← История

История · id 36578

موسوعة سفير للتاريخ الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (3 483 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

الفصل السادس *عصر ملوك الطوائف (٤٠٠ - ٤٨٤هـ = ١٠٠٩ - ١٠٩١م). ترتب على سقوط الخلافة والدولة الأموية انقسام الأندلس إلى دويلات متنازعة، واستقلال كل أمير بناحيته، وإعلان نفسه ملكًا، ودخلت البلاد بذلك فى عصر جديد عرف باسم عصر ملوك «الطوائف» أو عصر الفرق. وقد انضوت هذه الدويلات تحت مظلة أحزاب ثلاثة كبيرة عمل كل منها على بسط سلطانه على كل الأندلس. ١ - حزب أهل الأندلس: ويقصد بهم من استقروا فى البلاد من قديم الزمان وصاروا أندلسيين بمرور الزمن بصرف النظر عن أصلهم العربى أو المغربى أو الصقلى أو الإسبانى، وقد أطلق على هؤلاء مصطلح أهل الجماعة، ومن هؤلاء: بنو عباد اللخميون فى إشبيلية، وبنو جهور فى قرطبة، وبنو هود الجذاميون فى سرقسطة، وبنو صمادح أو بنو تجيب فى ألمرية، وبنو برزال فى قرمونة، وعبد العزيز بن أبى عامر فى بلنسية .. الخ. ٢ - حزب البربر أو المغاربة: حديثوا العهد بالأندلس وهم الذين استقروا بها منذ زمن المنصور بن أبى عامر، ومن هؤلاء بنو زيرى الصنهاجيون فى غرناطة، وبنو حمود الأدارسة العلويون فى مالقة. ٣ - حزب كبار الصقالبة: الذين استقلوا بشرقى الأندلس، ومنهم مجاهد العامرى الذى استقل بداتية والجزر الشرقية وغيرها، وخيران العامرى زعيم حزب الصقالبة فى قرطبة أثناء الفتنة، وكل واحد من هذه الأحزاب حرص على أن يبحث لنفسه عن غطاء روحى فأقام خليفة بجواره يستمد منه سلطانه، فبنو عبَّاد جاءوا بشخص اسمه خلف الحصرى، كان شديد الشبه بهشام المؤيد المشكوك فى موته، فجعلوه خليفة صاحب الجماعة، ثم أظهر المعتضد بن عباد موته عام (٤٥٥هـ= ١٠٥٣م)، وأعلن أنه منحه ولاية العهد وأنه الأمير بعده على كل الأندلس بمقتضى هذا العهد. أما الحزب المغربى فقد تولى خلافته بنو حمود بالنظر إلى أصلهم العربى الشريف، ولكن هؤلاء انقسموا على أنفسهم وصار كل واحد منهم يزعم الخلافة لنفسه، ويتخذ ألقابها مثل المهدى والعالى

стр. 842

والمستعلى .. الخ، وانتهى الأمر باستيلاء بنى زيرى ملوك غرناطة على مالقة، وبنى عباد على الجزيرة الخضراء وانتهى بذلك ملك الحموديين. أما حزب الصقالبة فقد أقام مجاهد العامرى فى مملكته بداتية والجزر الشرقية خليفة أمويا هو الفقيه أبو عبدالله بن الوليد المعيطى الذى لقبه بالمنتصر بالله. لكن مجاهد مالبث أن طرده ونفاه إلى بلاد المغرب عندما علم أنه تآمر عليه أثناء غزوه لجزيرة «سردينيا «. وقد اصطدمت مصالح هؤلاء جميعًا لقرب المسافات بينهم، وهذا وضع جعل المراكشى يسخر منه فيقول: » وصار الأمر فى غاية الأخلوقة (الأضحوكة) والفضيحة، أربعة كلهم يتسمى بأمير المؤمنين فى رقعة من الأرض مقدارها ثلاثون فرسخًا فى مثلها «. كما كان جديرًا بتندر ابن حزم الذى علق عليه بقوله: » واجتمع عندنا بالأندلس فى صقع واحد خلفاء أربعة، كل واحد منهم يخطب له بالخلافة بموضعه، وتلك فضيحة لم ير مثلها، أربعة رجال فى مسافة ثلاثة أيام كلهم تسمى بالخلافة، وإمارة المؤمنين «. تجرى الأمور على هذا النحو المرير بالأندلس فى الوقت الذى كانت تعمل فيه دول إسبانيا المسيحية فى شمال البلاد على توحيد صفوفها تساندها فرنسا والبابوية فى روما. وما إن زالت الدولة الأموية من الأندلس حتى تغلغل النفوذ الفرنسى بكل صوره، سياسية وثقافية ودينية فى الشمال الإسبانى باعثًا روحًا صليبية جديدة ضد المسلمين. وكان يحكم إسبانيا المسيحية فى هذه الآونة رجل طموح هو الملك «ألفونسو السادس» ملك قشتالة، نجح فى توحيد مملكتى قشتالة، وليون، وسيطر على الممالك المسيحية الشمالية، وتوَّج جهوده العسكرية باحتلال «طليطلة» عاصمة الثغر الأدنى للمسلمين سنة (٤٧٨هـ = ١٠٨٥م)، رغم تميزها بموقع منيع. وكان سقوط مدينة «طليطلة» فى أيدى الإسبان كارثة كبرى للمسلمين؛ لأن العدو احتل الأراضى الواسعة التى تمتد جنوبًا حتى جبال قرطبة، وأطلق على هذه المنطقة الجديدة اسم «قشتالة

стр. 843

الجديدة» وبذلك تمزقت بلاد المسلمين وانشطرت إلى قسمين. ولم يكتف «ألفونسو السادس» بما حققه، وإنما اتجه بتحريض من الفرنسيين إلى مدينة «سرقسطة» عاصمة الثغر الأعلى وحاصرها بهدف الاستيلاء عليها، وأخذ يضرب ملوك الطوائف بعضهم ببعض، ويهاجم أراضيهم ويطالبهم بالأموال كى يضعفهم عسكريا واقتصاديا. وعلى الرغم من هذه الصورة القاتمة سياسيا واجتماعيا فإنه مما يلفت النظر أن تزدهر العلوم وترتقى الآداب والفنون فى عصر ملوك الطوائف؛ لأن معظم هؤلاء الملوك والرؤساء كانوا من العلماء والأدباء والشعراء، وكانت قصورهم مجامع للعلوم والآداب، وكلها تزهو لا بفخامتها وروعتها بل بأمرائها ووزرائها وكتابها، وقد بلغ الشعر الأندلسى فى زمن ملوك الطوائف شأوًا لم يصل إليه فى أى عصر آخر. وقد تميزت قصور ثلاثة بصفة خاصة بمشاركتها فى النهضة الأدبية والشعرية، وهى قصور بنى عباد بإشبيلية، وبنى الأفطس فى بطليوس، وبنى صمادح فى ألمرية، وقد برز من بنى عباد: المعتضد بن عباد وولده المعتمد، ولمع فى بلاطهم كثير من الشعراء والوزراء والكتاب، وظهر فى بلاط بنى الأفطس «أبو محمد عبدالمجيد بن عبدون»، و «أبو بكر» و «أبو محمد» و «أبو الحسن» أبناء عبدالعزيز البطليوسى، كما اجتمع حول بنى صمادح عدد من أقطاب الأدب والشعر منهم ابن القزاز وابن الحداد والوازى آشى وغيرهم، أما بنو هود فى سرقسطة فقد نعم بحمايتهم واشتهر فى ظلهم الشاعر أحمد بن محمد ابن دراج القسطلى. وعرف هذا العصر مجموعة من العلماء الكبار الذين وصلوا إلى القمة من حيث النضج الفكرى والمستوى العلمى، من هؤلاء ابن حزم وأبو الوليد الباجى، واللغوى ابن سيده، واللغوى الجغرافى أبو عبيد البكرى، والعلامة ابن عبدالبر، ومجاهد العامرى صاحب داتية، ومحمد بن أحمد بن طاهر صاحب مرسية، ومن أكابر الفلكيين والرياضيين الذين أفادوا الغرب ببحوثهم أبو إسحاق إبراهيم يحيى الزرقالى،

стр. 844

وأبو القاسم إصبغ بن السمح الغرناطى، وقد اشتهر الأول بجداوله الفلكية التى صحَّحت كثيرًا مما جاء فى الجداول القديمة، أما الآخر فكان بارعًا فى الهندسة والفلك، والرياضيات، ومن كبار العلماء الذين عنوا بالتاريخ وتدوين الحوادث والترجمة للأعلام ابن حزم، والمؤرخ الكبير أبو مروان حيان بن خلف بن حيان، وأبو عبدالله الحميدى، وأبو الحسن على بسام الشنترينى صاحب كتاب «الذخيرة فى محاسن أهل الجزيرة»، والكاتب القدير والمؤرخ الأديب الفتح بن خاقان، وكما ارتقت العلوم والآداب ازدهرت الفنون والصناعات فى عهد ملوك الطوائف، خاصة ما يتعلق بالموسيقى والغناء وآلات الطرب. وإذا كان يعرف عن أهل الأندلس اهتمامهم بكل ما يتعلق بتربية الماشية، وفلاحة الأرض، وتنظيم الرى وأحوال الجو، وخواص النباتات وإنشاء الحدائق فإنه ينبغى الإشارة إلى ظهور عدد من علماء النبات والزراعة فى عهد ملوك الطوائف، لاسيما فى طليطلة وإشبيلية منهم ابن وافد وابن بصال، وأحمد بن محمد حجاج، وابن لونكو فى قرطبة وغير هؤلاء. وكانت الصناعات رائجة خلال عصر الطوائف وأشهرها بصفة خاصة، وكان فى ألمرية وحدها خمسة آلاف مصنع تنتج أجمل أنواع الأقمشة وأفخمها، وكانت السفن تأتى من بلاد المشرق ومن الثغور الإيطالية إلى الموانئ الأندلسية فى إشبيلية وألمرية وبلنسية وداتية وسرقسطة تحمل بضائع المشرق، وتعود محملة بما تستورده من السلع الأندلسية، وكانت التجارة الخارجية مصدرًا مهما من مصادر دخل دول الطوائف ذات الثغور.

стр. 845

الفصل السابع *الأندلس فى ظل المرابطين [٤٨٤ - ٥٣٩ هـ = ١٠٩١ - ١١٤٤ م]. وصلت دولة المرابطين فى المغرب إلى أقصى قوتها وبلغت أكبر اتساع لها على يد مؤسسها الحقيقى «يوسف بن تاشفين»، وكان أصحابها من البواسل الشجعان ذوى الطباع السليمة والعزائم القوية التى لم يفسدها الضعف والهوان، فهم ممن يؤمل نجدتهم ويرجى غوثهم. وكانت حال الأندلس فى العدوة الأخرى تعانى سيطرة ملوك النصارى وسطوتهم واستغاثة ملوك المسلمين بهم وإرهاق هؤلاء لهم بالجزية وبما يفرضون عليهم، وتعسفهم فى مطالبة الولاة المسلمين بما لاطاقة لهم به، وتكليفهم فوق طاقتهم، وعاد هؤلاء الملوك على شعوبهم فأثقلوا كواهلهم وبالغوا فى تحميلهم ما لا قدرة لهم عليه، واحتقر «ألفونسو» وغيره زعماء وقادة المسلمين حتى جثوا جميعًا أمامه يستعطفونه ويرجونه قبول أحوالهم وهداياهم وهو يشتط ويبالغ ويقول: » أنا لا أرى فيكم إلا أنكم جماعة لصوص، فاللص الأول قد سرق وجاء الثانى فسرق من الأول ما سرق، وجاء الثالث فسلب من الثانى ما سرقه من الأول «. وهم من ناحيتهم يبادرون بتهنئته وحمل الطرف والهدايا إليه ويصرحون له بأنهم داخل حدود سلطانه ليسوا إلا جباة أموال لتحصيل الضرائب ودفع الجزية. وقد أخذ «ألفونسو السادس» يجتاح ويخرب مدنهم ومروجهم ويفتح معاقلهم ويحطم حصونهم، ويضرب عليهم جميعًا ما يشاء من أموال ويضاعفها فيؤدونها - بلا استثناء - وهم صاغرون، ثم أخذت المدن تتساقط فى أيدى النصارى مدينة إثر مدينة. إزاء هذا الوضع المتردى فكر الأندلسيون فى مخرج، ووجد رجال الدين أن خير وسيلة هى دعوة المرابطين للعبور إلى بلادهم وتخليصهم من الوضع المرير الذى بلغ القمة ولم يعد يحتمل المزيد، أما الملوك والأمراء فقد ترددوا أول الأمر ورأوا فى ابن تاشفين مناوئًا خطيرًا أكثر منه عونًا ونصيرًا، وربما جاء إلى بلدهم فاستقر فيها وطردهم منها، لكن «ابن عباد» صاحب «إشبيلية» قطع الشك باليقين

стр. 846

قائلا إنه لا يريد أن تتهمه الأجيال المقبلة بأنه ترك الأندلس غنيمة فى أيدى الكفار قائلا: «ولا أحب أن يعلن اسمى على منابر المسلمين وعندى أن رعى الجمال خير من رعى الخنازير». وقد أقنع المعتمد بن عبّاد بوجهة نظره كلا من المتوكل بن الأفطس صاحب بطليوس و «عبدالله بن بلقين» صاحب غرناطة، وأرسلوا جميعًا ومعهم العلماء والفقهاء وفدًا إلى «يوسف بن تاشفين» يستصرخونه ويطلبون إنقاذهم. كان من عادة زعيم المرابطين ألا يبرم أمرًا إلا بعد مشاورة الفقهاء، وقد أشاروا عليه أن يبدأ بقتال القشتاليين، وأن تخلى له الجزيرة الخضراء، فأمر يوسف بن تاشفين بعض فرسانه فعبروا من مدينة سبتة على متن بعض السفن إلى الجزيرة الخضراء يقودهم «داود بن عائشة»، وكان معهم جيش كثيف من الجنود، وأرسل المعتمد إلى ابنه حاكم الجزيرة يطلب منه تركها وتيسير مهمة قوات المرابطين، ثم تلاحقت الجنود بالجزيرة، وعبر «يوسف» نفسه، وعنى بتحصين المدينة حتى اطمأن إلى أنها قد أصبحت فى حالة حسنة وبها من المؤن والذخائر ما يكفيها، ثم سار فى معظم جيشه إلى «إشبيلية»؛ حيث خرج المعتمد للقائه وأحسن استقباله وقدم له من الهدايا ما يليق بمقامه وما أكد ليوسف أن الأندلس تتمتع بغنى موفور وثراء متزايد، وقد طلب ابن تاشفين من أمراء الطوائف المشاركة فى الجهاد، فلبى الدعوة صاحب غرناطة وأخوه صاحب مالقة، وقصد الجميع نحو بطليوس حيث لقيهم ملكها وأخذت وفود الرؤساء تتوافد من سائر أقطار الأندلس وانتظمت القوات الأندلسية وحدة قائمة بذاتها، القيادة فيها لابن عباد واحتلت المقدمة، بينما احتلت الجيوش المرابطية المؤخرة. موقعة الزلاقة: واصلت القوات الإسلامية سيرها حتى نزلت على سهل فسيح يقع إلى الشمال من مدينة بطليوس قرب حدود البرتغال الحالية تسميه المصادر العربية بالزلاقة، فلما علم «ألفونسو السادس» بأخبار المرابطين ترك

стр. 847

حصار «سرقسطة» وأرسل إلى «سانشوا» ملك «أراجون» يطلب معونته، وكان بدوره يحاصر «طرشوشة» واستدعى قواته التى كانت فى «بلنسية»، وحشد كل ما استطاع وجاءه المتطوعون من جنوبى فرنسا وإيطاليا وحرص على أن يكون لقاؤه بالمسلمين فى الأراضى الإسلامية، حتى لا تتعرض بلاده للتخريب ثم اتجه نحو الجنوب للقاء المرابطين، وهو يمتلئ زهوًا ويتيه فخرًا بما معه ومن معه، ونزل فى مكان يبعد نحو ثلاثة أميال عن معسكر المسلمين، وقدر جيشه بما بين أربعين إلى ثمانين ألفًا على حين قدر الجيش الإسلامى بما بين عشرين إلى نحو خمسين ألفًا، وكان يقود المقدمة المعتمد بن عباد، وعلى الميمنة «المتوكل بن الأفطس» وتكونت الميسرة من أهل شرقى الأندلس، أما المؤخرة فكانت من البربر بقيادة «داود بن عائشة»، وكان أنجاد المرابطين من لمتونة وصنهاجة وغيرها بقيادة يوسف بن تاشفين. لبث الجيشان ثلاثة أيام لايفصلهما سوى نهر، والرسل تتردد بينهما، وقد أرسل «ابن تاشفين» إلى خصمه يدعوه إلى الإسلام أو الجزية أو الحرب، فاستاء الملك النصرانى ورد بقوله: «إنى ما كنت أتوقع أن يصل الحد بالمسلمين الذين كانوا يعطوننى الجزية منذ سنين أن يعرضوا على مثل هذه الاقتراحات الجارحة ومع هذا فإن لدى جيشًا فى استطاعته أن ينزل العقوبة على هذه الوقاحة البالغة من الأعداء» ولم يكن جواب «يوسف» أكثر من هذه العبارة» الذى يكون ستراه «. جرت اتصالات تهدف إلى تحديد موعد المعركة، وحاول «ألفونسو» خديعة المسلمين، لكن المعتمد بن عباد أدرك خديعته، وقد أخبرته طلائعه بما فى معسكر العدو من حركة وجلبة سلاح، رغم أن الوقت المتفق عليه لبدء القتال لم يكن قد حان بعد. وفى أوائل (رمضان ٤٨٠هـ = ديسمبر ١٠٨٧م) بدأ القتال فى الصباح الباكر واشتد لهيب المعركة وهاجم النصارى بعنف مقدمة «المعتمد بن عباد» ونجح فى ردها عن مواقعها واختل نظامها وارتد معظمها إلى

стр. 848

بطليوس ولم يثبت إلا الإشبيليون وابن عباد الذى كان مثالا للشجاعة والإقدام حيث صمد للعدو، وقاوم هجماته العنيفة رغم جرحه الذى فى وجهه ويده، وهجم «ألفونسو» على مقدمة المرابطين التى يقودها «داود بن عائشة» وردها عن مواقعها، وفى اللحظة المناسبة دفع ابن تاشفين بقوات البربر إلى نجدة الأندلسيين والمرابطين، ونفذت قواته إلى قلب النصارى بكل قوة، وسرعان ما تغير وجه المعركة، لأن يوسف هاجم عدوه من الخلف مباغتة وهذا شجع الفارين فعادوا ونظموا صفوفهم، وشدوا من أزر المعتمد، ورغم أن «ألفونسو» كان قد وصل إلى خيام المرابطين، فإن ابن تاشفين تقدم على رأس من معه من قوات وتجاوز جموع النصارى وقصد إلى معسكرهم نفسه وهاجمه بشده وفتك بحراسته، ثم وثب إلى مؤخرة القشتاليين النصارى، وأثخن فيهم قتلاً وطبوله تضرب فتشق أجواز الفضاء، ثم أضرم النار فى معسكر الأعداء. اضطر «ألفونسو» أن يستدير لينقذ معسكره؛ لكنه اصطدم بالمرابطين ولم يصل إلى محلته إلا بعد خسائر فادحة، وكان «يوسف» أثناء القتال يجول على صهوة جواده بين المحاربين يهيب بهم «أن تشجعوا أيها المسلمون، أعداء الله أمامكم والجنة تننتظركم، وطوبى لمن أحرز الشهادة». وكان سماع النصارى لدوى الطبول ووقوف المسلمين يقاتلون فى صفوف متراصة ثابتة من العوامل المساعدة على انتصار المسلمين وإلحاقهم الهزيمة بصفوف عدوهم، وقد دفع «ابن تاشفين» بحرسه الأسود البالغ عدده نحو أربعة آلاف إلى قلب المعركة فى الوقت المناسب، وتمكن واحد منهم من الوصول إلى «ألفونسو» وطعنه فى فخذه، الأمر الذى اضطره إلى الاعتصام بتل قريب حتى جن الليل ثم هرب فى نحو خمسمائة فارس معظمهم من الجرحى ووصل إلى طليطلة منهم مائة فقط. أمضى المسلمون الليل يرقبون حركات النصارى وفى اليوم التالى طارد الفرسان الفارين، وجمعت الأسلاب الهائلة. وقد استبشر المسلمون فى شبه الجزيرة بهذا النصر العظيم غير أن

стр. 849

وصول نبأ وفاة الأمير أبى بكر بن يوسف بن تاشفين كدر صفو النصر، وجعل «ابن تاشفين» يقرر العودة إلى بلاد المغرب ومعه عامة الجند، وترك تحت إمرة المعتمد جيشًا من المرابطين مؤلفًا من ثلاثة آلاف جندى. بعد أن نجح «يوسف» بما حققه من نصر مؤزر فى إعادة روح الثقة والأمل إلى نفوس المسلمين بالأندلس. عودة ابن تاشفين إلى الأندلس: عبر ابن تاشفين مرة أخرى إلى الأندلس فى رجب (٤٨٣هـ = سبتمبر ١٠٩٠م)، واتجه نحو حصن يسمى حصن «لاييط» وهناك تبين له تخاذل أمراء الطوائف فعزلهم جميعًا ووحد الأندلس، ولم يستثن من ذلك إلا إمارة سرقسطة، فقد كان أصحابها محاطين بالنصارى من كل ناحية، وخشى ابن تاشفين أن يسلموها للنصارى إذا تعرض لهم فتركهم بدون تدخل، وبهذا العبور الثانى ليوسف بدأ عصر المرابطين فى الأندلس. وعلى الرغم من قيام المرابطين بمسئولياتهم فى المغربين الأوسط والأقصى فإنه كان من مهامهم الرئيسية الدفاع عن الإسلام فى الأندلس، ففى هذا الميدان جاهدوا وأنفقوا، واستشهد فيه خيرة رجالهم، وعرفوا كيف يثبتون لعدوهم ويوقفون تقدم النصارى، رغم تكتل الأعداء واستعانتهم بملوك غربى أوربا وبالبابوية، ومن مواقع المرابطين التى أبلوا فيها بلاء حسنًا موقعة «أقليسن» شرقى طليطلة، وكان من نتائجها استيلاؤهم على هذه المدينة، وعلى مدينة طلبيرة للمرة الثانية سنة (٥٠٣هـ = ١١٠٩م)، كما تمكنت البحرية المرابطية فى سنة (٥٠٩هـ = ١١١٥م) من استعادة جزر البليار، ولو بقيت هذه الجزر بيد النصارى لأصبحت خطرًا يهدد شرق الأندلس كله. وهذا لا يعنى أن المرابطين خلت أيامهم من الهزائم، فقد تعرضوا لنكبة عند بلدة «كتندة» القريبة من سرقسطة فى (ربيع الأول ٥١٤هـ= يونيو ١١٢٠م)، واستشهد منهم ألوف من بينهم بعض العلماء بسبب تسرعهم فى الهجوم على العدو قبل أن تنتظم صفوفهم، فاختل نظامهم وكانت الهزيمة، لكنهم حققوا نصرًا فى موقعة «أفراغة»

стр. 850

جنوبى غربى «لاردة» بالثغر الأعلى فى سنة (٥٢٨هـ = ١١٣٤م)، يقودهم واحد من كبار رجالهم هو أبو زكريا يحيى بن غانية والى بلنسية ومرسية. وفى الوقت الذى يقوم فيه المرابطون بهذه المجهودات ويحققون أعظم الانتصارات إذ بهم يفاجئون بثورة يقوم بها المصامدة بقيادة «محمد بن تومرت» ضدهم فى بلاد المغرب. فكان سببًا فى توقف الجهاد فى الأندلس وبدأت المدن تتساقط واحدة وراء الأخرى فى أيدى النصارى، بسبب سحب القوات من الأندلس وهى فى أوج انتصاراتها، وشغل المرابطون بالدفاع عن أنفسهم بالمغرب خاصة بعد وفاة على بن يوسف بن تاشفين ثالث أمرائهم سنة (٥٣٧هـ= ١١٤٢م)، وزاد الموقف سوءًا قيام بعض الأندلسيين بالثورات ضد المرابطين وزعمهم أنهم أكثر رقيا وأعظم حضارة من هؤلاء الأفارقة. النواحى الحضارية: أما عن النواحى الفكرية والأدبية، فلم يكن المرابطون يرحبون بمظاهر الحضارة الأندلسية، فخبا ضوء الفكر والأدب فى أيامهم، وانتهت الحلقات الأدبية التى كانت تزدان بها قصور ملوك الطوائف، وهذا لا يمنع من ظهور شخصيات عُدَّت امتدادًا لعصر الطوائف، يأتى على رأس هؤلاء «ابن باجة» الطبيب الفيلسوف، وأبو بكر الطرطوشى، والفتح بن خاقان، وابن بسام الشنترينى وأبو بكر بن قزمان أمير الزجل الأندلسى وغيرهم. وجدير بالذكر أن المرابطين حرصوا على تحرى الحق وتحقيق العدل وإقامة شعائر الدين، وأقاموا مجتمعًا مسلمًا عمل على الجهاد فى سبيل الله ونصرة دينه. وكان بالأندلس قائد أعلى هو الحاكم العام غالبًا، وللمدن قادة يخضعون لهذا القائد الأعلى ويتولون المهام العسكرية والإدارية وغيرها، وكان اختيار الوالى يتم على أساس تقواه وعدالته وإجادته لمهمته، وسرعان ما كان يعزل إذا فرط أو قصَّر، وقد قسمت الأندلس زمن المرابطين إلى ست ولايات هى: إشبيلية وغرناطة وقرطبة وبلنسية ومرسية وسرقسطة. أما القضاء فقد بقى مستقلا، وكان القضاة يستشارون، ولهم

стр. 851

مكانتهم عند الناس وعند الدولة. وقد استمرت الصناعة أيام المرابطين على نحو ما كانت عليه من قبل، واهتموا بالجيش والأسطول، وتحصين الثغور والمدن.

стр. 852

الفصل الثامن *الأندلس فى ظل الموحدين [٥٣٩ - ٦٢٠ هـ = ١١٤٤ - ١٢٢٣ م]. تمكن الموحدون من قتل أبى إسحاق إبراهيم بن تاشفين بن على بن يوسف، وتم لهم بذلك القضاء على المرابطين، وفى سنة (٥٥٥هـ = ١١٦٠م) عبر «عبدالمؤمن بن على» أول خلفاء الموحدين إلى الأندلس؛ لضم ما بقى بها إلى دولته، واستقر فى إشبيلية، ونظم الدفاع عن البلاد، وأقام على قواعد الأندلس رجالا من آل بيته، وتمكن من توحيد معظم ما بقى من الأندلس تحت رايته، ولم يخرج عن طاعته إلا بنو غانية أمراء دانية، ومحمد بن سعد بن مراديشن رئيس مرسية الذى انضمت بلاده إلى الموحدين بعد ذلك، وبدأ جهاد المسلمين ضد النصارى واتخذ ميدانًا له غربى الأندلس بعد أن كان مجاله شرقى الأندلس زمن المرابطين. كان الخليفة الموحدى أبو يوسف يعقوب الملقب بالمنصور هو أكبر شخصية فى تاريخ الموحدين بعد محمد بن تومرت وعبدالمؤمن بن على قد عقد صلحًا مع النصارى، وعندما انتهت مدة هذا الصلح سنة (٥٩٠هـ = ١١٩٤م) بدأ هؤلاء فى مهاجمة أراضى المسلمين، فعبر أبو يوسف يعقوب إلى الأندلس ومعه خيرة المقاتلين الموحدين وضم إليه أحسن مقاتلى الأندلس، وحشد حشدًا عظيمًا من جنده وحمسهم فى هذه الحملة، بينما استعان عدوه «ألفونسو الثامن» ملك قشتالة وليون بملوك النصارى وبالبابوية، وكون جيشًا ضخمًا، وعسكر عند حصن يسمى «الأرك» عند نهاية الطريق المؤدى من طليطلة إلى قرطبة على بعد (٢٠كم) بالقرب من قلعة «رباح» وغرب المدينة الملكية الآن، وبدأت موقعة حاسمة فى (شعبان ٥٩١هـ = يوليو ١١٩٥م) أسفرت عن نصر مؤزر للمسلمين، وانكسرت حدة الموجة النصرانية، وكان لهذا النصر أثره فى تثبيت جبهة الإسلام فى الأندلس لمدة طويلة من الزمان. وبعد هذه الهزيمة عقدت هدنة بين المسلمين والنصارى سنة (٥٩٤هـ = ١١٩٨م)، ولكن ملك النصارى ما كان ليستريح بعد هزيمته القاسية فى «الأرك»، ولذلك أخذ فى الاستعداد لمعركة جديدة مع المسلمين

стр. 853

قبل انتهاء أمد الهدنة وأعد جيشًا ضخمًا واحتشد بكل ما يستطيع بمعاونة كاملة من ملوك النصارى فى غرب أوربا ومن البابوية ومن نصارى إسبانيا وشجعه موت أبى يوسف يعقوب خليفة الموحدين، وتولية خلفه أبى عبدالله محمد الناصر الذى كان أقل كفاءة من أبيه وقد عبر الخليفة الجديد إلى الأندلس فى ذى الحجة (٦٠٧هـ = ١٢١١م) على رأس جيش ضخم ونزل إشبيلية ومن هناك صعد شمالى الوادى الكبير وعسكر فى سهل تكثر فيه التلال الصغيرة ويقع غربى الحصن المسمى بالعقاب (جمع عقبة)، وأقبل النصارى كذلك، وعسكروا فوق هضبة الملك المشرفة على معسكر المسلمين، وقبل اللقاء استولى النصارى على قلعة «رباح» من قائدها الأندلسى، وعندما وصل هذا القائد إلى معسكر الناصر قتله دون تحقيق، الأمر الذى أغضب الأندلسيين وأثَّر فى معنوياتهم. بدأ اللقاء فى (١٥ من صفر ٦٠٩هـ = ١٦ من يوليو ١٢١٢م)، وانخذل الأندلسيون والخارجون على المسلمين من العرب بعد قليل، وتركوا الجناح الشرقى للمسلمين مكشوفًا فانقض عليهم النصارى وحصدوا الألوف من متطوعة المسلمين المجاهدين من الأندلس كما حصدوا زهرة مقاتلى الأندلس، وعددًا كبيرًا من خيرة العلماء والفقهاء والقضاة، وكان الخطب عظيمًا حتى قيل إن الإنسان كان يتجول فى المغرب بعد المعركة فلا يصادف شابًا قادرًا على القتال. وبعدها ضعفت جبهة الوادى الكبير، وسقطت مدن كبرى، وأشرف النصارى مباشرة على قرطبة وإشبيلية ومرسية وغيرها من عواصم هذا الخط، ثم توفى خليفة الموحدين الناصر فى شعبان (٦١٠هـ = ١٢١٣م)،ودب الخلاف فى صفوف البيت الموحدى وانعكس ذلك على الأندلس فبدأت تصفية ما بقى للمسلمين من أرضها خلال عصر الموحدين ولم تبق إلا مملكة غرناطة. لمحة عن الجوانب الحضارية والإدارية: كانت الأندلس فى عهد الموحدين ولاية من ولايات الدولة، يأتى الخليفة إليها ويرعى شئونها العسكرية والعلمية والإدارية كلما دعت

стр. 854

الظروف إلى ذلك، وقد أكد الخلفاء والولاة وجوب إقامة العدل والتمسك بالشريعة فى كل الأمور، وقد بلغت الدولة الموحدية مكانة عالية فى النواحى الحربية والسياسية والحضارية حتى جاءت الوفود إلى البلاط الموحدى لعقد المعاهدات وإظهار الصداقة، وفى آخر العهد الموحدى أنشئ منصب وزارى لاستقبال الشعراء والعناية بأمورهم. وكانت هناك عناية بالإنشاءات العسكرية والتحصينات وكان الأسطول موضع اهتمام الخلفاء، كما كان للجيش أسلوبه فى التحرك والقتال وله تنظيماته، وكان هناك مجلس عسكرى أول يستشار فى الخطط والأمور العسكرية وكانت الخلافة وراثية. كما كان الاهتمام عاليًا بالجوانب الإدارية والمالية والموارد والمصارف، وكان القضاء مستقلا يتولاه أهل الأندلس ويحكمون بين الناس بما أنزل الله، ونعمت البلاد بالأمن والرخاء فى ظل صناعة وزراعة وتجارة مزدهرة. أما عن الناحية العمرانية فقد أنشأ الخليفة أبو يعقوب يوسف بعض المشروعات فى «إشبيلية»، منها بناء القنطرة على نهر الوادى الكبير، كما حصن هذه المدينة وأقام بها منشآت لتوفير المياه الجارية لسقاية الناس، وأسس الخليفة أبو يعقوب سنة (٥٦٧هـ = ١١٧٢م) جامع إشبيلية الأعظم وأتم ابنه المنصور صومعته أو مئذنته الكبيرة عام (٥٨٤هـ = ١١٨٨م) وهذه المئذنة قائمة حتى اليوم، وتعرف بالمئذنة الدوارة (لاخيرالدا) ويبلغ ارتفاعها (٩٦) مترًا، كذلك أقام الموحدون بعض القصور الخاصة المحاطة ببساتين تزينها أشجار الفواكه والثمار وتسقى بواسطة النواعير (السواقى). وقد برز بالأندلس على عهد الموحدين عدد من البارعين فى فروع العلم والمعرفة منهم أبو محمد بن خير، وأبو الحسين محمد بن أحمد بن جبير الرحالة المشهور، وأبو الربيع سليمان بن موسى بن سالم الكلاعى، الحافظ المحدث الأديب، وأبو الحسن على بن محمد الرعينى الكاتب الأديب، وأبو مروان عبدالملك بن محمد بن صاحب

стр. 855

الصلاة المؤرخ، وعبدالواحد المراكشى، وعلى بن موسى بن سعيد، وابن عذارى من المؤرخين، وأبو جعفر أحمد الغافقى وأسرة بنى زهر علماء الطب والنبات، وأبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن رشد الحفيد، الذى اشتهر بالطب والفلسفة، وغير هؤلاء من العلماء المجاهدين كثير.

стр. 856

الفصل التاسع *دولة بنو نصر [٦٢٩ - ٨٩٧ هـ = ١٢٣٢ - ١٤٩٢ م]. انفرط عقد الأندلس بعنف بعد هزيمة الموحدين فى معركة «العقاب» أمام الجيوش الإسبانية والأوربية المتحالفة، وسارت الأمور من سيئ إلى أسوأ، والقواعد تخرج من قبضة الموحدين واحدة بعد الأخرى، ينتزع بعضها ابن هود الثائر وبعضها النصارى وأتاحت هذه الظروف فرصة الظهور والمغامرة للطامحين من القادة والزعماء. فى تلك الأثناء ظهر محمد بن يوسف بن نصر أو ابن الأحمر الملقب بالغالب بالله فى وقت اشتدت فيه المحن، وانعقدت عليه الآمال؛ لتميزه بالشجاعة ومجاهدة العدو، والتف حوله الناس وبايعوه فى «أرجونة» وما حولها على بعد ثلاثين كيلو مترًا من «جيان» فى (رمضان ٦٢٩هـ = يوليو ١٢٣٢م) وتوافد عليه جنود الأندلس؛ فأعلن نفسه أميرًا وانتقل إلى «جيان»، ودخلت فى طاعته بلاد الجنوب كلها، لكنه أحس أنه فى حاجة إلى معقل يعتصم به؛ لأن «جيان» مدينة مكشوفة، فوقع اختياره على غرناطة الواقعة عند سفح جبل الثلج، وكان يوجد فى أعلى الجبل حصن منيع سبق تعميره أول عصر ملوك الطوائف، فتوجه إليه وسكنه واستقر به، وشيئًا فشيئًا أخذ يوسع نطاق سلطانه، حتى أصبحت دولته تضم بين جنباتها ثلاث ولايات كبيرة هى: غرناطة وألمرية، ومالقة، ووصلت حدودها إلى شاطئ البحر الأبيض المتوسط ومضيق جبل طارق، واتخذ مدينة غرناطة عاصمة لدولته، وساعد على دعم دولته استيلاؤه على ألمرية ومالقة لما لهما من أهمية عظيمة فى المجالين التجارى والبحرى. وقد واجهت «ابن نصر» بعض المشكلات الداخلية والخارجية، منها: علاقته بأصهاره «بنى أشقيولة» الذين عاونوه ثم انقلبوا عليه، ونقص المال الذى كان فى أشد الحاجة إليه لتثبيت قواعد سلطانه، ومشكلته مع ملوك النصارى الذين أدركوا خطر دولته الناشئة وأرادوا القضاء عليها، فاضطر إلى أن يعقد معهم معاهدة صلح سنة (٦٤٣هـ = ١٢٤٥م) لمدة عشرين عامًا، وبمقتضاها حكم ابن الأحمر مملكته

стр. 857

باسم ملك قشتالة «فرناندو الثالث» ودفع له جزية، ووافق على حضور البلاط القشتالى باعتباره واحدًا من أمراء الملك، وعلى مده بالجنود كلما طلب منه ذلك، وبالفعل أمده ابن الأحمر بقوات ساعدت على سقوط «إشبيلية» فى يد النصارى فى (٣ شعبان ٦٤٦هـ = نوفمبر ١٢٤٨م). وفى (جمادى الثانية ٦٧١هـ = ديسمبر ١٢٧٢م) توفى محمد بن يوسف بن نصر الملقب بالشيخ، وكان قد أخذ البيعة لولده محمد، فأقر بذلك مبدأ الملكية الوراثية، وقد اعتلى محمد الثانى العرش ولقب بالفقيه؛ لاشتغاله بالعلم أيام أبيه، وقال عنه ابن الخطيب: «وهو الذى رتب رسوم الملك للدولة ووضع ألقاب خدمتها، ونظم دواوينها وجبايتها، هذا إلى جانب اعتنائه بالجيش وخاصة فرق الفرسان .. وكان سياسيا بارزًا .. ، أديبًا عالمًا، يقرض الشعر ويجالس العلماء والأدباء والأطباء والمنجمين والحكماء، والكتاب والشعراء». وقد واجه الأمير الجديد ثلاث مشكلات هى، مشكلته مع الإسبان، وقد نجح فى تحقيق انتصارات عليهم منتهزًا فرصة موت مليكهم، ومع المرينيين الذين استنصر بهم ليعاونوه فى الجهاد ضد المسيحيين فإذا بهم يطمعون فى الاستيلاء على الأندلس، الشىء الذى دفعه إلى التحالف مع ملك أراجون تارة ومع ملك قشتالة تارة أخرى لدرء خطر المرينيين، وعلى الرغم من تحسن العلاقات بين غرناطة وفاس، فإن الفقيه لم يكن يطمئن إلى نياتهم، وقد دفعهم ذلك إلى التحالف مع النصارى مرات، وأخيرًا كانت هناك مشكلة مع أصهار أبيه «بنى أشقيلولة» التى اشتدت فى زمنه، وانتهت بصدور أمر يقضى بتهجيرهم إلى مدينة القصر الكبير بشمالى المغرب جنوب مدينة سبتة سنة (٦٨٧هـ = ١٢٨٨ م). وعلى كل حال فقد توفى محمد الفقيه فى (شعبان ٧٠١هـ = أبريل ١٣٠٢م) بعد أن نجح فى دعم دولته داخليا وخارجيا. تولى الأمر بعد محمد الفقيه ابنه أبو عبدالله محمد، وفى عهده تحالف ملكا قشتالة وأراجون على غزو مملكة غرناطة برا وبحرًا، ولكن

стр. 858

«ألمرية» تمكنت من الصمود فى مواجهة أقصى هجوم عرفته فى تاريخها وتمكن جيشها بقيادة شيخ الغزاة «عثمان بن أبى العلاء» من هزيمة جيش أراجون، لكن العلاقة ساءت بين غرناطة وفاس، وقام صاحب مالقة بثورة عارمة ضد الحكومة المركزية، وكانت فتنة وقتال وحرب وهدنة استمرت أعوامًا ولم تنته إلا بموت الأمير. ثم تولى أبو الوليد إسماعيل بن فرح (٧١٣هـ = ١٣١٣م) الذى اشتهر بإقامة الحدود وتطبيق الشرع، وفى عهده قام القشتاليون بهجوم ضخم على غرناطة، انتهى بمقتل أميرى الجيش النصرانى فى مروج غرناطة، وانتهز الأمير فرصة منازعات بين أمراء قشتالة واستولى على بعض المدن القشتالية ومنها مدينة «أشكر»، وقد استخدم الغرناطيون المدفع لأول مرة عند منازلتهم لها. ثم تولى أبو عبدالله محمد الرابع بن إسماعيل (٧٢٥هـ = ١٣٢٥م) الذى اشتهر بالشجاعة كما كان مغرمًا بالصيد محبا للأدب والشعر، وفى عهده قامت بعض الفتن الداخلية التى انتهزها النصارى واستولوا على عدد من الحصون، كما أحرز أسطولهم نصرًا على الأسطول الإسلامى فى ألمرية ومالقة. وقد دفع هذا السلطان أن يعبر بنفسه إلى المغرب ليستنجد ببنى مرين الذين أجابوه إلى ما طلب، ونزلت قوات المرينيين على جبل الفتح وأمكنها الاستيلاء عليه عام (٧٣٣هـ = ١٣٣٣م)، ولكن السلطان قُتل فى طريق عودته إلى غرناطة وتولى من بعده أخوه أبو الحجاج يوسف الأول. وشهدت مملكة غرناطة فى عهده عصرها الذهبى، فأنشئت المدرسة اليوسفية والنصرية، وجرى الاهتمام بتحصين البلاد، وإنشاء المصانع، وإقامة الحصون، وبناء السور العظيم حول ربض البيازين فى غرناطة، وأضيفت منشآت كثيرة إلى قصر الحمراء منها باب الشريعة وغيره، وكان السلطان حريصًا على تفقد أحوال شعبه بنفسه. ومن الأحداث العظام فى عهده: الوباء الأسود الذى تفشى فى حوض البحر الأبيض المتوسط عامى (٧٤٩ - ٧٥٠هـ = ١٣٤٨ - ١٣٤٩م)، وشمل

стр. 859

المشرق والمغرب، وراح ضحيته عدد عظيم من علماء الأندلس ورجال الدين والأدب والسياسة فيها. وعلى الرغم من قيام أبى الحجاج بعقد سلام مع ملك قشتالة عام (٧٣٤هـ = ١٣٣٤م) فإنه سرعان ما تحطم وبدأ صراع بين غرناطة والمغرب من ناحية، وقشتالة تساندها أراجون والبرتغال من ناحية أخرى حول السيطرة على جبل طارق، وبعد معارك انتهى الأمر بين كل الأطراف بعقد معاهدة مدتها عشر سنوات، وتوفى يوسف الأول قتيلاً فى (أول شوال ٧٥٥هـ = سبتمبر ١٣٥٧م)، وتولى ابنه محمد الخامس الغنى بالله، وحدث صراع وتحالف بين هذا الطرف أو ذاك وبين ملوك النصارى، وانتهت هذه المرحلة بعقد صلح دائم بين قشتالة وأراجون وغرناطة والمغرب عام (٧٧٢هـ = ١٣٧٠م)، ثم توفى السلطان محمد الخامس الذى كان ملك البرتغال وسلطان بنى مرين قد ساعداه على استرداد ملكه، وبعده تعاقب على عرش غرناطة عدد من السلاطين الضعاف وتعرضت المملكة لكثير من الفتن والدسائس والمؤامرات وجرت اتصالات وتحالفات مع ملوك النصارى، وبلغ الاضطراب حدا تعاقب فيه على مملكة غرناطة اثنا عشر سلطانًا خلال القرن (٩هـ = ١٥م)، تولى بعضهم أكثر من مرة، فشهدت غرناطة اعتلاء عشرين سلطانًا على عرشها. حدث هذا فى الوقت الذى شهدت إسبانيا المسيحية نهضة حربية وسياسية توجت بزواج «فرناندو الثالث» ملك أراجون من «إيزابيلا» ملكة قشتالة، واتحدت الدولتان فى مملكة واحدة عام (٨٧٤هـ = ١٤٦٩م) بعد طول نزاع وحروب، وكان ذلك بداية النهاية لمملكة غرناطة الإسلامية التى استمر بقاؤها معتمدًا - على حد كبير - على استغلال النزاع بين هاتين المملكتين، وبدأ الملكان الكاثوليكيان يعملان على إنهاء الوجود الإسلامى فى شبه الجزيرة، وعرف ذلك سلطان غرناطة فامتنع عن دفع الجزية لقشتالة وبدأ النزاع بين الجانبين، وتمكن النصارى من الاستيلاء على حصن «الحمة» عام (٨٨٧هـ = ١٤٨٢م). وزاد من سوء الموقف اشتعال الحروب الأهلية بين أفراد البيت

стр. 860

الحاكم؛ فقد هجر السلطان أبا الحسن على ولداه «أبو عبدالله محمد» و «يوسف» وأعلنا الثورة على والدهما بسبب خضوعه لسيطرة زوجته الرومية الأصل وإهماله أمهما، وقد قامت حروب بين الفريقين، أسفرت عن طرد السلطان أبى الحسن الذى لجأ إلى مدينة بسطة، كما قتل ابنه يوسف وتولى ابنه أبو عبدالله على مملكة غرناطة، وقد تعرض السلطان الجديد لهزيمة على يد النصارى وأسروه ثم أطلقوا سراحه بعد أن أملوا عليه شروطهم، وواصل السلطان الجديد الحرب ضد والده الذى سرعان ما توفى وخلفه أخوه أبو عبدالله محمد الملقب بالزغل. انتهز النصارى فرصة هذه الفتن واستولوا على بعض المدن، وبعثوا إلى الزغل يعرضون تسليم ما معه من أراضٍ مقابل مال كثير فوافق ورحل إلى فاس، وهناك وضعه سلطان المغرب فى السجن وصادر أمواله وسمل عينيه. وقد لجأت مملكة غرناطة فى السنوات الأخيرة من عمرها إلى السلطات الحاكمة فى مصر تطلب نجدتها، ولكن مصر المملوكية آنئذٍ لم يكن فى مقدورها أن تفعل شيئًا بسبب ظروفها الداخلية، وكل ما استطاعته هو التهديد. بمعاملة المسيحيين فى المشرق معاملة سيئة إذا ما تعرض المسلمون فى الأندلس للإهانة، وقد أرسل الملكان المسيحيان سفارة إلى السلطان «قانصوه الغورى» عام (٩٠٧هـ = ١٥٠١م) طمأنته على وضع المسلمين وأزالت التوتر بين الجانبين. وقد التقت قوات غرناطة والمرينيين من قبل وحاربوا قوات قشتالة وليون عند «أسنجة» جنوبى قرطبة سنة (٦٤٧ هـ = ١٢٤٩م)، وتحمس المسلمون حماسًا عظيمًا ومزقوا قوات قشتالة شر ممزق، واضطر «ألفونسو العاشر» إلى طلب الصلح، وحدث لقاء مماثل قرب غرناطة عام (٧١٨هـ = ١٣١٨م) اتحد فيه المسلمون فحققوا نصرًا مؤزرًا، وهذا يعنى أن قوة المسلمين فى الأندلس كانت لاتزال تستطيع الدفاع عن نفسها ودحر عدوها إذا وحدت صفوفها وأدركت أهمية معاركها، ووعت جيدًا دورها فى مواجهة الأعداء وتثبيت أقدام المسلمين فى

стр. 861

أرض الأندلس، لكن النفور بين المرينيين وبين بنى نصر كان أكثر أذىً وأشد وطأة من خلافهم مع النصارى. وبقى عبدالله فى الميدان وحده وقد رفض تسليم غرناطة وصمم على القتال، وفى عام (٨٩٦هـ = ١٤٩١م) قام الملك «فرناندو» بحصار غرناطة وأفسد زراعتها وأقام حولها القواعد، ثم توصل الطرفان إلى معاهدة التسليم، ودخل الملكان الكاثوليكيان مدينة غرناطة فى (الثانى من ربيع الأول ٨٩٧هـ = الثانى من يناير ١٤٩٢م). بعض مظاهر الحضارة بغرناطة فى عصر بنى نصر: ازداد عدد السكان فى مملكة غرناطة بسبب تدفق المهاجرين إليها من المدن الأخرى وبسبب هجرة المدجنين الذين أفتاهم فقهاؤهم بضرورة مغادرة البلاد التى سقطت فى يد النصارى، فلجأ إليها العلماء والأدباء وعامة الناس، كذلك عاش البربر الذين جاءوا لمعاونة غرناطة فى حروبها ضد المسيحيين، كما تحدثت بعض المصادر عن عناصر سودانية خارج مالقة، وعن صوفية وفدوا من الهند وخراسان وبلاد فارس للمرابطة فى سبيل الله، هذا بالإضافة إلى الأفارقة السود الذين عبروا إلى الأندلس منذ حركة الفتوح الأولى، وقد تغلغل حب الانتماء إلى القبائل العربية بين الأندلسيين، ويذكر فى هذا أن بنى نصر ملوك غرناطة ينسبون أنفسهم إلى الصحابى الجليل «سعد بن عبادة» سيد الخزرج وأحد زعماء الأنصار. العمارة فى مملكة غرناطة: كان لغرناطة مسجد جامع من أبدع الجوامع وأحسنها منظرًا. لا يلاصقه بناء، قد قام سقفه على أعمدة حسان، والماء يجرى داخله. وإلى جانب المسجد الجامع وجدت مساجد أخرى مهمة مثل: مسجد الحمراء وعدد من المساجد فى الأحياء المختلفة. واشتهرت مساجد غرناطة باستخدام الرخام، كما عرفت المساجد الأندلسية بتجميل صحونها بحدائق الفاكهة وأقيمت المآذن منفصلة عن المساجد يفصل بينها صحن المسجد، وكانت المئذنة عبارة عن أربعة أبراج مربعة وتتكون من طابقين، ويحيط بها سور يزين أعلاه

стр. 862

بكرات معدنية مختلفة، وحتى الآن توجد مئذنتان ترجعان إلى عصر دولة بنى نصر، الأولى مئذنة مسجد تحول إلى كنيسة هى كنيسة «سان خوان دى لوس ريس»، والثانى ببلدة «رندة» التى تحول مسجدها إلى كنيسة باسم «سان سباستيان». قصر الحمراء: يعد قصر الحمراء من أعظم الآثار الأندلسية بما حواه من بدائع الصنع والفن، وقد كانت الحمراء قلعة متواضعة فى القرن الرابع الهجرى، وعندما تولى «باديس بن حبوس» زعيم البربر غرناطة اتخذها قاعدة لملكه، وأنشأ سورًا ضخمًا حول التل الذى تقع عليه، وبنى فى داخله قصبة جعلها مركزًا لحكمه، وقد تطورت مع الزمن وأصبحت حصن غرناطة المنيع. ولما دخل «محمد بن الأحمر» غرناطة عام (٦٣٥هـ = ١٢٣٨م)، أخذ يبحث عن مكان مناسب تتوافر له القوة والمناعة، فاستقر به المطاف عند موقع الحمراء فى الشمال الشرقى من غرناطة، وفى هذا المكان المرتفع وضع أساس حصنه الجديد «قصبة الحمراء»، ولكى يوفر له الماء أمر بعمل سد على نهر «حدرة» شمالى التل، شيدت عليه القلعة، ومنه تؤخذ المياه وترفع إلى الحصن بواسطة السواقى، وقد باشر السلطان العمل بنفسه واشترك فيه وكافأ المجتهدين، واتخذ ابن الأحمر من هذا القصر مركزًا لملكه وأنشأ فيه عددًا من الأبراج المنيعة، وأقام سورًا ضخمًا يمتد حتى مستوى الهضبة، وفى عهد «محمد الفقيه» استكمل الحصن والقصر الملكى، ولما تولى «محمد الثالث» قام ببناء المسجد الجامع بالقصر. وكان عهد السلطان «يوسف الأول» وولده «محمد الخامس» هو العصر الذهبى لعمليات الإنشاء والتشييد فى قصر الحمراء ففى عهد الأول أقيم السور الذى يحيط بالحمراء بأبراجه وبوابته العظمى المعروفة بباب الشريعة أو العدل وغير ذلك من الأبراج والقصور والحمامات، وقام الثانى بإصلاح ما بدأه أبوه وإتمامه، ثم قام بتشييد مجموعة قصر السباع، وقاعة الملوك أو العدل وغيرها. وقد يسأل سائل، من أين جاء اسم الحمراء؟ قيل إن هذا اسم قلعة

стр. 863

الحمراء القديمة التى فوقها بنى ابن الأحمر قصره، وقيل: إن هذا الاسم مرجعه احمرار أبراج قصر غرناطة الشاهقة، أو إن ذلك يرجع إلى لون الآجر الذى بنيت به الأسوار الخارجية، أو إلى لون التربة التى بنيت عليها والتى اكتسبت لونها الأحمر من كثرة أكسيد الحديد بها ولهذا سميت بتل السبيكة. وأيا ما كان الأمر فليست هناك صلة بين اسم الحمراء وبنى الأحمر الذين لقبوا بهذا بسبب احمرار شعر جدهم، ولم يلبث أن ارتبط كلاهما بالآخر. قصر جنة العريف: شيد فى أواخر القرن الثالث عشر الميلادى، ثم جدده السلطان أبو الوليد، ويقع بالقرب من قصر الحمراء ويطل عليه، وهو فى شمال شرقى الهضبة وتظهر من ورائه جبال الثلج، ويدخل الإنسان إلى هذا القصر من مدخل متواضع يؤدى إلى ساحة فسيحة على جانبها رواقان طويلان ضيقان، وفى وسط الساحة بركة ماء غرست حولها الرياحين والزهور الفائقة الجمال حتى أصبح هذا القصر المثل المضروب فى الظل الممدود والماء المسكوب والنسيم العليل وقد اتخذه ملوك غرناطة متنزهًا للراحة والاستجمام. قصر شنيل أو قصر السيد: يرجع تاريخه إلى زمن الأمير الموحدى أبى إسحاق ابن الخليفة أبى يعقوب يوسف، وقد اتُخذ قصرًا للضيافة فى عهد بنى نصر، ويقع على الضفة اليسرى لنهر «شنيل» وقد أقام سلاطين بنى نصر قصورًا أخرى فى العاصمة وغيرها من المدن لا يزال بعضها باقيًا إلى اليوم منها: القصر الذى بناه محمد الفقيه فى ربض البيازين، وكان يضم نافورة رخامية وصالة مربعة جميلة مملوء بالمناظر البديعة، وبالقرب من هذا القصر منزل يعود إلى القرن الثالث عشر الميلادى، وفى حى القصبة القديمة بالبيازين قصر «دار الحرة» وهو عبارة عن صحن محاط بالأروقة تفتح عليها صالات ولا يزال يحتفظ بزخارفه الحائطية لليوم، كما توجد أطلال بعض المنازل التى ترجع إلى زمن بنى نصر فى غرناطة وما حولها. الناحية العلمية: أما فى الناحية العلمية، فقد حافظت تلك الفترة على ما خطه

стр. 864

السابقون وأضافت إليه، ونجد ثبتًا طويلا بأسماء اللامعين فى كتاب الإحاطة لابن الخطيب، وفى نفح الطيب للمقرى، كما أنشئت المدارس وتوافرت الاختراعات مثل: المدافع والبنادق التى استعملها المسلمون فى دفاعهم عن غرناطة، ويحتفظ متحف مدريد الحربى بنماذج منها حتى الآن. كذلك ازدهرت صناعات عديدة منها: صناعة السفن، والمنسوجات، وقد أنتجت المصانع القماش الموشى بالذهب فى ألمرية ومالقة وأقمشة أخرى فى غرناطة وبسطة، وتم اتخاذ الفراء من بعض الحيوانات البحرية. كما عرفت المملكة صناعة الأصباغ والجلود والحلى وغيرها؛ كذلك اهتم بنو نصر بالزراعة وما يتصل بها من وسائل الرى وأنواع المزروعات، وكانت مدينة غرناطة أجمل مدن العالم بشوارعها وميادينها وحدائقها ومرافقها وكانت تصدر صناعاتها إلى عدد من البلدان بعضها أوربى، وهناك أسماء كثيرة من أعلام الفكر ظهرت فى هذه الفترة منها: ابن البيطار وابن خاتمة وابن الخطيب، وهناك عدد من سلاطين بنى نصر ألفوا كتبًا فى الأدب، ورعوا العلم ورجاله ومعاهده. ٥ - المورسكيون: جمع مفرده: «المورسكى» وهى تصغير لكلمة «الموروه» والمقصود بها أفراد الشعب المسلم الذى ظل موجودًا بإسبانيا يخضع لحكم الملكين الكاثوليكيين بعد سقوط غرناطة فى أيديهما. وقد نظمت معاهدة التسليم حقوق وواجبات هؤلاء، لكن بنود هذه المعاهدة سقطت واحدًا وراء الآخر، وأريد لهم أن يكونوا نصارى شاءوا أم أبوا، وتم فى سبيل ذلك اللجوء إلى كل ألوان الأساليب وأشدها قسوة وعنفًا مع استخدام الأمانى أحيانًا. وقد أبت غالبية المسلمين أن تفرض عليهم عقيدة لم يؤمنوا بها فاصطدموا بالسلطات المسئولة دينية ومدنية، واستخدمت محاكم التفتيش معهم كل حيلها من اعتقال وتشريد ومصادرة وتحريق، كما جوبهت ثوراتهم على الظلم بكل قسوة وعنف، ولم يفت المسئولون استخدام وسائل التبشير والإغراء، وظل المسلمون على موقفهم

стр. 865

وواصلوا ممارسة شعائرهم الإسلامية فى العلن حينًا وفى السر أحيانًا، وبلغ الضيق برجال الكنيسة ورجال الحكم مداه، وبعد مناقشات مستفيضة تقرر طرد المورسكيين من كل إسبانيا، وتم ذلك بالفعل فى الفترة من (١٦٠٩ - ١٦١٤م)، حدث ذلك دون مراعاة لمشاعر هذه الشريحة من المجتمع الإسبانى، على الرغم مما كان لها من دور متميز فى خدمة الزراعة والاقتصاد بمختلف بلدان شبه الجزيرة. وتم بهذا الطرد إنهاء فصل من فصول العلاقات بالغة الأهمية بين الإسلام والنصرانية فى بلاد الأندلس. ولله الأمر من قبل ومن بعد وإليه المرجع والمآب.

стр. 866

- المراجع: * آنخل جنثالث بالنثيا: تاريخ الفكرالأندلسي - ترجمة: حسين مؤنس - القاهرة - ١٩٥٥م. * بن البار (أبوعبدالله محمد): الحلةالسيراء - تحقيق حسين مؤنس - الشركة العربية للطباعة والنشر - القاهرة - ١٩٦٣م * بن الأثير (عزالدين): الكامل في التاريخ - دارالكتب العلمية - بيروت - الطبعة الثانية - ١٤٠٨هـ = ١٩٨٨م. * أحمد مختارالعبادي: في تاريخ المغرب والأندلس - بيروت - ١٩٧٢م. * بن بسام: الذخيرةفي محاسن أهل الجزيرة - تحقيق احسان عباس - بيروت - ١٩٧٨م. * بن بطوطة: رحلةابن بطوطة - بيروت - دارالكتب العلمية - بدون تاريخ. * بن حيان (أبومروان): المقتبس في أخبار بلد الأندلس - تحقيق عبدالرحمن علي الحجي - دارالكتاب العربي - بيروت - ١٣٩٣هـ = ١٩٧٣م. * حسين مؤنس: فجرالأندلس - الدار السعودية للنشر والتوزيع - جدة - الطبعةالثانية - ١٤٠٥هـ = ١٩٨٥م. * الحميدي: جذوةالمقتبس - مجموعة تراثنا - القاهرة - ١٩٦٦م. * بن الخطيب (لسان الدين محمد): الإحاطة في أخبار غرناطة - تحقيق: محمد عبد الله عنان - مكتبةالخانجي - القاهرة - الطبعةالثانية - ١٣٩٣هـ = ١٩٧٣م. * بن الخطيب (لسان الدين محمد): أعمال الأعلام فيمن بويع قبل الاحتلام من ملوك الإسلام - تحقيق: ليفي بروفنسال - معهد العلوم العليا المغربية - الدارالبيضاء - ١٩٣٤م. * بن خلدون (عبدالرحمن بن محمد): تاريخ ابن خلدون - مؤسسة جمال للطباعةوالنشر - بيروت - ١٣٩٩هـ = ١٩٧٩م. * دوزي: تاريخ مسلمي أسبانيا - ترجمة: حسن حبشي - دارالمعارف - القاهرة - ١٩٦٣م. * السلاوي (أحمدبن خالد): الاستقصا لأخبار المغرب الأقصي - دارالكتاب - الدار البيضاء - ١٩٥٤م. * السيد عبدالعزيزسالم: قرطبة حاضرة الخلافة في الأندلس - بيروت - ١٩٧١م. * الصفدي (صلاح الدين خليل): الوافي بالوفيات - دار فرانز شتاينر - شتوتجارت - ١٩٩٢م.

стр. 867

* عبدالرحمن علي حجي: التاريخ الأندلسي من الفتح الإسلامي حتي سقوط غرناطة - دار الإعتصام - القاهرة - ١٤٠٣هـ = ١٩٨٣م. * عبدالعزيز الأهواني: سفارة سياسية من غرناطة الي القاهرة في القرن التاسع الهجري - بحث في مجلة آداب القاهرة. * بن عذاري المراكشي (أبو عبدالله محمد): البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب - تحقيق كولانو بروفنسال - دارالثقافة - بيروت - الطبعة الثانية - ١٤٠٠هـ = ١٩٨٠م. * القلقشندي (أحمد بن علي): صبح الأعشي في صناعة الأنشا - دارالكتب العلمية - بيروت - الطبعة الأولي - ١٩٨٧م. * ليفي بروفنسال: الإسلام في المغرب والأندلس - ترجمة السيد عبد العزيز ومحمد صلاح الدين - القاهرة - ١٩٥٦م. * محمد عبدالله عنان: دولة الإسلام في الأندلس - مكتبة الخانجي - القاهرة - الطبعة الثالثة - ١٤٠٨هـ = ١٩٨٨م٠ * المراكشي: المعجب في تلخيص أخبار المغرب - مصر - ١٣٢٤هـ. * المقري: نفح الطيب - تحقيق الدكتور احسان عباس - بيروت - ١٣٨٨هـ = ١٩٦٨م.

стр. 868

الجزء الثامن الدولة العثمانية تأليف: أ. د. محمد حرب رئيس المركز المصري للدراسات العثمانية وبحوث العالم التركي الفصل الأول *إمارة آل عثمان استولى «جنكيزخان» فى الربع الأول من القرن الثالث عشر الميلادى على شمالى «الصين»، وبدأ زحفه نحو «تركستان» التى نجحت قواته المغولية فى اجتيازها، واقتربت من «إيران»، وكانت تلك القوات تثير الفزع والرعب فى نفوس الناس، لقيامها بالأعمال الوحشية التى لم تعهدها البشرية من قبل. وفى أثناء هذه الفترة المضطربة، المشوبة بالخوف والهلع، كان فى جنوب «صحراء قراقورم» بشمالى «الصين» ما يقرب من (٧٠) ألف خيمة بدوية، يسكنها نحو نصف مليون إنسان من الأتراك المسلمين، من بينهم عشيرة صغيرة، تُسمى «قايى»، وقد اضطر هذا الجمع الكبير إلى هجرة أوطانهم عندما أحسُّوا بقرب خطر المغول، فعبروا «إيران» واقتربوا من «الأناضول» غير أنهم لم يستقرُّوا جميعًا فيها، بل استقر بعضهم فى «العراق الشمالى»، وبعضهم فى غربى «إيران»، وبعضهم الآخر فى «القوقاز»، فى حين واصلت عشيرة «قايى» الصغيرة هجرتها نحو «الأناضول» وكان عددها نحو (٤٠٠٠) فرد. كان يرأس هذه العشيرة رجل تركى يدعى «كوندوز ألب»، ثم خلفه فى رئاستها بعد وفاته ابنه «أرطغرل» والد الأمير «عثمان» مؤسس الدولة العثمانية التى عرفت باسمه. وفى أثناء ذلك دارت فى منطقة «أرزنجان» (الواقعة الآن فى الشمال الشرقى لتركيا) معركة سميت باسم «ياسى جمن» بين سلطان «قونية» السلجوقى، و «جلال الدين خوارزم شاه» خاقان «تركستان» وكاد سلطان قونية أن ينهزم، لولا تدخل عشيرة «قايى» بقيادة «كوندوز ألب» فأقاله من عثرته، وكان سببًا فى نصره، ولم تكن هذه العشيرة تعلم من أمر القتال شيئًا، لكنها تدخلت نجدة للملهوف ونصرة للضعيف. عرف سلطان «قونية» أن هذه العشيرة تبحث عن وطن، فأقطعها ثغرًا على الحدود بين سلطنته (الدولة السلجوقية) فى «الأناضول» وبين الإمبراطورية البيزنطية، تقديرًا لقوتهم وشجاعتهم وبراعتهم الحربية. وفى سنة (٦٥١هـ = ١٢٥٣م) تُوفِّى «كوندوز ألب» وخلفه ابنه

стр. 869

«أرطغرل» وبعد فترة تُوفِّى هو الآخر، فأصدر سلطان قونية مرسومًا بتعيين الأمير القبلى «عثمان» محل أبيه، فتولى الأمر وهو فى الثالثة والعشرين من عمره. ثم زالت دولة سلاجقة الروم فى «الأناضول» وحل محلها عدة إمارات صغيرة نجح العثمانيون فى ضمها إلى دولتهم التى بدأت تنمو وتتوسع حتى توحد «الأناضول» تحت قيادتهم. الأمير عثمان: تولى بعد أبيه مسئولية الإمارة، وبدأ فى توطيد سلطانه على أساس من العدل والنظام، وأخذ فى توسيع رقعة دولته حتى وصلت إلى مدينة «ينى شهر» التى اتخذها عاصمة لبلاده، وبذلك أصبح على مرمى البصر من «بروصة» و «نيقية» وكانتا من أهم المدن فى غربى «الأناضول». ولما وجد «عثمان» أن إمارة «آل قرمان» هى أقوى الإمارات التى قامت على أنقاض دولة سلاجقة الروم، أرسى سياسته على عدم الاصطدام بها والتوسع غربًا تجاه البيزنطيين، وبدأ فى إرسال حملاته من موقعه الحصين فى «ينى شهر» إلى المدن اليونانية المجاورة، ونجح فى الاستيلاء على كثير من الحصون، قبل أن تتحرك جيوش الدولة البيزنطية لمواجهته. عرف الأمير «عثمان» بشخصيته القوية، وتحليه بالصبر والمثابرة وضبط النفس، وحماسته للإسلام، لكن فى غير تعصب، بل فى سماحة ورفق، فلم يضطهد أهل الذمة، وإنما اجتذبهم إلى خدمته، فأسلم منهم جماعات كثيرة صارت ركيزة من ركائز دولته الناشئة. وتُوفى «عثمان» فى الوقت الذى كان ابنه «أورخان» يحاصر مدينة «بورصة» بعد أن ترك له وصية وهو على فراش الموت، سجَّلها المؤرخ العثمانى «عاشق ُلبى»، جاء فيها: «يا بنى أحط من أطاعك بالإعزار، وأنعم على الجنود، ولايغرنك الشيطان بجهدك وبمالك، وإياك أن تبتعد عن أهل الشريعة، يا بنى! لسنا من هؤلاء الذين يقيمون الحروب لشهوة حكم أو سيطرة أفراد، فنحن بالإسلام نحيا، وللإسلام نموت، وهذا يا ولدى ما أنت أهل له. يا بنى إنك تعلم أن غايتنا هى إرضاء رب العالمين، وأن بالجهاد يعم

стр. 870

نور ديننا كل الآفاق، فتحدث مرضاة الله ﷻ ». ويُعَدُّ «عثمان» أول من استقل بالإمارة، وراوده حلم إرساء قواعد دولة مترامية الأطراف، وكان أهل إمارته يطلقون عليه لقب «قرة عثمان» رمزًا لقوة الشخصية والحيوية الجسمانية. الأمير أورخان: تولى «أورخان» الحكم بعد وفاة أبيه سنة (٧٢٦هـ = ١٣٢٦م)، ولم يكد يمضى على توليته وقت طويل حتى تقدم نحو بحر «مرمرة» وهزم حملة بيزنطية، كان يقودها الإمبراطور «أندرنيكوس الثالث» وبعدها تخلت بيزنطة عن بذل الجهود الخاصة بتنظيم المقاومة العسكرية فى «الأناضول» أو تعزيز حاميات ما تبقى لها من المدن هناك، وقد أدى ذلك إلى نجاح «أورخان» فى الاستيلاء على معظم شبه جزيرة «نيقيا»، وسواحل خليج «نيقوميديا» وسقوط «نيقيا» دون مقاومة، ثم استيلائه على ما تبقى من الأراضى البيزنطية فى غربى «الأناضول» دون صعوبة، مما جعل دولته أقوى إمارات التركمان فى المنطقة، لاسيما وقد تعزز مركزها باعتبارها زعيمة الجهاد ضد البيزنطيين، كما عزز «أورخان» مركزه بالتوسّع على حساب إمارات الطوائف التى تطل على شواطئ «بحر مرمرة» وسيطر على ساحله الجنوبى مما سهل له مهمة العبور إلى أوربا حين سنحت له الفرصة. وقد أمضى «أورخان» بعد استيلائه على إمارة «قرة سى» عشرين سنة دون أن يخوض معارك، وإنما شغل نفسه فى وضع النظم المدنية والعسكرية التى تقوى من شأن الدولة، وفى تعزيز الأمن الداخلى، وبناء المساجد والمدارس ورصد الأوقاف عليها، وإقامة المنشآت العامة. وتميزت الإدارة العثمانية فى عهد «أورخان» بالكفاءة، وإتاحة الفرص أمام رعايا الدولة، ومعاملة أهل الذمة بتسامح كامل، والاهتمام بالتعليم وأهله. الأمير مراد بن أورخان: تولى حكم الدولة بعد وفاة أبيه سنة (٧٦١ هـ = ١٣٦٠ م)، وواصل جهود أبيه فى الفتح، ونجح فى العام التالى من توليه الحكم فى فتح مدينة «أدرنة» ونقل إليها العاصمة بعد أن كانت فى «بورصة»،

стр. 871

ثم فتح أراضى الدولة البيزنطية فى «البلقان»، حتى أصبحت «القسطنطينية» عاصمة البيزنطيين محاصرة تمامًا بالأراضى العثمانية، ونتيجة لتلك الفتوحات صارت الدولة العثمانية متاخمة لكل من «الصرب» و «البلغار» و «ألبانيا». وأدى هذا النشاط العثمانى إلى انزعاج أوربا وازدياد قلقها، فكتب أمراء تلك المناطق إلى ملوك أوربا الغربية وإلى البابا يستنجدون بهم ضد المسلمين، فقام البابا بالدعوة إلى قيام حرب صليبية جديدة، غير أن ملك الصرب هاجم «أدرنة» عاصمة العثمانيين وكان «مراد» غائبًا عنها، فلما علم بأخبار هذا الهجوم عاد بجيشه ليحارب الصرب، ونجح فى إلحاق الهزيمة بهم. ثم قام ملك الصرب - الجديد وقتها - بعقد حلف عسكرى مع أمير «بلغاريا» لمحاربة العثمانيين، فلما قامت الحرب بينهما هرب أمير البلغار من المعركة، ثم اصطلح الطرفان الصربى والبلغارى مع الدولة العثمانية، نظير جزية سنوية يقدمانها لها، لكن الصرب نقضوا عهدهم فأقام ملكهم تحالفًا صليبيا مع «ألبانيا» ضد العثمانيين، والتقى الفريقان فى مكان يُسمَّى «قوصوة» سنة (١٩٧هـ= ٩٨٣١م) حيث دارت معركة من أعظم معارك الإسلام، انتصر فيها العثمانيون، وهُزِم الصرب هزيمة منكرة، وقتل ملكهم. وعقب انتهاء المعركة قام الأمير «مراد» بتفقد ساحة المعركة، وكان الليل حالك السواد، والهلال والنجوم فى السماء، وساحة المعركة مدرجة بالدماء، فأوحى ذلك بفكرة العلم العثمانى كما يقال، فجاء علمًا أحمر الأرضية يذكِّر بالدماء التى ملأت أرض «قوصوة» ويزين العلم الهلال والنجوم، ولايزال علم تركيا على هذه الصورة حتى الآن. وأثناء تفقد الأمير المنتصر «مراد» ساحة القتال؛ إذا بصربى جريح يقوم من بين القتلى ليطعنه بخنجر فيقتله على الفور، ويستشهد فى ساحة الجهاد، وهو يبلغ من العمر (٦٥) عامًا. عُرف الأمير «مراد الأول» بالعدل، وبمعاملة رعيته من أهل الذمة

стр. 872

معاملة حسنة، وبكثرة المعارك التى حالفه فيها النصر، حتى إنه دخل (٧٣) معركة فى «الأناضول» وفى «البلقان» خرج منها جميعًا مظفرًا، كما أنه تسلم الدولة من أبيه ومساحتها نحو (٥٩٠٠٠كم٢)، وتركها عند استشهاده وهى تبلغ (٥٠٠٠٠٠ كم٢)، أى أنها زادت فى مدى (٢٩) سنة أكثر من خمسة أمثالها حين تسلمها من أبيه. نظام الحكم العثمانى: بدأت التنظيمات الإدارية فى عهد الأمير «أورخان» مستوعبة النظم المتبعة فى الدول الإسلامية، فالأمير هو قمة الجهاز الحكومى، وسلطته مقيدة بالكتاب والسنة، وكان يتمتع بالسلطتين؛ التشريعية التى كان يعهد بها إلى علماء الشرع، والتنفيذية التى كان يعهد بها إلى وزيره. وكانت المراتب الأساسية للقانون فى الإمارة العثمانية هى على التوالى: القرآن، والسنة، والمذاهب الأربعة، والمراسيم (الخطوط الشريفة). وظهرت فرقة «الإنكشارية» فى عهد «عثمان» وكانت أهم فرق جيش الإمارة، ولم يسمح للإنكشاريين بالزواج، وكان عليهم أن يقيموا فى ثكناتهم العسكرية ليواصلوا التدريب، وضم الجيش أيضًا فرق الفرسان ولم تكن لهم ثكنات خاصة بهم، وإنما عاش معظمهم فى القرى القريبة من العاصمة. الملامح العامة للحضارة العثمانية: عنى العثمانيون فى هذه المرحلة بالأدب الذى تأثر بالأدب الفارسى، وكان الإلمام بالأدب فى هذه الفترة من الأدوات اللازمة للمثقف والباحث والمتأدِّب، كما اهتم العلماء والأدباء باللغة العربية اهتمامًا واضحًا. ونشطت الحركة المعمارية، وتأثرت تأثرًا واضحًا بالطرز السلجوقية، ويبدو ذلك واضحًا فى المساجد الأولى التى شيدت فى مدينة «بورصة» مثل: «أولوجامع»، الذى بدأ تشييده فى عهد «مراد الأول»، كما شيَّد حكام الإمارة فى ذلك الوقت قصورًا فى «بورصة» و «أدرنة» لم يبقَ لها أثر الآن. واشتهرت «الأناضول» فى تلك الفترة بصناعة السجاد الذى كان من ابتكار القبائل الرحل التركمانية.

стр. 873

الفصل الثاني *تحول الإمارة إلى سلطنة بايزيد الأول: لم ينتقل «آل عثمان» من طور الإمارة إلى طور السلطنة إلا فى عهد «بايزيد الأول» المشهور بالصاعقة، لسرعة تنقله بجيوشه بين «أوربا» و «الأناضول» .. وقد بذل «بايزيد» جهودًا عظيمة فى توحيد منطقة «الأناضول» تحت قيادته، وفى استمرار الفتوحات فى منطقة «البلقان» فدخل «رومانيا» وضم جنوبها - «الأفلاق» - إلى الدولة العثمانية، وفتح «سلانيك»، واستولى على «ينى شهر» وألحق «تساليا» بدولته، وفتح «اسكوب» ودخلت جيوشه «طورنوفا» وواصل فتوحاته فى «مقدونيا الشمالية» و «ألبانيا»،ونجح فى ضم «بلاد البلغار»، وجعلها ولاية عثمانية، ووصلت جيوشه إلى «اليونان» ودخل «أثينا»، وانتقل إلى «شبه جزيرة المورة» ودفع له الصرب جزية سنوية، كما حاصر «القسطنطينية» أربع مرات. ونتيجة لهذا توحدت «أوربا» كلها ضده لطرده من «البلقان» فتكونت حملة صليبية ضده فى (جمادى الأولى ٧٩٨هـ= فبراير ١٣٩٦م) بقيادة «سيجموند» ملك «المجر» الذى استنجد بالبابا وبملوك «أوربا» لإنقاذ «المجر» و «بيزنطة» من الخطر العثمانى، فحملت الحملة شعار: «سحق الأتراك أولا ثم احتلال القدس». وتكونت هذه الحملة من جيوش مجرية وفرنسية وألمانية وهولندية وإنجليزية وإيطالية وإسبانية بلغت نحو (١٣٠) ألف محارب، واجتازت نهر «الدانوب» وبلغت مدينة «نيكوبولى» وعندها دارت معركة طاحنة بينهم وبين الجيش العثمانى الذى بلغ عدده نحو (٩٠) ألف جندى بقيادة «بايزيد الصاعقة». وانتهت معركة «نيكوبولى» بانتصار العثمانيين، وبوقوع كثير من أشراف «فرنسا» فى الأسر، منهم: «الكونت دى نيفر» قائد قوات «بورغوينا» وولى عهدها، وقد أقسم هذا الكونت على عدم العودة إلى محاربة العثمانيين، ولكن بعد قرار «بايزيد» بإطلاق سراح الأمراء الأسرى، أراد أن يحل «الكونت دى نيفر» من قسمه، فقال له: «أيها الكونت! لك أن تعود مرة أخرى لمحاربتى، لكى تمسح العار

стр. 874

الذى لحق بك، واعلم أنى لا أخاف من عودتك وإلا ما كنت أطلقت سراحك، تعالَ وقتما تشاء فستجدنى وجنودى أمامك». ثم أرسل الأمير «بايزيد الأول» أنباء هذا الانتصار إلى الخليفة «المتوكل العباسى» بالقاهرة، فأجابه الخليفة بأن أرسل إليه تشريفًا وخلعًا وسيفًا، وكان هذا يعنى الاعتراف ببايزيد الأول سلطانًا على إقليم «الروم» (الأناضول والبلقان)، وبذا أصبح الأمير «بايزيد» أول من حمل لقب «سلطان» فى «آل عثمان». محاصرة القسطنطينية: حاصر العثمانيون العاصمة البيزنطية فى عهد «بايزيد الأول» أربع مرات: - الأولى فى سنة (٧٩٣هـ= ١٣٩١م) حيث اصطف ستة آلاف جندى عثمانى على امتداد سور «القسطنطينية» وحاصروا المدينة حصارًا شديدًا، ولم يستطع أحد الدخول إلى المدينة أو الخروج منها دون موافقة العثمانيين، ودام هذا الحصار سبعة أشهر دون أن يخضع إمبراطور «بيزنطة» لبايزيد دون قتال. - والثانية فى سنة (٧٩٧هـ= ١٣٩٥م)، واستمر هذا الحصار طوال صيف ذلك العام. - والثالثة فى سنة (٨٠٠هـ = ١٣٩٧م). - والرابعة كانت بين سنتى (٨٠٢ - ٨٠٤ هـ = ١٣٩٩ - ١٤٠١م)، على إثر ذهاب الإمبراطور البيزنطى «مانويل الثانى» إلى «إنجلترا» وزيارته لأوربا لمدة (١٣) شهرًا، طلبًا للمساعدة ضد العثمانيين، ولم يفك هذا الحصار إلا بعد قدوم «تيمورلنك» بجيوشه الجرارة التى عصفت بالسلطنة العثمانية وتسببت فى انهيارها فترة من الزمن. ويجدر بالذكر أن «بايزيد» لم يفك حصاره الرابع عن «القسطنطينية» إلا بشروط، منها: أن يبنى المسلمون الذين يعيشون داخل المدينة جامعًا لإقامة شعائر الدين، وأن تقام لهم محكمة شرعية للنظر فى قضاياهم. ويذكر لبايزيد تشييده القلعة المسماة «جوزلجه حصار» (أناضولى حصار) على الضفة الأسيوية من بوغاز «القسطنطينية». الأزمة بين تيمورلنك وبايزيد: أسس «تيمورلنك» خاقان أتراك الشرق (التركستان) إمبراطورية

стр. 875

عظمى، امتلكت جيشًا قويا ومنظمًا اجتاح به الشرق، ثم حدث نزاع بين «تيمورلنك» و «بايزيد» بسبب لجوء «أحمد بن أويس» الذى فر من «بغداد» أمام «تيمورلنك» إلى «بايزيد»، واحتمائه به. اتخذ «تيمورلنك» من هذا الحادث ذريعة للتحرك ضد العثمانيين، وبخاصة بعد رفض «بايزيد» طلب «تيمورلنك» تسليمه «أحمد بن أويس» فقام بحملته الأولى على «الأناضول» سنة (٨٠٣هـ=١٤٠٠م)، ووصل إلى «سيواس» فدخلها وخربها وسفك دماء أهلها بعد أن صمد العثمانيون على قلتهم أمام جيوش «تيمورلنك» الجرارة، وأبلوا بلاءً حسنًا، ثم انسحب «تيمورلنك» من «الأناضول» إلى «القوقاز» بعد أن استولى على «ملاطية» من العثمانيين. كان «تيمورلنك» يأمل أن يعترف «بايزيد» بتبعيته له مثل سلاطين المماليك و «الهند» غير أن هذا الأمل لم يتحقق؛ إذ رد عليه «بايزيد» ردا فيه تحقير، وحاول «تيمورلنك» إقناع أمرائه بشن حرب حاسمة ضد العثمانيين، وكان رأى أمراء «تيمور» وأولاده أنه لايليق بهم محاربة الدولة العثمانية، وهى دولة سنية حنفية المذهب مثلهم، وتجمعهم اللغة التركية، كما أنها تعد حاملة لراية الجهاد الإسلامى، لكن «تيمورلنك» نجح فى إقناع المخالفين له فى الرأى باحتمال أن يقوم «بايزيد» بضرب الجيش التيمورى من الخلف أثناء حملته على «الصين». دخل «تيمورلنك» إلى «الأناضول» مرة أخرى سنة (٨٠٥هـ = ١٤٠٢م) على رأس جيش ضخم بلغ عدده نحو (٣٠٠) ألف جندى، وفى مقدمته (٣٢) فيلا مدرعًا، وسار به حتى وصل إلى «أنقرة» وهناك التقى بالجيش العثمانى فى (٢٧ من ذى الحجة ٨٠٤هـ = ٢٨ من يوليو ١٤٠٢م) واستمر اللقاء حتى غروب الشمس، وكان النصر فيه حليف «تيمورلنك» وأسر فى المعركة السلطان «بايزيد» بعد أن أبلى جنوده بلاءً حسنًا، وكبَّدوا «تيمورلنك» خسائر فادحة لم يسبق له أن تكبَّدها، حيث قتل له فى المعركة نحو (٤٠٠٠٠) جندى. لقد كانت معركة «أنقرة» من أكبر المعارك الميدانية التى حدثت خلال

стр. 876

العصور الوسطى، وتعد من أكبر الكوارث فى التاريخ التركى، حيث أخرت نمو العثمانيين وفتوحاتهم نصف قرن، وأطالت عمر الدولة البيزنطية المدة نفسها، وعطَّلت وحدة «الأناضول» سبعين سنة. عاش السلطان «بايزيد» فى أسر «تيمورلنك» سبعة أشهر واثنى عشر يومًا، ومات فى «آق شهر» قرب «قونية» سنة (٨٠٦هـ = ١٤٠٣م) وأرسل جثمانه إلى «بورصة» ثم أطلق «تيمور» عقب وفاة «بايزيد» سراح ابنيه اللذين أسرا معه. العثمانيون يعيدون تكوين دولتهم: عاش العثمانيون عقب معركة «أنقرة» فترة أطلق عليها المؤرخون عهد الفتنة أو دور الفوضى، وكانت مدتها عشر سنوات، وأحد عشر شهرًا وثمانية أيام، وهى فترة الصراع بين أبناء «بايزيد» على العرش العثمانى، حتى نجح أحدهم وهو «محمد بن بايزيد» الملقب بمحمد ُلبى فى تولى السلطنة والقضاء على الفوضى والفتن، والبدء فى إعادة البناء وتعمير الدولة وتنظيم أمورها، حتى عده المؤرخون المؤسس الثانى للدولة العثمانية. وتوفى «محمد الأول» سنة (٨٢٤هـ=١٤١٢م) عن (٣٩) عامًا فى مدينة «أدرنة». السلطان مراد الثانى: تولى «مراد بن محمد» عرش السلطنة وعمره (١٧) سنة، وبدأ عهده بعقد هدنة مع ملك «المجر» لمدة خمس سنوات حتى يتفرغ للأناضول، وبعقد صلح مع أمير «قرمان»، ثم اتجه «مراد» إلى محاصرة مدينة «القسطنطينية» سنة (٨٢٥هـ = ١٤٢٢م)، ودام الحصار (٦٤) يومًا، وكان بحريا وبريا، بجيش قوامه ثلاثون ألف جندى، وكان احتمال سقوط العاصمة البيزنطية كبيرًا، بعد أن أحدثت القوات العثمانية أضرارًا بالغة بسور المدينة، غير أن السلطان «مراد» اضطر إلى رفع الحصار بعد أن جاءته أنباء حدوث فتنة فى «الأناضول» وعقد الصلح مع «بيزنطة» مقابل أن تدفع جزية كبيرة سنوية. ثم اتجه «مراد الثانى» إلى تأديب إمارات «الأناضول» التى تمردت عليه أثناء انشغاله بمحاربة «بيزنطة» فقضى بصورة نهائية على إمارات «منتشة» و «أيدين»، و «تسكا» وقلَّص حدود إمارة «جاندار».

стр. 877

وفى سنة (٨٢٩ هـ = ١٤٢٦م) اجتاز السلطان «مراد الثانى» على رأس جيشه «نهر الدانوب» والتقى مع الجيش المجرى، وانتصر عليه، وعقد مع ملك «المجر» معاهدة تنازل بمقتضاها عن أملاكه فى الضفة اليمنى لنهر الدانوب، الذى أصبح فاصلا بين أملاك الدولة العثمانية و «المجر»، ثم فتح «مراد» «سلانيك»، و «يانيا» ونجح فى إلغاء إمارة «الصرب» تمامًا وأطلق عليها لواء «سمندرة» كما خضعت «ألبانيا» للدولة العثمانية بعد حروب يسيرة، وعقدت «البندقية» صلحًا معها. وفى عهد «مراد الثانى» توترت العلاقات بين المماليك والعثمانيين بسبب إمارتى «قرامان» و «دلقادر» غير أنه لم يهتم بهذا الأمر بسبب إعلان البابا «أوجينيوس الرابع» سنة (٨٤٣هـ=١٤٣٩م) عن حملة صليبية ضد الدولة العثمانية بقيادة القائد المجرى «هونيادى» الذى اتخذ من إخراج العثمانيين من «البلقان» هدفًا لحياته. وقد تمكن هذا القائد المجرى من هزيمة عدة جيوش عثمانية، مما اضطر السلطان إلى محاربته بنفسه، ثم عقد صلحًا مع «المجر» سنة (٨٤٨هـ = ١٤٤٤م)، أعيد بمقتضاه تأسيس إمارة «الصرب» على أن تكون تابعة للدولة العثمانية، ومنطقة عازلة بينها وبين «المجر». ولما شعر السلطان «مراد الثانى» بالتعب تخلى عن عرشه لابنه «محمد الثانى» الذى عرف فيما بعد بمحمد الفاتح، وكان عمره آنذاك (٢١) عامًا، فشكل الأوربيون على الفور حملة عسكرية على الدولة العثمانية، وشاركت فيها قوات من «المجر» و «قولونية» و «ألمانيا»، و «فرنسا» و «البندقية» و «بيزنطة» و «بيرجوذريا» وكانت تلك الحملة بقيادة «هونيادى»، واختير الملك المجرى «لاديسلاس» قائدًا شرفيا للحملة، وقد نهبت هذه الحملة وهى فى طريقها كل شىء، حتى الكنائس الأرثوذكسية لم تسلم من أيديهم. وإزاء هذه التطورات اجتمع مجلس شورى السلطنة العثمانية، وطلب عودة «مراد الثانى» إلى الحكم مرة أخرى، فعاد وبدأ فى إعداد جيشه للقاء تلك الحملة الصليبية، فتحرك على رأس جيشه الضخم الذى

стр. 878

بلغ أربعين ألف جندى، والتقى مع تلك الحملة فى «فارنا» وهى مدينة بلغارية تقع على شاطئ «البحر الأسود»، ودارت بينهما معركة هائلة عرفت باسم «معركة فارنا» فى (٢٨ من رجب ٨٤٨ هـ = ١٠ من نوفمبر ١٤٤٤م)، وفيها حقق العثمانيون نصرًا غاليًا، وقتل الملك «لاديسلاس»، وهرب «هونيادى» من المعركة، وبهذا النصر أيقن الأوربيون صعوبة طرد العثمانيين من منطقة «البلقان». وقد فرح العالم الإسلامى بهذا النصر فرحًا شديدًا حتى إن السلطان «جقمق» المملوكى أمر أن يذكر اسم السلطان «مراد الثانى» مجاملة بعد اسم الخليفة العباسى فى «القاهرة». لم تستسلم «أوربا» لهذه الهزيمة فجهزت حملة صليبية أخرى ضمت نحو مائة ألف جندى بقيادة «هونيادى» والتقت بالعثمانيين بقيادة السلطان «مراد الثانى» فى صحراء «قوصوه» فى (١٨ من شعبان ٨٥٢هـ=١٧ من أكتوبر ١٤٤٨م)، وانتصر العثمانيون فى هذا اليوم انتصارًا عظيمًا. السلطان محمد الفاتح: ولد السلطان «محمد» فى (٢٧ من رجب ٨٣٥هـ = ٣٠ من مارس ١٤٣٢م) وتولى عرش السلطنة بعد وفاة أبيه فى (٥ من المحرم ٨٥٥هـ = ٧ من فبراير ١٤٥١م) بعد أن بايعه أهل الحل والعقد فى الدولة العثمانية. إعداد محمد الفاتح: خضع السلطان «محمد» - شأنه فى ذلك شأن كل أمير عثمانى - لنظام تربوى صارم تحت إشراف مجموعة من علماء عصره المعروفين. وهو ما يزال غضا، فتعلم القرآن الكريم والحديث والفقه والعلوم العصرية - آنذاك - من رياضيات وفلك وتاريخ ودراسات عسكرية نظرية وتطبيقية، كما كان السلطان «محمد» يشترك فى الحروب التى كان يشنها والده السلطان «مراد الثانى» ضد «أوربا» أو التى كان يصد فيها اعتداءاتهم. وكعادة «آل عثمان» فى إسناد إدارة ولاية لكل أمير وهو صغير حتى يؤهل لقيادة الدولة بعد ذلك، قضى «محمد» فترة إمارته فى «مغنيسيا» تحت إشراف مجموعة من أساطين علماء العصر، وفى مقدمتهم: الشيخ «آق شمس الدين» والملا «الكورانى».

стр. 879

وقد أثرت هذه المجموعة من العلماء فى تكوين الأمير الصغير وتشكيل اتجاهاته الثقافية والسياسية والعسكرية، وكان الشيخ «آق شمس الدين» صارمًا مع الأمير حتى إن السلطان «محمد» وهو سلطان قال لأحد وزرائه عن شيخه هذا: «إن احترامى لهذا الشيخ احترام يأخذ بمجامع نفسى وأنا ماثل فى حضرته مضطربًا ويداى ترتعشان». ثقافة محمد الفاتح: درس السلطان «محمد» إلى جانب دراسته الأكاديمية المنظمة اللغات الإسلامية الثلاثة التى لم يكن يستغنى عنها مثقف عصرى آنذاك وهى: العربية والفارسية والتركية، وعنى بالأدب والشعر خاصة، فكان شاعرًا له ديوان بالتركية، وله بيت مشهور يقول فيه: نيتى هى الامتثال للأمر الإلهى «جاهدوا فى سبيل الله». وحماسى إنما هو حماس فى سبيل دين الله. وتعلم السلطان «محمد» أيضًا اللغات: اللاتينية واليونانية والصربية، ولاتخفى أهمية هذه اللغات لأمير فى طريقه إلى تولى الدولة العثمانية. وقد أثرت فترة إمارة «محمد» فى شخصيته فجعلته - بفضل توعية أساتذته - أكثر الأمراء العثمانيين وعيًا فى دراسة علوم التاريخ والجغرافيا والعلوم العسكرية، وبخاصة أن أساتذته وجهوا اهتمامه إلى دراسة الشخصيات الكبيرة، التى أثرت فى مجرى التاريخ، وأبانوا له عن جوانب العظمة فى تلك الشخصيات، كما وضحوا له نقاط الضعف فيها، أملا أن يكون أميرهم ذات يومٍ من أكثر الحكام خبرة وحكمة وعبقرية. ولا شك أن الشيخ «آق شمس الدين» استطاع أن يلعب دورًا كبيرًا فى تكوين شخصية «محمد» وأن يبث فيه منذ صغره أمرين، جعلا منه فاتحًا، وهما: - مضاعفة حركة الجهاد العثمانية. - الإيحاء دومًا لمحمد منذ صغره بأنه هو الأمير المقصود بالحديث النبوى، «لتفتحن القسطنطينية فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش». وقد استغرق تحقيق النقطة الأولى فترة تاريخية من حياة السلطان «محمد» - بعد أن أصبح سلطانًا للدولة - لنرى فيه حملاته العسكرية،

стр. 880

ونكتفى هنا بذكر حروبه البرية على الجبهة الأوربية. ففى عام (٨٥٧هـ=١٤٥٣م) فتح «القسطنطينية»، وفى عام (٨٦٣هـ= ١٤٥٩م) فتح «بلاد الصرب»، وفى عام (٥٦٨هـ = ٠٦٤١م) فتح «بلاد المورة»، وفى عام (٨٦٦هـ = ١٤٦٢م) ضم «بلاد الأفلاق»، وبين عامى (٨٦٧ - ٨٨٤هـ = ١٤٦٢ - ١٤٧٩م) فتح بلاد «ألبانيا»، وبين عامى (٨٦٧ - ٨٧٠هـ = ١٤٦٢ - ١٤٦٥م) فتح بلاد «البوسنة والهرسك»، وفى عام (٨٨١هـ = ١٤٧٦م) وقعت حرب «المجر». ومنذ حرب بلاد «المجر» وحتى وفاة الفاتح عام (٨٨٦هـ = ١٤٨١م) دخلت الدولة العثمانية فى حروب بحرية كثيرة منها: ضم الجزر اليونانية عام (٨٨٤هـ = ١٤٧٩م) وضم «أوترانتو» عام (٨٨٥هـ=١٤٨٠م) ومعلوم أنه كان قد أعد بالفعل جيوشه وتحرك على رأسها لمحاربة المماليك إلا أن الموت عاجله. فتح القسطنطينية: رأى السلطان «محمدالفاتح» أن فتح «القسطنطينية» كما أنه يحقق أملا عقائديا عنده فإنه أيضًا يسهل للدولة العثمانية فتوحاتها فى منطقة «البلقان» ويجعل بلاده متصلة لايتخللها عدو، وكانت «القسطنطينية» تمثل الأرض التى تعترض طريق الفتوحات فى «أوربا»، فبدأ فى عاصمته «أدرنة» الاستعداد لعملية فتح «القسطنطينية»، ومن ذلك: صب المدافع خاصة الضخم منها، والاستعداد لنقل هذه المدافع إلى أسوار مدينة «القسطنطينية». ثم رأى السلطان «محمد» أن جده «بايزيد الصاعقة» كان قد بنى - أثناء محاولته فتح «القسطنطينية» - قلعة على الضفة الآسيوية من «البوسفور» سماها «أناضولو حصارى» أى «قلعة الأناضول».كانت تقوم على أضيق نقطة من «مضيق البوسفور»، فقرر «محمد» أن يبنى فى مواجهة هذه القلعة على الجانب الأوربى من «البوسفور» قلعة سماها «روملى حصارى» أى «قلعة منطقة الروم» (يطلق الأتراك على الجانب الأوربى من تركيا والمنطقة الملاصقة له والمعروفة الآن باسم «البلقان» اسم «روم إيلى» أى منطقة الروم)، وكان القصد من هذا هو التحكم فى «البوسفور» تمامًا، وكان
следующие страницы →