← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 36580

فقه الصيام والحج من دليل الطالب

حمد الحمد

Полный текст (280 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

محظورات الإحرام

стр. 177

الأول لبس المخيط على الرجل قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب محظورات الإحرام]. أي: ما يمنع منه المحرم، فهذا الباب فيما يمنع منه المحرم بحج أو عمرة. قال: [وهي سبعة أشياء: أحدها: تعمد لبس المخيط على الرجال حتى الخفين]. هذا هو المحظور الأول وهو في حق الرجل دون المرأة، ولذا قال: (على الرجال)، وفي حديث ابن عمر أنه ﷺ سئل: (ما يلبس المحرم؟ فقال ﵊: لا يلبس القميص ولا العمامة ولا البرنس ولا السراويل ولا الخفاف إلا ألا يجد نعلين فليلبس الخفين وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين، ولا يلبس ثوباً مسه ورس ولا زعفران). وفي رواية للبخاري: (ولا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين). وهذا الحديث فيه أن كل مخيط ينهى عنه الرجل المحرم. وهل المراد بالمخيط ما فيه خيوط فننهى الرجل عن لبس النعلين اللتين فيهما خيوط؟ وننهاه عن لبس الحزام الذي فيه خيوط؟ وننهاه عن لبس الرداء الذي فيه خيوط؟ الجواب ليس هذا هو المراد، ولا أصل لذلك في كلام أهل العلم، والعوام يظنون أن هذا هو المراد، ولذا فإنهم يلبسون النعال التي لا خيوط فيها، وهذا لا أصل له في الكتاب ولا في السنة ولا في كلام أهل العلم. وإنما المراد بالمخيط: المفصل على البدن كالسراويل والقمص ونحو ذلك مما يفصل على البدن كله أو بعضه. يقول: (حتى الخفين)، وفي الحديث المتقدم: (ولا الخفين إلا ألا يجد نعلين فليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين). فالخفاف لا يجوز للمحرم أن يلبسها، لكن إن احتاج إلى لبسها كالذي يحرم في الطائرة ولا يجد نعلين وعليه الخفاف فهذا له أن يلبسها للحاجة، ولا يجب عليه على الصحيح أن يقطع الخفاف حتى تكونا أسفل من الكعبين؛ لأن هذا الحكم منسوخ، فقد جاء في الصحيحين في حديث ابن عباس ﵁: (أن النبي ﵊ خطب بعرفات فقال ﵊: ومن لم يجد نعلين فليلبس الخفين، ومن لم يجد إزاراً فليلبس السراويل)، ولم يأمر ﵊ بأن تقطع الخفاف حتى تكونا أسفل من الكعبين وإنما أمر بذلك في المدينة؛ لأن حديث ابن عمر الذي تقدم ذكره كان في المدينة، وحديث ابن عباس الذي ليس فيه الأمر بالقطع في عرفات فهو متأخر. وحديث ابن عمر أيضاً إنما قاله لأهل المدينة فقط، وأما حديث ابن عباس فإنه لمن حضر حجته ﵊ إلى الناس جميعاً من أهل المدينة وغيرهم. وإذاً فإن الراجح والمشهور في المذهب: أنه إن لم يجد نعلين فيلبس الخفين ولا يلزمه أن يقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين.

стр. 178

الثاني تغطية الرأس من الرجل والوجه من الأنثى قال: [الثاني: تعمد تغطية الرأس من الرجل]. قال ﵊: (ولا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً)، قال ذلك فيمن وقصته راحلته فمات وكان محرماً. وتقدم الحديث الذي رواه ابن عمر وفيه: (لا يلبس القميص إلى أن قال: ولا العمائم)، فالعمامة ينهى عنها المحرم وكذلك كل غطاء للرأس، ولذا قال في الحديث: (ولا تخمروا رأسه) يعني: لا تغطوه. وفي البيهقي عن ابن عمر من قوله ﵁ أنه قال: [إحرام الرجل في رأسه وإحرام المرأة في وجهها]. وعلى ذلك فليس له أن يغطي رأسه بأي غطاء مما يعد لباساً في العرف كالطاقية والشماغ والغترة والعمامة وغير ذلك. قال: [ولو بطين]، فلو أخذ طيناً ووضعه هكذا على رأسه نهي عن ذلك؛ لأن هذا غطاء للرأس، لكن إن حمل على رأسه شيئاً مثل بعض الناس ممن يحمل حقيبته ومتاعه على رأسه فهذا لا شيء فيه، أو يحمل فراشه كالذين يسيرون من عرفة على أقدامهم حتى يصلون منى فلا شيء في ذلك، هذا هو المشهور في المذهب؛ لأن هذا لا يعد لباساً؛ ولأن هذا لا يستدام في العادة فلا حرج فيه. كذلك إذا جلس في خيمة والخيمة مغطاة من الشمس فلا شيء عليه، ولذا جاء في صحيح مسلم: (أن النبي ﵊ ضربت له قبة في نمرة) فهذا لا شيء فيه. قال المصنف ﵀: [أو استظلال بمحمل]. المحمل هو الذي يكون كالصندوق يوضع على الراحلة ويستظل به راكب الراحلة، والمشهور في المذهب أن هذا يمنع منه المحرم، ولذا قال المصنف ﵀: (أو استظلال بمحمل)، والراجح وهو مذهب الشافعي أنه لا حرج فيه، ومثله الآن السيارات التي لها سقف يغطي راكبها فهذه لا حرج فيها، ويدل على ذلك ما ثبت في صحيح مسلم عن أم الحصين قالت: (رأيت النبي ﵊ ومعه أسامة بن زيد وبلال بن رباح أحدهما آخذ بخطام ناقته والآخر قد رفعها ثوبه على رأسه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة) يعني: رفع ثوبه على رأسه ليستره من الشمس، وهو كالشمسية التي تسمى اليوم بالشمسية، فلا حرج فيها، ومثل ذلك على الصحيح -كما تقدم- الاستظلال بمحمل ونحوه فإنه لا حرج فيه. قال: [وتغطية الوجه من الأنثى] أما الرجل فله أن يغطي وجهه وهو محرم، وأما ما جاء في صحيح مسلم في قصة الرجل الذي وقصته راحلته فمات وفيه: (ولا تغطوا وجهه) فهذه الجملة شاذة، ولذا قال الذهبي ﵀: وذكر الوجه غريب. وعلى ذلك فقوله: (ولا تغطوا وجهه) قال ذلك للمحرم وهو رجل، وهذه الجملة شاذة كما قرر هذا الذهبي ﵀ وقرره أيضاً ابن حجر. أما المرأة فإنها تنهى عن تغطية وجهها، ولذا قال النبي ﵊: (لا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين)، فتنهى المرأة عن تغطية وجهها بنقاب أو برقع أو أي غطاء إلا أن يكون هناك أجنبي، أو أن تكون في موضع تخشى من أن ينظر إليها الأجانب كأن تكون في السيارة في النهار والسيارة تمر قريباً منهم فتغطي وجهها، لكن إذا كانت في الليل أو كانت السيارة مستورة فإنها تكشف وجهها وجوباً، وكذلك في خيمتها تكشف وجهها وجوباً، هذا ما عليه المذاهب الأربعة. وبعض العلماء كشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يرى أنها إنما تنهى عن النقاب والبرقع وأما ما سوى ذلك فلا تنهى عنه. والراجح ما ذهب إليه الجمهور وأنها تنهى عن كل ما يستر وجهها إلا إذا غطته لحاجة كأجنبي، ويدل على ذلك أثر ابن عمر المتقدم فإنه قال: (إحرام المرأة في وجهها وإحرام الرجل في رأسه). رواه البيهقي عن ابن عمر من قوله بإسناد صحيح ولا يعلم له مخالف. فكما أن الرأس لا يغطى من الرجل فكذلك وجه المرأة لا يغطى وهي محرمة، إلا أن يكون هناك أجنبي، ولذا قالت عائشة ﵂ كما في البيهقي: المحرمة تلبس من الثياب ما شاءت من الألوان والزينة ولها كذلك أن تلبس الحلي لا تنهى المرأة عن شيء من ذلك لكنها لا تتبرج بزينة أمام الأجانب لكن لها أن تلبس من الثياب ما شاءت. المحرمة تلبس من الثياب ما شاءت، ولا تتبرقع ولا تتلثم، وإن شاءت أسدلت ثوبها على وجهها من الرجال. وقالت أسماء ﵂ كما في مستدرك الحاكم: (كنا نغطي وجوهنا ونحن محرمات من الرجال)، فدل على أنها تغطي وجهها من الرجال وأما غير ذلك فإنها تكشف وجهها. ويدل على ذلك أن المرأة لا تنهى عن شيء من اللباس فلو كان النهي عن البرقع وعن النقاب لكونه لباساً لا لكونه غطاء للوجه ما نهيت عنه المرأة؛ لأن المرأة لا تنهى عن شيء من الألبسة، فدل ذلك على أن النهي في البرقع وفي النقاب إنما هو لكونه غطاء لا

стр. 179

الثالث قصد شم الطيب قال: [الثالث: قصد شم الطيب]. الطيب: هو ما تطيب رائحته ويتخذ للشم في العرف، أما ما طابت رائحته ولم يتخذ طيباً وإنما يؤكل كالتفاح أو النعناع أو نحو ذلك فإن هذا لا شيء فيه، ولذا لا يمنع عن القيثوم وعن الشيح وعن أكل التفاح ونحو ذلك كما هو المشهور في مذهب أحمد وغيره، إنما يمنع عما يتخذ طيباً. لكن إذا استخلص من الفاكهة طيباً منع منه المحرم؛ لأنه قد اتخذ طيباً. ومما يدل على المنع للمحرم عن الطيب ما ثبت في قصة الرجل الذي وقصته راحلته فمات وكان محرماً، فقال ﵊ كما في الصحيحين: (ولا تحنطوه) والحنوط: أخلاط من الطيب، وفي رواية: (ولا تمسوه طيباً). وقال: (ولا يلبس ثوباً مسه ورس أو زعفران) والزعفران مما يتخذ طيباً وكذلك الورس. وهذا المحظور تشترك فيه المرأة والرجل. قال هنا: (قصد شم الطيب إلا لحاجة)، أي: إلا لحاجة شراء فليس له أن يفتح زجاجة الطيب ويشم هذا الطيب، وليس له أن يتبخر؛ لأن المقصود من الطيب شمه فليس له أن يشمه، إلا أن يكون بغير قصد كأن يدخل في مكان فيه طيب فلا شيء عليه، وأما إذا قصد ذلك فإن ذلك محظور من محظورات الإحرام. قال: [ومس ما يعلق] يعني: ما يعلق باليد، فليس له أن يمس الطيب السائل الذي يعلق باليد، أما إذا كان يابساً مثل الخشب الذي يتبخر به فمسه بيده فلا شيء عليه؛ لأنه لا يعلق باليد، لكن لو أن هذا الخشب دهن بطيب -كما يفعله بعض الباعة- فإنه إذا مسه انتقل هذا إلى يده وعلق بيده؛ فهذا محظور. قال: [واستعماله في أكل أو شرب بحيث يظهر طعمه أو ريحه] كالقهوة إذا طبخت بالزعفران -والزعفران من الطيب- فظهرت الرائحة أو ظهر الطعم، أما الرائحة فواضح؛ لأن الطيب تقصد منه رائحته وأما الطعم فلأن وجود الطعم يستلزم الرائحة. أما إذا وجد اللون فقط كما لو طبخ طبخاً كثيراً حتى إنه لم يبق إلا لونه كما يكون هذا في الأرز إذا طبخ فيه شيء من الزعفران فأصبح لونه أصفر لكن لا طعم للزعفران ولا رائحة؛ فإذا كان الأمر كذلك فإنه لا شيء فيه، لأن اللون لا يؤثر، والذي يؤثر هو وجود الطعم أو وجود الرائحة.

стр. 180

حكم من أتى شيئاً من المحظورات غير متعمد قال: [فمن لبس أو تطيب أو غطى رأسه ناسياً أو جاهلاً أو مكرهاً فلا شيء عليه]. ذكر هنا ثلاث محظورات: اللبس وتغطية الرأس والطيب، هذه المحظورات الثلاث تشترك في كونها جميعاً لا إتلاف فيها. فمن تطيب فهل يكون أتلف شيئاً؟ الجواب لا. إذا لبس قميصاً فهل يكون أتلف شيئاً؟ الجواب لا. إذا غطى رأسه فهل يكون قد أتلف شيئاً؟ الجواب أيضاً: لا. إذاً: هذه محظورات لا إتلاف فيها، قالوا: فيعذر فيها بالنسيان والإكراه والجهل، فمن تطيب ناسياً أو جاهلاً أو مكرهاً فلا شيء عليه، ومن لبس ناسياً أو جاهلاً أو مكرهاً فلا شيء عليه، ومن غطى رأسه ناسياً أو جاهلاً أو مكرهاً فلا شيء عليه، هذا هو المشهور في المذهب. قالوا: وأما التي فيها إتلاف كتقليم الأظافر فهذا لا يعذر فيه بالنسيان ولا بالجهل ولا بالإكراه. والحاصل: أن ما فيه إتلاف يستوي عمده وخطؤه؛ قالوا: لأن فيه إتلافاً. والقول الثاني في المسألة وهو اختيار شيخ الإسلام ورواية عن الإمام أحمد واختار هذا القول الشيخ عبد الرحمن بن سعدي قالوا: بل لا فرق في هذا بين ما فيه إتلاف وما ليس فيه إتلاف، فالجميع يعذر فيه بالنسيان والجهل والإكراه؛ لعموم قوله ﵊: (عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)، وهذا هو القول الراجح. ويدل على ذلك أن قتل الصيد فيه إتلاف، وقد قال الله جل وعلا: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ﴾ [المائدة:٩٥] فرتب الجزاء على قتل الصيد على سبيل التعمد، فدل ذلك على أنه ليس في شيء من محظورات الإحرام فدية لمن كان ناسياً أو جاهلاً أو مكرهاً. ولأن الإتلاف الذي فيه الجزاء وفيه الضمان مطلقاً هو الإتلاف الذي في حق الآدمي، وأما ما كان في حق الله جل وعلا فلا ضمان فيه؛ لأن حق الله مبني على المسامحة وأما حق الآدمي فإنه مبني على المشاحة. إذاً المشهور في المذهب التفريق بين ما لا إتلاف فيه وهو اللبس والطيب وتغطية الرأس، وما فيه إتلاف وهو الوطء؛ لأن الوطء إن كان من ذكر ففيه إتلاف للبكارة، وإن كان من غير ذكر وهي الثيب فإن ذلك من باب الإلحاق فتلحق الثيب بالبكر، كذلك قتل الصيد فيه إتلاف، وتقليم الأظافر فيه إتلاف، وحلق الشعر فيه إتلاف، قالوا: فهذه المحظورات فيها الفدية مطلقاً، فلو أن رجلاً أخذ من شعره ناسياً أو نتف من إبطه ناسياً فإن عليه فدية، والراجح أنه لا فدية عليه ما دام ناسياً أو مكرهاً أو جاهلاً.

стр. 181

الرابع إزالة الشعر والأظافر من البدن قال: [الرابع: إزالة الشعر من البدن ولو من الأنف]. قال جل وعلا: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ [البقرة:١٩٦]، وقاس أهل العلم شعر سائر البدن على شعر الرأس، وحكى الموفق الإجماع على ذلك. وقال الله جل وعلا: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج:٢٩]، قال ابن عباس: التفث الشعر والظفر. رواه ابن جرير. وعلى ذلك فكل شعر البدن لا يجوز أخذ شيء منه، فدخل في ذلك شعر الإبط، وشعر العانة، وشعر الأنف، وشعر الشارب، وشعر اللحية. قال: [وتقليم الأظافر]. فليس للمحرم أن يقلم أظافره، وهذا بإجماع العلماء كما قال الموفق ابن قدامة، وهو من أشد أهل العلم تحرزاً في حكاية الإجماع، وتقدم قول ابن عباس أن التفث: الشعر والأظافر، ولذا جاء في صحيح ابن خزيمة: (أن النبي ﵊ لما نحر هديه ورمى الجمرة قلم أظافره).

стр. 182

الخامس قتل الصيد البري [الخامس: قتل صيد البر الوحشي المأكول، والدلالة عليه، والإعانة على قتله، وإفساد بيضه، وقتل الجراد والقمل، لا البراغيث، بل يسن قتل كل مؤذ]. هنا في إزالة الشعر وفي تقليم الأظافر، إذا صال عليه شيء من الشعر أو صال عليه شيء من الأظافر فأزاله فلا شيء عليه؛ لأنه مؤذ فلو نزلت شعرة مثلاً من حاجبه على عينه فآذته أو انكسر ظفره فآذاه فقصه فلا شيء عليه؛ لأن هذا من باب دفع الصائل. وأما إذا أزاله لمصلحة نفسه لا لأنه آذاه كأن يكون هناك وسخ في أظافره أو أن يكون هناك في رأسه داء مثل القمل فأزال الشعر، فهذا لمصلحة نفسه فعليه الفدية؛ لأن الله قال: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ [البقرة:١٩٦]. ومثل ذلك قتل الصيد، فلو قتل صيداً ليأكله لمجاعة فهذا لمصلحة نفسه فعليه الجزاء. ولو صال عليه الصيد في خيمته كما لو أقبل عليه حمار وحشي وكاد أن يطأه فخاف على نفسه ورماه فليس عليه شيء. إذاً: إذا صال عليه شيء فقتله إن كان صيداً أو أزاله إن كان شعراً أو ظفراً فلا شيء عليه، وأما إذا كان قد أزاله لمصلحة نفسه ولم يكن منه أذى وإنما الأذى من غيره، مثلما تحلق شعر رأسك لوجود قمل في شعرك فالأذى ليس من الشعر بل من القمل، فإذا أزل الشعر فعليه الفدية. وعندما ينزل شيء من الشعر على عينيك وتبعده ويعود ويؤذيك فعندما تزيله فلا شيء عليه هنا؛ لأن المؤذي هو الشعر. قوله: [الخامس: قتل صيد البر الوحشي المأكول]. هذا هو الخامس. قال الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة:٩٥]. قوله: (لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم) الصيد هنا هو صيد البر؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة:٩٦]، فصيد البحر جائز للمحرم. وقال: (الوحشي) يعني: الذي هو في أصله وحشي، لكن لو كان في أصله أهلياً وليس وحشياً ثم إنه توحش، كما لو أن رجلاً ترك شيئاً من الغنم أو الإبل وأصبح في البر لا يعرف له مالك وأصبح متوحشاً فهذا إذا قتله لا يكون ذلك محرماً؛ لأن هذا ليس بوحشي في أصله، بل هذا أهلي، وقد يحتاج إليه ولا يمكنه أن يمسكه فيذبحه كالذي يكون في رءوس الجبال ولا يمكنهم أن يذبحوه فيرمونه رمياً، فهذا لا شيء فيه. المقصود من ذلك هنا: أن هذا ليس بوحشي بل أهلي؛ والعبرة إنما هي بالأصل وإن كان قد توحش، فالإبل والبقر والغنم أهلية. كذلك لو أن المتوحش أصبح أهلياً، كالذي يأخذ حمار وحش صغير ثم يربيه فهذا صيد؛ لأن أصله متوحش، فليس له أن يشتريه لو وجده في السوق وهو محرم؛ لأنه ينهى عن إمساك الصيد. قوله: (المأكول) فإذا كان ليس بمأكول كما لو رمى ذئباً أو غيره فلا شيء عليه. إذاً: ينهى عن قتل صيد البر الوحشي المأكول؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة:٩٥]. ولا يجوز له أن يعين من يريد صيده سواء كان هذا الصياد حلالاً أو حراماً، ولا أن يشير إليه، ولذا قال النبي ﵊ كما في الصحيحين: (هل منكم من أحد أمره أو أشار إليه بشيء؟)، ولما قال لهم كما في الصحيحين: (ناولوني السوط قالوا: والله لا نعينك عليه). فينهى المحرم أن يناول من يريد الصيد سوطاً ولو كان محلاً، أو أن يدله فيقول: في المكان الفلاني صيد، أو أن يشير إليه يقول: هذا هو الصيد؛ ينهى عن ذلك كله. قال: [وإفساد بيضه]. ينهى عن إفساد بيضه كبيض النعام؛ لأن البيض يئول أمره إلى أن يكون صيداً وعلى ذلك فينهى عن إفساد بيضه. [وقتل الجراد]؛ لأن الجراد صيد بري فينهى عن قتل الجراد. قال: [والقمل]، ينهى كذلك عن قتل القمل. والقول الثاني في المسألة وهو رواية عن الإمام أحمد: أنه لا ينهى عن ذلك، وهذا هو الراجح؛ لأن القمل مؤذ فلم يكن هناك حرج في قتله. قال: [لا البراغيث، بل يسن قتل كل مؤذ مطلقاً]. كل مؤذ يجوز للمحرم أن يقتله، ويدل على ذلك أن النبي ﵊ قال: (خمس يقتلن في الحل والحرم: الحدأة والعقرب والغراب والفأرة والكلب العقور)، وفي رواية: (الحية)، فهذه مؤذيات فيقتلن في الحل والحرم، وليس على من قتل شيئاً منهن جزاء. إذاً: الجزاء إنما يكون في قتل الصيد البري المأكول المتوحش، وأما ما سوى ذلك فننظر إن كان مؤذياً جاز قتله، وإن كان غير مؤذ لم يجز قتله، وإن قتله فلا شيء عليه. إذاً إن كان صيداً برياً مأكولاً متوحشاً فإنه لا يجوز قتله للمحرم، ولا تجوز الإشارة إليه، ولا أن يناول من

стр. 183

السادس عقد النكاح قال: [السادس: عقد النكاح، ولا يصح]؛ لأن النبي ﵊ قال: (لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب). فإن نكح بطل هذا النكاح، ولذا جاء في موطأ مالك: أن عمر ﵁ رد نكاح محرم يعني: أبطله، فنكاح المحرم باطل فلا يجوز أن يعقد لنفسه، ولا أن يعقد لغيره، ولا يكون ولياً للمرأة، ولا وكيلاً في الزواج، وأما الشاهد وكذلك ما يسمى بالمأذون الذي يعقد الأنكحة للناس فلا شيء فيه، ما دام أن العاقدان المتزوجان محلين، يعني: المرأة حلال وليست محرمة والرجل كذلك حلال وليس بمحرم، والولي كذلك حلال، فحينئذ لا حرج أن تشهد ولا حرج أن تكون مأذوناً؛ لأن النبي ﷺ إنما قال: (لا ينكح المحرم ولا ينكح). قال: (ولا يخطب) فينهى عن الخطبة؛ لأن ذلك من مقدمات الجماع والله جل وعلا يقول: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧]. ومن أهل العلم من يقول: تكره الخطبة، والذي يترجح أن الخطبة تحرم لظاهر قوله ﵊: (ولا يخطب).

стр. 184

السابع الوطء ودواعيه قال: [السابع: الوطء في الفرج]، فالوطء في الفرج مفسد للإحرام إذا كان قبل التحلل الأول كما تقدم شرحه في الدرس السابق، وقد قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿فَلا رَفَثَ﴾ [البقرة:١٩٧] والرفث هو الجماع ومقدماته. قال: [ودواعيه] كالقبلة والمس، فهذه ينهى عنها المحرم، وهذه يجهلها كثير من الناس، فبعض الناس يقبل وهو محرم، ويمس يد المرأة بشهوة وهو محرم، وهذا محظور من محظورات الإحرام؛ لأن هذه مقدمات الجماع. قال: [والمباشرة دون الفرج]. يعني: أن يباشرها بين فخذيها ولا يولج في فرجها، هذه من الدواعي. قال: [والاستمناء] هذه كلها من محظورات الإحرام. ومما يتعلق بالجماع أنه إذا جامع قبل التحلل الأول فعليه بدنة، وإن جامع بعد التحلل الأول فعليه شاة، وتقدم شرح هذا، أما إن حصل شيء من الدواعي كالمباشرة أو المس أو القبلة وحصل منه مذي أو مني فإن عليه فدية الأذى على الصحيح، أي أنه يخير بين إطعام ستة مساكين أو ذبح شاة أو صيام ثلاثة أيام. إذا باشر فأنزل أو أمنى أو قبل فأمنى أو أنزل، أو استمنى، فإن الواجب عليه كما تقدم إحدى هذه الخلال الثلاث: إما أن يصوم ثلاثة أيام، أو يطعم ستة مساكين، أو يذبح شاة، هذا هو مذهب الشافعي خلافاً للحنابلة، وهذا القول هو القول الراجح.

стр. 185

ما يجب في محظورات الإحرام قال: [وفي جميع المحظورات فدية إلا قتل القمل]. تقدم أن قتل القمل -على القول بأنه لا يجوز للمحرم- لا فدية فيه. وأما عقد النكاح فإذا عقد المحرم فقد قلنا: إن نكاحه يبطل وليس عليه فدية، ولذا فإن النبي ﵊ لم يذكر الفدية، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، قال: (لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب) ولم يذكر فدية ﵊. قال: [وفي البيض والجراد قيمته مكانه]. إذا أفسد بيض صيد ثم سأل أهل الخبرة: ما قيمة هذا البيض؟ قالوا: قيمته مثلاً مائة ريال. نقول: تصدق بثمنها بأن تشتري طعاماً وتتصدق به على مساكين الحرم، كذلك إذا قتل جراداً فإننا ننظر إلى القيمة ويتصدق بها. قال: [وفي الشعرة أو الظفر إطعام مسكين وفي اثنين إطعام اثنين]. إذا أخذ شعرة واحدة فعليه إطعام مسكين، وإذا أخذ شعرتين فعليه إطعام مسكينين، وإذا أخذ ظفراً واحداً فعليه إطعام مسكين واحد، وإذا أخذ ظفرين فعليه إطعام مسكينين. وإذا أخذ ثلاث شعرات أو ثلاثة أظفار فهذا جمع، فعليه الفدية: إما إطعام ستة مساكين، أو ذبح شاة، أو صيام ثلاثة أيام. هذا هو المشهور في مذهب أحمد؛ قالوا: لأن ما ثبت الضمان بجملته ثبت الضمان في أبعاضه، الضمان يثبت في الجمع وهو ثلاث فيثبت في الأبعاض، قالوا: فنظرنا في الشرع فوجدنا أن أقل فدية هي إطعام مسكين في قوله تعالى: ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:١٨٤] فقلنا بذلك، وهذا ظاهر. وعلى ذلك فمن أخذ شعرة فعليه إطعام مسكين، وإن أخذ شعرتين فعليه إطعام مسكينين. قال: [والضرورة تبيح للمحرم المحظورات ويفدي]، فإذا اضطر المحرم إلى فعل المحظور فعله وفدى. إذا احتاج الرجل أن يغطي رأسه وهو محرم أو اضطر إلى ذلك غطى رأسه وعليه الفدية. بعض النساء تقول: إنها مثلاً تحتاج إلى النقاب وتقول: لأنها تخشى على نفسها السقوط مع زحام الناس فتلبس النقاب وتكشف شيئاً من عينيها لتنظر لحاجتها إلى ذلك، فنقول: لا حرج عليها في ذلك ما دام أنها تحتاج وعليها الفدية، بأن تصوم ثلاثة أيام أو تطعم ستة مساكين أو تذبح شاة. ونقف عند هذا القدر، والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

стр. 186

دليل الطالب_ كتاب الحج [٤] إذا أحرم المرء بالحج أو العمرة فإنه يكون قد دخل في عبادة لها شعائرها وآدابها، فيحرم عليه أمور تعرف عند الفقهاء بمحظورات الإحرام، وهذه المحظورات يأثم المحرم بمقارفتها من غير عذر، وتجب عليه الفدية تكفيراً عن المحظور الذي اقترفه، وهذه الفدية تختلف باختلاف المحظورات المرتكبة، فمنها المخير ومنها المرتب، ومنها غير ذلك.

стр. 187

أحكام الفدية وأقسامها

стр. 188

تعريف الفدية قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الفدية]. والفدية في الأصل: ما يدفع في فكاك الأسير ونحوه. وأما الفدية في الشرع فهي ما يجب فعله على من فعل محظوراً من محظورات الإحرام، فمن فعل محظوراً من محظورات الإحرام فعليه الفدية، ويأتي شرحها إن شاء الله تعالى. قال: [وهي ما يجب بسبب الإحرام أو الحرم، وهي قسمان: قسم على التخيير وقسم على الترتيب]. أي: قسم يخير فيه المكلف بين أكثر من شيء، وقسم يجب عليه أن يفعل شيئاً، فإن لم يجده فعل الذي بعده، فهذا القسم على الترتيب.

стр. 189

القسم الأول من الفدية: ما يجب على التخيير قال: [فقسم التخيير] يعني: الذي يخير فيه المكلف بين أشياء [كفدية اللبس] أي في حق من لبس مخيطاً، [والطيب، وتغطية الرأس، وإزالة أكثر من شعرتين أو ظفرين، والمباشرة بغير إنزال مني، فيخير بين ذبح شاة أو صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين مد بر أو نصف صاع من غيره]. قال الله جل وعلا: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ [البقرة:١٩٦] يعني: فحلق رأسه فيجب عليه فدية ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة:١٩٦]. وقد جاء في حديث كعب بن عجرة ﵁ وقد أتي به إلى النبي ﵊ والقمل يتناثر على وجهه، فقال النبي ﵊: (ما كنت أظن أن الوجع يبلغ بك ذلك، أتجد شاة؟ قال: لا، قال: فصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين)، وفي الموطأ: (أي شيء منها فعلت أجزأ عنك) يعني: فليخير بين هذه الأشياء الثلاثة، وقد جاء تفسيرها في حديث كعب: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ﴾ [البقرة:١٩٦] يعني: صيام ثلاثة أيام، ولا يجب أن تكون متتالية. ﴿أَوْ صَدَقَةٍ﴾ [البقرة:١٩٦] يعني: إطعام ستة مساكين. ﴿أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة:١٩٦] يعني: أو ذبح، أي: أو ذبح شاة، أي أنه بالخيار بين هذه الأشياء الثلاثة أيها فعل أجزأه ذلك. إذاً: أنت أيها الناسك الذي قد فعلت محظوراً من محظورات الإحرام يجب عليك إما أن تصوم ثلاثة أيام أو تطعم ستة مساكين أو تذبح شاة. ويكون هذا حيث وجد سببه، فلو أنه في الميقات كذي الحليفة فعل محظوراً فإنه يكفر في هذا الموضع، وإن أخره إلى مكة فلا بأس، والصيام جائز في أي موضع ولو رجع إلى بلده، فيصوم ثلاثة أيام. وهي محظورات ست تجب فيها الفدية، وهي حلق الشعر، وتقليم الأظافر، ولبس المخيط، وتغطية الرأس، والطيب، والمباشرة بغير إنزال كما قال المؤلف هنا، والصحيح أن المباشرة وإن كانت بإنزال ففيها فدية الأذى وليس فيها بدنة خلافاً للمذهب كما سيأتي. وهذا -كما تقدم- إن فعله ذاكراً لا ناسياً، عالماً لا جاهلاً، مختاراً لا مكرهاً. فمن فعل محظوراً من هذه المحظورات الست وهو يعلم الحكم، وهو ذاكر ليس بناس، وهو مختار ليس بمكره فتجب عليه الفدية. فإن فعل شيئاً من هذه المحظورات ناسياً فلا شيء عليه، أو فعل شيئاً منها جاهلاً ومثله يجهل ذلك فلا شيء عليه، أو فعل شيئاً منها مكرهاً غير مختار فلا شيء عليه. ولكل مسكين في الصدقة نصف صاع من تمر أو شعير أو ربع صاع من بر أو أرز؛ لأن البر والأرز أكمل. وعلى ذلك فإذا قلنا: إن الصاع يساوي ثلاثة كيلو جرامات تقريباً فإن الواجب عليه كيلو ونصف من التمر يعطيه كل مسكين، وإن أحب أعطاه ثلاثة أرباع الكيلو من البر أو من الأرز، وهو ربع مد وهو الذي يملأ الكفين من متوسط اليدين. قال: [ومن التخيير جزاء الصيد]، فجزاء الصيد فيه تخيير، قال الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة:٩٥]، إذاً الجزاء أولاً، وهذا على التخيير بين عدة أشياء. الذي يذبح صيداً أو يقتله يخير بين ثلاثة أشياء: الشيء الأول: أن يذبح مثله في الحرم ويتصدق بلحمه على مساكين الحرم، ومن الذي يحدد المثلية؟ قال الله جل وعلا: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة:٩٥]، وهذا مذكور في كتب الفقهاء كما سيأتي، فأوجب مثلاً في النعامة بدنة، وعلى ذلك فإذا صاد نعامة فالواجب عليه أن يذبح بدنة في مكة كما قال تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة:٩٥] يعني: يكون في الحرم، ويتصدق به على مساكين الحرم. الشيء الثاني: أن نثمن هذه البدنة ويشتري بثمنها طعاماً يتصدق به على الفقراء لكل مسكين -كما تقدم- ربع صاع من بر أو نصف صاع من غيره، وعلى ذلك فلو قومنا البدنة بخمسة آلاف ريال مثلاً فإنه يشتري بها نحو خمسين كيساً من الأرز يتصدق على كل مسكين بثلاثة أرباع الكيلو، وعليه يصل عدد المساكين نحو ثلاثة آلاف، لأنك عندما تقسم خمسين كيساً على المساكين وتعطي كل مسكين ثلاثة أرباع الكيلو فإن الكيس يسع تقريباً ستين مسكيناً، إذاً (٦٠×٥٠=٣٠٠٠). الشيء الثالث: أن يصوم بعدد المساكين أياماً، أي: يصوم في المثال المذكور ثلاثة آلاف يوم، قال الله جل وعلا: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ [المائدة:٩٥]. قال المؤلف هنا: [ومن التخيير جزاء الصيد، يخير بين المثل من النعم، أو تقويم المثل بمحل التلف ويشتري بقيمته طعاماً يجزئ في الفطرة فيطعم كل مسكين مد بر أو نصف صاع من غيره، أو يصوم عن إطعام كل مسكين يوماً]، فإ

стр. 190

القسم الثاني من الفدية: ما يجب على الترتيب

стр. 191

فدية التمتع والقران وترك الواجب انتهينا من قسم التخيير وبقي الآن قسم الترتيب. يقول: [وقسم الترتيب]. الترتيب أن يجب عليك شيء واحد، فإن لم تجد هذا الشيء تنتقل إلى ما بعده. قال: [كدم المتعة] يعني: من تمتع بالعمرة إلى الحج فالواجب عليه الهدي، [والقران] أي الذي قرن بين حج وعمرة فالواجب عليه الهدي؛ لأن القران تمتع باتفاق الصحابة فيجب فيه الهدي. قال: [وترك الواجب]، فمن ترك واجباً فعليه دم، ومن الواجبات الإحرام من الميقات فمن تركه وجب عليه دم، ومن الواجبات المبيت بمنى، فمن ترك المبيت بمنى فعليه دم، ومن ترك المبيت بمزدلفة فعليه دم، ومن ترك الرمي فعليه دم. هذا ليس بالتخيير، بل يجب عليه دم، فإن عجز عنه صام عشرة أيام كما سيأتي. بعض الناس يخلط بين فعل محظور وترك الواجب فيقول: من تطيب فعليه دم، من قلم أظافره فعليه دم، وهذا غير صحيح، والعبارة الصحيحة أن يقول: فعليه الفدية، ومن لم يحرم من الميقات فعليه دم.

стр. 192

الفرق بين ترك الواجب وفعل المحظور فالواجب عليه أن يذبح دماً، أعني من ترك واجباً. وعندنا فرقان بين ترك الواجب وفعل المحظور، لا بد أن يدركهما طالب العلم: الفرق الأول: أن من ترك واجباً فعليه دم، وليس في ذلك تخيير، ومن فعل محظوراً فعليه الفدية على التخيير بين إطعام ستة مساكين أو ذبح شاة أو صيام ثلاثة أيام. الفرق الثاني: أن تارك الواجب لا يعذر بنسيان ولا بإكراه ولا بجهل، لو أن رجل قال: نسيت ولم أحرم في الميقات فالواجب عليه دم، لكن من فعل محظوراً فإنه يعذر بالنسيان والجهل والإكراه. وهذا في أبواب كثيرة من العلم ليس في هذا الباب فقط، فلو صلى بلا وضوء ناسياً فالواجب عليه أن يعيد، لكن من صلى وعلى ثوبه نجاسة ناسياً فالصحيح أنه لا يعيد.

стр. 193

فدية الإحصار ثم قال: [والإحصار] وهو المنع من إتمام المناسك، قال الله جل وعلا: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦]. فإذا منع من الوصول إلى مكة لإتمام نسكه في عمرة أو حج فالواجب أن يذبح هدياً، وهل هذا على التخيير بينه وبين غيره؟ الجواب لا. هذا على الترتيب. قال: [والوطء ونحوه]، فمن جامع قبل التحلل الأول فعليه دم، ومن جامع بعد التحلل الأول فعليه دم؛ لكن الدم الذي قبل التحلل الأول في الحج هو بدنة وفي العمرة شاة، أما إذا جامع بعد التحلل الثاني فلا شيء عليه. قوله: [ونحوه]. المراد بنحوه هنا المباشرة بإنزال. قال: إن عليه بدنة، والراجح: أن عليه فدية الأذى، أي: فيخير بين الأشياء الثلاثة في الفدية: بين صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين أو ذبح شاة، هذا فيمن باشر وأنزل أو لم ينزل على الصحيح؛ لأن هذا محظور فيقاس على غيره من محظورات الإحرام وليس كالجماع؛ لأنه دونه، فقياسه على الجماع قياس مع الفارق؛ لأن الجماع يفسد الحج، أما المباشرة فإنها لا تفسد الحج. قال: [فيجب على متمتع وقارن وتارك واجب دم، فإن عدمه أو ثمنه] أي: أن من وجب عليه هدي وهو متمتع، أو وجب عليه هدي وهو قارن، أو وجب عليه دم لتركه الواجب. (فإن عدمه) أي: فلم يجد دماً أو لم يجد ثمنه فالواجب عليه كما قال: [صام ثلاثة أيام في الحج، والأفضل كون آخرها يوم عرفة فيصوم اليوم السابع والثامن والتاسع]، صح ذلك عن علي وابن عمر كما في مصنف عبد الرزاق ومصنف ابن أبي شيبة. وله الصيام من إحرامه بالعمرة، فلو أحرم بالعمرة في ليلة إهلال ذي الحجة وهي الليلة الأولى منه فله أن يصوم اليوم الأول. بعض الناس يقول: أحب أن آخذ العمرة وأجلس هناك في مكة لأصوم لأني لا أستطيع الهدي فيذهب ويمكث في مكة، فإذاً بعد إهلاله بالعمرة له أن يصوم فيصوم ثلاثة أيام في الحج، ويصوم سبعة أيام إذا رجع إلى أهله ولو صامها في مكة فلا بأس لكن له أن يؤخرها -فهي رخصة- حتى يرجع إلى أهله. قال: [وتصح أيام التشريق]، لو لم يصم اليوم السابع والثامن والتاسع، صام أيام التشريق فيصح ذلك، ولذا جاء في البخاري عن ابن عمر وعائشة: (أن النبي ﵊ لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي).

стр. 194

ما يجب على المحصر قال: [ويجب على محصر دم] المحصر كما تقدم يجب عليه الدم، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦]. قال: [فإن لم يجد صام عشرة أيام ثم حل]، أي أن الواجب إن كان يقدر على الهدي أن ينحر هديه ثم يحل، ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦]، فإن لم يجد قال المؤلف: (صام عشرة أيام ثم حل) يعني: يبقى محرماً عليه ثياب الإحرام وعليه اجتناب محظورات الإحرام حتى يصوم عشرة أيام ثم يحل. والقول الثاني في المسألة وهو مذهب المالكية والأحناف وهو الراجح: أنه لا يجب عليه الصيام، فإن لم يقدر على الهدي حلّ ولا شيء عليه؛ لأن قياس المحصر على المتمتع قياس مع الفارق، فإن المتمتع يهدي لفعله النسك، والمحصر يهدي لأنه تارك للنسك، ولا يقاس من ترك النسك ولم يحصله على من حصل النسك وفعله، وعلى ذلك فنقول: إذا لم يجد هدياً فإنه يحل ولا شيء عليه.

стр. 195

ما يجب على من وطئ وهو محرم قال: [ويجب على من وطئ في الحج قبل التحلل الأول أو أنزل منياً بمباشرة أو استمناء أو تقبيل أو لمس لشهوة أو تكرير نظر بدنة]. الواجب على من جامع في الفرج قبل التحلل الأول بدنة كما صحت بذلك الآثار عن الصحابة ﵃. وهنا ألحق به المؤلف وهو المذهب الإنزال بمباشرة أو بالاستمناء أو تكرار النظر، بأن يكرر النظر حتى ينزل المني لا المذي، وكذلك إذا استمنى، وكذلك إذا قبل فأنزل فيقول: الواجب عليه بدنة، وهذا قياس مع الفارق؛ لأن الجماع يفسد الحج وأما المباشرة والاستمناء واللمس لا تفسد الحج. وعلى ذلك فالصحيح: أن البدنة إنما تجب في الوطء في الحج قبل تحلله الأول، وأما المباشرة واللمس وتكرار النظر ونحو ذلك فهذا فيه فدية الأذى، يعني: أنها تقاس على حلق الشعر وتقليم الأظافر ونحوه؛ لأنه به أشبه، وأما الجماع فهو الذي فيه البدنة. قال: [فإن لم يجدها صام عشرة أيام، ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع]، كدم المتعة. هذا رجل وطئ ولم يجد بدنة فالواجب عليه أن يصوم ثلاثة أيام في الحج ويصوم سبعة أيام إذا رجع. قال: [وفي العمرة إذا أفسدها قبل تمام السعي شاة]. العمرة إذا أفسدها فالواجب عليه شاة إذا جامع قبل الطواف وقبل إتمام السعي، يعني: في أثناء السعي، فالعمرة ليست كالحج، لأن الحج تجب فيه بدنة والعمرة تجب فيها شاة؛ لأن ابن عباس ﵁: (أمر امرأة جامعها زوجها قبل التقصير بأن تهدي بدنة أو بقرة أو شاة؛ تفعل ما شاءت). فدل على أن الشاة تجزئ، والأثر رواه البيهقي وغيره. [والتحلل الأول يحصل باثنين من رمي وحلق وطواف] أي: باثنين من هذه الثلاث. فإذا رمى وحلق حل التحلل الأول، وإذا طاف وحلق كمن قال: لا أريد أن أذهب مباشرة إلى مكة، بل فأطوف طواف الإفاضة وأؤخر الرمي فله ذلك، فإذا طاف ثم حلق أو قصر حل التحلل الأول. لو أنه رمى ولم يجد من يحلق رأسه وذهب إلى مكة فطاف فقد حل التحلل الأول. إذاً: إذا جمع بين نسكين من ثلاثة فإنه يحل التحلل الأول، وفي أبي داود: (إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم كل شيء إلا النساء). والصحيح: أن ذكر التحليق ضعيف، والصحيح: (إذا رميتم فقد حل لكم كل شيء إلا النساء) يعني: من جهة الرواية؛ لكن الأحوط ألا يحل حتى يفعل نسكين من ثلاثة. فبعد التحلل الأول قال: [ويحل له كل شيء إلا النساء] فيتطيب، ويلبس الثياب إلى غير ذلك من المحظورات إلا النساء وطئاً ومباشرة وقبلة ومساً، أي: ليس له الجماع ولا مقدمات الجماع، لقوله: (حل لكم كل شيء إلا النساء). أما التحلل الثاني فيقول: [والثاني يحصل بما بقي من الثلاثة مع السعي إذا لم يكن سعى قبل]، إذا كان قد سعى قبل كالقارن والمفرد الذي يقدم السعي بعد طواف القدوم فهذا يبقى عليه نسك واحد، وإذا كان لم يسع آخر سعيه أو كان متمتعاً يجب عليه سعي آخر، فهذا إذا سعى فكمل الأنساك الأربعة حل له كل شيء حتى النساء. ونقف عند هذا القدر، والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد

стр. 196

دليل الطالب_ كتاب الحج [٥] إذا دخل المحرم في الإحرام أو دخل المرء حرم مكة حرم عليه الصيد، ووجب فيه الجزاء، فما كان من الصيد مثلياً ففيه المثل يحكم به ذوا عدل هدياً بالغ الكعبة، أو كفارة طعام مسكين أو عدل ذلك صياماً، وكذلك يحرم قطع شجر الحرم مما لا يستنبته الآدميون، ويضمن الصغير بشاة وما فوقه ببدنة.

стр. 197

جزاء الصيد

стр. 198

جزاء الصيد الذي له مثل قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فصل في جزاء الصيد]. تقدم في درس سابق أن من محظورات الإحرام: قتل الصيد، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة:٩٥]، وعلى ذلك فالواجب على من قتل صيداً الجزاء، والجزاء إن حكم به النبي ﵊ وجب القول به، كما حكم النبي ﵊ في الضبع كبش، كما في أبي داود، وإن قضى به صحابي أخذنا به؛ لأن أقوال الصحابة حجة في الأحكام إذا لم يخالفوا، فإن لم يكن فيه حكم صحابي رجعنا إلى قول عدلين خبيرين لا يشترط أن يكونا فقيهين، بل الشرط أن يكونا خبيرين عدلين، قال الله جل وعلا: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة:٩٥]. فنقول لهذين الخبيرين: إن هذا قد قتل هذا الصيد -سواء كان من الدواب التي تدب على الأرض أو كان مما يطير في الهواء- ونقول له: حدد لنا ما الذي يماثله من بهيمة الأنعام من الإبل أو البقر أو الغنم، ولا يشترط أن يكون هذا الذي يماثل مما يجزئ في الأضحية، بل لو كان صغيراً فنسأله عن الذي يشبهه ويماثله في الصورة وفي الخلقة، ثم بعد ذلك يذبح هذا ويكون هدياً بالغ الكعبة يتصدق بلحمه على فقراء الحرم. قال: [والصيد الذي له مثل من النعم كالنعامة وفيها بدنة] قضى بذلك عدد من الصحابة، وعلى ذلك فمن صاد نعامة فالواجب عليه أن يذبح بدنة، أي: أن يذبح ناقة أو جزوراً. قال: [وفي حمار الوحش وبقره بقرة]. حمار الوحش معروف وهو ما فيه خطوط، فإن صاده فالواجب عليه بقرة، وكذلك في بقر الوحش. قال: [وفي الضبع كبش]، قضى به النبي ﵊، والضبع معروف. قال: [وفي الغزال شاة]، قضى به بعض الصحابة، فمن صاد غزالاً في أي مكان وهو محرم، أو صاده في حرم مكة ولو لم يكن محرماً، فعليه هذا الجزاء، وهو كبش. قال: [وفي الوبر والضب جدي له نصف سنة]. والوبر: دويبة تشبه الهرة تصاد، ذكر المؤلف أن الواجب فيها جدي له نصف سنة يعني: ستة أشهر، كذلك الضب فيه جدي له نصف سنة، والجدي من صغار المعز له ستة أشهر، أي: التيس الذي له ستة أشهر. قال: [وفي اليربوع جفرة لها أربعة أشهر]. الجفرة: السخلة التي لها أربعة أشهر، وهي تجب في جزاء اليربوع. واليربوع هو الذي يسميه العامة بـ (الجربوع)، وهو في هيئته قريب من الفأر مع اختلافه في بعض شكله، وهو صيد حلال. قال: [وفي الأرنب عناق]. العناق أصغر من الجفرة، وقد قلنا: إن الجفرة هي السخلة التي لها أربعة أشهر، فالعناق دونها. قال: [وفي الحمام -وهو كل ما عب الماء كالقطا والورش والفواخت- شاة]، هذه أنواع من الطير تشبه الحمام وكلها تعب الماء عباً كما تعبه الشاة، وهذا هو وجه الشبه بينها وبين الشاة، وعب الماء هو أن تضع منقارها في الماء ثم تمص ولا ترفع رأسها وإنما تفعل كما تفعل الشاة، فالحمامة فيها شاة، وفيه أثر عن ابن عباس ﵁ رواه البيهقي وغيره. وقال المالكية: بل إنما تجب الشاة في الحمامة إذا كانت من حمام الحرم فقط، أما لو صاد حمامة خارج الحرم وهو محرم فإن الواجب فيه القيمة؛ لأن هناك فرقاً كبيراً بين الشاة والحمامة، واستدلوا بقول ابن عباس ﵁ كما في سنن البيهقي: (وفي كل ما سوى حمام الحرم القيمة إذا صاده المحرم)، وهذا هو الأظهر. وعلى ذلك فنقول: الحمام الذي يسكن في حدود الحرم الواجب فيه شاة، وإذا كان خارج الحرم فصاده محرم ففيه القيمة، مثاله: رجل أحرم من المدينة وفي الطريق وقف عند شجرة وصاد حمامة، فالواجب عليه القيمة، وهكذا ما ذكره من الطيور الأخرى من القطا والورشان والفواخت، وهذه أنواع من الطير تشبه الحمام.

стр. 199

جزاء الصيد الذي ليس له مثل قال: [وما لا مثل له كالأوز إذا لم يكن له مثل والحبارى والحجل والكركي ففيه قيمته مكانه]. الأوز والحبارى والحجل هذه أنواع من الطيور لا مثل لها، فهي لا تعب الماء عباً، فالواجب فيها القيمة في المكان الذي صيدت فيه، وهي قد تساوي في هذا المكان مائة وتساوي في غيره خمسين فالعبرة بالمكان الذي صيدت فيه.

стр. 200

حكم صيد حرم مكة قال: [فصل: ويحرم صيد حرم مكة وحكمه حكم صيد الإحرام]. صيد حرم مكة يعني: الذي يدخل في حدود الحرم، إذا أتيت من المدينة مثلاً فإنك إذا تجاوزت مسجد التنعيم تدخل في الحدود، وليس المقصود المسجد الحرام، بل المقصود منطقة الحرم ولها حدود معروفة، فمزدلفة من الحرم لكن عرفة ليست من الحرم. والكلام هنا في صيد حرم مكة، وحكمه حكم صيد الإحرام فيحرم على المحل إجماعاً، وقد قال النبي ﵊: (إن هذا البلد حرمه الله لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده قال: ولا تلتقط لقطتها إلا لمن عرفها ولا يختلى خلاها) وهذا الحديث متفق عليه، وفيه: أن حرم مكة حرام لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا تلتقط اللقطة فيه إلا لمن عرفها، يعني: فلا يمتلكها الملتقط بعد تعريفها سنة بل يعرفها دائماً، ولا يختلى خلاها.

стр. 201

حكم قطع شجر الحرم وما يجب فيه

стр. 202

حكم قطع شجر الحرم قال: [ويحرم قطع شجره]، أضاف الشجرة إلى الحرم، وعلى ذلك فالشجر الذي يغرسه الآدمي له أن يقطعه ولا حرج عليه؛ لكن الشجر الذي ينبت فيه وليس من فعل الآدمي لا يجوز قطعه، لكن إن قلعه من مكان ليغرسه في مكان آخر فلا بأس، لأن هذا ليس إتلافاً. إذاً: الشجر الذي يضاف إلى الحرم هذا لا يجوز إتلافه إذا كان ينسب إليه، أما إذا كان غرسه من فعل الآدمي فلا حرج في قلعه. قال: [وحشيشه] الحشيش يعني: الأخضر، ولذا قال في الحديث: (ولا يختلى خلاها) والخلى هو العشب الأخضر، أما العشب اليابس فلا شيء في أخذه لأنه ميت لا قيمة له. كذلك يحرم قطع الشوك الأخضر، أما الشوك اليابس فلا شيء فيه؛ لأنه ميت لا قيمة له، وعلى ذلك فإذا أزال شيئاً من العشب اليابس أو من الشوك اليابس فلا شيء عليه. لو أخذ حطباً يابساً فلا بأس في ذلك أو أخذ من الحشيش اليابس الميت فلا شيء في ذلك، لكن لو أخذ من الأخضر أو اقتلع الحطب من الأرض حتى أزال أصلها فهذا عليه شيء، قال: [والمحل والمحرم في ذلك سواء]، لأن الأمر راجع إلى تحريم المكان فلا فرق بين محل ومحرم؛ لكن إن احتاج بحيث يلحقه الحرج إذا لم يقلع فلا بأس. هذا رجل أراد أن ينصب خيمته وهو يحتاج إلى هذا المكان ولا يستطيع أن يستغني عنه، بحيث يلحقه حرج في الاستغناء عن هذا المكان؛ لكن هذا المكان فيه شوك أخضر أو في طريقه إذا مشى أغصان من شجرة فيحتاج إلى أن يقطع بعض هذه الأغصان ولا يكفي الرفع، يقول: إذا رفعت عادت فلا حرج عليه؛ لأن هذه حاجة. ومثل ذلك إذا أخذ شيئاً من عشبه الأخضر للدواء، مثل السناء المكي ونحوه فهذا لا حرج عليه في ذلك.

стр. 203

ما يضمن به شجر الحرم قال: [فيضمن الشجرة الصغيرة عرفاً بشاة وما فوقها ببقرة]. وفي ذلك أثر عن ابن عباس ﵁؛ قال: (في الشجرة الصغيرة شاة) يعني: إذا قلع شجرة صغيرة فالواجب عليه شاة، وإذا قلع شجرة وسطى أو شجرة كبرى فعليه بقرة. وكيف نعرف أن هذه صغرى وأن هذه وسطى؟ هذا يرجع إلى العرف. قال: [ويضمن الحشيش والورق بقيمته]. قلنا: إن الحشيش اليابس لا شيء فيه، لكن إذا أخذ الحشيش الأخضر فعليه القيمة في مكانه، فنأتي إلى أهل الخبرة ونقول: كم يساوي هذا الحشيش؟ فإذا قالوا: يساوي عشرة ريالات فعليه أن يخرجها في الحرم. قال: [ويجزئ عن البدنة بقرة كعكسه]. البدنة هي الناقة، وتجزئ عنها بقرة، فمن وجبت عليه نعامة قلنا: عليه بدنة، فلو ذبح بقرة فإنها تجزئ. وقلنا: إنه لو صاد حماراً وحشياً كان الواجب عليه بقرة، ولو ذبح بدنة فإنها تجزئ؛ لأن البقرة تجزئ عن البدنة والبدنة تجزئ عن البقرة، ولما سئل ابن عباس ﵁ عن البقرة هل تجزئ عن البدنة -كما في مسلم - قال: (وهل هي إلا من البدن)، يعني: أن البقرة من البدن. قال: [ويجزئ عن سبع شياه بدنة أو بقرة]. هذا رجل ذبح سبع غزالات فالواجب عليه سبع شياه، فإذا ذبح بقرة فإنها تجزئ؛ لأن البقرة تكفي عن سبع شياه، وإذا ذبح بدنة -ناقة- تجزئ.

стр. 204

المراد بالدم الواجب في الحج قال: [والمراد بالدم الواجب ما يجزئ في الأضحية]. هذا إذا قلنا مثلاً: فلان عليه دم لأنه ترك الإحرام من الميقات، وكذلك الدم الواجب في الفدية، كما لو قلنا: إن فدية الأذى يخير فيها بين ثلاث: الدم ذبح شاة أو صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، فالدم هنا يجب أن يكون ما يجزئ في الأضحية. هذا رجل ترك الإحرام من الميقات فقلنا: إن عليك دماً فذبحها سخلة أو تيساً لم يجزئه؛ لأن هذا لا يجزئ في الأضحية فلا بد أن يذبح ما يجزئ في الأضحية. ولذا قال: [ما يجزئ في الأضحية جذع ضأن أو ثني معز]. وجذع الضأن هو ما له ستة أشهر من الضأن، وثني المعز ما له سنة من المعز، والضأن معروف وهو الذي يكون من الخروف ونحوه، فهذا إذا بلغ ستة أشهر فإنه يجزئ في الأضحية، وأما الماعز فهو العنز وكذلك التيس، فهذا لا بد أن يكمل له سنة، فإذا كان التيس له ستة أشهر أو ثمانية أشهر لم يجزئ، لكن لو كان له سنة فإنه يجزئ، والسخلة صغيرة لا تجزئ لكن العنز التي لها سنة تجزئ. إذاً: من المعز ما له سنة ومن الضأن ما له ستة أشهر. قال: [أو سبع بدنة أو سبع بقرة، فإن ذبح إحداهما فأفضل]، أي أن سبع البدنة أو البقرة يكفي، ولو ذبح بقرة كاملة أو ذبح بدنة كاملة عن سبعها فإنه يكفي وهو أفضل؛ لأنه أوفر لحماً. هذا رجل وجب عليه أن يذبح شاة فيكفيه أن يشترك في بقرة يكون له سبعها؛ لكنه ذبح البقرة كلها أو ذبح البدنة كلها فذلك أفضل. فلو أنه ترك الإحرام من الميقات فإن الواجب عليه أن يذبح شاة، فإذا بقرة كاملة أو ذبح ناقة أو جزوراً أجزأه ولا شك، بل هذا أفضل لأنه أوفر لحماً. قال: [وتجب كلها]، لو قال: أنا ذبحت بقرة أريد أن أجعل سبعها عن تركي للواجب وستة أسباع أضعها في الثلاجة، فهل له ذلك؟ قولان، والمشهور في المذهب -كما ذكر المؤلف- أنها تجب كلها، لأنها ذبحت هدياً، يعني: أريق دمها على أنها هدي، وإنما جاز الاشتراك فيها على أنها هدي، وأما أن يشترك فيها أناس لا على أنها هدي فلا يظهر. وعلى ذلك فنقول: إذا ذبح بقرة عن شاة كان ذلك أفضل، ولو قال: أنا أريد أن آخذ ستة أسباع هذه البقرة أو ستة أسباع هذه البدنة فإنا نقول: لا يجوز، وإذا ذبحها فإنها كلها تكون هدياً؛ هذا هو المشهور في المذهب. ونقف عند هذا القدر، والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

стр. 205

دليل الطالب_ كتاب الحج [٦] الحج والعمرة لها أركان وواجبات ومسنونات، ويختلف حكم الأركان فيهما عن الواجبات، فمن ترك ركناً لم يصح حجه إلا به، ومن ترك واجباً صح حجه وعليه دم، ومن ترك مسنوناً فلا شيء عليه، ولذا يجب على المرء قبل أن يحج أن يعرف ما هي أركان الحج وما هي واجباته وما هي مسنوناته حتى يتمكن من أداء النسك على الوجه الصحيح.

стр. 206

أركان الحج

стр. 207

الأول الإحرام قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب أركان الحج وواجباته: أركان الحج أربعة، الأول: الإحرام]. والإحرام هو نية الدخول في النسك، وتقدم شرحه، وهو الركن الأول من أركان الحج. قال: [وهو مجرد النية]. فلا يشترط مع النية شيء، لا تجرد من مخيط ولا غيره، بل نفس نية الدخول في النسك هو الإحرام، فإذا نوى أن يدخل في النسك فقد أحرم، أما مسألة التجرد من المخيط فهذه داخلة في محظورات الإحرام كما تقدم شرح هذا. ولا تشترط له التلبية أيضاً، بل التلبية سنة، وكذلك الإهلال، وهو قول: لبيك اللهم عمرة، أو لبيك اللهم حجاً، بل هو سنة، فالإحرام هو نية الدخول في النسك. قال: [فمن تركه لم ينعقد حجه]. من تركه لم ينعقد حجه، لأن من لا نية له فلا عمل له، فلا حج له ولا عمرة له، إذا لم يحرم.

стр. 208

الثاني الوقوف بعرفة [الثاني: الوقوف بعرفة]. قال ﵊ فيما رواه الخمسة: (الحج عرفة، فمن أدرك عرفة قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج)، فالحج هو عرفة، ولذا فإن الوقوف بعرفة ركن من أركان الحج، وكل عرفة موقف، قال ﵊ فيما رواه أحمد وغيره: (كل عرفة موقف، وارتفعوا عن بطن عرنة). قال: [ووقته من طلوع فجر يوم عرفة إلى طلوع فجر يوم النحر]. إذاً: وقته أربع وعشرون ساعة، تبدأ من طلوع الفجر يوم عرفة وتنتهي بطلوع الفجر يوم النحر، فإذا وقف بعرفة في الساعة الثامنة أو التاسعة صباحاً أو العاشرة صباحاً أجزأه ذلك، والناس إنما يقفون بعرفة بعد زوال الشمس اتباعاً للنبي ﵊، يعني: بعد أذان الظهر، لكن لو وقف قبل ذلك أجزأ، ولذا جاء في السنن ومسند أحمد في حديث عروة بن المضرس الطائي أن النبي ﵊ قال: (من صلى صلاتنا هذه -يعني صلاة الصبح- بمزدلفة، ووقف معنا حتى ندفع، وكان قد وقف قبل ذلك بعرفة ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه). إذاً: إذا وقف في أي ساعة من ليل أو نهار أجزأه ذلك، لكن المشروع له ألا يقف إلا بعد زوال الشمس، لكن لو وقف قبل ذلك أجزأ. بعض الناس بسبب الزحام يذهبون إلى عرفة بعد طلوع الشمس، بل أكثر الناس يدفعون بعد طلوع الشمس ولا يقفون بنمرة. ويصلون هناك، بل يذهبون إلى مخيماتهم بعرفة، لو أن رجلاً مرض بعد أن وصلوا إلى عرفة فرجع بعد أن مكث مثلاً لحظات فإنه يجزئه ذلك ويكون قد أدرك عرفة، لكن المشروع في حقه أن يكون وقوفه بعرفة بعد زوال الشمس.

стр. 209

شرط الوقوف بعرفة قال: [فمن حصل هذا الوقت بعرفة لحظة واحدة وهو أهل]، بأن يكون مسلماً عاقلاً محرماً. فلو وقف كافر أو وقف مجنون أو وقف من ليس بمحرم لم يجزئه. هذا رجل عنده عمل بعرفة، ووقف مع الناس وهو ليس بمحرم، ثم لما كانت صبيحة يوم النحر لبس إحرامه وقال: أنا قد وقفت مع الناس قبل ذلك، فنقول: وقوفك مع الناس قبل ذلك لم يكن بنية، لأنك لست محرماً، أي: لم تكن قد نويت الدخول في النسك. إذاً: لابد أن يكون الوقوف بعد نية الدخول في النسك. قال: [ولو ماراً]؛ لأن الواجب هو مجرد الوقوف. فليس المقصود بالوقوف أن يقف قائماً، لأن الوقوف هنا يعني المكث، فلو دخل من عرفة بسيارته من جهة وخرج من جهة فإنه يكون مدركاً، ولذا قال: (ولو ماراً). [أو نائماً]، لو خرج وهو نائم لم يستيقظ فإنه يجزئه ذلك؛ لأنه حصل منه الوقوف، فالوقوف بعرفة كما تقدم هو مجرد المكث. [أو حائضاً] المرأة الحائض يجزئ وقوفها. [أو جاهلاً أنها عرفة صح حجه]، أي: وقف جاهلاً أنها عرفة، يقول: لا أدري أنها عرفة. مثلاً: جاء رجل إليك وأنت في مزدلفة، وقال: أين عرفة؟ فأنا لم أقف بعرفة وأنا أبحث عنها، فقلت له: هذه عرفة، قال: ذلك المكان الذي فيه كذا؟ قلت: نعم، قال: أنا دخلت فيه ومررت به ولم أعرف أنه عرفة، فهل يجزئ ذلك؟ الجواب يجزئه، ولا يشترط أن يعرف أنها عرفة؛ لأن المقصود هو مجرد المكث والوقوف بها. قال: [لا إن كان سكران] فالسكران لا يصح وقوفه. [أو مجنوناً]؛ لأنه لا عقل له. [أو مغمى عليه]؛ لأنه زائل العقل، فالمغمى عليه والمجنون وكذلك السكران لا يصح وقوفهم بعرفة، لكن لو أفاق وأدرك بعرفة جزءاً يسيراً وقد زال عنه السكر فإنه يجزئه ذلك، أو كان مغمى عليه من قبل أن يصلوا إلى عرفة، ووقفوا بعرفة وهو مغمى عليه، وقبل أن يخرج منها أفاق، فإنه يجزئه ذلك.

стр. 210

حكم ما لو أخطأ الناس في الوقوف قال: [ولو وقف الناس كلهم إلا قليلاً في اليوم الثامن أو اليوم العاشر خطأ أجزأهم]. لو وقف الناس في اليوم الثامن يظنون أن هذا يوم عرفة جهلاً ولم يعلموا ذلك إلا بعد مضي يوم عرفة، كما لو علموا يوم النحر أن وقوفهم كان قبل الوقت، فإنه يجزئهم ذلك، أو وقف الناس كلهم في اليوم العاشر، وظنوا أن هذا هو يوم عرفة، فإنه يجزئهم؛ لأن النبي ﵊ يقول: (الأضحى يوم تضحون، والفطر يوم تفطرون)، فالعبرة بما عليه الناس، فما دام أن الناس ظنوا ذلك خطأ فلا شيء في ذلك. لكن لو أن بعض الناس تفردوا، بأن وقف الناس بعرفة في يوم التاسع، وهم قالوا: بل يوم عرفة هو اليوم العاشر ووقفوا وحدهم، فهل يجزئهم ذلك؟ الجواب لا يجزئهم ذلك؛ لأن هذه المسائل لابد أن يجتمع عليها الناس.

стр. 211

الثالث طواف الإفاضة قال: [الثالث: طواف الإفاضة]، ويسمى بطواف الصدر، وطواف الزيارة. يسمى بطواف الإفاضة لأن الناس يفيضون من منى إلى مكة لفعله، وسمي بالصدر لأنهم يصدرون من منى لمكة لفعله، وسمي بالزيارة لأنهم يأتون من منى زائرين. قال تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩]، ولذا فهو ركن من أركان الحج، لا يصح الحج إلى به. قال: [وأول وقته من نصف ليلة النحر] في المشهور في مذهب أحمد والشافعي [لمن وقف، وإلا فبعد الوقوف] لو أنه لم يقف إلا في الساعة الثانية ليلة النحر فإنه يجزئه الوقوف كما تقدم. طاف والناس في مزدلفة في الساعة الثانية ليلاً وقد وقف بعرفة فإنه يجزئه ذلك، لكن لا يجزئه أن يشرع بالطواف قبل الوقوف بعرفة، لأن الطواف لا يصح إلا بعد الوقوف بعرفة، ولذا قال هنا: (وإلا فبعد الوقوف)، يعني: هذا لمن وقف وإلا فبعد الوقوف. فأول وقته من نصف الليل، فإذا طاف قبل الفجر ليلة النحر أجزأه ذلك، هذا في المشهور في المذهب، واستدلوا بحديث أم سلمة أنها أفاضت بعد نصف الليل. ومن أهل العلم من يرى أنه لا يصح إلا يوم النحر، والذي يترجح هو هذا، لكن من أخذ بالمذهب فلا بأس بذلك، فيكون بعد نصف ليلة النحر. قال: [ولا حد لآخره]، هذا رجل ذهب إلى مكة ووقف بعرفة وبات بمزدلفة ثم رمى الجمرة مثلاً وسافر إلى أهله، وجاء بعد ستة أشهر أو بعد سنة وطاف طواف الإفاضة فإنه يجزئه ذلك، قالوا: ما دام حياً، فلا حد لآخره؛ لأن الشرع لم يحدد له آخراً، لا في شهر ذي الحجة ولا في أيام التشريق، بل لا حد لآخره، وهذا هو قول الجمهور.

стр. 212

الرابع السعي بين الصفا والمروة ثم قال: [الرابع: السعي بين الصفا والمروة] المفرد عليه سعي واحد، والقارن عليه سعي واحد، والمتمتع عليه سعيان، سعي لعمرته وسعي لحجه، وعلى ذلك فالمفرد إذا كان قد سعى بعد طوافه للقدوم، وكذلك القارن إذا كان سعى بعد طوافه للقدوم أجزأه ذلك، وبقي عليه طواف الإفاضة. وأما المتمتع فإذا طاف وسعى لعمرته فعليه سعي لحجه بعد ذلك، ولذا قال ابن عباس: (أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج الحديث، وفيه: فإذا طفنا بالبيت وسعينا بين الصفا والمروة فقد تم حجنا وعلينا الهدي). إذاً: المتمتع عليه سعيان: سعي لعمرته وسعي لحجه، وأما المفرد والقارن فعليها سعي واحد، فإذا سعى يوم قدومه مع الطواف كفى، وعليه طواف إفاضة، وإذا لم يسع واكتفى بطواف القدوم فعليه السعي.

стр. 213

واجبات الحج

стр. 214

الأول الإحرام من الميقات قال: [وواجباته سبعة: الإحرام من الميقات]. أي: فلابد أن يحرم من الميقات، ولو أحرم بعده أجزأه الحج لكن يكون تاركاً للواجب. لو أحرم من مكة فإنه يصح حجه، لكنه يكون تاركاً للواجب وهو الإحرام من الميقات؛ لأن عندنا أصل الإحرام ركن، وأما كون الإحرام يكون من الميقات فهو واجب، فالذي يحرم ولو بعد الميقات يكون قد فعل الركن، وحجه صحيح، لكن عليه دم؛ لأنه ترك الإحرام من الميقات.

стр. 215

الثاني الوقوف إلى الغروب لمن وقف نهاراً قال: [والوقوف إلى الغروب لمن وقف نهاراً]. الذي يقف بعرفة في النهار يجب أن يقف حتى تغرب الشمس، فلو دفع قبل غروب الشمس أجزأه الحج، لكنه يكون قد ترك الواجب، وهو الوقوف إلى غروب الشمس، وعلى ذلك فعليه دم.
следующие страницы →