← Акыда

Акыда · id 36581

شرح رسالة العبودية لابن تيمية - عبد الرحيم السلمي

عبد الرحيم السلمي

Полный текст (446 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

قبول توبة العبد ما لم يغرغر أو تطلع الشمس من مغربها السؤال إذا حاول العبد أن يكون عبداً لله خالصاً، وتاب من بعض التعلق بغير الله في السابق، فهل يقبله الله؟ وأن يكون من السبعين ألفاً؟ الجواب نعم. من الذي يرد الإنسان عن التوبة؟ والله يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات، وتقبل التوبة ما لم يغرغر الإنسان أو تطلع الشمس من مغربها، (والتائب من الذنب كمن لا ذنب له). ولهذا ينبغي على الإنسان أن يتوب من كل ذنوبه.

стр. 72

خروج الريح من نواقض الوضوء السؤال إذا خرج من المرء ريح وهو على وضوء هل يعيد؟ الجواب إذا خرج ريح من الإنسان وهو متوضئ فإنه ينتقض وضوءه، وعليه أن يتوضأ مرة أخرى.

стр. 73

سبب تخصيص ابن تيمية للصوفية بالذكر في رسالة العبودية دون سائر الفرق الضالة السؤال لماذا ذكر الشيخ ابن تيمية الصوفية من الطوائف الضالة، ولم يذكر بعض الطوائف الأخرى، وهل كانت الصوفية منتشرة في عهد ابن تيمية؟ الجواب كانت الصوفية منتشرة انتشاراً كبيراً في زمن شيخ الإسلام ابن تيمية، وأيضاً غيرها من الفرق الضالة، وله كتب أخرى بالنسبة لطوائف المتكلمين، رد عليهم في كتاب (الإيمان)، و (درء التعارض)، وغيرها من الكتب.

стр. 74

رسالة العبودية [٦] العبودية لغير الله ذل ومهانة لما سوى الله، أما عبودية الله فهي حرية لما سواه، فالحرية حرية القلب، والعبودية عبودية القلب، ومن أعظم الناس عذاباً وأقلهم ثواباً من عبدوا غير الله، كمن عبد المال أو الجاه أو الصور والأشكال أو ما عدا ذلك، ومن أعظم الأسباب للتعلق بما سوى الله: هو إعراض القلب عن الله.

стр. 75

حرية القلب وعبوديته الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد: قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه العبودية: [فالحرية حرية القلب، والعبودية عبودية القلب، كما أن الغنى غنى النفس، قال النبي ﷺ : (ليس الغنى عن كثرة العرض، وإنما الغنى غنى النفس). وهذا -لعمر الله- إذا كان قد استعبد قلبه صورة مباحة، فأما من استعبد قلبه صورة محرمة -امرأة أو صبي- فهذا هو العذاب الذي لا يدانيه عذاب]. الحرية الحقيقية: هي حرية القلب من التعبد لغير الله ، وإذا تصورنا حقيقة العبودية لله عرفنا أن الإنسان الذي يأتي بهذه العبودية لله يكون حراً مما سواه، فهو لا يذل إلا لله، ولا يخضع إلا لله، ولا يطيع إلا الله، ولا يلتزم إلا بما شرع الله ، ولا يتوكل إلا على الله، ولا يحزن ولا يرضى ولا يفرح إلا بما أمر الله به.

стр. 76

استطراد في بيان الحرية ومفهومها وبعض النظريات المخالفة فيها وفي هذه الأزمان أصبحت كلمة الحرية من الكلمات الرائجة في كل مكان، بل إنه يقف وراء هذه الكلمة وهذا المصطلح مذهب غربي له دعاية إعلامية كبيرة جداً وهو ما يسمى: بالمذهب الليبرالي.

стр. 77

الليبرالية ومفهوم الحرية الليبرالية حقيقتها ومعناها: التحرر، وأساس الليبرالية الفلسفي هو الحرية، لكنهم فهموا الحرية بفهم غير صحيح، بينما الحقيقة أن المفهوم الصحيح للحرية هو ما في هذا الدين، فقد كان الغربيون يعيشون في مجتمع يستعبدهم فيه نوعان من الظلم: الملوك عن طريق النظام الإقطاعي الذي كان موجوداً في أوروبا، ورجال الدين الكنسي وهم النصارى الذين حرفوا الدين الذي أنزله الله على عيسى، وجعلوا هذا الدين يدور حول أنفسهم ولمصالحهم الشخصية وليس هو دين الله الذي أمر الله به. وهذا الوضع الاجتماعي الفاسد استمر حقبة طويلة جداً في أوروبا، ثم حصلت تغيرات اجتماعية في أوروبا منها: الثورة الصناعية العصرية الموجودة الآن، وما تركب عليها من بروز طبقة في المجتمع الغربي تسمى: الطبقة الوسطى، وأحياناً يعبرون عنها بالبرجوازيين، وهم أشخاص من أصحاب الأملاك والتجارات ورءوس الأموال أرادوا أن يحركوا هذه الأموال، وأن ينشطوا رأس المال، وأن تكون لهم مكاسب كبيرة من الناحية المادية، فهذه الظروف والتغيرات الاجتماعية ولدت ثورات في أوروبا، نتج عنها مذاهب فكرية معاصرة، ونتج عنها تحطيم النظام الإقطاعي، واختراع ما يسمى بالديمقراطية: وهو نظام سياسي يقوم على الحرية والتعبدية والانتخاب. وترتب عليه أيضاً وجود مذاهب في الاقتصاد ومنها: مذهب الرأسمالية الذي معناه: الحرية الاقتصادية المفتوحة التي لا يحدها أحد، وترتب عليه أيضاً وجود مذهب غربي آخر وهو: الحرية في مجال الأدب وفي مجال النفس، وهكذا نتجت مذاهب غربية كبيرة أساسها الحرية وإثبات وجود الذات في مذهب يسمى: الوجودية. ومذهب الوجودية: يقوم على إثبات وجود الإنسان لنفسه بالفعل الذي يقوم به، فهو يقوم بكل فعل، سواء كان هذا الفعل فعلاً تقره الشرائع أو لا تقره الشرائع، وسواء كان هذا الفعل الذي يقوم به فعلاً أخلاقياً أو غير أخلاقي، وسواء كان هذا الفعل مناسباً أو غير مناسب، أهم شيء هو أن يثبت وجوده من خلال الفعل الذي يقوم به، ولهذا انتشرت عند الغربيين صيحات غريبة جداً، وانتشر شذوذ في مجال الأخلاق، وفي مجال الفكر، وفي مجال الأدب، وفي مجال الرسم، وفي مجال الشعر، وفي المجال الفكري، والشاهد من هذا كله: هو أن الصورة الغربية المعاصرة الآن هي: الحرية، ومعناها: الانفلات المطلق، وأن الشخص يثبت ذاته وشخصه بإعطائه لنفسه الحرية المطلقة في باب من الأبواب، ولا يوجد أصلاً في الكون انفلات مطلق مائة بالمائة، لكن قد يوجد شخص يترك لنفسه الانفلات، ولا بد أن يكون لهذا الانفلات حدود، فلو أردت أن تجعل من نفسك طائراً فإنك لن تقدر؛ لأن لك حدوداً بشرية أنت محدود من خلالها، ولو أردت أن تجعل من نفسك ملكاً وإمبراطوراً كبيراً فلن تستطيع؛ لأن هناك عقبات تقف في وجهك ولا تجعلك تصل إلى ما تريد. فهل يمكن تطبيق الحرية بالمفهوم الغربي أو لا يمكن تطبيقها؟ ومعنى الفكرة الغربية الحرية، هي: الانفلات المطلق، ولهذا وجدت نظريات غريبة جداً منها: نظرية الجندر.

стр. 78

نظرية الجندر ومفهوم الحرية ففكرة الجندر عند الغرب هي: أنهم أرادوا إثبات المساواة بين المرأة والرجل مساواة مطلقة، وأنه ليس هناك أي فرق بين الرجل والمرأة، فالرجل مثل المرأة مائة بالمائة، والمرأة مثل الرجل مائة بالمائة وليس هناك أي فرق بينهم، وأنكروا الفروق الحقيقية البدنية التي يسمونها: بيولوجية، والفروق النفسية التي يسمونها، سيكولوجية، والفروق بين المرأة والرجل هي: وجود أثداء عند المرأة، ووجود عضو تناسلي معين عند المرأة مختلف عن عضو الرجل، وهذه الفروق مثل الطول والقصر والنحافة والسمن واللون، فكما أنه لا يوجد فرق بيولوجي أو سيكولوجي بين الأبيض والأسود فكذلك ليس هناك فرق بين الرجل والمرأة، فالرجل مثل المرأة مائة بالمائة، والمرأة مثل الرجل مائة بالمائة، وحتى يؤكدوا هذا المفهوم قالوا: يجب أن نغير النوع الاجتماعي، يعني: هناك وضع معين للتفريق الاجتماعي بين الرجل والمرأة وهو النوع -أي: الذكورة والأنوثة- وهذا النوع -الذي هو سيكس- أرادوا تغييره وقالوا: ليس هناك نوع اجتماعي أصلاً، إنما هو نوع واحد وهو الإنسان، فقالوا: يجب أن نحذف هذا النوع -سيكس- ونجعل مكانه جندر، يعني: مساواة مطلقة بين المرأة والرجل. وقد يستغرب الإنسان ويقول: لماذا جاءوا بهذه النظرية؟ و الجواب أنهم جاءوا بهذه النظرية وهدفها الأساسي اقتصادي محض؛ فهم يريدون أن يوظفوا المرأة في أي مجال، حتى ولو في حفر الأنفاق، أو في أصعب الأعمال وأشقها، وحتى لا تلزمهم النقابات ومنظمات العمل في تلك البلدان بأن هناك فرقاً بين المرأة والرجل، وأن المرأة لها حق إذا حملت، ولها حق الأمومة وحق الرضاع وحق تربية ولدها فترة من الفترات، فمن أجل هذا الأمر أرادوا أن يغيروا الفرق النوعي بين الرجل والمرأة من أجل أن يسووا بين المرأة والرجل في سوق العمل، فعندهم إذا مرض الرجل فإنه يأخذ إجازة من العمل أنه مريض، كذلك المرأة إذا حملت وفي التصنيف الطبي أن الحمل والولادة ليسا مرضاً، ولهذا لا يعتبره الغربيون أنه حالة من حالات المرض عندما تلد المرأة وإنما هو أمر طبيعي، ولهذا إذا توقفت المرأة بسبب الحمل فإنها لا تتقاضى أي مقابل لهذا التوقف، وإنما ينقص راتبها أو لا يكون لها أي مبلغ مالي في مثل هذه الفترة؛ لأنها هي التي توقفت بمحض إرادتها، فتبقى المرأة بين نارين: إما ألا تكون أسرة بالمرة حتى لا تحمل ولا يكون لها أولاد، حتى لا يكون عندها عبء أسري، وتعيش حياتها كلها بدون ولادة وإنجاب، وبهذا يكون القضاء على الأسرة أمر محتم، وإما أن تشتغل وتحاول الجمع بين العمل وبين الوضع الاجتماعي السيئ في سوق العمل وهذا هو الموجود الآن -مع الأسف- في الواقع الغربي، ويريده الكثيرون ممن ينادون بالتوسع في مجال عمل المرأة أن يحصل في بلادنا. والكلام كثير الآن في الصحافة وفي الإعلام حول مسألة توسيع عمل المرأة، بل إن بعض الصحفيين يضعون تحقيقات وسؤالات ويقولون: ما المانع أن تكون المرأة جزارة؟ أو أن تكون ميكانيكية، فتفتح لها بنشراً وتشتغل فيه وتغير الزيت والكفرات وغير ذلك؟ وما المانع أن تشتغل المرأة بأي عمل بدون حدود؟ وهم في الأخير يقولون: وفق الضوابط الشرعية حتى يقبل الناس مثل هذا الكلام، وهذا الكلام في غاية الخطورة. والتوسع في مجال عمل المرأة هو البداية بل هو لب تحرير المرأة عند هؤلاء المستغربين الذين يريدون أن يحولوا مجتمعاتنا كالمجتمعات الغربية، وليس المجال هو مجال الحديث عن ما ترتب على هذه الأوضاع المأساوية في الغرب والإحصائيات الحائلة، والتي تبين فشل التوسع في عمل المرأة أو مجاله، لكن نحن نريد أن نربط هذا الموضوع بموضوع مفهوم الحرية عند الغربيين، والمشكلة أن العالم الغربي لم يكتف بمفهوم الحرية لشخصه، وإنما ألزم الأمم الأخرى بهذا المفهوم.

стр. 79

العولمة والحرية العولمة قائمة على الحرية الاقتصادية، والعولمة: هي فكرة ومذهب هدفه إزاحة أي عقبة أمام انتقال رأس المال، فرأس المال ينتقل من هذا البلد إلى ذاك البلد بدون أي عوائق، سواء كانت عوائق أخلاقية أو عوائق الجمارك التي هي العوائق النظامية، أو أي عائق من العوائق، التي منها: ألا تقوم الدول بدعم القضايا الاجتماعية في بلادها، فيجب عليها حسب النظرة الغربية أن ترفع الإعانات التي تعطيها للمواد الضرورية مثل الأكل أو غيره من الأشياء الأساسية في حياة الإنسان، وأنه يجب على الدولة أن ترفع يدها عن الصحة وتكون للقطاع الخاص جميعاً، وألا تكون هناك مستشفيات تابعة للدولة تعالج الناس بالمجان، ويجب كذلك على الدولة أن ترفع أي نوع من أنواع الإعانات، وأن تكتفي الدولة على مشاريعها الخاصة فقط، وأما بقية الأمور فإنها تسلمها للقطاع الخاص، فهذه فكرة العولمة الأساسية. فهل يمكن تطبيقها بالأسلوب الذي يريده الغربيون مائة بالمائة؟ الجواب يستحيل أن تطبق بالصورة التي يريدها الغربيون مائة بالمائة؛ لأن هناك عقبات اجتماعية، فإذا كان الغرب لا يعرفون العيب، فنحن نعرف العيب، وإذا تركوا دينهم وأعرضوا عنه وأصبح همهم الأساسي هو المال، فهناك بلدان كثيرة جداً عندها أديان ولو كان التزامها ضعيفاً، إلا أنه من المستحيل أن يرضوا بهذا، فمن يتصور أنه يمكن أن تفتح بارات للخمور ومحلات للدعارة في بلاد المسلمين؟ فلا يرضى بهذا أحد من أهل الإسلام، وإن كان أحياناً قد يوجد ضغوط على البلاد الإسلامية لرفع الحواجز عن مثل هذه القضايا، والشاهد -يا إخواني! - هو أن الغربيين تحرروا فعلاً من الأديان وتحرروا من الأوضاع الاجتماعية، وتحرروا من كل شيء، فهل حصلوا على الحرية الحقيقية؟ الجواب لا، فقد استعبدهم الشيطان، واستعبدتهم الآراء الغريبة، وأصبحوا فريسة كبيرة للشيطان يتلاعب بهم، وليس هناك حد فاصل أو منطقة فارغة، فإما أن تكون عابداً لله أو تكون عابداً للشيطان، ويجب على المسلمين أن يطالبوا بالحرية الصحيحة المنضبطة التي تكون بعيدة عن قيود البشر، فتعبدنا لله يكون بقدر الانفكاك من التعبد للمخلوقين، وأن نكون أحراراً منهم، ولهذا تعلمون قصة ربعي بن عامر عندما جاء إلى كسرى أو أحد قوات كسرى في معركة القادسية فقال له: إن الله بعث إلينا رسولاً ليخرجنا من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد. فالصحابة صاروا أحراراً من عبادة العباد، وقد كان يستعبدهم هوى مطاع، أو حاكم ظالم، أو قبيلة تحكم أفرادها بأي أسلوب، كما قال الشاعر: وما أنا إلا من غزية إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشد يعني: أنا من جماعتي، فإذا أتوا برأي راشد فأنا معهم راشد، وإذا أتوا برأي ليس برشيد فأنا غاوٍ معهم، وكذلك الآصار والأسر الاجتماعي: كالأسر المذهبي. ولهذا فإن أكثر الناس حرية هم الذين يتعبدون لله ، فكلما تعبد الإنسان لله كلما نال الراحة والسرور والطمأنينة والحرية من البشر، وكلما ترك التعبد لله فهو بقدر هذا الترك للتعبد لله يتعبد للشيطان وللهوى وللقبيلة، أو لأي وضع من الأوضاع التي يعيش فيها. ولهذا نحن نطالب بالحرية التي هي بمعنى: التعلق المطلق بالله وبشريعته، فكلما التزمنا بمحبة الله وبشريعته فنحن أحرار؛ لأننا لسنا عبيداً للبشر، والمطلوب في الحرية ألا تكون عبداً للمخلوق؛ لأنه إنسان مثلك، فليس له حق في أن يستعبدك، ولا يعني: أن الحرية ألا يطيع الإنسان غيره إذا كان في طاعته طاعة لله ؛ لأن الله أمر بطاعة الوالدين، فلا تكون هذه الطاعة عبودية إلا إذا أمراك بالمعصية وأطعتهما، والحاكم المسلم طاعته واجبة بأمر الله وأمر الرسول ﷺ ، وتكون عبودية للحاكم إذا تذلل الإنسان له وأطاعه في معصية الله ، وهكذا الحال مع القبيلة، أو مع النفس، أو مع بقية البشر، فإذا استقام الوالدان واستقامت القبيلة واستقام الحاكم واستقام الوضع الاجتماعي الذي أنت فيه على طاعة الله فلك حرية ليس لها حدود بعد ذلك. والذي دعا إلى التعليق في هذا الموضوع المهم الذي هو موضوع الحرية هو قول شيخ الإسلام الذي يعتبر قاعدة في هذا الباب عندما قال: فالحرية حرية القلب، والعبودية عبودية القلب. ومتى كان الإنسان حراً في قلبه فإنه لا يمكن استعباده إذا كان حراً لله ، مهما حاول الآخرون والشيطان استعباده، ومهما حاولت أي أمة من الأمم استعباده فإنه لا يرضى بالعبودية؛ لأن الحرية الحقيقية حرية القلب، والقلب هو أساس عمل الإنسان، والجوارح ما هي إلا نتيجة لعمل القلب. ولا يمكن أن يكون هناك عمل من أعمال الجوارح الاختيارية دون أن يكون له أساس في القلب، وهذه قاعدة أهل العلم المعروفة في علاقة الظاهر بالباطن، وفي علاقة القلب بالجوارح، وهي: أن العلاقة علاقة مطردة وتامة إلا في حالتين: في حالة النفاق، وفي حالة الإكراه، ففي حالة النفاق يظهر الإنسان شيئاً ويخفي شيئاً آخر، وفي حالة الإكراه يلزم في

стр. 80

أنواع العبودية لغير الله تعالى قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهؤلاء من أعظم الناس عذاباً، وأقلهم ثواباً]. العبودية لغير الله أنواع من حيث ماهيتها ونوعها، وأنواع من حيث حكمها الشرعي، فهناك عبودية للمال، وهناك عبودية للصور والأشكال، وهناك عبودية للشرف، وهناك عبودية لأمر غيبي يتخيل الإنسان أنه صحيح، فإذا كان لغير الله فهو خرافة. فمن العبودية: العبودية للمال والشرف، قال ﷺ في الحديث المشهور: (ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم أضر أو بأضر عليه من حرص الإنسان على المال والشرف لدينه)، وهذا الحديث صحيح، وقد شرحه الحافظ ابن رجب الحنبلي في رسالة كاملة، وهو حديث عظيم جداً يحمل مثالاً عظيماً: وهو أن حرص الإنسان على الشرف والمال يفسد الدين كما يفسده الذئبان الجائعان اللذان أرسلا في غنم ليس لها راعٍ. ومن خصائص الذئب: أنه لا يكتفي بما يريد، فإذا دخل في مكان مليء بالأغنام فإنه لا يكتفي بأن يقتل واحدة بل يقتلها كلها ثم بعد ذلك يأكل واحدة فقط ويمشي، ولهذا فإن أهل البادية يعرفون عن الذئب أنه مفسد، فهو يأكل الشيء الذي عنده ويقتل الباقي. فالمقصود: أن حرص الإنسان على الشرف والمال يفسد دينه بأكمله كما يفسد الذئب هذه الأغنام، وإذا كان الإنسان حريصاً على المال والشرف فإن الحرص عليهما قد يصد عن سبيل الله وقد يدعو إلى الكفر. وأنتم تعلمون قصة هرقل عظيم الروم لما أرسل إليه النبي ﷺ عمراً بن أمية الضمري، وجيء له بالكتاب من رسول الله ﷺ ، ثم بعد ذلك جمع أبا سفيان ومعه بعض العرب وسألهم عن النبي ﷺ ، والحديث طويل عن ابن عباس في صحيح البخاري، فقد سألهم عن حاله، وعن نسبه، وعن المعارك التي بينه وبينهم، وعن حقيقة دعوته، وماذا يطالب به، وهل كان في آبائه من ملك، وبعدما انتهى من الأسئلة قال: والله إن صدقتم فيما قلتم إنه رسول الله، فإنه سيملك موضع قدمي هاتين، -وكان قصر هرقل في الأردن- ولو أنني خلصت إليه -يعني: وصلت إليه- لغسلت عن قدميه وشربت مرقتها، وهذا يدل على أنه عرف الدين، وقد كان عنده شيء من علم الكتاب، لكن منعه من الإسلام الشرف وحب الملك، فلو أن هرقل أسلم فإنه سيترك الدولة الرومانية التي يملكها بأكملها، وسيأتي إلى المدينة ويعيش صعلوكاً ليس معه درهم واحد، فهذه الموازنة التي حصلت في عقل هرقل، فقد كان يملك أوروبا بأكملها، وبلاد الشام عبارة عن مستعمرات، وكما أن أمريكا استعمرت أفغانستان والعراق فإن هرقل استعمر بلاد الشام. والاستعمار اسم جميل لكنه في الحقيقة تدمير، فالأعداء يسمونه أسماء جميلة حتى تروج عند الناس. فالشاهد: أنه جمع بطارقة الروم في دسكرة واحدة وأطل عليهم من شرفة وأغلق الأبواب وأخبرهم بخبر النبي ﷺ وقال: والله إنه رسول الله، ثم قال لهم: هل لكم في الفلاح والنجاح؟ فحاصوا كما تحوص الحمر، واتجهوا إلى الأبواب، فلما يئس عدو الله من الإسلام قال: ردوهم علي فلما اجتمعوا بين يديه قال: إنما كنت أختبر التزامكم بدينكم، فبقي على شركه. فالشرف أحياناً قد يدعو الإنسان إلى الشرك، ويمنعه من الإسلام، وهكذا الحال في المال، فقد يصد عن سبيل الله في كثير من الأحيان.

стр. 81

عشق الصور عبادة لغير الله فالشاهد: أن عشق الصور هو نموذج من نماذج التعبد لغير الله ، وقد يكون شركاً أكبر إذا صرف العبادة لغير الله، أو استحوذت هذه المحبة على القلب بأكمله. والمقصود بعشق الصور هو: عشق الأشكال الجميلة سواء النساء أو غيرها، فالإنسان ينظر إلى الصورة الجميلة فيتعلق قلبه بها فيحبها محبة روحية أكثر من كونها محبة جسدية، وقد يحب امرأة فيتعلق قلبه بها حتى لو لم يجامعها في يوم من الأيام، لكن قلبه يتعلق بها فتكون المحبة روحية، والروح تؤثر في الإنسان مثلما يؤثر الجسد، والروح تمرض مثلما يمرض الجسد، فقد يمرض جسده فلا يقوم من الفراش، وكذلك الروح قد تمرض فتؤثر على بدنه فيسقط طريحاً. رفع لـ ابن عباس فتى أصبح عظماً على جلد فقال: ما هذا؟ قيل له: من العشق، فكان ابن عباس يستعيذ بالله من العشق طوال ذلك اليوم؛ لأن الجمال والروح بينهما علاقة، وإذا لم يستطع الإنسان ضبط عواطفه، وتوجيه هذه العواطف لمحبة الله والتعلق بالله فإن هذه العواطف قد تفتك به وتهلكه والعياذ بالله، ولهذا فإن أحمد شوقي يقول: صوني جمالك عنا إننا بشر من التراب وهذا الحسن روحاني أو فابتغي فلكاً تأوينه ملكاً لم يتخذ شركاً في عالم فاني أي: يقصد الشاعر أن هذا الأشياء روحية تؤثر على الإنسان تأثيراً كبيراً، والإنسان مكون من روح وجسد. والشاهد الذي يعنينا من هذا الكلام: هو أن العشق قد يصل إلى الشرك الأكبر، ولهذا فإن مجنون ليلى هام على وجهه فلم يستفق إلا وهو في صحراء قاحلة بدون أكل وشرب، فمات فيها. ومعنى هام على وجهه أي: فقد إحساسه، كحاسة الرؤية، وحاسة السمع، وحواسه الجسدية كلها، وأصبح يمشي دون أن يشعر بأي شعور، وهذا معناه: أن إرادة القلب انصرفت لغير الله بأكملها والعياذ بالله. ولسنا في صدد الحكم على مجنون ليلى، لكن الشاهد: أن الإرادة إذا انصرفت كلها لغير الله فإنه قد يقع في الشرك، قال الله : ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ [هود:١٥]، ومن زينة الحياة الدنيا: النساء وغيرها ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإن العاشق لصورة إذا بقي قلبه متعلقاً بها مستعبداً لها اجتمع له من أنواع الشر والفساد ما لا يحصيه إلا رب العباد، ولو سلم من فعل الفاحشة الكبرى، فدوام تعلق القلب بها بلا فعل الفاحشة أشد ضرراً عليه ممن فعل ذنباً ثم يتوب منه، ويزول أثره من قلبه]. بل إن الذين كتبوا في هذا المجال قالوا: إذا حصل الجماع فقد ما في القلب، ولهذا قال النبي ﷺ : (ليس للمتحابين إلا الزواج). فإذا أحب رجل فتاة فالأولى والأوجب له أن يتزوجها؛ لأنه إذا لم يتزوج منها وبقيت العلاقة بينهما فإن هذا يؤثر تأثيراً سلبياً في حياتهما بشكل كبير، فالزواج في أغلب الأحيان يقطع مشكلة العشق. قال: [وهؤلاء يشبهون بالسكارى والمجانين]. قال الله : ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر:٧٢]، فشبه السكرة بشرب المسكر، ووجه الشبه بينهما في غياب العقل تماماً، ولهذا فإن كثيراً من الشباب والفتيان يتصلون بالأطباء النفسيين، وبالمشايخ الشرعيين، أنهم يجدون عناء كثيراً جداً وشقاء كبيراً في هذا الموضوع. والتعبير السطحي لهذا الموضوع هو أنهم يرسمون قلباً، ويرسمون سهماً يخترق هذا القلب، ثم نقطاً من دم، ويكتبون: الحب عذاب، وهذا تعبير صحيح، وفعلاً الحب عذاب دنيوي، فإن صاحبه يشعر بالشقاء والهم والتعاسة والعناء بشكل كبير. قال: [كما قيل: سكران سكر هوى وسكر مدامة ومتى إفاقة من به سكران وقيل: قالوا جننت بمن تهوى فقلت لهم العشق أعظم مما بالمجانين العشق لا يستفيق الدهر صاحبه وإنما يصرع المجنون في حين]. والفرق بينهما: أن السكران يسكر ساعتين أو خمس ساعات أو عشر ساعات، لكن سكران الهوى يسكر طول عمره.

стр. 82

من أعظم أسباب عشق الصور قال: [ومن أعظم أسباب هذا البلاء: إعراض القلب عن الله؛ فإن القلب إذا ذاق طعم عبادة الله والإخلاص له لم يكن عنده شيء قط أحلى من ذلك ولا ألذ ولا أطيب]. وكم فقد هؤلاء المساكين هذه المتعة وهذه اللذة بمحبة الله ، وكم عاشوا في شقاء وتعاسة بهذا التعلق بالمخلوق، سواء كان تعلق جمال، أو تعلق دنيا، أو أي نوع من أنواع التعلق. فالحقيقة أن كثيراً من الناس لم يذق طعم محبة الله ، وكما قال العلماء: كل من أحب شيئاً من المخلوقين عذب به إلا إذا أحب الله ، فإنه يجد المتعة والسعادة والسرور، والتجربة تدل على ذلك فضلاً عن الدلائل الشرعية الكثيرة، ولهذا جاء في الحديث: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان)، والحلاوة: هي الطعم، سواء كان في اللسان، أو في غيره، فحلاوة العين بالمنظر الحسن، وحلاوة الأذن بالصوت الحسن، وحلاوة القلب بالراحة والطمأنينة والسعادة، قال: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود إلى الكفر كما يكره أن يقذف في النار). فالثلاثة العناصر كلها تدور حول الحب والبغض، وهذا يدل على أهمية مسألة الحب والبغض، وفي الحديث: (أوثق عرى الإيمان: الحب في الله، والبغض في الله)، والمحبة: هي الولاء وما يترتب عليها من عمل، وما يترتب على البغض من عمل هو البراء، ولهذا فالذين يحاولون تجهيل الناس بآيات الولاء والبراء ويحذفونها من المناهج يجب عليهم أن يخافوا الله ، فإنها أساس في العقيدة، وتجهيل الناس في هذا الباب من أعظم الأمور الخطيرة على أديان الناس. قال: [والإنسان لا يترك محبوباً إلا بمحبوب آخر يكون أحب إليه منه، أو خوفاً من مكروه، فالحب الفاسد إنما ينصرف القلب عنه بالحب الصالح، أو بالخوف من الضرر]. وقد شبه ابن القيم ﵀ هذا الموضوع بالإناء، وقال: إن الإناء بحسب ما وضع فيه، إذا وضعت فيه مادة فاسدة فإنه يكون ممتلئاً بها، فإذا وضعت فيه مادة صالحة بقدر هذه المادة الداخلة فإنها تخرج المادة الفاسدة، حتى إذا استكمل القلب، وأصبح مليئاً بالمادة الصالحة، خرجت المادة الفاسدة. ولهذا فالقلوب ثلاثة أنواع: قلب ميت: وهو الممتلئ بالفساد. وقلب صحيح: وهو الممتلئ بالصلاح. وقلب مريض: وهو المخلوط. فهناك مادتان: مادة فساد ومادة صلاح، والقلب المريض ليس ميتاً ولا صالحاً، وهذا هو قلب الفاسق.

стр. 83

الفطرة في كلام ابن تيمية قال: [قال تعالى في حق يوسف ﵇: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف:٢٤]، فالله يصرف عن عبده ما يسوؤه من الميل إلى الصور والتعلق بها، ويصرف عنه الفحشاء بإخلاصه لله، ولهذا يكون قبل أن يذوق حلاوة العبودية لله والإخلاص له تغلبه نفسه على اتباع هواها، فإذا ذاق طعم الإخلاص وقوي في قلبه انقهر له هواه بلا علاج، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت:٤٥]؛ فإن الصلاة فيها دفع للمكروه وهو الفحشاء والمنكر، وفيها تحصيل المحبوب وهو ذكر الله ، وحصول هذا المحبوب أكبر من دفع ذلك المكروه، فإن ذكر الله عبادة لله، وعبادة القلب لله مقصودة لذاتها، وأما اندفاع الشر عنه فهو مقصود لغيره على سبيل التبع]. يقصد ابن تيمية بكلامه: الفطرة، فإن الله يقول: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٣٠]. ويقول ﵊: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء، حتى تكونوا أنتم تجدعونها) ثم قرأ أبو هريرة الآية السابقة في سورة الروم.

стр. 84

معنى الفطرة والفطرة: هي ميل القلب إلى الله، ومحبته له، وهذا أمر مخلوق فيه، ومعنى كلمة فطرة: خلقة؛ ولهذا قال ابن عباس: لم أكن أعلم ما معنى فاطر حتى سمعت رجلاً من العرب يقول: أنا فطرتها -أي: البئر- قبله، يعني: أنا ابتدأتها وأنشأتها قبله. قال: [والقلب خلق يحب الحق ويريده ويطلبه، فلما عرضت له إرادة الشر طلب دفع ذلك، فإنها تفسد القلب كما يفسد الزرع بما ينبت فيه من الدغل، ولهذا قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:٩ - ١٠]، وقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى:١٤ - ١٥]، وقال: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ [النور:٣٠]. وقال تعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ [النور:٢١]، فجعل سبحانه غض البصر وحفظ الفرج هو أقوى تزكية للنفس، وبين أن ترك الفواحش من زكاة النفوس، وزكاة النفوس تتضمن زوال جميع الشرور، من الفواحش والظلم والشرك والكذب وغير ذلك]. هذا يدل على أهمية تزكية النفس وتصفيتها وتهذيبها من كل الأدران السيئة وتغذيتها وتقويتها وتنميتها بالإيمان والعمل الصالح. وأهل السنة والجماعة كما أن لهم منهجاً راشداً وصحيحاً ومبنياً على الكتاب والسنة في باب الأسماء والصفات فهم كذلك لديهم منهج راشد وصحيح ومبني على الكتاب والسنة في مجال السلوك والتعبد والأخلاق والآداب، وقد مرت فترة طويلة على كثير من المنتسبين إلى السنة بسبب المؤلفات التي ألفت في العقيدة، وأن اتجاهها كان إلى مناقشة قضايا الأسماء والصفات، فظن كثير من المنتسبين إلى السنة أن محور العقيدة فقط الأسماء والصفات، بينما عقيدة أهل السنة والجماعة شاملة لكل حياة الإنسان، لأنها هي حقيقة الإسلام الصحيح مطابقة، فيشمل سلوك الإنسان، ويشمل سياسة الدنيا بهذا المنهج، ويشمل المال وتدبيره، وهكذا جميع حياة الإنسان.

стр. 85

من العبودية لغير الله طلب الرئاسة والعلو في الأرض قال: [وكذلك طالب الرئاسة والعلو في الأرض؛ قلبه رقيق لمن يعينه عليها، ولو كان في الظاهر مقدمهم والمطاع فيهم، فهو في الحقيقة يرجوهم ويخافهم، فيبذل لهم الأموال والولايات، ويعفو عما يجترحونه ليطيعوه ويعينوه، فهو في الظاهر رئيس مطاع، وفي الحقيقة عبد مطيع لهم]. لأن قوام ملكه وسيطرته هي بما عنده من الرئاسات، ولهذا فهو يحتاجهم، فإذا لم يرعهم ويعتني بهم خانوه في أحوج ما يكون محتاجاً إليهم، ولعله من العبرة القريبة التي حصلت عندما جاء هؤلاء المجرمون الأمريكان وحاربوا العراق، وكان رئيسهم الظالم المتجبر الذي ينشر على الناس الضلالة قد خانه جنوده وأتباعه في أحوج ما يكون إليهم، وسقط مثل أي ورقة تسقط من شجرة، ليس له أي ملك ولا سلطان ولا أي أمر ولا نهي، وهذا يدل على أن الإنسان الذي يتعلق قلبه بالآخرين والذي يكون محتاجاً إليهم حتى لو كان في الظاهر قوياً أو مسئولاً، أو لديه سلطان فهو في الحقيقة محتاج إليهم. قال: [والتحقيق: أن كلاهما فيه عبودية للآخر، وكلاهما تارك لحقيقة عبادة الله، وإذا كان تعاونهما على العلو في الأرض بغير الحق؛ كانا بمنزلة المتعاونين على الفاحشة أو قطع الطريق، فكل واحد من الشخصين -لهواه الذي استعبده واسترقه- مستعبد للآخر]. أي: أن الفاحشة هي حالة استمتاع من الطرفين، وكل واحد منهما محتاج إلى الآخر، وهكذا الحال في مسألة الرئاسة والعلو في الأرض.

стр. 86

طالب المال عبد لغير الله قال: [وهكذا أيضاً طالب المال فإن ذلك يستعبده ويسترقه، وهذه الأمور نوعان: منها: ما يحتاج العبد إليه كما يحتاج إليه من طعامه وشرابه ومسكنه ومنكحه ونحو ذلك، فهذا يطلبه من الله ويرغب إليه فيه، فيكون المال عنده، يستعمله في حاجته، بمنزلة حماره الذي يركبه، وبساطه الذي يجلس عليه، بل بمنزلة الكنيف الذي يقضي فيه حاجته، من غير أن يستعبده فيكون هلوعاً، ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج:٢٠ - ٢١]]. الكنيف هو: الحمام. قال: [ومنها ما لا يحتاج العبد إليه، فهذا لا ينبغي له أن يعلق قلبه به، فإذا تعلق قلبه به صار مستعبداً له، وربما صار معتمداً على غير الله، فلا يبقى معه حقيقة العبادة لله، ولا حقيقة التوكل عليه، بل فيه شعبة من العبادة لغير الله، وشعبة من التوكل على غير الله، وهذا من أحق الناس بقوله ﷺ : (تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار، تعس عبد القطيفة، تعس عبد الخميصة)، وهذا هو عبد هذه الأمور، فلو طلبها من الله فإن الله إذا أعطاه إياها رضي، وإذا منعه إياها سخط.

стр. 87

العبد الحقيقي لله تعالى من اتصف بالحب والرضا والولاء لله ولأوليائه قال: [وإنما عبد الله من يرضيه ما يرضي الله، ويسخطه ما يسخط الله، ويحب ما أحبه الله ورسوله، ويبغض ما أبغضه الله ورسوله، ويوالي أولياء الله، ويعادي أعداء الله تعالى، وهذا هو الذي استكمل الإيمان، كما في الحديث: (من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان)، وقال: (أوثق عرى الإيمان: الحب في الله والبغض في الله). وفي الصحيح عنه ﷺ : (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار)، فهذا وافق ربه فيما يحبه وما يكرهه، فكان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأحب المخلوق لله لا لغرض آخر، فكان هذا من تمام حبه لله، فإن محبة محبوب المحبوب من تمام محبة المحبوب، فإذا أحب أنبياء الله وأولياء الله لأجل قيامهم بمحبوبات الحق لا لشيء آخر فقد أحبهم لله لا لغيره، وقد قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:٥٤]. ولهذا قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]، فإن الرسول يأمر بما يحب الله، وينهى عما يبغضه الله، ويفعل ما يحبه الله، ويخبر بما يحب الله التصديق به، فمن كان محباً لله لزم أن يتبع الرسول فيصدقه فيما أخبر، ويطيعه فيما أمر، ويتأسى به فيما فعل، ومن فعل هذا فقد فعل ما يحبه الله، فيحبه الله].

стр. 88

اتباع الرسول والجهاد علامتا أهل المحبة الذين هم عباد الله حقيقة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فجعل الله لأهل المحبة علامتين: اتباع الرسول، والجهاد في سبيله؛ وذلك لأن حقيقة الجهاد: الاجتهاد في حصول ما يحبه الله من الإيمان والعمل الصالح، وفي دفع ما يبغضه الله من الكفر والفسوق والعصيان]. هذا هو المفهوم الشامل للجهاد؛ لأن الجهاد يكون بالمال، ويكون بالنفس، ويكون بالقول، ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (يا أيها الناس! جاهدوا في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم). فالجهاد بالمال يكون ببذله في الأعمال الصالحة، وبتجهيز الغزاة في سبيل الله، والجهاد بالنفس يكون بالقتال المباشر لأعداء الله، وأما الجهاد باللسان فيكون بتوضيح حقائق الشريعة والرد على الطاعنين فيها.

стр. 89

أفضل أنواع الجهاد وأفضل ذلك كله هو الجهاد باليد؛ لأن الجهاد باليد هو ذروة سنام الإسلام؛ لأن فيه تضحية بالروح والنفس، والأحاديث الكثيرة الواردة في فضل الجهاد وفي فضل الشهداء هي واردة في هذا المعنى؛ لأن التضحية بالنفس في سبيل الله من أعظم الأعمال الصالحة، ومن أعظم الكرم والجود، فإن الجود بالنفس أغلى غايات الجود كما هو معلوم، لكن يكون بالجهاد الصحيح؛ لأن كثيراً من الناس اليوم أو بعض الناس دخله شيء من الغلو في موضوع الجهاد، فأصبح يقاتل المسلمين ويعتبر ذلك من الجهاد، ولا شك أن هذا القتال ليس من الجهاد في شيء، فقتال المسلمين هو قتال فتنة لا قتال جهاد. ولا يصح أبداً إطلاق اسم غزوة أو معركة أو سرية أو نحو ذلك من الأسماء الشريفة في السير النبوية والتاريخ الإسلامي على قتال بين المسلمين. وقد أجمع العلماء: على أن القتال الذي حصل في زمن الصحابة -مع أن طائفة منه على الحق وأخرى مخطئة- أنه لا يسمى جهاداً، وإنما الجهاد يكون في قتال أعداء الله من الكافرين، فجهاد الكافر الصريح عندما يعتدي على المسلم هذا هو الجهاد الصحيح، أما إذا كان الكافر لم يعتد على المسلم فإن فريضته هي الدعوة إلى الله، فليس في قتل الكافر في حد ذاته منقبة، فقتل الكافر في ذاته ليس مقصوداً للمسلمين ولأحكام الإسلام، وإنما إسلام الكافر هو المقصود، فإذا لم يمت ولم يسلم وقاتل المسلمين فإنه يقاتل، هذا هو الواجب الشرعي في هذا الأمر. والحقيقة: أن هذه القضية ينبغي أن تفقه من كلام أهل العلم، والرجوع إلى أهل العلم المعتبرين في هذا الأمر، والبعد عن تلقف آراء الغلاة الذين لديهم شيء من الغلو في هذه المسائل، وأنصح كثيراً من الشباب بعدم أخذ هذه الآراء من منتديات الإنترنت، فإن فيها الغثاء والتخليط الكثير، فينبغي للإنسان ألا يتخذها مصدراً من المصادر، فإن فيها أناساً كثيرين يكتبون، وأحياناً قد تكون وراءهم جهات منحرفة يتقمصون شخصيات إسلامية فيتكلمون بالأسماء الشريفة، ويتكلمون بطريقة غير صحيحة، فلا يصح أن تكون منتديات الإنترنت مصدراً لك، بل يكون مصدرك الصحيح هو الأدلة الشرعية من القرآن والسنة وكلام أهل العلم المعتبرين وكتبهم.

стр. 90

حقيقة محبة الله ورسوله قال: [وقد قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة:٢٤]، فتوعد من كان أهله وماله أحب إليه من الله ورسوله والجهاد في سبيله بهذا الوعيد. بل قد ثبت عنه ﷺ في الصحيح أنه قال: (والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين). وفي الصحيح: (أن عمر بن الخطاب قال: يا رسول الله! والله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي. فقال: لا يا عمر! حتى أكون أحب إليك من نفسك، فقال: فوالله لأنت أحب إلي من نفسي، فقال: الآن يا عمر!). فحقيقة المحبة لا تتم إلا بموالاة المحبوب، وهو موافقته في حب ما يحب وبغض ما يبغض، والله يحب الإيمان والتقوى، ويبغض الكفر والفسوق والعصيان. ومعلوم أن الحب يحرك إرادة القلب، فكلما قويت المحبة في القلب طلب القلب فعل المحبوبات، فإذا كانت المحبة تامة استلزمت إرادة جازمة في حصول المحبوبات، فإذا كان العبد قادراً عليها حصلها، وإن كان عاجزاً عنها ففعل ما يقدر عليه من ذلك كان له كأجر الفاعل]. هذا تفسير وتحرير لإرادة الإنسان؛ لأن العمل الذي يكون في الظاهر يكون مبنياً على الإرادة القلبية والقدرة على العمل، فيقول ابن تيمية ﵀: إن المحبة هي المحرك الأساسي لإرادة القلب، فإذا تحرك القلب فإن إرادته تكون جازمة، وبناء على هذا يكون العمل الذي يريد فعله إن كان في مقدوره فعله، وإن لم يكن في مقدوره ولا يستطيع فعله، يكون له أجر كأجر فاعله. قال: [كما قال النبي ﷺ : (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً؛ ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الوزر مثل أوزار من اتبعه من غير أن ينقص من أوزارهم شيئاً). وقال: (إن في المدينة لرجالاً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم، قالوا: وهم بالمدينة؟ قال: وهم بالمدينة حبسهم العذر)]. أي: أن العذر العائق من العمل هو الذي حبسهم، وأما إرادة القلب فهي موجودة، ولهذا فقد حصلوا على الأجر.

стр. 91

حقيقة الجهاد قال: [والجهاد: هو بذل الوسع وهو القدرة في حصول محبوب الحق، ودفع ما يكرهه الحق، فإذا ترك العبد ما يقدر عليه من الجهاد كان دليلاً على ضعف محبة الله ورسوله في قلبه. ومعلوم أن المحبوبات لا تنال غالباً إلا باحتمال المكروهات، سواء كانت محبة صالحة أو فاسدة، فالمحبون للمال والرئاسة والصور لا ينالون مطالبهم إلا بضرر يلحقهم في الدنيا، مع ما يصيبهم من الضرر في الدنيا والآخرة، فالمحب لله ورسوله إذا لم يحتمل ما يرى ذو الرأي من المحبين لغير الله مما يحتملون في حصول محبوبهم، دل ذلك على ضعف محبتهم لله، إذ كان ما يسلكه أولئك هو الطريق الذي يشير به العقل]. هذا بيانٌ في أن الإنسان إذا أحب فإنه يضحي من أجل محبوبه، سواء كان المحبوب رئاسة أو صورة أو مالاً أو غير ذلك، وقد يتلف بسبب هذه التضحية، وهذا إذا كان المحبوب محبوباً غير شرعي. فإذا كان المحبوب شرعياً فالتضحية من أجله لازمة، وهي علامة على صدق هذه المحبة وعلى وجودها وقوة الإرادة فيها، وقد يحتمل الإنسان المكاره والمشاق في سبيل الله ، ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (سيد الشهداء: حمزة، ورجل جاء إلى حاكم ظالم فأمره ونهاه فقتله)، يعني: أنه صبر على القتل، والصبر على القتل ليس أمراً هيناً ولا سهلاً. وهذا يدل على علو محبة الله في نفس المجاهد في سبيل الله، وفي نفس المحتسب والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، وهكذا الحال فيما يتعلق بالتعبد لله. وعندما يكون الجو شديد البرودة، أو الماء بارداً وليس هناك سخانة تسخن بها الماء، وأراد الإنسان أن يتوضأ، فإذا لم يكن هناك محبة في قلبه لله فإنه لا يستطيع أن يقوم من نومه ويضع الماء على جسده، لكن إذا قام من نومه وتوضأ بالماء البارد فإنه يدل على علو المحبة في قلبه لله . قال: [ومن المعلوم أن المؤمن أشد حباً لله كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]. نعم، قد يسلك المحب لضعف عقله وفساد تصوره طريقاً لا يحصل بها المطلوب، فمثل هذه الطريق لا تحمد إذا كانت المحبة صالحة محمودة]. أي: لابد للمحبة من أمرين: الأمر الأول: صحة المحبة وقوتها، والأمر الثاني: صحة الطريق إلى المحبوب. وهذا أمر مهم؛ لأنه أحياناً قد تجد أشخاصاً يضحون تضحيات بالغة وقد تكون بأنفسهم، لكن الطريق الذي ظنوا أنه يوصل إلى محبوبهم لم يوفقوا فيه إلى الصواب. ولهذا ينبغي للإنسان أن يجمع بين أمرين: الأمر الأول: قوة المحبة لله، وهي تساوي الإخلاص في باب صحة العمل، والأمر الثاني: أن يكون الطريق الموصل إلى الله طريقاً صحيحاً، وهو يساوي محبة الرسول ﷺ ومتابعته. وهذا يدلنا على أهمية العلم، فالحماس والمحبة والتضحية والإرادة القوية مطلوبة، لكنها وحدها ليست كافية ولا بد فيها من علم، وهو بمثابة العقل المدبر لهذه الأمور، فلابد فيها من علم يضبط الإنسان حتى يقع على الطريق المستقيم الموصل الصحيح الذي لا اعوجاج فيه، وينبغي إدراك هذه القضية، وهذا من تنبيهه ﵀، وهو ربط لهذا الموضوع باتباع السنة، فإن المحبة تورث الحماس في القلب والتعلق بالله، وتورث قوة الإيمان في القلب، والاندفاع نحو الطاعة، لكن إذا لم يكن هناك طريق صحيح يسلكه فإنه يتخبط، فإذا تخبط ظن أنه في تخبطه هذا موافق لشرع الله . والخوارج نموذج عجيب في أشخاص يملكون حماساً قوياً، ويملكون اندفاعاً ويملكون شجاعة وقوة كما جاء في وصفهم في الحديث في خبر ابن عباس: بين وجوههم مثل ركب المعزاء من السجود. ومع هذا قال النبي ﷺ فيهم: (تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، وقراءتكم إلى قراءتهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية)، وسماهم النبي ﷺ : كلاب النار، وقال: (لئن لقيتهم لأقتلنهم قتل عاد)، وهذا يدل على خطورة الخوارج، وهي الفرقة الوحيدة التي جاءت فيها أحاديث صريحة وكثيرة من النبي ﷺ ، فإنها ثبتت عن عشرة من الصحابة، كما قال الإمام أحمد، وهذا يدل على خطورة الغلو، وخطر الخوارج. فالخوارج يكفرون أهل الإسلام، ويقاتلون المسلمين، ويدعون أهل الأوثان والكفار، ففي زمن علي بن أبي طالب جاءوا إلى عبد الله بن خباب بن الأرت، وهو تابعي جليل، وابن صحابي جليل، فأمروه بالالتزام بعقيدته، وسألوه عن رأيه في عثمان وعلي فقال بالحق فقتلوه، وبقروا بطن جاريته التي كانت معه وألقوها في النار، فهذا يدل على العنف والشدة في التعامل، مع أن القضية التي سألوا عنها لا تستحق كل هذه العقوبة، ولما رأوا رجلاً ذمياً عظموه وأجلوه ووقروه، فهؤلاء لا يكرهون أصحاب النبي صلى الله

стр. 92

الأسئلة

стр. 93

حكم القول بأن الإيمان حب من غير خوف السؤال ما صحة قول من يقول: إن الإيمان هو حب فقط من غير خوف؟ الجواب هذا غير صحيح أبداً، فالخوف من أعمال القلب، كما أن المحبة من أعمال القلب، ولهذا روى أبو نعيم في الحلية عن مكحول رحمه الله تعالى وهو من التابعين أنه قال: من عبد الله بالمحبة وحدها فهو زنديق، ومن عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبد الله بالخوف وحده فهو حروري -أي: من الخوارج- ومن عبد الله بالخوف والرجاء والمحبة فهو السني. فلا بد من عبادة الله بهذه جميعاً، وكلها من أعمال القلب، فلا يصح أن يقول الإنسان: إنني أعبد الله بالحب فقط، فلابد من خوف الله ، ولهذا جاء في وصف الأنبياء قوله تعالى: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠]، أي: يدعونه رغباً لوجود المحبة، ويدعونه رهباً لوجود الخوف منه ، ﴿وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠].

стр. 94

كيفية تعلق القلب بالمال السؤال هناك مقولة عند أهل العلم: إن المال معلق بالقلب، والقلب معلق بالمال، فكيف أوفق بين هذا وبين حديث الرسول ﷺ ؟ الجواب تعلق القلب بالمال تعلق طبيعي، فالنفس تحب وجود المال، لكن المهم ألا يكون الإنسان عبداً لهذا المال، وألا يكسبه بالطريق الحرام، وإنما يكسبه بالطريق المباح.

стр. 95

ما ينبغي فعله على من لا يستطيع الزواج السؤال إذا لم يستطع الشاب الزواج وقام بشرب بعض أنواع الشاي الذي يعين على كبح شهوته، فهل في ذلك شيء؟ الجواب أنا لا أعرف هذا النوع من الشاي الذي يتكلم عنه السائل، لكن أعرف حديث النبي ﷺ عندما قال: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء). وأيضاً ينبغي على الشاب أن يبتعد عن المثيرات، والإنسان إذا اشتغل بشيء ينفعه في دينه ودنياه، وابتعد عن المثيرات مثل المجلات والأفلام والقنوات الفضائية فإن شهوته تضعف، أما إذا كان ينظر إلى هذه المثيرات بشكل مستمر فإن شهوته لن يضعفها الشاي ولا غير الشاي.

стр. 96

زوال محبة غير الله من القلب السؤال هل زوال أثر المعصية من القلب كما قال شيخ الإسلام: حتى تزول من القلب من الزنا وغيره؟ الجواب الشهوة والمحبة لغير الله تزولان من القلب بمحبة الله والتعلق به ، لكن الكلام في مسألة العشق، وأن الجماع يضعفه، هذا أمر طبيعي لا شرعي، والإنسان إذا كان قلبه معلقاً بغير الله -كفتاة مثلاً- ثم تزوجها زالت هذه المحبة في الغالب، ولا يعني هذا أنه يزني بها حتى يخف الذي في قلبه، فهذا ليس صحيحاً بل هو محرم، فالزنا جرمه عظيم، وفعل الفاحشة لن يعالج هذه المشكلة. وهناك فرق بين من يزني بامرأة، ومن يتزوج بها، فالزنا يكون في فترة محدودة، لكن الزواج أمره مستمر، فإذا زنى بها مرة أخرى بعد شهر أو شهرين أو خمسة أشهر اشتاق إليها فرجع مرة أخرى، فيقع في كل مرة في الحرام بحجة أنه يريد أن يخفف ما في قلبه، فهذا أسلوب شيطاني، وهذا من تلاعب الشيطان بالإنسان. والصحيح: أن يتعلق قلب الإنسان بالله، وأن يعتصم بالله، وأن يتوكل على الله، وأن يدعو الله ، وأن يقطع الطمع في التعلق بالمخلوقين، فعلاج العشق قطع الطمع، والعاشق متعلق بالمعشوق لأن عنده طمع في القرب منه والالتقاء به، لكن إذا قطع هذه العلاقة، وقطع هذا الطمع والرغبة، ووضع في باله استحالة الالتقاء بالمعشوق مائة بالمائة، فهذا سينقص مما في نفسه خمسين في المائة، والبقية يكمله الزمان إذا استمر بإذن الله تعالى. نكتفي بهذا القدر، وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 97

رسالة العبودية [٧] محبة الله تعالى نوع من أنواع العبودية لله تعالى، والذين آمنوا أشد الناس حباً لله تعالى، ولابد لهذه المحبة من طريق صحيح يوصل إلى الغاية والهدف، وهو اتباع أوامر الله واجتناب نواهيه، ومحبة ما سوى الله محبة فاسدة، وكلما ازداد العبد حباً لما سوى الله ازداد له عبودية وذلاً، وكلما ازداد حباً لله تعالى ازداد حرية وشرفاً.

стр. 98

محبة الله وعبادته الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد: تحدثنا في الدرس الماضي عن محبة غير الله ، وأنها نوع من العبودية، وقد تكون هذه العبودية عبودية تامة، وقد تكون عبودية جزئية، ويختلف الحكم بناءً على نوعية هذه العبودية. وتحدثنا عن محبة غير الله ، وقلنا: إن منها: محبة المال والشرف، ومحبة الصور وعشقها، ونحو ذلك. واليوم نكمل بإذن الله تعالى بقية ما يتعلق بهذه المسائل ضمن هذا الكتاب العظيم الذي هو العبودية لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. قال المصنف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في رسالته (العبودية): [ومن المعلوم أن المؤمن أشد حباً لله، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]]. معنى هذه الآية هو: أن الذين آمنوا أشد حباً لله من المشركين الذين اتخذوا مع الله أنداداً يحبونهم كحب الله. وقيل: المراد هو أن (الذين آمنوا أشد حباً لله) من محبة هؤلاء لأندادهم. وعلى كلا التقديرين؛ فإن المقصود: هو إثبات شدة المحبة لله عند المؤمنين، وأنهم أشد حباً لله من هؤلاء المشركين، سواء لله أو لمعبوداتهم.

стр. 99

ضلال من سلك في محبة الله طريقاً لا يحصل بها المطلوب قال المؤلف رحمه الله تعالى: [نعم! قد يسلك المحب لضعف عقله وفساد تصوره طريقاً لا يحصل بها المطلوب، فمثل هذا الطريق لا تحمد إذا كانت المحبة صالحة محمودة]. المقصود بهذا: أن المحبة قد تكون محبة صحيحة مثل: محبة الله ، أو محبة الرسول ﷺ ، لكن المحب قد يسلك طريقاً ليست صحيحة ولا توصل إلى الغاية المطلوبة، فلا بد إذاً من صحة الوسيلة والغاية، وصحة الوسيلة: هي الطريق الذي يوصل إلى المحبوب، وصحة الغاية التي هي: المحبوب ذاته. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فكيف إذا كانت المحبة فاسدة، والطريق غير موصل؟]. يعني: كيف إذا كانت المحبة فاسدة مثل محبة غير الله ، والطريق غير موصل إلى هذه المحبة؟ فإنه يكون حينئذٍ فساداً في الوسيلة، وفساداً في الغاية. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كما يفعله المتهورون في طلب المال والرئاسة والصور في حب أمور توجب لهم ضرراً، ولا تحصل لهم مطلوباً، وإنما المقصود الطرق التي يسلكها العقل لحصول مطلوبه. وإذا تبين هذا فكلما ازداد القلب حباً لله ازداد له عبودية، وكلما ازداد له عبودية ازداد له حباً وحرية عما سواه]. المفهوم الشرعي للحرية: هو التحرر من العبودية للبشر أو للمخلوقات عموماً أياً كانت، فليست الحرية أن يفعل الإنسان ما يشاء، فإنه إذا فعل ما يشاء يكون عبداً لهواه وللشيطان، لكن الصحيح: أن يكون عبداً لله ، فإنه كلما ازدادت محبته لله ازداد عبودية لله، وفي ذات الوقت ازدادت حريته من العبودية للمخلوقين.

стр. 100

افتقار القلب إلى الله تعالى وحاجته إلى عبادته وحبه والإنابة إليه قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والقلب فقير بالذات إلى الله من وجهين: من جهة العبادة، وهي العلة الغائية، ومن جهة الاستعانة والتوكل، وهي العلة الفاعلية]. إذاً: القلب محتاج إلى الله مفتقر إليه، وافتقار القلب إلى الله يكون من جهتين: الجهة الأولى: جهة تحقيق العبودية، وهي: أن يكون القلب عابداً وخاضعاً ومحباً لله ، وهذه هي الغاية. والجهة الثانية: من جهة الاستعانة والتوكل والاعتماد والاعتضاد، وهذه هي العلة الفاعلة، وهي: الوسيلة. وتلاحظون أن الله قرن في القرآن الكريم كثيراً بين العبادة والتوكل، وبين العبادة والاستعانة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود:١٢٣]، والمقصود من الاقتران بين العبادة والاستعانة هو: أن يكون القلب متعلقاً بالله من جهة الغاية ومن جهة الوسيلة الموصلة إليه. فمن جهة الغاية: أن يكون الله غايته، فلا يريد إلا الله، ولا يحب إلا الله، ولا يعظم إلا الله ، ومن جهة الوسيلة: فلا يستعين إلا بالله، ولا يتوكل ولا يعتمد ولا يرجو من المخلوقين شيئاً، وإنما يرجو ذلك من الله، فحينئذٍ يكون قد حقق العبادة من جهتين: من جهة الغاية، ومن جهة الوسيلة الموصلة إليه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فالقلب لا يصلح ولا يفلح ولا يلتذ، ولا يسر ولا يطيب ولا يسكن ولا يطمئن إلا بعبادة ربه وحبه والإنابة إليه، ولو حصل له كل ما يلتذ به من المخلوقات لم يطمئن ولم يسكن؛ إذ فيه فقر ذاتي إلى ربه، من حيث هو معبوده ومحبوبه ومطلوبه، وبذلك يحصل له الفرح والسرور واللذة والنعمة والسكون والطمأنينة]. هذا الكلام يعتبر قاعدة، وهو أن القلب لا يرتاح ولا يصلح ولا ينجو ولا يشعر بالطمأنينة إلا باعتماده على الله، فهذه القاعدة اكتشفها شيخ الإسلام ابن تيمية من جهتين: من جهة دلالة الشرع عليها، ومن جهة الفطرة التي هي الطبيعة الإنسانية، فمن الجهتين استطاع شيخ الإسلام أن يصل إلى هذه القاعدة، وهذه القاعدة مقررة عند أهل العلم سابقاً. وهناك فصل في كتاب ابن القيم: (إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان) وهو كتاب مطبوع في مجلدين، ففي المجلد الأول: فصل في أن القلب لا راحة له ولا طمأنينة له ولا سكون ولا لذة إلا بمعرفة معبوده ومألوهه وهو الله ، وقد حشد فيه كثيراً من الأدلة على هذه القاعدة، فمن الأدلة الشرعية على هذه القاعدة قول الله : ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨]، ومنها أيضاً ما يمكن استخراجه من قول الله : ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه:١٢٤]، فإنه إذا كان الإعراض فيه المعيشة الضنك، فإن الإقبال فيه المعيشة الطيبة. ولهذا يقول الله : ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل:٩٧]، والمقصود بالحياة الطيبة أي: في الدنيا، وهذا غير الآخرة. فهذه الدلائل الشرعية تدل على أن القلب لا سعادة له ولا طمأنينة له إلا بمحبة الله والعبودية له، ومما يدل على ذلك: الفطرة، وهذا أمر معروف في طبيعة الإنسان، فإن الواقع يشهد بأنه لا راحة للنفس ولا طمأنينة لها إلا بالله ، فإذا فقد الإنسان العبودية لله والمحبة لله فإنه يدخله الهم والشقاء والتعاسة والانحراف عن منهج الله بقدر بعده.

стр. 101

شقاء الإنسان وانحرافه بسبب بعده وتركه لمحبة الله وعبادته ولهذا فإن العاصي يدخله من الشقاء أقل مما يدخل للكافر، والكافر الذي يؤمن بوجود الله ويؤمن بالأنبياء ويعظمهم لكنه مشرك في عبادة الله يكون شقاءه أقل من الملحد، وهكذا كلما ازداد الإنسان إيغالاً في البعد عن الله كلما ازداد شقاءً وشذوذاً وانحرافاً. ولهذا فالعالم الغربي اليوم لوحة واضحة لهذه القضية، والإنسان الذي يتأمل في حياة الغربيين اليوم يستطيع أن يستنتج منها هذه المعاني العظيمة، فقد وصلوا إلى مرحلة من الشذوذ والانحراف والبعد عن الله وخلو القلب من التدين لله ، وما ظهر في نظرياتهم الفكرية في العلوم الإنسانية والاجتماعية، وما ظهر في سلوكهم العملي. وقد سمعت أن رجلاً يحاكم في ألمانيا بتهمة أكل لحوم البشر، وأن هذا الرجل كتب في الإنترنت: أي شخص عنده استعداد أن يؤكل فليراسلني، وبعد أسابيع اتصل به شخص وقال: أنا عندي استعداد لأن أؤكل، يعني: يكون طعاماً يؤكل، والاثنان كانا شاذين، فجاء إليه واقتاده إلى منزله، وارتبط هذا الشذوذ بالشذوذ الجنسي والعياذ بالله، فقام الآكل بقطع ذكر المأكول وشوهه ثم قتله وسجل هذا في الفيديو لمدة ساعة، ووزع لحمه على مجموعة أكياس ووضعها في الثلاجة، وفي كل فترة يأكل جزءاً منها، فأعجبه هذا الأمر فوضع أيضاً إعلاناً آخر في الإنترنت في خمسة مواقع أو ستة مواقع وجاءه خمسة أشخاص. فهذه القصة غريبة حتى على المجتمع الغربي، وتدل على أن الإنسان كلما ازداد بعداً عن الله ازداد شذوذاً. ولهذا فإن عبادة الشيطان التي ظهرت أول ما ظهرت عند الغربيين ثم انتقلت مع الأسف إلى بلاد المسلمين، وأصبح بعض أبناء المسلمين الذين درسوا شيئاً من القرآن يعبدون الشيطان، ويتعبدون بطريقة مخزية وغريبة وشاذة فيشربون دماء الكلاب، ويؤدون طقوساً روحانية كما يسمونها، ويفعلون الفواحش بطرق شاذة ومنحرفة، والشاهد: أنه كلما ابتعد الإنسان عن الله كلما ضل وانحرف وشعر بالشقاء والتعاسة. إذاً: هذه القاعدة تثبتها الدلائل الشرعية ودلائل الطبيعة الإنسانية، والشواهد الموجودة في الواقع. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذا لا يحصل إلا بإعانة الله له، فإنه لا يقدر على تحصيل ذلك السرور والسكون إلا بالله، فهو دائماً مفتقر إلى حقيقة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، فإنه لو أعين على حصول كل ما يحبه ويطلبه ويشتهيه ويريده، ولم يحصل له عبادة الله فلن يحصل إلا على الألم والحسرة والعذاب، ولن يخلص من آلام الدنيا ونكد عيشها إلا بإخلاص الحب لله؛ بحيث يكون هو غاية مراده، ونهاية مقصوده، وهو المحبوب له بالقصد الأول].

стр. 102

أقسام المحبة المحبة تنقسم عند العلماء إلى قسمين: محبة التأله، وقد سبق أن أشرنا إليها، والمحبة الطبيعية، فمحبة التأله هي المحبة التي أشار إليها ابن تيمية وسماها: المحبة بالقصد الأول، وتسمى: محبة التأله، وهي تعلق القلب وإنابته ورجوعه وشغفه والتفكير الدائم فيه، فهذه لا تكون إلا لله ، وهي محبة السر والمحبة الخاصة. وهناك محبة طبيعية موجودة في طبيعة الإنسان، وهذه المحبة لا يلام عليها الإنسان، فهو يحب أباه وأمه وزوجته وأولاده، ويحب المال والنساء، ويحب الجمال، ويحب أموراً كثيرة جداً، فهذه المحبوبات الطبيعية لا تثريب على الإنسان فيها، بشرط أن تكون مرتبطة بمحبة الله ، فإذا عصى أحد هذه المحبوبات الطبيعية فإنه لا يحبه ولا يقدمه على محبة الله ، كما أن هنالك من المحبوبات ما يمكن أن تكتسب بطريقة شرعية، فهي محبة لله، وبطريقة غير شرعية مثل: المال، فلا يكتسب منه إلا ما كان بالطريقة الشرعية، وهكذا الحال في النساء والجاه والرئاسة والجمال ونحو ذلك. وكل هذه الأشياء يجب أن تكون مرتبطة بمحبة الله ، وهو الحب الأساسي في الإنسان. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكل ما سواه إنما يحبه لأجله، لا يحب شيئاً لذاته إلا الله، فمتى لم يحصل له هذا، لم يكن قد حقق حقيقة: (لا إله إلا الله)، ولا حقق التوحيد والعبودية والمحبة لله، وكان فيه من نقص التوحيد والإيمان، بل من الألم والحسرة والعذاب بحسب ذلك. ولو سعى في هذا المطلوب ولم يكن مستعيناً بالله متوكلاً عليه مفتقراً إليه في حصوله لم يحصل له، فإنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. فالعبد مفتقر إلى الله من حيث هو المطلوب المحبوب المراد المعبود، ومن حيث هو المسئول المستعان به المتوكل عليه، فهو إلهه الذي لا إله له غيره، وهو ربه لا رب له سواه، ولا تتم عبوديته لله إلا بهذين].

стр. 103

افتقار العبد عند أهل السنة وعند المتكلمين هناك مسألة دقيقة ذكرها شيخ الإسلام ﵀ في بعض كتبه وهي: الفرق في افتقار العبد بين عقيدة أهل السنة والجماعة وعقيدة أهل لكلام. فعقيدة أهل السنة والجماعة في افتقار العبد، خلاصتها: أن العبد مفتقر إلى الله افتقاراً ذاتياً من حيث أن الله هو محبوبه بالقصد الأول، ومن حيث أنه لا رغبة ولا إنابة ولا خوف إلا من الله ، وأن هذه المحبة موجودة في طبيعة الإنسان، وأنها موجودة في أساسه. فالافتقار عند أهل السنة يسمى: الافتقار الذاتي، أي: أن العبد مفتقر من حيث ذاته إلى الله من جهة وجوده، ومن جهة حاجته إليه في العبودية والاستعانة. وأما أهل الكلام فعندهم: أن الإنسان أو المخلوقات عموماً -ويسمونها: الحوادث- مفتقرة إلى الخالق والمبدع الأول، وأن هذا الافتقار ناشئ عن الحدوث، أي: ناشئ عن حدوثه وكونه محدثاً، وليس بمحدِث. والحقيقة: أن هذه المسألة مسألة فرعية من قضية جوهرية وأساسية عند علماء الكلام، وهي أنهم يرون أن وجود المخلوقات أساسها الحدوث، وأن علامات الحدوث كثيرة مثل: الحركة بعد السكون، ومثل: وجود تلبس الأعراض كالألوان والطعوم والروائح وغيرها، فيقولون: إن هذه الأشياء تدل على الحدوث، والحدوث افتقار، ولا يمكن أن يكون في المحدث شيء من هذه الأوصاف، فيرتبون على هذه القضية نفي صفات الله وأفعاله، وأن الله لا يمكن أن يفعل فعلاً؛ لأنه يستلزم منه أن تكون الحوادث قد حلت بذاته تعالى، وحينئذٍ يدل هذا على تشابه بينه وبين المحدثات والمخلوقات، وهذا لا شك أنه مذهب فاسد ومنحرف؛ لأن صفات الله ثابتة في القرآن والسنة، منسوبة إلى الله ، وفهم معانيها يعتمد على لغة العرب، ولا يصح أن تشبه وتماثل صفات الله بصفات خلقه، وما يقولونه من القواعد الكلامية المخالفة للسنة، مثل قاعدة: حلول الحوادث بذات الله ، فهي قاعدة عقلية مخالفة للنصوص، وفيها كثير من الخروق العقلية، وقد تحدث عنها شيخ الإسلام ﵀ كثيراً في (درء التعارض)، وفي (بيان تلبيس الجهمية)، فأحببت أن أشير إلى هذه المسألة عند هذا الكلام؛ لأنه أحياناً في كتبه عندما يتحدث عن الافتقار يشير إلى الافتقار الذاتي الموجود عند أهل السنة، وافتقار الحدوث الذي يشير إليه أهل الكلام وما يرتبون عليه من العقائد المنحرفة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فمتى كان يحب غير الله لذاته، أو يلتفت إلى غير الله أنه يعينه كان عبداً لما أحبه، وعبداً لما رجاه، بحسب حبه له، ورجائه إياه، وإذا لم يحب أحداً لذاته إلا الله، وكلما أحب سواه فإنما أحبه له، ولم يرج قط شيئاً إلا الله، وإذا فعل ما فعل من الأسباب، أو حصل ما حصل منها، كان مشاهداً أن الله هو الذي خلقها]. قوله: مُشاهِداً، مأخوذة من الشهود، والشهود معناه: الحضور، يقال: فلان شاهد، يعني: حاضر، وعكسه الغياب، ومنه الغيب والشهادة، والأمور المشاهدة، أي: الموجودة، وهذا ما عبر عنها شيخ الإسلام، وقد يعبر عنها كثيراً ابن القيم ﵀ في (مدارج السالكين) أو في (طريق الهجرتين)، ويتحدث عن شهود العبد لفعله، ومعناه: أن العبد منتبه لفعله، فإذا كان العبد منتبهاً لفعله حصل عنده نوع امتنان بهذا العمل، وهذا لا شك أنه نقص في عبودية الإنسان. فكلمة (الشهود) معناها: الحضور، وشهود القلب معناه: حضور القلب، وشهود العمل معناه: حضور العمل في عقل وقلب العابد. وقوله: كان مشاهداً أي: منتبهاً ومقراً ومعترفاً أن الله هو الذي خلقها وقدرها وسخرها، وهذه القضية حاضرة في ذهنه كحضور الشاهد.

стр. 104

فعل الأسباب وتعلقه بحب الله وعبادته لأنه خالقها ومسخرها قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإذا فعل ما فعل من الأسباب، أو حصل ما حصل منها، كان مشاهداً أن الله هو الذي خلقها وقدرها وسخرها له، وأن كل من في السماوات والأرض فالله ربه ومليكه وخالقه ومسخره وهو مفتقر إليه، كان قد حصل من تمام عبوديته لله بحسب ما قسم له من ذلك]. الله خلق الإنسان وخلق أسباب هذا الكون، وقد تحدثت عن قضية الأسباب في دروس سابقة، فالأسباب مخلوقة لله، وليست مؤثرة بذاتها، والله خلق فيها عنصر التأثير، والارتباط بين السبب والمسبب ارتباط حقيقي وصحيح، لكنه لا ينفذ إلا بإرادة الله ؛ لأنها مخلوقة له، وعندما يفعل الإنسان السبب، ويعتمد بقلبه على هذا السبب تنقص عبوديته وتضعف، لكن إذا فعل السبب وهو مشاهد بقلبه أن الله خالقه، وأن الله هو الذي وراءه، وأنه لا يتم هذا السبب إلا بإرادة الله ، فإنه حينئذٍ يحصل في قلبه من العبودية بقدر هذه المشاهدة، وبقدر اعتماده على الله . والعمل الصالح كما تعلمون سبب لدخول الجنة، لكن أحياناً قد لا يتحقق لوجود موانع تمنعه، كذلك الأدوية الموجودة الآن في الكون هي أسباب، وكذلك أي أمر من الأمور التي يحصلها الإنسان، فالنار سبب للتدفئة ولطهي اللحم والطعام، فهذه الأسباب لا يمكن أن تحصل بذاتها، وإنما لا بد من إرادة الله التي وراءها، فإذا حصل أن العبد شاهد هذه القضية وتعلق قلبه بالله وأنه لا يفعل السبب وهو معتمد عليه فإنه يحصل في قلبه من العبودية والإيمان بقدر هذا الشهود وهذا الحضور. وإذ مرض الإنسان، وذهب إلى الطبيب، كانت حالته النفسية ضعيفة إلى درجة أنه يتعلق بالطبيب، فلو كان عنده من الإيمان والعبودية والتوكل على الله ما اعتمد إلا على الله سبحانه، وهكذا الاعتماد على القوة، كأن تكون لديه قوة أياً كانت هذه القوة، سواء كانت قوة ذاتية أو قوة مادية معينة، فإذا اعتمد على القوة خانته في أي لحظة من هذه اللحظات، واقرءوا التاريخ فإن فيه العجائب في هذه الباب، ولعل من أبرزهم: فرعون الذي قال لقومه -عندما انتقد موسى، وأراد أن يبرر لقومه أن كلام موسى غير صحيح- استدل بقوته فقال: ﴿وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف:٥١]، وقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف:٥٢]، والمهين: هو الإنسان المحتقر المزدرى، أو الذي يكون من قبيلة مضطهدة، ﴿وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف:٥٢]؛ لأن موسى كانت فيه لثغة ولم يكن يفصح، فتغطرس فرعون وتكبر فأذله الله ، وحطم ملكه على يد هذه الأمة الضعيفة بني إسرائيل، وعندما دخلوا في البحر دخل وراءهم فأغرقه الله ، وبقي جسده آية بعد ذلك. إذاً: الاعتماد لا يكون إلا على الله حتى في الأسباب الحقيقية، وهذا نوع من أنواع العبودية يجب التنبه له.

стр. 105

أكمل الخلق وأفضلهم وأقربهم إلى الله هم أتمهم عبودية لله واستسلاماً له قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والناس في هذا على درجات متفاوتة لا يحصي طرقها إلا الله؛ فأكمل الخلق وأفضلهم وأعلاهم وأقربهم إلى الله وأقواهم وأهداهم: أتمهم عبودية لله من هذا الوجه. وهذا هو حقيقة دين الإسلام الذي أرسل الله به رسله، وأنزل به كتبه، وهو: أن يستسلم العبد لله لا لغيره، فالمستسلم له ولغيره مشرك، والممتنع عن الاستسلام له مستكبر]. هذه القضية مهمة جداً، لكن كثيراً من الناس لا ينتبه لها، فإن حقيقة الإسلام هي: الاستسلام لله، ومعنى الاستسلام لله: الخضوع والتسليم لله ، فخبر الله يكون الإسلام به تصديقه، وأمر الله يكون الإسلام به الرضا به وتطبيقه، ونهي الله يكون الإسلام به القبول له، والانقياد له بالكف عن العمل. فإذا وجد معترض على خبر الله، أو على أمره، أو نهيه، فهو زنديق كافر غير مسلم؛ لأن الاعتراض على الله أو على شريعته، أو على خبره يعتبر من فعل الشيطان، عندما أمره الله بالسجود لآدم فاعترض، ورفض أن يسجد وقال: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢]، فأمره الله بالخروج منها، وبين أنه كافر، وأن من أطاعه فهو مثله. وهناك فرق بين الاعتراض وعدم الفعل، يعني: الواجب تجاه أمر الله شيئان: الشيء الأول: الرضا به وقبوله، واحترامه وتصديقه، والانقياد له. فأما الرضا به وقبوله، فهو داخل في أصل الدين، فمن اعترض على أمر الله ورفضه وأباه، وهو يعرف أنه أمر الله فهذا لا شك في كونه كافراً خارجاً عن دائرة الإسلام. والشيء الثاني: هو الفعل، فإنه لا يكفر الإنسان به إلا إذا كان هذا الفعل مكفراً. فأوامر الله كثيرة، منها: أمر بالصلاة، وأمر بطاعة الوالدين، وأمر بصلاة الجماعة وأمر بالزكاة، وأمر بصلة الأرحام، والواجب تجاه هذه الأوامر هو: أولاً: الرضا بها من الله ، وقبولها، والاستسلام لها، لأنها حقيقة من الله. الأمر الثاني: هو فعلها. أما الأول فهو من أصل الدين، فمن لم يرضَ بها كمثل من لم يرض بالصلاة فهذا كافر غير مسلم. ومن أقر بأن الله أمر ببر الوالدين، لكنه عملياً عاق لوالديه ولا يبرهما، فهو فاسق ليس بكافر، ويكون قد ارتكب كبيرة من الكبائر، لكن إذا لم يرضَ به واعترض على أمر الله بطاعة الوالدين، وقال: إنهما مثل أي شخص آخر، وما استفاده منهما فليس بالضرورة طاعتهما، فهذا الاعتراض يعتبر كفراً يخرج عن دائرة الإسلام والعياذ بالله. فينبغي إدراك هذه القضية؛ لأن كثيراً من الناس اليوم يعترض على أحكام الله في باب الولاء والبراء، ومن يعترض على أحكام الله في تكفير اليهود والنصارى، ومن يعترض على أحكام الله في الرجم، وفي جلد الزاني غير المحصن، وفي إقامة حد الردة، ويقولون: هذه الصور بشعة، ويعترضون على تشريع تعدد الزوجات، ويقولون: هذا ظلم للمرأة، ويعترضون على حجاب المرأة، ويقولون: هذا اعتداء على حريتها الشخصية، فكل هذا الكلام يعتبر ردة مخرجة عن دائرة الإسلام. وهناك فرق بين من يقول هذا الكلام فيكون مرتداً، وبين من يعترف بالحكم الشرعي ويقر به، لكنه لا ينفذه، فإذا كان لم يؤد الصلاة فتركها، فلا شك أنه كفر بنص النبي ﷺ عندما قال: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر)، ومن لم ينفذ بر الوالدين يكون عاصياً، وهكذا يختلف الحال من عمل إلى عمل آخر.

стр. 106

منافاة الكبر لحقيقة العبودية لله تعالى قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ : (أن الجنة لا يدخلها من في قلبه مثقال ذرة من كبر)، كما أن النار لا يخلد فيها من في قلبه مثقال ذرة من إيمان، فجعل الكبر مقابلاً للإيمان، فإن الكبر ينافي حقيقة العبودية، كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (يقول الله: العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحداً منهما عذبته)، فالعظمة والكبرياء من خصائص الربوبية، والكبرياء أعلى من العظمة؛ ولهذا جعلها بمنزلة الرداء، كما جعل العظمة بمنزلة الإزار]. من تكبر عذبه الله بالذل في الدنيا وفي الآخرة، وكم من الطواغيت والجبابرة الذي تكبروا وطغوا وبغوا أذلهم الله في الدنيا، وعذبهم في الآخرة كما جاء في بعض الأحاديث أنهم يكونون مثل الذر يطأهم الناس، وفي هذا عبرة وعظة عجيبة جداً، ولهذا فـ المعتمد بن عباد عندما سجن -بعد أن كان حاكماً- ورأى بناته في الأسر، تأثر تأثراً كبيراً جداً، وأنشد قصيدة مشهورة تعبر عن هذا الحال الذي هو فيه. فالحقيقة أن كل من تكبر وطغى وبغى عذبه الله في الدنيا أو في الآخرة.

стр. 107

قاعدة: كل من استكبر عن عبادة الله فلابد أن يعبد غيره ويذل له قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولهذا كان شعار الصلوات والأذان والأعياد هو التكبير، وكان مستحباً في الأمكنة العالية كالصفا والمروة، وإذا علا الإنسان شرفاً أو ركب دابة ونحو ذلك، وبه يطفأ الحريق وإن عظم، وعند الأذان يهرب الشيطان، قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠]، وكل من استكبر عن عبادة الله فلا بد أن يعبد غيره ويذل له]. هذه قاعدة مهمة جداً، وتشبه القاعدة التي سبق أن أشرنا إليها، والدلائل الشرعية والطبيعية الإنسانية تشهد بها، وهي: كل من استكبر عن عبادة الله فلا بد أن يعبد غيره ويذل له، فإن الإنسان حساس يتحرك بالإرادة، فهذه قاعدة من أهم القواعد في هذا الباب، فالإنسان لابد أن يكون عابداً، ولا تتخيل أبداً وجود إنسان خال من العبودية، ولهذا فالغربيون الذين جاءوا بدعوى الحرية والعتق من الأديان هم في الحقيقة هربوا من أديان معروفة وعبدوا الشيطان، وعبدوا النفس الأمارة بالسوء فلا يمكن للإنسان إلا أن يكون عابداً. والسبب في هذا، والمستند الحقيقي لهذا هو ما أشار إليه الشيخ عندما قال: فإن الإنسان حساس يتحرك بالإرادة، فإن أفعال الإنسان التي تحصل لابد فيها من وجود إرادة قلبية، ومن وجود قدرة تنقل هذه الإرادة إلى العمل. فالإرادة القلبية الموجودة في نفس الإنسان تقتضي وجود مراد، ولا يمكن أن تكون إرادة بدون متعلق يريده الإنسان، فإن كان متعلقه الله كانت هذه العبودية لله ، وإن كانت غير الله فإنه يكون عابداً لهذا الغير. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكل من استكبر عن عبادة الله فلا بد أن يعبد غيره ويذل له، فإن الإنسان حساس ويتحرك بالإرادة، وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (أصدق الأسماء حارث وهمام)، فالحارث: الكاسب الفاعل، والهمام: فعال من الهم، والهم أول الإرادة، فالإنسان له إرادة دائماً، وكل إرادة فلا بد لها من مراد تنتهي إليه، فلا بد لكل عبد من مراد محبوب هو منتهى حبه وإرادته، فمن لم يكن الله معبوده ومنتهى حبه وإرادته بل استكبر عن ذلك، فلا بد أن يكون له مراد محبوب يستعبده غير الله، فيكون عبداً ذليلاً لذلك المراد المحبوب: إما المال وإما الجاه وإما الصور، وإما ما يتخذه إلهاً من دون الله كالشمس والقمر والكواكب والأوثان وقبور الأنبياء والصالحين، أو من الملائكة والأنبياء الذين يتخذهم أرباباً، وغير ذلك مما عبد من دون الله. وإذا كان عبداً لغير الله يكون مشركاً، وكل مستكبر فهو مشرك، ولهذا كان فرعون من أعظم الخلق استكباراً عن عبادة الله وكان مشركاً، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر:٢٣ - ٢٤] إلى قوله: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [غافر:٢٧] إلى قوله: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر:٣٥]. وقال تعالى: ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾ [العنكبوت:٣٩]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ [القصص:٤]، إلى قوله: ﴿فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل:١٤]، ومثل هذا في القرآن كثير. وقد وصف فرعون بالشرك في قوله: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف:١٢٧]، بل الاستقراء يدل على أنه كلما كان الرجل أعظم استكباراً عن عبادة الله كان أعظم إشراكاً بالله؛ لأنه كلما استكبر عن عبادة الله ازداد فقراً وحاجةً إلى مراده المحبوب الذي هو مقصود القلب بالقصد الأول، فيكون مشركاً بما استعبده من ذلك. ولن يستغني القلب عن جميع المخلوقات إلا بأن يكون الله هو مولاه الذي لا يعبد إلا إياه، ولا يستعين إلا به، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يفرح إلا بما يحبه ويرضاه، ولا يكره إلا ما يبغضه الرب ويكرهه، ولا يوالي إلا من والاه الله، ولا يعادي إلا من عاداه الله، ولا يحب إلا لله، ولا يبغض شيئاً إلا لله، ولا يعطي إلا لله، ولا يمنع إلا لله، فكلما قوي إخلاص حبه ودينه لله كملت عبوديته واستغناؤه عن المخلوقات، وبكمال عبوديته لله تكمل براءته من الكبر والشرك. والشرك غالب على النصارى، والكبر غالب على اليهود، قال الله تعالى في النصارى: ﴿

стр. 108

أساس شرك اليهود والنصارى الكبر والجهل أساس شرك النصارى: هو الضلال والجهل، فإن الجهل بالأحكام الشرعية يوصل إلى الضلال، ولهذا وصفهم الله بأنهم من الضالين، وأصل شرك اليهود: الكبر والإعراض عن علم، فإعراض اليهود وترك التزامهم بدينهم سببه الكبر عن الخضوع للدين، ولهذا يقول الله : ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٦ - ٧]، وهذا الصراط يتصف بصفتين: اجتماع العلم والعمل، أو اجتماع العلم والإخلاص لله ثم قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧]، و (المغضوب عليهم): هم اليهود، وذلك أنهم انحرفوا عن الصراط المستقيم، بسبب إعراضهم عن الإخلاص لله مع وجود العلم لديهم. (ولا الضالين): وهم النصارى، الذين انحرفوا عن الصراط المستقيم بسبب الجهل، ففيهم حب للتعبد، وفيهم إرادة له لكنها ليست مبنية على علم، وإنما مبنية على جهل، ولهذا قال بعض السلف: من انحرف من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن انحرف من عبادنا ففيه شبه من النصارى. ولهذا فكثيراً ما يقارن شيخ الإسلام ﵀ بين ضلال الصوفية وضلال المتكلمين، فإن ضلال الصوفية سببه: إرادة التعبد، لكن على جهل، فضلوا وانحرفوا ففيهم شبه من هذه الزاوية بالنصارى، والمتكلمون كانوا أهل علم وجدل ومناقشة، فأصبح انحرافهم مثل انحراف اليهود الذين انحرفوا عن علم وكبر، بسبب الكبر الموجود في نفوسهم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال في اليهود: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة:٨٧]، وقال تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ [الأعراف:١٤٦]. ولما كان الكبر مستلزماً للشرك، والشرك ضد الإسلام وهو الذنب الذي لا يغفره الله، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٤٨] وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:١١٦]، كان الأنبياء جميعهم مبعوثين بدين الإسلام، فهو الدين الذي لا يقبل الله غيره، لا من الأولين ولا من الآخرين، قال نوح: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٧٢]، وقال تعالى في حق إبراهيم ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٠ - ١٣٢]، وقال يوسف ﵇: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف:١٠١]، وقال موسى ﵇: ﴿يَا قَوُم إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ * فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾ [يونس:٨٤ - ٨٥]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة:٤٤]، وقال عن بلقيس: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل:٤٤]، وقال: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة:١١١]، وقال: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]، وقال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥]، وقال تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران:٨٣]. فذكر إسلام الكائنات طوعاً وكرهاً؛ لأن المخلوقات

стр. 109

عبودية الله تنجي من آفة الكبر والجهل قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولن يستغني القلب عن جميع المخلوقات إلا بأن يكون الله هو مولاه الذي لا يعبد إلا إياه إلخ] فيه: تقرير لحقيقة أن عبودية الله ، والتعلق به ينجي من آفتين: الآفة الأولى: هي آفة اليهود وهي الكبر. والآفة الثانية: هي آفة النصارى وهي الشرك، وقد تحدث كثيراً عن الكبر ثم عن الشرك الذي هو عبادة غير الله ، والافتقار إلى غير الله . والمخلوقات جميعاً عابدة لله باعتبار أنها خاضعة له ، بل إن لـ شيخ الإسلام ﵀ رسالة في مسألة (عبودية الكائنات) يقرر فيها أن هذه العبودية هي عبودية إرادية، أي: عبودية متعلقة بالإرادة، وله تحقيق طويل في هذا الموضوع، ثم تحدث عن الشرك وأنه أظلم الظلم الخ.

стр. 110

الخلة وحقيقة العبودية قال رحمه الله تعالى: [وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام:١٧]، وقال تعالى عن الخليل: ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ * وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٧٨ - ٨٢]. وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود ﵁: أن هذه الآية لما نزلت شق ذلك على أصحاب النبي ﷺ وقالوا: يا رسول الله! أينا لم يلبس إيمانه بظلم؟ فقال: إنما هو الشرك، ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]؟ وإبراهيم الخليل إمام الحنفاء المخلصين، حيث بعث وقد طبق الأرض دين المشركين، قال الله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:١٢٤]، فبين أن عهده بالإمامة لا يتناول الظالم، فلم يأمر الله سبحانه أن يكون الظالم إماماً، وأعظم الظلم الشرك، وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل:١٢٠]، والأمة: هو معلم الخير الذي يؤتم به، كما أن القدوة الذي يقتدى به. والله تعالى جعل في ذريته النبوة والكتاب، وإنما بعث الأنبياء بعده بملته، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل:١٢٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:٦٨]، وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران:٦٧]، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة:١٣٥] ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٦]. وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ : (أن إبراهيم خير البرية)، فهو أفضل الأنبياء بعد النبي ﷺ وهو خليل الله تعالى. وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ من غير وجه أنه قال: (إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً)، وقال: (لو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن صاحبكم خليل الله -يعنى: نفسه-)، وقال: (لا يبقين في المسجد خوخة إلا سدت إلا خوخة أبي بكر)، وقال: (ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك)، وكل هذا في الصحيح، وفيه: أنه قال ذلك قبل موته بأيام، وذلك من تمام رسالته؛ فإن في ذلك تحقيق تمام مخالته لله تعالى التي أصلها محبة الله تعالى للعبد، ومحبة العبد لله، خلافاً للجهمية].
следующие страницы →