← Акыда

Акыда · id 36581

شرح رسالة العبودية لابن تيمية - عبد الرحيم السلمي

عبد الرحيم السلمي

Полный текст (446 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ـ[شرح رسالة العبودية لابن تيمية]ـ المؤلف: عبد الرحيم بن صمايل العلياني السلمي مصدر الكتاب: دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية http://www.islamweb.net [ الكتاب مرقم آليا، ورقم الجزء هو رقم الدرس - ٢٤ درسا]

стр. 2

رسالة العبودية [١] العبادة مفهومها واسع، فهي تتضمن كل عمل يقوم به العبد سواء بقلبه أو بجوارحه وبالعبودية لله سبحانه يحقق المرء لنفسه سعادة الدارين، وينجو من الاختلاط بمعتقدات المذاهب والفرق الضالة.

стр. 3

أهمية العبودية لله الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد: فهذا كتاب العبودية لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وموضوع العبودية موضوع في غاية الأهمية، فالعبودية تعتبر أساس التوحيد. وتوحيد الله مبني على ثلاثة أمور: الأمر الأول: العبودية لله ، والأمر الثاني: ربوبية الله ، والأمر الثالث: إثبات أسماء الله . وهذه الثلاثة هي حقيقة التوحيد الذي لا يتم إيمان أحد إلا به. والعبودية هي أساس دعوة الرسل، فإن كل رسول يرسله الله إلى قومه يأمرهم بعبادة الله ، وينهاهم عن الشرك، وهي وصية الله لأنبيائه، وللأولين والآخرين، يقول الله : ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]. ومن يقرأ سورة الأعراف يجد أن كل نبي من الأنبياء يأتي إلى قومه يقول لهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩]، ولا يمكن لأحد أن يدخل الجنة إلا إذا كان عابداً لله ، مفرداً له هذه العبودية لا يجعل معه شريكاً من دونه. والعبودية هي توحيد الألوهية الذي هو أساس الدين وأصل الدين، ولا يستقيم إيمان أحد إلا به، والعبودية أيضاً هي التي توصل الإنسان إلى كمالات الإيمان، وإلى المقامات العلا عند الله ، والعبودية يصل الإنسان بها -إذا استقام عليها وهذب نفسه على منهاجها- إلى سعادة الدنيا والآخرة، فإن سعادة الدنيا مرتبطة بعبودية الله ، وسعادة الآخرة ودخول الجنة والنجاة من النار مرتبط أيضاً بإفراد الله بالعبادة، ولهذا يقول الله : ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨]. وقد أخبر الله عن آثار ترك العبودية في الحياة، وأن من أعظمها الشقاء والهم والتعاسة على المستوى الفردي، والهزيمة والضعف والهوان على المستوى الجماعي، فالعبودية حكمة خلق الله للإنس والجن، وهي التي من أجلها أنزل الله آدم من الجنة، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب، وأمر العباد بأوامر، ونهاهم عن نواه، ولهذا فالعبودية هي حقيقة الإسلام، وهي من أهم الموضوعات في العقيدة، وإذا استقامت عبودية الإنسان لله فإن دينه سيكون مستقيماً، وإذا انحرف في العبودية فإنه سيكون في غاية الانحراف. وسوف يتبين لنا من خلال دراسة هذا الكتاب المختصر في باب العبودية الأهمية الكبرى للعبودية سواءً كان على مستوى العلم والفهم، أو على مستوى العمل والتطبيق، فإن حاجة الإنسان النفسية، وحاجته الاجتماعية، وحاجته العلمية للعبودية حاجة ماسة سنتبينها من خلال هذا الكتاب، وسيتضح لنا أهمية هذا الجانب من جوانب العقيدة من خلال هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. والحقيقة أن هذا الكتاب يغطي جانباً مهماً من جوانب العبودية، إلا أنه بطبيعة الحال لا يمكن أن يغطي كل جوانب العبودية، فإن كتب أهل العلم في باب العبودية كثيرة، من أبرزها كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ فهو كتاب متخصص في العبودية، وكذلك كتاب الأصول الثلاثة، وكشف الشبهات للشيخ محمد بن عبد الوهاب. وللمصنف شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كتب متخصصة في موضوع العبودية تطرق إليها من جوانب متعددة، من ذلك: كتاب التوسل والوسيلة له، وأيضاً الاستغاثة والرد على البكري، وأيضاً الرد على الأخنائي. والبكري والأخنائي هم من دعاة القبورية الذين دعوا إلى عبودية غير الله ؛ فرد عليهم المؤلف ﵀ بهذه الكتب. ومن الكتب المتعلقة بالعبودية غير هذا الكتاب لـ شيخ الإسلام أيضاً كتاب الواسطة بين الحق والخلق، وله أيضاً كتاب اسمه: الجواب الباهر في حكم زيارة المقابر، وهو من أفضل الكتب فيما يتعلق بموضوع العبودية من هذه الزاوية، وهي زاوية الشرك الذي حصل عند كثير من الناس في موضوع التعبد للقبور ونحوها. إذاً: موضوع العبودية موضوع شامل وكبير وواسع، وهو نفسه توحيد الألوهية، وله جوانب متعددة، والمذاهب المنحرفة في العبودية مذاهب كثيرة، ولها تأثير كبير في واقع المسلمين اليوم، وسنعرض شيئاً من هذه المذاهب، والمصنف هنا أشار إلى قضايا كثيرة ومتعددة فيما يتعلق في موضوع العبودية، وتحدث عن فرقة من هذه الفرق التي انحرفت في باب العبودية، وهناك فرق أخرى، ومذاهب أخرى انحرفت في موضوع العبودية، لكن المصنف لم يتحدث عنها بشكل مفصل، ولعل السبب هو أن هذا الكتاب هو عبارة عن فتيا ورسالة جاءت كجواب على سؤال، ولهذا سيأتي معنا في البداية أن

стр. 4

المذاهب المنحرفة في موضوع العبودية

стр. 5

مذهب العلمانية لن نستعجل الحديث فيما يتعلق بحقيقة العبودية وشروطها وأركانها فهذه ستأتي معنا، لكن أحب أن أنبه إلى أن المذاهب المنحرفة في موضوع عبودية الله أنواع: النوع الأول: مذهب العلمانية، فإن العلمانية مذهب منحرف في باب العبودية، فإنهم يفهمون العبودية على أنها أمر روحاني يقوم به الشخص في المسجد أو في بيوت العبادة فقط، وأما سائر الحياة فإنه لا صلة للعبودية بها، فالعبودية عند العلمانيين عبودية منحصرة في القضايا الروحانية في الصلة بين العبد وبين ربه، أما السياسة فلا تحكمها العبودية لله، والاقتصاد كذلك، والتربية كذلك، وكل جوانب الحياة الأخرى كذلك، ولهذا يعتبر هذا المذهب مذهباً مخالفاً لأصل الدين وأساسه، وهو توحيد الله ، وشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وحكم هذا المذهب هو أنه مذهب كفري يخرج صاحبه من الإسلام، وأن صاحبه لم يفهم حقيقة الإسلام الذي هو الاستسلام التام لله ، والانقياد له بالطاعة، والخلوص من الشرك، وأن هذا الدين جاء شاملاً لكل جوانب حياة الإنسان، وأنه لا يخلو جزء من حياة الإنسان إلا ولله حكم ظاهر وواضح فيه، كما قال الله : ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨]، وكما قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]، وكما قال: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]، وكما قال الله : ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥].

стр. 6

مذهب أهل الكلام من المعتزلة والأشاعرة المذهب الثاني: مذهب أهل الكلام من المعتزلة والأشاعرة، وهؤلاء حصروا معنى العبودية في اعتقاد أن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت، وهذا هو توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية والعبودية أوسع من ذلك، فهو يقتضي أن الله مألوه ومعبود في أفعال الإنسان، فلا يصلي إلا لله، ولا يصوم إلا لله، ولا يتوكل إلا على الله، ولا يحب إلا الله، ولا يخاف إلا من الله، وهذا ما سيأتي توضيحه وبيانه، أما اعتقاد أن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت فهو جزء من أساس الدين إلا أن هذا غير كاف في الإيمان، ولهذا يقول الله : ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦]، فهذه الآية فيها بيان أن من الناس من يكون عنده جزء من الإيمان لكنه جزء ناقص غير كامل، وهو أنه يعرف أن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت، لكنه لا يتعبد لله ، وهكذا كان حال عامة الكفار من القرشيين وغيرهم، فإن الله يقول: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥]، فهم يعرفون أن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت، لكنهم يعبدون مع الله غيره، كما قال الله : ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣]، فهم يعرفون الله، ولهذا كان المشركون يعظمون البيت في زمن النبي ﷺ ويحجون إليه، ويذهبون إلى منى وعرفات، وإلى مزدلفة، وكان القرشيون بشكل خاص يسمون أنفسهم الحمس، ويقولون: نحن حماة البيت لا نخرج من أرض الحرم، ويقفون عند مزدلفة؛ لأن مزدلفة تعتبر من الحرم، ويذهب عامة العرب إلى عرفات، ثم يعودون من عرفات ويلتقي العرب جميعاً في الحج في مزدلفة، ولهذا سميت جمعاً، يقول النبي ﷺ : (وقفت هاهنا وجمع كلها موقف). وكان الكفار يعتقدون أن الله موجود، وأنه خالق، ورازق، لكن هذا وحده لا يكفي، ولهذا قال قوم هود لهود، كما قال الله عنهم: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ [الأعراف:٧٠]. فقولهم: ﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ﴾ [الأعراف:٧٠]، يدل على أنهم يعبدون الله، لكنهم يعبدون معه أيضاً آلهة أخرى، وهذا يقتضي أنهم كانوا يعرفون الله، ويعتقدون بأن الله هو الخالق الرازق، وهذا لا يكفي في الإيمان والعبودية، بل لا بد أن ينضاف إليه العمل، وأن يكون عمل الإنسان خالصاً لوجه الله ، أما المعتزلة والأشعرية فإنهم يرون أن حقيقة التوحيد الأساسية هي اعتقاد أن الله هو الخالق الرازق، وهذا فهم فاسد لمعنى العبودية، ولهذا فسروا الإله بأنه القادر على الاختراع، فقالوا في شهادة التوحيد لا إلا الله: الإله معناه: القادر على الاختراع والإبداع والخلق، وهذا تفسير في غير موطنه، فإن الإله جاء على وزن فعال بمعنى: مفعول يعني: مألوه، والمقصود: أن الله لا مألوه، ولا معبود غيره، ولا محبوب غيره، ولا مخوف غيره، ولا متوكل عليه غيره، وهو الإله وحده دون غيره، وهذا هو المتفق عليه في لغة العرب، فإن أهل العربية متفقون على أن الإله بمعنى: مألوه، يعني: معبود، ولهذا يقول رؤبة بن العجاج: لله در الغانيات المده سبحن واسترجعن من تألهي فجعل التسبيح والترجيع داخلاً في التأله. وهذا المذهب ترتب عليه انحرافات كبيرة جداً في حياة الأمة، منها: تسويغ القبورية والدفاع عن عبادة القبور في العالم الإسلامي، ولهذا انتشرت عبادة القبور من دون الله في البلاد الإسلامية انتشاراً كبيراً، بسبب الانحراف الذي حصل في مفهوم الإله، ومفهوم شهادة أن لا إله إلا الله عند علماء المعتزلة والأشعرية، فسوغوا لبناء المساجد على القبور، وللطواف حول القبور، بل سوغوا للذبح والنذر لها، لكن هذا لا يعني أن كل علماء المعتزلة والأشعرية كانوا كذلك، فإنه يوجد من علماء المعتزلة، ومن علماء الأشعرية من كان ينكر عبادة القبور من دون الله ، وينكر ما يقوم به الجهال عند القبور من التعبد والتذلل لغير الله ، لكن أصل المنهج الأشعري والمعتزلي قائم على تفسير الإله بأنه القادر على الاختراع، فترتب على ذلك بأن حقيقة التوحيد هو توحيد الألوهية، وأن توحيد العبودية هو نفسه توحيد الألوهية، ففسروا الألوهية والعبودية بالربوبية وهذا تفسير فاسد، ودمج في غير محله.

стр. 7

مذهب الصوفية الطائفة الثالثة المنحرفة في موضوع العبودية: هم الصوفية، وانحراف الصوفية في العبودية جاء متنوعاً، فهم انحرفوا في وسيلة العبودية لله ، حيث جعلوا الخلوة والأوراد البدعية والذكر المبتدع بالاسم المفرد والاسم المضمر -كما سيأتي معنا- هي الطريق الموصلة إلى عبودية الله ، وهذه لا شك أنها بدع، والبدع لا توصل إلى الله ، وإنما تبعد عن الله . وأما بالنسبة للغاية فإن الغاية من العبودية عند الصوفية هو الوصول للكشف، والوصول للكشف عندهم يعتبرونه منحةً قد تحصل للإنسان بعد ملازمة الطريق وقد لا تحصل، والكشف هذا هو خيالات، وأمور تحصل في النفس، وإشراقات -كما يسمونها- وتأملات، هذه الاشراقات وهذه التأملات التي تحصل في النفس يعتبرونها يقينية، وأنها مستمدة من العلم الإلهي، وأنه لا شك فيها، بل إن أبا حامد الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين يرى أن الكشف يمكن أن تؤول النصوص القرآنية والنبوية بسببه؛ لأن الكشف عندهم قطعي، بينما النصوص الشرعية مع الأسف عندهم ظنية. وأيضاً جاء الانحراف في باب العبودية من جهة أخرى عند الصوفية، وهو أنهم بنوا على منهج المعتزلة والأشعرية في التوحيد، وجعلوا حقيقة التوحيد هو توحيد الربوبية الذي فنوا فيه، فاشتغال الصوفية بالتعبد هو في حقيقته اشتغال بتوحيد الربوبية وترك للتأله الذي أمر الله به، والذي جاءت النصوص الشرعية بالأمر به، مثل محبة الله ، والتوكل على الله، ومقامات القلوب العظيمة، وجعلوا غاية التعلق هو بمعاني الربوبية كما سنتبين من خلال القراءة في هذا الكتاب. ومن جهة أخرى لما بنوا على منهج الأشعرية ومنهج المعتزلة في باب التوحيد، ترتب على ذلك عندهم أن كثيراً منهم صار يمارس الشركيات عند القبور ويستحلها، ولهذا يقول ابن تيمية ﵀ في غير هذا الكتاب: أكبر من نشر القبورية في العالم الإسلامي طائفتان: الشيعة قبحهم الله، والصوفية، فإن الشيعة والصوفية هم الذين نشروا عبادة القبور في العالم الإسلامي، فأصبحوا يعظمون القبور التي لأوليائهم ولأئمتهم، ويجعلون لها صناديق متخصصة للنذور، ولها مطاف، وهناك مذبح ومنحر، وهناك سدنة أشبه ما يكون بسدنة المعابد -يعني: المخالفة للشرع- هذه الأعمال سوغت للشرك في حياة المسلمين تسويغاً كبيراً، والشيعة أكبر خطر من الصوفية في باب العبودية، فإنهم يعبدون أئمتهم من دون الله ، ويرون أن كلام أئمتهم معصوم ككلام الله، وككلام الرسول ﷺ ، ويرون أنهم يكملون الدين، ويرون أيضاً أن كلام أئمتهم لا يجوز الاعتراض عليه، وأن من اعترض عليه فهو زنديق كافر، وهذا لا شك أنه خطير على عقيدة الإنسان، هذا فضلاً عن سبهم لأصحاب النبي ﷺ ، وثلبهم لأمهات المؤمنين، وقدحهم في سادات الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. والمصنف في هذا الكتاب لم يتحدث إلا عن طائفة واحدة وهم الصوفية فقط، فالعلمانية لم تكن موجودة في زمانه، وأما المعتزلة والأشعرية فإنه تحدث عنهم في غير هذا الكتاب، والصوفية تحدث عنهم في بعض المواطن، ولهذا يمكن أن نوزع هذا الكتاب إلى مجموعة موضوعات.

стр. 8

موضوعات كتاب العبودية لشيخ الإسلام هذا الكتاب تقريباً يدور على ثلاثة موضوعات أساسية لكنها طويلة: الموضوع الأول: حقيقة العبودية الشرعية، تحدث عنها المؤلف في بداية الكتاب في سبع صفحات تقريباً، وشيخ الإسلام ﵀ -من سعة علمه- كثيراً ما يستطرد، يعني: أحياناً يبدأ في موضوع، ثم يدخل في موضوع آخر، ثم يعود إلى الموضوع الأول الذي بدأ فيه، وهذه الاستطرادات أحياناً تكون متعلقة بنفس الموضوع لكن لها زاوية أخرى، فهو من بداية الكتاب بدأ في بيان حقيقة العبودية الشرعية، ثم انتقل إلى موقف الصوفية من العبودية، وتحدث عنها في أربع عشرة صفحة تقريباً، ثم رجع مرة أخرى إلى موضوع حقيقة العبودية الشرعية وتحدث عنها في ست صفحات، ثم انتقل إلى موضوع جديد وهو العبودية لغير الله وتحدث عنه في ثمان وعشرين صفحة تقريباً، ثم رجع إلى موضوع الصوفية ونقد التصوف إلى أن انتهى من الكتاب. إذاً: يلاحظ أن ابن تيمية في جوابه على السؤال المتعلق بالعبودية بدأ في بيان حقيقة العبودية الشرعية، ثم انتقل إلى موقف الصوفية من العبودية، وبالذات في موضوع الإرادة الكونية، والإرادة الشرعية، والعبودية الاضطرارية والعبودية الاختيارية وسيأتي الحديث عنها في مكانها، ثم رجع مرة أخرى إلى موضوع العبودية الشرعية، ثم انتهى إلى قوله: فصل، ولما بدأ بفصل بدأ في العبودية لغير الله، وأخذ يتحدث عن العبودية لغير الله، وذكر دقائق في التعبد لغير الله حتى في أمور مكروهة، يعني: أحياناً التعبد لغير الله قد يكون تعبداً تاماً يخرج صاحبه من الإسلام، وأحياناً يكون تعبداً ناقصاً يكون صاحبه آثماً، مثل من يطيع هواه وشهوته في معصية الله فهذا نقص في العبودية، هذا اتخاذ للأهواء إلهاً لكنه ليس كفراً مخرجاً عن الإسلام، فالله يقول: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية:٢٣]. الشخص الذي يجعل هواه إلهاً يعني: يطيع هواه، ويعصي الله ، وهذا نوع من العبودية لغير الله لكنه ليس مخرجاً عن الإسلام كما سيأتي بيانه. بل إن ابن تيمية ﵀ ذكر مسائل في غاية الدقة فيما يتعلق بالعبودية لغير الله حتى في المسائل المكروهة، ولهذا قال: والأصل في مسألة الخلق أنها محرمة واستثنيت للحاجة كما سيأتي بيانه، يعني: حتى لو أن إنساناً مثلاً فقيراً يأتي إلى المسجد ويقف ويسأل الناس ويطلب منهم، ويفتقر إليهم، فإن هذا نوع من الحاجة للخلق، والواجب أن يسأل الله ، ولهذا أخبر الله عن الصحابة أنهم: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة:٢٧٣]، يظنهم أغنياء وهم من أفقر الناس، قد يمر على الشخص شهر كامل لا يجد ما يأكله، وإنما يكون عنده الأسودان، كما جاء في حديث عائشة ﵂، والفقر ليس عيباً في حد ذاته، لكن العيب عندما يكون الفقر سبباً في أن يكون الإنسان ذليلاً للخلق، ولهذا نقل أن السلف كان إذا سقط سوط أحدهم لم يقل لأحد: ناولنيه، بل ينزل بنفسه ويأخذه، وهذه من المقامات الدقيقة في موضوع العبودية، ثم عاد مرة أخرى إلى موضوع موقف الصوفية من العبودية. إذاً هذه هي الموضوعات الأساسية الموجودة في هذا الكتاب.

стр. 9

مدخل إلى العبادة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [سئل شيخ الإسلام وعلم الأعلام ناصر السنة وقامع البدعة: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية ﵀ عن قوله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة:٢١]، فما العبادة؟ وما فروعها؟ وهل مجموع الدين داخل فيها أم لا؟ وما حقيقة العبودية؟ وهل هي أعلى المقامات في الدنيا والآخرة؟ أم فوقها شيء من المقامات؟ وليبسط لنا القول في ذلك. فأجاب ﵀: العبادة هي: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة. فالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والجهاد للكفار والمنافقين، والإحسان للجار واليتيم والمسكين، والمملوك من الآدميين والبهائم، والدعاء، والذكر، والقراءة، وأمثال ذلك من العبادة، وكذلك حب الله ورسوله وخشية الله والإنابة إليه، وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه، والشكر لنعمه، والرضاء بقضائه، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف من عذابه، وأمثال ذلك من العبادة]. هذا هو تعريف العبادة، وقوله: فالصلاة والزكاة، إلى قوله: وأمثال ذلك هي من العبادة، أي: أمثلة العبادة، وقد قسم الأمثلة كما تلاحظون إلى قسمين: الفقرة الأولى قوله: فالصلاة والزكاة والصيام هذه العبادات الظاهرة، وقوله بعد ذلك: وكذلك حب الله ورسوله، وخشية الله، والإنابة إليه، هذه العبادات الباطنة. قال: [وذلك أن العبادة لله هي الغاية المحبوبة لله والمرضية له، والتي خلق الخلق لها كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، وبها أرسل جميع الرسل كما قال نوح لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [المؤمنون:٢٣]، وكذلك قال هود وصالح وشعيب وغيرهم لقومهم. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ [النحل:٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٩٢]، كما قال في الآية الأخرى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون:٥١ - ٥٢]. وجعل ذلك لازماً لرسوله إلى الموت كما قال: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩]، وبذلك وصف ملائكته وأنبياءه فقال تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء:١٩ - ٢٠]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٦]، وذم المستكبرين عنها بقوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠]، ونعت صفوة خلقه بالعبودية له، فقال تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان:٦]، وقال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان:٦٣ - ٦٤]، الآيات. ولما قال الشيطان: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر:٣٩ - ٤٠]، قال الله تعالى: ﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر:٤١ - ٤٢]، وقال في وصف الملائكة بذلك: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ

стр. 10

تعريف العبادة هذا المقطع يتضمن ثلاث مسائل: المسألة الأولى: تعريف العبادة، والمسألة الثانية: الأمثلة، والمسألة الثالثة: الأهمية. فالمسألة الأولى: تعريف العبادة، جاء في قوله: العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، وهذا التعريف من أدق التعاريف في العبادة، وهذا يذكرنا بكلام ابن القيم ﵀ الذي فيه أن العلماء كلامهم قليل لكنه كثير البركة، بينما كلام المتأخرين كثير لكنه قليل البركة، وانظروا إلى هذه البركة العجيبة في سطر واحد، فقد استطاع أن يشمل قضية من أوسع القضايا في حياة الإنسان، فقوله: اسم جامع له دلالة كبيرة جداً، وهو أن العبادة مع الإنسان في كل وقت وفي كل حال. ولهذا نلاحظ الشمول في العبادة في أمرين: الأمر الأول: فيما أمر الله به، والأمر الثاني: في نشاط الإنسان الظاهر والباطن. فالعبادة إذاً لها جانبان: الجانب الأول: ما أمر الله به، فالعبادة تشمل كل الواجبات وكل المستحبات، يعني: إذا نظرنا إلى الأحكام الشرعية فإن علماء الأصول يقسمون الأحكام الشرعية إلى قسمين: أحكام تكليفية وأحكام وضعية، الأحكام التكليفية هي الأحكام التي يترتب عليها الثواب والعقاب في فعل الإنسان، والأحكام الوضعية، هي الأحكام التي وضعت على شكل علامات في التعبدات المختلفة. فأما الأحكام التكليفية فهي خمسة: الواجب، والمستحب -وأحياناً يسمى المندوب- والمحرم، والمكروه، والمباح، والعبادة تتعلق بالنوعين الأولين: بالواجب والمستحب، فما يحبه الله ينقسم إلى قسمين: ما أمر به على شكل الإلزام وهذا هو الواجب، أو أمر به على غير شكل الإلزام وهذا هو المستحب أو المندوب، وكل الواجبات داخلة في العبادة، وكل المستحبات داخلة في العبادة، سواءً التي تتعلق بشئون الإنسان الفردية، أو شئونه الاجتماعية، وسواءً التي تتعلق بعلم الإنسان أو عمله أو خلقه، فهي تشمل كل حياة الإنسان، ونلاحظ هذا الشمول في قول المصنف: من الأقوال والأعمال، فكل الأقوال سواءً أقوال الظاهر أو أقوال الباطن، وكل الأعمال سواءً أعمال الظاهر أو أعمال الباطن داخلة في حقيقة الإيمان، وداخلة في حقيقة العبودية، ولهذا نلاحظ أن العبودية شاملة للدين كله، وهذا ما سيأتي في الفقرة الجديدة من كلام ابن تيمية وهي علاقة العبودية بالدين.

стр. 11

أمثلة للعبادة الأمثلة التي أشار إليها المصنف قسمها إلى قسمين: مجموعة في الأمثلة الظاهرة: الصلاة، الزكاة، الصيام، الحج، صدق الحديث، أداء الأمانة، بر الوالدين، ونلاحظ في الأمثلة تنوعاً فالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج هذه عبادات محضة، وصدق الحديث وأداء الأمانة هذا خلق، وبر الوالدين وصلة الرحم هذه قضايا اجتماعية، والوفاء بالعهود يمكن أن تدخل في القضايا الدولية، وإمام المسلمين إذا كان يحكم دولةً وأعطى أحداً عهداً فإنه يلزمه أن يفي به. إذاً: كل حياة الإنسان تدخل ضمن العبادة. وكذلك المقطع الثاني من الأمثلة: أمثلة قلبية: حب الله ورسوله، وخشية الله، والإنابة إليه، وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه، والشكر لنعمه، والرضا بقضائه، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف من عذابه، وأمثال ذلك، وهي كثيرة جداً. ولهذا فإن العبادة أنواع مثل شعب الإيمان، وقد قال بعض أهل العلم: إن شعب الإيمان لا حصر لها، وإن الحديث الوارد في قول النبي ﷺ : (الإيمان بضع وسبعون شعبة فأعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)، المقصود بهذا العدد: هو بيان الكثرة، وليس المقصود: التحديد، كقول النبي ﷺ : (ستفترق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة)، ولما قام بعض أهل العلم يعددها قال البعض بأنه ليس العدد: هو المقصود، فإن الشيعة وحدهم افترقوا إلى ثلاث وسبعين فرقة، وإنما المقصود هو بيان الكثرة، ولهذا يقول الله : ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ [التوبة:٨٠]. وأيضاً يمثلون له بحديث السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب. هذا ما يتعلق بأمثلة العبادة، فأمثلة العبادة كثيرة جداً، وهي داخلة ضمن شعب الإيمان الكثيرة التي لا حصر لها، سواءً الظاهرة أو الباطنة، ويكفي في هذا مقامات العبادة في كتاب مدارج السالكين، ففيه مقامات هائلة ومتعددة، ومختلفة بشكل كبير، وسيأتي الإشارة إلى هذا الكتاب مرة أخرى.

стр. 12

أهمية العبادة ذكر الشيخ ست نقاط تتعلق بأهمية العبادة، الأولى: أن العبادة هي الغاية المحبوبة له، والمرضية له، واستدل عليها بآية الذاريات: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، وهذا يذكرنا بالكلام في توحيد الألوهية. والأهمية الثانية: قوله: وبها أرسل جميع الرسل، فموضوع دعوة جميع الرسل هو العبادة، ولهذا أول واجب على المكلف هو العبادة لله ، خلافاً لقول أهل الكلام أن أول واجب هو النظر أو القصد إلى النظر، أو المعرفة، أو الشك كما قال بعضهم، وكل هذا لا قيمة له؛ لأن النبي ﷺ لما أرسل معاذاً إلى اليمن قال: (إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله)، وفي رواية البخاري: (فليكن أول ما تدعوهم إليه: أن يوحدوا الله)، وفي لفظ آخر: (إلى أن يعبدوا الله)، وهذا يدل على أن العبودية أول واجب على المكلف، وذكر مجموعة من الآيات الدالة على هذا الموضوع وهي كثيرة. والثالثة قال: وجعل ذلك لازماً لرسوله إلى الموت، فالعبودية ملازمة لأفضل الناس وهو الرسول ﷺ إلى الموت، وهذا يدل على أنه لا يمكن أبداً أن يأتي فترة يكون الإنسان فيها قد سقط عنه التعبد، وهذا فيه رد على الصوفية -كما سيأتي بيانه- الذين قالوا: إنه قد يصل الإنسان من خلال التعبد إلى مرحلة تسقط عنه التكاليف، وهذا خطأ كبير، فإن التكاليف لم تسقط عن أفضل الناس وهم الرسل الكرام فضلاً عن غيرهم، يقول الله : ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩]، وكل المفسرين يفسرون اليقين أنه الموت إلا الصوفية، فإنهم يفسرون اليقين بأنه بلوغ درجة في التعبد تسقط عنه التكاليف، وهذا قول شاذ مخالف لقول علماء الأمة الإسلامية. الرابعة: وصف أفضل الخلق بالعبادة وهم الملائكة والأنبياء، وهذا يدل على أن العبادة وصف شريف، فأشرف المخلوقات وهم الأنبياء والملائكة، بالعبادة وصفوا. الخامسة: قوله: وقد نعته الله بالعبودية في أكمل أحواله، يعني: نعت النبي ﷺ في أكمل أحواله، في مقام الدعوة، وفي مقام التحدي، وفي مقام الإيحاء، وفي مقام الإسراء، وهذه مقامات عظيمة وصفه الله بالعبودية في هذه المقامات، وهذا يدل على أهمية هذه القضية من قضايا العقيدة، وأنها تعتبر أساساً من أسس الدين ومن أصوله.

стр. 13

العلاقة بين العبادة والدين قال المؤلف ﵀: [فالدين كله داخل في العبادة، وقد ثبت في الصحيح أن جبريل لما جاء إلى النبي ﷺ في صورة أعرابي، وسأله عن الإسلام قال: (أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً، قال: فما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: فما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه، فإنه يراك)، ثم قال في آخر الحديث: (هذا جبريل جاء يعلمكم دينكم)، فجعل هذا كله من الدين. والدين يتضمن معنى الخضوع والذل، يقال: دنته فدان، أي: ذللته فذل، ويقال: يدين الله، ويدين لله، أي: يعبد الله ويطيعه ويخضع له، فدين الله: عبادته وطاعته والخضوع له، والعبادة أصل معناها الذل أيضاً، يقال: طريق معبد إذا كان مذللاً قد وطئته الأقدام، لكن العبادة المأمور بها تتضمن معنى الذل ومعنى الحب، فهي تتضمن غاية الذل لله تعالى بغاية المحبة له، فإن آخر مراتب الحب هو التتيم، وأوله العلاقة؛ لتعلق القلب بالمحبوب، ثم الصبابة لانصباب القلب إليه، ثم الغرام وهو الحب الملازم للقلب، ثم العشق وآخره التتيم يقال: تيم الله، أي: عبد الله، فالمتيم: المعبد لمحبوبه، ومن خضع لإنسان مع بغضه لا يكون عابداً له، ولو أحب شيئاً ولم يخضع له لم يكن عابداً له، كما قد يحب ولده وصديقه، ولهذا لا يكفي أحدهما في عبادة الله تعالى، بل يجب أن يكون الله أحب إلى العبد من كل شيء، وأن يكون الله أعظم عنده من كل شيء، بل لا يستحق المحبة والذل التام إلا الله، وكل ما أحب لغير الله فمحبة فاسدة، وما عظم بغير أمر الله كان تعظيمه باطلاً، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة:٢٤]، فجنس المحبة تكون لله، ورسوله، والإرضاء لله ورسوله، ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة:٦٢]، والإيتاء لله ورسوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة:٥٩]. وأما العبادة وما يناسبها من التوكل والخوف ونحو ذلك فلا تكون إلا لله وحده، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٦٤]. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة:٥٩]. فالإيتاء لله والرسول كقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]، وأما الحسب وهو الكافي فهو لله وحده كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣]. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤]، أي: حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين: الله، ومن ظن أن المعنى: ﴿حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ [الأنفال:٦٤]، والمؤمنون معه فقد غلط غلطاً فاحشاً، كما قد بسطناه في غير هذا الموضع وقال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ﴾ [الزمر:٣٦]]. هذا المقطع من كلام المؤلف ﵀، فيه فوائد كثيرة جداً، فهي في غاية الدقة وفي غاية الضبط؛ لأن موضوع العبادة موضوع حساس جداً، يترتب عليه أن العبادة إذا جعلت لله فهي التوحيد، وإذا جعلت لغيره فهي الشرك والكفر والعياذ بالله. فمتى يعتبر الأمر عبادة؟ بمعنى: أنه إذا صرف لغير الله فإنه يعتبر شركاً أكبر مخرجاً عن دائرة الإسلام، وهذا هو الضابط الذي سيأتي معنا في كلام المصنف، وهو ضابط عام، وفي كل مثال من أمثلة العبادة هناك ضابط خاص يخصها ويميزها. بدأ المصنف ببيان العلاقة بين العبادة والدين، وتوصل إلى أن العبادة هي الدين، وأن الدين هو العبادة، وبين ذلك من زاويتين: الزاوية الأولى: الدليل الذي جاء به وهو حديث جبريل الطويل فقد سئل النبي ﷺ عن الإسلام وذكر الأركان الخمسة، وسئل عن الإيمان وذ

стр. 14

اشتمال العبادة على الذل والمحبة عندما ذكر الشيخ معنى العبادة في اللغة وأنها تأتي بمعنى الذل والخضوع، يقال: طريق معبد، يعني: ذللته الأقدام، والعبد هو الذليل الذي في أمر سيده دائماً، زاد في الشرع معنى جديداً، حيث قال: لكن العبادة المأمور بها -يعني: مع وجود الذل والخضوع الذي هو مقتضاها اللغوي- لا بد أن ينضاف إليها أيضاً معنى جديد في المصطلح الشرعي وهو: أن العبادة تشمل الذل مع المحبة، فالمحبة لا بد من دخولها في حقيقة العبادة الشرعية، وهذا كثير في اللغة أصلاً وفي الاصطلاح، فالصلاة أصلاً معناها في اللغة: الدعاء، فجاء الشرع واستعمل كلمة الصلاة -التي معناها الدعاء في اللغة- لأفعال مخصوصة بشكل مخصوص منه الدعاء، ومنه ما هو ليس بدعاء وإنما يتضمن معناه، مثل السجود والركوع ليس دعاءً، وأيضاً فيها دعاء الصلاة، وهكذا كالصيام، فالصيام معناه: الإمساك في اللغة، فاستخدم في الشرع بمعنى: الإمساك عن الأكل والشرب والجماع والمفطرات في وقت محدد. فأحياناً الكلمة قد يكون معناها اللغوي عاماً، لكن يستخدم في المعنى الشرعي بنفس المعنى اللغوي أحياناً، يزاد فيه، وأحياناً يضبط بوقت، وأحياناً ينقص منه شيء، لكن لا بد أن يكون هناك ارتباط بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي؛ لأنه لا يمكن استخدام كلمة في غير معناها تماماً، يعني: بدون أن يكون هناك ارتباط لغوي بينهما. فالعبادة إذاً في معناها الشرعي تشمل أمرين: الأمر الأول: الذل، والأمر الثاني: المحبة، فالذل بدون محبة ليس عبادة، والمحبة بدون ذل ليست عبادة، ومثال الذل بدون محبة: ذل بني إسرائيل تحت فرعون. عندما يكون هناك طاغوت يحكم الناس بالحديد والنار وبالقوة، ويذلهم إذلالاً شديداً، وهم يكرهونه في قلوبهم هل يقال إن المحكومين تعبدوا للحاكم هنا؟ الجواب لا يعتبرون متعبدين للحاكم؛ لأنهم يبغضونه ويكرهونه، ولو انضاف مع هذا الذل محبة له لصارت عبادة تامة. وهنا نعلم بطلان رأي وفكر أصحاب الغلو الذين يكفرون المسلمين، والذين يحكمون من قبل طواغيت بدلوا شرع الله ، فهناك حكومات طاغوتية بدلت أحكام الله، وحكمت في حياة الناس بالقوانين الوضعية، كالقانون الفرنسي، والقانون البريطاني، والقانون الأمريكي، أو قانون مخلط من هذه القوانين، فبدلوا شرع الله وحكموا الناس لكنهم حكموهم بالقوة، والناس كارهون لهم، فجاء بعض أهل الغلو وقال: الناس كفار؛ لأنهم أصبحوا يعبدون الطاغوت، قلنا: كيف يعبدونه؟ قالوا: حقيقة العبادة هي الذل، والطاغوت أذلهم فذلوا، وهذه هي العبادة، قلنا: لكنهم يكرهون الطاغوت ويبغضونه، ولو كانوا يحبونه ويتعلقون به لهذا العمل الذي يعمله ويقوم به فإنهم يكونوا حينئذ عبدوا غير الله ، لكنهم يكرهونه، ويكرهون عمله، وبعض الناس قد يقول: يوجد بعض الناس يحب بعض الطواغيت، نقول: لا يحبه لأنه بدل الدين، وإنما لأنه مخدوع إعلامياً ومضحوك عليه، وأيضاً مخدوع من بعض الذين يفتون بالباطل من علماء السوء، ومثل هذا لا يصح تكفيره، ولهذا آراء أصحاب الغلو في مسائل التكفير يجب الحذر منها والبعد عنها والرجوع إلى السنة فيما يتعلق بمسائل الإيمان والكفر. أيضاً لو أن إنساناً أحب لكن بدون ذل وخضوع فلا يعتبر عبداً لمن أحبه، فأنت تحب ابنك، تحب زوجتك، وأمك، وأباك، وتحب أصدقائك وزملاءك، وتحب من يتعامل معك تعاملاً حسناً، لكن ليس فيه ذل وخضوع، ولهذا لا يكون ذلك عبادة لغير الله ؛ لأنها تسمى محبةً طبيعية، ولا تكون عبادة إلا إذا كان فيها ذل وخضوع، وانكسار للمعبود، مع محبة وتعلق به، حينئذ يكون الفعل هذا عبادة، مثلما يفعله الشيعة مثلاً عند قبور أئمتهم، فإنهم يشعرون بذل وانكسار وحاجة لأصحاب القبور مع تعلق ومحبة وتعظيم في قلوبهم لهم، وكذلك ما يفعله الصوفية بالنسبة لأئمتهم، فهذا تعبد لغير الله ، ولا شك أنه يوصل إلى الشرك بالله . ثم ذكر الشيخ مراتب المحبة، وأن المحبة على مراتب من ضمن هذه المراتب: التعبد، فالعلاقة نوع من أنواع المحبة، والتتيم نوع من أنواع المحبة، والعشق نوع من أنواع المحبة، والصبابة نوع من أنواع المحبة، وكل هذه فيها أشعار كثيرة ذكر جملة منها ابن القيم في الجواب الكافي، وسيأتي الحديث عن موضوع العشق -عشق الصور بشكل خاص- وحكمه في مكانه من هذا الكتاب بإذن الله تعالى. فقول المصنف: ومن خضع لإنسان مع بغضه له لا يكون عابداً له، ولو أحب شيئاً ولم يخضع له لم يكن عابداً له، هذه قاعدة عظيمة في هذا الباب، يجب أن تحفظ، ثم ما ذكره بعد ذلك هي عبارة عن أمثلة، ثم ختم الشيخ هذا المقطع بأنه لا يستحق المحبة والخضوع التام إلا الله ، ولا يستحق العبادة إلا الله، وكل من أحب لغير الله فمحبته فاسدة، وما عظم بغير أمر الله فتعظيمه باطل، ثم ذكر الآية في المجادلة.

стр. 15

تنوع بعض الأعمال إلى عبادة وغير عبادة ثم ذكر قضية في غاية الأهمية وهي أن بعض الأفعال تنقسم إلى عبادة وغير عبادة، وبعضها ليست منقسمة، فالتي ليست منقسمة لا بد أن تكون لله خالصة، وأما المنقسمة فهي بحسبها، فالمحبة اسم عام منقسم، وأحياناً الإنسان يحب محبة طبيعية فلا يكون عليه تثريب، وأحياناً تكون محبته بذل وخضوع، وهنا يكون تعبد لغير الله ، فيكون عمله شركاً. فمثلاً: المحبة يمكن أن تضاف إلى الله وغيره، لكن هناك نوع من الأعمال لا يمكن أن يضاف إلا إلى الله، مثل الحسب، مثلاً، يقول الشيخ: فجنس المحبة يكون لله ولرسوله، والإرضاء لله ورسوله، فأنت ترضي الله باتباع أمره، وترضي الرسول ﷺ باتباع أمره، ولهذا يقول: والله ورسوله أحق أن يرضوه، فجمع بين الله والرسول في الرضا، وهذا يدل على أن الرضا يمكن أن يكون لله، ويمكن أن يكون لرسول الله ﷺ ، ولكن هذا بضوابطه كما سيأتي معنا إن شاء الله. والإيتاء لله ولرسوله، لكن العبادة مثل الخوف والخضوع والتوكل هذا لا يكون إلا لله ، ولهذا لم ترد إلا مضافة إلى الله. قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة:٥٩]. فالإيتاء يمكن أن يكون من الله ويمكن أن يكون من الرسول ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ [التوبة:٥٩]، لم يقولوا: حسبنا الله ورسوله؛ لأن الحسب عمل قلبي لا يكون إلا الله: ﴿سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة:٥٩]. وهذه الآية فيها من البيان العجيب: إيتاء لله ورسوله في البداية، وحسب لله وإيتاء لله ولرسوله في النهاية، وهذا يدل على أن الحسب لا يكون إلا لله فقط، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة:٥٩]، ثم قال: ﴿سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة:٥٩]، فجعل الإيتاء لله والرسول، لكن في الوسط قال: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ [التوبة:٥٩]. ولم يدخل الرسول معه ﷺ ؛ لأن الحسب عبادة، ومعنى الحسب يعني: الكافي، فالكفاية لا تكون إلا من القادر عليها وهو الله . ولهذا يقول: وأما الحسب وهو الكافي فهو لله وحده كما قال: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣]، فالحسب لله، لكن الإيتاء يمكن أن يكون من الله كالقرآن، ويمكن أن يكون من الرسول ﷺ كأخبار النبي ﷺ في السنة وأوامره. لكن كيف نخرج هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤]. فهم هذه الآية بعض القبوريين فهماً فاسداً، قال: في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤]: إن الله حسب للنبي، والمؤمنين حسب له أيضاً، وهذا فهم فاسد، فإن العطف في قوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤] ليس على لفظ الجلالة، يعني: ليس: ﴿حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ [الأنفال:٦٤]، وحسبك من اتبعك من المؤمنين، وإنما عطف على النبي ﷺ ، يعني: الله حسبك وحسب المؤمنين أيضاً، العطف هنا في قوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤]، يحتمل أمرين: يحتمل أن يكون العطف على لفظ الجلالة، الله، وهذا يتضمن معنىً فاسداً وباطلاً، وهو أن الرسول حسبه الله وحسبه المؤمنون، وهذا خطأ فإن الحسب وهو الكفاية لا يكون إلا من الله وحده، ويتضمن أن يكون العطف في قوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤]، عطفاً على الرسول، فيكون معنى الآية: (يا أيها النبي ومن اتبعك من المؤمنين حسبكم الله)، فيكون الحسب لله، ويكون الله حسباً للنبي وحسباً للمؤمنين أيضاً. وهذه القضية ناقشها ابن تيمية في منهاج السنة، وناقشها أيضاً ابن القيم في بداية زاد المعاد. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

стр. 16

رسالة العبودية [٢] يلزم العبد أن يوحد الله في الربوبية والألوهية، فالعبادة عبادتان: اضطرارية، واختيارية، فالاضطرارية هي توحيد الربوبية يشترك فيها المؤمنون والكافرون، والاختيارية هي توحيد الألوهية، ولا تصح العبادة إلا بكلا العبادتين، وبذلك تميز منهج أهل السنة والجماعة عن المذاهب والفرق الضالة.

стр. 17

العبودية الاختيارية والاضطرارية يلزم الإنسان أن يوحد الله في الربوبية، وأحياناً يدخل الإنسان في تعظيم الربوبية العامة التي يدخل فيها المسلمون والكفار، ويدخل فيها الأحياء والجمادات، فيعظم هذا النوع من الربوبية، ثم يورثه هذا نوعاً من دعاء الله والتوكل عليه والتضرع إليه لكن لا يدفعه إلى امتثال الأمر واجتناب النهي، فيكون حينئذ لا تزال عبوديته الاختيارية ناقصة؛ بل هي غير موجودة حتى يستقيم على الأمر والنهي، والآن كثير من الكفار يعرف العبودية العامة، ويعرف أن الناس كلهم عبيد لله وأنهم خاضعون لله، وأن الله هو المدبر وهو المقدر لشئونهم، وقد يدفعهم هذا النوع من المعرفة إلى أن يسألوا الله؛ ولهذا فإن الكفار إذا كانوا في الفلك ولعبت بهم الأمواج دعوا الله مخلصين له الدين، وقد يتوكلون على الله ويعزمون في التوكل عليه، لكن هذا لا ينفعهم حتى يأتمروا بأمر الله وينتهوا عن نهي الله . إذاً: لا بد مع الإقرار بالعبودية الشاملة أن يكون معه عبودية اختيارية يفعلها الإنسان، ويكون مقتضاها العملي الالتزام بالأمر فعلاً، والالتزام بالنهي تركاً وحينئذ يكون عابداً خاضعاً لله . وبعض الشراح -من أهل العلم- فَهِمَ قول المصنف: وهذا العبد يسأل ربه ويتضرع إليه ويتوكل عليه، أن هذه هي العبودية الاختيارية. والحقيقة أن هذا جزء منها؛ لكن هذا الجزء قد يوجد عند بعض من لم تتحقق فيه العبودية الاختيارية، التي هي الألوهية التامة لله ، فقد يوجد من الكفار من يستغيث بالله، وقد يوجد من الكفار من يتوكل على الله، لكن هذا لا ينفعه. يقول الله : ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦] فأثبت للكفار نوعاً من الإيمان، لكن هذا الإيمان الذي أثبته لهم غير كافٍ، لا بد مع هذا الإيمان الجزئي أن ينضاف إليه: * أولاً: طاعة الرسول، والائتمار بأمر الله والانتهاء عن نهيه. * ثانياً: ترك الشرك. وحينئذٍ يكون الإنسان موحداً لله خالص التوحيد له.

стр. 18

العبودية الاضطرارية لا تفرق بين أهل الجنة والنار ولا يصير بها الرجل مؤمناً قال ابن تيمية ﵀: [ومثل هذه العبودية لا تفرق بين أهل الجنة وأهل النار]. لأن أهل النار يعرفون أن الله هو الخالق الرازق المحيي الميت كما سيأتي معنا، لكن هذه لا تفرق بينهم، قال: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦] فهم مشركون، لم ينفعهم هذا الإقرار المجرد بالربوبية والعبودية الاضطرارية. قال: [ومثل هذه العبودية لا تفرق بين أهل الجنة وأهل النار، ولا يصير بها الرجل مؤمناً، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦] فإن المشركين كانوا يقرون أن الله خالقهم ورازقهم، وهم يعبدون غيره، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥]، وقال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون:٨٤ - ٨٩] وكثير ممن يتكلم في الحقيقة ويشهدها يشهد هذه الحقيقة، وهي الحقيقة الكونية التي يشترك فيها وفي شهودها وفي معرفتها المؤمن والكافر، والبر والفاجر]. يريد شيخ الإسلام ابن تيمية هنا بهذا المقطع من كلامه وما سيأتي أن يبين حالة الصوفية فإن الصوفية من أعظم الناس المشتغلين بالزهد والتعبد، ولكن العبودية التي يشتغل عليها ويعملها الصوفية ويفنون فيها ويهتمون بها، ويعظمونها هي العبودية الاضطرارية التي لا تفرق بين المسلم والكافر، فهم يشتغلون بتعظيم الله ، في كونه الخالق والرازق والمحيي والمميت، ويعلمون أن الله هو مدبر هذه الكائنات جميعاً، وأنه لا تصريف إلا لله ، وهو الذي بيده مقاليد كل شيء، وهذا جزء من الإيمان. لكنهم يشتغلون به، ويهملون نوعاً آخر من الإيمان وهو: التعبد الاختياري له، بالمحبة والخضوع له، وأيضاً بالاتباع التام لرسوله في الأمر والنهي، فيهملون هذا النوع؛ ولهذا قد يورثهم هذا شيئاً من التوكل، لكنه بمفهوم سلبي سيأتي الإشارة إليه. وخلاصة هذا الكلام -حتى نتصور المسألة تصوراً دقيقاً- هو أن العبودية نوعان: عبودية اضطرارية ومعناها: توحيد الربوبية، وعبودية اختيارية ومعناها: توحيد الإلوهية. ومعنى لا إله إلا الله العبودية الاضطرارية التي يشترك فيها المسلمون والكفار والأحياء والجمادات، فكلهم مضطرون أذلاء لله . وأما العبودية الاختيارية: فهي التي يترتب عليها الثواب والعقاب، وهي التي يقوم الإنسان بها عن رغبة واختيار ويكون مقتضاها الإتيان بالأمر فعلاً والإتيان بالنهي تركاً.

стр. 19

الصوفية بين العبادة الاختيارية والاضطرارية والصوفية اشتغلوا بالنوع الأول من أنواع العبودية، وهي العبودية الاضطرارية، وتوحيد الربوبية، فعظموها تعظيماً كبيراً، وسموا هذا: شهود الحقيقة. ومعنى الشهود: حضور القلب والذهن بكامله، يعني: أن يكون قلبه وذهنه حاضراً بكامله في شهود الحقيقة، وهذه الحقيقة التي يقولون: نحن نشهدها هي حقيقة العبودية الاضطرارية وحقيقة توحيد الربوبية. هذا النوع من الربوبية إذا شهده الإنسان فإنه يورث له جزء من العبودية الاختيارية وهي سؤال الله والتوكل عليه، لكنه غير كافي حتى ينقاد للأمر والنهي، وحينئذ يكون هذا الثناء وهذا التعظيم وهذا الشهود للحقيقة الكونية ولتوحيد الربوبية يكون اشتغالاً في ما لم يأمر الله به إلا على سبيل الوسيلة. فالله يأمر بتدبر مخلوقاته وتدبر الكون ليترتب على ذلك محبة الله والخوف منه والتوكل عليه والإنابة إليه والرجوع إليه في كل شأن. قال: [بل وإبليس معترف بهذه الحقيقة وأهل النار، قال إبليس: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الحجر:٣٦]، وقال: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر:٣٩] وقال: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص:٨٢] وقال: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٦٢] وأمثال هذا من الخطاب الذي يقر فيه، بأن الله ربه وخالقه وخالق غيره وكذلك أهل النار قالوا: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾ [المؤمنون:١٠٦] وقال تعالى عنهم: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا﴾ [الأنعام:٣٠]. فمن وقف عند هذه الحقيقة وعند شهودها، ولم يقم بما أمر به في الحقيقة الدينية التي هي عبادته المتعلقة بألوهيته وطاعة أمره وأمر رسوله كان من جنس إبليس وأهل النار، وإن ظن مع ذلك أنه من خواص أولياء الله وأهل المعرفة والتحقيق -الذين سقط عنهم الأمر والنهى الشرعيان- كان من أشر أهل الكفر والإلحاد، ومن ظن أن الخضر أو غيره سقط عنهم الأمر لمشاهدة الإرادة، ونحو ذلك كان قوله هذا شر من أقوال الكافرين بالله ورسوله، حتى يدخل في النوع الثاني من معنى العبد، وهو العبد بمعنى العابد، فيكون عابداً لله لا يعبد إلا إياه، فيطيع أمر الله وأمر رسله، ويوالي أولياءه المؤمنين المتقين ويعادي أعداءه]. يبين شيخ الإسلام ﵀ من خلال هذه اللوازم بطلان ما توصلوا إليه، فهناك قاعدة عند العلماء يقولون: إذا بطل اللازم بطل الملزوم، يعني: إذا كان الأمر تترتب عليه لوازم فاسدة، فإن ملزومه يعتبر باطلاً وفاسداً في ذاته. فيقول ابن تيمية ﵀: إن العبودية الاضطرارية من اشتغل بها -وهي توحيد الربوبية- واعتنى بها وظن أنها هي كل شيء، وهي أول الأمر وآخره، وهي الواجب على كل العباد فإنه حينئذٍ لا يكون هناك فرق بينه وبين إبليس وغيره من الكفار، فإنهم يعرفون أن الله هو الخالق وأن الله هو الرازق وأن الله هو المحيي والمميت. وهذا لا شك أنه ليس هو المقصود ببعثة الرسل، لأنه لو كان هذا هو المقصود ببعثة الرسل لكان هؤلاء من الناجين، لكن الحقيقة أنهم من الهالكين؛ لعدم إتيانهم بألوهية الله وعبوديته الاختيارية، فدل هذا على أن العبودية الاضطرارية ليست مقصودة في ذاتها، وإنما هي أمر معترف وأمر فطري يعرفه الناس من خلال فطرهم، ولا ينكره إلا الملاحدة؛ ولهذا يقول ابن تيمية في غير هذا الكتاب: ولا يوجد طائفة من بني آدم على أن هذا الكون له إلهان خالقان مدبران له في وقت واحد. والاشتغال بهذا النوع من العبودية اشتغال بأمر مفطور عليه الناس، وأمر يتفق فيه المسلمون والكفار، والأحياء والجمادات، أما الأمر الأساسي الذي جاءت الرسل لتقريره فهو: العبودية الاختيارية، وأن الله هو الإله وحده دون سواه. ولهذا فإن الصوفية فسروا لا إله إلا الله بأنه لا خالق إلا الله، وهكذا أهل الكلام فسروا لا إله إلا الله بأنه لا خالق إلا الله، ويوجد بعض الدعوات الإسلامية اليوم عندما تأتي وتقرر التوحيد للناس تقول: إن التوحيد ومعنى لا إله إلا الله: إخراج اليقين الفاسد وإدخال اليقين الصحيح. ويفسرون اليقين الصحيح بالربوبية والعبودية الاضطرارية، فهم يتفقون في هذا المعنى، وإن كانوا يختلفون في ما يترتب عليه. والذين يشهدون الحقيقة الكونية أصناف سيأتي الإشارة إليهم بإذن الله تعالى.

стр. 20

العبودية الاختيارية قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذه العبادة متعلقة بإلهيته تعالى]. بدأ في النوع الثاني: وهي العبودية الاختيارية. وهذه العبودية الاختيارية هي توحيد الألوهية وهي معنى لا إله إلا الله، وهي التي عليها الأمر والنهي والثواب والعقاب، وهي التي من أجلها خلق الله الناس وقسمهم إلى صنفين: مؤمنين وكفار، المؤمنون من آمن بها والكفار من جحدوها. قال: [ولهذا كان عنوان التوحيد لا إله إلا الله بخلاف من يقر بعبوديته ولا يعبده، أو يعبد معه إلهاً آخر]. يعني: يقر بالعبودية الاضطرارية، ويقر بتوحيد الربوبية، لكنه لا يعبده وإنما يعبد معه إلهاً آخر. قال: [فالإله: هو الذي يألهه القلب بكمال الحب والتعظيم والإجلال والإكرام والخوف والرجاء ونحو ذلك]. وهذا هو معنى الإله في لغة العرب وفي الشرع؛ ففي لغة العرب كما سبق أن أشرت إليه أن الإله: فعال بمعنى: مفعول، يعني: إله بمعنى: مألوه، ولهذا يقول رؤبة: لله در الغانيات المده سبحن واسترجعن من تأله. فجعل التسبيح والترجيع من التأله، والإله بمعنى: المألوه والمعبود، والألوهية: هي العبودية والتأله: هو التعبد، وهكذا معناها الاصطلاحي، فكل كلمة إله في القرآن فإن المراد بها المعبود ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف:٨٤] قال قتادة: معبود في السماء ومعبود في الأرض.

стр. 21

العبودية الاختيارية هي الفارق بين المؤمن والكافر قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذه العبادة: هي التي يحبها الله ويرضاها، وبها وصف المصطفين من عباده وبها بعث رسله، وأما العبد بمعنى المعبد سواءٌ أقر بذلك أو أنكره فهذا المعنى يشترك فيه المؤمن والكافر]. يعني: حتى لو أنكر أنه عبد لله فهو عبدٌ في الحقيقة حتى لو أنكر، فإذا اعترف فإنه يلزمه توحيد الألوهية والعبودية الاختيارية، فإن لم يلتزم به، فإنه يعيش في شقاء بين الاعتراف بربوبية الله وعدم الالتزام بلازمها وهو توحيد الألوهية. قال: [وبالفرق بين هذين النوعين يعرف الفرق بين الحقائق الدينية الداخلة في عبادة الله ودينه، وأمره الشرعي التي يحبها ويرضاها ويوالي أهلها ويكرمهم بجنته، وبين الحقائق الكونية التي يشترك فيها المؤمن والكافر والبر والفاجر التي من اكتفى بها ولم يتبع الحقائق الدينية كان من أتباع إبليس اللعين والكافرين برب العالمين، ومن اكتفى بها في بعض الأمور دون بعض، أو في مقام دون مقام، أو حال دون حال نقص من إيمانه وولايته لله بحسب ما نقص من الحقائق الدينية. ]. والحقائق الدينية والحقائق الشرعية التي يحبها الله ويرضاها هي: توحيد الألوهية، وهي التي يسأل عنها العبد وهي حقيقة الإسلام. وإذا قيل: الإسلام فإنه يراد به العبودية الاختيارية التي يحبها الله ويرضاها وهي توحيد الألوهية. هذا هو الإسلام وهذا هو الدين. وأما العبودية الاضطرارية فهي معنى توحيد الربوبية، وهي يشترك فيها المسلمون والكفار والأحياء والجمادات.

стр. 22

انحراف الصوفية في مقام العبودية قال: [وهذا مقام عظيم غَلطِ فيه الغالطون وكثر فيه الاشتباه على السالكين، حتى زلق فيه من أكابر الشيوخ المدعين للتحقيق والتوحيد والعرفان ما لا يحصيه إلا الله الذي يعلم السر والإعلان]. غلطوا فيه بأنهم جعلوا توجههم لتوحيد الربوبية والعبودية الاضطرارية التي يستوي فيها المسلمون والكفار والأحياء والجمادات، وجعلوا الفناء فيه والتعلق به هو أساس الدين وأساس الإسلام، واشتغلوا به وانصرفوا عن الحقيقة الدينية الشرعية التي هي الإسلام، والتي يحبها الله ويرضاها، والتي فيها أوامر تقتضي الفعل ونواهٍ تقتضي الترك. ولهذا وجد منهم من يقول: إن الإنسان إذا وصل إلى اليقين فإن التكاليف تسقط عنه. لأن المتعلق بهذا النوع يقول: إذا فنيت فيه فإنك ستصل إلى اليقين. والمقصود باليقين: أن الله هو الرب الخالق الرازق المحيي المميت، إذا وصلت إلى هذا اليقين التام -وهذا اليقين طبعاً يحتاج إلى رياضات كما يقولون- فإنه تسقط عنك الأوامر والنواهي؛ وهذا يدل على عدم تعظيم الأمر والنهي، وعلى عدم الاشتغال بها. ولهذا سيأتي معنا أن هؤلاء جبرية يعظمون موضوع الفعل أكثر من تعظيمهم لموضوع الأمر.

стр. 23

انحرافهم في باب الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإلى هذا أشار الشيخ عبد القادر ﵀ فيما ذكر عنه، فبين أن كثيراً من الرجال إذا وصلوا إلى القضاء والقدر أمسكوا، إلا أنا فإني انفتحت لي فيه روزنة، فنازعت أقدار الحق بالحق للحق، والرجل من يكون منازعاً للقدر لا من يكون موافقاً للقدر]. يقول: وإلى هذا أشار الشيخ عبد القادر الجيلاني وهو من علماء الحنابلة، كان في بغداد، وله كتاب الغنية، وله كتاب في ذم علم الكلام، وهو من علماء المسلمين الصادقين، ومن الأولياء الفضلاء الطيبين، وهو من أهل السنة والجماعة، لكن الصوفية تعلقوا به، ونسبوا إليه كثيراً من الأمور كذباً وبهتاناً، وما نسبوه إليه لا يصح عنه، وهو من شيوخ ابن قدامة المقدسي صاحب المغني، الكتاب المشهور في فقه الحنابلة. يقول: إن الرجال إذا وصلوا إلى القضاء والقدر أمسكوا، يعني: كثير من الناس إذا وصل إلى باب القضاء أو القدر فإنه يمسك فلا يدري كيف يفهم هذا الباب، وهذا السبب فيه يرجع إلى عدم اتباع السنة والجماعة ومعرفة هدي النبي ﷺ في هذا الباب. يقول: إلا أنا فإنه فتحت لي فيه روزنة، المقصود بالروزنة: النافذة، يعني يقول: فتحت لي نافذة في باب القضاء والقدر. والنافذة هي قوله: فنازعت أقدار الحق، وأقدار الحق يعني: أقدار الله التي قدرها الله ، يعني: الأقدار السيئة، التي قدرها الله اختباراً وابتلاءً للعباد بالحق وهو اتباع الأمر واجتناب النهي للحق، يعني: لغاية عظيمة وهي اتباع الحق، فالله قدر أموراً كثيرةً مما يحب ومما يكره، فقدر مما يحب: الإسلام، والصلاة، اتباع الرسول ﷺ ، والزكاة، والأعمال الصالحة بكل أنواعها، هذه من مقادير الله . وأيضاً قدر أموراً أخرى مما يكرهها: فقدر الكفر، وقدر أيضاً العصيان والذنوب، كل هذه بقدر الله ، فإنه لا يكون في هذا الكون إلا أمر قدره الله وقضاه، ولا يكون في هذا الكون إلا شيء أراده الله ؛ فهذه الأقدار التي يبغضها الله يقول: نازعتها، مع أنها من قدر الله لكن أنا نازعتها بقدر الله الآخر الذي أمرني به، وجعلني مكلفاً به للحق يعني: لغاية الحق وهو الله ؛ فالله خلق في كونه ما يحب وما يكره، وأمر الإنسان باتباع ما يحب، ونهاه عن اتباع ما يكره، مع أنه من قدره. إذاً: الواجب الشرعي: أن أستعمل قدر الله الذي أمرني به في رد قدر الله الآخر الذي يبغضه وينهى عنه. إذاً: ليس كل ما قدره الله وقضاه في هذا الكون فهو محب له، فهناك أقدار يحبها وهناك أقدار لا يحبها. فإن قال قائل: لماذا جعلها الله وخلقها ما دام أنه لا يحبها؟ الجواب ابتلاءً واختباراً ونحن في دار ابتلاء واختبار. ولهذا ابتلانا الله بالسراء والضراء، وابتلانا الله بالنعمة والنقمة، وابتلانا الله بالخير والشر، وابتلانا الله بالأمر والنهي؛ لينظر من يختار ما يحب الله، ويبتعد عن ما يبغض الله وينهى عنه. قال: [والذي ذكره الشيخ ﵀ هو الذي أمر الله به ورسوله، ولكن كثير من الرجال غَلطِوا فيه؛ فإنهم قد يشهدون ما يُقَدَّر على أحدهم من المعاصي والذنوب، أو ما يُقَدَّر على الناس من ذلك، بل من الكفر، ويشهدون أن هذا جارٍ بمشيئة الله وقضائه وقدره]. يعني: يفعلون المنكرات ويقولون: هذا قضاء الله وقدره؛ ولهذا سيأتي أن الذين يشهدون الحقيقة الكونية أنواع، منهم الذين يحتجون بالقدر ويقولون: هذا قضاه الله وقدره في الكون -يعني: الكفر الموجود الآن- ولو كان الله لا يحب هذا الشيء فكيف يوجد في الأرض؟! ولهذا توصلوا إلى مقالات باطلة، والله يقول: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر:٧] وهم يقولون: بل يرضاه لهم؛ لأنه خلقه. فكون الله خلق الكفر، هذا لا يلزم أنه يحبه. فخلق الكفار وهو يبغضهم، وخلق أعمال الكفار وهو يبغضها، وخلق كل ما في هذا الكون من الأمور المختلفة المتضادة ابتلاءً واختباراً، وأمر الناس بأوامر، وأنزل عليهم كتباً، وأرسل إليهم رسلاً، وسيحاسبهم يوم القيامة. وإذا اعتذر إنسان بالمعصية مثلاً أو بالكفر، وقال: إنك يا رب خلقته في الدنيا. يقال له: وهل كل ما خلقه الله أمرك به؟ هناك ما خلقه الله ونهى عنه، والمطلوب من العباد هو اتباع الأمر والنهي وليس اتباع الخلق، هذا هو المطلوب من العباد. قال: [ويشهد أن هذا جار بمشيئة الله وقضائه وقدره، داخلٌ في حكم ربوبيته ومقتضى مشيئته، فيظنون الاستسلام لذلك وموافقته والرضا به ونحو ذلك، ديناً وطريقاً وعبادةً، فيضاهئون المشركين الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:١٤٨] وقالوا: ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ [يس:٤٧]،وقالوا: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْ

стр. 24

أنواع الأقدار في باب الاحتجاج بالقدر القدر نوعان: نوع يعتبر من المصائب، ونوع يعتبر من المعائب. فأما المصائب فإن المسلم يرضى بها ويصبر عليها ويحتسب عند الله . وأما المعائب وهي العيوب التي ينتقد الإنسان فيها فإنه لا يجوز له أن يمارسها. والفرق بين المصائب والمعائب يكون من ناحيتين: الناحية الأولى: أن المصائب هي الأقدار التي يقدرها الله على الإنسان دون اختيار من الإنسان وإرادة منه، مثل حادث سيارة، مثل مرض جسدي أو نفسيَّ أياً ما يكون، فيصبر عليه الإنسان. والنوع الثاني من الأقدار التي تكون من المصائب: هي التي تكون بعد الفعل، يعني: أحياناً الإنسان قبل الذنب يعتبر الذنب بالنسبة له من المعائب، لكن بعد فعل الذنب وتوبته منه يعتبر من المصائب. يعني: مثلاً إنسان أراد أن يأكل الربا؛ لأنه محتاج إلى المال وذهب إلى البنك وأثناء ذهابه إلى البنك يحتج بالقدر ويقول: هذا قدر الله عليّ! كيف قدره الله عليك وأنت قادر على الرجوع عن البنك؟ هذا كلام غير صحيح أبداً، لأنك اخترت هذا الأمر بمشيئتك. فإن قالوا: كيف والله يشاء أن أفعل هذا العمل، وهو بقضائه وقدره؟ نقول: نعم كل فعل سواءً كان خيراً أو شراً بقضاء الله وقدره، لكن أنت اخترت الشر. ولهذا لعل من القصص التي تبين هذه القضية بشكل دقيق كلام عمر بن الخطاب ﵁ عندما سرق رجل. فلما جيء به إليه قال: سرقت بقدر الله. قال: وأنا أقطع يدك بقدر الله) وهكذا قد يقول شخص: أنا زنيت بقدر الله. ويحتج على الفواحش وعلى المحرمات بالقدر. نقول: ويعذبك الله يوم القيامة وعليك الإثم كذلك بقدر الله. فإذا قال: كيف يعذبني وقد خلق هذه الأشياء؟ نقول: خلق الله أموراً محرمة، وخلق أموراً ضارة في الكون وخلق السمّ؛ فهل تشرب السمّ؟ خلق الله نباتات مؤذية وضارة لحكم يريدها ، قد تبدو لنا وقد لا تبدو، ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥] فهل يمكن أن تتناولها. وخلق مجرمين، فهل تذهب إليهم؟ ولهذا سيأتي كلام ابن تيمية ﵀ أنه لو أن شخصاً جاءك وأخذ مالك وسرق بيتك وأخذ سيارتك، فهل تسلم له كل هذا وتقول: هذا قضاء الله وقدره؟ حينئذٍ تكون عرضة للمجرمين، وستكون ميت الإرادة، ولن يكون لك أي إرادة؛ ولهذا مقتضى كلام هؤلاء أن يمسخوا إرادة الإنسان، ويقولون: يجب أن تفنى إرادة الإنسان في إرادة الله ، فكل ما يريده الله في الكون يجعله الإنسان مراد الله . فمقتضى ومعنى كلامهم: أنه لو أنك تمشي مثلاً في السوق وجاء رجل وأدخل يده في جيبك وأخذ النقود التي في جيبك، تقول: هذه إرادة الله؛ فلا بد أن أجعل إرادتي مع إرادة الله، وإلا لو ما أراد الله لما أخذ هذا الرجل النقود من جيبي! ولمَرَّ من جانبي من دون أن يأخذ مني شيئاًً. وهكذا لو أنه جاءك وأخذ منك مفتاح السيارة، وأخذ السيارة وذهب. مع أن هذه أمور تأباها الفطر السليمة العقول الصحيحة، إلا أن هذا القول هذا لازمه، وقد يلتزم بعض الشيوخ الحمقى من الصوفية شيئاً من هذا القبيل، يعني: قد يأتي ويمر ويحذر من مصيبة دنيوية، ومع ذلك يقع فيها ويظن أنه بهذا العمل يتعبد لله . وهذا من جهله وضلاله والعياذ بالله. لكن بالنسبة للمصائب، يصح للإنسان أن يحتج بقضاء الله فيها، فإذا قدر الله عليك مصيبة بدون إرادة منك! أو فعلت ذنباً ثم ندمت عليه ندماً شديداً بعد أن فعلته، وتبت إلى الله ؛ فإن هذا الذنب يعتبر في حقك بعد أن تبت وشعرت بالألم والحرقة بسببه مصيبة؛ لأنه أمر فات لا يمكن أن ترجع عنه، فيجوز أن تحتج بالقدر عليه، أما قبل أن يفعل الإنسان الفعل ويحتج بالقدر فهذا احتجاج فاسد غير صحيح.

стр. 25

توجيه حديث: (احتج آدم وموسى) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال بعض السلف: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم، وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد:٢٢ - ٢٣]. وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (احتج آدم وموسى، فقال موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء، فلماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ فقال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، فهل وجدت ذلك مكتوباً عليّ قبل أن أخلق؟ قال: نعم. قال: فحج آدم موسى). هذا الحديث يعتبر حديثاً عظيماً في باب الاحتجاج بالقدر، وقد فهمه بعض الناس على غير وجهه. والحديث هو أن موسى لقي آدم فاحتج عليه، قال موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء. فلماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ ومقصود موسى أنت عندما أكلت من الشجرة، كان أكلك من الشجرة سبباً في خروجنا من الجنة، ولو لم تأكل من الشجرة لبقينا نحن ذريتك في الجنة، هذا هو احتجاج موسى. قال له آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، فهل وجدت ذلك مكتوباً عليّ قبل أن أخلق؟ قال: نعم. قال: فحج آدم موسى، يعني: غلب آدم موسى؛ لأن موسى أنكر عليه الذنب بعد أن انتهى، وآدم بين له أن هذه مصيبة بالنسبة له. هل الكلام بين آدم وموسى هذا قبل أن يأكل من الشجرة؟ وهل قال: يا موسى هذا أمر قدره الله عليّ أنا سآكل من الشجرة وسأنزل إلى الأرض؟ لو كان الأمر بهذه الصورة لكان احتجاج آدم غير صحيح، لكن الأمر مخالف لهذا الذنب الذي حصل، وندم آدم وتاب ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:٣٧] وأصبحت هذه مصيبة بالنسبة لآدم فجاء موسى واحتج عليه، فلما احتج آدم بالمصيبة دل هذا على أن الاحتجاج بالمصائب صحيح، أما الاحتجاج بالعيوب والذنوب فغير صحيح. قال المؤلف ﵀: [وآدم ﵇ لم يحتج على موسى بالقدر ظناً أن المذنب يحتج بالقدر، فإن هذا لا يقوله مسلم ولا عاقل، ولو كان هذا عذراً لكان عذراً لإبليس، وقومِ نوح، وقومِ هود وكل كافر، ولا موسى لام آدم أيضاً، لأجل الذنب، فإن آدم قد تاب إلى ربه فاجتباه وهداه، ولكن لامه لأجل المصيبة التي لحقتهم بالخطيئة]. إذاً: الموضوع كله يتعلق بالمصيبة، والمشكلة التي حصلت عند بعض الناس هو أن المسألة فيها ذنب والذنب هو أكل آدم من الشجرة، لكن الذي لم يتنبهوا له هو أن هذا الاحتجاج حصل بعد انتهاء الأكل، وبعد أن عوقب، فالمصيبة التي حصلت هي العقوبة؛ فموسى يلومه على هذه المصيبة، وآدم يحتج بالقدر على هذه المصيبة. إذاً: إذا سألك سائل: ما هو نوع الاحتجاج في حديث آدم وموسى؟ تقول: على المصائب. والذي جعل الخوض موجوداً في المسألة هو وجود ذنب في هذه المسألة، وهو أكل آدم من الشجرة، لكن إذا تبين للإنسان أن هذا الاحتجاج حصل بعد الأكل، وبعد العقوبة وبعد التوبة، عرف أن المقصود بها المصيبة. قال: [ولهذا قال له: فلماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ فأجابه آدم: إن هذا كان مكتوباً عليّ قبل أن أخلق. فكان العمل والمصيبة المترتبة عليه مقدراً وما قدر من المصائب يجب الاستسلام له فإنه من تمام الرضا بالله رَبَّاً]. يعني بعد حصولها، لكن قبل حصولها يدافع القدر بالقدر، أما بعد حصولها وبعد أن ابتلي الإنسان بها فإنه حينئذٍ يرضى ويسلم بها. قال: [وأما الذنوب فليس للعبد أن يذنب، وإذا أذنب فعليه أن يستغفر ويتوب، فيتوب من المعائب ويصبر على المصائب قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [غافر:٥٥]]. فجمع بين الصبر والاستغفار، فالصبر على المصائب، والاستغفار من المعائب. قال: [وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران:١٢٠]]. الصبر على المصائب، والتقوى تكون من المعائب. قال: [وقال: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [آل عمران:١٨٦] وقال يوسف ﵇: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:٩٠]]. يعني: الذنوب إذا كانت فردية فالإنسان يستغفر منها، وإذا كانت ذنوب العباد الآخرين فإنه يحتسب عليها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

стр. 26

تسوية أصحاب شهود الحقيقة الكونية دون الدينية بين أهل الحق والباطل قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذلك ذنوب العباد يجب على العبد فيها أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بحسب قدرته، ويجاهد في سبيل الله الكفار والمنافقين، ويوالي أولياء الله ويعادي أعداء الله]. جهاد الكفار أحياناً يكون بالدعوة، وأحياناً يكون بالقتال، وجهاد المنافقين يكون بالرد عليهم وبيان خططهم وما يمكرون به لأهل الإسلام؛ وهذا كله من دفع القدر بالقدر. قال: [ويوالي أولياء الله ويعادي أعداء الله، ويحب في الله ويبغض في الله، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ * إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ * لَنْ تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة:١ - ٤]] كل هذه النصوص تميز بين المؤمنين والكفار، وبين أهل الطاعة وأهل المعصية، وبين أهل البر وأهل الفجور. وهذا يدل على أن المطلوب من الإنسان هو العبودية الاختيارية التي هي توحيد الألوهية، أي: معنى لا إله إلا الله. قال: [وقال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة:٢٢] وقال: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ [القلم:٣٥]، وقال: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص:٢٨] وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية:٢١] وقال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ * وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلا الأَمْوَاتُ﴾ [فاطر:١٩ - ٢٢]، وقال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ [الزمر:٢٩]، وقال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ * وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهُّ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل:٧٥ - ٧٦]، وقال تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [الحشر:٢٠]. ونظائر ذلك كثير مما يفرق الله فيه بين أهل الحق والباطل، وأهل الطاعة والمعصية، وأهل البر والفجور، وأهل الهدى والضلال، وأهل الغي والرشاد، وأهل الصدق والكذب. فمن شهد الحقيقة الكونية دون الحقيقة الدينية سوّى بين هذه الأصناف المختلفة التي فرق الله بينها غاية التفريق، حتى تئول به هذه التسوية إلى أن يسوي بين الله وبين الأصنام]. هذا لازم له وقد التزمها بعض طوائف الصوفية وهم أهل وحدة الوجود والحلول والاتحاد كما سيأتي معنا. قال: [كما قال تعالى عنهم: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ ن

стр. 27

تسوية بعضهم لله بكل موجود وصرفهم العبادة لغير الله قال: [بل قد آل الأمر بهؤلاء إلى أن سوّوا الله بكل موجود، وجعلوا ما يستحقه من العبادة والطاعة حقاً لكل موجود]. هؤلاء هم أصحاب وحدة الوجود، وفكرة وحدة الوجود: هي أن هذه المخلوقات جميعاً هي الله ! وكل جزء من هذه الأجزاء هي من الله ! فالناس من الله والكائنات من الله والأرض كلها بما فيها من المخلوقات المتناقضة العجيبة هي من الله والكون كله من الله، وعندما قيل لهم: كيف تجعلون هذه الأجزاء كلها من الله مع أن الله واحد؟ قالوا: إن هذه أجزاء من نفس الجنس وهي كموج البحر، فأمواج البحر ما لا يحصى عدداً عندما تأتي موجة والثانية والثالثة وكلها من البحر؛ هكذا يصورونها. ولهذا يقول زعيمهم زعيم الكفر ابن عربي الطائي: وكل كلام في الوجود كلامه سواء علينا، نثره ونظامه فنثر الأدباء وشعر الشعراء وكلام الحمقى والمغفلين، وكل ما يوجد في الدنيا من الكلام، هو من كلام الله ! قبحه الله؛ ولهذا يقول: العبد رب والرب عبد يا ليت شعري من المكلف إن قلت عبد فذاك رب أو قلت: رب أنى يكلف يعني: كيف يكلف؟ فلا تكليف إذاً! وعلى هذا المبدأ قامت الباطنية الذين أبطلوا الشرائع وألغوا الأحكام التكليفية، لما قام علي بن الفضل خطيباً واستحل المحرمات، فهي فلسفة واحدة اختلفت الفرق في التعامل معها، لكن الجميع يسقطون التكاليف ويجعلون الإنسان إلهاً. ولهذا عند الصوفية عقيدة مشهورة تسمى الإنسان الكامل أو الحقيقة المحمدية، ويعتقدون أن الإنسان الكامل هو الله ، وأن الله هو الكون وأن كل مخلوق فهو خالق، لا يفرقون بين الخالق والمخلوق؛ فهم أشد كفراً من النصارى الذين وحدوا بين عيسى وبين الله ، لأنهم وحدوا بين الله وبين كل المخلوقات حسنها وقبيحها. قال المؤلف ﵀: [إذ جعلوه هو وجود المخلوقات، وهذا من أعظم الكفر والإلحاد برب العباد. وهؤلاء يصل بهم الكفر إلى أنهم لا يشهدون أنهم عباد الله، لا بمعنى أنهم معبودون ولا بمعنى أنهم عابدون، إذ يشهدون أنفسهم هي الحق، كما صرح بذلك طواغيتهم، كـ ابن عربي صاحب الفصوص وأمثاله]. هذا كتاب اسمه فصوص الحكم وهو كتاب مطبوع ومشهور، ولشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ نقد لهذا الكتاب موجود في المجلد الثاني من الفتاوى اسمه الرد القويم على صاحب الفصوص، وهو رد رائع وممتاز بين فيه ما في هذا الكتاب من الضلال. قال: [وأمثاله الملحدين المفترين، كـ ابن سبعين وأمثاله ويشهدون أنهم هم العابدون والمعبودون]. حتى ابن سبعين يحكى عنه أنه ذهب إلى غار حراء، وجلس شهراً ينتظر النبوة هناك، لأنه أخذ فكرة من الفلاسفة وهو: أن الإنسان بالرياضة يمكن أن يحصل على النبوة. قال: [وهذا ليس بشهود لحقيقة لا كونية ولا دينية، بل هو ضلال وعمىً عن شهود الحقيقة الكونية، حيث جعلوا وجود الخالق هو وجود المخلوق، وجعلوا كل وصف مذموم وممدوح نعتاً للخالق وللمخلوق، إذ وجود هذا هو وجود هذا عندهم!].

стр. 28

البرمجة اللغوية العصبية ومشابهتها لعقيدة وحدة الوجود الحقيقة أن هؤلاء يبنون هذه الآراء على فلسفة وهي: أن الإنسان فيه قدرة كامنة قادرة على أن توصله لكل المعارف ولكل الحقائق، وأن هذه القدرة هي الله. ولهذا فإن هذه الفلسفة فلسفة خبيثة، وهي مبنية بناءً فكرياً دقيقاً أساسه: أن الله هي القدرة الموجودة في هذه الأجساد جميعاً، هذه الأجساد وهذه الكائنات كلها تمتلك قدرة، هذه القدرة نافذة وقادرة ومؤثرة وحقيقة الإله عندهم القادر المؤثر. وبناءً على هذا، فهؤلاء كلهم يوجد فيهم العنصر الإلهي القادر المؤثر، ولهذا دفعهم هذا إلى القول بأن الإنسان إذا كان عنده الرياضة والممارسة والقوة النفسية والبدنية يمكن أن يصل إلى النبوة. ولهذا بدأت الآن تنتشر في الأوساط، ومع الأسف أن كثيراً من الإسلاميين والدعاة يتبنون مثل هذه الأمور، وهي خطيرة، فهذه الدورات التي تسمى البرمجة اللغوية العصبية، وغيرها من هذه الدورات، لها جوانب وأهداف سلبية وسيئة جداً. - منها: أن الإنسان يمكن أن يمشي على الجمر دون أن يتأثر. - ومنها: أنه يمكن له أن يطير في السماء. - ومنها ما يسمونه بالتخاطب عن بعد. وهو: أن يكون الإنسان مثلاً في جدة، والآخر في الدمام، ويمكن له أن يوجّه أسئلة نفسية وإرادية ويستقبلها ذاك ويجيب عليها وتكون هذه الإجابات وهذه الأسئلة حقيقة مائة بالمائة. ولا شك أن هذا نوع من الكهانة والشعوذة، وهي مبنية في الحقيقة على فكرة فلسفية إلحادية. طبعاً أنا لا أقول بأن كل دورات البرمجة اللغوية العصبية كذلك!. هذه الدورات لها قسمان: قسم فلسفي: مثل الكلام الذي يقولونه حول موضوع التخاطب عن بعد، وحول التأثير، وقدرة الإنسان، وصاحبها إلى الآن موجود وحي، وكثير من الناس يأخذ عليه دورات، حتى يكون إسناده عالياً. سئل: هل يمكن للإنسان بتعامله الذاتي وقدرته الذاتية أن يصل إلى النبوة؟ فقال: يمكن أن يصل إلى النبوة بهذا. وهذه فكرة أصلاً فلسفية مشهورة وهي: أن الإنسان بذاته وقدرته الذاتية يمكن أن يصل إلى النبوة، بل يفسرون المعجزات بهذه الطريقة، ويقولون: المعجزات -كانفلاق البحر لموسى- حقيقتها قوة إرادية عند موسى، فموسى ليس رجلاً طبيعياً كغيره من الناس! بل هناك قوة إرادية عنده أراد أن ينقذ قومه فنظر إلى البحر فانفلق هذا البحر! وهكذا يفسرون التأثير مثلاً في القمر، وأن هذه قوة من النفس جعلت القمر ينفلق نصفين! طبعاً ليس كل من يتعلم هذه الدورات يقول هذا الكلام، وليس كل قواعد البرمجة اللغوية والعصبية كذلك، هناك قواعد قد يكون فيها فائدة فيما يتعلق بالاهتمام بالذات والعناية بها، وتنمية قدرات الإنسان الداخلية، وقد تكون هذه القواعد قواعد صحيحة وإنسانية ومعروفة، وهي تتعامل مع النفس البشرية تعاملاً صحيحاً؛ لكن يوجد في مثل هذه العلوم -وهي: البرمجة اللغوية والعصبية- جوانب وقواعد فلسفية لا أشك في كونها إلحاداً، وبعضها من جنس السحر والشعوذة؛ ولهذا يحكون أموراً غير طبيعية، مثل: طيران الإنسان في الهواء! وأن الإنسان قادر على هذا إذا نجح مع نفسه! ولهذا فإنهم يفسرون أي حالة، مثلاً: شخص لا يقدر أن يمشي على النار، قالوا: هذا إخفاق في نفسك، لكن يمكن للإنسان أن يكون عنده جمر مبسوط يمشي عليه، ولا يشعر بالألم، قد تتمزق رجله! لكن لا يشعر بالألم! وهذه من جنس التصرفات ومخاريق الرفاعية الذين كانوا يأتون إلى ابن تيمية ﵀ ويقولون: نحن ندخل في النار ولا نتأثر. فطلب منهم أن يغتسلوا وإذا اغتسلوا فإنه يدخل معهم في النار. وهذا تهديد لهم، لأنهم كانوا يطلون أنفسهم بزيت يمنع احتراق أجسادهم بالنسبة للنار فهذه الفلسفات كثير من الأحيان مبناها واحد، وفكرتها واحدة يعبر عنها إنسان بطريقة ويأخذ منها مقالة، ويعبر عنها إنسان بطريقة أخرى، ويعبر عنها إنسان بطريقة ثالثة. لكن مما أحب أن أؤكد عليه هو: أنه ليس كل من يتعامل مع البرمجة اللغوية العصبية، أو يدرب عليها، أو يتدرب فيها أنه يقول بهذه الأفكار، لكن يوجد في أصل الفكرة، ويوجد من الناس من يؤمن بهذا، وبالذات موضوع التخاطب عن بعد، وموضوع الطيران في الهواء، والسير على النار، وما إلى ذلك من المخاريق التي يقولون بها عندما ينجح الإنسان مع نفسه وإرادته.

стр. 29

أصحاب وحدة الوجود ضالون عن شهود الحقيقة الكونية والدينية قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذا ليس بشهود لحقيقة، لا كونية ولا دينية، بل هو ضلال وعمىً عن شهود الحقيقة الكونية، حيث جعلوا وجود الخالق هو وجود المخلوق، وجعلوا كل وصف مذموم وممدوح نعتاً للخالق والمخلوق، إذ وجود هذا هو وجود هذا عندهم، وأما المؤمنون بالله ورسوله، عوامهم وخواصهم، الذين هم أهل القرآن، كما قال النبي ﷺ : (إن لله أهلين من الناس، قيل: من هم يا رسول الله؟! قال: أهل القرآن هم أهل الله وخاصته) فهؤلاء يعلمون أن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه، وأن الخالق سبحانه مباين للمخلوق، ليس هو حالاً فيه، ولا متَّحداً به، ولا وجودُه وجودَه. والنصارى إنما كفّرهم الله بأن قالوا بالحلول، واتحاد الرب بالمسيح خاصة، فكيف من جعل ذلك عاماً في كل مخلوق؟! ويعلمون مع ذلك أن الله أمر بطاعته وطاعة رسوله، ونهى عن معصيته ومعصية رسوله، وأنه لا يحب الفساد، ولا يرضى لعباده الكفر، وأن على الخلق أن يعبدوه فيطيعوا أمره، ويستعينوا به على ذلك، كما قال في فاتحة الكتاب: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]. ومن عبادته وطاعته: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحسب الإمكان، والجهاد في سبيله لأهل الكفر والنفاق؛ فيجتهدون في إقامة دينه مستعينين به، دافعين مزيلين بذلك ما قدر من السيئات، دافعين بذلك ما قد يخاف من آثار ذلك، كما يزيل الإنسان الجوع الحاضر بالأكل، ويدفع به الجوع المستقبل، وكذلك إذا آن أوان البرد ودفعه باللباس، وكذلك كل مطلوب يدفع به مكروه، كما قالوا للنبي ﷺ : يا رسول الله! أرأيت أدوية نتداوى بها ورقىً نسترقي بها، وتقاةً نتقي بها، هل ترد من قدر الله شيئاً؟ فقال (هي من قدر الله)، وفي الحديث (إن الدعاء والبلاء ليلتقيان فيعتلجان بين السماء والأرض). فهذا حال المؤمنين بالله ورسوله، العابدين لله وكل ذلك من العبادة]. نلاحظ أن ابن تيمية ﵀ لا يرى أن أصحاب وحدة الوجود هم جزء ممن يشهد الحقيقة الكونية، بل يرى أن أصحاب وحدة الوجود لا يقرون بالحقيقتين، لا الحقيقة الكونية التي هي توحيد الربوبية، ولا الحقيقة الدينية التي هي توحيد الألوهية، بل هم لا يقرون بالربوبية ولا الألوهية؛ لأنهم لا يميزون بين الخالق والمخلوق، ولا بين الإنسان وبين الله .

стр. 30

المعنى الصحيح لقوله تعالى: (يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين) وخلاصة كلام ابن تيمية ﵀ في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤]، وسبق أن ذكرنا أن قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤] أن العطف في قوله: ((ومن اتبعك)) هي معطوفة على النبي ﷺ ، والمعنى: حسبك الله وحسب الله أيضاً للمؤمنين، فالله حسب لك وحسب لأتباعك من المؤمنين، وليست معطوفة على لفظ الجلالة، يعني: ليس المعنى: يا أيها النبي حسبك الله وحسبك المؤمنون، فإن الحسب خاص بالله . هذا الجزء المتعلق بهذا الموضوع في كتاب منهاج السنة النبوية، فإن ابن المطهر الحلّي صاحب (منهاج الكرامة) وهو من الشيعة، استدل بهذه الآية على أن المؤمنين حسب لله، فهو يستدل بها على الشرك. ويقول ابن تيمية: فصل. قال الرافضي: البرهان الرابع والعشرون قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤] من طريق أبي نعيم قال: نزلت في علي، يعني: (ومن اتبعك من المؤمنين) المقصود بها: علي، فـ علي حسب للنبي مثل الله، وهذه فضيلة لم تحصل لأحد من الصحابة غيره فيكون هو الإمام. يعني: ومن أخذ الإمامة كـ أبي بكر وعمر قبله فهم ظالمون له، وبناءً على هذا كفّرهم الشيعة قبّحهم الله. قالوا: والجواب من عدة وجوه: * أحدها: منع الصحة، يعني: منع أن هذا الطريق صحيح، الذي هو من طريق أبي نعيم، وتفسير الآية غلط، فليس قوله: ((من اتبعك من المؤمنين)) المقصود بها: علي وإنما هي عامة في المؤمنين. * الثاني: أن هذا القول ليس بحجة. * الثالث: أن يقال: هذا الكلام من أعظم الفرية على الله ، وذلك أن قوله: ((حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين)) معناه: أن الله حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين، فهو وحده كافيك وكافي من معك من المؤمنين، وهذا كما تقول العرب: حسبك وزيداً درهم. ثم أطال الكلام في هذا الموضوع، وهذا ما يتعلق بهذا الموضوع.

стр. 31

رسالة العبودية [٣] الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان لا يتم إيمان المؤمن إلا به، والإنسان خلق الله له إرادة واختياراً، وبين له طريق الخير والشر مع كتابة الله له ذلك في علمه السابق، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة، وبذلك تستطيع أن تميز هذا المذهب المعتدل عن الفرق الضالة والمنحرفة.

стр. 32

انحراف الصوفية في مقام العبودية الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد: في الدروس الماضية تحدثنا عن تعريف العبودية، وأيضاً تحدثنا عن حقيقة العبودية الشرعية وعن أهميتها وأمثلة منها، وعن العلاقة بين العبودية والدين والعلاقة بين العبودية والإسلام، كما تحدثنا أيضاً عن تعريف العبودية شرعاً والضابط في هذا، وتحدثنا في الدرس الماضي عن أنواع العبودية، والعبودية الاضطرارية الموافقة لمعنى الربوبية، والعبودية الاختيارية الموافقة لمعنى الألوهية، وتحدثنا عن انحراف الصوفية في هذا الباب وأنهم اشتغلوا بتوحيد الربوبية وأهملوا توحيد الألوهية مع أن توحيد الألوهية هو المقصد الأعظم من إنزال الكتب وإرسال الرسل وخلق الجن والإنس، وهو الذي يترتب عليه الثواب والعقاب، وهو الذي يسأل عنه العباد يوم القيامة، وهو الغاية العظمى، وهو أول الأمر وآخره، ومن مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله - وهذا هو توحيد الألوهية - دخل الجنة كما جاء في الحديث عن النبي ﷺ . ومع أهمية توحيد الألوهية ووضوح أن توحيد الألوهية هو الغاية، وأن توحيد الألوهية هو الأساس في دعوة الرسل؛ إلا أن أهل الكلام والصوفية انحرفوا في هذا الباب واشتغلوا علماً وعملاً بتوحيد الربوبية الذي لا يكفي وحده للإيمان، فقد أخبر الله أن هناك من يؤمن، لكن هذا الإيمان لا يكفي إذا كان معه الشرك، كما قال الله : ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦]. فأثبت لهم جزءاً من الإيمان، إلا أنه ليس الإيمان المنجي عند الله ، وهذا هو توحيد الربوبية. والإيمان المنجي عند الله هو توحيد الألوهية، وتوحيد الربوبية وتوحيد الألوهية ليس بينهما تضاد، وإنما بينهما اتفاق. فتوحيد الربوبية هو الأساس لتوحيد الألوهية، فمن آمن بالربوبية فإنه يلزمه الإيمان بالألوهية، وتوحيد الألوهية يتضمن توحيد الربوبية، وكل موحد توحيد الألوهية فهو موحد توحيد الربوبية، إذ لا يمكن للإنسان أن يعبد الله مع اعتقاد أن الخالق غيره، أو الرزاق غيره، أو المحيي غيره، أو المدبر غيره، فهذا غير موجود وغير واقع. وعبر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في هذه الرسالة في رسالة العبودية عن الصوفية بقوله: إن هؤلاء هم الذين يشهدون الحقيقة الكونية. وقد سبق أن بينا معنى الشهود، وقلنا: إن الشهود معناها: استغراق العقل والنفس والعمل في أمر ما، كأن الاستغراق النفسي شبه برؤية العين وهي المشاهدة، فسمي شهوداً، يعني: من شدة تعلق ومن شدة استحضار المعنى سمي شهوداً والشهود في العادة إنما يكون بالعين. وأما الحقيقة الكونية فهي مقتضيات توحيد الربوبية: من الخلق والرزق والإحياء والإماتة والتدبير ونحو ذلك، فمعنى شهود الحقيقة الكونية: الاستغراق والهم والاستحضار الدائم والتعمق في هذا الباب للحقيقة الكونية وهي لخلق الله وتدبيره ورزقه وتصريف الكائنات. وهذا المعنى وإن كان جزءاً أساسياً في الإيمان، إلا أنه ليس هو الإيمان الكامل الذي جاءت به الرسل؛ لأن شهود الحقيقة الكونية واستحضار الحقيقة الكونية ليس أمراً مختلفاً فيه بين الأمم، فالكفار الذين بعث إليهم الأنبياء كانوا يعترفون بأن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت المدبر ولم ينفعهم هذا الاعتراف، ولهذا يقول الله : ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢]. قال المفسرون: وأنتم تعلمون أنه الخالق الرازق المحيي المميت. وجاءت دعوة الأنبياء جميعاً لتقرير: أن الله معبود وحده، وأنه لا بد للعبد أن يشتغل في علمه وفي عمله، في إرادته وفي عمله الظاهري وعمله الباطني بالتعبد لله . فالمحبة والخوف والرجاء والإنابة والتوكل والاعتماد لا يكون إلا على الله ، والتصديق والتعظيم إنما يكون لله ، هذا هو التوحيد وهذا هو معنى شهادة أن لا إله إلا الله. والصوفية اشتغلوا بأمر لم يكن هو موضوع دعوة الرسل، وهو شهود الحقيقة الكونية، وهذا الشهود ليس شهوداً عادياً، يعني: ليس نظراً عادياً واستغراقاً عادياً في معاني الربوبية وفي الحقيقة الكونية، وإنما هو اشتغال بالربوبية بطريقة مخصوصة أودى بهم إلى أنواع من الضلالات، وأنواع من العقائد المنحرفة التي ستأتي معنا. وقد أشار المؤلف إلى أن دعاة وحدة الوجود هم الذين يرون أن هذا الكون وحدة واحدة، خالق ومخلوق في وقت واحد، ولا يفرقون بين الله وبين خلقه، ولا يفرقون بين الخالق والمخلوق، ولا يفرقون بين الرازق والمرزوق، ولا بين الفاعل والمفعول، لا يفرقون بين هذا جميعاً، وإنما يجعلونها حقيقة واحدة، وأن الله هو هذه الكائنات الموجودة التي نشاهدها ونراها ونحن جزء منها، ولهذا قال بعضهم: ما في الجبة إلا الله، يعني: هو الله، هذا هو مقتضى كلامه، وهذا هو المقصود. ولهذا قال ابن عربي ا

стр. 33

مراتب شهود الحقيقة الكونية في الضلال ثم ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مراتب شهود الحقيقة الكونية في الضلال، فيمكن أن نقرأ هذه المراتب مع حكم هذه المراتب، يعني: الذين شهدوا الحقيقة الكونية واستغرقوا فيها وانشغلوا بها بطريقة مخصوصة، وهي طريقة التصوف، وأشغلتهم عن الحقائق الشرعية، وهي توحيد الألوهية، ومعرفة معنى لا إله إلا الله، بل حرفوا معنى لا إله إلا الله، وجعلوها لا خالق إلا الله ولا رازق إلا الله، مع أن الحقيقة أن معنى لا إله إلا الله: لا معبود بحق إلا الله ؛ هؤلاء الذين اشتغلوا بشهود الربوبية وبشهود الحقيقة الكونية على مراتب في الضلال، سيأتي ذكر هؤلاء والتعليق عليه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهؤلاء الذين يشهدون الحقيقة الكونية -وهي ربوبيته لكل شيء- ويجعلون ذلك مانعاً من اتباع أمره الديني الشرعي على مراتب في الضلال].

стр. 34

غلاة الصوفية الذين يحتجون بالقدر في كل ما يخالفون فيه الشريعة قال المؤلف ﵀: [فغلاتهم يجعلون ذلك مطلقاً عاماً، فيحتجون بالقدر في كل ما يخالفون فيه الشريعة]. يعني: يجعلون شهود الحقيقة الكونية مبرراً للاحتجاج المطلق بالقدر، فيرون أن ضلال هؤلاء وانحراف العصاة وكفر الكفار هم معذورون فيه؛ لأن هذا هو مقتضى إرادة الله ، وأنه يجب عليهم أن يوافقوا مقتضى هذه الإرادة، وقد سبق أن بينا أن الله خلق في هذا الكون أموراً خيرة يحبها، وأموراً شريرة يبغضها ويكرهها، وإنما خلق الله هذه الأمور السيئة والشريرة امتحاناً للعباد واختباراً لهم، فنحن في دار ابتلاء ولسنا في دار جزاء. فهؤلاء جعلوا هذه الأمور السيئة مثل الذنوب والمعاصي ونحو ذلك من جنس المصائب، وأنه يجب على الإنسان أن يستسلم لها، وأن الإنسان إذا استسلم لها فإنه يكون معذوراً فيها، ولا شك أن هذا ضلال مبين. قال: [وقول هؤلاء شر من قول اليهود والنصارى، وهو من جنس قول المشركين الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:١٤٨]. وقالوا: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف:٢٠]]. إذاً: المشركون يحاولون الاحتجاج لعقيدتهم، ويعتذرون عن هذا الشرك، ويبررون هذا الشرك، وأن هذا الشرك الذي يقومون به هو عين الصواب؛ لأنه لو كان هذا الأمر يريده الله فكيف يكون موجوداً؟ وأنه ما دام أنه وجد فمعنى هذا أنه حق، وأن معيار الصواب والخطأ والحق والباطل وجود الشيء، وهذا لا شك أنه باطل، فليس معيار الشيء في وجوده، فقد يوجد في الكون أمورٌ فاسدة وأمور باطلة وانحرافات وضلالات وأمور خطيرة على حياة الإنسان، فليس كل موجود معناه: أنه حق وأنه طيب وأنه خير. فالسم موجود، فهل يحتسيه الإنسان؟ وأنواع الحيوانات المفترسة موجودة، فهل يعرض الإنسان نفسه لها؟ هذه في الأمور الطبيعية. وفي الأمور الشرعية الكفر موجود فهل هذا كله حق؟ وهذه الأمور المتناقضة: من يعبد الشيطان ومن يعبد الأصنام ومن يلحد وينكر وجود الله ، ومن يتدين بدين خرافي لا أصل له، هل كل هؤلاء على حق لأنها موجودة؟ إذاً: ليس معيار الصواب والخطأ: الوجود في حد ذاته، لكن هؤلاء جعلوا الوجود معيار الصواب والخطأ، فقالوا: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف:٢٠]. إذاً: معنى كلامهم أنه لما عبدناهم دَلَّ على أن الله يحب هذا، وهذا لا شك أنه باطل، فإن الله خلق أموراً كثيرة، هي من الأمور السيئة، سواءً في الأمور الطبيعية مثل الأمور الضارة بالنسبة للإنسان، وأيضاً في الأمور الشرعية، مثل الكفر والذنوب والمعاصي، وإنما خلقها للابتلاء، ولهذا أنزل الكتب وأرسل الرسل. ولو كان الوجود هو معيار الصواب والخطأ فما هي الحكمة إذاً من إرسال الرسل؟ يتدين الإنسان بأي دين ويعتنق أي مذهب، فإذا وجد فهذا يدل على أنه صواب، هذا مقتضى قوله. ولا شك أن هؤلاء عند التحقيق لا يثبتون على هذا القول، يعني: عند التحقيق والتمحيص لا يثبتون عليه؛ لأنك تجد الطوائف مختلفة، فكل طائفة تتهم الطائفة الأخرى بأن عقيدتها باطلة، وأن مذهبها باطل. لماذا أنتم تعتقدون أن عقيدة هؤلاء باطلة مع أنها موجودة؟ لو شاء الله ما فعلوها. إذاً: الفكرة نفسها هي عبارة عن هروب في المناظرة، عندما يكون الحق قد حصر الباطل، ولم يستطع الباطل الفرار، وكان الواجب أن يعرف أنه باطل، فيخرج من مثل هذه المخارج الضيقة الباطلة التي يعرف الإنسان بمجرد التفكير فيها أنها باطلة. وابن تيمية ﵀ في الرسالة التدمرية قسمها على قسمين: قسم تحدث فيه عن الصفات. وقسم تحدث فيه عن القدر. فعندما تحدث عن القدر قسم أهل الانحراف في القدر إلى ثلاثة أقسام: المجوسية، والإبليسية، والمشركية. فهؤلاء الذين يحتجون بالقدر على أفعالهم وتصويب أعمالهم بأنها موجودة، هؤلاء هم الذين شابهوا المشركين في قولهم.

стр. 35

تناقض غلاة الصوفية الذين يحتجون بالقدر على فعل المعاصي قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فهؤلاء من أعظم أهل الأرض تناقضاً، بل كل من احتج بالقدر فإنه متناقض، فإنه لا يمكن أن يُقَرَّ كل آدمي على ما يفعل، فلا بد إذا ظلمه ظالم، أو ظلم الناس ظالم وسعى في الأرض بالفساد، وأخذ يسفك دماء الناس، ويستحل الفروج، ويهلك الحرث والنسل، ونحو ذلك من أنواع الضرر التي لا قِوام للناس بها، أن يدفع هذا القدر، وأن يعاقب الظالم بما يكف عدوانه وعدوان أمثاله. ويقال له: إن كان القدر حجة فدع كل أحد يفعل ما يشاء بك وبغيرك، وإن لم يكن حجة بطل أصل قولك: إن القدر حجة]. وهذا واضح في غاية الوضوح، ولهذا فإن الحقيقة أن مسألة الاحتجاج المطلق بالقدر لا يقف على قاعدة علمية دقيقة يمكن أن يناظر ويناقش فيها، وإنما هي عبارة عن مخارج يهرب منها بعض الناس إذا ضُيِّقَ عليه وبُيِّنَ له الحق. قال: [وأصحاب هذا القول -الذين يحتجون بالحقيقة الكونية- لا يُطَرِّدون هذا القول ولا يلتزمونه]. يعني: لا يلتزمون به بشكل دائم، وإنما يحتجون فقط، فإذا ذكرت لهم نماذج أخرى أو أموراً أخرى تورطوا، ولهذا يقولون بقول يخالف الأصل الذي بنوا عليه مذهبهم. قال: [وإنما هم يتبعون آراءهم وأهواءهم، كما قال فيهم بعض العلماء: أنت عند الطاعة قدري، وعند المعصية جبري، أي مذهب وافق هواك تمذهبت به]. يعني: إذا قلنا له: يجب عليك أن تطيع الله ، قال: أنا حر، وإرادتي حرة أفعل ما أشاء وأترك ما أشاء، فلا يفعل الطاعة. وإذا فعل المعصية قلنا: لماذا تفعل المعصية؟ قال: لو شاء الله ما فعلتها، يعني: عند فعل الطاعة تصير قدرياً وحراً، وعند المعصية تصبح جبرياً وتؤمن بإرادة الله المطلقة؟ لا شك أن هذا تناقض.

стр. 36

تقسيم غلاة الصوفية للناس في باب الأمر والنهي إلى عامة وخاصة قال المؤلف ﵀: [ومنهم صنف يدعون التحقيق والمعرفة فيزعمون أن الأمر والنهي لازم لمن شهد لنفسه فعلاً، وأثبت له صنعاً، أما من شهد أن أفعاله مخلوقة، أو أنه مجبور على ذلك، وأن الله هو المتصرف فيه كما يحرك سائر المتحركات، فإنه يرتفع عنه الأمر والنهي والوعد والوعيد. وقد يقولون: من شهد الإرادة سقط عنه التكليف، ويزعمُ أحدهم أن الخضر سقط عنه التكليف لشهوده الإرادة، فهؤلاء يفرقون بين العامة والخاصة الذين شهدوا الحقيقة الكونية، فشهدوا أن الله خالق أفعال العباد، وأنه مريد ومدبر لجميع الكائنات]. خلاصة قول هؤلاء أنهم يفرقون بين الناس، ويرون أن الناس على قسمين: قسم يسمونهم العامة، وقسم يسمونهم الخاصة. ويرون أن العامة هم الذين لم يشهدوا الحقيقة الكونية شهوداً كافياً، وأن الخاصة هم الذين شهدوا الحقيقة الكونية شهوداً كافياً. ويزعمون أن العامة هم الذين لاحظوا أن الأمر والنهي لازم لأفعالهم، يعني: لم تتمكن منهم شهود الحقيقة الكونية إلى درجة أنهم تسقط عنهم التكاليف الشرعية، وإنما العامة قوم يعرفون الحقيقة الكونية، لم يشهدوها إلى درجة اليقين، فيعرفون الحقيقة الكونية معرفة عامة، ويلاحظون أن الأمر والنهي متعلق بأفعالهم، وأنهم ملزمون بالأمر والنهي، وأن لهم صفات، وأن لهم أفعال يفعلونها بإرادتهم وقدرتهم واختيارهم قالوا: هؤلاء العامة. وهذا الوصف الذي يصفون به هؤلاء الناس -يعني: العامة- وصف انتقاص؛ فإن هؤلاء لم يصلوا إلى مرحلة من التعبد والشهود لهذه الحقيقة الكونية إلى درجة أنه يشعر بأنه لا صفات له ولا أفعال له، وإنما الفاعل هو الله، وأنه عبارة عن محل لفعل الله، وليس هو فاعلاً في الحقيقة، وإنما هو محل لفعل الله، مثل الإناء عندما يكون محل للماء. ومثل أي شيء يحرك كما يقولون في العصر الحاضر بالريمونت، يعني: ليس فاعلاً فعلاً اختيارياً، وإنما الله هو الذي يحركه، وأن الإنسان لا إرادة له، وهو مسلوب الإرادة، يقولون: نحن توصلنا إلى هذه النتيجة من خلال شهود الحقيقة الكونية. ويترتب على هذا القول أن الفعل الذي يقوم به الإنسان ليس فعله، هو فعل الله، وأن العمل الذي يقوم به ليس عمله، هو عمل الله. ويترتب على هذا أيضاً: أنه بسبب شهوده لهذه الحقيقة تسقط عنه التكاليف لأنه لا فعل له، فالتكليف يكون عندما يكون للإنسان فعل، ويحاسب على هذا الفعل، لكن إذا كان ليس له فعل فكيف يحاسب؟ وكيف يكون الإنسان يجازى على عمله؟ هذا لا فعل له، وإنما الفعل الذي فيه هو فعل الله، وحينئذٍ تسقط عنه التكاليف، فلا يكون مطالباً بالأوامر والنواهي، ولا يطالب بالصلاة ولا بالصيام ولا بالحج ولا بالزكاة، ولا يطالب بترك الزنا، ولا يطالب بترك الشرك، ولا يطالب بترك الخمر، ولا يطالب بترك أي عمل من هذه الأعمال، فهو يعمل ما يشاء، لكن هذه ليست إرادته هي إرادة الله، وليس فعله هو فعل الله، فهو محل لإرادة الله ولفعله كما زعموا. وهذا لا شك أنه قول في غاية الكفر، والسبب هو: أنهم جعلوا هذه الأفعال القبيحة التي يفعلونها، هي فعل الله، فإذا كفر نسبوه إلى الله، وإذا زنى نسبوه إلى الله، وإذا شرب الخمر نسبوه إلى الله، وجردوا الإنسان من إرادته، مع أن هذا مخالف لحقيقة الإنسان في الدنيا الآن، ومخالف لشعوره، ومخالف للواقع الذي يعايشه، وهو أن له إرادة وله عمل وهو محاسب على إرادته وعمله. ولهذا تلاحظون أن الصوفية من الجبرية، إذا سئلت: من الجبرية؟ يعني: الذين يرون أن العباد والناس مجبورون على أفعالهم؟ فالصوفية تعتبر من أكبر طوائف الجبرية، فالجبرية طوائف منهم الصوفية ومنهم الأشعرية، ولهذا عامة صوفية الأشعرية يتفقون علماً وعملاً، فالجانب العلمي يغطيه المذهب الكلامي الذي يتبناه الأشاعرة. والمذهب العملي يغطيه الجانب الصوفي الذي يركز على الجانب العملي، مع أنه في الحقيقة قد جرد الإنسان عن العمل. إذاً: الخاصة هؤلاء لا يرون أن الناس كلهم يسقط عنهم التكليف، وإنما يرون الخاصة هم الذين يسقط عنهم التكليف. وأما العامة يلزمون بالأمر والنهي حتى يشاهدوا الحقيقة الكونية. والفرق بين الطائفة الأولى والثانية: أن الطائفة الأولى ترى أن الكل يسقط عنهم التكليف؛ لأنهم مجبورون على أفعالهم، وأنه لا أفعال حقيقة لهم. والطائفة الثانية يجعلون الناس قسمين: قسم عامة وهم الغالب، هؤلاء لم يشهدوا الحقيقة الكونية، ويرون أنهم ملزمون بالأمر والنهي ويرون أن لهم صفات وأن لهم أفعالاً، والسبب الذي أوصلهم إلى هذه النتائج الباطلة حسب زعمهم هي أنهم لم يشهدوا الحقيقة الكونية شهوداً تاماً. والقسم الثاني: الخاصة، وهم الذين شهدوا الحقيقة الكونية شهوداً تاماً، وهؤلاء لا صفات لهم ولا أفعال لهم ولا إرادة لهم، وإنما هي أفعال الله وصفات الله وإرادة الله، وأن هذه الأعمال التي يقومون بها ليس لهم أي شيء، فيها سواءً الخير أو الشر، وأنه يسقط عنهم التكاليف؛ لأن التكليف يكون لمن له إرادة، ولهذا شبَّة هؤلاء الإنسان الذي شهد الحقيقة الكونية حسب زعمهم بأنه خالٍ من

стр. 37

سبب ضلال غلاة الصوفية في باب الاحتجاج بالقدر على المعاصي قال: [وسبب ذلك: أنه ضاق نطاقهم عن كون العبد يؤمر بما يقدر عليه خلافه]. يقول: كيف العبد يؤمر بشيء يقدر عليه خلافه؟ يعني: الأوامر الشرعية عامة لكل البشر، والنواهي عامة أيضاً لكل البشر، وكل البشر مطالبون بالأوامر الشرعية ومطالبون بترك النواهي التي نهى عنها الله . وأيضاً: الله قدر لكل إنسان أجله ورزقه وشقي أو سعيد، وهذا من الغيب الذي لا يعلمه الإنسان، فالإنسان ليس مطالباً بكشف قدره، فهذا غيب لا يعرفه. فالشيء المطالب به الإنسان هو العمل، ولهذا جاء الأمر والنهي عاماً لكل البشر. والمشكلة التي وقع فيها هؤلاء هي أنهم لم يستطيعوا فهم كيف أن الله يأمر البشر جميعاً بأوامر، مع أنَّ كثيراً منهم قد كتب عليهم الشقاء، فيقولون: كيف يأمر هؤلاء بأوامر، مع أنه كتب عليهم الشقاء؟ نقول: بالنسبة للعبد ليس مطالباً أن يكشف القدر؛ لأنه غيب، ولو أراد أن يكشف القدر فلن يستطيع. وكونه يعمل المعاصي ويحتج لهذه المعاصي على أن قدره أنه شقي هذا احتجاج فاسد؛ لأنه ادعاء ومحاولة لكشف علم الغيب بطريقة غير صحيحة؛ ولأنه بإمكانه أن يترك هذه الذنوب وأن ينقلب ويصبح من الصالحين. ونحن نعرف أعداداً كبيرة جداً من الناس كانوا كفاراً فأسلموا، أو كانوا عصاةً فتابوا، فهؤلاء لو احتجوا وبقوا على كفرهم وقالوا: نحن كفار هل يمكن أن يتحولوا؟ لا يمكن أن يتحولوا، سيبقى على كفره ويحتج بكفره، لكن تحوله هذا يدل على أن هناك إرادة حقيقية عند الإنسان في التحول. فأنت بإمكانك أن تقوم وتصلي لله ، وتبكي من خشية الله وتقرأ القرآن وتكثر وتصوم، وبإمكانك أن تذهب وتزني وتفعل الفواحش وتشرب الخمر، وكل هذا متعلق بإرادتك. وعملك في حد ذاته ليس كشفاً للقدر، فالقدر غيب، فبالنسبة للعبد هو مطالب بالعمل؛ لأن القدر بالنسبة له غيب لا يمكن اكتشافه، فلهذا قال النبي ﷺ عندما ذكر القدر للصحابة رضوان الله عليهم: (إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، قالوا: يا رسول الله! ففيم العمل؟) يعني: إذا كانت أقدارنا مكتوبة سابقاً فلماذا نعمل؟ (قالوا: ففيم العمل؟ قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له) لأنك لا تدري ما هو المكتوب لك، فيجب عليك أن تحسن الظن، وأن تشعر أن بإرادتك فعل الطاعة وحينئذٍ ستفعلها، فالمكتوب عليك سابقاً لا ينبغي أن تحدده بأنه مثلاً الشقاء وتعمل له، هذا خطأٌ كبير. فأنت يجب عليك أن تعتقد أن هذا سر الله لا يعلمه إلا هو، وبالنسبة لك أنت ملزم بالعمل.

стр. 38

تقدير الله لمقادير العباد علم الله بأفعال العباد علم شامل، فالعباد مخلوقات لله، ونحن مخلوقات لله ، وقبل أن يخلقنا هو يعلم تفاصيل خلقنا، وهو يعلم أعمالنا قبل أن نوجد، وهو يعلم كذلك ما سنموت عليه من العمل، وهو يعلم أيضاً المنقلب الذي يصير إليه الإنسان، إما إلى الجنة وإما إلى النار، هذا العلم الذي يعلمه هو لشمول علمه بكل شيء. وعندما خلق الخلق لم يظلم أحداً، فالله غير ظلام للعبيد، خلق فيهم إرادات وخلق عندهم قدرات، وخلقهم في وضع وفي حال يمكن له أن يطيع، ويمكن له أن يعصي، كما قال الله : ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:١٠] قال المفسرون: طريق الخير وطريق الشر. وجعل هناك أموراً تهديه للخير، وجعل هناك أموراً يمكن أن تدله على الباطل، لكن الأمور التي تهديه للخير أكثر، فجعل عنده الفطرة التي تجعله يشتاق إلى الخير ويحبه ويطمئن له، وجعل هناك ملكاً من الملائكة يدعوه إلى الخير، كما قال النبي ﷺ في الحديث: (إن للشيطان لمة وللملك لمة، فلمة الشيطان إيعاد بالشر وتكذيب بالحق، ولمة الملك إيعاد بالخير وتصديق بالحق). وأنزل كتباً تشرح للناس الحقيقة الشرعية التي يجب عليهم أن يستمروا عليها، وجعل لهم عقولاً يستطيعون أن يميزوا بها بين الصواب والخطأ والحق والباطل. وأرسل إليهم رسلاً يهدونهم ويعلمونهم ويشرحون لهم هذه الحقائق الشرعية، وجعل لهؤلاء الرسل علامات تدل على نبوتهم، ففرق بينهم وبين الداعية الكاذب، وجعل لهم المعجزات، هذه عصا موسى تنقلب إلى حية، وهناك فرق كبير بين عصا موسى التي انقلبت إلى الحية وبين عصي السحرة، ولهذا عرف السحرة أن عمله ليس كعملهم، لا لأن العصيَّ مثل الحية التي انقلبت بالنسبة لعصا موسى، يعني: حية كبيرة جداً، لكنها حية حقيقية تغيرت العصا من عصا طبيعية إلى حية حقيقية، بينما عصيهم هم إنما خدعوا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم، وهم يرونها عصاً والناس يرونها حيات، وهذا هو الخداع الذي يقوم به السحرة. فالسحر لا يغير حقائق الأشياء، يعني: عندما يأتي إنسان ويضع شيئاً ويرفع المنديل عنه وتكون حمامة لا يعني: أن هذا الشيء حقيقة، مثلاً إبريق، هذا الإبريق تغير تماماً، فتغيرت مكونات الإبريق وصارت مكونات حمامة وطار لا، وإنما هو خداع لأعين الناس، وهذا هو فن السحر. لكن الشاهد هو أن هذا -يعني: السحر- لا يغير حقائق الأشياء، وهذا هو الذي دفع السحرة أن يؤمنوا مباشرة، فقد كانت مملكة فرعون من أعظم الممالك المتخصصة في السحر، وقد انتقى أجود السحرة وأحسنهم، وعندما رأوا المعجزة التي جاء بها موسى مباشرة: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف:١٢١ - ١٢٢] بل إنه هددهم بالقتل فأصروا على العمل الذي آمنوا به. وهكذا في محمد ﷺ عندما انشق القمر نصفين، وعندما خرج الماء من بين أصابعه ﵊. وهكذا عندما يكلمه الشجر والحجر، وأنواع متعددة في معجزات النبي ﷺ ، منها: معجزات تتعلق بالأمور الحسية. ومنها: معجزات تتعلق بالأمور العلمية. ومنها: دلائل للنبوة على صدقه، وأنه لا يمكن أن يكذب. الشاهد: أن هذه الأمور كلها أسباب تدعوه إلى الخير، كما أن هناك أسباب تدعوه إلى الشر مثل: وجود الشيطان، والنفس الأمارة بالسوء، والشهوات المرغبة في الحرام والتي تزين الحرام، قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ﴾ [آل عمران:١٤] إلى آخر الآية. ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ : (أن الله خلق النار فأمر جبريل أن ينظر إليها، فقال: إنه لا يراها أحد من عبادك ويدخلها) فحفها بالشهوات، وحف الجنة بالمكاره. والشاهد من هذا الكلام كله هو: أن العبد مطالب بالعمل، وهناك إرادة حقيقية عند العبد يشعر بها، ولهذا لا يمكن للإنسان أن يكتشف القدر إلا بعد حصول العمل، يعني: الآن هذا كتاب بين أيديكم، أنا بإمكاني أن أقوم وأمزق الكتاب كله وأرميه، هل هذا صعب من ناحية إرادية أو من ناحية عملية؟ فأخذ الكتاب باليد وتمزيق الكتاب ورميه هنا والتحرك بالرجلين ليس أمراً صعباً من الناحية العملية. وممكن أن آخذ هذا الكتاب وأن أكمل هذا الدرس وأن أخرج والكتاب معي، كلها ممكنة وقبل أن أعمل أنا مختار اختياراً تاماً، ولو انتهيت من العمل سواءً أنهيت الدرس أو مزقت الكتاب وخرجت، بعدما أنتهي من العمل أعلم أن الله كتب هذا أو هذا، لكن قبل العمل لا يمكن أن تقول: إن الله كتب عليك أن تمزق الكتاب وتخرج، يعني: كأنه جبرك، يعني: كأن هناك أحد يرفع يدك بدون إرادة منك أنت، ويأخذ الكتاب وأنت غير راغب، وهذه يدك تتحرك بدون إرادة منك وترمي الكتاب وتخرج، بل هذا أمر يشعر به الإنسان، وهو أمر فطري فيه،

стр. 39

القدر قد يكون سبباً في هداية الإنسان وقد يكون سبباً في غوايته وبعض الناس يفكر ويقول: لماذا الله ما هداني إلى الخير؟ نقول: الهداية مرتبطة بالعمل والغواية مرتبطة بالعمل، يعني: الذي يقوم بعمل صالح يسر الله له الهداية، والذي يقوم بأعمال سيئة يكون سبباً في الغواية. والناس في هذه الدنيا في دار ابتلاء وفي دار امتحان، ولهذا ينبغي للإنسان أن يحرص على نفسه، ولهذا يتكلم الوعاظ كثيراً والصالحون عن هذه القضية، ولهذا قضية مثل قضية القدر يمكن أن تكون سبباً في هداية الإنسان، ويمكن أن تكون سبباً في ضلال الإنسان. يمكن أن يهتدي إنسان بسببها؛ لأنه يشعر بقيمة الإرادة التي أعطاه الله إياها، مع إيمانه اليقيني بأن الله كتب الأشياء السابقة، لكن هو لا يستكشف الغيب لأنه لم يصل إليه، ولا يستكشف الغيب لأنه قطعاً لن يصل إليه، وحينئذٍ يدفعه هذا إلى العمل، ولهذا أهل السنة وسط في باب القدر بين الجبرية الذين يكذبون على أنفسهم، فالواقع أنك لست مجبوراً، فهم يقولون: إن الإنسان مثل الريشة في مهب الريح. وبين المعتزلة الذين يقولون: نحن دعاة حرية الإرادة، والإنسان مختار اختياراً مطلقاً، وأن الله لم يكتب شيئاً سابقاً. وهذا تكذيب للنصوص الشرعية الواردة في الشرع والأخبار القطعية الواردة والمتواترة من حيث النقل ومن حيث المفهوم، فهل تكذب هذا كله من أجل أنك لم تستطع أن تفهم كيف أن لك إرادة، وأن الله كتب عليك سابقاً أموراً تتعلق بشقائك أو سعادتك؟ هذا فهم فاسد. ولهذا نحن أهل السنة نؤمن بإرادة الإنسان الحرة واختياره، وإمكانية اختياره مع كتابة الله له، وأن هذه الإرادة من خلق الله، وهذا الفعل الذي ينتج عن الإرادة من خلق الله ، وأن أفعال العبد مخلوقة لله ؛ لأنه لا يمكن أن يكون في كون الله أمر غير مخلوق. وأحياناً قد يكون الإيمان بالقدر بالمفهوم الصحيح سبباً في اندفاع الإنسان للعمل، وبناءِ النفس وبناءِ الأمة وبناءِ الحضارة بأكملها. وأحياناً يكون الفهم الفاسد في القدر سبباً في الخنوع والضعف والاستسلام المطلق، ولهذا من أعظم أسباب هزيمة الأمة في العصر الحاضر هو الفهم الفاسد للقدر، وهو الذي جعلها مستسلمة. قديماً كان الصحابة يقاتلون في المعارك دون خوف؛ لأنهم يعرفون أن أرواحهم بيد الله ليست بيد البشر، وأنك إن لم تمت في المعركة مت على فراشك كما قال خالد بن الوليد: مثل موتة البعير. فالموت سيأتيك سيأتيك، ولا محاولة للتأخير أو التقديم ﴿لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤]. فأنت لو اندفعت في صفوف الأعداء وقاتلت قد تجرح، وقد تتأذى، لكن إذا لم يقدر الله لك أن تموت فلن تموت، وإذا هربت وجلست في بيتك خوفاً من الموت وقدر الله لك أن تموت ستموت ولو في منامك، ولهذا كم من رجلٍ يأخذ الكأس ولا يستطيع أن يكمل شربها؛ لأن حياته انتهت، كما أن الذي يقاتل في المعركة ويضرب برصاصة في صدره ويموت انتهت حياته، والكل انتهت حياته. جعله يبني نفسه، ويبني أمته، ويحقق المقصد الشرعي في العلم والعمل، والمقصد الشرعي في العلم هو معرفته بإرادة الله المطلقة، وأن الله كتب هذه الأمور سابقاً، وأنه عالم بشئون العباد جميعاً، والعمل بالقيام بما أمر الله به في حياة الإنسان. وأحياناً يكون القدر إذا فهمه الإنسان فهماً باطلاً سبباً في الخنوع والذلة، ولهذا لما انتشر هذا المذهب الرديء مذهب الجبرية -مذهب الصوفية- لما انتشر في الأمة وأصبحت تمارسه ممارسةً بشكل تشعر به أو لا تشعر به كان سبباً في استذلال العدو لهم، فلما دخل الاستعمار في القرن الماضي كانت بلاد المسلمين محتلة جميعاً مثل العراق الآن، نسأل الله أن يخرج هؤلاء الكفار من العراق ومن فلسطين ومن أفغانستان ومن كل بلاد المسلمين. هؤلاء كانوا يحتلون كل بلاد المسلمين، فكانت مصر محتلةً وليبيا محتلةً والجزائر محتلةً والمغرب الأقصى بما فيه تونس محتلة، وكانت العراق محتلة أيضاً، وسوريا محتلة، وفلسطين كلها محتلة، كان الاحتلال الفرنسي والبريطاني والإيطالي أحياناً يسيطر على هذه البلاد الإسلامية وكانوا تحت الاستعمار، ومع هذا لم تتكون فرق جهادية لمقاومة مثل هؤلاء. وكان من أعظم الأسباب الذي جعل هؤلاء في حالة خنوع مع الضعف المادي الذي كان موجوداً، هو الجبرية، وهذا المذهب الرديء يشعرك أن هذا الأمر بقضاء الله وقدره، وأن سيطرة هؤلاء الكفار مكتوبة علينا، وأنه يجب عليك أن تلتزم بما هو مكتوب عليك، وأن تخنع وأن تضعف وأن تركن، بينما الواجب هو أن يركز الإنسان على العمل مع إيمانه بما هو مكتوب عليه. نعم دخل الأعداء بلادنا، هذا قدر مكتوب علينا، لكن نحن نقاوم القدر بالقدر، أيضاً قدر الله وأمرنا أن نقاوم العدو وأن نقاتلهم، وأن نجتهد في إخراجه من بلادنا، وأن نعتبر أن هذا من فروض الأعيان علينا. وهكذا الحال في باب المنكرات مثلاً، أحياناً ينتشر المنكر قليلاً قليلاً في منطقة من المناطق، وهذه مشكلة تنتشر بيننا نحن، ونحن من

стр. 40

بيان حكم غلاة الصوفية القائلين بسقوط التكاليف عنهم بحجة القدر وغيره قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولهذا يجعلون من وصل إلى شهود هذه الحقيقة يسقط عنه الأمر والنهي، ويقولون: إنه صار من الخاصة، وربما تأولوا على ذلك قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩]. فاليقين عندهم هو معرفة هذه الحقيقة!]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقول هؤلاء كفر صريح، وإن وقع فيه طوائف لم يعلموا أنه كفر؛ فإنه قد علم بالاضطرار من دين الإسلام أن الأمر والنهي لازمان لكل عبد ما دام عقله]. يعني: من الملازمة، يعني: أن الأمر والنهي ملازمان للإنسان، ما دام أن له عقلاً وأنه بالغ؛ لأن هذا هو مناط التكليف. قال: [ما دام عقله حاضراً إلى أن يموت، لا يسقطان عنه لا بشهوده القدر ولا بغير ذلك، فمن لم يعرف ذلك عُرِّفَهُ وبُيِّنَ له، فإن أصر على اعتقاد سقوط الأمر والنهي فإنه يقتل، وقد كثرت مثل هذه المقالات في المستأخرين، وأما المتقدمون من هذه الأمة فلم تكن هذه المقالات معروفة فيهم]. يعني: الزهاد المتقدمون، حتى من كان فيه بدع من أهل التصوف لم تكن عندهم مثل هذه المقالات، هذه مقالات شنيعة جداً وهي مقالات كما قال عنها ابن الجوزي في (تلبيس إبليس) قال: مثل هذا طي لبساط الشريعة. يعني: كأن واحداً يطوي الشريعة ويجعلها بجانبه، وأما هو فيشتغل كما يشاء، ولهذا تتفق كثير من الأفكار حتى مع اختلاف توجهات أصحابها. ألا تلاحظون هذه الفكرة تتفق مع العلمانية؟ العلمانيون يقولون: الأمر والنهي المتعلق بالسياسة والاقتصاد هذا لا نعمل به، وإنما يكون العمل في خاصة النفس، وهؤلاء يقولون: الإسلام الأمر والنهي، طبعاً هؤلاء أشد، ومقالتهم أعنف في رد الإسلام. قال: [وأما المتقدمون من هذه الأمة فلم تكن هذه المقالات معروفة فيهم، وهذه المقالات هي محادة لله ورسوله ومعاداة له وصد عن سبيله، ومشاقة له، وتكذيب لرسله، ومضادة له في حكمه، وإن كان من يقول هذه المقالات قد يجهل ذلك، ويعتقد أن هذا الذي هو عليه هو طريق الرسول وطريق أولياء الله المحققين، فهو في ذلك بمنزلة من يعتقد أن الصلاة لا تجب عليه لاستغنائه عنها بما حصل له من الأحوال القلبية، أو أن الخمر حلال له لكونه من الخواص الذين لا يضرهم شرب الخمر، أو أن الفاحشة حلال له؛ لأنه صار كالبحر لا تكدره الذنوب ونحو ذلك. ولا ريب أن المشركين الذين كذبوا الرسول يترددون بين البدعة المخالفة لشرع الله وبين الاحتجاج بالقدر على مخالفة أمر الله، فهؤلاء الأصناف فيهم شبه من المشركين؛ لأنهم إما أن يبتدعوا، وإما أن يحتجوا بالقدر، وإما أن يجمعوا بين الأمرين، كما قال تعالى عن المشركين: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٢٨]. وكما قال تعالى عنهم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [النحل:٣٥]. وقد ذُكِرَ عن المشركين ما ابتدعوه من الدين الذي فيه تحليل الحرام، والعبادة التي لم يشرعها الله في مثل قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ﴾ [الأنعام:١٣٨] إلى آخر السورة]. هذا فيما يتعلق بتحليل الحرام، يعني: أن شرك المشركين ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: عبادة غير الله. والقسم الثاني: تحليل الحرام وتحريم الحلال. طبعاً كلا هذين القسمين يتعلق بعضهما بالآخر، لكن هذا تقسيم للأعمال التي يقومون بها. ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ﴾ [الأنعام:١٣٨] يعني: يحجرون على بعض الأنعام ويحرمون بعض الأنعام دون أي دليل شرعي من الله في تحريم مثل هذه المباحات. قال: [وكذلك في سورة الأعراف في قوله: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ * قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُ
следующие страницы →