Полный текст (446 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
تقسيم غلاة الصوفية للناس في باب الأمر والنهي إلى عامة وخاصة
قال المؤلف ﵀: [ومنهم صنف يدعون التحقيق والمعرفة فيزعمون أن الأمر والنهي لازم لمن شهد لنفسه فعلاً، وأثبت له صنعاً، أما من شهد أن أفعاله مخلوقة، أو أنه مجبور على ذلك، وأن الله هو المتصرف فيه كما يحرك سائر المتحركات، فإنه يرتفع عنه الأمر والنهي والوعد والوعيد.
وقد يقولون: من شهد الإرادة سقط عنه التكليف، ويزعمُ أحدهم أن الخضر سقط عنه التكليف لشهوده الإرادة، فهؤلاء يفرقون بين العامة والخاصة الذين شهدوا الحقيقة الكونية، فشهدوا أن الله خالق أفعال العباد، وأنه مريد ومدبر لجميع الكائنات].
خلاصة قول هؤلاء أنهم يفرقون بين الناس، ويرون أن الناس على قسمين: قسم يسمونهم العامة، وقسم يسمونهم الخاصة.
ويرون أن العامة هم الذين لم يشهدوا الحقيقة الكونية شهوداً كافياً، وأن الخاصة هم الذين شهدوا الحقيقة الكونية شهوداً كافياً.
ويزعمون أن العامة هم الذين لاحظوا أن الأمر والنهي لازم لأفعالهم، يعني: لم تتمكن منهم شهود الحقيقة الكونية إلى درجة أنهم تسقط عنهم التكاليف الشرعية، وإنما العامة قوم يعرفون الحقيقة الكونية، لم يشهدوها إلى درجة اليقين، فيعرفون الحقيقة الكونية معرفة عامة، ويلاحظون أن الأمر والنهي متعلق بأفعالهم، وأنهم ملزمون بالأمر والنهي، وأن لهم صفات، وأن لهم أفعال يفعلونها بإرادتهم وقدرتهم واختيارهم قالوا: هؤلاء العامة.
وهذا الوصف الذي يصفون به هؤلاء الناس -يعني: العامة- وصف انتقاص؛ فإن هؤلاء لم يصلوا إلى مرحلة من التعبد والشهود لهذه الحقيقة الكونية إلى درجة أنه يشعر بأنه لا صفات له ولا أفعال له، وإنما الفاعل هو الله، وأنه عبارة عن محل لفعل الله، وليس هو فاعلاً في الحقيقة، وإنما هو محل لفعل الله، مثل الإناء عندما يكون محل للماء.
ومثل أي شيء يحرك كما يقولون في العصر الحاضر بالريمونت، يعني: ليس فاعلاً فعلاً اختيارياً، وإنما الله هو الذي يحركه، وأن الإنسان لا إرادة له، وهو مسلوب الإرادة، يقولون: نحن توصلنا إلى هذه النتيجة من خلال شهود الحقيقة الكونية.
ويترتب على هذا القول أن الفعل الذي يقوم به الإنسان ليس فعله، هو فعل الله، وأن العمل الذي يقوم به ليس عمله، هو عمل الله.
ويترتب على هذا أيضاً: أنه بسبب شهوده لهذه الحقيقة تسقط عنه التكاليف لأنه لا فعل له، فالتكليف يكون عندما يكون للإنسان فعل، ويحاسب على هذا الفعل، لكن إذا كان ليس له فعل فكيف يحاسب؟ وكيف يكون الإنسان يجازى على عمله؟ هذا لا فعل له، وإنما الفعل الذي فيه هو فعل الله، وحينئذٍ تسقط عنه التكاليف، فلا يكون مطالباً بالأوامر والنواهي، ولا يطالب بالصلاة ولا بالصيام ولا بالحج ولا بالزكاة، ولا يطالب بترك الزنا، ولا يطالب بترك الشرك، ولا يطالب بترك الخمر، ولا يطالب بترك أي عمل من هذه الأعمال، فهو يعمل ما يشاء، لكن هذه ليست إرادته هي إرادة الله، وليس فعله هو فعل الله، فهو محل لإرادة الله ولفعله كما زعموا.
وهذا لا شك أنه قول في غاية الكفر، والسبب هو: أنهم جعلوا هذه الأفعال القبيحة التي يفعلونها، هي فعل الله، فإذا كفر نسبوه إلى الله، وإذا زنى نسبوه إلى الله، وإذا شرب الخمر نسبوه إلى الله، وجردوا الإنسان من إرادته، مع أن هذا مخالف لحقيقة الإنسان في الدنيا الآن، ومخالف لشعوره، ومخالف للواقع الذي يعايشه، وهو أن له إرادة وله عمل وهو محاسب على إرادته وعمله.
ولهذا تلاحظون أن الصوفية من الجبرية، إذا سئلت: من الجبرية؟ يعني: الذين يرون أن العباد والناس مجبورون على أفعالهم؟ فالصوفية تعتبر من أكبر طوائف الجبرية، فالجبرية طوائف منهم الصوفية ومنهم الأشعرية، ولهذا عامة صوفية الأشعرية يتفقون علماً وعملاً، فالجانب العلمي يغطيه المذهب الكلامي الذي يتبناه الأشاعرة.
والمذهب العملي يغطيه الجانب الصوفي الذي يركز على الجانب العملي، مع أنه في الحقيقة قد جرد الإنسان عن العمل.
إذاً: الخاصة هؤلاء لا يرون أن الناس كلهم يسقط عنهم التكليف، وإنما يرون الخاصة هم الذين يسقط عنهم التكليف.
وأما العامة يلزمون بالأمر والنهي حتى يشاهدوا الحقيقة الكونية.
والفرق بين الطائفة الأولى والثانية: أن الطائفة الأولى ترى أن الكل يسقط عنهم التكليف؛ لأنهم مجبورون على أفعالهم، وأنه لا أفعال حقيقة لهم.
والطائفة الثانية يجعلون الناس قسمين: قسم عامة وهم الغالب، هؤلاء لم يشهدوا الحقيقة الكونية، ويرون أنهم ملزمون بالأمر والنهي ويرون أن لهم صفات وأن لهم أفعالاً، والسبب الذي أوصلهم إلى هذه النتائج الباطلة حسب زعمهم هي أنهم لم يشهدوا الحقيقة الكونية شهوداً تاماً.
والقسم الثاني: الخاصة، وهم الذين شهدوا الحقيقة الكونية شهوداً تاماً، وهؤلاء لا صفات لهم ولا أفعال لهم ولا إرادة لهم، وإنما هي أفعال الله وصفات الله وإرادة الله، وأن هذه الأعمال التي يقومون بها ليس لهم أي شيء، فيها سواءً الخير أو الشر، وأنه يسقط عنهم التكاليف؛ لأن التكليف يكون لمن له إرادة، ولهذا شبَّة هؤلاء الإنسان الذي شهد الحقيقة الكونية حسب زعمهم بأنه خالٍ من
стр. 37
سبب ضلال غلاة الصوفية في باب الاحتجاج بالقدر على المعاصي
قال: [وسبب ذلك: أنه ضاق نطاقهم عن كون العبد يؤمر بما يقدر عليه خلافه].
يقول: كيف العبد يؤمر بشيء يقدر عليه خلافه؟ يعني: الأوامر الشرعية عامة لكل البشر، والنواهي عامة أيضاً لكل البشر، وكل البشر مطالبون بالأوامر الشرعية ومطالبون بترك النواهي التي نهى عنها الله .
وأيضاً: الله قدر لكل إنسان أجله ورزقه وشقي أو سعيد، وهذا من الغيب الذي لا يعلمه الإنسان، فالإنسان ليس مطالباً بكشف قدره، فهذا غيب لا يعرفه.
فالشيء المطالب به الإنسان هو العمل، ولهذا جاء الأمر والنهي عاماً لكل البشر.
والمشكلة التي وقع فيها هؤلاء هي أنهم لم يستطيعوا فهم كيف أن الله يأمر البشر جميعاً بأوامر، مع أنَّ كثيراً منهم قد كتب عليهم الشقاء، فيقولون: كيف يأمر هؤلاء بأوامر، مع أنه كتب عليهم الشقاء؟ نقول: بالنسبة للعبد ليس مطالباً أن يكشف القدر؛ لأنه غيب، ولو أراد أن يكشف القدر فلن يستطيع.
وكونه يعمل المعاصي ويحتج لهذه المعاصي على أن قدره أنه شقي هذا احتجاج فاسد؛ لأنه ادعاء ومحاولة لكشف علم الغيب بطريقة غير صحيحة؛ ولأنه بإمكانه أن يترك هذه الذنوب وأن ينقلب ويصبح من الصالحين.
ونحن نعرف أعداداً كبيرة جداً من الناس كانوا كفاراً فأسلموا، أو كانوا عصاةً فتابوا، فهؤلاء لو احتجوا وبقوا على كفرهم وقالوا: نحن كفار هل يمكن أن يتحولوا؟ لا يمكن أن يتحولوا، سيبقى على كفره ويحتج بكفره، لكن تحوله هذا يدل على أن هناك إرادة حقيقية عند الإنسان في التحول.
فأنت بإمكانك أن تقوم وتصلي لله ، وتبكي من خشية الله وتقرأ القرآن وتكثر وتصوم، وبإمكانك أن تذهب وتزني وتفعل الفواحش وتشرب الخمر، وكل هذا متعلق بإرادتك.
وعملك في حد ذاته ليس كشفاً للقدر، فالقدر غيب، فبالنسبة للعبد هو مطالب بالعمل؛ لأن القدر بالنسبة له غيب لا يمكن اكتشافه، فلهذا قال النبي ﷺ عندما ذكر القدر للصحابة رضوان الله عليهم: (إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، قالوا: يا رسول الله! ففيم العمل؟) يعني: إذا كانت أقدارنا مكتوبة سابقاً فلماذا نعمل؟ (قالوا: ففيم العمل؟ قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له) لأنك لا تدري ما هو المكتوب لك، فيجب عليك أن تحسن الظن، وأن تشعر أن بإرادتك فعل الطاعة وحينئذٍ ستفعلها، فالمكتوب عليك سابقاً لا ينبغي أن تحدده بأنه مثلاً الشقاء وتعمل له، هذا خطأٌ كبير.
فأنت يجب عليك أن تعتقد أن هذا سر الله لا يعلمه إلا هو، وبالنسبة لك أنت ملزم بالعمل.
стр. 38
تقدير الله لمقادير العباد
علم الله بأفعال العباد علم شامل، فالعباد مخلوقات لله، ونحن مخلوقات لله ، وقبل أن يخلقنا هو يعلم تفاصيل خلقنا، وهو يعلم أعمالنا قبل أن نوجد، وهو يعلم كذلك ما سنموت عليه من العمل، وهو يعلم أيضاً المنقلب الذي يصير إليه الإنسان، إما إلى الجنة وإما إلى النار، هذا العلم الذي يعلمه هو لشمول علمه بكل شيء.
وعندما خلق الخلق لم يظلم أحداً، فالله غير ظلام للعبيد، خلق فيهم إرادات وخلق عندهم قدرات، وخلقهم في وضع وفي حال يمكن له أن يطيع، ويمكن له أن يعصي، كما قال الله : ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:١٠] قال المفسرون: طريق الخير وطريق الشر.
وجعل هناك أموراً تهديه للخير، وجعل هناك أموراً يمكن أن تدله على الباطل، لكن الأمور التي تهديه للخير أكثر، فجعل عنده الفطرة التي تجعله يشتاق إلى الخير ويحبه ويطمئن له، وجعل هناك ملكاً من الملائكة يدعوه إلى الخير، كما قال النبي ﷺ في الحديث: (إن للشيطان لمة وللملك لمة، فلمة الشيطان إيعاد بالشر وتكذيب بالحق، ولمة الملك إيعاد بالخير وتصديق بالحق).
وأنزل كتباً تشرح للناس الحقيقة الشرعية التي يجب عليهم أن يستمروا عليها، وجعل لهم عقولاً يستطيعون أن يميزوا بها بين الصواب والخطأ والحق والباطل.
وأرسل إليهم رسلاً يهدونهم ويعلمونهم ويشرحون لهم هذه الحقائق الشرعية، وجعل لهؤلاء الرسل علامات تدل على نبوتهم، ففرق بينهم وبين الداعية الكاذب، وجعل لهم المعجزات، هذه عصا موسى تنقلب إلى حية، وهناك فرق كبير بين عصا موسى التي انقلبت إلى الحية وبين عصي السحرة، ولهذا عرف السحرة أن عمله ليس كعملهم، لا لأن العصيَّ مثل الحية التي انقلبت بالنسبة لعصا موسى، يعني: حية كبيرة جداً، لكنها حية حقيقية تغيرت العصا من عصا طبيعية إلى حية حقيقية، بينما عصيهم هم إنما خدعوا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم، وهم يرونها عصاً والناس يرونها حيات، وهذا هو الخداع الذي يقوم به السحرة.
فالسحر لا يغير حقائق الأشياء، يعني: عندما يأتي إنسان ويضع شيئاً ويرفع المنديل عنه وتكون حمامة لا يعني: أن هذا الشيء حقيقة، مثلاً إبريق، هذا الإبريق تغير تماماً، فتغيرت مكونات الإبريق وصارت مكونات حمامة وطار لا، وإنما هو خداع لأعين الناس، وهذا هو فن السحر.
لكن الشاهد هو أن هذا -يعني: السحر- لا يغير حقائق الأشياء، وهذا هو الذي دفع السحرة أن يؤمنوا مباشرة، فقد كانت مملكة فرعون من أعظم الممالك المتخصصة في السحر، وقد انتقى أجود السحرة وأحسنهم، وعندما رأوا المعجزة التي جاء بها موسى مباشرة: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف:١٢١ - ١٢٢] بل إنه هددهم بالقتل فأصروا على العمل الذي آمنوا به.
وهكذا في محمد ﷺ عندما انشق القمر نصفين، وعندما خرج الماء من بين أصابعه ﵊.
وهكذا عندما يكلمه الشجر والحجر، وأنواع متعددة في معجزات النبي ﷺ ، منها: معجزات تتعلق بالأمور الحسية.
ومنها: معجزات تتعلق بالأمور العلمية.
ومنها: دلائل للنبوة على صدقه، وأنه لا يمكن أن يكذب.
الشاهد: أن هذه الأمور كلها أسباب تدعوه إلى الخير، كما أن هناك أسباب تدعوه إلى الشر مثل: وجود الشيطان، والنفس الأمارة بالسوء، والشهوات المرغبة في الحرام والتي تزين الحرام، قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ﴾ [آل عمران:١٤] إلى آخر الآية.
ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ : (أن الله خلق النار فأمر جبريل أن ينظر إليها، فقال: إنه لا يراها أحد من عبادك ويدخلها) فحفها بالشهوات، وحف الجنة بالمكاره.
والشاهد من هذا الكلام كله هو: أن العبد مطالب بالعمل، وهناك إرادة حقيقية عند العبد يشعر بها، ولهذا لا يمكن للإنسان أن يكتشف القدر إلا بعد حصول العمل، يعني: الآن هذا كتاب بين أيديكم، أنا بإمكاني أن أقوم وأمزق الكتاب كله وأرميه، هل هذا صعب من ناحية إرادية أو من ناحية عملية؟ فأخذ الكتاب باليد وتمزيق الكتاب ورميه هنا والتحرك بالرجلين ليس أمراً صعباً من الناحية العملية.
وممكن أن آخذ هذا الكتاب وأن أكمل هذا الدرس وأن أخرج والكتاب معي، كلها ممكنة وقبل أن أعمل أنا مختار اختياراً تاماً، ولو انتهيت من العمل سواءً أنهيت الدرس أو مزقت الكتاب وخرجت، بعدما أنتهي من العمل أعلم أن الله كتب هذا أو هذا، لكن قبل العمل لا يمكن أن تقول: إن الله كتب عليك أن تمزق الكتاب وتخرج، يعني: كأنه جبرك، يعني: كأن هناك أحد يرفع يدك بدون إرادة منك أنت، ويأخذ الكتاب وأنت غير راغب، وهذه يدك تتحرك بدون إرادة منك وترمي الكتاب وتخرج، بل هذا أمر يشعر به الإنسان، وهو أمر فطري فيه،
стр. 39
القدر قد يكون سبباً في هداية الإنسان وقد يكون سبباً في غوايته
وبعض الناس يفكر ويقول: لماذا الله ما هداني إلى الخير؟ نقول: الهداية مرتبطة بالعمل والغواية مرتبطة بالعمل، يعني: الذي يقوم بعمل صالح يسر الله له الهداية، والذي يقوم بأعمال سيئة يكون سبباً في الغواية.
والناس في هذه الدنيا في دار ابتلاء وفي دار امتحان، ولهذا ينبغي للإنسان أن يحرص على نفسه، ولهذا يتكلم الوعاظ كثيراً والصالحون عن هذه القضية، ولهذا قضية مثل قضية القدر يمكن أن تكون سبباً في هداية الإنسان، ويمكن أن تكون سبباً في ضلال الإنسان.
يمكن أن يهتدي إنسان بسببها؛ لأنه يشعر بقيمة الإرادة التي أعطاه الله إياها، مع إيمانه اليقيني بأن الله كتب الأشياء السابقة، لكن هو لا يستكشف الغيب لأنه لم يصل إليه، ولا يستكشف الغيب لأنه قطعاً لن يصل إليه، وحينئذٍ يدفعه هذا إلى العمل، ولهذا أهل السنة وسط في باب القدر بين الجبرية الذين يكذبون على أنفسهم، فالواقع أنك لست مجبوراً، فهم يقولون: إن الإنسان مثل الريشة في مهب الريح.
وبين المعتزلة الذين يقولون: نحن دعاة حرية الإرادة، والإنسان مختار اختياراً مطلقاً، وأن الله لم يكتب شيئاً سابقاً.
وهذا تكذيب للنصوص الشرعية الواردة في الشرع والأخبار القطعية الواردة والمتواترة من حيث النقل ومن حيث المفهوم، فهل تكذب هذا كله من أجل أنك لم تستطع أن تفهم كيف أن لك إرادة، وأن الله كتب عليك سابقاً أموراً تتعلق بشقائك أو سعادتك؟ هذا فهم فاسد.
ولهذا نحن أهل السنة نؤمن بإرادة الإنسان الحرة واختياره، وإمكانية اختياره مع كتابة الله له، وأن هذه الإرادة من خلق الله، وهذا الفعل الذي ينتج عن الإرادة من خلق الله ، وأن أفعال العبد مخلوقة لله ؛ لأنه لا يمكن أن يكون في كون الله أمر غير مخلوق.
وأحياناً قد يكون الإيمان بالقدر بالمفهوم الصحيح سبباً في اندفاع الإنسان للعمل، وبناءِ النفس وبناءِ الأمة وبناءِ الحضارة بأكملها.
وأحياناً يكون الفهم الفاسد في القدر سبباً في الخنوع والضعف والاستسلام المطلق، ولهذا من أعظم أسباب هزيمة الأمة في العصر الحاضر هو الفهم الفاسد للقدر، وهو الذي جعلها مستسلمة.
قديماً كان الصحابة يقاتلون في المعارك دون خوف؛ لأنهم يعرفون أن أرواحهم بيد الله ليست بيد البشر، وأنك إن لم تمت في المعركة مت على فراشك كما قال خالد بن الوليد: مثل موتة البعير.
فالموت سيأتيك سيأتيك، ولا محاولة للتأخير أو التقديم ﴿لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤].
فأنت لو اندفعت في صفوف الأعداء وقاتلت قد تجرح، وقد تتأذى، لكن إذا لم يقدر الله لك أن تموت فلن تموت، وإذا هربت وجلست في بيتك خوفاً من الموت وقدر الله لك أن تموت ستموت ولو في منامك، ولهذا كم من رجلٍ يأخذ الكأس ولا يستطيع أن يكمل شربها؛ لأن حياته انتهت، كما أن الذي يقاتل في المعركة ويضرب برصاصة في صدره ويموت انتهت حياته، والكل انتهت حياته.
جعله يبني نفسه، ويبني أمته، ويحقق المقصد الشرعي في العلم والعمل، والمقصد الشرعي في العلم هو معرفته بإرادة الله المطلقة، وأن الله كتب هذه الأمور سابقاً، وأنه عالم بشئون العباد جميعاً، والعمل بالقيام بما أمر الله به في حياة الإنسان.
وأحياناً يكون القدر إذا فهمه الإنسان فهماً باطلاً سبباً في الخنوع والذلة، ولهذا لما انتشر هذا المذهب الرديء مذهب الجبرية -مذهب الصوفية- لما انتشر في الأمة وأصبحت تمارسه ممارسةً بشكل تشعر به أو لا تشعر به كان سبباً في استذلال العدو لهم، فلما دخل الاستعمار في القرن الماضي كانت بلاد المسلمين محتلة جميعاً مثل العراق الآن، نسأل الله أن يخرج هؤلاء الكفار من العراق ومن فلسطين ومن أفغانستان ومن كل بلاد المسلمين.
هؤلاء كانوا يحتلون كل بلاد المسلمين، فكانت مصر محتلةً وليبيا محتلةً والجزائر محتلةً والمغرب الأقصى بما فيه تونس محتلة، وكانت العراق محتلة أيضاً، وسوريا محتلة، وفلسطين كلها محتلة، كان الاحتلال الفرنسي والبريطاني والإيطالي أحياناً يسيطر على هذه البلاد الإسلامية وكانوا تحت الاستعمار، ومع هذا لم تتكون فرق جهادية لمقاومة مثل هؤلاء.
وكان من أعظم الأسباب الذي جعل هؤلاء في حالة خنوع مع الضعف المادي الذي كان موجوداً، هو الجبرية، وهذا المذهب الرديء يشعرك أن هذا الأمر بقضاء الله وقدره، وأن سيطرة هؤلاء الكفار مكتوبة علينا، وأنه يجب عليك أن تلتزم بما هو مكتوب عليك، وأن تخنع وأن تضعف وأن تركن، بينما الواجب هو أن يركز الإنسان على العمل مع إيمانه بما هو مكتوب عليه.
نعم دخل الأعداء بلادنا، هذا قدر مكتوب علينا، لكن نحن نقاوم القدر بالقدر، أيضاً قدر الله وأمرنا أن نقاوم العدو وأن نقاتلهم، وأن نجتهد في إخراجه من بلادنا، وأن نعتبر أن هذا من فروض الأعيان علينا.
وهكذا الحال في باب المنكرات مثلاً، أحياناً ينتشر المنكر قليلاً قليلاً في منطقة من المناطق، وهذه مشكلة تنتشر بيننا نحن، ونحن من
стр. 40
بيان حكم غلاة الصوفية القائلين بسقوط التكاليف عنهم بحجة القدر وغيره
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولهذا يجعلون من وصل إلى شهود هذه الحقيقة يسقط عنه الأمر والنهي، ويقولون: إنه صار من الخاصة، وربما تأولوا على ذلك قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩].
فاليقين عندهم هو معرفة هذه الحقيقة!].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقول هؤلاء كفر صريح، وإن وقع فيه طوائف لم يعلموا أنه كفر؛ فإنه قد علم بالاضطرار من دين الإسلام أن الأمر والنهي لازمان لكل عبد ما دام عقله].
يعني: من الملازمة، يعني: أن الأمر والنهي ملازمان للإنسان، ما دام أن له عقلاً وأنه بالغ؛ لأن هذا هو مناط التكليف.
قال: [ما دام عقله حاضراً إلى أن يموت، لا يسقطان عنه لا بشهوده القدر ولا بغير ذلك، فمن لم يعرف ذلك عُرِّفَهُ وبُيِّنَ له، فإن أصر على اعتقاد سقوط الأمر والنهي فإنه يقتل، وقد كثرت مثل هذه المقالات في المستأخرين، وأما المتقدمون من هذه الأمة فلم تكن هذه المقالات معروفة فيهم].
يعني: الزهاد المتقدمون، حتى من كان فيه بدع من أهل التصوف لم تكن عندهم مثل هذه المقالات، هذه مقالات شنيعة جداً وهي مقالات كما قال عنها ابن الجوزي في (تلبيس إبليس) قال: مثل هذا طي لبساط الشريعة.
يعني: كأن واحداً يطوي الشريعة ويجعلها بجانبه، وأما هو فيشتغل كما يشاء، ولهذا تتفق كثير من الأفكار حتى مع اختلاف توجهات أصحابها.
ألا تلاحظون هذه الفكرة تتفق مع العلمانية؟ العلمانيون يقولون: الأمر والنهي المتعلق بالسياسة والاقتصاد هذا لا نعمل به، وإنما يكون العمل في خاصة النفس، وهؤلاء يقولون: الإسلام الأمر والنهي، طبعاً هؤلاء أشد، ومقالتهم أعنف في رد الإسلام.
قال: [وأما المتقدمون من هذه الأمة فلم تكن هذه المقالات معروفة فيهم، وهذه المقالات هي محادة لله ورسوله ومعاداة له وصد عن سبيله، ومشاقة له، وتكذيب لرسله، ومضادة له في حكمه، وإن كان من يقول هذه المقالات قد يجهل ذلك، ويعتقد أن هذا الذي هو عليه هو طريق الرسول وطريق أولياء الله المحققين، فهو في ذلك بمنزلة من يعتقد أن الصلاة لا تجب عليه لاستغنائه عنها بما حصل له من الأحوال القلبية، أو أن الخمر حلال له لكونه من الخواص الذين لا يضرهم شرب الخمر، أو أن الفاحشة حلال له؛ لأنه صار كالبحر لا تكدره الذنوب ونحو ذلك.
ولا ريب أن المشركين الذين كذبوا الرسول يترددون بين البدعة المخالفة لشرع الله وبين الاحتجاج بالقدر على مخالفة أمر الله، فهؤلاء الأصناف فيهم شبه من المشركين؛ لأنهم إما أن يبتدعوا، وإما أن يحتجوا بالقدر، وإما أن يجمعوا بين الأمرين، كما قال تعالى عن المشركين: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٢٨].
وكما قال تعالى عنهم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [النحل:٣٥].
وقد ذُكِرَ عن المشركين ما ابتدعوه من الدين الذي فيه تحليل الحرام، والعبادة التي لم يشرعها الله في مثل قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ﴾ [الأنعام:١٣٨] إلى آخر السورة].
هذا فيما يتعلق بتحليل الحرام، يعني: أن شرك المشركين ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: عبادة غير الله.
والقسم الثاني: تحليل الحرام وتحريم الحلال.
طبعاً كلا هذين القسمين يتعلق بعضهما بالآخر، لكن هذا تقسيم للأعمال التي يقومون بها.
﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ﴾ [الأنعام:١٣٨] يعني: يحجرون على بعض الأنعام ويحرمون بعض الأنعام دون أي دليل شرعي من الله في تحريم مثل هذه المباحات.
قال: [وكذلك في سورة الأعراف في قوله: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ * قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُ
стр. 41
الطريق الذي يوصل الإنسان إلى شهود الحقيقة الكونية عند الصوفية
فإن قيل: ما هو الطريق الذي يوصل الإنسان إلى شهود الحقيقة الكونية عندهم؟
الجواب
الطريق كما في قوله هو: السلوك الذي لا يتقيد صاحبه بأمر الشارع ونهيه ولكن بما يراه ويذوقه ويجده ونحو ذلك.
إذاً: الطريق يكون بالسلوك بأعمال يقوم بها، هذه الأعمال لا يشترط أن تكون عبادات، يعني: زيادة الإيمان عندنا تتم بالعمل الصالح، بالصلاة، بالصيام، بالزكاة، بالخوف من الله، بالبكاء من خشية الله، بقراءة القرآن، بالذكر، هكذا يزيد العمل الصالح.
أما هؤلاء الضُلال الخرافيون الصوفية؛ فإن شهود الحقيقة الكونية عندهم يكون بالسلوك وبأعمال معينة يقومون بها لا علاقة لها بالأمر والنهي، ولا علاقة لها بالشريعة.
وهي أعمال متنوعة كثيرة، فبعضهم أخذ بعض الرياضات الموجودة عند الهنود، يعني: ربما يجلس أحدهم في الشمس المحرقة على رأس البيت عريان ليس عليه ملابس حتى يسوَّد جلده، وحتى تصيبه الأمراض، وحتى يشرف على الهلاك، وحينئذٍ تحصل في نفسه إرادات وخواطر وأفكار، كثير منها تكون أوهاماً، وهذه الحالة فرصة مناسبة للشيطان أن يعبث بالإنسان، فالشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم.
يعني: الإنسان السوي الطبيعي الذي صفاته طبيعية وشخصيته طبيعية، وملتزم بأمر الله، ومبتعد عن ما نهى الله ، مع هذا يأتيه الشيطان ويوسوس له ويضله ضلالاً مبيناً، فكيف بالإنسان الذي وصل لهذه الحالة المزرية؟ ووضعه ليس طبيعياً، إنسان يجلس في الشمس حتى يحترق جلده، وبعضهم قد يقف على رأسه ويرفع رجليه الساعات الطويلة، إلى درجة أنه يدخله نوع من الهوس ونوع من الأمراض الهستيرية التي تحصل عند من يمارس مثل هذه الرياضات.
فهم يقومون بأعمال عبارة عن رياضات، وهذه الرياضات تؤثر في نفوسهم فتحصل عندهم إرادات نفسية، وتحصل عندهم أوهام، وتحصل عندهم خواطر معينة، هذه الإرادات وهذه الأوهام وهذه الخواطر يسمونها: شهود الحقيقة الكونية.
والحقيقة أنها توصل إلى الجنون، وعندما يقولون: إنه سقطت عنهم التكاليف قد يقول الإنسان: إنه فعلاً سقطت عنهم التكاليف، لكن من جهة أخرى، فهم يرون أن عملهم هذا عمل جليل أوصلهم إلى سقوط التكاليف عنهم.
نحن نقول: إن هذا العمل الذي يقومون به أوصلهم إلى الجنون، والمجنون لا تكليف عليه، إنسان يقف على رأسه الساعات الطويلة والليالي الطويلة وأحياناً يرافقها جوع، ويرون أن الجوع يصفي النفس، وأن التخم والأكل مضر، وقد يكون هذا له جوانب صحيحة من حيث الأمور الطبيعية، فالإنسان إذا كان بطنه ضامراً يكون أخف نفساً من الإنسان الذي يكون ممتلئاً مثلاً.
فالإنسان إذا كان ممتلئاً لا يرتاح نفسياً، لكن هم يبالغون في هذا الموضوع، فالواحد منهم يستمر يومين لا يأكل شيئاً ويذهب إلى المغارات ويعيش مع الوحوش، وبعضهم يذهب إلى القاذورات وقد يأكل من القمائم أكرمكم الله، وقد يأكل مأكولات وسخة، وبعضهم قد يأكل نوعية من النباتات المؤثرة في النفس، والنباتات هذه تؤثر، فهناك بعض من الأكل الذي يؤثر في نفسية الإنسان، ويجعله مكتئباً، والنفس والجسد متماسكان لا انفصال بينهما.
ولهذا فإن البنج أصله شجرة، والحشيش أصلاً شجرة من الخشخاش، يأخذونه ويخرجون منه مادة يشربها ويتغير الرجل تماماً، كان عاقلاً معك قبل نصف ساعة، فإذا هو مجنون بعد ذلك.
إذاً: قد يعتمدون على نوع من الأدوية يتعاطونه، إما شرباً أو أكلاً أو زيتاً يتمسحون به، ولهذا وجد من مثل هؤلاء من يمارس السحر، وأكثر من نشر السحر في البلاد الإسلامية هم الصوفية، يعني: نحن لم يأتنا كفار نشروا السحر في بلاد المسلمين، وإنما السحرة هم أئمة الصوفية، وأشهر كتاب في السحر هو كتاب: (شمس المعارف الكبرى) مؤلفه: أحمد بن علي البوني، ويرون أن هذا الرجل من الصالحين، وقد ترجم له يوسف بن إسماعيل النبهاني في (جامع كرامات الأولياء) وقال: كان البوني من الأولياء الصالحين، وكان من كراماته أنه مجاب الدعوة.
ولهذا توجد طائفة عندهم وهم الرفاعية يمارسون السحر عملياً، ووجدت طائفة تجمع بين الرفاعية وبين التشيع يسمونها: البكداشية، هؤلاء سحرة تماماً، يأخذ الإنسان السيف ويدخله في بطنه ويخرجه من ظهره، ويقول: هذه من كرامات الأولياء، وهذه من ولايتي عند الله ومحبتي، ومن هذه الرياضات: أن ينقلب الإنسان على رأسه أياماً طويلة حتى يحبه الله، وبعد هذا العمل الذي يفعله يترك الصلاة ويترك الصيام ويترك العمل الصالح؛ لأن الله يحبه حسب ظنه، إلى درجة أنه يدخل السيف في بطنه ويخرجه من خلفه، وأن الله أعطاه هذه الموهبة إكراماً له، إكراماً على الانتكاس على الرأس وترك الصلاة والصيام والزكاة وترك الأعمال الصالحة، ولهذا فإن هؤلاء من أضل الناس، ومن أجهل الناس.
وبعضهم قد يأكل الحشرات، وبعضهم قد يأكل أنواعاً غريبة، ومنهم من يشرب السم، وقد يفعلون ذلك في الأطفال، ومع الأسف تجد الفضائيات الآن تغطي بعض هذه الطوائف وتعرضها من باب التثقيف العام دون أن تبين حقيقة مثل هؤلاء، فقد رأيت برنامجاً في شريط فيديو جاء
стр. 42
الصوفية من أعظم أسباب تخلف الأمة الإسلامية
ولهذا فإن من أعظم أسباب تخلف الأمة الإسلامية: الصوفية، ومن أكبر الأسباب التي جعلت كثيراً من المثقفين الآن يترك الالتزام بهذا الدين ويتجه للعلمانية، ويقول: خرافات المسلمين مثل خرافات النصارى، فإذا كان النصارى يقولون: الأب والابن وروح القدس إلهاً واحداً، فعندنا أناس يأكلون حيوانات وعقارب ويقولون: هذه من ولاية الله، فأصبح هؤلاء فتنة، وسبباً في ضلال العلمانيين؛ لأنهم لا يعرفون من الإسلام إلا ما رأوه في مجتمعاته.
وبعض العلمانيين الآن يقولون: ماذا تريدون منا؟ الدين أي دين؟ أي دين تريدون منا أن نلتزمه؟ نجلس عند القبور التي بنيت عليها الأضرحة، وتأتي مجموعة تضع صناديق عند الأبواب، ويضعون فيها نذوراً ويسرقونها، ويتكلمون باسم الأولياء الموتى، وربما لا يكون هناك ولي أصلاً؟ هذا الدين الذي تريدون أن نرجع إليه ونترك التحديث ونترك الواقع المعاصر الآن؟ انظروا إلى ما وصلت إليه أمريكا الآن، وأصبحت عندها هذه الأسلحة والقدرة الهائلة، طبعاً هذا كلام، لكن عند الحقيقة نجد أن العلمانيين هؤلاء لا يركزون على التحديث التقني المعاصر، بل يركزون على الشهوات، وعلى إفساد المرأة، وفعل المحرمات، فهم أناس ليسوا جادين، وقد يوجد منهم جادون، لكن أكثر هؤلاء أناس أصحاب مصالح خاصة.
ويأخذون أسوأ ما في الحضارة الغربية ويريدون منا التطبيق، ويتركون كثيراً من القضايا التقنية الموجودة الأخرى التي يمكن أن نستفيد منها.
على كل حال الخلاصة من هذا الكلام: أن الصوفية والتصوف من أكبر أسباب تخلف الأمة، ومن أكبر الأمور التي جعلت الأمة تتأخر في ميدان التحديث والتقنية.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهؤلاء لا يحتجون بالقدر مطلقاً، بل عمدتهم اتباع آرائهم وأهوائهم، وجعلهم لما يرونه ويهوونه حقيقة، وأمرهم باتباعها دون اتباع أمر الله ورسوله، نظير بدع أهل الكلام من الجهمية وغيرهم].
يعني: الجهمية الذين ينفون صفات الله، وينفون أسماء الله ، هؤلاء في باب العلميات مثل هؤلاء في باب العمليات.
قال: [الذين يجعلون ما ابتدعوه من الأقوال المخالفة للكتاب والسنة حقائق عقلية يجب اعتقادها دون ما دلت عليه السمعيات].
يعني: الجميع انحرف عن الكتاب والسنة، وجعلوا لهم طواغيت كما سماها ابن القيم ﵀، جعلوا لهم طواغيت تصدهم عن نصوص الكتاب والسنة.
هؤلاء الصوفية جعلوا الكشف وشهود الحقيقة الكونية صاداً عن الكتاب والسنة، والجهمية والمعتزلة والأشعرية جعلوا العقل وما يسمونه بالحقائق العقلية يصدهم عن الكتاب والسنة.
والشيعة جعلوا أئمتهم كأنهم أرباب، اتخذوهم وعبدوهم من دون الله ، فصدوهم عن الكتاب والسنة.
وهكذا المبتدعة أو أصحاب المذاهب المعاصرة جعلوا الاتجاه الغربي والذهاب مع الغربيين سبباً من أسباب الصد عن الكتاب والسنة.
فكلهم انحرفوا لبعدهم عن الكتاب والسنة.
قال: [ثم الكتاب والسنة، إما أن يحرفوا القول فيهما عن مواضعه].
يعني: يغيرون معاني الكتاب والسنة ويريدون تغيير اللفظة، لكن لا يستطيعون، جاء رجل من الجهمية إلى أبي عمرو بن العلاء وهو من القراء الكبار وقال له: اقرأ قول الله : ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤] اقرأ بالنصب يعني: (وكلم اللهَ) حتى يكون المتكلم هو موسى، لا يريد نسبة الكلام إلى الله، لأنهم يرون أن الله غير متكلم، ولا يتكلم سبحانه وتعالى عما يقولون.
فقال: أرأيت لو فعلت لك ما تريد ماذا تصنع بقول الله : ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣] ففي هذه الآية نسب الكلام إلى الرب مباشرة.
وأما تحريف المعاني فهي كثيرة، فمثلاً: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] قالوا: استولى وملك.
و ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] قالوا: اليد النعمة، وهكذا.
قال: [وإما أن يعرضوا عنه بالكلية، فلا يتدبرونه ولا يعقلونه، بل يقولون: نفوض معناه إلى الله!! مع اعتقادهم لنقيض مدلوله.
وإذا حُقَّق على هؤلاء ما يزعمونه من العقليات المخالفة للكتاب والسنة، وجدت جهلياتٍ واعتقاداتٍ فاسدة].
يعني: عند التحقيق، عندما تأتي للأدلة العقلية التي جعلوها سبباً في تأويل النصوص الشرعية، تجد أنها ليست عقلية، بل فيها كثير من القضايا مصادرة عن العقل، وتجد أن كثيراً من العقلاء يخالفون فيها، وتجد أن القضية ليست قضية مسلمة، ومع هذا يتكلمون باسم العقل، وكأن عندهم تصريحاً ألا يتكلم باسم العقل إلا هم، وكأنهم احتكروا العقل لأنفسهم، مع أن الحقيقة العملية من خلال النقاش العملي معهم ليس عندهم إلا أدلة ركبوها، وظنوا أنها عقلية، لكن في الحقيقة هي مخالفة للعقل.
ولهذا نحن عندنا يقين تام أن خالق العقل هو الله، ومنزل النقل هو الله، ولا يمكن أن يتعارضا؛ لأن مصدرهما واحد، فالذي خلق العقل هو الله، والذي أنزل الشرع هو الله، فكيف يجعلون بينهما تعارضاً؟ ﴿
стр. 43
رسالة العبودية [٤]
أصل كل بدعة وضلالة تقديم القياس أو العقل على النص المنزل من عند الله ، ولهذا خرجت الصوفية وغيرهم من الفرق الضالة عن الصواب، وضلوا وأضلوا غيرهم بقولهم: إن مرحلة اليقين هي: شهود الحقيقة الكونية، فأسقطوا عن أنفسهم التكاليف، مع أنه معلوم أن الأنبياء وهم خير الخلق لم تسقط عنهم التكاليف، وسبب اعتقاد الصوفية الفاسد هو تقديم الضلالات على الكتاب والسنة.
стр. 44
أصل ضلال غلاة الصوفية الذين يشهدون الحقيقة الكونية دون الشرعية ويعطلون الأوامر والنواهي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين أما بعد: فقد انتهينا في الدرس الماضي من الكلام حول الذين يشهدون الحقيقة الكونية من أهل التصوف، وبيّنا ما في عقائدهم من الضلال والانحراف، واليوم نكمل إن شاء الله بقية هذا الموضوع بإذن الله تعالى.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأصل ضلال من ضل إنما هو بتقديم قياسه على النص المنزل من عند الله، وتقديم اتباع الهوى على اتباع أمر الله؛ فإن الذوق والوجد، ونحو ذلك هو بحسب ما يحبه العبد، فكل محب له ذوق ووجد بحسب محبته].
كل الضلالات والبدع والانحرافات أساسها: تقديم أصل من أصول الضلال على اتباع الكتاب والسنة، وأساس الحق: هو اتباع الكتاب والسنة، فأهل الكلام ضلوا عندما قدّموا العقل على النصوص الشرعية، والصوفية ضلوا عندما قدّموا الذوق والوجد والكشف على النصوص الشرعية.
والشيعة ضلوا عندما قدموا الإمام وقول الإمام على النصوص الشرعية، والمتعصبون من أهل المذاهب الذين يتبعون كلام الأئمة، حتى ولو خالفوا النصوص ضلوا أيضاً بسبب تقديمهم لقول الإمام على الكتاب والسنة، والهداية إنما تكون باتباع الكتاب والسنة، واتباع النص الشرعي من كلام الله ، أو من كلام النبي ﷺ ، والآيات والأحاديث الواردة في باب طاعة الله وطاعة الرسول ﷺ .
واتباع ما جاء في القرآن واتباع ما جاء في كلام النبي ﷺ كثيرة جداً، حتى إن بعض أهل العلم أوصلها إلى التسعين آية في هذا الباب.
стр. 45
تقديمهم للذوق والوجد على النص الشرعي
قال ﵀: [فأهل الإيمان لهم من الذوق والوجد مثل ما بينه النبي ﷺ بقوله في الحديث الصحيح: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار)، وقال ﷺ في الحديث الصحيح: (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً).
وأما أهل الكفر والبدع والشهوات فكل بحسبه] مُراد الشيخ هنا: هو أن الصوفية قدموا أذواقهم على النص الشرعي، والحقيقة أن الذوق هو بحسبه؛ فأهل الإيمان من أهل العقيدة الصحيحة لهم ذوق خاص، لكن هذا الذوق يكون باتباع الكتاب والسنة، وفي الحديث: (من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان) فله طعم وله حلاوة وله ذوق خاص، لكن هذا الذوق الوارد في الأحاديث الصحيحة ذوق في اتباع الكتاب والسنة.
وأما أهل البدع فلكل مبتدع ذوقه الخاص، فإذا كانت هذه الأذواق توضع كعقبات دون اتباع الكتاب والسنة فهذا هو الضلال المبين.
قال: [قيل لـ سفيان بن عيينة: ما بال أهل الأهواء لهم محبة شديدة لأهوائهم؟ فقال: أنسيت قوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة:٩٣] أو نحو هذا من الكلام.
فعباد الأصنام يحبون آلهتهم كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥] وقال: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص:٥٠] وقال: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم:٢٣] ولهذا يميل هؤلاء إلى سماع الشعر والأصوات التي تهيج المحبة المطلقة التي لا تختص بأهل الإيمان، بل يشترك فيها محب الرحمن ومحب الأوثان ومحب الصلبان ومحب الأوطان ومحب الإخوان ومحب المردان ومحب النسوان؛ وهؤلاء الذين يتبعون أذواقهم ومواجيدهم من غير اعتبار لذلك بالكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة].
يعني: الصوفية من الأمور التي ينمي الذوق عندهم: هو سماعهم للأناشيد والغناء، وتلذذهم بالأصوات الحسنة، وتعلقهم بهذا الأمر، مع أن هذا الأمر ليس من الأمور التي يبنى عليها مدح أو ذم، فجمال الصوت أو جمال الصورة ونحوها من الأمور الدنيوية لا يترتب عليها مدح في ذاتها، وإنما يكون المدح باتباع الكتاب والسنة.
ولهذا أشغلهم السماع، والتعبد بسماع الأصوات والتعلق بها عن سماع كتاب الله وقراءته وتدبره فضلاً عن حفظ أحاديث النبي ﷺ والتفقه فيها.
وهناك كتاب لـ ابن القيم ﵀ كبير، اسمه السماع تحدث فيه عن هذه البدعة التي جاء بها الصوفية وهي: تلذذهم وتعلقهم بسماع الأصوات والطرب، والتعلق بالأغاني والأناشيد، وقد يستخدمون فيها الطبل، وقد يستخدمون فيها المزامير، وقد يكون الشخص المغني أو الشخص الذي يقوم بهذا الإنشاد فاسقاً، إلا أنهم يفضلونه ويعظمونه ويرون أنه مقدم عندهم.
إذاً: هؤلاء ابتعدوا كثيراً عن الكتاب والسنة، سواءً في الوسيلة أو في الغاية أو في الذوق الناتج عن هذه الأعمال التي يقومون بها، فعباداتهم ليست كعبادات المسلمين المعروفة من الصلاة والصيام والتعلق بما عند الله ، والتوكل على الله ومحبته، وإنما هي أصوات وطرب وغناء ورقص يتعبدون لله بها، وهذا ابتداع ولا شك؛ ولهذا أوصلهم إلى هذه العقائد المضلة.
والغناء له جانبان: * جانب يقوم به أهل الفسق، وهذا الجانب الذي يقوم به أهل الفسق هو الغناء المعروف الذي يتحدث عن غزل النسوان والتعلق بهن ونحو ذلك، ويستخدمون فيه المعازف وآلات الطرب.
* وهناك نوع آخر من الغناء يقوم به الصوفية يتعبدون لله به، يجتمعون فيما يسمى بالحضرة، يرقصون ويطبلون ويغنون، وقد يصبح عند بعضهم شطح، فيتكلم بكلام لا يعقله، وقد يكون هذا الكلام فيه ردة وكفر، والعياذ بالله يتعبدون لله بهذه الطريقة، ويتركون العبادات الشرعية من الصلاة والصيام والذكر وقراءة القرآن وحفظ الحديث ودراسة العلم ونحو ذلك من الأعمال الفاضلة والطيبة.
قال: [فالمخالف لما بعث الله به رسوله من عبادته وحده، وطاعته وطاعة رسوله! لا يكون متبعاً لدين شرعه الله أبداً، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ)
стр. 46
مرتبة التاركين لما أمروا به من الأسباب التي هي عبادة كالتوكل ونحوه
قال رحمه الله تعالى: [ومن هؤلاء طائفة أعلاهم عندهم قدراً وهم مستمسكون بما اختاروا بهواهم من الدين في أداء الفرائض المشهورة واجتناب المحرمات المشهورة، لكن يضلون بترك ما أمروا به من الأسباب التي هي عبادة، ظانين أن العارف إذا شهد القدر أعرض عن ذلك، مثل من يجعل التوكل منهم أو الدعاء، ونحو ذلك من مقامات العامة دون الخاصة، بناء على أن من شهد القدر علم أن ما قًدر سيكون، فلا حاجة إلى ذلك، وهذا ضلال مبين وغلط عظيم، فإن الله قدر الأشياء بأسبابها، كما قدر السعادة والشقاوة بأسبابهما، كما قال النبي ﷺ : (إن الله خلق للجنة أهلاً، خلقهم وهم في أصلاب آبائهم، وبعمل أهل الجنة يعملون، وخلق للنار أهلاً، خلقها لهم وهم في أصلاب آبائهم، وبعمل أهل النار يعملون)، وكما قال النبي ﷺ لما أخبرهم بأن الله كتب المقادير فقالوا: يا رسول الله! أفلا ندع العمل ونتكل على الكتاب؟ فقال: (لا، اعملوا، فكل ميسر لما خلق له، أما من كان من أهل السعادة، فسييّسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة فسيييّر لعمل أهل الشقاوة).
فما أمر الله به عباده من الأسباب فهو عبادة، والتوكل مقرون بالعبادة، كما في قوله تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود:١٢٣] وفي قوله: ﴿قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ [الرعد:٣٠] وقول شعيب ﵇: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود:٨٨]].
هذه الطائفة مختلفة عن الطائفة السابقة؛ فالطائفة السابقة لا تعمل شيئاً من الواجبات ولا تترك شيئاً من المحرمات، وإنما هم يسيرون حسب أهوائهم ويعتقدون أن هذا الهوى الذي يسيرون عليه، هو ما أراده الله لهم، وهو ما أوجبه عليهم وهو مقتضى القدر الكوني، وهؤلاء جبرية كما سبق أن أشرنا إليه.
لكن هذه الطائفة مختلفة، هذه الطائفة مسلمة تأتي بالأمر وتترك النهي، يعني: تأتي بالفرائض وتترك المحرمات، لكن المشكلة التي وقعت عندهم وقعت في الأسباب، فهم يعتقدون أن التوكل على الله يقتضي ترك الأسباب وأنك إذا كنت متوكلاً على الله ، فإنك تترك هذه الأسباب، ولا تقوم بها؛ ولا شك أن هذا قول باطل، فهم متناقضون في هذا.
فالأسباب نوعان: أسباب طبيعية، وأسباب شرعية.
فالأسباب الشرعية هي: الإتيان بالواجبات وترك المحرمات، فالإتيان بالواجبات وترك المحرمات من أسباب السعادة في الدنيا والفلاح ودخول الجنة في الآخرة، وهي سبب للبعد عن النار.
وهؤلاء جاءوا بالأسباب الشرعية، لكنهم يتركون الأسباب الطبيعية؛ ظناً منهم أن هذا هو التوكل على الله ، ولا شك أن هذا باطل، وأن هذا خطر كبير؛ فالتوكل لا يعارض العمل، ولهذا فإن الأحاديث التي استدل بها الشيخ يلاحظ أن الصحابة قالوا: أفلا ندع العمل ونتكل على الكتاب؟ فقال: (اعملوا، فكل ميسر لما خلق له) فالعمل لا يتعارض مع القدر المكتوب؛ فالقدر المكتوب غيب لا يعلمه إلا الله ، والمطالب به الإنسان في الدنيا هو العمل، فالله أمره ليعمل ونهاه ليعمل، وفق ما أراد الله من ترك المحرمات، فترك المحرم عمل كما أن فعل الواجب عمل.
ولهذا ربط الله بين التوكل الذي هو: التفويض، وبين العبادة التي هي: العمل فقال: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود:١٢٣] وهذا فيه إشارة عظيمة إلى أن التوكل الذي يفهمه هؤلاء ليس هو التوكل الشرعي.
فالتوكل الشرعي يقتضي التفويض لله مع العمل؛ ولهذا قال: ((فاعبده)) ولو كان التوكل يقتضي ترك العمل لما اقترنت العبادة بالتوكل، ولكان التوكل معنى سلبياً يدل على ترك جميع الأسباب الطبيعية، والأسباب الشرعية.
ولا شك أن الأسباب مخلوقة لله ، وأنها لا تمضي ولا تتحقق في الواقع، إلا بعد مشيئة الله وإرادته، فالسبب ليس خالقاً، وإنما هو وسيلة خلق الله المخلوقات وتدبيرها، خلق الله الزرع بالمطر، وجعل السكين سبباً في القتل، وجعل الماء سبباً في الري، وجعل الأكل سبباً في دفع الجوع، وجعل العمل الصالح سبباً في دخول الجنة، وجعل ترك المحرمات سبباً في البعد عن النار، وجعل فعل المحرمات سبباً في دخول النار، فهذه أسباب طبيعية وشرعية خلقها الله في الكون، والواجب هو أن يأتمر الإنسان بأمر الله فيها، فيبتعد عما نهاه عنها، ويفعل ما أمره بها، وإذا كانت هناك أسباب طبيعية، يدفع هذه الأسباب التي قد تضره بالأسباب الأخرى التي تنفعه، وقد سبق أن ذكرنا القاعدة النفيسة التي ذكرها الشيخ عبد القادر الجيلاني عندما قال: نحن ندفع قدر الله بقدر الله، وهذه من أعظم القواعد الشرعية في هذا الباب.
стр. 47
مرتبة التاركين للمستحبات دون الواجبات
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومنهم طائفة قد تترك المستحبات من الأعمال دون الواجبات، فتنقص بقدر ذلك].
وهذه الطائفة الرابعة أحياناً قد تترك المستحبات من الأعمال، ظناً أن هذا من التوكل، لكن الواجبات تقوم بفعلها، فهذا نقص وفهم فاسد للتوكل ونقص في التعبد لله .
стр. 48
مرتبة المنشغلين عن العبادة بخوارق العادات
قال: [ومنهم طائفة يغترون بما يحصل لهم من خرق عادة مثل مكاشفة، أو استجابة دعوة مخالفة للعادة العامة، فيشتغل أحدهم بهذه الأمور عما أمر به من العبادة والشكر، ونحو ذلك؛ فهذه الأمور ونحوها كثيراً ما تعرض لأهل السلوك والتوجه، وإنما ينجو العبد منها بملازمة أمر الله الذي بعث به رسوله في كل وقت.
كما قال الزهري: كان من مضى من سلفنا يقولون: الاعتصام بالسنة نجاة.
وذلك أن السنة كما قال مالك ﵀: مثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق].
هذه الطائفة مختلفة عن الطوائف السابقة، وهذه الطوائف الخمس تشترك في مقسم واحد وهو شهود الحقيقة الكونية، أحياناً يكون شهودهم للحقيقة الكونية يدفعه لترك العمل كله، أحياناً بترك جزء من العمل، وأحياناً يدفعه إلى فهم القدر بوجه غير صحيح، وأحياناً يدفعه لترك المستحبات كما في الطائفة الرابعة، وأحياناً شهود الحقيقة الكونية مع التعلق بشيء من الكرامات، كخرق عادة أو مكاشفة سواءً علمية أو عملية، يدفعه ذلك للانشغال بها عن العبادة الحقيقية؛ فأحياناً الإنسان قد يوفقه الله فيحصل له شيء من الكرامات، فبدلاً من أن يحمد الله ، وأن يشكر الله وأن يزيد في العمل الصالح، يشتغل بها ويتعلق قلبه بها، ويفكر فيها في كل وقت، ويجعلها ديدناً له بشكل مستمر، فيترتب على هذا عند هذا الشخص أنه يهمل في الشكر والعبادة، وهذه إحدى مداخل إبليس، ولهذا ذكر ابن الجوزي ﵀ في (تلبيس إبليس) نماذج كثيرة من تلبيس الشيطان في كل أبواب الخير؛ فهناك تلبيس للشيطان في العلم، وهناك تلبيس للشيطان في العمل، وهناك تلبيس للشيطان في القراءة، وهناك تلبيس للشيطان في الدعوة، وهناك تلبيس للشيطان في كل باب من الأبواب، يأتي الشيطان ليضله في أصل الدين، فإذا لم يستطع أن يضله في باب من الأبواب الواجبة، فإذا لم يستطع يحاول أن ينقص ما عنده من العمل، فإذا لم يستطع يحاول أن يشغله بأمر من الأمور التافهة التي لا قيمة لها، فيشغله عن الأعمال الصالحة، كما حصل في حالة هؤلاء.
ولهذا لا نجاة ولا فلاح ولا راحة للإنسان، ولا طمأنينة ولا سعادة له، إلا باتباع كلام الله ، وكلام رسوله ﷺ ؛ فاتباع السنة هو النجاة.
ولهذا شبهها الإمام مالك بأنها سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تركها غرق، وهذا التشبيه تشبيه بليغ، لأن سفينة نوح عندما جاء الطوفان عم الأرض، وقال لابنه: إنه لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم، ومن نجا هو من كان مع نوح في السفينة؛ وهكذا السنة، من دخل في السنة وعمل بما أمر الله به، وأمر به الرسول ﷺ نجا من الهلاك، ومن ابتدع أياً كانت بدعته كبيرةً أو صغيرة، فإنه في ضلال وهلاك.
стр. 49
حقيقة العبادة الشرعية وأركانها
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والعبادة والطاعة والاستقامة ولزوم الصراط المستقيم، ونحو ذلك من الأسماء، مقصودها واحد ولها أصلان.
* أحدهما: ألا يعبد إلا الله.
* الثاني: أن يعبد بما أمر وشرع، لا يعبد بغير ذلك من الأهواء والظنون والبدع.
قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠]].
الأصلان موجودان في الآية في قوله: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الكهف:١١٠] وصف العمل بأنه صالح، وهو متابعة سنة النبي ﷺ ، وهذا هو الأصل الثاني: ألا نعبده إلا بما أمر وشرع، وقوله: ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف:١١٠] هذا هو الأصل الأول ألا يعبد إلا الله.
قال: [وقال تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:١١٢]].
وأيضاً الأصلان في هذه الآية: ((بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ))، ((أَسْلَمَ وَجْهَهُ)) هذا هو الأصل الأول، ألا يعبد إلا الله.
وقوله: ((وَهُوَ مُحْسِنٌ)) هذا هو الأصل الثاني، ألا يعبد إلا بما أمر وشرع، لأن إحسان العمل معناه: الإتيان به على الوصف الشرعي الذي أمر به النبي ﷺ .
قال: [وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء:١٢٥].
فالعمل الصالح: هو الإحسان، وهو فعل الحسنات، والحسنات: هي ما أحبه الله ورسوله، وهو ما أمر به أمر إيجاب واستجاب].
أما ما كان مخالفاً له فهذا يدل على أنه ليس على ما أمر به النبي ﷺ ، يقول ﵊: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) يعني: مردود على صاحبه.
стр. 50
رد ما كان مخالفاً للكتاب والسنة من البدع والمعاصي
قال: [فما كان من البدع في الدين التي ليست في الكتاب، ولا في صحيح السنة فإنها -وإن قالها من قالها وعمل بها من عمل- ليست مشروعةً، فإن الله لا يحبها ولا رسوله، فلا تكون من الحسنات ولا من العمل الصالح، كما أن من يعمل ما لا يجوز -كالفواحش والظلم- ليس من الحسنات ولا من العمل الصالح].
إذاً: العمل الصالح هو ما كان موافقاً لسنة النبي ﷺ ، ويخرج به أمران: * الأمر الأول: العمل السيئ الذي هو معصية، مثل الفواحش والسرقة ونحو ذلك.
* والثاني: الابتداع، وهو التعبد لله على غير طريقة المرسلين.
قال: [وأما قوله: ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠] وقوله: ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١١٢] فهو إخلاص الدين لله وحده.
وكان عمر بن الخطاب يقول: اللهم اجعل عملي كله صالحاً، واجعله لوجهك خالصاً، ولا تجعل لأحد فيه شيئاً.
وقال الفضيل بن عياض في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود:٧] قال: أخلصه وأصوبه، قالوا: يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل، حتى يكون خالصاً صواباً، والخالص: أن يكون لله، والصواب: أن يكون على السنة].
يمكن مراجعة الأدلة التفصيلية في الكتب التي تحدثت عن البدع، مثل: كتاب الباعث في إنكار البدع، والحوادث لـ أبي شامة، وكتاب الحوادث والبدع للطرطوشي، وكتاب الاعتصام للشاطبي، وأيضاً يمكن أن يراجع شرح حديث: (إنما الأعمال بالنيات) وشرح حديث: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) في جامع العلوم والحكم، فقد نقل الحافظ ابن رجب الحنبلي كثيراً من النصوص في الأصل الأول، وكذلك في الأصل الثاني.
стр. 51
توجيه عطف بعض الأعمال على العبادة مع أنها داخلة فيها
قال: [فإن قيل: فإذا كان جميع ما يحبه الله داخلاً في اسم العبادة، فلماذا عطف عليها غيرها، كقوله في فاتحة الكتاب: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] وقوله لنبيه ﷺ : ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود:١٢٣] وقول نوح: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ [نوح:٣] وكذلك قول غيره من الرسل قيل؟!].
هناك قاعدة في العطف ينبغي إدراكها وهو: أن العطف لا يقتضي التغاير دائماً، وإنما أحياناً يكون العطف يقتضي عطف الخاص على العام، لإبرازه وبيان مكانته، فالعمل من الإيمان، ومع ذلك يقول الله : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [النساء:٥٧] وأيضاً: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة:٢٣٨] مع أن الصلاة الوسطى من الصلوات أيضاً، وتخصيص الصلاة الوسطى بالذكر لأهميتها ومكانتها.
قال: [قيل: هذا له نظائر، كما في قوله: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥] والفحشاء من المنكر].
هذا من أنواع العطف العام على الخاص، وأحياناً يكون العكس.
قال: [وكذلك قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل:٩٠] وإيتاء ذي القربى هو من العدل والإحسان، كما أن الفحشاء والبغي من المنكر، وكذلك قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ﴾ [الأعراف:١٧٠] وإقامة الصلاة من أعظم التمسك بالكتاب، وكذلك قوله عن أنبياءه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء:٩٠] ودعاؤهم رغباً ورهباً من الخيرات، وأمثال ذلك في القرآن كثير.
وهذا الباب يكون تارةً معْ كون أحدهما بعض الآخر، فيعطف عليه تخصيصاً له بالذكر، لكونه مطلوباً بالمعنى العام والمعنى الخاص.
وتارة دلالة الاسم تتنوع بحال الانفراد والاقتران، فإذا أفرد عمَّ، وإذا قرن بغيره خص، كاسم الفقير والمسكين، لما أفرد أحدهما في مثل قوله: ﴿لِلفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٧٣] وقوله: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة:٨٩] دخل فيه الآخر، ولما قرن بينهما في قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة:٦٠] صارا نوعين.
] إذاً العطف أحياناً يقتضي التغاير بين المعطوف والمعطوف عليه، وأحياناً لا يقتضي التغاير، إنما له دلالة أخرى، وقد ذكر الشيخ هنا نوعين من الدلالة: * النوع الأول: أن يكون الشيء معطوفاً على جزئه، أو معطوفاً الجزء على الذي هو جزء منه، سواءً من عطف الخاص على العام، أو من عطف العام على الخاص، لبيان أهميته ومكانته ومنزلته، والأمثلة السابقة تدل على هذا المعنى.
* والنوع الثاني: من أغراض العطف أن يكون الاسم أحياناً يقتضي معنى عاماً، وأحياناً يقتضي معنى خاصاً، فإذا أطلق اقتضى معنى عاماً، وإذا قيد اقتضى معنى خاصاً، وهذا كثير في الفقير والمسكين، وفي الإيمان والإسلام، وفي البر والعمل الصالح وفي غيرها.
قال: [وقد قيل: إن الخاص المعطوف على العام لا يدخل في العام حال الاقتران، بل يكون من هذا الباب.
] هذا معنى آخر، وهو أنه أحياناً يعطف الخاص على العام، ولا يكون أثناء هذا العطف داخلاً في المعنى العام، وإنما يكون مخصوصاً بمعنى يخصه حال العطف، فمثلاً: ((الذين آمنوا وعملوا الصالحات)) هنا يمكن أن يستدل بهذه الآية المرجئة الذين قالوا بأن الإيمان يقتضي التصديق، والعمل الصالح خارج عن الإيمان، فردّ عليهم أهل السنة بأحد وجهين: * الوجه الأول: أن يقال: إن العمل الصالح هنا جزء من الإيمان.
والعطف هنا لبيان أهمية العمل الصالح كما سبق في قوله: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥] مع أن الفحشاء من المنكر.
* وقيل بأن الإيمان أحياناً يطلق بمعنى عام يشمل العمل، وأحياناً يطلق بمعنى خاص يقتضي إيمان القلب فقط، فيكون في هذه الآية: ((الذين آمنوا وعملوا الصالحات)) الإيمان يقتضي إيمان القلب فقط.
وهذا التوجيه أيضاً صحيح لا بأس به.
قال: [والتحقيق أن هذا ليس لازم قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة:٩٨] وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب:٧].
وذكر الخاص مع العام يكون لأسباب متنوعة: تارة لكونه له خاصية ليست لسائر أفراد العام، كما في نوح وإبراهيم وموسى وعيسى، وتارة لك
стр. 52
كمال المخلوق في تحقيق عبوديته لله مدة بقائه في الدنيا
قال: [إذا تبين هذا فكمال المخلوق في تحقيق عبوديته لله، وكلما ازداد العبد تحقيقاً للعبودية، ازداد كماله وعلت درجته، ومن توهم أن المخلوق يخرج من العبودية بوجه من الوجوه أو أن الخروج عنها أكمل! فهو من أجهل الخلق، بل من أضلهم قال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء:٢٦ - ٢٨]].
هذه قاعدة في باب العبودية، وهو: أن العبودية ملازمة للإنسان منذ التكليف إلى الوفاة، وأن الإنسان مهما تقلب في الأعمال الصالحة، وفي التعبد لله ، فإنه سيظل عبداً لله حتى يموت، مهما وصل من الدرجات في العبادة، ولهذا يعتبر الصوفية من أبرز الناس عناية بمراتب التعبد وبدرجات التعبد ومقامات التعبد، وكما سبق أن الصوفية أنواع وليس نوعاً واحداً.
منهم من جعل التعبد أمراً سلبياً يقتضي ترك التدين لله ، ويقتضي الفساد في الأرض، وهؤلاء أمة ضالة منحرفة.
وهناك من الصوفية من اشتغل في العبادة لله ، ولكن مع هذا الاشتغال شيء من الانحراف، سواءً في الوسائل أو في المقاصد، أو سواءً في الدلائل أو في المسائل، يقعون في شيء من الانحراف، ولهذا قد يجتهد بعضهم ويرتب مقامات متعددة للعبادة هي ليست بلازمة.
وهناك من أهل السنة من اجتهد في وضع مقامات للعبادة، بعضها من الأعمال الصالحة التي نص عليها في الكتاب والسنة، وبعضها من المنازل التي هي عبارة عن نتائج للأعمال الصالحة، وقد اختلف العلماء الذين كتبوا في السلوك في هذا الباب اختلافاً واسعاً وكبيراً.
وهناك تحقيق رائع لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، في كتابه التحفة الإعراقية، يقول فيه: إن ترتيب المنازل هي أعمال اجتهادية، وأحياناً قد يرتب الإنسان بعض المنازل بحسب ما وصله من العلم أو العمل.
يعني: ما وصله من العلم عن الآخرين، أو ما وصله من العمل في نفسه، فيرتبها بطريقة اجتهادية، وبعضهم يأتي ويزيد، وبعضهم يقسم المنزلة الواحدة إلى منزلتين أو أكثر، وبعضهم يضم ثلاث منازل في منزلة واحدة، وهكذا فهي أمور اجتهادية كالزهد والورع والتعبد، أساسها عند أهل السنة ينشأ من تطبيق الأمر والنهي، يعني: إذا أراد الإنسان أن يصل إلى منزلة عالية في العبودية، وأن يصل إلى منزلة عالية في الإيمان؛ فإنه يبدأ بالأمر والنهي، يبدأ بفعل ما أمر الله به، وترك ما حرم الله ، فكلما زاد ضبطاً لنفسه، وكلما ازداد في العمل الصالح، وكلما ابتعد عن المحرم، ارتفع في الإيمان أكثر وأكثر، حتى يصل إلى درجات قد لا يصلها كثير من الناس، وقد لا يثبت عند هذه الدرجة، بمجرد أن يقع في خلل، قد ينزل به عن هذا المستوى الذي وصل إليه.
إذاً: أساس العبودية، وأساس المقامات العالية في الإيمان: اتباع الأمر والنهي.
وأصل اتباع الأمر والنهي: هو العلم بالعبادات الشرعية، ومعرفة وصفها الشرعي ومعرفة كيف يقوم بهذه العبادة، وبناءً على هذا يجتهد في العمل، وحينئذٍ سيصل إلى مقامات عالية في هذا الباب.
والآيات القادمة كلها تجتمع في معنى واحد وهو: أن كمال المخلوق في التعبد لله .
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم:٨٨ - ٩٥].
وقال تعالى في المسيح: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الزخرف:٥٩]].
مع أن الأنبياء هم أعلى الناس تعبداً لله .
قال: [وقال تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء:١٩ - ٢٠].
وقال تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِح
стр. 53
التعبد لغير الله تعالى
ثم يتحدث المؤلف عن التعبد لغير لله ، سواءً التعبد المطلق الذي يوصل إلى الشرك الأكبر مثل: عبادة غير الله ، أو أن يكون بنوع من التعبد مثل: الذل، والافتقار، والحاجة إلى الخلق، ونحو ذلك من الأعمال التي لا توصل إلى الشرك الأكبر، وإنما هي من نقص كمال التوحيد الواجب.
فالقدح في التوحيد نوعان، النوع الأول: قدح في أصل التوحيد، وذلك يكون بالكفر والشرك بالله المخرج عن دائرة الإسلام، والنوع الثاني قوادح في كمال التوحيد الواجب، ويكون ذلك بالشرك الأصغر، مثل التمائم التي لا يعتقد أصحابها فيها أنها تنفع وتضر بذاتها، وإنما يتعلق بها مع أنها ليست سبباً شرعياً ولا طبيعياً، وهذا يعتبر من الشرك، وهو من التعبد لغير الله ، لكنه ليس تعبداً مطلقاً تاماً، وهكذا الحال في الرقى التي لا يكون فيها استغاثة بغير الله ، وإنما تكون بالكلمات المجملة والغريبة في المعنى، لكن ليس فيها استغاثة بغير الله، وهكذا الحال في مسألة الغلو في الصالحين، وكل قدح من القوادح في التوحيد وفي عبادة الله فإنه لا يخلو من الحالتين السابقة: إما أن يكون قدحاً في أصل التوحيد، أو يكون قدحاً في كمال التوحيد، والقدح في كمال التوحيد أحياناً يكون قدحاً في كمال التوحيد الواجب، ويكون فعله حينئذٍ من الشرك الأصغر أو من المحرم، أو قدحاً في كماله المستحب، كما هو الحال فيمن استرقى أو اكتوى أو خالف أحد الأوصاف الواردة في حديث السبعين ألفاً، الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، فالسبعون ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب ذكر النبي ﷺ وصفهم بقوله: (هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون)، مع أن الاسترقاء والاكتواء ليس محرماً، وإنما هو مكروه، وهكذا سؤال الخلق فيما لا يصل إلى المحرم؛ فهذا يعتبر من القدح في كمال التوحيد المستحب.
وأحياناً قد يكون الإنسان عنده قدح في التعبد لله، مثل التعلق بما في أيدي الخلق، وعدم التوكل الحقيقي على الله ، كالتعلق بالطبيب عندما يكون الإنسان مريضاً، أو التعلق بصاحب العمل إذا كان الإنسان موظفاً عنده، أو التعلق بالدنيا ومتاعها والخوف من الموت، والتشبث بهذه الدنيا والتعلق بها، والشعور بأن الآخرين يملكون شيئاً من رزقه الذي أعطاه الله إياه، أو الخوف من الخلق الذي يمنعه من بعض الأعمال الصالحة، ويمنعه من الدعوة إلى الله، ويمنعه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويمنعه من الإصلاح، وهناك أشخاص يحصل عندهم الخوف من أولياء الشيطان ومن الظالمين، يوصله هذا الخوف أحياناً إلى ترك كثير من الأعمال الصالحة، فيترك الدعوة، ويقول: إنه إذا دعا إلى الله فإنه قد يكتب عنه! وقد يلحقه ضرر في عمله أو في ولده أو في نفسه! وأكثر هذا وهم، ولو ترتب على ذلك شيء من هذا الأمر، فإنه لا يجوز للإنسان أن يترك ما أوجبه الله عليه، وفي إمكانه أن يؤدي هذا الواجب، وإنما يسقط عنه في حال عدم القدرة التامة في فعله، أما في حال إمكان القدرة عليه، لكن لوجود هاجس وخوف عند الإنسان، هذا ينطبق عليه قول الله : ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٥].
وهكذا الحال في التعلق بالمال والدنيا، جاء في الحديث: (تعس عبد الدينار وعبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش).
قوله: (تعس عبد الدينار وعبد الدرهم) هل الإنسان يتعبد للدينار والدرهم عبادة كالصلاة الصيام ونحو ذلك؟ لا، وإنما يتعبد لها بالتعلق بالدنيا، وبالتعلق بالدرهم والدينار، وطلب ما في أيدي الناس، وقد يفعل المحرم لأجلها، وقد يترك الواجب لأجلها، هذا التعلق هو نوع من التعبد لغير الله ، وإن كانت هذه الأنواع ليست في الحكم الشرعي بمنزلة واحدة، فالذي يتعبد بغير الله ويسجد للصنم أو يتعلق بالأولياء والأضرحة، أو يوالي أعداء الله ويحبهم لدينهم، أو نحو ذلك من الأعمال التي قد توصل إلى الشرك الأكبر، هذا ليس مثل من يسترقي أو يكتوي، أو يقوم ببعض الأعمال التي تنقص عبادته، ويكون هناك جزء من التعبد عنده، مصروف لغير الله ؛ فهذه في الحكم الشرعي ليست بمنزلة واحدة، لكن يجمعها جميعاً التعبد لغير الله ، ولو بقدر بسيط.
ومن التعبد لغير الله: عشق الصور مثلاً أو إنسان يعشق امرأة جميلة مثلاً، أو يعشق غلاماً أمردَ يتعلق به، ويشغله هذا التعلق، وفي كل مكان يفكر فيه! ويجعله هو ديدنه حتى في وقت صلاته! أو في وقت أكله! أو في وقت نومه! وقد يصيبه والعياذ بالله من التعاسة والنكد والشقاء الشيء الكثير.
والحقيقة: أن أساس العبادة هو المحبة، وعدم المحبة حقيقتها التعلق.
ولهذا قال ابن تيمية ﵀ في غير هذا الكتاب: إن حقيقة التوحيد انجذاب الروح إلى
стр. 54
رسالة العبودية [٥]
يتفاضل العباد بإيمانهم بالله وتقواهم، وكلما عمل الإنسان صالحاً وصبر، ورضي بقضاء الله وقدره، وتوجه بعبوديته كاملة إلى الله ولم يسأل أحداً من الخلق، ولم يحتج إليهم، زاد إيمانه وعلا قدره عند ربه سبحانه، فالتعلق بمحبة الله والتوكل عليه يورث العبد الطمأنينة والاستقرار النفسي في حياته.
стр. 55
قوادح في العبودية
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: في الدرس الماضي انتهينا من الكلام حول الطوائف التي اشتغلت بشهود الحقيقة الكونية عن الحقيقة الشرعية، وما ترتب على هذا الشهود عندهم من عقائد تتفاوت ما بين الغلو المطلق، وما بين الاشتغال بما لا يعني ولا يفيد وبينهما درجات متفاوتة، ثم أكملنا الحديث حول الحقيقة الشرعية للعبودية، وأنها مبنية على أصلين: على ألا يعبد إلا الله، وعلى ألا يعبده إلا بما شرع الله .
فيتحقق بهذا الإخلاص والتوحيد، ويتحقق به أيضاً متابعة الرسول ﷺ ، والأول: هو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، والثاني: هو تحقيق شهادة أن محمداً رسول الله ﷺ ، وهناك قوادح تلحق بالعبودية، وهذه القوادح وهذا الخلل الذي يحصل في العبودية ليس على درجة واحدة، وإنما هو بشكل متنوع ومتفاوت، فمن القدح في العبودية ما يكون بعبادة غير الله ، ويكون شركاً أكبر مخرجاً عن الملة، مثل: الذبح لغير الله، والاستغاثة بغير الله، ومثل: التوكل على غير الله، فيما لا يقدر عليه إلا الله.
وهذه الأنواع من الشرك الأكبر يجمعها عبادة غير الله ، وفي كل نوع من هذه الأنواع ضوابط دقيقة ينبغي على طالب العلم أن يتعلمها، وربما تذكر عادة في شرح كتاب التوحيد؛ لأنه اعتنى بها تفصيلاً، واعتنى بما يلحقها من الشرك الأكبر والأصغر تفصيلاً، فمثلاً: دعاء غير الله إذا كان فيما لا يقدر عليه إلا الله ، فإنه يكون شركاً أكبر.
أما إذا كان فيما يقدر عليه المخلوق، فهذا يأتي في السؤال الذي تحدث عنه ابن تيمية في هذا الكتاب بالذات العبودية، وأن الأصل في سؤال الناس هو: التحريم، إلا أنه أبيح للحاجة، ولهذا يستحب أهل العلم أن لا يسأل الإنسان إلا لحاجة، وأنه ينبغي له أن يؤدي العمل بنفسه، وهكذا كان الصحابة، كان إذا سقط سوط أحدهم فإنه ينزل ويأخذه ولا يقول لأحد: ناولنيه، وهذا لا يعني أن سؤال الخلق فيما يقدرون عليه محرم، بل إذا كان فيما يقدر عليه الإنسان فهو ليس بمحرم، لكن من دقائق العبودية أن الإنسان لا يسأل في ما يقدر عليه الخلق، وإنما يعتمد فيه على الله ، ويبذل السبب الذي يكون أداؤه بنفسه.
فالضابط في دعاء غير الله، وفي الاستغاثة بغير الله هو: أن يكون فيما لا يقدر عليه إلا الله، مثل: مغفرة الذنب، والرزق، ودخول الجنة، والعتق من النار، ونحو ذلك من أنواع الأعمال التي لا يقدر عليها إلا الله ، فمن سألها غير الله ، فقد وقع في الشرك الأكبر.
وكذلك الحال في الذبح له ضابط، فليس كل أنواع الذبح يكون شركاً أكبر، فالذبح إذا كان للضيف، أو زاره زائر وذبح له من أجل أن يأكل فهذا ليس فيه شيء، إذا كان الإنسان يذكر اسم الله على الذبيحة، لكن الذبح الذي يكون شركاً أكبر هو: الذبح الذي يفعله العبد للتعبد والتقرب لغير الله تعالى، فمثلاً لو أنه جاء إلى قبر ولي أو نبي، فذبح عنده بقصد التقرب لهذا النبي وهذا الولي، فقد وقع في الشرك الأكبر.
وهكذا الحال في سائر أنواع العبادات، لها ضوابط دقيقة تحدد النوع الذي يكون عبادة من هذا العمل، والنوع الذي لا يكون عبادة، فالذي يكون عبادة يجب أن يصرف لله ، والذي لا يكون من العبادات فإنه يجوز للإنسان أن يتعاون مع الخلق في ذلك، والأصل في ذلك قول الله : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢].
стр. 56
قوادح في العبودية لا تصل إلى الشرك الأكبر
وهناك قوادح في العبودية لكنها دقيقة لا تصل إلى الشرك الأكبر، فهي تنقص قدر العابد، لكنها لا تخرجه عن دائرة الإسلام، ويكون هذا غالباً في تعلق القلب بغير الله تعلقاً لا يوصله إلى الشرك الأكبر، فإذا صار وسيلة إلى الشرك الأكبر، صار من الشرك الأصغر، كما هو ضابط الشرك الأصغر عند العلماء، أو إذا كان العمل يوصل إلى الشرك الأكبر ووصف في الشرع بأنه شرك، ولم يصل إلى درجة الخروج من دائرة الإسلام، فإنه يعتبر شركاً أصغر.
أما ما كان دون ذلك من تعلقات القلب، كالتعلق بالطبيب أو بالوظيفة أو بالزوجة، أو بأي عرض من أعراض الدنيا، هذا التعلق لا يخلو من حالات، فإن رده عن طاعة الله ، أو دفعه إلى معصية الله ، فإن هذا من الشرك والعياذ بالله.
وإن لم يصل إلى ذلك وإنما هو تعلق قلبي وافتقار قلبي فهو بحسبه وبقدره، لكنه ينقص قدر صاحبه ولا يكون عنده تمام التوحيد، ولهذا في قصة السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، منهم الذين لا يسترقون، ومعنى يسترقون يعني: يطلبون الرقية، فإن الألف والسين والتاء إذا جاءت تدل على الطلب، فمعنى استغفار: طلب المغفرة، واستغفر أي: طلب المغفرة، واستعان أي: طلب العون، واستغاث أي: طلب الغوث.
فالاسترقاء معناها: طلب الرقية، وإنما نقص قدر المسترقي عن درجة السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب؛ بسبب الحاجة التي تحصل عندما يطلب من غيره الرقية، خصوصاً في حالة المرض، فالإنسان في حالة المرض يكون تعلقه بالدواء، وتعلقه بمن يعتقد عنده دواء، بالذات إذا كان فيه أمر غيبي مثل: حالة القارئ فإنه ليس مثل العقاقير، أو العمليات التي تجرى، بل لها أسباب مادية ملاحظة.
أما بالنسبة للقراءة والرقية فإنها في الغالب تعتمد على أمر غيبي وهو: توفيق الله واستجابته للدعاء، وكذلك الأمور الطبيعية والأسباب كما سبق أن ذكرنا فيها قاعدة، وهي أن الأسباب لا تؤثر في المسببات إلا بشروط، منها: أن يكون هذا السبب سبباً حقيقياً سواءً كان طبيعياً أو شرعياً، ومنها أيضاً: أن يشاء الله أن يؤثر هذا السبب، فإن لم يشأ الله أن يؤثر هذا السبب، فإنه لا يكون له تأثير في هذه الحالة.
стр. 57
تفاضل الناس في باب العبودية لله تعالى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فصل: إذا تبين ذلك فمعلوم أن الناس يتفاضلون في هذا الباب تفاضلاً عظيماً وهو تفاضلهم في حقيقة الإيمان].
يعني: العبادة، والتوحيد يزيد وينقص، والناس يتفاضلون فيه وليسوا على نوع واحد، وهذا أمر مشاهد، فإن أهل العبادة ليسوا على نوع واحد، فمنهم من جاء بأصل التوحيد لكنه مفرط في الواجبات ويمارس المحرمات، فهذا يقال له: عبد الله بوجود أصل التوحيد عنده لكنه مفرط، وبعضهم قد يكون مقبلاً على الله ، مجتهداً في الذكر، مجتهداً في الصلاة، مجتهداً في الصدقة فيكون قد وصل إلى درجات عالية في العبادة وهذا أيضاً عابد لله.
وهكذا التوحيد، وهكذا الإيمان، فالتوحيد، والإيمان، والعبادة تزيد وتنقص وهذا أمر مقربه عند أهل السنة.
قال: [وهم ينقسمون فيه إلى عام وخاص، ولهذا كانت ربوبية الرب لهم فيها عموم وخصوص، ولهذا كان الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل].
وبالنسبة للعموم والخصوص الذي أشار إليه شيخنا يعني: يوجد من أهل العبادة من يكون لهم خصوصية في العبادة، كأن يكون إنساناً عامياً بعيداً عن العلم الشرعي، بعيداً عن التعبد والصدقة، يكتفي بالإتيان بالصلاة، وبعض الأركان، وقد يكون عنده ممارسة لبعض المعاصي، فهذا ليس مثل الشخص المجتهد في العبادة، الذي لا يفارق الصف الأول، والذي يكثر من دعاء الله، ويبكي من خشية الله، فالنوع الثاني خاص، والأول عام.
стр. 58
عبد الدينار والدرهم والدنيا ليس عبداً لله
قال: [وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار، تعس عبد القطيفة، تعس عبد الخميصة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش، إن أعطي رضي وإن منع سخط)، فسماه النبي ﷺ : عبد الدرهم، وعبد الدينار، وعبد القطيفة، وعبد الخميصة، وذكر ما فيه دعاءً وخبراً، وهو قوله: (تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش)].
قوله: (تعس)، هذا دعاء، (وانتكس)، هذا خبر.
قال: [والنقش: إخراج الشوكة من الرجل، والمنقاش ما يخرج به الشوكة، وهذه حال من إذا أصابه شر لم يخرج منه، ولم يفلح لكونه تعس وانتكس، فلا نال المطلوب ولا خلص من المكروه، وهذه حال من عبد المال، وقد وصف ذلك بأنه إذا أعطي رضي وإذا منع سخط، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ [التوبة:٥٨].
فرضاهم لغير الله، وسخطهم لغيرهم، وهكذا حال من كان متعلقاً برئاسة أو بصورة، ونحو ذلك من أهواء نفسه، إن حصل له رضي، وإن لم يحصل له سخط].
وهكذا تعلق الناس اليوم بالدنيا فتجد كثيراً من الناس، إن أعطي مالاً رضي ومدح وأثنى، وإن منع من هذا المال سخط، وغضب.
وأصبح المحرك لكثير من الأشخاص هو المال، ولهذا في كثير من بلاد المسلمين مع الأسف انتشر ما يسمى: بمظاهرات الخبز، وهم قوم يتظاهرون في بلدان للمسلمين؛ بسبب ارتفاع وغلاء الخبز، ولهم حق في أنهم يعترضون على غلاء الخبز؛ لأن هذا من الظلم، لكن أحياناً قد يكون البلد فيه عصيان كبير، وقد يصل إلى درجة الشرك، والحكم بغير ما أنزل الله، لكنهم لا يعترضون؛ لأن هذا ليس متعلقاً ببطونهم، وليس متعلقاً بالخبز الذي يأكلونه.
وهذا يدل على أن كثيراً من الناس مع الأسف أصبح تعلقهم بالدنيا، إذا أعطي من هذه الدنيا رضي وفرح ومدح وأثنى، وإن لم يعط منها سخط وغضب، بينما الصحيح أن يكون المحرك الأساسي للإنسان هو: إرضاء الله ، والذي يسخطه هو: معصية الله ، حتى ولو كان يعطى من الدنيا الشيء الكثير.
يذكر الذهبي في سير أعلام النبلاء في قصة أحد ملوك الأندلس الجبابرة، وكان ملكاً عظيماً وهو الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل، ذكر الذهبي في ترجمته: أنه كان رجلاً ظلوماً غشوماً جباراً كان يخصي العبيد، ويتركهم عنده في بيته، وكان يأخذ من الأموال الشيء الكثير، وفي نفس الوقت كان قوياً على أهل الكفر، فعندما منعوا الجزية خرج لهم في معركة مشهورة سميت: سمورة، وجعلهم يدفعون الجزية وهم صاغرون أذلاء، والرجل كان قوياً، لكنه في الباطل وفي الحق، واتفق مجموعة من العلماء على عزله، وتولية ابن عمه.
وهذا فيه درس في خطورة الفتن، وأن الفتن تجر مصائب على الأمة، فقد اجتمع أكثر من مائة من العلماء، منهم: يحيى بن يحيى الليثي راوية الموطأ المشهور، ومنهم طالوت وهو عالم من أقران الشافعي، والأندلسي، ومنهم علماء مشهورون، اجتمعوا مع ابن عمه وقالوا له: إنك ترى ما في هذا الرجل من الظلم والعدوان، ونحن نريد عزله ومبايعتك، فخانهم هذا الرجل، وذهب إلى الحكم بن هشام وأخبره بذلك، فقال له: قبحك الله! إنك جئت من أجل سفك دمي أو سفك دمائهم، فقال: أرسل معي من تثق به، فأرسل معه رجلاً واجتمعوا في مكان واحد، فكتب في الكتاب الذي معه حتى انتهى الرق من كثرة الأسماء التي يكتبها من الأعيان والعلماء والفضلاء.
وقد كان في قرطبة في تلك الفترة أكثر من أربعة آلاف عالم كلهم يفتي، تخيلوا منطقة مثل قرطبة مدينة واحدة فيها أربعة آلاف عالم، وكل واحد منهم مفت يفتي الناس، وهذا دلالة على ازدهار العلم عندهم، فكيف بطلاب العلم وكيف بالصالحين وبالمحتسبين والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر؟ أعداد كبيرة جداً.
الشاهد: يقول الذهبي: لما أراد الله فناءهم، حصلت هذه الفتنة، فأرسل أكثر من مائة ألف وقتلوا أعداداً كبيرة جداً من هؤلاء العلماء، وفر من فر، وكرهه العامة، وهاجوا عليه وقتل منهم قتلاً ذريعاً بالآلاف وشرد الآلاف، وأخرجوا من ديارهم، هذا مختصر القصة، يمكن أن تراجعوها في سير أعلام النبلاء، الشاهد في هذا الموضوع: هو أن طالوت أحد هؤلاء العلماء اختفى عند رجل يهودي من يهود الأندلس سنة كاملة، وبعد سنة جاء إلى أحد وزراء الحاكم يقال له: أبو بسام، فطلب منه أن يؤمنه عند هذا الحاكم، فذهب هذا الوزير إلى الحاكم وأخبره، وقال: عندي لك صيد سمين، قال: ما الأمر؟ قال: عندي طالوت، قال: ائتني به، فجاء به وهو مكبل، ووقف بين يدي الحاكم، وبدأ الحاكم يعد المنن وقال: ألم أعطك؟ ألم تتوف أمك وخرجت معك إلى القبر وعزيتك؟ ألم يحصل مني كذا؟ فلما أدرك الفقيه أنه لابد أن يكون صادقاً مع الله قال له: لم يكن إحسان
стр. 59
الفرق بين من طلب رزقه من الله وبين من طلبه من مخلوق في باب العبودية
قال: [فالعبد لا بد له من رزق وهو محتاج إلى ذلك، فإذا طلب رزقه من الله، صار عبداً لله فقيراً إليه، وإذا طلبه من مخلوق، صار عبداً لذلك المخلوق فقيراً إليه.
ولهذا كانت مسألة المخلوق محرمة في الأصل، وإنما أبيحت للضرورة، وفي النهي عنها أحاديث كثيرة في الصحاح، وفي السنن، والمسانيد كقوله ﷺ : (لا تزال المسألة بأحدكم حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة من لحم)].
قال: [وقوله: (من سأل الناس وله ما يغنيه، جاءت مسألته يوم القيامة خدوشاً -أو خموشاً أو كدوشاً- في وجهه)، وقوله: (لا تحل المسألة إلا لذي غرم مفظع أو دم موجع، أو فقر مدقع)، وهذا المعنى في الصحيح].
هذا الحديث ورد في قصة الأنصاري الذي جاء إلى النبي ﷺ يسأله قال: (ما عندك في بيتك؟ قال: حلس)، وذكر شيئاً آخر، قال: (ائت به)، فجاء به فباعه النبي ﷺ بدرهمين ثم أخذ الدرهمين وقال: (اشتر بواحد طعاماً، واشتر بالثاني فأساً، وائتني به فجاءه، فقال: اذهب واحتطب وبع، فإن هذا خير لك)، ثم قال له النبي ﷺ : (لا تحل المسألة إلا لذي غرم مفظع، أو دم موجع، أو فقر مدقع).
وجاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (لا صدقة لغني ولا لذي مرة سوي)، وذي المرة يعني: القوة، فإذا كان الإنسان قوياً، فعليه أن يشتغل وأن يبذل وأن يعمل، والفقر في حد ذاته ليس عيباً، كما أن الغنى في حد ذاته ليس مدحاً، المدح والذم إنما يكون على الصفات الاختيارية التي يفعلها الإنسان باختياره، لكن الفقر والغنى هذه بأقدار الله .
فينبغي على الإنسان أن يبذل، وأن يسعى؛ لكي يرفع عن نفسه الحاجة إلى الخلق، لكن إذا صار مفتقراً فعليه بالعفة، فإن العفة نوعان: عفة الفرج عن ما حرم الله، وعفة النفس عن سؤال الخلق.
وعليه أن يجتهد في هذا الأمر فإن هذا من أعظم مقامات العبودية.
стр. 60
الترفع عن سؤال الناس من كمال العبودية لله
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذا المعنى في الصحيح.
وفيه أيضاً: (لئن يأخذ أحدكم حبله فيذهب فيحتطب، خير له من أن يسأل الناس، أعطوه أو منعوه)، وقال: (ما أتاك من هذا المال وأنت غير سائل ولا مشرف فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك).
فكره أخذه مع سؤال اللسان، واستشراف القلب، وقال في الحديث الصحيح: (من يستغن يغنه الله، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء خيراً وأوسع من الصبر)].
يعني: الحقيقة أن التعلق بالدنيا يجعل الإنسان أسيراً لها، ويجعل الإنسان محتجاً إليها ويجعله يبخل، لكن عندما يكون الإنسان في نفسه قناعة تامة، أن هذه الأموال أو الرئاسات أو أياً من أعراض الدنيا إنما هي عبارة عن وسائل وليست غايات، فإنه سيبذل حينئذ ولن يندم على شيء يبذله، وسيعز نفسه ويبعد نفسه عن السؤال والحاجة، وسيكون هذا الشخص عزيزاً بالله ، ومتعلق القلب بالله .
لكن عندما يتعلق قلبه بالمال تجد أنه ذليل لهذا المال، أحياناً قد يمتنع الإنسان عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ بسبب أنه يخاف على وظيفته من الفصل مثلاً، أو بسبب أنه يخاف على نفسه السجن، فهو يعظم ذاته إلى درجة كبيرة جداً.
والواجب أن يكون الإنسان متعلق القلب بالله ، وأن يعلم أن هذه أرزاق تحصل للإنسان وقد تمتنع عنه، وكم من التجار الذين بلغوا الغاية في الغنى، وفي لحظة خسر كل ما يملك، وأصبح مديناً، ويطالبه الناس بحقوقهم.
فمثل هذا الإنسان إذا كان متعلق القلب بالمال سينهار تماماً، وسيكون في غاية الافتقار إلى الناس، بل سيتحطم غاية التحطم، لكن عندما يكون قلبه متعلقاً بالله ، فإنه لن يحصل له مثل ذلك، وكم من الملوك الذين حكموا كان أمرهم مسموعاً، ونهيهم موطن التنفيذ؟ ومع ذلك تأتي دولة ظالمة أخرى، فتسقط حكومته ويصبح أسيراً في أيديهم، أو يصبح شريداً طريداً، مع أنه كان في يوم من الأيام كل الناس تطيعه، فإذا كان الإنسان معلق القلب بهذه الدنيا سيحصل له من الأثر الكبير ما يجعله في غاية الضعف وفي غاية الذلة.
وانظروا مثلاً: إلى الأحداث التي حصلت قبل سنتين، عندما أغارت دولة ظالمة كافرة متجبرة وهي: أمريكا على دولة مسلمة وهي دولة: طالبان، فهذا الحدث فيه كثير من الدروس والعبر، فقد كانت هذه الحكومة الإسلامية الناشئة الصغيرة تعلم أن الحكم وكرسي الحكم ليس مقصوداً لذاته، وإنما هو مقصود لتحقيق العبودية لله في حياة الناس.
ولهذا عندما طالبوهم بغطرسة وعنجهية بعيدة عن العقل والعدل، وبعيدة عن الفكر السوي، وعندما طالبوهم بأمور لا يرضاها المسلم أبداً رفضوها، فعندما هددوهم كان حاكمهم يستدل بقول الله : ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣].
وما زالت نظرتهم مستمرة بهذه الطريقة القوية، لم يترددوا حتى مع تفكك دولتهم ومع سقوطها؛ لأنها دولة ضعيفة مع دولة متكبرة قوية، لكن القوة ما زالت مستمرة؛ لأن هذا أمر قدره الله علينا من هذه الدولة الظالمة، ونحن نجاهدها في سبيل الله، حتى نخرجها بإذن الله ، ومن يمت منا فهو شهيد عند الله ، ومن يبق حياً، فإنه يستمر في مجاهدة هذه الأمة الظالمة المتجبرة، فإما أن يتحقق النصر أو الشهادة.
إن هذا المستوى من العبودية لله ، مستوى عال ومرتفع جداً، وينبغي على الإنسان أن يربي نفسه على مثل هذه المستويات، فافترض يا أخي! أنك في يوم من الأيام خسرت كل ما تملك دفعة واحدة، خسرت وظيفتك، وخسرت أهلك إذ ماتوا جميعاً، فإذا كان واحد من الإخوة الأفغان خسر أكثر من ثمانية عشر من أهله حين سقطت قنبلة على بيته!! فمثل هذه الأحداث ينبغي للإنسان أن يكون عنده من الصبر ومن اليقين بالله، والتعلق بالآخرة، وبالله ما يكون وقعها على نفسه بسيطاً، تخيل أنك خسرت كل شيء، فإن أصحاب النفوس الضعيفة، والذين لا إيمان لديهم قد يلجئون إلى الانتحار، أو يصابون بشيء من الجنون، لكن أهل الإيمان يعلمون أن هذا الأمر بقضاء الله وقدره، وأن هذا أمر مكتوب عليه قبل أن يخلقه الله ، وأن عليه أن يصبر ويحتسب، وأن هذه الدنيا ليست هي كل شيء، وأن عليه أن يتعلق بالله ، وحينئذ ستقع هذه المشكلة على نفسه وقعاً خفيفاً، ولن يكون لها الموقع الكبير في نفسه.
стр. 61
الشكوى إلى الله لا تنافي الصبر الذي هو من تمام العبودية لله
قال المؤلف ﵀: [وأوصى خواص أصحابه ألا يسألوا الناس شيئاً، وفي المسند أن أبا بكر كان يسقط السوط من يده فلا يقول لأحد: ناولني إياه، ويقول: إن خليلي أمرني ألا أسأل الناس شيئاً.
وفي صحيح مسلم وغيره عن عوف بن مالك: (أن النبي ﷺ بايعه في طائفة، وأسر إليهم كلمة خفية ألا يسألوا الناس شيئاً)، فكان بعض أولئك النفر يسقط السوط من يد أحدهم ولا يقول لأحد: ناولني إياه.
وقد دلت النصوص على الأمر بمسألة الخالق، والنهي عن مسألة المخلوق في غير موضع، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح:٧ - ٨]، وقول النبي ﷺ لـ ابن عباس: (إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله)، ومنه قول الخليل: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ [العنكبوت:١٧]، ولم يقل: فابتغوا الرزق عند الله؛ لأن تقديم الظرف يشعر بالاختصاص والحصر، كأنه قال: لا تبتغوا الرزق إلا عند الله، وقد قال تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء:٣٢].
والإنسان لا بد له من حصول ما يحتاج إليه من الرزق ونحوه، ودفع ما يضره، وكلا الأمرين شرع له أن يكون دعاؤه لله، فلا يسأل رزقه إلا من الله، ولا يشتكي إلا إليه، كما قال يعقوب ﵇: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف:٨٦].
والله تعالى ذكر في القرآن: الهجر الجميل، والصفح الجميل، والصبر الجميل، وقد قيل: إن الهجر الجميل هو: هجر بلا أذى، والصفح الجميل: صفح بلا معاتبة، والصبر الجميل: صبر بغير شكوى إلى المخلوق، ولهذا قرئ على أحمد بن حنبل في مرضه: إن طاوساً كان يكره أنين المريض ويقول: إنه شكوى، فما أن أحمد حتى مات.
وأما الشكوى إلى الخالق فلا تنافي الصبر الجميل، فإن يعقوب قال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف:١٨]، وقال: ﴿إِنَّمَا أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف:٨٦]، وكان عمر بن الخطاب ﵁ يقرأ في الفجر بسورة يونس، ويوسف، والنحل، فمر بهذه الآية في قراءته، فبكى حتى سمع نشيجه من آخر الصفوف].
الحقيقة أن هذه الأمور كما أنها متعلقة بالعبادة والتعلق بالله، والتوكل عليه والرضا بقضائه، إلا أن لها آثاراً نفسية كبيرة جداً على الإنسان، فقد واجهنا أشخاصاً كثيرين في الحياة منهم من ربما تتغير أمزجته، وتتغير نفسيته بسبب حدث من الأحداث، وهناك أمور طبيعية قد تحصل للإنسان كالمرض النفسي، ولا تعني دائماً أن هذا الإنسان سيئ، لكنها تعني: أن عبادته لله ناقصة.
والأمراض النفسية أحياناً تكون مثل الأمراض الجسدية، فقد يبتلى الصالحون بالأمراض النفسية، كما يبتلون بالأمراض الطبيعية، مع أنه من الصالحين.
لكن يكون المرض النفسي فيه ملاحظة على الشخص عندما يكون الذي تسبب فيه، بأن يكون متعلقاً بالدنيا تعلقاً شديد جداً، وحريصاً عليها حرصاً غير طبيعي، ومحباً لها محبة شديدة للغاية، هذا مع نقصه في عبوديته لله ، فهو أيضاً يتعرض لمخاطر نفسية كبيرة، عندما يفقد شيئاً منها، فقد يصاب بهوس، وقد يصاب بأمراض تشغله، وقد يصاب بأمور كبيرة.
стр. 62
الأمور التي تخفف وقع المصائب على أصحابها
ولهذا من أبلغ الأمور التي تجعل وقع المصائب على الإنسان خفيفة عدم التعلق بالدنيا تعلقاً كبيراً، وأن يكون تعلقه الأساسي بالآخرة، ويكون استحضاره للآخرة دائماً، وأنت تعلم أن هذه الدنيا محدودة الأجل، وأنه مهما طال بقاؤك فيها، فمصيرك إلى الموت.
الأمر الثاني: أن يكون الإنسان في محبته مقتصداً فلا يبالغ فيها، حتى في المحبة الطبيعية كمحبة الأولاد، أحياناً الإنسان يحب أولاده محبة غير طبيعية، ويزيد في المحبة بشكل عجيب جداً، وبمجرد حصول أي مصيبة لولده لا يستطيع أن يتحمل لكن لما تكون محبته متزنة وهادئة يستطيع أن يمتص مثل هذه المشكلات.
أيضاً محبة الإنسان لزوجته ولأهله وعشيرته، ومحبة الإنسان لأهل وطنه ولوظيفته.
ولهذا قابلت شخصاً صار بينه وبين زوجته -مع محبته الشديدة لها- خلاف وطلقها، فلما أفتاهم الشيخ بأنها فارقته، وأنها لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره، أخذ يبكي بكاءً عجيباً جداً كالطفل، ولم يستطع أن يتحمل مثل هذه المشكلة؛ لأن كثيراً من الناس في مسيرتهم في الحياة متخبطون لا يسيرون باتزان.
ولهذا جاء في الأثر: أحبب حبيبك هوناً ما، عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض بغيضك هوناً ما، عسى أن يكون حبيبك يوماً ما، فالاتزان في المحبة، وفي الكره، والاتزان في العواطف عموماً يجعل الإنسان مستقراً نفسياً، وأقرب إلى الهدوء النفسي، وأقرب إلى الوضع الطبيعي في النفس، لكن المبالغات هي التي تحدث عند الإنسان كثيراً من الأمراض، أذكر أن مرة من المرات -بعد أن انتهيت من أحد الدروس- جاءني طبيب نفسي، فذكر لي أشياء عجيبة جداً من حالات الشباب الذين يأتونه، يقول: أكثرها تدور حول المحبة والعشق، يحب فتاة ويحصل بينهم خلاف فيهجرها أو تهجره، فيعيش في حياة ضنك تستمر سنوات، وقد يفقد بسبب هذه المشكلة دراسته، وقد يفقد بسبب هذه المشكلة أهله، وقد يفقد بسبب هذه المشكلة وظيفته، وقد يحصل مصائب كثيرة بسبب مثل هذه المشكلات.
فالمجتمع مليء بالغرائب، وبالنسبة للناس الطبيعيين يرون أن هذا أمر غريب، لكن الواقع شيء مهول لا يتخيله الإنسان، ومن أسباب هذا المستوى الهزيل والضعيف في نفوس الشباب والفتيات والناس عموماً، أننا أصبحنا مع الأسف أمة متلقية لما عند الآخرين، ولسنا أمة منتجة نتأمل في كتاب الله ، وفي سنة النبي ﷺ ، ونربي أنفسنا عليها، وكثير -مع الأسف- من العقليات والنفسيات اليوم صبغت بالطابع الغربي من خلال الإعلام، ومن خلال أجهزة الإفساد كالقنوات الفضائية.
وأثرها في الشعور الظاهري كالصور المثيرة للشهوات قد تثيره، لكن من الأشياء الباطنية التي تبقى مع تعدد هذه الأفلام أن تكون روح الحياة الغربية موجودة في قلبه، وروح الأفكار الغربية موجودة في عقله، فيعيش في مجتمعه على هذا الأساس.
وهنا تكون الخطورة، وهنا يكون الضياع، إذ يكون الإنسان جامعاً بين منهجين وطريقتين وحضارتين وثقافتين مختلفتين تماماً، يعيش في بلد إسلامي فيه أهله يعلمونه القرآن والسنة، ولكنه في نفس الوقت قد حشا ضميره، وحشا نفسه، وحشا عقله بمثل هذه الأمور الخطيرة، فتحصل له تخبطات هائلة جداً، لا يعلم مداها إلا الله .
стр. 63
من دعاء موسى ﵇ الذي يشتكي فيه إلى الله
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن دعاء موسى: اللهم لك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان، وبك المستغاث، وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بك].
تأملوا في هذا الدعاء العجيب: اللهم لك الحمد، هذا يتضمن الرضا، لما تقول: اللهم لك الحمد يعني: لك الثناء المطلق فإن ما أعطيتنا أكثر مما أخذت منا، وإليك المشتكى يعني: إذا اشتكيت من شيء أو احتجت إلى شيء لا أشتكي للمخلوق، بل أشتكي لله ، وأنت المستعان يعني: إذا أردت أن أبذل عملاً من الأعمال، فأنا بجهدي وحدي ليس عندي قدرة، لكن استعين بالله ، وبك المستغاث وعليك التكلان ولا حول ولا قوة إلا بك، فهذا دعاء عظيم ومليء بالفوائد.
مدار هذه الفوائد جميعاً هو أن الإنسان في هذه الدنيا ليس له إلا الله ، اللهم لا منجى منك إلا إليك، وليس لنا إلا الله في الاستعانة وفي الشكوى وفي الحاجة وفي كل شيء.
стр. 64
دعاء النبي ﷺ بعد رجوعه من الطائف وإظهاره الشكوى والافتقار إلى الله
عندما ذهب النبي ﷺ إلى الطائف والتقى بثقيف، ودعاهم إلى الله وكفروا به، وأغروا به سفهاءهم وصبيانهم، ورموه بالحجارة حتى أدموا قدميه ﵊، رجع من الطائف وهو مليء قلبه بالأشجان والأحزان؛ لأن قومه رفضوا هذه الدعوة وهو يعلم أنها خير لهم.
فتأملوا النبي ﷺ ، إذ لم يتحطم نفسياً، ولم يحتج إلى أحد في الدنيا وإنما التجأ إلى الله في أن يوظفه في الحلال فإذا أعطي نعمة يرفع يديه إلى الله: اللهم لا تجعلها فتنة لي، واجعلها باباً من أبواب الخير، ولا تجعلها فتنة، وإذا أصيب بالضراء يرفع يديه إلى الله، وتكون الصلة مع الله مستمرة، فأنت ترى كثيراً من الناس صلتهم بالله شبه مقطوعة، حتى في عبادته وفي الصلاة وفي غيرها يؤديها بشكل روتيني، وقد يفكر في أعماله الخارجية أكثر من تفكيره في صلاته.
يأتي يقف في الصف ويكبر، وينتهي ويسلم ويخرج، وهو لم يفكر أنه يدعو الله من قلب صادق، بحاجة في نفسه يحتاجها، وبعض الناس يظن أنه جزء أساسي من العمرة أن يكون معه كتاب يقرأ منه، وهذا ليس صحيحاً أبداً.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي الدعاء الذي دعا به النبي ﷺ لما فعل به أهل الطائف ما فعلوا: (اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، اللهم إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت به الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن ينزل بي سخطك، أو يحل علي غضبك، لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بالله)، وفي بعض الروايات: (ولا حول ولا قوة إلا بك).
стр. 65
طمع العبد في فضل الله ورحمته ورجاؤه له من كمال عبوديته له
قال: [وكلما قوي طمع العبد في فضل الله ورحمته، ورجائه لقضاء حاجته، ودفع ضرورته، قويت عبوديته، وحريته مما سواه، فكما أن طمعه في المخلوق يوجب عبوديته له، فيأسه منه يوجب غنى قلبه عنه، كما قيل: استغن عمن شئت تكن نظيره، وأفضل على من شئت تكن أميره].
يعني: إذا استغنيت عن شخص حتى لو كان يملك نصف الكرة الأرضية تكن نظيره، أي: مثله؛ لأنك لا تحتاجه في شيء أبداً، يعني: تخيل أن شخصاً يملك نصف الكرة الأرضية، وأنت ليس عندك شيء، لكنك مستغن عنه لا تريده، فإنك تكون مثله؛ لأنك لا تحتاج منه شيئاً، ولا تريد من دنياه شيئاً، ولا تريد مما عنده شيئاً، ولا تريد من مناصبه شيئاً، ولا تريد منه أي شيء.
قال: [وأفضل على من شئت تكن أميره].
يعني: إذا أفضلت على شخص تكون أنت أميراً له، حتى لو كان هو أميراً، يعني: على عدد كبير من الناس، ما دام أنت تفضي عليه وتعطيه فأنت أميره.
ولهذا تلاحظ أن العطاء أفضل من الأخذ بالنسبة للخلق، فينبغي للإنسان أن يكون عطاؤه أكثر من أخذه، أو أن يعطي ولا يأخذ، ويتعلق بالله في أخذه، فإذا وصلت إلى ذلك بلغت درجة عالية جداً في العبودية، وإذا أردت شيئاً التجأت إلى الله، وتأخذه من الله حتى ولو كان فيما في أيدي الناس، فإن المعطي هو الله إذا التجأت إليه.
قال: [واحتج إلى من شئت تكن أسيره].
أي: إذا احتجت إلى أحد تكون أسيراً في يده.
قال: [فكذلك طمع العبد في ربه، ورجاؤه له يوجب عبوديته له، وإعراض قلبه عن الطلب من الله، والرجاء له، يوجب انصراف قلبه عن العبودية لله، لاسيما من كان يرجو المخلوق ولا يرجو الخالق، بحيث يكون قلبه معتمداً، إما على رئاسته وجنوده وأتباعه ومماليكه، وإما على أهله وأصدقائه، وإما على أمواله وذخائره، وإما على ساداته وكبرائه كمالكه، وملكه، وشيخه، ومخدومه وغيرهم ممن هو قد مات أو يموت].
مالكه المقصود به: الحاكم، وشيخه المقصود به: العالم، ومخدومه المقصود به: الخادم الذي ينتفع به في أغراضه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان:٥٨]، وكل من علق قلبه بالمخلوقين أن ينصروه أو يرزقوه أو أن يهدوه، خضع قلبه لهم، وصار فيه من العبودية لهم بقدر ذلك.
وإن كان في الظاهر أميراً لهم، مدبراً لأمورهم، متصرفاً بهم].
يخبر ابن تيمية ﵀ أن الحاكم أحياناً يكون عبداً لمن يحكمه، وذلك لو أن خادمه غضب عليه وتركه، لبقي في حيرة لا يدري ماذا يعمل، وكالحاكم الذي يحتاج إلى جنوده الذين يقيمون له دولته.
فلو انصرفوا عنه أو صار عليه انقلاب فقد كل شيء بالنسبة لديه.
стр. 66
العبودية الحقة هي عبودية القلب لا البدن
قال: [فالعاقل ينظر إلى الحقائق لا إلى الظواهر، فالرجل إذا تعلق قلبه بامرأة ولو كانت مباحة له].
مباحة له يعني: زوجته، أو أمته، وقد اختفت من قاموسنا الإماء الآن؛ بسبب ترك الجهاد، وسيطرة الكفار على بلاد المسلمين.
قال: [فالرجل إذا تعلق قلبه بامرأته -ولو كانت مباحة له- يبقى قلبه أسيراً لها، تتحكم فيه وتتصرف بما تريد، وهو في الظاهر سيدها؛ لأنه زوجها أو مالكها، ولكنه في الحقيقة هو أسيرها ومملوكها، ولاسيما إذا علمت بفقره إليها وعشقه لها، وأنه لا يعتاض عنها بغيرها، فإنها حينئذ تتحكم فيه تحكم السيد القاهر الظالم في عبده المقهور، الذي لا يستطيع الخلاص منه، بل أعظم، فإن أسر القلب أعظم من أسر البدن، واستعباد القلب أعظم من استعباد البدن، فإن من استعبد بدنه واسترق وأسر، لا يبالي ما دام قلبه مستريحاً من ذلك مطمئناً، بل يمكنه الاحتيال في الخلاص.
وأما إذا كان القلب -الذي هو ملك الجسم- رقيقاً، مستعبداً، متيماً لغير الله فهذا هو الذل والأسر المحض، والعبودية الذليلة لما استعبد القلب].
إذاً: الحرية الحقيقية هي حرية القلب، والعبودية الحقيقية هي عبودية القلب، والعالم الغربي الآن جاءنا بموضوع الحريات العامة.
والحقيقة أنهم يستعبدون الناس استعباداً عجيباً، جاء بفكرة الحريات العامة ويقول: الإنسان له حق في التعبير، وله حق في التعليم، وله حق في كذا له، وحق في كذا، له حق في الانتخاب واختيار الرئيس، مع أنه في الحقيقة كما يقول بعض المفكرين الغربيين أن الذي يتحكم الآن في مصير أمريكا -مع أن عددهم يصل إلى ثلاثمائة مليون تقريباً أو أقل من هذا بقليل- هو واحد في المائة من الشعب الأمريكي فقط.
وأما البقية وهم أصحاب الشركات الكبرى فهم عبيد يستعبدونهم، يعني: الآن الرأس مالية الغربية هي عبودية بكل ما لكلمة عبودية من معنى، فهم يستعبدون العمال، ويمكن لشركة ضخمة كبيرة بحريتها أن تنقص مقدار الأجور حتى يصبح مقدار الأجر قليلاً جداً، أو أن تمنعه من التأمينات أو تجعله على راتب مؤقت، وإذا لم يقبل العامل يمضي إلى سبيله، لكنه محتاج، فيستعبدون الناس استعباداً عجيباً جداً، ولهذا انتشر في الغرب الذين يدعون إلى حقوق المرأة استعباد النساء، إلى درجة أنه تكونت عصابات في أوروبا الشرقية من أجل عملية بيع وشراء النساء للدعارة، يعني: شركات تمسك امرأة وتبيعها رقيقاً لشركة أخرى بمقدار كذا من أجل الدعارة، وتكون موظفة لفعل الفاحشة، ويتقاضى عليها أصحاب الشركة مبلغاً ويعطونها جزءاً بسيطاً منه.
والنظام العام الاسمي في البلد نفسه أنه يحق لها أن ترفض أن يبيعها أحد أو يشتريها، لكن لو رفضت تموت من الجوع.
ولهذا عشرات الذين ماتوا في العالم الغربي من الجوع لا دولة تعتني بهم في مجتمعهم، وفي قضاياهم، وفي الرعاية الاجتماعية بالنسبة لهم، ولهذا سميت: الرأس مالية المتوحشة، أو اللبرالية المتوحشة، فترضى الفتاة أنها تباع وتشترى، وتجد لقمة العيش، وتأتي بمبلغ بسيط لأمها وأبيها مضطرة؛ لأن الشركات الضخمة تهمها الأنانية، بل إن أحد الغربيين المفكرين الأمريكان ألف كتاباً سماه: (فضائل الأنانية)، يعني: ترجمته فضيلة الأنانية، يعني: كيف يمكن أن تكون الأنانية فضيلة من الفضائل؟ وكأن المقياس الأخلاقي انقلب.
ولهذا يستعبدون البشر باسم الحرية، مع أن الحرية الحقيقية هي: حرية القلب، وتعلقه بالله ، وما هذه الدنيا إلا أداة بسيطة.
قال المؤلف ﵀: [وعبودية القلب وأسره هي التي يترتب عليها الثواب والعقاب، فإن المسلم لو أسره كافر، أو استرقه فاجر بغير حق، لم يضره ذلك إذا كان قائماً بما يقدر عليه من الواجبات، ومن استعبد بحق إذا أدى حق الله، وحق مواليه فله أجران، ولو أكره على التكلم بالكفر، فتكلم به وقلبه مطمئن بالإيمان، لم يضره ذلك.
وأما من استعبد قلبه فصار عبداً لغير الله، فهذا يضره ذلك، ولو كان في الظاهر ملك الناس].
стр. 67
الأسئلة
стр. 68
كلمة حول استقبال شهر رمضان
السؤال
هل من كلمة توجيهية لطلبة العلم حول استقبال شهر رمضان؟
الجواب
لا شك يا إخواني! أن شهر رمضان من أفضل الأوقات التي ينبغي أن يستغلها الإنسان، ومن فاته شهر رمضان، ولم يستفد من هذا الشهر ويطبق هذا الكلام الذي نحن تحدثنا عنه، وقرأناه من كلام ابن تيمية في العبودية فهو محروم والعياذ بالله.
فينبغي أن نحرص في هذا الشهر على قراءة القرآن، وحفظه، ومراجعة الحفظ، بل إن بعض السلف كما ينقل عن مالك كان يترك قراءة الحديث، ويشتغل بقراءة القرآن، لكن نحن في زمن الناس فيه بحاجة إلى التعليم، وبحاجة إلى الدعوة والإصلاح، فلابد من مشاركة الناس، فهي فرصة عظيمة لهداية أعداد كبيرة جداً من الناس إلى دين الله ، وفرصة للتعبد، والتعلق بالله .
стр. 69
لا أحد معصوم من الخطأ حتى الذين يدخلون الجنة بغير حساب
السؤال
هل مطلوب من السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بدون عذاب ولا حساب أن يكونوا معصومين لا يعصون الله أبداً؟ أم يكفي الأربعة الأمور المذكورة؟
الجواب
لا، ليس هناك معصوم، وإنما المطلوب أنهم يجتهدون في ضبط أنفسهم بالإتيان بالواجبات، وترك المحرمات، وترك المكروهات، والتعلق بالله .
وهذا لا يعني: أنه لا يقع أحد منهم في خطأ، لكن إذا وقع خطأ يباشر بالتوبة مباشرة، يعني: قد يقع الإنسان في خطأ، فإذا وقع في خطأ تاب، وكانت توبته توبة نصوحاً.
стр. 70
موقع (طريق التوبة) على الإنترنت وبيان أهمية التوبة ووجوبها
السؤال
سمعنا عن موقع في شبكة الانترنت يسمى: طريق التوبة فما رأيكم في هذا الموقع؟
الجواب
هذا الموقع أنا اطلعت عليه، وهو موقع مفيد وممتاز، وأنا أنصح الإخوة بالمشاركة فيه، وفكرة الموقع الذي اسمه: طريق التوبة، فكرته: هو هداية الشباب والفتيات في العالم جميعاً إلى التوبة، والعودة إلى الله .
ونحن الحقيقة نعايش في الأمة رجعة صادقة وعودة صادقة إلى الله ، وكثير والله من الشباب! هم بحاجة فقط إلى أن تدله على الطريق، إلى أن تبين له كيف يمكن أن يكون إنساناً صالحاً، وبعضهم تكون عندهم مشكلات بحاجة إلى أن تحل له هذه المشكلات، وأبلغني الإخوة القائمين على هذا الموقع أنه أسلم على أيديهم رجل يهودي من اليمن، وأنه أسلم أيضاً على الموقع رجل نصراني من مصر.
وأنا أنصح الإخوة بالمشاركة في هذا الموقع بالكتابة، ومساعدة الإخوان، وتعريف الشباب بالذات بمواقع الانترنت المفيدة، فهناك مواقع للانترنت بإمكاننا أن نزورها، ونتفق معهم على أن يكون هذا الموقع الصفحة الرئيسة عندهم، أو على الأقل يوضع عنوان كبير بحيث أي شاب يأتي يجد عنوان هذا الموقع بين يديه؛ لأنه مع الأسف صارت الآن مقاهي الانترنت تستخدم للرذيلة، وصار بعض العمال يأتي ببكسيات مثلاً، ويفك للشباب المواقع الإباحية السيئة للنظر فيها والعياذ بالله.
وهذه أمور تذيب أخلاق الشباب، وتجعلهم مدنسين بالتعلق بالشهوات وغيرها، فضلاً عن كونها تغير كثيراً من مواصفات المجتمع الإسلامي، فقبل سنوات لم يكن أحد يسأل -أكرمكم الله- عن إتيان المرأة في دبرها، والآن أعداد كبيرة من النساء والرجال يتصلون بنا يستفتون في هذا الموضوع، والسبب هو النظر في مثل هذه الأفلام، حتى تصبح أمراً طبيعياً عند هذا الشخص، أو عند هذه المرأة والعياذ بالله، مع أن فيها من الأمراض، وفيها من الأمور السيئة، وفيها من معصية الله ، وفيها من الروائح الكريهة، وفيها من الأمور القبيحة ما تدفع الإنسان صاحب الفطرة السلمية إلى أن يبتعد عنها، والسبب: هو مثل هذه الأفلام التي تغير طبائع الناس، وتغير عقلياتهم وفطرهم والعياذ بالله.
ولهذا أنصح الإخوة بزيارة هذا الموقع وعنوانه: www.
tawbah.
com .
стр. 71
قبول توبة العبد ما لم يغرغر أو تطلع الشمس من مغربها
السؤال
إذا حاول العبد أن يكون عبداً لله خالصاً، وتاب من بعض التعلق بغير الله في السابق، فهل يقبله الله؟ وأن يكون من السبعين ألفاً؟
الجواب
نعم.
من الذي يرد الإنسان عن التوبة؟ والله يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات، وتقبل التوبة ما لم يغرغر الإنسان أو تطلع الشمس من مغربها، (والتائب من الذنب كمن لا ذنب له).
ولهذا ينبغي على الإنسان أن يتوب من كل ذنوبه.
стр. 72
خروج الريح من نواقض الوضوء
السؤال
إذا خرج من المرء ريح وهو على وضوء هل يعيد؟
الجواب
إذا خرج ريح من الإنسان وهو متوضئ فإنه ينتقض وضوءه، وعليه أن يتوضأ مرة أخرى.
стр. 73
سبب تخصيص ابن تيمية للصوفية بالذكر في رسالة العبودية دون سائر الفرق الضالة
السؤال
لماذا ذكر الشيخ ابن تيمية الصوفية من الطوائف الضالة، ولم يذكر بعض الطوائف الأخرى، وهل كانت الصوفية منتشرة في عهد ابن تيمية؟
الجواب
كانت الصوفية منتشرة انتشاراً كبيراً في زمن شيخ الإسلام ابن تيمية، وأيضاً غيرها من الفرق الضالة، وله كتب أخرى بالنسبة لطوائف المتكلمين، رد عليهم في كتاب (الإيمان)، و (درء التعارض)، وغيرها من الكتب.
стр. 74
رسالة العبودية [٦]
العبودية لغير الله ذل ومهانة لما سوى الله، أما عبودية الله فهي حرية لما سواه، فالحرية حرية القلب، والعبودية عبودية القلب، ومن أعظم الناس عذاباً وأقلهم ثواباً من عبدوا غير الله، كمن عبد المال أو الجاه أو الصور والأشكال أو ما عدا ذلك، ومن أعظم الأسباب للتعلق بما سوى الله: هو إعراض القلب عن الله.
стр. 75
حرية القلب وعبوديته
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه العبودية: [فالحرية حرية القلب، والعبودية عبودية القلب، كما أن الغنى غنى النفس، قال النبي ﷺ : (ليس الغنى عن كثرة العرض، وإنما الغنى غنى النفس).
وهذا -لعمر الله- إذا كان قد استعبد قلبه صورة مباحة، فأما من استعبد قلبه صورة محرمة -امرأة أو صبي- فهذا هو العذاب الذي لا يدانيه عذاب].
الحرية الحقيقية: هي حرية القلب من التعبد لغير الله ، وإذا تصورنا حقيقة العبودية لله عرفنا أن الإنسان الذي يأتي بهذه العبودية لله يكون حراً مما سواه، فهو لا يذل إلا لله، ولا يخضع إلا لله، ولا يطيع إلا الله، ولا يلتزم إلا بما شرع الله ، ولا يتوكل إلا على الله، ولا يحزن ولا يرضى ولا يفرح إلا بما أمر الله به.
следующие страницы →