
العرب أو البربر وبين من أسلموا حديثًا، وقد تركز وجود هذا العنصر
فى الحواضر والمدن الكبرى من شبه الجزيرة.
وكانوا مع العرب هم العنصر الغالب فيها، وكان هذا سببًا فى حدوث
نزاع بين هاتين الطائفتين فى المستقبل.
(٤) الموالى: مجموعة من عناصر مختلفة تجمع بينها رابطة الولاء بين
المولى وسيده أو التابع ومتبوعه، ويرجع هؤلاء إلى أصول مختلفة
بعضهم رافق الشاميين الذين دخلوا الأندلس وعرفوا لذلك باسم موالى
الشاميين، وبعضهم كان من البربر الذى أسلموا ووافقوا سادتهم فى
دخول الأندلس فسموا باسم الموالى البلدانيين، وبعضهم يرجع لأصول
محلية إسبانية، وموالى الاصطناع أو النعمة الذين أنعم عليهم
الأمويون بالولاء اعتزازًا وتقديرًا، بالإضافة إلى الرقيق المشترى ممن
أنعم عليه أسياده بالعتق، وتركز وجود هؤلاء فى قرطبة خاصة
وفى كورة البيرة (غرناطة) وفى جهات متفرقة من أنحاء الأندلس،
стр. 830
وقد شدوا من أزر العرب أولا ثم انقلبوا عليهم وظهر من بينهم قادة
من أمثال بنى عبدة وبنى شهيد وبنى مغيث وبنى جهور.
(٥) الصقالبة: كان يقصد بهذه الكلمة أولا الشعوب السلافية، ثم أصبح
العرب يطلقونها على الأرقاء الذين يجلبون من الأمم المسيحية
ويستخدمون فى القصر أو الجيش، عن طريق الشراء بواسطة تجار
اليهود أو عن طريق الحملات العسكرية، وأول من استجلب الصقالبة
«عبدالرحمن بن معاوية» ثم استكثر الأمراء منهم بعد ذلك حتى كونوا
جماعة كان لها دور عظيم فى أحداث الأندلس، ووصلت أعدادهم إلى
ثمانية عشر ألفًا فى قرطبة وحدها، وبلغوا أقصى نفوذ لهم فى
عهد «عبدالرحمن الناصر».
هذه هى العناصر الإسلامية، وإلى جانبها وجد فى المجتمع
الأندلسى عنصران من غير المسلمين أو من أهل الذمة هما:
(١) النصارى: وشكل هؤلاء عددًا كبيرًا، استوطن أعداد كبيرة منهم
مدنًا وقرى كثيرة فى الأندلس واستقر فى «طليطلة» و «برشلونة»
و «غرناطة» و «ماردة» وتمتعوا جميعًا بالرعاية ومنحتهم الدولة الحرية
الكاملة دينية واجتماعية حتى أنشئ لهم منصب لإدارة شئونهم عرف
صاحبه بالقومس.
ووصل بعضهم إلى المناصب العليا فى الدولة، وتأثر هؤلاء بدورهم
بثقافة العرب ولغتهم وأسلوب حياتهم وأصبحوا لهذا يسمون
بالمستعربين.
(٢) اليهود: وقد استوطن عدد كبير منهم فى قرطبة ولهم فيها باب
يعرف باسمهم، وسكن عدد كبير آخر فى «إشبيلية» ولهم مشاركة
ملحوظة فى فتح الأندلس وفى أحداثها السياسية وفى إدارة المدن
المفتوحة، كما استوطنت جماعة كبيرة منهم فى «طليطلة» وفى
«برشلونة» وفى «طركونة»، وقد مارس جميعهم شعائرهم الدينية
فى بيعهم بكل حرية، وكانت علاقاتهم بالمسلمين طيبة فاندمجوا
فى المجتمع الإسلامى وتعلموا العربية وتبنوا تقاليد المسلمين، وعمل
بعضهم فى بلاط الأمويين وتولوا مناصب مهمة فى الدولة الإسلامية،
واحتل بعضهم الطبقات العليا فى المجتمع الأندلسى.
المظاهر الحضارية:
стр. 831
نظم الحكم خلال عصرى الإمارة والخلافة:
- رئاسة الإقليم:
كانت الأندلس تتبع إفريقية عقب الفتح مباشرة، وكان والى إفريقية
يقوم باختيار حاكم الأندلس، ثم رأى الخليفة «عمر بن عبدالعزيز» أن
تكون الأندلس ولاية مستقلة تتبع الخلافة مباشرة إدراكًا منه لأهمية
الأندلس، وللدور الذى تقوم به فى الفتوحات ولصراعها مع ملوك
الفرنجة. ولما توفى «عمر بن عبدالعزيز» عاد تعيين والى «الأندلس»
إلى والى إفريقية لكن بمصادقة الخليفة، وبعد وقعة بلاط الشهداء
عادت الخلافة إلى تعيين والى «الأندلس» من جديد، ولما اضطربت
الأمور أصبح والى إفريقية هو الذى يعينه حينًا وأحيانًا جماعة
الزعماء والقادة فى شبه الجزيرة، فقد استقر رأيهم مثلا على تعيين
يوسف بن عبدالرحمن الفهرى سنة (١٢٩هـ= ٧٤٧م) خشية تفاقم الفتن
دون مصادقة لا من والى إفريقية ولا من الخلافة.
ثم جاء بنو أمية لحكم الأندلس واكتفوا بلقب الإمارة، برغم أن بلاطهم
كان ينافس بلاط العباسيين فى قوته وبهائه إلى أن جاء عهد
«عبدالرحمن الناصر» ورأى أن الأوضاع قد تغيرت وأن الفاطميين قد
أقاموا لهم خلافة فى المغرب فأصدر مرسومًا بتحويل الإمارة الأموية
إلى خلافة، وتلقب هو نفسه بلقب أميرالمؤمنين، وبلغت الخلافة
الأندلسية أوج نفوذها السياسى والأدبى فى عهد الناصر وابنه
الحكم المستنصر، ثم جاء «محمد بن أبى عامر» فجعل نفسه حاكمًا
مطلقًا على الأندلس واتخذ سمات الملك وتلقب بالحاجب المنصور،
وأضحت الخلافة فى زمنه وزمن أبنائه اسمًا بلا مسمى.
ثم تبوأ «محمد بن هشام» الملقب بالمهدى الخلافة لتنتهى ثنائية
السلطة بين الأمويين والعامريين، لكن ذلك كان بداية فترة مشحونة
بالفتن والفوضى، وقامت خلافة فى أكثر من مدينة فى مالقة
وقرطبة وإشبيلية وغيرها، وانتهى الأمر بتمزق الأندلس إلى ولايات
ومدن مستقلة وظهور ما يعرف بدول الطوائف.
الوزارة فى الأندلس:
стр. 832
لم يلجأ الأمويون فى الأندلس إلى نظام الوزارة باختصاصاته التى
يعرفها المشارقة، واعتمدوا فى تسيير أمور دولتهم على رجال من
البيوت الشهيرة دون أن يمنحوهم ألقابًا بعينها، حتى قادة الجيوش
حملوا لقب القائد فى زمن الحملة العسكرية فقط، ولكن ظهور
شخصيات بارزة جعل من الضرورى أن تختص تلك الشخصيات بمهام
وألقاب محددة، لهذا أصبح «عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث» قائد
الجيوش، وحمل مع ذلك لقب الحاجب، وتولى كل اختصاصات رئيس
الوزراء فى المشرق، وأضحت الحجابة هناك مثل رئاسة الوزارة
وأصبح الحاجب الشخصية الثانية بعد الأمير، كذلك تم توزيع المهام
الإدارية بين رجال البيوتات المشهورة، فهذا خازن (وزير المالية) وهذا
للأمن (الشرطة الداخلية) وهذا للمنشآت (الأشغال العامة).
وحمل هؤلاء لقب الوزير على أنه تشريف، ومنذ أيام «عبد الرحمن
الأوسط» أصبح وزير الأندلس له نفس مهام واختصاصات الوزير فى
المشرق، كما كان هناك وزراء دولة يكلفهم الأمير بما يشاء فى أى
وقت.
أما أهل البيوتات الذين شغلوا هذه المناصب فهم موالى بنى أمية
وفروعهم، ثم انضمت إلى هؤلاء أسر قربها الأمراء، بعضها عربى
وبعضها مولد أو مستعرب وكثير من هؤلاء من أصول بربرية من ذوى
الكفاءات.
وللأمويين أسلوبهم فى إقالة الوزراء، ذلك أن من ترفع وسادته من
بيت الوزارة يعتبر مقالا، وأحيانًا كان يمنح بعض الموظفين الكبار
مثل حاجب المدينة أى المحافظ لقب الوزير، وعندئذٍ كان يدعى الوزير
صاحب المدينة.
وكانت الوظيفة الكبيرة فى الأندلس يطلق عليها لقب «خطة» فيقال
«خطة الوزير» أو «خطة الكتابة» (الإنشاء) أو خطة المظالم
(الشكاوى) أو «خطة القيادة»، وكانت خطة القيادة من الخطط
الكبرى، ويقصد بها قضاء قرطبة أو الجماعة، ولايتولى صاحبها
قضاء قرطبة وحدها بل له حق تعيين القضاة أو عزلهم فى المدن
والأقاليم الأخرى، وهؤلاء يعتبرون نوابًا عنه ويعتبر هو مرجعهم،
стр. 833
وقاضى الجماعة هو الشخصية الثالثة بعد الأمير والحاجب، ولذا تطلب
الأمر التدقيق عند اختياره، ورغم مكانة القاضى، فإن الكثيرين لم
يرغبوا فى شغل هذا المنصب؛ لأنهم قد يجدون حرجًا فى أداء مهام
وظيفتهم ضد كبار الموظفين أو مع أمير لا ترضيه أعمالهم الحريصة
على العدالة وحدها.
وفى أواخر عهد الدولة العامرية تولى الصقالبة الخطط الكبرى، ثم
تولى الفتيان العامريون الحجابة لآخر الخلفاء الأمويين، واستبدوا بعد
ذلك برئاسة المدن والولايات، وظهر فى عهد الدولة العامرية بدعة
جديدة هى إسناد الحجابة إلى الأطفال، فقد استصدر عبدالملك - مثلا
- أمرًا من الخليفة «هشام» المغلوب على أمره بتعيين ولده الطفل
«محمد» فى منصب الحجابة ولقبه بذى الوزارتين، كذلك استحدث
بالوزارة عدة خطط جديدة مثل خطة خدمة الأسلحة وخدمة الوثائق
وخطة خزانة الطب والحكمة .. الخ.
الجيش والأسطول:
عبر إلى شبه الجزيرة جيش الفتح مكونًا من العرب والبربر، وقام
البربر بدور مهم فى تكوين قوى الأندلس دفاعًا وهجومًا، ولما كون
عبدالرحمن الغافقى جيشه بهدف غزو بلاد الفرنج، كان البربر من
عناصره المهمة، وبقيت القيادة بيد الضباط العرب، ثم ظهر خلاف بين
العرب والبربر، بسبب إحساس البربر باستيلاء العرب على القيادة
لأنفسهم فقط، ثم كانت ثورة البربر فى المغرب وانتقال بلج بن بشر
القشيرى إلى الأندلس الشىء الذى رجح كفة العرب، غيرأن الجيش
الأندلسى ما لبث أن انقسم إلى العرب الشاميين وأنصار «بلج»
والعرب والبربر المحليين، وقامت الحرب الأهلية، إلى أن جاء يوسف
بن عبدالرحمن الفهرى فأعاد تنظيم الجيش وأصلحه، وجعله جيشًا
أندلسيا، يغزو ويرد هجمات نصارى الشمال.
ثم جاء «عبدالرحمن الداخل» فاهتم بالجيش غاية الاهتمام، وبلغت
جنوده المتطوعة والمرتزقة (١٠٠) ألف مقاتل، بخلاف الحرس الخاص
الذى تكون من (٤٠) ألفًا من الموالى والرقيق والبربر.
стр. 834
وكذلك وضع «عبدالرحمن الداخل» نواة الأسطول الأندلسى؛ لأنه أقام
قواعد لبناء السفن فى بعض الثغور النهرية والبحرية، أما قيام
الأسطول الأندلسى فيعود إلى ما بعد ذلك عندما قام النورمانيون
بغزو ثغور الأندلس فعنيت الحكومة بأمر الأسطول وإنشاء السفن
وبالتحصينات البحرية، كما أقامت أكبر دار لصناعة السفن فى مياه
الوادى الكبير تجاه إشبيلية.
وقد اكتسب الجيش كثيرًا من الدربة والمران فى تعامله المستمر مع
الثورات والغزوات، وقد بذل الناصر جهدًا كبيرًا لتقويته، ومنحه غاية
الاهتمام، ووفر له الأسلحة والعتاد، وفى الوقت نفسه اهتم بالأسطول
وأنشأ له وحدات جديدة، وجعل مدينة ألمرية مركزه الرئيسى، وبنى
بها أكبر دار صناعة، ووصل عدد الوحدات فى زمنه إلى (٢٠٠) سفينة
مختلفة الأحجام والأنواع، بخلاف أسطول آخر خصص لشئون المغرب
البحرية، وكان أسطول الناصر من أقوى الأساطيل، سيطر به على
مياه إسبانيا الشرقية والجنوبية.
وفى عهد المنصور بن أبى عامر وصل الجيش الأندلسى إلى أقصى
قوته وضخامته، وقد اعتمد على البربر الذين استقدمهم من بلاد
المغرب وغمرهم بعطاياه، وكان فى جيشه كثير من المرتزقة
والنصارى من المستعربين، وقد بنى المنصور للأندلس قوة لم تعرفها
لا من قبل ولا من بعد، وبلغ عدد الفرسان فى زمنه (١٢١٠٠)، وعدد
الرجالة (٢٦٠٠٠) وهذا هو الجيش المرابط الذى كان يتضاعف وقت
الصوائف، وقد وصل فى إحداها إلى (٤٦٠٠٠)، وزاد عدد المشاة
حتى تجاوز المائة ألف.
وقد نجحت القوات الإسلامية فى السيطرة على مناطق الحدود؛ بفضل
ما تمتعت به من قوة واستعداد، وكانت الخلافة حريصة على أن توفر
لها الأسلحة والمؤن وكل ما تحتاج إليه، وكان بعض الحصون فى
هذه الأماكن أشبه ما يكون بمدينة كاملة.
وإلى جانب جيش الحدود كان هناك جيش آخر يقيم فى الزهراء يسمى
جيش الحضرة يقوده الخليفة بنفسه أو من ينيبه، وإذا خرج الخليفة
بنفسه جمع بين قيادة الجيشين.
стр. 835
وإذا جاء وقت النفير يأمر الخليفة بالاستعداد، فتبدأ عملية واسعة
النطاق تسمى «البروز»، وتتوافد الجنود من كل ناحية وتنزل فى
سهل فسيح يسمى «فحص السرادق» إلى الشمال من قرطبة، ثم
يؤتى بسرادق الخليفة ويوضع وسط الفحص، وتنصب فرق الجنود
خيامها ثم تقبل قوات المتطوعين حسبة لوجه الله تعالى، ويستمر
البروز شهرًا، ثم يخرج الخليفة بجيشه، وينتقل من حصن إلى حصن
حتى يصل إلى الحدود فينضم إليه جيش الثغور، وهنا تبدأ الصائفة-
أى العملية العسكرية الصيفية التى تستمر شهرين أو نحوها- فى
غزوها لأراضى العدو.
الموارد الاقتصادية:
لما فتح المسلمون شبه الجزيرة، فرضت الضرائب على أساس
المساواة بين الناس دون تمييز بين طبقة وأخرى، وكان خراج
الأراضى الزراعية والجزية على أهل الذمة وأخماس الغنائم هى
الموارد الرئيسية للدخل، وقد قام «يوسف الفهرى» بتقسيم الأندلس
إلى خمس ولايات وفرض على كل ولاية أن تقدم ثلث دخلها ورفع
الجزية عمن توفوا من النصارى، ومنحت الحكومة اهتمامًا كبيراً
للزراعة، وقد نجحت زراعة المسلمين بفضل التغيرات التى أدخلوها
على نظام ملكية الأراضى، وتنظيم عملية الرى فى الأندلس، والعناية
بالحدائق والمتنزهات وجلب المياه لها من الجبال.
وقد تنوعت الأراضى فى الأندلس بين أراضى خراجية للدولة،
وأراضى أحباس تتبع ولاية الأحباس (الأوقاف) ويشرف عليها قاضٍ،
وأراضى إقطاع بمعنى أن جيوش الأندلس كانت تتكون من قبائل
العرب والبربر التى كانت تقيم فى المدن والقرى على أساس
إقطاعها أراضيها، واستمر هذا النظام معمولا به حتى آخرعهد
«المنصور بن أبى عامر» وإن ظل الإقطاع سائدًا فى مناطق الثغر
الأعلى خاصة. بالإضافة إلى هذا وجدت الملكيات الخاصة التى كانت
تأتى عن طريق الوراثة أو الهبة أو الشراء.
أما المحاصيل الزراعية فأبرزها: التمور والحبوب بأنواعها والفواكه
والزيتون وقصب السكر والموز والعنب والتفاح والرمان والبرتقال،
стр. 836
ومحاصيل أخرى مثل: القطن والكتان والتوت ونبات الحلفاء، وقد
جلبت بعض هذه المحاصيل من المشرق وأدخلت تحسينات على ما كان
قائمًا منها زمن الرومان.
كذلك اهتمت الإدارة الأندلسية بالرعى وتربية الماشية، وعنيت بتربية
البغال باعتبارها الوسيلة المثلى للنقل، والخيول والإبل والغنم
والثيران والأبقار، ومما يعكس الاهتمام بالخيل وتربيتها أنه كانت
هناك خطة تسمى خطة الخيل يشرف عليها صاحب الخيل، وعرفت
الأندلس أيضًا مهنة صيد السمك فى السواحل الغربية والشرقية
والجنوبية وفى الأنهار الداخلية، ولهذا ازدهرت تجارة السمك فى
الأندلس.
وعرف المجتمع الأندلسى الصناعة، وراجت فيه صناعة الحدادة
والصياغة وحياكة المنسوجات والصباغة، والصناعات الجلدية
والخشبية، وصناعة الورق والسفن والأسلحة والسكة والأثاث والفخار
والآلات الموسيقية وصناعة ألوان معينة من الطعام كالجبن واستخراج
الزيت من الزيتون، وصناعة السلال والشمع والزجاج، كما وجد
أصحاب الحرف مثل: الفرانين والخياطين والنجارين والبنائين
والعطارين والجزارين والحبالين .. الخ، وكان على رأس كل فرقة
زعيم يسمى العريف أو الأمين يرتب أمورها وينظم العاملين فيها
درجات حسب مستوى إجادتهم.
ومن الطبيعى أن يكون فى الأندلس نشاط تجارى، وعناية بالأسواق
التجارية، فقد كان فى كل مدينة سوق رئيسى يتألف من عدد من
الأسواق، وكل طائفة من التجار تتخذ لها مكانًا يجلسون فيه
متجاورين، وكانت هناك أسواق للحيوانات وأخرى للنخاسة .. الخ،
وقد اهتمت الدولة بإقامة شبكة من الطرق البرية والنهرية الداخلية
تربط المدن بعضها ببعض لخدمة التجارة.
وتعامل التجار مع بعضهم عن طريق تبادل السلع، وأحيانًا عن طريق
استخدام العملة، كما كانت الصكوك والسفاتج أو الحوالات من
الوسائل الشائعة الاستخدام فى الأندلس، وكانت السمسرة من
أساليب التعامل الرائجة فى الأسواق، وقام بها اليهود فى الغالب،
стр. 837
كما كانت وحدات الكيل والميزان من أهم وسائل التعامل التجارى،
وكان يشرف عليها صاحب السوق، يتفقد العمل فى الأسواق يعاونه
مجموعة من الموظفين يمتحنون الباعة بأساليب مختلفة لمعرفة مدى
التزامهم بالطرق المشروعة بيعًا وشراءً.
وعرفت الأندلس التجارة الخارجية التى تقوم على الصادرات
والواردات، فقامت بتصدير التين إلى بعض بلاد المشرق وإلى الهند
والصين، والقطن إلى بلاد الشمال الإفريقى، وصدَّرت الزيت إليها
وإلى الدويلات النصرانية فى الشمال ومن الصادرات الأندلسية: الحرير
ومواد الصباغة وأنواع معينة من المنسوجات والعنبر والطيب وبعض
المعادن وبعض الحيوانات.
أما واردات الأندلس فقد تركزت على الأشياء الثمينة والتحف النادرة
وبعض المنسوجات الشرقية والصمغ والمواد الغذائية وأهمها القمح.
كما استوردت التمور والفستق والذهب، وكان التعامل مع المغرب
خاصة يتم بحرية تامة بصرف النظر عن الاختلافات المذهبية أو
السياسية أحيانًا، كما كانت العلاقات وثيقة بين الأندلس وبين بلاد
المشرق الإسلامى، وتمت إقامة طرق برية وأخرى بحرية لربط الأندلس
بالعالم الخارجى والاتصال به اقتصاديًا وفكريًا، وكانت الضرائب
تجبى من التجارة الداخلية والخارجية.
الحركة الفكرية:
لا يوجد فى عصر الولاة إلا بعض الآثار الشعرية القليلة التى وردت
على ألسنة الزعماء أو الولاة.
وجاء «عبدالرحمن الداخل» وخلف آثارًا من النثر والنظم تعكس تفوقه
فى هذا الميدان، وكان الداخل فوق براعته الأدبية عالمًا بالشريعة،
وجاء بعده ابنه «هشام» فكان مبرزًا فى الحديث والفقه، وغلب
الطابع الدينى على النهضة العلمية فى هذه المرحلة، ثم رحل تلاميذ
الأندلس إلى المشرق وتتلمذوا على الإمام مالك ونقلوا عنه كتابه
«الموطأ»، وعادوا إلى الأندلس فنشروا مذهب إمامهم بتلك البلاد،
وكان الأمير هشام يجل الإمام مالك فساعد ذلك على التمكين لمذهبه
فى الأندلس.
стр. 838
وفى عهد الحكم بدأت تظهر بوادر النزعة الأدبية إلى جانب العلوم
الدينية، وظهر الأدباء والشعراء إلى جانب المحدثين والفقهاء، كما
وجد من نبغ فى النحو والعروض والأخبار والأنساب وغيرها. وكان
الأمير الحكم نفسه أديبًا شاعرًا، وعرف الأندلس فى زمنه شعراء
مبرزين من أمثال العالم عباس بن فرناس ويحيى الغزال الجيانى.
أما فى عهد «عبدالرحمن بن الحكم» فقد بلغت هذه الحركة الفكرية
الأولى ذروتها وظهر كتاب مُبرزون ومفسرون ومحدثون وفقهاء
وشعراء، وكان الأمير نفسه يتمتع بمواهب أدبية وشعرية، وانتشرت
اللغة العربية بين طائفة النصارى المعاهدين، وبرز بعضهم فى
الكتابة.
وشهد عهد الأمير «محمد بن عبدالرحمن» نهضة أدبية وشعرية، ومن
أشهر من ظهروا خلال هذه الفترة الشاعر «عباس بن فرناس» والأديب
الفقيه «أبو عمر أحمد بن عبد ربه» صاحب الكتاب المشهور «العقد
الفريد»، الذى يعتبر من أمتع كتب الأدب العربى، وكان الأمير عبدالله
أيضًا شاعرًا بارعًا فى العربية حافظًا للغريب من الأخبار.
أما عصر «عبدالرحمن الناصر» فقد زهت فيه العلوم والآداب، وراجت
فيه سوق العلم، وظهر أكابر العلماء والشعراء من أمثال «ابن عبد
ربه» المشار إليه آنفًا، و «محمد بن عمر بن لبانة» الذى انفرد بالفتيا
وحفظ أخبار الأندلس وولى الصلاة فى المسجد الجامع، وكان له حظ
موفور فى الفقه والنحو والشعر، ومن محاسن هذا العصر «أبو
الحسن جعفر بن عثمان» المعروف بالمصحفى، البليغ المتميز فى
النظم والنثر، ومن أعلام هذه الفترة القاضى «منذر بن سعيد
البلوطى»، البارع فى علوم القرآن والسنة، والمعروف بجودة خطابته
وفصاحته وجزالة شعره، وغير هؤلاء كثيرون، وقد اتخذ الناصر عددًا
كبيرًا من هؤلاء العلماء والأدباء حجابًا له ووزراء، مثل موسى بن
محمد بن حدير وعبدالملك بن جهور.
ومن أعظم شعراء عصر «الناصر» أبو القاسم محمد بن هانئ الأزدى
стр. 839
الإشبيلى الذى غادر الأندلس ولحق ببلاط الخليفة المعز الفاطمى فى
المهدية بسبب اتهامه بالكفر والزندقة.
وكان الخليفة نفسه أديبًا يهوى الشعر وينظمه ويدنى إليه العلماء
والأدباء.
وظهر فى عهد الناصر أعلام المؤرخين الذين وضعوا أسس الرواية
التاريخية الأندلسية، وفى مقدمتهم أحمد بن محمد بن موسى الرازى،
ومعاصره أبو بكر محمد بن عمر المعروف بابن القوطية وأحمد بن
موسى العروى ..
واستمرت النهضة الفكرية وازدادت قوة فى عهد الخليفة الحكم
المستنصر، وكان نفسه أديبًا عالمًا، ولذلك أقام جامعة قرطبة،
وحشد لها الأساتذة، وأنشأ المكتبة الأموية الكبرى، وبذل جهودًا
خارقة وأموالاً عظيمة حتى يجمع لها آلاف الكتب فى مختلف العلوم
والفنون، وظهرت أيضًا المكتبات العامة والخاصة، واحتشد حول بلاط
الحكم مجموعة من أكابر العلماء منهم «أبو على القالى»، والأديب
المؤرخ «محمد بن يوسف الحجارى»، والفيلسوف «ربيع بن زيد» ..
الخ.
ومن شعراء بلاط الحكم المعدودين: طاهر بن محمد البغدادى، ويحيى
بن هذيل، ويوسف بن هارون الرمادى القرطبى، الهجَّاء المعروف
بأبى جنيش.
وممن نبغ فى هذه الفترة: أعظم علماء اللغة فى الأندلس «أبو بكر
محمد بن الحسن الزبيدى» النحوى الإشبيلى.
أما المستنصر نفسه فلم يكن متمكنًا فى علم الأنساب وفى العلوم
الشرعية فحسب وإنما كان أديبًا شاعرًا ينظم الشعر الجيد.
أما المنصور بن أبى عامر فقد كان بحكم نشأته عالمًا متمكنًا فى
علوم الشريعة والأدب، وكان محبا لمجالس العلماء والأدباء، وبلغ به
الأمر أن يصطحب معه طائفة من الشعراء والأدباء فى غزواته، وكان
أبو العلاء صاعد بن حسن البغدادى شاعره الأثير، وكان ذلك الرجل
فوق شاعريته متمكنًا فى اللغة والأدب والتاريخ، وهو الذى أجازه
المنصور بخمسة آلاف دينار على كتاب ألفه فى التاريخ والأدب وأمر
بقراءة كتابه فى مسجد الزاهرة.
ومن أعظم شعراء الأندلس فى عهد المنصور «أبو عمر أحمد بن محمد
стр. 840
بن دراج القسطلى» الذى قال عنه «ابن حزم»: «لم يكن فى الأندلس
أشعر من ابن دراج».
ومن أكابر الفقهاء والحفاظ عبدالرحمن بن قطيس قاضى الجماعة فى
قرطبة، وكان إمامًا فى الحديث والسير والأخبار، شغوفًا بجمع
الكتب، مشهورًا بالصلابة فى الحق.
ومن الطبيعى أن تنكمش الحركة الفكرية بعد سقوط الخلافة، لانشغال
الأمة بما دهاها من الفتن، ومع ذلك فقد كان بين الخلفاء والولاة خلال
هذه الفترة من يتذوق الشعر وينظمه من أمثال الخليفة المستعين،
والخليفة المستظهر وغيرهما.
стр. 841
الفصل السادس
*عصر ملوك الطوائف
(٤٠٠ - ٤٨٤هـ = ١٠٠٩ - ١٠٩١م).
ترتب على سقوط الخلافة والدولة الأموية انقسام الأندلس إلى دويلات
متنازعة، واستقلال كل أمير بناحيته، وإعلان نفسه ملكًا، ودخلت
البلاد بذلك فى عصر جديد عرف باسم عصر ملوك «الطوائف» أو عصر
الفرق.
وقد انضوت هذه الدويلات تحت مظلة أحزاب ثلاثة كبيرة عمل كل منها
على بسط سلطانه على كل الأندلس.
١ - حزب أهل الأندلس:
ويقصد بهم من استقروا فى البلاد من قديم الزمان وصاروا أندلسيين
بمرور الزمن بصرف النظر عن أصلهم العربى أو المغربى أو الصقلى
أو الإسبانى، وقد أطلق على هؤلاء مصطلح أهل الجماعة، ومن
هؤلاء:
بنو عباد اللخميون فى إشبيلية، وبنو جهور فى قرطبة، وبنو هود
الجذاميون فى سرقسطة، وبنو صمادح أو بنو تجيب فى ألمرية،
وبنو برزال فى قرمونة، وعبد العزيز بن أبى عامر فى بلنسية .. الخ.
٢ - حزب البربر أو المغاربة: حديثوا العهد بالأندلس وهم الذين استقروا
بها منذ زمن المنصور بن أبى عامر، ومن هؤلاء بنو زيرى
الصنهاجيون فى غرناطة، وبنو حمود الأدارسة العلويون فى مالقة.
٣ - حزب كبار الصقالبة:
الذين استقلوا بشرقى الأندلس، ومنهم مجاهد العامرى الذى استقل
بداتية والجزر الشرقية وغيرها، وخيران العامرى زعيم حزب الصقالبة
فى قرطبة أثناء الفتنة، وكل واحد من هذه الأحزاب حرص على أن
يبحث لنفسه عن غطاء روحى فأقام خليفة بجواره يستمد منه
سلطانه، فبنو عبَّاد جاءوا بشخص اسمه خلف الحصرى، كان شديد
الشبه بهشام المؤيد المشكوك فى موته، فجعلوه خليفة صاحب
الجماعة، ثم أظهر المعتضد بن عباد موته عام (٤٥٥هـ= ١٠٥٣م)،
وأعلن أنه منحه ولاية العهد وأنه الأمير بعده على كل الأندلس
بمقتضى هذا العهد.
أما الحزب المغربى فقد تولى خلافته بنو حمود بالنظر إلى أصلهم
العربى الشريف، ولكن هؤلاء انقسموا على أنفسهم وصار كل واحد
منهم يزعم الخلافة لنفسه، ويتخذ ألقابها مثل المهدى والعالى
стр. 842
والمستعلى .. الخ، وانتهى الأمر باستيلاء بنى زيرى ملوك غرناطة
على مالقة، وبنى عباد على الجزيرة الخضراء وانتهى بذلك ملك
الحموديين.
أما حزب الصقالبة فقد أقام مجاهد العامرى فى مملكته بداتية والجزر
الشرقية خليفة أمويا هو الفقيه أبو عبدالله بن الوليد المعيطى الذى
لقبه بالمنتصر بالله.
لكن مجاهد مالبث أن طرده ونفاه إلى بلاد المغرب عندما علم أنه
تآمر عليه أثناء غزوه لجزيرة «سردينيا «.
وقد اصطدمت مصالح هؤلاء جميعًا لقرب المسافات بينهم، وهذا وضع
جعل المراكشى يسخر منه فيقول:
» وصار الأمر فى غاية الأخلوقة (الأضحوكة) والفضيحة، أربعة كلهم
يتسمى بأمير المؤمنين فى رقعة من الأرض مقدارها ثلاثون فرسخًا
فى مثلها «.
كما كان جديرًا بتندر ابن حزم الذى علق عليه بقوله:
» واجتمع عندنا بالأندلس فى صقع واحد خلفاء أربعة، كل واحد منهم
يخطب له بالخلافة بموضعه، وتلك فضيحة لم ير مثلها، أربعة رجال
فى مسافة ثلاثة أيام كلهم تسمى بالخلافة، وإمارة المؤمنين «.
تجرى الأمور على هذا النحو المرير بالأندلس فى الوقت الذى كانت
تعمل فيه دول إسبانيا المسيحية فى شمال البلاد على توحيد
صفوفها تساندها فرنسا والبابوية فى روما.
وما إن زالت الدولة الأموية من الأندلس حتى تغلغل النفوذ الفرنسى
بكل صوره، سياسية وثقافية ودينية فى الشمال الإسبانى باعثًا
روحًا صليبية جديدة ضد المسلمين.
وكان يحكم إسبانيا المسيحية فى هذه الآونة رجل طموح هو الملك
«ألفونسو السادس» ملك قشتالة، نجح فى توحيد مملكتى قشتالة،
وليون، وسيطر على الممالك المسيحية الشمالية، وتوَّج جهوده
العسكرية باحتلال «طليطلة» عاصمة الثغر الأدنى للمسلمين سنة
(٤٧٨هـ = ١٠٨٥م)، رغم تميزها بموقع منيع.
وكان سقوط مدينة «طليطلة» فى أيدى الإسبان كارثة كبرى
للمسلمين؛ لأن العدو احتل الأراضى الواسعة التى تمتد جنوبًا حتى
جبال قرطبة، وأطلق على هذه المنطقة الجديدة اسم «قشتالة
стр. 843
الجديدة» وبذلك تمزقت بلاد المسلمين وانشطرت إلى قسمين.
ولم يكتف «ألفونسو السادس» بما حققه، وإنما اتجه بتحريض من
الفرنسيين إلى مدينة «سرقسطة» عاصمة الثغر الأعلى وحاصرها
بهدف الاستيلاء عليها، وأخذ يضرب ملوك الطوائف بعضهم ببعض،
ويهاجم أراضيهم ويطالبهم بالأموال كى يضعفهم عسكريا
واقتصاديا.
وعلى الرغم من هذه الصورة القاتمة سياسيا واجتماعيا فإنه مما
يلفت النظر أن تزدهر العلوم وترتقى الآداب والفنون فى عصر ملوك
الطوائف؛ لأن معظم هؤلاء الملوك والرؤساء كانوا من العلماء والأدباء
والشعراء، وكانت قصورهم مجامع للعلوم والآداب، وكلها تزهو لا
بفخامتها وروعتها بل بأمرائها ووزرائها وكتابها، وقد بلغ الشعر
الأندلسى فى زمن ملوك الطوائف شأوًا لم يصل إليه فى أى عصر
آخر.
وقد تميزت قصور ثلاثة بصفة خاصة بمشاركتها فى النهضة الأدبية
والشعرية، وهى قصور بنى عباد بإشبيلية، وبنى الأفطس فى
بطليوس، وبنى صمادح فى ألمرية، وقد برز من بنى عباد: المعتضد
بن عباد وولده المعتمد، ولمع فى بلاطهم كثير من الشعراء والوزراء
والكتاب، وظهر فى بلاط بنى الأفطس «أبو محمد عبدالمجيد بن
عبدون»، و «أبو بكر» و «أبو محمد» و «أبو الحسن» أبناء عبدالعزيز
البطليوسى، كما اجتمع حول بنى صمادح عدد من أقطاب الأدب
والشعر منهم ابن القزاز وابن الحداد والوازى آشى وغيرهم، أما بنو
هود فى سرقسطة فقد نعم بحمايتهم واشتهر فى ظلهم الشاعر أحمد
بن محمد ابن دراج القسطلى.
وعرف هذا العصر مجموعة من العلماء الكبار الذين وصلوا إلى القمة
من حيث النضج الفكرى والمستوى العلمى، من هؤلاء ابن حزم وأبو
الوليد الباجى، واللغوى ابن سيده، واللغوى الجغرافى أبو عبيد
البكرى، والعلامة ابن عبدالبر، ومجاهد العامرى صاحب داتية، ومحمد
بن أحمد بن طاهر صاحب مرسية، ومن أكابر الفلكيين والرياضيين
الذين أفادوا الغرب ببحوثهم أبو إسحاق إبراهيم يحيى الزرقالى،
стр. 844
وأبو القاسم إصبغ بن السمح الغرناطى، وقد اشتهر الأول بجداوله
الفلكية التى صحَّحت كثيرًا مما جاء فى الجداول القديمة، أما الآخر
فكان بارعًا فى الهندسة والفلك، والرياضيات، ومن كبار العلماء
الذين عنوا بالتاريخ وتدوين الحوادث والترجمة للأعلام ابن حزم،
والمؤرخ الكبير أبو مروان حيان بن خلف بن حيان، وأبو عبدالله
الحميدى، وأبو الحسن على بسام الشنترينى صاحب كتاب «الذخيرة
فى محاسن أهل الجزيرة»، والكاتب القدير والمؤرخ الأديب الفتح بن
خاقان، وكما ارتقت العلوم والآداب ازدهرت الفنون والصناعات فى
عهد ملوك الطوائف، خاصة ما يتعلق بالموسيقى والغناء وآلات
الطرب.
وإذا كان يعرف عن أهل الأندلس اهتمامهم بكل ما يتعلق بتربية
الماشية، وفلاحة الأرض، وتنظيم الرى وأحوال الجو، وخواص النباتات
وإنشاء الحدائق فإنه ينبغى الإشارة إلى ظهور عدد من علماء النبات
والزراعة فى عهد ملوك الطوائف، لاسيما فى طليطلة وإشبيلية منهم
ابن وافد وابن بصال، وأحمد بن محمد حجاج، وابن لونكو فى قرطبة
وغير هؤلاء.
وكانت الصناعات رائجة خلال عصر الطوائف وأشهرها بصفة خاصة،
وكان فى ألمرية وحدها خمسة آلاف مصنع تنتج أجمل أنواع الأقمشة
وأفخمها، وكانت السفن تأتى من بلاد المشرق ومن الثغور الإيطالية
إلى الموانئ الأندلسية فى إشبيلية وألمرية وبلنسية وداتية
وسرقسطة تحمل بضائع المشرق، وتعود محملة بما تستورده من
السلع الأندلسية، وكانت التجارة الخارجية مصدرًا مهما من مصادر
دخل دول الطوائف ذات الثغور.
стр. 845
الفصل السابع
*الأندلس فى ظل المرابطين
[٤٨٤ - ٥٣٩ هـ = ١٠٩١ - ١١٤٤ م].
وصلت دولة المرابطين فى المغرب إلى أقصى قوتها وبلغت أكبر
اتساع لها على يد مؤسسها الحقيقى «يوسف بن تاشفين»، وكان
أصحابها من البواسل الشجعان ذوى الطباع السليمة والعزائم القوية
التى لم يفسدها الضعف والهوان، فهم ممن يؤمل نجدتهم ويرجى
غوثهم.
وكانت حال الأندلس فى العدوة الأخرى تعانى سيطرة ملوك النصارى
وسطوتهم واستغاثة ملوك المسلمين بهم وإرهاق هؤلاء لهم بالجزية
وبما يفرضون عليهم، وتعسفهم فى مطالبة الولاة المسلمين بما
لاطاقة لهم به، وتكليفهم فوق طاقتهم، وعاد هؤلاء الملوك على
شعوبهم فأثقلوا كواهلهم وبالغوا فى تحميلهم ما لا قدرة لهم عليه،
واحتقر «ألفونسو» وغيره زعماء وقادة المسلمين حتى جثوا جميعًا
أمامه يستعطفونه ويرجونه قبول أحوالهم وهداياهم وهو يشتط
ويبالغ ويقول:
» أنا لا أرى فيكم إلا أنكم جماعة لصوص، فاللص الأول قد سرق
وجاء الثانى فسرق من الأول ما سرق، وجاء الثالث فسلب من الثانى
ما سرقه من الأول «.
وهم من ناحيتهم يبادرون بتهنئته وحمل الطرف والهدايا إليه
ويصرحون له بأنهم داخل حدود سلطانه ليسوا إلا جباة أموال لتحصيل
الضرائب ودفع الجزية.
وقد أخذ «ألفونسو السادس» يجتاح ويخرب مدنهم ومروجهم ويفتح
معاقلهم ويحطم حصونهم، ويضرب عليهم جميعًا ما يشاء من أموال
ويضاعفها فيؤدونها - بلا استثناء - وهم صاغرون، ثم أخذت المدن
تتساقط فى أيدى النصارى مدينة إثر مدينة.
إزاء هذا الوضع المتردى فكر الأندلسيون فى مخرج، ووجد رجال
الدين أن خير وسيلة هى دعوة المرابطين للعبور إلى بلادهم
وتخليصهم من الوضع المرير الذى بلغ القمة ولم يعد يحتمل المزيد، أما
الملوك والأمراء فقد ترددوا أول الأمر ورأوا فى ابن تاشفين مناوئًا
خطيرًا أكثر منه عونًا ونصيرًا، وربما جاء إلى بلدهم فاستقر فيها
وطردهم منها، لكن «ابن عباد» صاحب «إشبيلية» قطع الشك باليقين
следующие страницы →