Полный текст (280 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
درجة حديث: (أوله رحمة وأوسطه مغفرة)
السؤال
ما صحة حديث: (أوله رحمه وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار)؟
الجواب
الشهر كله شهر مغفرة ورحمة وعتق من النار، ولذا قال في الحديث: (ولله عتقاء من النار وذلك في كل ليلة).
стр. 142
درجة صحة الكشف العلمي بتغيير إشعاعات الجو في إحدى ليالي العشر
السؤال
اكتشف أن في ليلة من الليالي العشر لا تكون الإشعاعات التي في الجو متزنة كغيرها، فما قولكم؟
الجواب
هذا يُحتمل لأنه تتنزل الملائكة في هذه الليلة والله أعلم.
стр. 143
حكم الاعتكاف بغير صيام
السؤال
هل يشترط الصيام للاعتكاف؟
الجواب
الصيام ليس شرطاً للاعتكاف، يصح أن يعتكف وهو ليس بصائم.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
стр. 144
دليل الطالب_ كتاب الحج [١]
الحج فريضة من فرائض الله وركن من أركان الإسلام، وكذلك العمرة واجبة، لكن إنما يجبان على المرء بشروط إذا اختل منها شرط سقط الوجوب، ومن الشروط ما هو شرط صحة، ولهذا ينبغي أن يتفقه المسلم في أحكام الحج وشروطه وواجباته وحكم الاستنابة فيه حتى يعبد الله على بصيرة.
стр. 145
تعريف الحج وحكم وجوبه
стр. 146
تعريف الحج
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فأشكر أولاً القائمين على إدارة الدعوة في دولة قطر على إقامة مثل هذه الدورات التي يتفقه فيها المسلم بدينه، فقد قال ﵊: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)، أسأل الله أن يبارك في الجهود، وأن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال إنه مجيب الدعاء.
وبين أيدينا كتاب الدليل وقد تدارسنا منه في الأعوام السابقة ما سبق كتاب الحج من أبواب العبادات، ونتدارس إن شاء الله تعالى في هذه الدورة كتاب الحج.
والحج في اللغة: هو القصد.
وفي الاصطلاح: قصد بيت الله لعمل مخصوص في زمن مخصوص، ويتضح ذلك بذكر مسائل الحج وأحكامه إن شاء الله تعالى.
стр. 147
وجوب الحج
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وهو واجب مع العمرة في العمر مرة]، الحج واجب وهو ركن من أركان الإسلام وأحد مبانيه العظام، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٩٧].
وقال ﵊ فيما ثبت في الصحيحين: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً).
وتارك الحج لا يكفر عند جماهير العلماء، خلافاً لمن ذهب إلى ذلك من السلف، لكن جمهور السلف وعليه الأئمة الأربعة: أن تارك الحج لا يكفر.
ويكفر هو من جحد وجوبه؛ لأنه منكر ما تواترت به الأدلة، فإن فرضية الحج قد تواترت بها الأدلة من الكتاب والسنة، وأجمع على ذلك أيضاً علماء الأمة فهو منكر للإجماع أيضاً، فهو منكر للإجماع ومنكر لما هو ظاهر من الدين قد تواترت به النصوص، وأما الذي يتركه فإنه لا يكفر.
وأما ما رواه الترمذي من قوله ﵊: (من وجد زاداً وراحلة ولم يحج فسواء عليه مات يهودياً أو نصرانياً)، فالصواب وقفه على عمر، فهو من قول عمر ﵁، ومعناه المراد منه: الترهيب من ترك الحج، ولا يدل على أن تاركه كافر لكن تخشى عليه سوء الخاتمة نسأل الله العافية.
وهو واجب في العمر مرة، فقد جاء عند الخمسة إلا الترمذي وأصله في مسلم، أن النبي ﵊ قال: (إن الله قد كتب عليكم الحج فحجوا.
فقالوا: يا رسول الله أفي كل عام؟ قال: لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم، الحج مرة وما زاد فهو تطوع)، وعلى ذلك فلا يجب الحج في العمر إلا مرة واحدة.
стр. 148
وجوب العمرة
وهنا قال ﵀: (مع العمرة) وهذا هو المشهور في المذهب وأن العمرة واجبة على كل مكلف، ويدل على ذلك ما ثبت في مسند أحمد وابن ماجة: أن النبي ﵊ قالت له عائشة ﵂: (على النساء جهاد؟ فقال ﵊: عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة).
وفي سنن أبي داود أن الصبي بن معبد قال لـ عمر ﵁: (إني كنت أعرابياً نصرانياً فأسلمت فرأيت الحج والعمرة مكتوبين علي فأهللت بهما فقال: هديت لسنة نبيك).
وهذا يدل على أن من هديه ﵊ وجوب العمرة، ولذا قال عمر مقراً له في قوله: (مكتوبين علي) فقال: (هديت لسنة نبيك ﵊.
وعمرةُ القارن والمتمتع تجزئه عن عمرة الفريضة، فمن حج قارناً أو حج متمتعاً فاعتمر وتحلل الحل كله ثم حج فإن هذه العمرة تجزئه عن عمرة الإسلام، وعلى ذلك فيجب على المكلف أن يعتمر، وتجزئه عمرة القران وعمرة التمتع عن عمرة الإسلام.
والمذهب: أن العمرة واجبة مطلقاً يعني: على كل مكلف، فدخل في ذلك أهل مكة.
والمنصوص عن الإمام أحمد وهو اختيار الموفق ابن قدامة: أن العمرة لا تجب على المكيين وإنما تجب على الآفاقيين، وهو قول ابن عباس ﵁ كما في مصنف ابن أبي شيبة: أن أهل مكة لا تشرع لهم العمرة؛ وذلك لأن العمرة هي الزيارة، وأهل مكة هم أهل المحل وعمرتهم إنما هي الطواف بالبيت، وعلى ذلك فتجب على الآفاقيين دون أهل مكة.
стр. 149
شروط وجوب الحج
стр. 150
الشرط الأول الإسلام
قال المصنف ﵀: [وشرط الوجوب خمسة أشياء: الإسلام، والعقل، والبلوغ، وكمال الحرية].
شرع المؤلف في ذكر شروط الحج فقال: [الإسلام]، أي: فالكافر لا يصح منه النسك، قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة:٥٤]، فإذا كانت النفقة ذات النفع المتعدي لا تقبل فأولى من ذلك الحج؛ لأن الغالب فيه النفع اللازم.
والكفار يؤاخذون يوم القيامة على فروع الشريعة فيؤاخذون على تركهم الحج، وذلك ليزيد عذابهم وإن كانوا لو فعلوا ذلك لم يصح منهم لاختلال شرطه وهو الإسلام.
فالشرط في صحة العمل هو الإيمان وهؤلاء لم يؤمنوا، واختلال هذا الشرط من عندهم، ولذا فإنهم يؤاخذون على ما تركوه من فروع الشريعة.
стр. 151
الشرط الثاني العقل
قال: [والعقل].
العقل شرط فلا يصح النسك من المجنون.
وأما الصبي وإن كان لم يعقل كالذي ولد للحظة، أو كان دون سن التمييز، فإن حجه يصح عند جمهور العلماء، فقد رفعت امرأة إلى النبي ﵊ صبياً وقالت: (ألهذا حج؟ قال: نعم.
ولك أجر) رواه مسلم في صحيحه.
فالصبي يصح حجه لكنه لا يجزئه عن حجة الإسلام، ويكون تطوعاً له، وهذه المسألة في الصبي غير المميز من المسائل التي يفارق الحج فيها غيره من العبادات، فالصلاة لا تصح من الصبي غير المميز، فإن ابن سنتين وابن ثلاث وابن أربع وابن خمس وابن ست لا تصح صلاتهم؛ لأن المميز هو من أكمل سبع سنين، فمن كان دون ذلك فإن عباداته لا تصح سوى الحج.
كما أن الحج -وهذا سيأتي- لا يبطل برفضه بخلاف سائر العبادات، أي: لو أن رجلاً رفض نيته في أثناء الحج قال: أنا أريد أن أرجع إلى بلدي ولا أريد أن أكمل الحج، فهذا الرفض لا يعتد به، فلا يبطل برفض نيته، أما سائر العبادات فإنها تبطل، فالذي يتوضأ إذا قطع نيته أثناء الوضوء بطل وضوءه، والذي يصلي إذا قطع نيته في أثناء الصلاة بطلت صلاته.
إذاً هذه من الفروق بين الحج وغيره، لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦].
إذاً الصبي ولو ولد للحظة يصح حجه لكن لا يجزئه ذلك عن حجة الإسلام، ولا يصح حجه إلا بإذن وليه؛ وذلك لأن الحج عبادة ذات عقد يلزم به المال لما فيه من هدي، وفدية على من أتى محظوراً ففيه مال، والصبي لا يتصرف بشيء من ماله إلا بإذن وليه، وعلى ذلك فلا يصح حجه إلا بإذن وليه.
ثم إن كان الطفل عاقلاً -يعني: مميزاً- أحرم عن نفسه، وإن كان غير مميز أحرم عنه وليه، ويجوز أن يحرم عنه أجنبي بإذن وليه، يجوز أن يحرم عنه أجنبي بإذن وليه.
ويفعل الصبي كل ما يقدر عليه كالوقوف بعرفة، وما لا يقدر عليه يفعله عنه وليه كالرمي.
وقد جاء في ابن ماجة -والحديث في سنده ضعف- أن جابراً ﵁ قال: (حججنا مع النبي ﵊ ومعنا النساء والصبيان فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم) وعليه العمل عند أهل العلم كما ذكر هذا ابن المنذر وحكاه من فعل ابن عمر رضي الله تعالى عنه.
وإذا حمله وليه في الطواف فهل يجزئ هذا الطواف عن المحمول فقط، أو يجزئ عن الحامل والمحمول؟ قولان لأهل العلم: المشهور في المذهب: أنه يجزئ عن المحمول فقط، فمن حمل صبياً أو شيخاً كبيراً أجزأ ذلك عن هذا المحمول فقط.
والقول الثاني في مذهب أحمد واختاره الشيخ عبد الرحمن بن سعدي واستحسنه الموفق وهو مذهب الأحناف: أنه يجزئ عنهما معاً مع النية، فمن حمل صبياً ونوى في نفسه الطواف وقد نوى لهذا الصبي الحج بأن أحرم عنه إن كان غير مميز، وإن كان مميزاً قد أحرم عن نفسه فإن هذا يجزئ عنهما معاً، وهذا هو الراجح؛ لأن كليهما قد طافا بالبيت ونوى، فكلاهما قد حصل منه طواف وحصلت منه نية مجزئة.
стр. 152
الشرط الثالث البلوغ
قال: [والبلوغ].
البلوغ شرط في وجوب الحج، فلا يجب الحج إلا على البالغ.
وقد ثبت في سنن أبي داود والبيهقي وغيره: أن النبي ﵊ قال: (رفع القلم عن ثلاثة: الصبي حتى يبلغ، والمجنون حتى يفيق، والنائم حتى يستيقظ)، فهؤلاء الثلاثة وهم: النائم والمجنون والصبي قد رفع عنهم قلم التكليف.
وقد جاء في مستدرك الحاكم -والحديث صحيح- أن النبي ﵊ قال: (أيما صبي حج ثم بلغ فعليه أن يحج حجة أخرى، وأيما عبد حج ثم أعتق فعليه أن يحج حجة أخرى).
وعلى ذلك فالصبي إذا بلغ عليه أن يحج حجة أخرى فلا تجزئه هذه الحجة عن حجة الإسلام.
стр. 153
الشرط الرابع كمال الحرية
قال المصنف ﵀: [وكمال الحرية].
فالعبد لا يجب عليه الحج، وإن حج لم تجزئه عن حجة الإسلام؛ لكن حجته تصح له تطوعاً للحديث المتقدم: (وأيما عبد حج ثم أعتق فعليه أن يحج حجة أخرى).
قال المصنف ﵀: [لكن يصحان من الصغير والرقيق، ولا يجزئان عن حجة الإسلام وعمرته].
نعم، يصحان من الصغير والرقيق تطوعاً كما تقدم، ولذا قال: (ولا يجزئان عن حجة الإسلام وعمرته).
قال المصنف ﵀: [فإن بلغ الصغير أو عتق الرقيق قبل الوقوف أو بعده إن عاد فوقف في وقته أجزأه عن حجة الإسلام].
قلنا: إن الصبي إن حج فإن عليه حجة أخرى يحجها إذا بلغ، لكن إذا كان قد بلغ في حجته أثناء وقوفه بعرفة، أو بعد انصراف الناس إلى مزدلفة ثم إنه عاد فوقف بعرفة والوقت باق؛ فإنه يجزئه، وذلك إذا لم يكن قد سعى قبل ذلك بين الصفا والمروة إذا كان مفرداً أو قارناً.
هذا صبي ذهب إلى مكة مع أهله فأحرم من الميقات ثم طاف طواف القدوم ولم يسع بين الصفا والمروة وكان مفرداً أو قارناً، ثم وقف بعرفة وأثناء الوقوف بعرفة بلغ، أو بلغ ليلة مزدلفة حيث استيقظ قبل الفجر وقد احتلم فرجع إلى عرفة وأدرك الوقوف بها قبل أذان الفجر، فتصح له هذه الحجة فرضاً، ويكون بذلك قد أتى بالفريضة.
ومثل ذلك العبد؛ فلو أن رجلاً أعتق عبده بعرفة فإنها تجزئه عن حجة الإسلام، ولو أنه أعتقه ليلة مزدلفة ثم إن العبد عاد إلى عرفة ووقف فيها قبل أذان الفجر ليلة النحر؛ فإنه يكون بذلك مدركاً لحجة الإسلام.
قال المصنف ﵀: [ما لم يكن أحرم مفرداً أو قارناً وسعى بعد طواف القدوم].
إذا كان إحرامه على صفة الإفراد أو صفة القران وطاف طواف القدوم يوم مجيئه، ثم سعى بين الصفا والمروة قبل الوقوف بعرفة، ثم بلغ الصبي أو أعتق العبد يوم عرفة فلا تجزئه عن حجة الإسلام؛ لأنه شرع في الأركان حين سعى سعي الركن بعد طواف القدوم؛ وذلك لأن هذا السعي يجزئه عن سعي حجه، وعلى ذلك فلا تجزئه هذه عن حجة الإسلام.
قال المصنف ﵀: [وكذا تجزئ العمرة إن بلغ أو عتق قبل طوافها].
أما العمرة فإنها تجزئه إن بلغ أو عتق قبل طوافها، فإذا أحرم صبي من ميقات ذي الحليفة مثلاً، وقبل أن يصل إلى مكة بلغ، وكذلك العبد إذا أعتق، فتجزئه هذه العمرة عن عمرة الإسلام، لكن لو أنه أعتق بعد أن انتهى من شوط واحد أو شوطين لم تجزئه عن عمرة الإسلام، بل تكون نفلاً.
إذاً: إذا أحرم الصبي أو العبد بالعمرة، ثم إن الصبي بلغ أو العبد أعتق قبل الشروع في الطواف فإن ذلك يجزئ عن عمرة الإسلام، وأما إذا كان ذلك بعد شروعه في الطواف فإن هذه العمرة لا تجزئه عن عمرة الإسلام.
стр. 154
الشرط الخامس الاستطاعة
قال المصنف ﵀: [الخامس: الاستطاعة، وهي ملك زاد وراحلة تصلح لمثله].
أن يملك زاداً وراحلة، فقد جاء في الترمذي: أن النبي ﵊ قيل له: (ما السبيل؟ قال: الزاد والراحلة) والحديث حسنه الترمذي وحسنه شيخ الإسلام ابن تيمية فهو حديث حسن.
قول المؤلف: (تصلح لمثله) هذا في الزاد والراحلة، وقال صاحب الزاد وهو احتمال في المذهب: (صالحين لمثله) أي: الزاد والراحلة، وهذا أرجح.
وعلى ذلك فلو أن رجلاً وجد زاداً لا يصلح لمثله أو وجد راحلة لا تصلح لمثله في العرف فلا يجب عليه أن يحج حتى يستطيع، بأن يجد زاداً يصلح لمثله وراحلة تصلح لمثله.
فلو أن رجلاً ثرياً أراد أن يحج فلم يجد حجزاً في الطائرة وهناك سيارات تذهب بالناس وهو لم يعتد ركوب مثل هذا النوع، فهذا عليه حرج في ركوبه، والله جل وعلا يقول: ﴿مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨].
أو وجد مثلاً حملة عندها طعام لا يصلح لمثله كالشعير لم يؤمر بالحج.
والحمد لله أن الناس اليوم يكادون يشتركون في الأطعمة وفي الراحلة، فلا تجد فرقاً كبيراً بين طعام الغني وطعام الفقير؛ لكن لو قدر أنه لا يجد إلا التمر أو لا يجد إلا الشعير أو نحو ذلك وكان هذا الطعام لا يصلح لمثله، فلا يؤمر بالحج حتى يجد زاداً وراحلة صالحين لمثله؛ وذلك لأن الله جل وعلا قد رفع عن هذه الأمة الحرج، قال جل وعلا: ﴿مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨].
قال المصنف ﵀: [أو ملك ما يقدر به على تحصيل ذلك].
إذا لم يكن معه زاد ولا راحلة؛ لكنه يملك نقوداً أو دراهم أو ذهباً يمكنه أن يحصل به راحلة يستأجرها وطعاماً يتقوت به، فهذا لا يملك زاداً ولا يملك راحلة؛ لكنه يملك دراهم يمكنه أن يشتري بها ما شاء من الطعام وأن يركب ما شاء من السيارات أو غيرها.
стр. 155
اشتراط كون الزاد والراحلة فاضلين عن الحاجة
قال المصنف ﵀: [بشرط كونه فاضلاً عما يحتاجه من كتب ومسكن وخادم].
هذا رجل لم يحج لأنه ليس عنده ما ينفقه على نفسه في الحج، لكن عنده بيت يسكنه، فهل نأمره أن يبيع هذا المسكن؟
الجواب
لا، قال تعالى: ﴿مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨].
عنده سيارة يركبها، قد تكون هذه السيارة تساوي خمسين ألفاً وتناسبه في العرف، فلا نقول: بع سيارتك لتحج.
كذلك لو كان عنده كتب يقرؤها مثل طالب في الجامعة عنده كتب أو طالب علم عنده كتب يقرؤها فلا نأمره أن يبيع هذه الكتب؛ لأنه يحتاج إليها.
ولا نأمره ببيع أثاث بيته ليحج.
فلابد -كما قال المؤلف- أن يكون فاضلاً عما يحتاجه من كتب ومسكن وخادم.
ولو أن رجلاً عنده سيارتان في البيت وإحدى السيارتين يمكنه أن يستغني عنها فإننا نأمره ببيعها، وكذلك لو كان له بيتان أو عنده كتب زائدة أو نحو ذلك، ويكون ذلك فاضلاً عن حاجته، يعني: عنده بيت يسكنه وبيت فاضل عن حاجته، لكن لو كان يؤجر البيت الثاني وينفق الأجرة على أهله فلا يؤمر ببيعه.
إذاً: يؤمر ببيع الفاضل عن حاجته ليحج بيت الله؛ لأنه قادر.
قال المصنف ﵀: [وأن يكون فاضلاً عن مؤنته ومؤنة عياله على الدوام].
أي: أن يكون فاضلاً عن نفقته ونفقة عياله على الدوام.
فلو أن الرجل له راتب قدره خمسة آلاف وهذا الراتب ينفقه على نفسه وعلى عياله ولا يفضل منه شيء، فلا نأمره بالحج، لكن لو كان عنده ما يزيد على حاجته في النفقة أو حاجة عياله فيجب عليه أن يحج ويعتمر؛ لأن النبي ﵊ يقول: (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت) رواه أبو داود وغيره، فلا يؤمر بأن يضيع أولاده ليحج أو يعتمر.
стр. 156
وجوب الحج على الفور
قال المصنف ﵀: [فمن كملت له هذه الشروط لزمه السعي فوراً إن كان في الطريق أمن].
أي: من كملت له هذه الشروط لزمه السعي إلى الحج فوراً وليس له أن يتراخى، وقد جاء في سنن أبي داود ما يدل على ذلك، قال ﵊: (من أراد الحج فليتعجل) وهو حديث حسن لغيره.
وقال: (من كسر أو عرج فقد حل وعليه الحج من قابل)، فهذا يدل على وجوب المبادرة في أداء الحج على من حصل له إحصار، وأولى من ذلك حج الفريضة، ولأن أصح قولي الأصوليين: أن الواجبات على الفور.
وقول المصنف ﵀: [إن كان في الطريق أمن]، أي: لكن إن كان الطريق ليس بآمن فلا يجب عليه أن يحج؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥]، وقال ﵊: (لا ضرر ولا ضرار).
стр. 157
حكم من عجز عن الحج
стр. 158
استنابة العاجز في الحج
قال المصنف ﵀: [فإن عجز عن السعي لعذر ككبر أو مرض لا يرجى برؤه لزمه أن يقيم نائباً حراً ولو امرأة يحج ويعتمر عنه من بلده].
إذا عجز عن السعي لعذر وكان هذا العذر لا يرجى زواله، ككبير لا يقدر على التنقل بين المشاعر وركوب الراحلة، أو مريض لا يرجى برؤه في العادة، أو محبوس لا يرجى خروجه، فهؤلاء يجب عليهم أن يقيموا نائباً يحج عنهم ويعتمر.
ولا يشترط أن يكون هذا النائب ذكراً، إن كان المستنيب ذكراً بل يجزئ الذكر أن ينيب المرأة والعكس، ولذا قالت الخثعمية للنبي ﵊ -كما في الصحيحين- (إن فريضة الحج على العباد قد أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ فقال النبي ﵊: حجي عنه).
فهنا هذا الرجل شيخ كبير ولا يستطيع الركوب على الراحلة، فأذن لها النبي ﵊ أن تحج عنه.
ومثله المريض الذي لا يرجى برؤه، وأما إذا كان يرجى برؤه فليس له أن ينيب، ومثل ذلك أيضاً المحبوس الذي يرجو الخروج من الحبس فهذا كذلك ليس له أن ينيب، ومثل ذلك أيضاً من يعيش في بلاد فيظل سنوات كثيرة لا يسمح له بالحج حتى يأتيه دوره، وقد يجلس عشر سنوات، هذا ليس له أن ينيب بل ينتظر حتى يؤذن له ويحج بيت الله.
стр. 159
حج النائب من بلد العاجز
وقول المصنف ﵀: (يحج ويعتمر عنه من بلده).
أي: فإذا كان من أهل مصر وهو في مصر فإنه ينيب من مصر ومن نفس المدينة أيضاً.
والقول الثاني في المسألة وهو اختيار الشيخ عبد الرحمن بن سعدي قال: بل له أن ينيب ولو من مكة، وهذا هو الراجح؛ لأن النبي ﵊ قال للمرأة: (حجي عنه) ولم يقيد ذلك بكونه من بلده، فالنص مطلق فيجب أن نبقيه على إطلاقه، ولأن الانتقال من بلده إلى مكة ليس مقصوداً في الأصل، بل المقصود هو أداء النسك، وإنما وجب عليه أن ينتقل من بلده لأنه فيها وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وعلى ذلك فالصحيح ما اختاره الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: وهو أن له أن ينيب من غير بلده من يحج عنه.
стр. 160
حكم ما إذا زال عذر العاجز عن الحج وقد استناب من يحج عنه
قال المصنف ﵀: [ويجزئه ذلك ما لم يزل العذر قبل إحرام نائبه].
هذا الرجل أناب في عمرة فريضة أو حج فريضة، ثم إنه شفي قبل شروع النائب في النسك، يعني: وهو في الطريق قبل أن يحرم من الميقات، فقد زال العذر فلا تجزئه حجة النائب عن حجة الإسلام، ولا تجزئه عمرة النائب عن عمرة الإسلام.
وأما إذا زال العذر بعد شروعه، أي أن النائب قال: لبيك حجاً عن فلان، أو قال: لبيك عمرة عن فلان، أو لبيك عمرة وحجة عن فلان ثم شفي هذا المريض الذي كان لا يرجى برؤه أو أطلق المحبوس فهنا تجزئه عن حجة الإسلام وعن عمرة الإسلام.
وذلك لأن البدل إذا شرع فيه أجزأ ذلك عن الأصل الذي كان معجوزاً عنه، فمن عجز عن الأصل وانتقل إلى البدل وشرع فيه ثم قدر على الأصل لم يلزمه.
هذا رجل قال: أنا لا أقدر على إطعام عشرة مساكين فنقول له: صم ثلاثة أيام، فلما شرع في اليوم الأول أتاه إرث مال كثير يستطيع أن يكفر منه كفارات كثيرة فلا نؤمره الآن أن يعود ويطعم عشرة مساكين، لأنه قد شرع في البدل والبدل يجزئه.
فهنا هذا النائب قد شرع في البدل فأجزأ ذلك عن حجة الإسلام وعمرة الإسلام.
стр. 161
حكم من مات ولم يستنب من يحج عنه
قال المصنف ﵀: [فلو مات قبل أن يستنيب وجب أن يدفع من تركته لمن يحج ويعتمر عنه].
من مات ولم يحج فيجب أن يخرج من تركته؛ لأن هذا دين في ذمته، وقد قال النبي ﵊ للمرأة التي سألته كما في البخاري عن أمها التي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت: أفتحج عنها؟ قال: (أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ قالت: نعم، قال: اقضوا الله فالله أحق بالقضاء)، وهذا دين فيجب وفاؤه.
стр. 162
شرط النائب في الحج
قال المصنف ﵀: [ولا يصح ممن لم يحج عن نفسه حج عن غيره].
الذي لم يحج عن نفسه الفريضة ليس له أن يحج عن غيره، فقد جاء في سنن أبي داود: (أن النبي ﵊ سمع رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة قال: هل حججت عن نفسك؟ قال: لا، قال: حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة)، فإذا حج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه كانت الحجة له.
هذا رجل أخذ دراهم ليحج بها عن أحد الناس ولم يكن قد حج عن نفسه، نقول: هذه الحجة تكون له تجزئه هو عن حجة الإسلام ولا تجزئ المستنيب.
стр. 163
اشتراط الزوج أو المحرم لوجوب الحج على الأنثى
قال المصنف ﵀: [وتزيد الأنثى شرطاً سادساً وهو: أن تجد لها زوجاً أو محرماً مكلفاً].
المرأة تزيد شرطاً سادساً، وهو أن تجد لها زوجاً يحج بها، ولا يجب ذلك عليه، ولا يجب أن ينفق عليها في هذه الحجة؛ وذلك لأن الله يقول: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤].
فإن ذهب معها وأنفق على نفسه أو أنفق عليها فهذا فضل منه ولا يجب عليه ذلك.
أو أن تجد محرماً كالأب أو الأخ أو العم فلا بد أن تجد زوجاً يذهب بها أو محرماً، ولا بد أن يكون هذا المحرم مكلفاً؛ لأن الصبي والمجنون لا يحفظ ولا يصونها فلا يحصل به المقصود.
وقد جاء في الصحيحين: أن النبي ﵊ قال: (لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم.
فقال رجل: يا رسول الله! إني قد اكتتبت في غزوة كذا وكذا، وإن امرأتي قد خرجت حاجة، فقال له النبي ﵊: انطلق فحج مع امرأتك).
وجاء في الدارقطني أن النبي ﵊ قال: (لا تحجن امرأة إلا مع ذي محرم).
والمرأة إن حجت بلا محرم خشي عليها الإثم وصح حجها وأجزأها ذلك عن حجة الإسلام.
والمرأة التي لا تجد محرماً لا يجب عليها الحج، فهذا شرط في وجوب الحج، ولذا إذا ماتت لم يخرج ذلك من تركتها؛ لأنه لم يجب عليها الحج شرعاً إلا بوجود محرم لها، فالمرأة لا يجب عليها الحج حتى تجد محرماً.
قال المصنف ﵀: [أو محرماً مكلفاً وتقدر على أجرته وعلى الزاد والراحلة لها وله].
فالواجب عليها ألا تحج إلا مع ذي محرم، وعليها في الأصل النفقة لها وله إلا أن يتبرع لها محرمها بذلك.
قال المصنف ﵀: [فإن حجت بلا محرم حرم وأجزأها].
إن حجت بلا محرم حرم، لكن ذلك يجزئها عن حجة الإسلام.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
стр. 164
دليل الطالب_ كتاب الحج [٢]
الإحرام بالحج هو مبدأ الدخول فيه، وله مواقيت مكانية ومواقيت زمانية لا يجوز تجاوزها من غير إحرام، وهو لا ينعقد مع وجود الجنون أو الإغماء أو السكر، وإذا انعقد وجب على الحاج أن يحافظ عليه مما يخل به أو يبطله، وأن يتجنب المحظورات التي حرمت عليه بسبب الإحرام، كما ينبغي أن يتعلم أنواع النسك وأفضلها حتى يختار لنفسه عند الإحرام ما هو أفضل حسب استطاعته.
стр. 165
تعريف الإحرام وذكر المواقيت المكانية
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الإحرام].
والإحرام: هو نية الدخول في النسك.
وهذا الإحرام يجب أن يكون من الميقات، ولذا قال: [وهو واجب من الميقات]، فلا يجوز له أن يتجاوز الميقات إلا بإحرام، فمن كان ميقاته ذا الحليفة كأن يكون من أهل المدينة أو من يأتي من طريقهم فإنه يحرم من هذا الميقات ولا يتجاوزه إلا بإحرام، ولو أحرم قبله أجزأ بإجماع العلماء.
فلو أن رجلاً خرج من الدوحة إلى مكة محرماً قد نوى الدخول في النسك، فإن ذلك يجزئ وإن كان خلاف الأولى.
وقد وقت النبي ﵊ خمسة مواقيت، فقد ثبت في الصحيحين عن ابن عباس ﵁ أنه قال: (وقت النبي ﵊ لأهل المدينة ذي الحليفة، ولأهل الشام -وفي رواية عند النسائي: ومصر- الجحفة، ولأهل اليمن يلملم، ولأهل نجد قرناً) وهو قرن المنازل، والقرن هو الجبل المنفرد، (هن لهن ولمن أتى عليهن من غيرهن ممن أراد الحج والعمرة، ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة).
هذا الحديث المتفق عليه فيه أربعة مواقيت.
وفي النسائي وأبي داود: (أن النبي ﵊ وقت لأهل العراق ذات عرق).
وفي البخاري: أن أهل المصرين -أي الكوفة والبصرة- أتوا إلى عمر بن الخطاب ﵁ فقالوا: يا أمير المؤمنين! إن النبي ﵊ قد وقت لأهل نجد قرناً وإنه دور عن طريقنا، وإن أردنا قرناً شق ذلك علينا فقال لهم: انظروا إلى حذوه، فوقت لهم ذات عرق]، فقد خفي هذا التأقيت على عمر ﵁ فاجتهد فأصاب السنة رضي الله تعالى عنه.
إذاً: هذه خمسة مواقيت وقتها النبي ﵊ للمريد للنسك من حج أو عمرة، فليس له أن يتجاوز هذه المواقيت إلا بإحرام أولها: ذو الحليفة، ويسميه العامة بآبار علي، ولا أصل لهذه التسمية، والعامة يعتقدون أن علياً قاتل الجن في هذه الآبار، وهذا كذب لا أصل له.
أما الميقات الثاني فهو ميقات الجحفة، وهذا الميقات انتقلت إليه حمى يثرب، فقد دعا النبي ﵊ أن تنتقل حمى يثرب إلى الجحفة، فاتخذ الناس رابغ ميقاتاً لأنها بحذوه.
وتبعد رابغ عن مكة نحو خمس مراحل، وكل مرحلة نحو أربعين كيلاً، والمرحلة هي سير الإبل في اليوم، وعلى ذلك فيحتاج راكب الإبل بين الجحفة ومكة إلى خمس ليال.
وتبعد يلملم -وتسمى بالسعدية- عن مكة مرحلتين أي: نحو ثمانين كيلاً، وكذلك الضريبة.
وأما السيل فيبعد نحو ثلاث مراحل.
وعلى ذلك فأقرب المواقيت إلى مكة يبعد مرحلتين أي: يبعد نحواً من ثمانين كيلاً.
واعلم أن من لم يكن في طريقه ميقات فإن المشروع له أن يحرم من حذو أقرب المواقيت إلى هذا الطريق، ولذا قال عمر ﵁ لأهل العراق: انظروا إلى حذوه.
ومن أتى من البحر ولم يكن في طريقه أرض يابسة فإنه يحرم من جدة، كالذين يأتون من السودان ونحوها، وجدة تبعد عن مكة مرحلتين، وليست ميقاتاً في المشهور المفتى به، لكنها للذين يأتون من تلك الجهة من أهل السواكن وذكر في المنتهى أنها ميقات.
وقد ذكر بعض الأحناف وهذا فيه قوة: أن من أتى إلى جدة ليمكث فيها أياماً لعمل ونحوه فإن له أن يحرم منها، لأنه مر من ميقات، كالذي يمر من ميقات ذي الحليفة وهو يريد جدة يمكث فيها أياماً لعمل أو تجارة أو غير ذلك، ثم يريد السفر من جدة إلى مكة بعد أن يمكث فيها أياماً، فالذي يظهر أن هذا له أن يحرم من جدة؛ لأنه مريد لها عند مروره بالميقات؛ ولأن بقاءه محرماً لا يخلو من مشقة.
قوله: (ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ)، يعني: من كانت قريته أو موضع سكنه دون هذه المواقيت، فمن حيث أنشأ.
كأن يسكن قرية تبعد عن مكة عشرين كيلاً، فهذا يحرم من هذا الموضع، ولو كان في الأصل ليس من أهلها لكنه أتى إليها ثم بدا له أن يعتمر فمن حيث أنشأ، فلو أن مدنياً مكث في موضع دون ذي الحليفة ثم نوى منه أن يعتمر ولم يكن قبل ذلك مريداً للحج والعمرة لكنه أنشأ هذه النية هناك فإنه يحرم من هذا الموضع.
وقوله: (حتى أهل مكة من مكة)، هذا في الحج، وأما في العمرة فليست كل مكة تصلح ميقاتاً في العمرة، بل الذي يصلح منها للمعتمر شرعاً هو الحل، فلا بد أن يذهب إلى الحل ليعتمر منه، وأما الحاج فإنه ينشئ نسكه من مكة حلها أو حرمها.
هذا رجل من أهل مكة نوى أن يحج البيت من شقته أو من بيته وهو داخل الحرم فلا بأس بذلك ولا حرج.
أما العمرة فلا بد أن يخرج إلى التنعيم أو غيره من الحل، وذلك لأن العمرة ليس فيها إلا الحرم فناسب أن يخرج إلى الحل ليعتمر فيجمع بين حل وحرم؛ ولأن العمرة هي الزيارة فناسب أن يأتي من الحل ليزور البيت في الحرم، ويدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين: (أن النبي ﵊ أمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يعمر عائشة من الت
стр. 166
ما لا ينعقد معه الإحرام وما يبطله
قال: [ولا ينعقد الإحرام مع وجود الجنون أو الإغماء أو السكر] لعدم أهليته للنية؛ لأنه لا بد من نية، (وإنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) والحديث متفق عليه.
وعلى ذلك فلا يصح الإحرام من مجنون ولا من مغمى عليه ولا من سكران، واستثنت الأدلة كما تقدم الصبي غير المميز فقد رفعت امرأة إلى النبي ﵊ طفلاً فقالت: (ألهذا حج؟ قال: نعم ولك أجر).
فالصبي ولو ولد للحظة والجارية ولو ولدت للحظة فإن حجهما يصح وكذلك العمرة، وهذا كما تقدم لا يجزئ عن حجة الإسلام ولا عن عمرة الإسلام وإنما يكون نفلاً، وتقدم شرح هذا.
قال: [وإذا انعقد لم يبطل إلا بالردة] أي: إذا انعقد الإحرام من عاقل قد سلم من السكر والإغماء، فلم يكن سكران ولم مغمىً عليه ولا مجنوناً فلا يبطل هذا الإحرام إلا بالردة عن الإسلام، أعاذنا الله وإياكم.
стр. 167
فساد الإحرام بالوطء وما يترتب عليه
قال: [لكن يفسد بالوطء في الفرج قبل التحلل الأول ولا يبطل بل يلزمه إتمامه والقضاء] وعلى ذلك لو أحرم عاقل ثم طرأ عليه الجنون فلا يبطل إحرامه، ولو أحرم ثم أغمي عليه أو سكر فلا يبطل نسكه، إذ لا يبطل النسك إلا بالردة؛ لكن يفسد بالوطء في الفرج قبل التحلل الأول من غير بطلان.
فمن وطئ قبل أن يأتي بنسكين من ثلاثة أنساك في يوم النحر -وهي الرمي والتقصير أو الحلق والطواف بالبيت- فإنه قد جامع قبل التحلل الأول فنقول: إن نسكه قد فسد ولم يبطل، فيجب عليه أن يمضي فيه مع فساده، وأن يقضي هذه الحجة في العام القادم.
ويجب عليه كذلك أن ينحر بدنة، وإذا كانت المرأة راضية مختارة فعليها مثل ما على هذا الرجل.
إذاً يجب عليه أن يمضي في هذا النسك الفاسد ويجب عليه أن يقضيه في العام القادم وتجب عليه بدنة إما بقرة تم لها سنتان أو ناقة أو جزور تم لها خمس سنوات.
هذه الأحكام تترتب على من جامع قبل التحلل الأول.
وأما من كان جماعه بعد التحلل الأول فإن حجه يصح، وعليه إن كان قد خلع إحرامه أن يعود فيلبسه وأن يكون ذلك من الحل.
إذاً: عليه أن يذهب إلى الحل وأن يجدد إحرامه.
وإن كان لم يخلعه فإن عليه كذلك أن يجدد الإحرام من الحل يعني: يذهب إما إلى عرفة وإما إلى التنعيم أو غير ذلك من المواضع فيحرم من هناك، وعليه أن يذبح شاة، هذا إذا كان الجماع بعد التحلل الأول، وفي ذلك آثار عن الصحابة.
стр. 168
أنواع النسك وأحكامها
стр. 169
التمتع أفضل الأنساك الثلاثة
قال: [ويخير من يريد الإحرام بين أن ينوي التمتع وهو أفضل أو ينوي الإفراد أو القران].
هذه ثلاثة أنساك: النسك الأول: التمتع، والنسك الثاني: الإفراد، والنسك الثالث: القران.
وأفضلها التمتع، ولذا قال النبي ﵊: (لولا أني سقت الهدي لأحللت بعمرة غير أنه لا يحل مني حرام، حتى يبلغ الهدي محله)، وقد أمر أصحابه ﵊ بأن يتمتعوا، وقد جاءت أحاديث كثيرة عن نحو أربعة عشر صحابياً في هذا الباب؛ لكن هذا التمتع كان خاصاً بأصحاب النبي ﷺ ، فقد جاء في صحيح مسلم عن أبي ذر ﵁ قال: (كانت المتعة لأصحاب النبي ﵊ خاصة).
وقد جاء في الصحيحين عن سراقة ﵁ أنه قال للنبي ﵊: (ألعامنا هذا أم للأبد؟ فقال النبي ﵊: بل للأبد).
فمشروعية التمتع واستحبابه ومشروعية فسخ الحج إلى عمرة باقية إلى يوم القيامة، وأما وجوبه فكان خاصاً بأصحاب النبي ﵌، وذلك أنهم في الجاهلية كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، فأمر النبي ﵊ بالتمتع ليزول هذا الاعتقاد الذي كان عليه أهل الجاهلية.
إذاً أفضل الأنساك التمتع، ثم الإفراد فيما ذكر المؤلف، والذي يترجح أن القران أفضل، فقد حج النبي ﵊ قارناً كما في الصحيحين؛ ولأن القران يجمع فيه الناسك بين الحج والعمرة، وفيه الهدي فهو أفضل، ثم الإفراد، فالإفراد في المرتبة الثالثة.
стр. 170
تعريف التمتع
قال: [فالتمتع هو أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، ثم بعد فراغه منها يحرم بالحج] وأشهر الحج هي: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة.
فيحرم بالعمرة في أشهر الحج، ثم بعد فراغه منها يتحلل الحل كله، فتكون جميع محظورات الإحرام جائزة بالنسبة له، ثم يحرم بالحج في نفس العام، هذا هو التمتع.
إذاً التمتع أن يهل بالعمرة أولاً ويكون إهلاله بها في أشهر الحج، فلو أهل بها في رمضان أو في شعبان فلا يعد متمتعاً، ولكن تكون عمرته في أشهر الحج ثم يتحلل منها ثم يهل بالحج في نفس السنة، وعليه الهدي، ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦].
стр. 171
تعريف الإفراد
قال: [والإفراد هو أن يحرم بالحج، ثم بعد فراغه منه يحرم بالعمرة].
فهذا قد أحرم بالحج فقط فنسكه حج لا عمرة فيه، وبعد الفراغ من الحج يستحب له في المشهور في المذهب أن يعتمر.
واختار شيخ الإسلام أنه لا يستحب، وهذا أصح؛ لأن الراجح أن العمرة إنما تستحب للقادم الذي يأتي مكة من خارجها، وأما صاحب المحل أو من فرغ من الحج فالأفضل له ألا يعتمر، فإن اعتمر لم يكن في ذلك بأس وإن كان خلاف الأفضل.
стр. 172
تعريف القران
قال: [والقران هو أن يحرم بالحج والعمرة معاً] يعني: مرة واحدة، فيقول: لبيك عمرة وحجاً، أو يقول: لبيك عمرة في حجة، أي أنه جمع بين العمرة والحج.
قال: [أو يحرم بالعمرة ثم يدخل الحج عليها] أي: يحرم أولاً بالعمرة فيقول: لبيك عمرة، ثم بعد ذلك يدخل عليها الحج فيقول: لبيك حجاً، فهذا قارن.
إذاً: القران أن ينوي في الميقات النسكين معاً، أو ينوي العمرة أولاً ثم يدخل عليها الحج، وقد يحتاج لذلك كالمرأة التي تحيض ولم تطف طواف العمرة وكذلك لو أحرموا بالعمرة ثم حصل -مثلاً- عطل في السيارة فتأخروا، أو حاضت المرأة في الطريق فخافت أن يفوت عليها الحج، يعني لو ذهبت وطافت بالبيت وسعت وقصرت ثم ذهبت لتدرك الوقوف بعرفة فقد يفوتها الحج إذا انتظرت حتى تطهر، لأنها قد لا تطهر إلا في اليوم التاسع، فإذا بقيت تنتظر الطواف والتحلل من العمرة فقد لا تدرك الوقوف.
أو تخشى ألا تطهر إلا في يوم النحر أو في اليوم الحادي عشر والثاني عشر وكذلك من يحصل له عطل في سيارته فيخشى إن ذهب إلى مكة وتحلل بالعمرة أن يفوته الوقوف بعرفة، فهؤلاء ينتقلون من التمتع إلى القران فيدخلون على عمرتهم الحج، وقد فعلته عائشة ﵂ كما ثبت هذا في صحيح مسلم وغيره.
قال: [أو يحرم بالعمرة ثم يدخل الحج عليها قبل الشروع في طوافها]، فإن أدخل الحج على العمرة بعد الشروع في الطواف لم يكن له ذلك؛ وذلك لأنه لما شرع في طواف العمرة يكون قد دخل في أنساك العمرة فوجب عليه أن يتم هذا النسك ثم بعد فراغه منه يحرم بالحج.
وعلى ذلك فله أن يدخل الحج على العمرة فيكون قارناً قبل الشروع بالطواف، أما إذا شرع بالطواف فيجب عليه أن يتم أنساك العمرة ثم بعد ذلك ينوي الحج فيكون متمتعاً.
لكن المرأة لو شرعت في الطواف ثم طرأ عليها الحيض أثناء الطواف بطل طوافها، فإذا خافت أن تستمر أيام عادتها حتى يفوت الوقوف بعرفة قبل أن تطهر وتطوف للعمرة فهذه تحرم بالحج وتكون قارنة.
قال: [فإن أحرم به ثم بها لم يصح].
هذا إدخال الأصغر على الأكبر، يعني: أدخل أصغر النسكين على أكبرهما، ففي المسألة الأولى أدخل الأكبر على الأصغر، كان معتمراً ثم نوى الحج، وقد قلنا: إن ذلك جائز؛ لكن العكس هنا، فهو قد نوى الحج مفرداً ثم أراد أن ينتقل إلى القران فأدخل العمرة، فهذا لا يجزئ في المشهور في المذهب.
وقال الأحناف: بل يجزئ، وهذا أقرب؛ لأنه لا دليل يدل على المنع من ذلك، وليس فيه محظور.
стр. 173
حكم الإحرام المطلق
قال: [ومن أحرم وأطلق صح إحرامه وصرفه لما شاء، وما عمل قبل فلغو].
قوله: (من أحرم وأطلق) يعني: نوى النسك وأطلق فلم يعين، كأن أتى إلى ميقات ذي الحليفة وقال: لبيك اللهم نسكاً، وقال: أنا لا أدري هل أحج هذه السنة تمتعاً أو قراناً أو إفراداً، فنوى النسك الذي لا تعيين فيه ولم يحدد هل هو قارن أو متمتع أو مفرد؟ يقول: يجوز ذلك، ثم له أن يصرفه لما شاء، فإن أحب صرفه إلى العمرة، وإن أحب صرفه إلى الحج، وإن أحب صرفه إليهما.
قوله: [وما عمل قبل فلغو] أي: كل أعماله قبل التعيين لغو، فطوافه وسعيه قبل التعيين كلها لغو؛ وذلك لأن هذه الأعمال لا تنصرف وتكون صحيحة حتى يعين، وهو لم يحصل منه تعيين ولا تحديد، لكن الأولى أن يصرف ذلك إلى العمرة فيكون متمتعاً.
إذاً: من أحرم فأطلق فلا بأس ثم إنه يصرفه لما شاء؛ لكن الأفضل أن يعين نسكه في الأصل، ولذا أمر النبي ﵊ أصحابه بتعيين النسك إما تمتعاً أو قراناً أو إفراداً كما في حديث عائشة في الصحيحين.
стр. 174
حكم الاشتراط عند الإحرام
قال: [لكن السنة لمن أراد نسكاً أن يعين]، الأفضل أن يعين نسكه، فإما أن يكون تمتعاً وإما أن يكون قراناً وإما أن يكون إفراداً، لكن إن تركه بلا تعيين فلا شيء عليه، ثم إنه يصرفه كما تقدم لما شاء.
قال: [وأن يشترط فيقول: اللهم إني أريد النسك الفلاني فيسره لي وتقبله مني وإن حبسني حابس فمحلي حيث حبسني].
هذا الاشتراط له أثر، وأثره أنه يتحلل بلا دم، فإذا قال: وإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني فحبسه حابس فإنه يتحلل ولا شيء عليه.
والمذهب أن له أن يشترط مطلقاً سواء كان خائفاً أو لم يكن خائفاً، هذا هو المشهور في المذهب.
واختار شيخ الإسلام وهو اختيار الشيخ محمد بن عثيمين: أن الاشتراط إنما يستحب للخائف فقط، وأن المؤثر في إسقاط الدم عن المحصر إنما هو الاشتراط الذي يحصل من الخائف دون غيره، قال: لأن الدليل إنما جاء في الخائف، فقد ثبت في الصحيحين: أن ضباعة بنت الزبير قالت للنبي ﵊: (يا رسول الله، إني أريد الحج وأجدني شاكية، فقال لها النبي ﵊: حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني)، زاد النسائي: (فإن لك على ربك ما استثنيت)، فكانت شاكية، ولذا لم يصح عنه ﵊ أنه اشترط ولا أنه علمه سائر أصحابه، وإنما علمه الخائف كما في حديث ضباعة رضي الله تعالى عنها.
وعلى ذلك فالخائف هو الذي يشترط، ثم إن حصل له مانع وحبسه حابس فإنه يتحلل ولا شيء عليه، ومن ذلك المرأة التي تخاف الحيض أو النفاس فإنها تشترط ثم لها أن تتحلل ولا شيء عليها، أو الرجل يخاف أن يتعرض له في طريقه عدو، أو يخشى عطلاً متوقعاً كأن تكون العلامات في سيارته تدل على احتمال وجود عطل يمنعه من السفر ونحو ذلك، فإذا حبسه حابس فإنه يتحلل ولا دم عليه.
وأما الذي لم يشترط وكذلك على الصحيح اشتراط غير الخائف، فهذا إذا أحصر فإنه يتحلل وعليه دم، والذي يترجح أنه لا يستحب الاشتراط لغير الخائف ولا يشرع له؛ لأن هذا لم يرد، والوارد عن النبي ﷺ في الإهلال أن يقول: لبيك اللهم عمرة، أو يقول: لبيك اللهم حجاً، أو يقول: لبيك اللهم عمرة في حجة.
وأما التصريح بنيته فلم يرد، أي: أن يقول: اللهم إني أريد كذا أو أنوي كذا؛ فإن ذلك لم يرد عن النبي ﵊.
ونقف عند هذا القدر، والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
стр. 175
دليل الطالب_ كتاب الحج [٣]
إذا تلبس المسلم بالإحرام ونوى النسك من حج أو عمرة فقد دخل في حالة يحرم عليه فيها أمور تسمى بمحظورات الإحرام، والفقهاء يجعلونها قسمين: قسم هو من باب الترفه ولا إتلاف فيه، وقسم من باب الإتلاف، فيحرم على المحرم إتيان شيء منها، فإن أتاه فهل عليه الفدية، في ذلك تفصيل يختلف بحسب الحال والفعل.
стр. 176
محظورات الإحرام
стр. 177
الأول لبس المخيط على الرجل
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب محظورات الإحرام].
أي: ما يمنع منه المحرم، فهذا الباب فيما يمنع منه المحرم بحج أو عمرة.
قال: [وهي سبعة أشياء: أحدها: تعمد لبس المخيط على الرجال حتى الخفين].
هذا هو المحظور الأول وهو في حق الرجل دون المرأة، ولذا قال: (على الرجال)، وفي حديث ابن عمر أنه ﷺ سئل: (ما يلبس المحرم؟ فقال ﵊: لا يلبس القميص ولا العمامة ولا البرنس ولا السراويل ولا الخفاف إلا ألا يجد نعلين فليلبس الخفين وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين، ولا يلبس ثوباً مسه ورس ولا زعفران).
وفي رواية للبخاري: (ولا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين).
وهذا الحديث فيه أن كل مخيط ينهى عنه الرجل المحرم.
وهل المراد بالمخيط ما فيه خيوط فننهى الرجل عن لبس النعلين اللتين فيهما خيوط؟ وننهاه عن لبس الحزام الذي فيه خيوط؟ وننهاه عن لبس الرداء الذي فيه خيوط؟
الجواب
ليس هذا هو المراد، ولا أصل لذلك في كلام أهل العلم، والعوام يظنون أن هذا هو المراد، ولذا فإنهم يلبسون النعال التي لا خيوط فيها، وهذا لا أصل له في الكتاب ولا في السنة ولا في كلام أهل العلم.
وإنما المراد بالمخيط: المفصل على البدن كالسراويل والقمص ونحو ذلك مما يفصل على البدن كله أو بعضه.
يقول: (حتى الخفين)، وفي الحديث المتقدم: (ولا الخفين إلا ألا يجد نعلين فليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين).
فالخفاف لا يجوز للمحرم أن يلبسها، لكن إن احتاج إلى لبسها كالذي يحرم في الطائرة ولا يجد نعلين وعليه الخفاف فهذا له أن يلبسها للحاجة، ولا يجب عليه على الصحيح أن يقطع الخفاف حتى تكونا أسفل من الكعبين؛ لأن هذا الحكم منسوخ، فقد جاء في الصحيحين في حديث ابن عباس ﵁: (أن النبي ﵊ خطب بعرفات فقال ﵊: ومن لم يجد نعلين فليلبس الخفين، ومن لم يجد إزاراً فليلبس السراويل)، ولم يأمر ﵊ بأن تقطع الخفاف حتى تكونا أسفل من الكعبين وإنما أمر بذلك في المدينة؛ لأن حديث ابن عمر الذي تقدم ذكره كان في المدينة، وحديث ابن عباس الذي ليس فيه الأمر بالقطع في عرفات فهو متأخر.
وحديث ابن عمر أيضاً إنما قاله لأهل المدينة فقط، وأما حديث ابن عباس فإنه لمن حضر حجته ﵊ إلى الناس جميعاً من أهل المدينة وغيرهم.
وإذاً فإن الراجح والمشهور في المذهب: أنه إن لم يجد نعلين فيلبس الخفين ولا يلزمه أن يقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين.
стр. 178
الثاني تغطية الرأس من الرجل والوجه من الأنثى
قال: [الثاني: تعمد تغطية الرأس من الرجل].
قال ﵊: (ولا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً)، قال ذلك فيمن وقصته راحلته فمات وكان محرماً.
وتقدم الحديث الذي رواه ابن عمر وفيه: (لا يلبس القميص إلى أن قال: ولا العمائم)، فالعمامة ينهى عنها المحرم وكذلك كل غطاء للرأس، ولذا قال في الحديث: (ولا تخمروا رأسه) يعني: لا تغطوه.
وفي البيهقي عن ابن عمر من قوله ﵁ أنه قال: [إحرام الرجل في رأسه وإحرام المرأة في وجهها].
وعلى ذلك فليس له أن يغطي رأسه بأي غطاء مما يعد لباساً في العرف كالطاقية والشماغ والغترة والعمامة وغير ذلك.
قال: [ولو بطين]، فلو أخذ طيناً ووضعه هكذا على رأسه نهي عن ذلك؛ لأن هذا غطاء للرأس، لكن إن حمل على رأسه شيئاً مثل بعض الناس ممن يحمل حقيبته ومتاعه على رأسه فهذا لا شيء فيه، أو يحمل فراشه كالذين يسيرون من عرفة على أقدامهم حتى يصلون منى فلا شيء في ذلك، هذا هو المشهور في المذهب؛ لأن هذا لا يعد لباساً؛ ولأن هذا لا يستدام في العادة فلا حرج فيه.
كذلك إذا جلس في خيمة والخيمة مغطاة من الشمس فلا شيء عليه، ولذا جاء في صحيح مسلم: (أن النبي ﵊ ضربت له قبة في نمرة) فهذا لا شيء فيه.
قال المصنف ﵀: [أو استظلال بمحمل].
المحمل هو الذي يكون كالصندوق يوضع على الراحلة ويستظل به راكب الراحلة، والمشهور في المذهب أن هذا يمنع منه المحرم، ولذا قال المصنف ﵀: (أو استظلال بمحمل)، والراجح وهو مذهب الشافعي أنه لا حرج فيه، ومثله الآن السيارات التي لها سقف يغطي راكبها فهذه لا حرج فيها، ويدل على ذلك ما ثبت في صحيح مسلم عن أم الحصين قالت: (رأيت النبي ﵊ ومعه أسامة بن زيد وبلال بن رباح أحدهما آخذ بخطام ناقته والآخر قد رفعها ثوبه على رأسه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة) يعني: رفع ثوبه على رأسه ليستره من الشمس، وهو كالشمسية التي تسمى اليوم بالشمسية، فلا حرج فيها، ومثل ذلك على الصحيح -كما تقدم- الاستظلال بمحمل ونحوه فإنه لا حرج فيه.
قال: [وتغطية الوجه من الأنثى] أما الرجل فله أن يغطي وجهه وهو محرم، وأما ما جاء في صحيح مسلم في قصة الرجل الذي وقصته راحلته فمات وفيه: (ولا تغطوا وجهه) فهذه الجملة شاذة، ولذا قال الذهبي ﵀: وذكر الوجه غريب.
وعلى ذلك فقوله: (ولا تغطوا وجهه) قال ذلك للمحرم وهو رجل، وهذه الجملة شاذة كما قرر هذا الذهبي ﵀ وقرره أيضاً ابن حجر.
أما المرأة فإنها تنهى عن تغطية وجهها، ولذا قال النبي ﵊: (لا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين)، فتنهى المرأة عن تغطية وجهها بنقاب أو برقع أو أي غطاء إلا أن يكون هناك أجنبي، أو أن تكون في موضع تخشى من أن ينظر إليها الأجانب كأن تكون في السيارة في النهار والسيارة تمر قريباً منهم فتغطي وجهها، لكن إذا كانت في الليل أو كانت السيارة مستورة فإنها تكشف وجهها وجوباً، وكذلك في خيمتها تكشف وجهها وجوباً، هذا ما عليه المذاهب الأربعة.
وبعض العلماء كشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يرى أنها إنما تنهى عن النقاب والبرقع وأما ما سوى ذلك فلا تنهى عنه.
والراجح ما ذهب إليه الجمهور وأنها تنهى عن كل ما يستر وجهها إلا إذا غطته لحاجة كأجنبي، ويدل على ذلك أثر ابن عمر المتقدم فإنه قال: (إحرام المرأة في وجهها وإحرام الرجل في رأسه).
رواه البيهقي عن ابن عمر من قوله بإسناد صحيح ولا يعلم له مخالف.
فكما أن الرأس لا يغطى من الرجل فكذلك وجه المرأة لا يغطى وهي محرمة، إلا أن يكون هناك أجنبي، ولذا قالت عائشة ﵂ كما في البيهقي: المحرمة تلبس من الثياب ما شاءت من الألوان والزينة ولها كذلك أن تلبس الحلي لا تنهى المرأة عن شيء من ذلك لكنها لا تتبرج بزينة أمام الأجانب لكن لها أن تلبس من الثياب ما شاءت.
المحرمة تلبس من الثياب ما شاءت، ولا تتبرقع ولا تتلثم، وإن شاءت أسدلت ثوبها على وجهها من الرجال.
وقالت أسماء ﵂ كما في مستدرك الحاكم: (كنا نغطي وجوهنا ونحن محرمات من الرجال)، فدل على أنها تغطي وجهها من الرجال وأما غير ذلك فإنها تكشف وجهها.
ويدل على ذلك أن المرأة لا تنهى عن شيء من اللباس فلو كان النهي عن البرقع وعن النقاب لكونه لباساً لا لكونه غطاء للوجه ما نهيت عنه المرأة؛ لأن المرأة لا تنهى عن شيء من الألبسة، فدل ذلك على أن النهي في البرقع وفي النقاب إنما هو لكونه غطاء لا
стр. 179
الثالث قصد شم الطيب
قال: [الثالث: قصد شم الطيب].
الطيب: هو ما تطيب رائحته ويتخذ للشم في العرف، أما ما طابت رائحته ولم يتخذ طيباً وإنما يؤكل كالتفاح أو النعناع أو نحو ذلك فإن هذا لا شيء فيه، ولذا لا يمنع عن القيثوم وعن الشيح وعن أكل التفاح ونحو ذلك كما هو المشهور في مذهب أحمد وغيره، إنما يمنع عما يتخذ طيباً.
لكن إذا استخلص من الفاكهة طيباً منع منه المحرم؛ لأنه قد اتخذ طيباً.
ومما يدل على المنع للمحرم عن الطيب ما ثبت في قصة الرجل الذي وقصته راحلته فمات وكان محرماً، فقال ﵊ كما في الصحيحين: (ولا تحنطوه) والحنوط: أخلاط من الطيب، وفي رواية: (ولا تمسوه طيباً).
وقال: (ولا يلبس ثوباً مسه ورس أو زعفران) والزعفران مما يتخذ طيباً وكذلك الورس.
وهذا المحظور تشترك فيه المرأة والرجل.
قال هنا: (قصد شم الطيب إلا لحاجة)، أي: إلا لحاجة شراء فليس له أن يفتح زجاجة الطيب ويشم هذا الطيب، وليس له أن يتبخر؛ لأن المقصود من الطيب شمه فليس له أن يشمه، إلا أن يكون بغير قصد كأن يدخل في مكان فيه طيب فلا شيء عليه، وأما إذا قصد ذلك فإن ذلك محظور من محظورات الإحرام.
قال: [ومس ما يعلق] يعني: ما يعلق باليد، فليس له أن يمس الطيب السائل الذي يعلق باليد، أما إذا كان يابساً مثل الخشب الذي يتبخر به فمسه بيده فلا شيء عليه؛ لأنه لا يعلق باليد، لكن لو أن هذا الخشب دهن بطيب -كما يفعله بعض الباعة- فإنه إذا مسه انتقل هذا إلى يده وعلق بيده؛ فهذا محظور.
قال: [واستعماله في أكل أو شرب بحيث يظهر طعمه أو ريحه] كالقهوة إذا طبخت بالزعفران -والزعفران من الطيب- فظهرت الرائحة أو ظهر الطعم، أما الرائحة فواضح؛ لأن الطيب تقصد منه رائحته وأما الطعم فلأن وجود الطعم يستلزم الرائحة.
أما إذا وجد اللون فقط كما لو طبخ طبخاً كثيراً حتى إنه لم يبق إلا لونه كما يكون هذا في الأرز إذا طبخ فيه شيء من الزعفران فأصبح لونه أصفر لكن لا طعم للزعفران ولا رائحة؛ فإذا كان الأمر كذلك فإنه لا شيء فيه، لأن اللون لا يؤثر، والذي يؤثر هو وجود الطعم أو وجود الرائحة.
стр. 180
حكم من أتى شيئاً من المحظورات غير متعمد
قال: [فمن لبس أو تطيب أو غطى رأسه ناسياً أو جاهلاً أو مكرهاً فلا شيء عليه].
ذكر هنا ثلاث محظورات: اللبس وتغطية الرأس والطيب، هذه المحظورات الثلاث تشترك في كونها جميعاً لا إتلاف فيها.
فمن تطيب فهل يكون أتلف شيئاً؟
الجواب
لا.
إذا لبس قميصاً فهل يكون أتلف شيئاً؟
الجواب
لا.
إذا غطى رأسه فهل يكون قد أتلف شيئاً؟ الجواب أيضاً: لا.
إذاً: هذه محظورات لا إتلاف فيها، قالوا: فيعذر فيها بالنسيان والإكراه والجهل، فمن تطيب ناسياً أو جاهلاً أو مكرهاً فلا شيء عليه، ومن لبس ناسياً أو جاهلاً أو مكرهاً فلا شيء عليه، ومن غطى رأسه ناسياً أو جاهلاً أو مكرهاً فلا شيء عليه، هذا هو المشهور في المذهب.
قالوا: وأما التي فيها إتلاف كتقليم الأظافر فهذا لا يعذر فيه بالنسيان ولا بالجهل ولا بالإكراه.
والحاصل: أن ما فيه إتلاف يستوي عمده وخطؤه؛ قالوا: لأن فيه إتلافاً.
والقول الثاني في المسألة وهو اختيار شيخ الإسلام ورواية عن الإمام أحمد واختار هذا القول الشيخ عبد الرحمن بن سعدي قالوا: بل لا فرق في هذا بين ما فيه إتلاف وما ليس فيه إتلاف، فالجميع يعذر فيه بالنسيان والجهل والإكراه؛ لعموم قوله ﵊: (عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)، وهذا هو القول الراجح.
ويدل على ذلك أن قتل الصيد فيه إتلاف، وقد قال الله جل وعلا: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ﴾ [المائدة:٩٥] فرتب الجزاء على قتل الصيد على سبيل التعمد، فدل ذلك على أنه ليس في شيء من محظورات الإحرام فدية لمن كان ناسياً أو جاهلاً أو مكرهاً.
ولأن الإتلاف الذي فيه الجزاء وفيه الضمان مطلقاً هو الإتلاف الذي في حق الآدمي، وأما ما كان في حق الله جل وعلا فلا ضمان فيه؛ لأن حق الله مبني على المسامحة وأما حق الآدمي فإنه مبني على المشاحة.
إذاً المشهور في المذهب التفريق بين ما لا إتلاف فيه وهو اللبس والطيب وتغطية الرأس، وما فيه إتلاف وهو الوطء؛ لأن الوطء إن كان من ذكر ففيه إتلاف للبكارة، وإن كان من غير ذكر وهي الثيب فإن ذلك من باب الإلحاق فتلحق الثيب بالبكر، كذلك قتل الصيد فيه إتلاف، وتقليم الأظافر فيه إتلاف، وحلق الشعر فيه إتلاف، قالوا: فهذه المحظورات فيها الفدية مطلقاً، فلو أن رجلاً أخذ من شعره ناسياً أو نتف من إبطه ناسياً فإن عليه فدية، والراجح أنه لا فدية عليه ما دام ناسياً أو مكرهاً أو جاهلاً.
следующие страницы →