Полный текст (280 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
حكم فطر المصاب بمرض السكر
السؤال
ما حكم فطر المريض بالسكر؟
الجواب
المريض بالسكر يُرجع فيه إلى الطبيب، والأصل أن السُكري الأنفع له هو الصوم، والأحسن له الصوم، لكن بعضهم قد يقرر له الطبيب خلاف ذلك، وهذا راجع إلى رأي الطبيب الثقة، فمعلوم أن السكري يخففه الصوم.
стр. 37
دليل الطالب_ كتاب الصيام [٣]
الصوم عبادة تعتمد على الامتناع عن المفطرات بالنية، فإذا وقع الصائم في أحد المفطرات فسد صومه، ولذا يجب على المسلم أن يتعلم ما يفسد صومه، أو ينقصه، حتى لا يقع في ذلك.
стр. 38
المفطرات
стр. 39
خروج دم الحيض والنفاس
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فصل في المفطرات: وهي اثنا عشر: خروج دم الحيض والنفاس] لأن النبي ﷺ قال في الحائض: (أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟!) فالمرأة إذا حاضت فقد أفطرت وعليها القضاء، لو نزلت من المرأة قطرة من دم الحيض قبل أذان المغرب بدقائق، فهل يجزئها هذا اليوم من رمضان؟ إن خروج الدم منها قبل غروب الشمس يبطل صومها.
стр. 40
الموت
قال رحمه الله تعالى: [الموت] لأن النبي ﷺ قال: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث) فإذا غسلوه فهل يقولون: لا ندخل الماء إلى فيه حتى لا يدخل الماء إلى جوفه وهو صائم؟ نقول: لا، الموت يُبطل العمل ﴿إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث﴾.
стр. 41
الردة
قال رحمه الله تعالى: [الردة] قال الله جل وعلا: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر:٦٥].
стр. 42
العزم على الفطر
قال رحمه الله تعالى: [العزم على الفطر] هذا رجل في سفر فنوى الفطر ولم يجد طعاماً أو وجد طعاماً لا يناسبه فقال: إذاً: أُكمل هذا اليوم.
فهل يجزئه ذلك؟ لا؛ لأن النبي ﷺ يقول: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) فواجب أن تستوعب النية اليوم كله، وهذا أخلى جزءاً من النهار من النية، وهذا كله في الفرض، لكن النفل يختلف، إذا نوى الفطر ولم يُفطر نقول لك أن تُكمل؛ لأن النية في النهار تُجزئ في النفل.
стр. 43
التردد في الصيام
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والتردد فيه] هذا رجل تردد في أثناء النهار: أُفطر، لا أُفطر فهذا حصل عنده تردد، قال: كذلك يكون بذلك قد أفطر؛ لأن الواجب هو الجزم بالنية، والقول الثاني في المذهب: أن التردد في النية في أثناء النهار لا يُبطل الصوم، وهذا أرجح، وذلك لأن الأصل بقاء النية وإنما تردد هل يزيلها أم لا؟ بخلاف التردد في الليل، فلو أنه تردد: هل أصوم غداً أم لا أصوم؟ ومضى عليه الليل ودخل النهار وهو متردد، فواضح أنه لا يصح ذلك الصوم فريضة؛ لأنه تردد في الليل والواجب هو الجزم، لكن هذا جزم أصلاً في نيته ونوى، ثم إنه تردد: هل يقطع صومه فيفطر أم لا؟ فحصل عنده تردد، فهذا -على الصحيح وهو قول في المذهب- لا يُفطر بذلك، لكن لو جزم بالفطر فإنه يُفطر ولو لم يأكل ويشرب.
стр. 44
القيء عمداً
قال رحمه الله تعالى: [القيء عمداً] لأن النبي ﵊ قال: (من ذرعه القيء فلا قضاء عليه، ومن استقاء فليقض) والحديث رواه الترمذي وغيره وهو حديث صحيح صححه جماعة كثيرة من أهل العلم، فقوله: (من استقاء) يعني: من طلب خروج القيء، وأما من ذرعه فإنه لا قضاء عليه، و (ذرعه) يعني: خرج بلا قصد، فمن ذرعه قيء -يعني: خرج القيء من غير قصد- فإنه لا يفطر، ومن استقاء فطلب خروج القيء -كالذي يُدخل إصبعه في فيه حتى يخرج ما في معدته- فإنه يُفطر.
فإن قيل: ما هي الحكمة؟ فالجواب كما ذكر ابن عبد البر ﵀ أن خروج الطعام من المعدة مظنة رجوع بعض منه، إذا خرج الطعام فوصل إلى الفم فإن هذا مظنة رجوع شيء منه إلى المعدة فيرجع شيء منه من الحلق أو من الفم إلى المعدة مرة أخرى، وعلى ذلك فمن استقاء فإنه يُفطر، ومن خرج منه القيء بلا قصد فإنه لا يُفطر بذلك.
стр. 45
الاحتقان
قال رحمه الله تعالى: [الاحتقان من الدبر] يعني: إذا وضع في دبره حقنة للتداوي، يعني دواء حقنة في الدبر، قال: كذلك يُفطر، وهذا هو المشهور في المذهب؛ لأن قاعدة المذهب -كما سيأتي- أن ما دخل في جوفه أو في المجوف في بدنه كالدبر فإنه يُفطر به، والقول الثاني في المسألة -وهو الراجح وهو اختيار شيخ الإسلام - أن الحقنة في الدبر لا يُفطر بها الصائم، وذلك لأن الله جل وعلا قال: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧] والحقنة ليست أكلاً ولا شرباً في عُرف المخاطبين بهذه الآية من العرب، فالعرب لا يعدون الحقنة طعاماً ولا شراباً، والله جل وعلا قال: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧] وعلى ذلك فالراجح أن الحقنة لا يُفطر بها الصائم.
стр. 46
بلع النخامة إذا وصلت إلى الفم
قال رحمه الله تعالى: [بلع النخامة إذا وصلت إلى الفم] وهي ما يخرج من الصدر أو يخرج من الدماغ، وهي شيء مستقذر معروف، إذا استخرجها من صدره إلى فيه ثم ابتلعها قصداً -وهذا لا يكاد يفعله أحد- فإنه يُفطر في المشهور في المذهب، فإن أخذها من الصدر إلى المعدة مباشرة، أو من الدماغ إلى المعدة مباشرة ولم يجمعها في الفم فإنه لا يُفطر، قالوا: لأنه يشق التحرّز من ذلك، وأما إذا جمعها في فيه ثم ابتلعها فإنه يفطر، والقول الثاني في المسألة -وهو رواية عن الإمام أحمد، واختاره الشيخ محمد بن عثيمين ﵀ أن ابتلاع النخامة ولو وصلت إلى الفم لا يُفطر به الصائم؛ لأن النخامة كالريق متحللة من الجوف، فكما أن من جمع ريقه ثم ابتلعه لا يُفطر فكذلك من ابتلع النخامة، وهذا هو الراجح.
стр. 47
الحجامة
قال رحمه الله تعالى: [الحجامة خاصة حاجماً كان أو محجوماً] الحجامة معروفة، وهي استخراج الدم الفاسد إما بمص الحاجم، وإما بالآلة فقط، يعني: بأكواب يضعها على ظهره أو في موضع آخر، فالحجامة يُفطر بها الصائم في المشهور في المذهب، واستدلوا بما روى الخمسة إلا الترمذي أن النبي ﵊ قال: (أفطر الحاجم والمحجوم) قالوا: هذا يدل على أن الحاجم والمحجوم يُفطران بالحجامة، قالوا: والعلة تعبدية، يعني: لا نفقه العلة بل العلة مجهولة عندنا، ولذا فالمشهور في المذهب أن الحاجم يُفطر ولو كان يحجم بالأكواب، لقوله: (أفطر الحاجم والمحجوم).
وأما شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فيرى أن العلة معقولة المعنى وليست تعبدية، قال: أما المحجوم فلأن بدنه يضعف بالحجامة، وأما الحاجم فإنما يُفطر إذا مص الآلة، وأما إذا كان يحجم بالكأس فقط -يعني: بالكوب- فإنه لا يُفطر بذلك، قال: فالعلة معقولة المعنى، فالذي يمص لا يأمن دخول الدم إلى جوفه، وأما الذي يحجم بالأكواب فقط فهذا لا يفطر؛ لأن الدم لم يصل إلى فيه بحيث يُخشى أن يدخل إلى جوفه.
وقال جمهور العلماء: بل الحجامة لا تُفطّر ولا يُفطر بها الصائم، واستدلوا بما جاء في صحيح البخاري (أن النبي ﵊ احتجم وهو صائم) رواه البخاري في صحيحه، قال ابن عبد البر: لا اختلاف بين أهل العلم في صحته وثبوته، وقال ابن حجر: هذا الحديث لا نطعن فيه، وفيه أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم، وهو من حديث ابن عباس وهو مذهب راويه، فقد ثبت في البخاري معلقاً أن ابن عباس ﵁ قال: الفطر فيما دخل لا فيما خرج، قالوا: وأما حديث: (أفطر الحاجم والمحجوم) فهو منسوخ، ويدل عليه ما جاء في سنن الدارقطني بسند قوي أن أنس بن مالك ﵁ قال: (مر النبي ﵊ على جعفر بن أبي طالب ﵁ وهو يحتجم فقال النبي ﷺ : أفطر هذان قال أنس: ثم رُخّص بعد في الحجامة للصائم) وفي سنن أبي داود أن النبي ﷺ نهى عن الحجامة للصائم وعن المواصلة ولم يحرّمهما إبقاء على أصحابه.
وهذا هو القول الراجح، وأما حديث أفطر الحاجم والمحجوم فمنسوخ.
ومن العلماء من قال: إن قوله: (أفطر الحاجم والمحجوم) يعني: يئول أمرهما إلى الفطر؛ لأن المحجوم يضعف بدنه فيشق عليه الصوم، وأما الحاجم فإنه لا يؤمن -كما تقدم- من دخول الدم إلى جوفه فيفطر بذلك.
والمؤلف ذكر هنا الحجامة خاصة، وأما الفصد فإنه لا يُفطر به على المذهب، وكذلك جرح البدن بحيث يخرج الدم من غير أن تغور الآلة، فإذا جرح بدنه من غير أن تغور الآلة فإنه لا يُفطر بذلك، كذلك إذا أدخل أصبعه في أنفه فخرج الدم -وهو الرعاف- فإنه لا يُفطر بذلك، هذا على ما هو مشهور في مذهب الإمام أحمد.
وأما التبرع بالدم فهو من جنس الحجامة، فالقائلون بأن الحجامة تُفطّر يكون التبرع عندهم من جنسها، يعني: إخراج الدم الكثير من جنسها، وأما إخراج الدم من البدن بجرحه -كما يُفعل هذا لمريض السكري- فلا يُفطر به الصائم حتى على المشهور في المذهب؛ لأن الآلة لا تغور، أما إخراجه سحباً -بأن تدخل الآلة حتى تسحب الدم- فهذا -على المشهور في المذهب- يُفطر به الصائم؛ لأن الآلة تغور، والذي يترجح -كما تقدم وهو قول الجمهور- أن الصائم لا يُفطر بذلك.
ونقف عند هذا القدر، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.
стр. 48
الأسئلة
стр. 49
حكم تردد الصائم في الفطر أثناء النهار
السؤال
ما حكم تردد الصائم في الفطر أثناء النهار؟
الجواب
إذا تردد يُعتبر قد أفطر، لكن هل له أن يتم اليوم فيرجع فينوي من جديد؟ له ما دام أنه لم يأكل ولم يشرب، فإذا تردد قلنا: بطل صومك ولك أن تنوي من جديد، هذا فيما إذا نوى الفطر، أما إذا كان مجرد تردد فإن هذا لا يؤثر في أثناء النهار، وفي الليل إذا تردد في النفل نقول: الحمد لله، اعزم على النية ولا يضرك هذا، يعني: يدخل الفجر وهو متردد، ولما صلى الفجر عزم، فليس هناك مانع من صيامه.
стр. 50
حكم استعمال الصائم السواك
السؤال
ما حكم السواك للصائم؟
الجواب
الصحيح أنه لا يُفطّر، السواك لا يُفطّر، لكن هل يكره بعد أذان الظهر؟ من العلماء من يكرهه، والصحيح أنه لا يُكره؛ لأنه لا يُذهب الخلوف؛ ومن أهل العلم من يقول: إنه لو أذهبه فلا مانع، ليس المقصود هو إذهاب الرائحة، بل المقصود أن هذه الرائحة مستحبة لأنها أثر مستحب للصيام، لأن الله يحب هذه الرائحة التي هي أثر عنه وليس المقصود أن العبد لا يزيلها كما سيأتي ذلك إن شاء الله.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 51
دليل الطالب_ كتاب الصيام [٤]
من أحكام الصيام ما يتعلق بإنزال المني المفسد للصوم وأثر خروج المذي على الصوم، واستعمال بخاخ الربو وإجراء عمليات الغسيل الكلوي، وما يعتبر منفذاً يبطل الصوم بدخول شيء من خلاله إلى البدن، وغير ذلك من الأحكام المهمة للصائم.
стр. 52
تابع مفطرات الصائم
стр. 53
ما يقع به الفطر من نزول المني وخروج المذي
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [إنزال المني لتكرار النظر، لا بنظرة ولا بتفكير ولا باحتلام].
إنزال المني هو شهوة، وقد قال النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه في الحديث القدسي في الصحيحين: (يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي) وإنزال المني هو الشهوة، فإذا أنزل المني باختياره أولج أو لم يولج -والإيلاج كما سيأتي من المفطرات أنزل أم لم ينزل- فإذا أنزل المني باستمناء كالذي يستمني بيده، أو بمباشرة المرأة دون إيلاج، كأن يأتيها بين فخذيها، أو -كما ذكر المؤلف هنا- بالقبلة، قبّل فأمنى، أو مس المرأة بيده فأمنى، أو كرر النظر فأمنى، فهذا كله يفسد الصوم.
والكلام هنا -كما تقدم- ليس في الإيلاج، فإن الإيلاج له حكم سيأتي إن شاء الله، فالكلام هنا في إنزال المني باختياره، لكن لو كان باحتلام حيث احتلم وهو نائم فأنزل، فهذا لا يفسد صومه؛ لأن هذا بغير اختياره، والنبي ﵊ يقول: (إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه) فإذا خرج المني -والمني هو السائل الذي يتكون منه الولد- بغير اختياره إما بمباشرة للمرأة، أو بمس المرأة بيده أو بقبلة، أو بتكرار النظر؛ لأن المني -كما تقدم- هو الشهوة، وفي الحديث: (يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي) لكن إن أنزل بنظرة لا بتكرار، بل بنظرة واحدة فقط فقد قالوا: هذا لا يُفسد صومه؛ لأن هذا لا يمكن التحرز منه، فإن لك الأولى وليست لك الآخرة، فالنظرة الأولى لك، فهذا نظر نظرة واحدة فأنزل، قالوا: يشق التحرز من ذلك.
قال رحمه الله تعالى: [ولا بالتفكير] فكّر بامرأة فأنزل، فهذا -كذلك- لا يفسد صومه؛ لأن هذا -أيضاً- لا يمكن التحرز منه.
وكذلك الاحتلام، فالاحتلام كذلك لا يفسد به الصوم؛ لأن هذا بغير اختياره.
هذا كله تقرير ما ذكره المؤلف، وهو المشهور في المذهب، فإذا استمنى بيده فأنزل فهذا يفسد به الصوم؛ لأن هذه شهوة -كما تقدم- فكانت كالأكل والشرب في إفساد الصوم؛ لحديث: (يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي).
لكن إذا قبّل فأنزل، أو مس بيده فقط فأنزل فهل هذا سبب معتاد للإنزال؟ أو يكون نزول المني في الحقيقة بغير اختياره؟ يكون نزوله بغير اختياره؛ لأن هذا ليس بسبب معتاد، ولذا مال صاحب الفروع في هذه المسألة إلى أنه لا يفسد صومه إذا قبّل فأنزل أو مس بيده فقط فأنزل؛ لأن هذا ليس بسبب معتاد، فيكون خروج المني هذا ليس باختياره؛ لأن هذا سبب ليس بمعتاد، إذا كرر النظر فأنزل، هل هذا سبب معتاد للإنزال؟ ليس بسبب معتاد للإنزال، ولذا قال الشافعية والأحناف: فإنه لا يفطر بذلك، لا يفسد الصوم بذلك.
وهذا أرجح؛ لأن هذا ليس بسبب معتاد، لكن المباشرة سبب معتاد، باشر المرأة لكنه لم يولج، هذا سبب معتاد، هذا كالاستمناء باليد.
إذاً: إذا استمنى بيده أو باشر المرأة -كالذي يباشرها بين فخذيها فينزل- يفسد صومه، وأما من نظر فقط وكرر النظر، أو فكّر، أو قبّل أو مس فالصحيح أنه لا يفسد صومه بذلك؛ لأن هذا ليس بسبب كما تقدم تقريره.
إذا احتلم في نهار رمضان فإنه لا يفسد صومه باتفاق أهل العلم.
إذاً -أيها الأخوة-: من استمنى فإنه يُفطر وقد فسد صومه ولكنه يمسك بقية يومه ولا يأكل ويشرب بعد ذلك، يجب عليه الإمساك، هذا رجل استمنى في أول النهار، نقول: فسد صومك لكن ليس لك أن تأكل وتشرب بعد ذلك، عليك الإمساك، وعليك القضاء؛ لأنه ليس بمعذور، ليس كالمسافر المعذور، أو المريض المعذور، بل هذا يجب عليه أن يتم هذا اليوم فيمسك ولا يؤذن له بالأكل والشرب والجماع، وعليه -كما تقدم- القضاء.
من باشر المرأة دون الفرج فأنزل يفسد صومه، لكن من قبّل فقط أو مس فقط، أو كرر النظر فقط فأنزل فإن من أهل العلم من يقول: يفسد صومه، كالحنابلة، ومنهم من يقول: لا يفسد، وذلك لأن هذا ليس بسبب معتاد، وهذا -كما تقدم- هو الراجح.
قال رحمه الله تعالى: [ولا المذي] فلا يفسد صومه إذا كرر النظر فأمذى، هذا رجل كرر النظر فأمذى، قالوا: لا يفسد صومه؛ لأن هذا لا يمكن التحرز منه، لكن خروج المني -كما قال بعد ذلك- أو المذي بتقبيل أو لمس أو استمناء أو مباشرة دون الفرج يفسد به الصوم.
والمذي: سائل أبيض لزج يخرج عند تحرك الشهوة، إذا تحركت الشهوة خرج، هذا مقدمة للشهوة وليس هو الشهوة، فالشهوة هي المني الذي يكون منه الولد، لكن المذي يكون عند تحرك الشهوة، فهل المذي يفسد به الصوم أم لا؟ يعني: خروج المذي، المؤلف قال هنا: إن كان بتكرر النظر فإنه لا يفسد، وإن كان بالتقبيل أو بالمس أو بالمباشرة فإنه يفسد به الصوم.
هذا رجل قبّل امرأته، أو مسها بيده، أو ضمها فخرج منه هذا السائل الأبيض اللزج ولم يخرج منه الماء، وإنما خرج هذا السائل الأبيض، فهل يفسد صومه أم لا؟ قال المؤلف هنا: يفسد صومه، والقول الثاني في المسألة -وهو قول الشافعية والأحناف- قالوا: لا يفسد صومه؛ وذلك لأن الأصل بقاء الصوم، قالوا: ولم يأت دليل يدل على أن خروج المذي مفطّر، وأما ق
стр. 54
حكم ما يصل إلى الجوف أو الحلق أو الدماغ
ثم قال ﵀: [كل ما وصل إلى الجوف أو الحلق أو الدماغ من مائع وغيره] إلى آخر كلامه ﵀.
إذا وصل إلى جوفه -والجوف: هو المعدة- أو إلى مجوف -كالحلق أو الدماغ- فإن الصائم يفطر بذلك، إلى جوفه: يعني: إلى معدته، وإلى مجوف: كالدماغ، هذا كله تقرير المشهور في المذهب.
فإذا اكتحل فوصل طعم الكحل إلى حلقه، هل يفطر في المذهب؟ يفطر؛ لأنه وصل إلى مجوف وهو الدماغ، إذا تبخّر فوصل إلى دماغه فإنه يفطر، إذا وضع قطرة في أذنه فوصلت إلى الدماغ فإنه يفطر، إذا جُرح في بدنه جائفة وصلت إلى جوفه فأخذ دواء وأخذ يضع هذا الدواء داخل بطنه حتى يعالج هذه الجائفة أفطر في المذهب، إذا أدخل آلة -كالذي يأخذ تحليلاً- وكالذي يدخل آلة تصوير في باطنه إما من حلقه أو من دبره من أجل أن يصور باطنه -فهذا أيضاً يُفطر بذلك، ولذا قال: [فيفطر إن قطّر في أذنه ما وصل إلى دماغه، أو داوى الجائفة فوصل إلى جوفه، أو اكتحل بما علم وصوله إلى حلقه] مثل ذلك القطرة التي تكون في العين وتصل إلى الحلق، هذا كله تقرير للمشهور في المذهب، وفي هذه المسائل اختلاف بين أهل العلم في الكحول وفي القطرة وفي مسائل أخرى، ومثل ذلك أيضاً -كما تقدم في الدرس السابق- الحقنة إذا أُدخلت في الدبر، فإنَّه -على المذهب- يُفطر بذلك.
القول الآخر في المسألة والراجح وهو اختيار شيخ الإسلام وطائفة من المحققين قالوا: إنه لا يفطر إلا بما يصل إلى معدته أو إلى دمه فيغذي بدنه، وعلى ذلك فلا يفطر إلا بما يعد أكلاً أو شرباً في العُرف، فما يُعد أكلاً أو شرباً فهذا هو الذي يفطر به الصائم، قالوا: لأن الله جل وعلا قال: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧] ولم ينه الله جل وعلا عن الكحل ولا عن الحقنة ولا عن غير ذلك، قالوا: والشرع قد بيّن مبطلات الصلاة، وقد بيّن لنا نواقض الوضوء، ولو كان ذلك -أي: الذي ذكره الفقهاء- من مفسدات الصوم لبيّنه الشارع كما بيّن لنا نواقض الوضوء؛ لأن الصوم ركن من أركان الإسلام، فلو كانت هذه من مفسداته لبيّنها الشارع الحكيم، قالوا: والمخاطبون الذين نزل القرآن بلغتهم -وهم العرب- لا يعدون الكحل أكلاً ولا شرباً، فلو أن أعرابياً حلف أن لا يأكل يومه ذلك فاكتحل، فهل يكون قد حنث في يمينه؟ ولو حلف أن لا يأكل ولا يشرب فوضع حقنة في دبره أو وضع قطرة في أذنه أو داوى جائفته فهل يُعد آكلاً أو شارباً، ويكون حانثاً في يمينه؟ لا.
وهذا القول هو القول الراجح.
إذاً: ما يُعد أكلاً أو شرباً هو الذي يُفطر به الصائم، وعلى ذلك فلو اكتحل -ولو وصل الطعم إلى حلقه- فإنه لا يُفطر، ولو وضع قطرة في أذنه ووصلت إلى دماغه فإنه لا يفطر، ولو وضع حقنة في دبره فإنه لا يُفطر، وكذلك لو تبخّر بالبخور على الصحيح، ومن العلماء من يرى أن البخور مفطّر، والراجح أنه لا يفطّر، لا يفسد به الصوم؛ لأنه -وإن وصل إلى الدماغ- لا يُعد أكلاً ولا شرباً، وقد جاء في البخاري أن ابن مسعود ﵁ قال: (إذا كان يوم صوم أحدكم فليصبح دهيناً مترجلاً) وتعلمون أن الذي يدّهن يصل هذا إلى بدنه، ينفذ إلى البدن، ولذا تداوى الأعصاب وباطن البدن بكثير من الأدهان، ولا خلاف بين أهل العلم في أن الذي يدّهن على بدنه أنه لا يفسد بذلك صومه.
стр. 55
حكم غسيل الكلى واستعمال بخاخ الربو وإبرة السكر
وغسيل الكلى هل يحصل به الفطر؟ غسيل الكلى إن وضع معه ما يغذي البدن بتقرير الطبيب فإنه يفطّر، وأما مجرد الغسيل فإنه لا يُفسد الصوم، لكن إن أحب أن يُفطر؛ لأنه يضعف بدنه بعد الغسيل فله ذلك، إذا ضعف بدنه فله أن يُفطر، لكن مجرد الغسيل هذا لا يحصل به الفطر.
والبخاخ الذي يكون للربو كذلك، فهذا يوسع الشعب الهوائية فقط.
والإبرة من الأنسولين التي تخفض السكري عندما يرتفع، هذه لا يفسد بها الصوم، لكن إذا كانت من الجلوكوز -وهي التي ترفع السُكري عند انخفاضه، إذا انخفض السكري أُعطي إبرة ليرتفع- فهذه فيها غذاء؛ لأن الجلوكوز غذاء.
إذاً: الطبيب يقرر لنا هل في هذه الإبرة غذاء أم ليس فيها غذاء؟ فإذا كان فيها غذاء فإنها تُفطّر الصائم وتُفسد صومه، وإذا لم يكن فيها غذاء فإنها لا تفسد الصوم.
стр. 56
حكم مضغ العلك ونحوه
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أو مضغ علكاً أو ذاق طعاماً ووجد الطعم بحلقه] إذا مضغ علكاً ولم يكن هذا العلك متحللاً، يعني: علكاً قوياً، فأخذ العلك القوي فمضغه فلم يتحلل -كما لو مضغ بلاستيكاً أو خرقة- فإنه لا يُفطر، فإن كان مما يتحلل -يعني: فيه طعام بحيث إنه إذا علكه تحلل هذا الطعام ودخل جوفه- فإنه يُفطر بذلك.
إذاً: عندنا علك قوي لا يتحلل، وعندنا علك يتحلل، فالعلك الذي يتحلل إذا مضغه وبلع فهذا الذي في فيه مما تحلل مع الريق فإنه يفطر بذلك.
إذاً: العلك الذي يتحلل يفطر، والعلك الذي لا يتحلل لا يفطّر؛ لأن العلك الذي لا يتحلل مثل الخرقة، أو مثل البلاستيك.
قال رحمه الله تعالى: [أو ذاق طعاماً ووجد الطعم بحلقه] هل يجوز له أن يتذوق -أي: الصائم- الطعام؟ قال ابن عباس ﵁: (لا بأس أن يذوق الخل أو الشيء يريد شراءه) رواه البخاري معلّقاً، قال الفقهاء كالحنابلة: يجوز له أن يتذوق الطعام للحاجة، فإن كان لغير حاجة فيُكره، يعني: لا يكره أن يتذوق الطعام لحاجة، فإن كان التذوق لحاجة لم يكره، يأخذ -مثلاً- من الخل ويضع على طرف لسانه، أو المرأة تضع على طرف لسانها لتتذوق في طرف لسانها هل فيه ملح أو لا؟ هذا لا بأس به، لكن إن وصل إلى حلقه أفطر، وعلى ذلك قال الفقهاء: يبصق، إذا تذوّق بصق حتى لا يدخل الطعام إلى حلقه، وإنما يكتفي -فقط- بذوق الطعام بلسانه من غير أن يصل الطعام إلى حلقه.
إذاً: لا بأس أن يتذوق، ولكنه بعد التذوق يبصق لئلا يصل الطعام إلى حلقه، هذا هو تقرير المذهب.
стр. 57
حكم بلع ما يكون على الشفتين من الريق
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أو بلع ريقه بعد أن وصل إلى ما بين شفتيه] إذا ابتلع الريق من الفم فإنه لا يُفطر ولو جمع ريقه ثم ابتلعه، لكن هنا يقول المؤلف: إذا أخرجه إلى الشفتين -أخرج الريق إلى الشفتين- فإنه يفطر بذلك، كما لو بلع ماءاً.
إذاً: عندنا إذا ابتلع الريق من الفم مباشرة فهذا ما فيه شيء، لكن إذا أخرج الريق حتى وصل الريق إلى الشفتين، أصبح الآن خارج البدن، ثم ابتلعه بعد ما جمعه هنا على شفتيه، قالوا: يفطر بذلك.
والذي يترجح أنه لا يفطر؛ لأن الريق ليس طعاماً ولا شراباً، الريق لا يعد طعاماً ولا شرباً، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، لكن مثل هذا الفعل لا فائدة منه وهو عبث.
إذاً: إن بلع ريقه أو جمعه فابتلعه فهذا لا شيء فيه ولا حرج عليه في ذلك، وإن أخرجه حتى كان على الشفتين ثم ابتلعه ففي المذهب أنه يفسد بذلك صومه، والقول الثاني وهو الراجح: أنه لا يفسد بذلك صومه؛ لأن ذلك لا يُعد أكلاً ولا شرباً، ونقف عند هذا القدر، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.
стр. 58
الأسئلة
стр. 59
بيان مذهب العامي
السؤال
ما هو مذهب العامي؟
الجواب
العامي يقلِّد عالماً يثق به، ومذهبه مذهب من أفتاه، الناس مذهبهم مذهب من يفتيهم، فإذا وجدوا من يستفتونه وهو من أهل العلم وممن لا يتبع الهوى ويترك شواذ المسائل ويأخذ بالدليل، وقد درس الفقه على أهل العلم، وأخذ الفقه على المذاهب فهو صاحب معرفة في الفقه ويوثق به، فإنهم يستفتونه ويأخذون عنه العلم ولو خالف المذهب.
стр. 60
حكم تداوي الصائم
السؤال
ما حكم تداوي الصائم؟
الجواب
يجوز له أن يُفطر إذا احتاج إلى دواء، فإن أمكن أن يضع الدواء وهو صائم فلا مانع، لأنه عندما تضع عليه دواء ولا تبلعه فهذا ما يضر، لكن إن احتجت إلى أن تبلع ويشق عليك ذلك فإنك تفطر وتقضي هذا اليوم.
стр. 61
حكم مضغ العلك
السؤال
ما حكم مضغ العلك؟ الشيخ: العلك إذا كان قوياً، بمعنى أنه علك قد عُلك قبل فأصبح لا طعم فيه، إذ هناك علك قوي لكن فيه طعم، لكن إذا كان مثل الخرقة والبلاستيك وقد ذهب طعمه، وأما إذا كان فيه طعم فإنه يُفسد، سواء كان الطعم مرارة أو طعم سُكّر، كان حلاوة أو مرارة، هذا يُفطّر إذا دخل إلى الحلق.
стр. 62
حكم فطر الصائم أثناء النهار بتناول الدواء
السؤال
ما حكم فطر الصائم بتناول الدواء؟
الجواب
يجوز له إذا كان يأخذ دواء أن يُفطر إذا قال له الطبيب: لازم أن تأكل علاجاً في الساعة الفلانية أو في كذا.
стр. 63
حكم تقبيل الصائم امرأته
السؤال
ما حكم القبلة للصائم؟
الجواب
قبلة المرأة ومباشرة المرأة هذه لا يُفطر بها الصائم، ولذا كان النبي ﷺ يُباشر ويقبّل وهو صائم، لو أمذى، لكنه يُكره للشاب الذي تحرك شهوته، وإن كان لا يأمن على نفسه فلا يجوز له؛ لأن القبلة قد تدعوه إلى الجماع.
стр. 64
دليل الطالب_ كتاب الصيام [٥]
من أحكام الصيام ما يتعلق بتناول المفطر مع النسيان والإكراه، وكذا مع الجهل، وما يتعلق بالأكل مع الشك في طلوع الفجر، واغتسال الصائم للتبرد وتمضمضه ونحو ذلك.
стр. 65
حكم تناول المفطر مع النسيان والإكراه
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا يُفطر إن فعل شيئاً من المفطرات ناسياً أو مكرهاً] من أكل أو شرب ناسياً فلا شيء عليه لا قضاء عليه ولا كفارة، ففي الصحيحين أن النبي ﵊ قال: (من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه) وعلى ذلك فإذا أكلت ناسياً ثم تنبهت أو نُبّهت أنك صائم فماذا يجب عليك؟ يجب أن تمسك بقية اليوم، فلو كان بعض الطعام في فيك وجب أن تلفظه ولا تبتلع هذا الذي في فيك، ولا تأخذ لقمة أخرى أو تمرة أو نحو ذلك فتأكلها بعد أن ذكرت، ولا يجب عليك القضاء، وفي مستدرك الحاكم أن النبي ﵊ قال: (من أفطر ناسياً فلا قضاء عليه ولا كفارة).
ومن رآه فهل يُشرع له أن ينبهه ويقول: يا فلان! أنت صائم، أو يتركه؟ فيه قولان لأهل العلم فمن أهل العلم من يقول: إنه لا يجب عليك أن تنبهه فإنما هو رزق ساقه الله إليه، ولذا قال في الحديث: (فإنما أطعمه الله وسقاه) وقال بعض العلماء: بل يجب، وهذا من جنس الإنكار على الجاهل، فالجاهل معذور ويجب أن تُنكر عليه وهو جاهل.
والذي يترجح أنه لا يجب، وهناك فرق بين الجاهل وبين الناسي من جهة أن الناسي يعلم بالحكم ولكن طرأ عليه النسيان، وأما الجاهل فإذا لم يُعلّم استمر على جهله في مستقبل أيامه، وأما هذا فإنه ناسٍ والناسي يتذكر، وقد يتكرر منه النسيان، لكن الجاهل لابد من تعليمه؛ لأنا إذا تركناه بلا علم كرر خطأه في مستقبل أيامه، واستمر على جهله، وعلى ذلك فلا يجب، إن نبهه فلا بأس وإن تركه فلا بأس.
قال رحمه الله تعالى: [أو مكرهاً] لأن النبي ﷺ يقول: (إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) وعلى ذلك فلو أنه دخل بغير اختياره شيء من الطعام إلى معدته فإنه لا يفطر بذلك، ولذا قال المؤلف: [ولا إن دخل الغبار حلقه أو الذباب بغير قصده] لأن هذا ليس باختياره، إذاً: لا يُفطر إلا من كان ذاكراً لا ناسياً، ومختاراً لا مكرهاً.
стр. 66
حكم تناول المفطر جهلاً
لم يتعرض المؤلف هنا للجهل هل يُعذر الجاهل أو لا يُعذر؟ المشهور في المذهب أنه لا يُعذر، ولذا لم يذكره المؤلف بناءً على المشهور عند الحنابلة، أن الجاهل في هذا الباب لا يُعذر، وعلى ذلك فلو أنه استقاء وقال: أنا ما علمت أن من استقاء فإنه يُفطر بذلك، ما علمت بهذا، وكان مثله يجهل فهو في بلد لا ينتشر فيها العلم ولم يعلم أن من أدخل أصبعه في فيه فأخرج الطعام أنه يُفطر، فقالوا: عليه القضاء، هذا المشهور في المذهب، كذلك من أكل قبل غروب الشمس يظن أن الشمس قد غربت، هذا جاهل بالوقت أو بالحكم؟ جاهل بالوقت يظن أن الشمس قد غربت، يعني: نظر فيما حوله وفيما عنده وغلب على ظنه أن الشمس قد غربت، بعض الناس يأكل وهو لم ينظر إلى الساعة ولم يخرج لينظر إلى الشمس، هذا مفرّط عليه القضاء، لكن بعض الناس هذا هو علمه، كشيخ كبير في بيته سمع صياحاً وهو لا يعرف الساعة ولا يعرف الوقت ولا يستطيع أن يقوم، وليس عنده أحد، فلما سمع هذا ظن أن المؤذن يؤذن فأكل لا استعجالاً، لكن هذا هو علمه، وهذه هي قدرته، فالمشهور في المذهب أن عليه القضاء، والقول الثاني في المسألة وهو اختيار شيخ الإسلام، واختاره أيضاً الشيخ محمد بن عثيمين وهو قول طائفة من السلف، وقول أبي الخطاب من الحنابلة، قالوا: إن الجاهل يُعذر كالناسي وكالمكره، كما أن الناسي يُعذر وكما أن المُكره يُعذر فالجاهل كذلك يُعذر سواء كان جاهلاً بالحكم أو كان جاهلاً بالوقت، واستدلوا بقصة عدي بن حاتم ﵁، فإنه أخذ عقالين أسود وأبيض فجعل ينظر إليهما ويأكل، وذلك قبل نزول قوله جل وعلا: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧] ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧] قبل نزول قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧] فجهِل ﵁ فقال له النبي ﵊: (إنما هو سواد الليل وبياض النهار).
الخيط الأبيض: هذا بياض الليل، البياض المعترض الذي يكون في الجانب الشرقي، هذا هو الخيط الأبيض، والخيط الأسود: هو الليل، والحديث متفق عليه، ولم يأمره النبي ﵊ بالقضاء، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، واستدلوا أيضاً بما ثبت في البخاري عن أسماء ﵂ قالت: (أفطر الناس في يوم غيم ثم طلعت الشمس) وليس فيه أن النبي ﷺ أمرهم بالقضاء، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، وهشام بن عروة -وهو الراوي عن أسماء - قيل له: هل قضوا؟ قال: لا أدري، وفي رواية قال: وهل بد من قضاء؟! يعني: لا بد من القضاء، هذا اجتهاد منه ورأي منه، ولكنه قال: لا أدري؛ وقد تقدم أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، وليس في الحديث أنهم قضوا ما عليهم، أنهم قضوا هذا اليوم، وعلى ذلك فنقول: الراجح أن الجاهل بالوقت أو الجاهل بالحكم لا يُفطر، فاجتمع لنا ثلاثة شروط: الشرط الأول: أن يكون مختاراً، وضد المختار المكره.
الشرط الثاني: أن يكون ذاكراً، وضد الذاكر الناسي، أن يكون ذاكراً لا ناسياً.
الشرط الثالث: أن يكون عالماً، وضده الجاهل، الجاهل بالوقت أو الجاهل بالحكم.
وعلى ذلك فإذا أفطر جاهلاً بالوقت أو جاهلاً بالحكم وكان منه تفريطاً هل يُقبل منه ذلك؟ لو أن رجلاً قال: ما علمت أن الجماع مفطّر وهو في بلد فيها علم، هل يُقبل منه ذلك؟ ما يُقبل، فالجاهل إنما يُعذر إذا لم يكن مفرطاً، لكن إذا كان عنده تفريط فإنه لا يُعذر، إذاً: من أكل أو شرب ناسياً أو مكرهاً أو جاهلاً بالوقت أو بالحكم فإنه لا قضاء عليه ولا كفارة، ولكن هل كل جاهل يُعذر؟ من هو الجاهل المعذور؟ الجاهل الذي لم يفرّط وكان مثله يجهل، بعض الناس يعيشون في بادية، أو يعيشون في بلد لا ينتشر فيه العلم، لا يسمح للناس بالعلم، أو ليس فيه علماء، أو يكونون في أماكن في بلاد كانت تحت حكم يُبعدهم عن العلم كالبلاد التي تعيش تحت الحكم الروسي سابقاً، هؤلاء عندهم جهل شديد، فإذا كان جاهلاً ولم يُفرّط فإنه يُعذر.
فالتفريط بمعنى أن يكون العلم متيسراً ولم يطرق بابه، يكون عنده مدارس فيها ناس يدرسون، ولله الحمد فعندنا في هذه البلاد مدارس، الناس يدرسون المسائل الشرعية، الناس يسمعون في الإذاعة وفي غيرها، والكتب متيسرة، لكن هناك مسائل قد تخفى لقلة وقوعها، فإذا كانت هذه المسائل مما قد يخفى قُبل جهله، وأما إذا كانت المسألة ظاهرة فإنه لا يُقبل فيها الجهل، كما لو أن شاباً استقاء وقال: ما عرفت، هذا قد يُقبل منه ذلك، لكن لو أكل أو شرب وقال: ما عرفت لا يُقبل منه، مثل الإشارة، لو جاء رجل وقطع الإشارة وقال: أنا ما عرفت أن الإشارة الحمراء تقف عندها، هل يقبل ذلك منه؟ ما يُقبل ذلك منه، لكن لو أتى إلى شارع جديد والشا
стр. 67
حكم الأكل مع الشك في طلوع الفجر
من أكل شاكاً في طلوع الفجر، فلا شيء عليه؛ لأن الأصل بقاء الليل، يعني: هو ينظر إلى الخيط الأبيض من الخيط الأسود وعنده شك فأكل أثناء الشك، هذا لا يؤثر؛ لأن الأصل بقاء الليل، لكن من كان عنده شك هل غربت الشمس أو لم تغرب، فهل له أن يأكل أو يشرب؟ لا؛ لأن الأصل بقاء النهار، أما حديث (أفطر الناس في يوم غيم) فهم تيقنوا أن الشمس قد غربت، ما هو بشك، عندهم يقين (أفطر الناس في يوم غيم ثم طلعت الشمس) فقد تيقنوا -أو غلب على ظنهم- أن الشمس قد غربت، لكن لو كان مجرد شك لا يدري هل غربت أو لم تغرب، فإذا أكل كان عليه القضاء.
قال رحمه الله تعالى: [ولا إن جمع ريقه فابتلعه] إذا جمع ريقه فابتلعه -والريق: هو اللعاب- فإنه لا شيء في ذلك، وهل يكره؟ الصحيح أنه لا يُكره، وهو اختيار الشيخ محمد بن عثيمين ﵀؛ لأنه لا دليل على الكراهة، لا يكره أن يجمع ريقه فيبتلعه، وتقدم لكم أنه إذا جمعه في شفتيه ثم ابتلعه فمن أهل العلم من يرى أنه يفسد صومه، والراجح أنه لا يفسد.
стр. 68
حكم تمضمض الصائم
ما حكم المضمضة للصائم؟ حكم المضمضة في غير وضوء أنه لا حرج أن يتمضمض، فإنه لما سأل عمر ﵁ النبي ﷺ عن القبلة للصائم؟ قال له: (أرأيت لو تمضمضت؟ قال: لا بأس.
قال النبي ﷺ : ففيم؟!) فالمضمضة جائزة للصائم ولكن ليس له أن يبتلع هذا الماء بل يجب عليه أن يمجه، فإذا تمضمض أخرج هذا الماء ومجّه، فيخرج هذا الماء الذي في فيه ولا يجب أن يتكلف، بعض الناس يجلس إذا تمضمض دقائق أحياناً وهو يبصق! ولا يحتاج إلى هذا، أنت عندما تتمضمض للصلاة تتمضمض كالوضوء المعتاد، تُخرج الماء ويكفي، إذا شعرت أن هناك ماء في فيك باقياً فأخرجه ويكفي هذا، بعض الناس يُكثر من البصق حتى يشق على نفسه، هذا لا يُحتاج إليه؛ لأن النبي ﷺ لم يفعل ذلك، ولم يأمر بذلك ﵊، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، والمسلم يتمضمض للصلوات، ولم يأمر النبي ﷺ بأن يُكثر من البصق، وعلى ذلك فإذا تمضمضت فأخرجت الماء من فيك فلا بأس، يكفي هذا.
стр. 69
حكم اغتسال الصائم للتبرد
هل للصائم أن يغتسل للتبرد؟ لا بأس بذلك، ولذا جاء أن النبي ﷺ أصبح وهو جنب ثم اغتسل كما في الصحيحين، وكان -كما في سنن أبي داود - يصب الماء على رأسه لشدة الحر أو العطش وهو صائم ﵊، ولا بأس كذلك بأن يدّهن بالأدهان بوجهه وبيديه أو شفتيه، لا بأس بذلك، ويدل على ذلك ما ثبت في البخاري معلقاً عن ابن مسعود ﵁ قال: (إذا كان يوم صوم أحدكم فليصبح دهيناً مترجلاً) والأثر رواه البخاري معلقاً، ونقف عند هذا القدر، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.
стр. 70
دليل الطالب_ كتاب الصيام [٦]
من الأحكام المشتهرة في أحكام الصيام ما يتعلق بجماع الصائم في نهار رمضان، إذا تتعلق به جملة من الأحكام منها شرط وجوب الكفارة عليه، وحكم الكفارة على من جامعها، ونوع الكفارة وغير ذلك من الأحكام.
стр. 71
حكم الجماع في رمضان
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فصل].
هذا الفصل في حكم من جامع في نهار رمضان، والأصل في هذا الفصل ما ثبت في الصحيحين (أن رجلاً أتى النبي ﵊ وقال: يا رسول الله! هلكت -وفي رواية: احترقت- قال: وما أهلكك؟ قال: يا رسول الله! وقعت على امرأتي في نهار رمضان وأنا صائم.
فقال له النبي ﵊: هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا.
قال: هل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا.
قال: هل تجد ما تُطعم ستين مسكيناً؟ قال: لا، فأتي النبي ﵊ بعرق فيه تمر فقال: خذ هذا فتصدّق به.
قال: وعلى أفقر منا يا رسول الله؟! فوالله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر من أهل بيتي) يعني: ما بين لابتي المدينة وهما الحرتان: الحرة الشرقية والحرة الغربية، وهذا الحديث فيه وجوب الكفارة على من جامع في رمضان، وتقدم أن الصوم له مفسدات من الأكل والشرب، والحجامة، والجماع، والإنزال، والاستقاء عمداً، أي: إخراج القي عمداً، تقدم شرح هذه المفسدات، والواجب فيها القضاء، من أفطر بأكل أو شرب أو بإنزال أو بغير ذلك فالواجب عليه القضاء، لكن هذا الفصل في وجوب أمر زائد عن القضاء في خصوص الجماع، فمن جامع في نهار رمضان فعليه الكفارة: عتق رقبة فإن لم يجد صام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع أطعم ستين مسكيناً.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن جامع نهار رمضان في قُبل أو دُبر] يعني: في فرج، سواء كان هذا الفرج هو القُبل -وهو قُبل المرأة- أو كان في دبر.
قال رحمه الله تعالى: [ولو لميت] هذا شذوذ، قد يطأ الرجل ميتة، بعض الناس قد يقتل ويطأ، أو يجدها ميتة فيطأها.
قال رحمه الله تعالى: [ولو بهيمة] وهذا أيضاً من الشذوذ، فإذا حصل وطء أنزل أم لم ينزل، كرجل وطئ امرأته في رمضان، بمعنى: أولج، فإذا أولج في الفرج فالتقى ختانه بختانها فقد وجب الغُسل، وكذلك سائر الأحكام، فإذا وطئ امرأ في نهار رمضان أنزل أو لم ينزل فعليه الكفارة، إذاً: هل يشترط الإنزال؟ لا، أنزل أم لم ينزل، فإن لم باشر فأنزل، يعني: أتى المرأة بين فخذيها لكنه لم يولج لا في قُبل ولا في دُبر، فما الواجب عليه؟ القضاء فقط، ولو استمنى بيده فالواجب عليه القضاء فقط، ولو قبّل فأنزل أو مس فأنزل أو نحو ذلك فالواجب عليه في المذهب القضاء فقط، وتقدم الخلاف في القُبلة وفي المس، إذاً: لا بد من إيلاج أنزل أم لم ينزل.
وأما وجوب الكفارة بالأكل أو الشرب ففيه خلاف، والصحيح المشهور في المذهب أنه لا تجب به الكفارة، وإلا فمن أهل العلم من يوجب في كل مفسد حتى في الأكل والشرب، لكن الصحيح أنه تجب فقط في الوطء في قُبل أو في دُبر وإن كان وطء الدبر حراماً لا يجوز، لكن عليه مع الإثم الكفارة.
стр. 72
من تلزمه الكفارة بالجماع
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [في حالة يلزمه فيها الإمساك] فإن كان لا يلزمه الإمساك مثل المسافر ومثل المريض لو جامع وكانت المرأة معذورة فهل في ذلك شيء؟ لا شيء في ذلك، جامع امرأته وهو مسافر؛ لأنه معذور بالفطر.
قال رحمه الله تعالى: [مكرهاً كان أو ناسياً لزمه القضاء والكفارة] مكرهاً أو ناسياً، قالوا: حتى لو كان الرجل مكرهاً، قالوا: لأن الذكر لا ينتشر مع الإكراه، والقول الثاني في المسألة وهو اختيار شيخنا الشيخ محمد ﵀ قال: إن المكره معذور، وذلك لأن الرجل إذا هُدد بالقتل على أنه يجامع هذه المرأة، وكان ذلك -مثلاً- في رمضان، فإذا قرب من المرأة وإن كان مكرهاً فقد ينتشر ذكره لأنه كان مكرهاً؛ لأنه أكره في حال الابتداء وبقي الإكراه لكن الشهوة غلبته فانتشر ذكره، وعلى ذلك فالصحيح أن المكره معذور؛ لأن النبي ﷺ يقول: (إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه).
قال رحمه الله تعالى: [أو ناسياً] يقول: إن الناسي ليس بمعذور، إذا وطئ الرجل امرأته وهو ناس فليس بمعذور، قالوا: لأن النبي ﵊ لم يستفصل من الرجل الذي جامع امرأته، لم يقل: هل كنت ناسياً أم لا؟ وترك الاستفصال في مقام الاحتمال يُنزّل منزلة العموم في المقال، يعني: هذا له حكم العموم، لما لم يستفصل دل على أن الحكم عام يستوي فيه النسيان والذُكر، والصحيح أن الناسي معذور؛ لأن النبي ﵊ قال: (من أفطر ناسياً فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه) وقال ﵊: (من أفطر ناسياً فلا قضاء عليه ولا كفارة) رواه الحاكم، (من أفطر ناسياً) دخل في ذلك الجماع، وأما قصة هذا الرجل؛ فلأن الأصل عدم النسيان، الأصل أن الإنسان يأتي هذا الفعل وهو ذاكر ليس بناس هذا هو الأصل، ولأن الرجل قال: (هلكت) و (احترقت)، والإنسان إنما يصف نفسه بذلك إذا لم يكن ناسياً؛ لأنه يقول: احترقت وهلكت، فدل على أنه كان ذاكراً وأنه كان مختاراً، وعلى ذلك فالراجح -وهو قول الجمهور-: أن الناسي يُعذر، وكذلك الجاهل على اختيار شيخ الإسلام، وعلى ذلك فالجماع كغيره يُعذر فيه الناسي ويُعذر الجاهل ويُعذر المكره، لكن الجاهل متى يُعذر؟ إن كان مثله يجهل ولم يكن مفرّطاً، أما إذا كان مفرطاً في السؤال مفرطاً في العلم فإنه لا يُعذر، إذا كان العلم متيسراً سهلاً أسبابه متيسرة وهو مع ذلك لم يسأل فإنه يكون غير معذور.
إذاً: الناسي والجاهل والمكره يُعذرون في مسألة الجماع في نهار رمضان على الصحيح.
стр. 73
حكم من جومع في رمضان
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذا من جومع إن طاوع] انتهينا من الذي جامع، بقي الذي جومع كالمرأة، قلنا: إن الذي جامع تجب عليه الكفارة إذا أولج -أنزل أم لم ينزل- في أي فرج قُبلاً كان أو دبراً من حيوان أو إنسان، من حي أو ميت، ولكن قلنا: إن الصحيح أن الناسي والجاهل والمكره يعذرون، وننتقل الآن إلى من جومع كالمرأة.
قال رحمه الله تعالى: [وكذا من جومع إن طاوع] الذي يُجامع في قبله أو في دبره -كالمرأة- هذا عليه الكفارة [إن طاوع] يعني: إن كان مختاراً، فإن كان مكرهاً فلا شيء عليه، حتى على المذهب لا شيء عليه، وعلى ذلك فالمرأة لو جامعها زوجها وهي مطاوعة مختارة ليست بمكرهة فما الواجب عليها؟ تجب عليها الكفارة أيضاً، فعلى زوجها كفارة وعليها كفارة.
قال رحمه الله تعالى: [غير جاهل وناس] إن كان جاهلاً أو ناسياً فإنه يعذر، قالوا: المُجامَع يختلف، المُجامَع يُعذر عند الإكراه ويُعذر عند الجهل ويُعذر عند النسيان، وأما المُجامِع الذي يجامع فإنه لا يُعذر، والصحيح أنه يُعذر، وقد قال النبي ﵊: (إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان).
إذاً: المرأة عليها كفارة إذا جومعت مطاوعة ولم تكن معذورة، لكن لو كانت المرأة قد طهرت من حيضها فأتاها الرجل وجامعها، فهل عليها كفارة؟ كان معها زوجها الضحى وكانت حائضاً فطهرت في الساعة العاشرة ضحى فاغتسلت لصلاة الظهر فجامعها، هل عليها كفارة؟ لا؛ لأن عليها قضاء هذا اليوم في الأصل، وتقدم أن المرأة إذا طهرت من الحيض لم يجب عليها الإمساك، لكن ليس لها أن تمكنه من نفسها وهو صائم حتى لا تعينه على الإثم، والله جل وعلا يقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢] لكن لو طاوعت فعليها الإثم، وعليها الاستغفار، ولكن لا كفارة عليها، لم؟ لأنه لا يجب عليها الصوم في ذلك اليوم على الصحيح.
وتقدم أن المرأة عليها كفارة إن لم تكن معذورة، إن كانت مطاوعة ومختارة ذاكرة عالمة فعليها الكفارة، فإن قيل: إن النبي ﵊ لم يوجب في هذا الحديث على المرأة كفارة وإنما أوجب على الرجل! قال له: (هل تجد له رقبة تعتقها؟ قال: لا) فما الجواب؟ نقول: الجواب أن المرأة لم تكن سائل: وإنما السائل هو الرجل، ثانياً: المرأة قد تكون معذورة ولذا لم يتعرض لها النبي ﷺ بحكم، ثالثاً: أن حكمها يُعرف بالقياس؛ لأن النساء شقائق الرجال، النبي ﷺ يقول: (النساء شقائق الرجال) كما لو جاءك شخص وقال: صليت أنا وفلان وفعلنا وفعلنا، والإعادة تلزم الاثنين، فماذا تقول؟ تقول له: أعد، فأين حكم الآخر؟ الآخر لم يسأل؛ لأن حكم هذا يُعرف به حكم الآخر.
стр. 74
كفارة الجماع في رمضان
قال رحمه الله تعالى: [والكفارة عتق رقبة] هذه الكفارة عتق رقبة، ما هي الرقبة؟ العبد أو الأمة المملوك، وكان هذا موجوداً في السابق مشتهراً وجوده، أما الآن فهو نادر، فيجب عليه أن يُعتق رقبة، يعني: يحرر رقبة من الرق.
قال رحمه الله تعالى: [فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين] هل هو بالخيار أم على الترتيب؟ على الترتيب؛ لأن النبي ﷺ رتب.
قال: [فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين] إن كان بدأ في أول الشهر، بدأ -مثلاً- من أول رجب فيصوم رجب وشعبان، وإن كان أحدهما ناقصاً أو كانا ناقصين، لكن لو بدأ من اليوم الثاني أو اليوم الثالث ولم يبدأ من أول يوم فيجب عليه أن يصوم ستين يوماً، وهل له أن يفطر إذا سافر أو مرض؟ له كرمضان، فإذا سافر أفطر، فإذا رجع أكمل مباشرة، يبادر، الذي يصوم الشهرين المتتابعين لو أنه أصبح مريضاً مرضاً يبيح له الفطر نقول: أفطر فإذا جاء الغد فصم.
قال رحمه الله تعالى: [فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً] لكل مسكين كيلو ونصف، فإن كان الطعام من الطعام الجيد كالأرز فيكفيه ربع الصاعت، وربع الصاع هو ثلاثة أرباع الكيلو.
стр. 75
حكم المعسر عن الكفارة
قال رحمه الله تعالى: [فإن لم يجد سقطت عنه] هذا رجل قال: لم أجد رقبة ولا أستطيع أن أصوم الشهرين المتتابعين وليس عندي ما أطعم به ستين مسكيناً، فإنها تسقط عنه؛ لأنه معسر، ولذا قالوا: إن النبي ﵊ لم يوجب ذلك في ذمة الأعرابي، لم يقل: هذا في ذمتك.
وإنما سكت النبي ﵊، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، قالوا: فدل على أنها قد سقطت.
قال رحمه الله تعالى: [بخلاف غيرها من الكفارات] لأن هذا الحديث يدل على إسقاطها، وهذا هو المشهور في مذهب الحنابلة، قالوا: ولا كفارة في رمضان بغير الجماع، فلو أنه استمنى أو باشر هل عليه الكفارة؟ لا.
ولو كان في غير رمضان، كرجل في يوم قضاء، أو في يوم صيام كفارة، أو في يوم صيام نذر، أو في يوم صيام تطوع جامع، فهل عليه الكفارة؟ لا.
هذا رجل سافر فكان عليه يوم من رمضان، ثم إنه قضاه -مثلاً- في الخامس عشر من شوال فجامع امرأته، فسد صومه، ولكن هل عليه الكفارة؟ لا.
فهي في رمضان فقط لحرمة الشهر، ولو أنه جامع في صيام نذر، نذر أن يصوم أسبوعاً فجامع امرأته في هذا الأسبوع، فهل عليه الكفارة؟ لا، فالكفارة -إذاً- في نهار رمضان فقط، وأما في غيره فلا، لا في صيام واجب ولا في صيام تطوع، فإن كان الصيام واجباً فعليه الاستغفار، وأما المتطوع فهو أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر.
قال رحمه الله تعالى: [والإنزال بالمساحقة] يقول: إذا حصلت مساحقة بين امرأتين -وهذا أيضاً من الشذوذ وهو منهي عنه- فأنزلا -أنزلت هذه وأنزلت هذه- فعلى كل منهما الكفارة، وإن لم تنزل هذه وأنزلت هذه فعلى التي أنزلت الكفارة، والقول الثاني في المسألة والذي مشى عليه في الإقناع أن الكفارة لا تجب في المساحقة وإنما يفسد بها الصوم أنزلت أم لم تنزل، وهذا هو الصحيح؛ لأن المساحقة ليس فيها إيلاج، فالصحيح أن المساحقة يفسد بها الصوم ولكن لا كفارة، فيفسد الصوم وعليهما الاستغفار والتوبة والإنابة إلى الله جل وعلا، ولكن لا يجب في ذلك الكفارة، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
следующие страницы →