← Акыда

Акыда · id 36581

شرح رسالة العبودية لابن تيمية - عبد الرحيم السلمي

عبد الرحيم السلمي

Полный текст (446 стр.). Показаны 421–446 · переход к 426.

стр. 421

تعريف بالفخر الرازي السؤال من هو الرازي الذي ذكرته؟ الجواب الرازي هو فخر الدين محمد بن عمر الرازي، وهو من علماء الكلام المتقدمين، توفي في القرن السابع، وله كتب كثيرة، منها: كتاب (أساس التقديس)، وكتاب (المباحث المشرقية)، وكتاب (الأربعين في أصول الدين)، وهو يعتبر عمدة عند الدارسين فيما يسمونه بالفلسفة الإسلامية، ويعتبرونه من أكبر الفلاسفة المسلمين، ورد عليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في مواطن كثيرة من كتابه العظيم (درء تعارض العقل والنقل).

стр. 422

حكم تحريك كتب العلم بالأرجل السؤال هل يجوز أن يركض طالب العالم كتابه بقدمه ركضة يسيرة ليتسع المكان، وليس قصده امتهان العلم؟ الجواب لا يجوز ذلك، فبإمكانه أن يرفعه بيده، وينبغي أن نتعلم احترام كتب العلم، ولا نتساهل بها إلى هذه الدرجة، حتى ولو كان الركض يسيراً.

стр. 423

الاحتجاج على الجبرية بأن الله قدر التعذيب في النار للعصاة السؤال ألا يصلح أن يكون جواباً على الجبرية الذين يقولون: إن الله قدر علينا المعصية، أن يقال لهم: إذاً: فقد قدر الله عليكم العذاب في النار إن شاء جزاء ما قمتم به؟ الجواب يمكن أن يكون هذا جواباً.

стр. 424

كفارة الجماع في نهار رمضان السؤال امرأة تقول: إن زوجها جامعها في نهار رمضان، فما هي الكفارة الواجبة عليها وعلى زوجها، مع العلم أنها وزوجها لا يستطيعان صوم شهرين متتابعين؟ الجواب أولاً: الواجب عليهما التوبة إلى الله ، فإن الجماع في نهار رمضان من أعظم المفطرات، وهو أعظم من الفطر عن طريق الأكل والشرب، وذلك لترتب الكفارة المغلظة عليه، ثم الكفارة تحرير رقبة، وهذا غير متيسر الآن، فعليهما صيام شهرين متابعين، فإن لم يستطيعا فعليهما إطعام ستين مسكيناً، وعدم الاستطاعة ضابطه: هو أن يترتب على الصيام مرض، أو يترتب عليه أي نوع من أنواع الأذى.

стр. 425

نظرة في الاحتجاج بأقوال شيخ الإسلام السؤال يقول بعض الإخوة: إنكم متعصبون لشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، وكأنه لم يكن هناك علماء غيرهم، فكل أقوالكم: قال شيخ الإسلام كذا وكذا، ثم يذكرون أن أقوال شيخ الإسلام فيها شيء من التشدد في كثير من المسائل، فكيف نرد على مثل هؤلاء؟ الجواب لا شك في أن من الخطأ عندنا نحن -طلاب العلم- أن يكون مصدرنا الأساسي والأخير هو كلام ابن تيمية فقط، وإنما ابن تيمية عالم من علماء المسلمين المحققين يؤخذ من كلامه ويترك، فيترك إذا كان مخالفاً للسنة ويؤخذ إذا كان موافقاً لها، وإذا كان كلام شيخ الإسلام ﵀ موافقاً للسنة فإنه يكون مطلوباً وحسناً، ولا ينبغي علينا أن نكتفي دائماً -خاصة مع المخالف- بذكر كلام شيخ الإسلام أو نحوه، فإن المخالف إذا كان لا يقر بفضل شيخ الإسلام ولا يقر بفضل ابن القيم فينبغي ألا يقال له: قال شيخ الإسلام. لأنه يقول: ومن شيخ الإسلام هذا الذي تذكره؟! وربما يقول: هو عدو الإسلام؛ لأنه يوجد أشخاص يكفرون ابن تيمية، فالصحيح في طريقة دعوة مثل هؤلاء ومناقشتهم وتوجيههم هو أنه لا يقال لهم: (قال شيخ الإسلام)، بل ينظر إلى كلام شيخ الإسلام، فـ شيخ الإسلام عالم يستدل بالنصوص، فينظر إلى الدليل الذي استدل به ووجه دلالته، فإن كان الدليل ووجه الدلالة قوياً في الاستدلال يحتج عليه بالدليل الذي هو قول الله أو قول الرسول ﷺ ، ويستفاد من الوجه الذي ذكره شيخ الإسلام في بيان الحق لهذا الإنسان، لكن إذا كان استدلال شيخ الإسلام ليس قوياً فهناك أئمة عندهم استدلالات أخرى قوية، فينبغي فعلاً ألا يُتعصب لكلام شيخ الإسلام، وألا يظن أن الحق دائماً معه في كل لحظة. لكن مسائل العقيدة الإجماعية هي مسائل متفق عليها بين شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من العلماء السابقين، ونحن عندنا مصدر في الاستدلال هذا المصدر هو القرآن، والسنة، والإجماع، والقياس الصحيح المعتبر، فهذه من مصادر الاستدلال التي اتفق عليها أهل الإسلام جميعاً، فأنت عندما تستدل لا تستدل بقول ابن تيمية، بل تستدل بما استدل به ابن تيمية ﵀، وحينئذ تكون طريقك في التعلم صحيحة، وليس معنى هذا أن كلام ابن تيمية نفسه الذي تكلم به لا بد أن يكون دليلاً. فالطريقة الصحيحة أن تقول: قال تعالى كذا، قال رسول الله كذا، وأجمع العلماء. وتثبت إجماعهم هذا. فينبغي على طالب العلم أن يوسع قراءاته، فلا يكتفي بالتركيز على علم واحد يكون دائم الترديد حوله، لكن في حالة كون طلاب العلم متفقين على فضل هذا العالم لا بأس أن يقول أحدهم: قال شيخ الإسلام كذا أو كذا؛ لأن له منزلة وفضل.

стр. 426

شرح العبودية [١٢] الصوفية وأهل الكلام المذموم كالجهمية والمعتزلة وضعوا لأنفسهم قواعد، ثم حاكموا النصوص إليها، فما وافق قواعدهم أخذوا به، وما خالفها ردوه إما بالتأويل أو التحريف أو التكذيب، وهذا هو سبب ردهم للعقائد الصحيحة واعتقادهم ما يخالف الكتاب والسنة من الأهواء والبدع.

стр. 427

العلاقة بين جبرية الصوفية والمتكلمين الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله، أما بعد: فقد سبق الحديث عن طائفتين من طوائف الجبرية، وهم من الضالين في الحقيقة الكونية، وبينا سبب ضلال الطائفة الثانية، وهي التي قسمت الناس إلى عوام وخواص، وأن العوام ملزمون بالأحكام الشرعية العامة، والخواص تسقط عنهم التكاليف إذا وصلوا إلى نهاية المطاف وهي الكشوفات والحقائق كما يقولون. ثم ربط الشيخ بين هذه الطائفة من الصوفية وبين أهل الكلام المذموم، ووجه الربط بين الصوفية وبين أهل الكلام: هو أن الصوفية يقعدون قواعد يسمونها حقائق وكشوفات لا تقبل الجدل ولا النقاش، ثم يحاكمون النصوص الشرعية إلى هذه القواعد، وأهل الكلام من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة والماتريدية كذلك يقعدون قواعد يسمونها عقليات، ثم يحاكمون النصوص الشرعية إلى هذه القواعد العقلية، ولهذا عبث الصوفية بكثير من النصوص الشرعية بهذه الطريقة الفاسدة، وكذلك أهل الكلام عبثوا بكثير من النصوص الشرعية بناء على هذه الطريقة الفاسدة أيضاً، فتجد أن الصوفية -مثلاً- يفسرون الآيات الواردة في القضايا السلوكية بتفسير منحرف، وكذلك تجد أولئك يفسرون الآيات الواردة في إثبات الصفات لله بتفسير منحرف، فإذا لم يستطيعوا تفسيرها فإنهم يتركونها ويقولون: (نمرها كما جاءت)، ويقصدون بذلك إلغاء المعنى التي تضمنته، وطي بساط معناها، والاعتماد على ما أصلوه وقعدوه من الحقائق عند الصوفية، أو من العقليات عند أهل الكلام.

стр. 428

تشابه الصوفية والمتكلمين في تأويل النصوص وسبق أن تحدثنا عن تأويل الصوفية لقوله : ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩]، وأنهم فسروه تفسيراً بعيداً كل البعد عن منهج السنة، حيث قالوا: إن معناه: اعبد الله حتى يسقط عنك التكليف، فإذا عبدت الله سنين طويلة، ثم وصلت إلى الكشوفات سقط عنك التكليف، وهذا فهم باطل لكتاب الله ؛ فإن المقصود باليقين الموت، فقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩]، يعني: حتى يأتيك الموت. ولهذا فإن أفضل الناس عبادة هم الرسل الكرام، ولم يسقط عنهم التكليف، والرسول ﷺ الذي ربى أصحابه على يديه وعبدوا الله في حياته لم يصل أحد منهم إلى هذا اليقين الذي زعموه، فلم يقل رسول الله ﷺ لـ أبي بكر: سقط عنك التكليف، فلا تعمل شيئاً، ولم يقل لـ عمر ولا لـ عثمان ولا لـ علي بن أبي طالب ذلك، وهؤلاء هم أفضل الصحابة على الإطلاق. فإذاً: كان رسول الله ﷺ قد مات ولم يسقط عن أحد من أصحابه التكليف الذي ظنوه اليقين في الآية، فكيف يأتي هؤلاء بهذه البدعة المنكرة المخالفة لأصول الشريعة من أساسها؟! وهكذا أهل الكلام في مسائل العقليات يؤولون النصوص ويلعبون بها، فمثلاً: إذا استدل عليهم مثبت الصفات من أهل السنة بقوله : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، قالوا: معناها: (استولى)، مع أن (استوى) إذا جاءت معداة بـ (على) فإنه لا يكون معناها: الاستيلاء، وإنما يكون معناها: الارتفاع والعلو، كما يليق بجلاله ، ثم إنهم يحارون مع بعض الآيات الأخرى، مثل قول الله : ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤] فهل المعنى: ثم استولى على العرش؟! أي: قبل أن يستولي عليه كان العرش خارجاً عن ملكه؟! إذاً: هذا تأويل باطل للنصوص الشرعية. وهكذا ذكر شيخ الإسلام ﵀ العلاقة الفكرية بين الصوفية وبين أهل الكلام، وأن الجميع يتفقون في عدم الأخذ من النصوص الشرعية أخذاً مستقيماً. يقول الشيخ: [وأصل كل ضلال من ضل إنما هو بتقديم قياسه على النص المنزل من عند الله، وتقديم اتباع الهوى على اتباع أمر الله ].

стр. 429

تأويل الباطنية للبقرة لا شك أن من يتبع هواه يقدمه على النصوص الشرعية، كما هو حال الصوفية فيما ذكرنا، وكما هو حال المتكلمين فيما أسلفنا، وكذلك الباطنية عندما يقولون في قوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة:٦٧]، قالوا: هي عائشة! فهذا اتباع للهوى. والقضية عندهم قبل أن ينظروا إلى الآية هي أنهم كرهوا عائشة ﵂ لسبب أو لآخر، لأنه ثبت أن أصل دينهم مأخوذ من اليهود عن طريق عبد الله بن سبأ الذي أراد أن يعمل في الإسلام ما عمله بولس شاول في المسيحية والنصرانية، لكنه ما استطاع، فأتى بعقائد بدعية شركية, وهذه العقائد التي جاء بها عبد الله بن سبأ اليهودي الذي تظاهر بالإسلام هي نفسها العقائد التي يدندن حولها الباطنية اليوم، وهي نفسها العقائد التي يدندن حولها الرافضة في هذا الزمان. إذاً: القضية هي أنهم كرهوا عائشة ﵂ لأي سبب من الأسباب، فلما كرهوا عائشة بدءوا يتلمسون النصوص الشرعية ويلعبون بها، كما يلعب الأطفال بالكرة والعياذ بالله، فقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة:٦٧]، هذه قصة واضحة في بني إسرائيل في زمن موسى ﵇، حيث يبين لقومه أن الله أمرهم أن يذبحوا بقرة، والبقر معروف، فقالوا: المقصود بها عائشة. فكيف يذبح بنو إسرائيل الذين في زمن موسى عائشة وهي لم تولد بعد؟! فالمهم عندهم هو اللعب بالنصوص، وليس المهم هو القناعة، وهذه هي طريقة أهل البدع، سواء أكانوا من الغلاة الزنادقة الذين يخرجون عن الإسلام، أم من أهل البدع الذين شأنهم أقل بحيث إنهم ما زالوا في دائرة الإسلام ولم يخرجوا عن الإسلام، مثل الأشاعرة فيما يؤولونه مثلاً.

стр. 430

تأويل المالكي لإقرار المشركين بالربوبية وهنا مثال آخر: فمن الحقائق القرآنية المقررة في كتاب الله أن كفار قريش يقرون بالربوبية، كما هو نص الآية: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر:٣٨]، فهذا نص واضح في أن كفار قريش يقرون بالربوبية كما دلت عليه هذه الآية، فجاء من يسمى بالسيد محمد علوي المالكي فقال: إن كفار قريش ما كانوا يقرون بالربوبية، فلما اعترض عليه بهذه الآية، قال: كفار قريش كانوا يكذبون! و الجواب هل الله لا يعرف أنهم يكذبون؟! ولماذا لم يقل: قالوا هذا القول وهم كذبة؟! فالمهم هو اللعب بالنصوص، وهذا أحرجه نص فأراد أن يخرجه في أي واد من الأودية، فالمهم ألا يُحرج في عقيدته التي يدندن حولها ويدافع عنها. وهكذا عامة أهل البدع، وهذه طريقتهم، لا يقيمون وزناً للنصوص الشرعية؛ لأنها ليست هي المنطلق التي بنيت عليه العقائد عندهم، وإنما المنطلق: الأهواء، ثم بعد ذلك إذا أحرجوا بالنصوص يختلفون في كيفية تخريجها واللعب بها، فبعضهم يردها مطلقاً، وبعضهم يفسرها تفسيراً أعوج، وبعضهم يحاول أن يجتهد في محاولة تحريفها وإخراجها بأي مخرج من المخارج. إذاً: ليس الهدف الأساسي هو العمل بالنصوص, وليس المنطلق الأساسي أن العقيدة تكون مبنية على ما أخبرنا الله به في كتابه وأخبرنا به رسوله ﷺ ، وإنما هي عقيدة وراثية مأخوذة عن أجيال سابقة، فإذا أحرج دافع عنها كما هو الحال عند هؤلاء، وهكذا عباد القبور الذين يطوفون حولها، ويذبحون لها، وينذرون لها، ويستغيثون بها عندما يستدل عليهم بقول الله : ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٣٨]، يقولون: المقصود بالدعاء هنا العبادة، يعني: لا ما تعبدوهم وتصلوا لهم! مع أن الآية في الدعاء، والدعاء يشمل الاستغاثة، فيشمل قولهم: (مدد يا عبد القادر)، (مدد يا عيدروس)، مدد يا ست زينب)، يشمل هذا كله، وليس هناك مبرر لأن تحذف الآية هذا الحذف وأن تلغي منها نصف الدلالة تقريباً. إذاً: اللعب بالنصوص بهذا الأسلوب هو طريقة أهل البدع، والسبب في ذلك هو تقديم أهوائهم وقياساتهم العقلية على النصوص الشرعية.

стр. 431

الذوق والوجد عند المتبعين والمبتدعين يقول شيخ الإسلام ﵀: [فإن الذوق والوجد ونحو ذلك هو بحسب ما يحبه العبد ويهواه، فكل محب له ذوق ووجد بحسب محبته وهواه]. الذوق المراد به أن العبد من خلال التعبد يصل إلى أذاوق ورغبات معينة، وهذه الرغبات ليست عقائد، ولا قضايا يقينية, وليست أموراً متفقاً عليها لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها كما هو حال القرآن الكريم، وإنما هي أذواق بحسب هوى الإنسان ورغبته، وبحسب شهوته النفسية في تلك الفترة التي جاءه فيها هذا الذوق. يقول: [فأهل الإيمان لهم من الذوق والوجد مثل ما بينه النبي ﷺ بقوله في الحديث الصحيح: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار). وقال ﷺ في الحديث الصحيح: (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً)]. فكل هذا الذوق لا يبنى عليه عقائد، وإنما هي أذواق إيمانية جاءت للإنسان من جراء العمل الصالح الذي قام به. وهذا ذوق أهل التوحيد، وهو أن يجد نشوة في نفسه من العبادة فيفرح بها وتستقر بها نفسه، وهذا من نعمة الله وكرمه وجوده، ومن خيره وبركته التي أعطاها لهذا العبد الصالح، وأما أهل الكفر والبدع والشهوات فكل بحسب حاله ووضعه وحياته التي يعيش فيها.

стр. 432

رقص الصوفية وصياحهم في مواجهة الهدي النبوي ولهذا فإن الصوفية صوروا الإسلام بصورة بعيدة كل البعد عن جيل الرسول ﷺ وطريقته, فتجد أن الصوفية يطبلون، ويرقصون، ويصيحون، ويسقطون على وجوههم, فهل كان الصحابة يعملون هذا العمل؟! وهل عند الصوفية دليل على أن الصحابة كانوا يعملون هذا العمل؟! وما الذي جعل النبي ﷺ يترك هذا العمل؟! لو كان هذا العمل فيه خير لجمع الرسول ﷺ أصحابه الذين قاتلوا في بدر، وأعطى كل واحد منهم طبلاً وعوداً، وبدءوا يغنون ويرقصون ويزمرون ويلعبون، والرسول ﷺ سيكون أول من يفعل ذلك منهم. ثم ذاك يقول: جاءني الوجد، وذاك يقول: جاءني الكشف! هل كان الصحابة رضوان الله عليهم عندما يقاتلون الروم يأتون إلى القبور ويتبركون بها؟! وهل كانت مقبرة البقيع في زمن عمر بن الخطاب بعد موت النبي ﷺ بفترة هل كانت مثل المقابر التي هي في غالب العالم الإسلامي اليوم؟! تأتي فتنظر إلى مقبرة فتظن أنها حي من الأحياء السكنية لكثرة القباب والبيوت الموجودة فيها، ولا تتصور أبداً أن هذه مقبرة، فإذا لم يقل لك أحد من أهل البلاد: هذه مقبرة فإنك تظن أنها حي سكني، وأن الناس يسكنون فيها. بل في بعض المقابر أناس يعيشون فيها، ويقولون: نسكن هنا لتأتينا نفحات الصالحين والأولياء الذين في هذه المقابر. وما كان هذا عمل الصحابة رضوان الله عليهم. فهل سكن أحد من الصحابة في البقيع؟! وهل بنوا عليها بنياناً؟ ما ظهرت هذه الأمور إلا بعد أن ظهرت البدع والخرافات في أزمان متأخرة، فالصوفية غيروا معالم الإسلام العامة.

стр. 433

توقف الصوفية عن الجهاد ولا يعرف أن للصوفية دعوة جهادية قاتلت أعداء الله في زمن من الأزمان. وقد يقول قائل: إنه من خلال التاريخ نجد أن هناك دعوات صوفية قاتلت الاستعمار في الأوقات المتأخرة، مثل المهدية مثلاً. وأقول: هذا ليس لكون الصوفية لديها منهج جهادي، بل يجاهدون لمسألة سياسية، كما يوجد -مثلاً- أشخاص من أهل السنة، وينتسبون إلى السنة، ويتركون الجهاد في سبيل الله في زمن من الأزمان وهو منهجهم، فالصوفية الأصل عندهم ترك الجهاد، وإنما يجاهدون لحاجة من الحاجات السياسية. إذاً: الصوفية خالفت معالم الرسالة وطريقة الرسول ﷺ في حياته التي كان يعيشها عندما كان في المدينة في تلك الفترة.

стр. 434

تعلق أهل الأهواء بأهوائهم يقول شيخ الإسلام ﵀: [قيل لـ سفيان بن عيينة: ما بال أهل الأهواء لهم محبة شديدة لأهوائهم؟! فقال: أنسيت قوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة:٩٣] أو نحو هذا الكلام]. يقول: هذه فتنة، وهي أن الإنسان يتعلق بهواه كما أشرب أهل العجل العجل بكفرهم، أو نحو هذا من الكلام. قال: [فعباد الأصنام يحبون آلهتهم، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]]. يعني: أشد محبة لله من محبة المشركين لأصنامهم، فالمشركون يحبون أصنامهم، ومحبتهم لأصنامهم محدودة، ومحبة المؤمنين لله أكثر من محبة هؤلاء لأصنامهم, فأثبت في الآية أن المشركين يحبون أصنامهم، وذلك بسبب هذا الابتلاء، وهو أنهم أشربوا في قلوبهم هذه البدع. [وقال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص:٥٠]، وقال: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ﴾ [النجم:٢٣] يعني: ما ترغبه، ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم:٢٣]. ولهذا يميل هؤلاء ويغرمون بسماع الشعر والأصوات والآلات الموسيقية التي تهيج المحبة المطلقة التي لا تختص بأهل الإيمان، بل يشترك فيها محب الرحمن، ومحب الأوثان، ومحب الصلبان، ومحب الأوطان، ومحب الإخوان، ومحب المردان، ومحب النسوان، وهؤلاء هم الذين يتبعون أذواقهم ومواجيدهم من غير اعتبار لذلك بالكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة]. وهذا مشاهد، فالحضرات عند الصوفية فيها رقص، وصياح، وعويل، وبكاء، وترديد الأشعار التي تكون في المحبة وفي العشق وفي الغرام وفي الهجران، كقوله: بنا وبنتم فما ابتلت جوانحنا شوقاً إليكم ولا جفت مآقينا ويحاولون أن يأتوا بالأبيات التي يكون فيها نوع من البعد والأسى والحرقة, وهذا شغل المغنين. فالمغنون يغنون بأن الهجران مؤلم، وأنهم يلقون التعب لعدم اللقاء بالمحبوب ونحو ذلك، ويغنون على هذه الطريقة. لكن بعض الصوفية يحاول أن يجعل المقصود بذلك الله , تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، وهذا لا يعني أننا لا نثبت المحبة لله ، بل المؤمن يحب الله ، وهذا ما سبق أن بينه الشيخ حيث قال: إن لأهل السنة ذوقاً ووجداً ومحبة خاصة تكون مرتبة على الإيمان بالله، كما في الحديث: (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً). فالرضا من أعمال القلب الإيمانية يورث هذا الذوق الرفيع عند الإنسان والمحبة الصادقة لله ، وكذلك يقول النبي ﷺ : (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما)، وهذا غاية التوحيد، وهو أن يكون الله ورسوله هو المحبوب إليه، ولهذا لا يقدم كلام أحد على كلامه، ولا تفسره حسب هواك. والتوحيد والإيمان والتقوى توصل الإنسان إلى هذا الذوق الصحيح، لكن الرقص والطبل والغناء الذي عليه عامة الصوفية في عامة البلاد الإسلامية هو الذي يورث هذه الوجدانيات العامة التي ليست محددة لجهة معينة، فمحب النسوان ومحب المردان كل منهما يتكلم في الهوى والحب، ومحب الأوطان -كما ذكر الشيخ- ومحب الصلبان كل منهما يتكلم في الهوى والحب، وهؤلاء يتكلمون في الهوى والحب، فهؤلاء هواهم عام ليس محدداً ولا موجهاً، ولهذا يميل هؤلاء.

стр. 435

المخالف لما بعث الله به رسوله لا يكون متبعاً للدين قال شيخ الإسلام ﵀: [فالمخالف لما بعث الله به رسوله من عبادته وحده وطاعته وطاعة رسوله لا يكون متبعاً لدين شرعه الله أبداً]. فالمخالف لا يمكن أن يكون متبعاً لدين شرعه الله ، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا﴾ [الجاثية:١٨] هذا نوع، ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية:١٨] وهذا في المقابل، ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الجاثية:١٩]، بل يكون متبعاً لهواه بغير هدى من الله، قال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١]. فلا يمكن أن يجتمع محبة الله مع محبة غيره في قلب عبد، والمقصود بالمحبة: المحبة العبادية التي تدل على التعظيم كما سبق أن بينا. قال: [وهم في ذلك تارة يكونون على بدعة يسمونها حقيقة يقدمونها على ما شرعه الله، وتارة يحتجون بالقدر الكوني على الشريعة، كما أخبر الله به عن المشركين كما تقدم، وقد سبق أن شرحنا كلامه هذا فيما سبق. وبهذا نكون قد انتهينا من الكلام على الطائفة الثانية من مراتب الضالين في الحقيقة الكونية.

стр. 436

الأسئلة

стр. 437

الرد على المحتج ببشارة الرسول لأصحابه بالجنة على سقوط التكليف السؤال كيف نرد على من يقول: إن الرسول ﷺ لم يقل لأحد من الصحابة: إنه سقط عنه التكليف، لكن قد بشرهم بالجنة؟! الجواب لما بشرهم الرسول بالجنة لم يتركوا العمل؛ لأنهم لم يفهموا من بشارة الرسول ﷺ بالجنة أنه سقط عنهم العمل، وفي قصة حاطب أن النبي ﷺ قال: (وما أدراك أن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شتم فقد غفرت لكم)، فليس المقصود بقوله: (اعملوا ما شئتم) فيما سيأتي، وإنما المقصود أن هذا العبد بلغ من التوحيد والإيمان ما لو عمل من المعاصي غير الكفر لكانت هذه المعاصي لا تزن شيئاً مع أعماله الصالحة، ولهذا فإن من قال لهم رسول الله هذا القول -مثل: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي - ما تركوا الصلاة، ولا تركوا الصيام، ولا تركوا الحج، وما فهموا أن كلام الرسول عندما بشرهم بالجنة: اتركوا هذه الأعمال، أو: إنها ليست واجبة عليكم، أو: إن التكليف سقط، فلم يفهموا هذا، وإنما فهموا أنهم بعملهم الصالح سيصلون إلى الجنة بإذن الله تعالى.

стр. 438

حكم الإشارة باليد عند ذكر الصفات السؤال هل يجوز للمتكلم عن أسماء الله وصفاته أن يحرك يديه للإشارة إلى موضع الصفات، مثل أن يقول: إن لله عينين ويشير إلى عينيه؟ وهل ورد أن السلف كانوا إذا تكلموا في الأسماء والصفات قبضوا أيديهم حتى لا يمثلوا كلامهم، وإذا حكي الحديث الذي ورد عن النبي ﷺ : (قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن يقبلها كيف يشاء) فما حكم من حرك إصبعه يقلبها عند الكلام؟ الجواب إذا كان يقصد التشبيه أثناء التحريك أو نحو ذلك فلا شك في أنه مبتدع وضال، وإن كان لا يقصد التشبيه فقد ورد أن النبي ﷺ كان يحرك يديه عندما يقول: إن لله عينين ويشير إلى عينيه.

стр. 439

الموقف الشرعي من المالكي السؤال ما موقفنا من المدعو محمد علوي المالكي؟ الجواب محمد علوي المالكي قضيته معروفة سابقاً, ألف كتاباً سماه (مفاهيم يجب أن تصحح)، وقبله كتاب اسمه (الذخائر المحمدية)، وقد رد عليه هيئة كبار العلماء في المملكة، وبينوا أن ما في هذه الكتب عقائد كفرية تخرج الإنسان من الإسلام إلى الكفر، وبُلَِّغ ذلك، ونهي عن هذه العقائد الكفرية، وكان من هؤلاء المشايخ الشيخ عبد الله بن حميد رحمه الله تعالى رئيس مجلس القضاء الأعلى قبل الشيخ صالح اللحيدان حفظه الله، ومنهم -أيضاً- الشيخ سليمان العبيد، وكان رئيساً لشئون الحرمين، وغيرهم من المشايخ الذين اجتمعوا -ومنهم الشيخ ابن باز - وقرءوا كتب المالكي وقرروا أن المالكي عنده عقائد كفرية تخرج عن الإسلام؛ لأنه يبيح الاستغاثة بغير الله، والتبرك، والطواف حول القبور، والنذر لها، لاسيما الرسول ﷺ ، ونقل في كتبه قواعد من القواعد التي هي من عقائد القبوريين, كما نقل أشعاراً وأقرها وسكت عنها. فيها استغاثة بالرسول ﷺ ، وطلب المدد منه، فلا شك أن هذا الرجل لا يستفاد منه البتة.

стр. 440

ترك الصلاة كفر بالنص وليس تركاً لجزء العمل السؤال من خلال تعريفكم للإيمان، والتفريق بين تعريف أهل السنة وتعريف الخوارج اتضح أن من ترك الصلاة ليس بكافر؛ لأنه ترك جزءاً من العمل، ولكن له أعمال أخرى، مثل الصوم، وصلة الرحم وغيرها من الأعمال؟ الجواب ليس المقصود هذا، فتارك جزء العمل عند أهل السنة هو الذي يترك بعض الأعمال الواجبة التي لم يترتب عليها تكفير في النصوص الشرعية، لكن ترك الصلاة ترتب عليه تكفير في النصوص الشرعية، فلو أتى بعامة الواجبات وترك الصلاة فليس بمسلم؛ لأن تارك الصلاة نص النبي ﷺ على كفره بشكل واضح، وأجمع على ذلك الصحابة رضوان الله عليهم، كما نقل شقيق بن عبد الله وغيره أنه ما كان الصحابة رضوان الله عليهم يرون من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة. وصل الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 441

شرح العبودية [١٣] هناك طوائف من الفرق الصوفية الضالة ينكرون الأسباب، ويجعلون الإنسان خالقاً لفعله، وبذلك ضلوا؛ لأنهم صادموا بين الأسباب ومسبباتها، وعقيدة أهل السنة والجماعة: الإيمان بالأسباب مع اعتقاد أنها ليست هي الفاعلة في الحقيقة، بل الفاعل هو الله، فالأسباب مخلوقة مثل المسببات، ولا يمكن أن تحصل المسببات إلا بتعاطي الأسباب، وهذا من خلق الله وتقديره.

стр. 442

طائفة الصوفية المتعبدة بترك الأسباب بسم الله الرحمن الرحيم الحمد الله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين. أما بعد: فقد سبق الحديث عن الطائفة الثانية من طوائف الضالين في الحقيقة الكونية، وهي الطائفة التي قسمت الناس إلى عامة وخاصة، فأما العامة فهم ملزمون بأحكام الشرائع، وأما الخاصة فهم الذين سقط عنهم التكليف -كما يظنون- بسبب التعبد الذي تعبدوه. أما الطائفة الثالثة فهم أقل غلواً من الطائفة السابقة، فهم لا يرون أن التكاليف تسقط بالكلية عن كل الناس, بل إنهم يتميزون بأنهم يعملون الفرائض المشهورة، ويجتنبون المحرمات المشهورة، لكن فهموا أن القدر يقتضي سقوط الأسباب والتعامل معها، وفهموا أنهم يتركون الأمور بطبيعتها، وانحرفوا في فهمهم للأسباب كما سيأتي بيانه -إن شاء الله- في كلام الشيخ. يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن هؤلاء -يعني: من الضالين- طائفة هم أعلاهم عندهم قدراً] يعني: لمكانتهم، وهم الذين أضافوا إلى التصوف اشتغالهم بعلم الكلام النظري العقلي الجدلي. [وهم مستمسكون بما اختاروا بهواهم من الدين في أداء الفرائض المشهورة واجتناب المحرمات المشهورة, لكن يضلون بترك ما أمروا به من الأسباب التي هي عبادة, ظانين أن العارف إذا شهد القدر أعرض عن ذلك، مثل: من يجعل التوكل منهم أو الدعاء ونحو ذلك من مقامات العامة دون الخاصة، بناء على أن من شهد القدر علم أن ما قدر سيكون].

стр. 443

سبب ضلال المتعبدين بترك الأسباب والسبب في ضلال هذا الشخص أو في ضلال هذه الطائفة هو أنهم ظنوا أن الإيمان بالقدر -ومنه الإيمان بخلق الله يقتضي ألا يُنسب إلى أحد تأثير بأي وجه من الوجوه, وقد سبق أن بينا أن مراتب القدر أربعة: المرتبة الأولى: العلم الشامل المحيط بكل شيء. المرتبة الثانية: كتابة الله لهذه المقادير. المرتبة الثالثة: المشيئة النافذة. المرتبة الرابعة: خلق أفعال العباد. فهؤلاء عظموا مرتبة خلق الله للأشياء إلى درجة أنهم جردوا المخلوق من قدرته ومن تأثيره، فهؤلاء جبرية، لكن مع هذا لم يكونوا من الغلاة الذين اعتقدوا بأن الجبر وعدم نسبة الفعل إلى العبد يقتضي سقوط التكاليف عنه, فالغلاة سبق الحديث عنهم، لكن هؤلاء أقل غلواً، فهم يقومون بالأعمال الواجبة المشهورة، ويتركون الأعمال المحرمة المشهورة، لكن في نفس الوقت يعتقدون أن الأسباب ليس لها تأثير، وبناء على هذا فهم لا يتعاطون الأسباب، فهؤلاء انحرفوا من جهتين: الجهة الأولى: من الجهة النظرية؛ حيث تصوروا أن الأسباب لا تأثير لها البتة. والجهة الثانية: أن هذه العقيدة الفاسدة أثرت على سلوكهم، لكن ليس تأثيراً تاماً كما هو الحال عند الجبرية الذين أسقطوا التكاليف كلها. فالفرق بينهما: هو أن الغلاة الذين سبق الحديث عنهم يسقطون التكاليف عموماً، ويقولون: العبد مجبور، والله هو الذي خلق هذه الأفعال جميعاً، فليس للعبد مسئولية، وبناء على هذا فعندهم أن الكافر معذور، والمبتدع معذور، والفاسق معذور، والمجرم الذي يقتل الناس بغير حق معذور؛ لأن هذا هو الشيء الذي جبرهم الله عليه! فهؤلاء ضالون، حيث أسقطوا التكاليف عن البشر جميعاً. وجاءت طائفة أخرى فخففت الغلو وقالت: التكليف يسقط عن طائفة دون أخرى، فالعامة لا يسقط عنهم التكليف، والخاصة يسقط عنهم التكليف. وجاءت طائفة ثالثة فقالوا: التكليف لا يسقط، فالواجبات المشهورة نؤديها، والمحرمات المشهورة نتركها، لكنهم يعتقدون العقيدة الفاسدة التي أدت بالطائفة الأولى إلى ما توصلت إليه من سقوط التكاليف، وهي أنه ليس هناك تأثير للأسباب.

стр. 444

عقيدة أهل السنة في الأسباب والمسببات وأما نحن فنعتقد عقيدة أهل السنة والجماعة، وهي أن الله خلق الخلق، ومما خلق الأسباب الموجودة في هذا الخلق، وهو يدبر مخلوقاته بعضها ببعض, فالأسباب وهي من مخلوقات الله يدبر بها بعض مخلوقاته الأخرى. ونضرب مثالاً على ذلك: فقد خلق الله المطر وخلق النبات، والنبات لا يحصل إلا بالمطر, فأنت عندما ترى الأرض هامدة ليس فيها نبات فينزل عليها المطر فينبت الزرع, تعرف أن الذي أنبت الزرع هو هذا المطر النازل من السماء, والمطر مخلوق لله، وهو السبب في إنبات الزرع، فهل الذي أنبت الزرع هو المطر؟! لا، بل هو الله ، لكن المطر سبب, أي: أن الله جعل فيه خاصية معينة سببت الإنبات، وهذه الخاصية من خلق الله . وهكذا بقية حياة الإنسان، حيث جعل الله هناك أسباباً ومسببات، فالأسباب خلقها الله كما خلق المسببات، لكن لا يمكن أن تحصل المسببات إلا بتعاطي الأسباب، وهذا من خلق الله وتقديره.

стр. 445

آثار تعطيل الأخذ بالأسباب ولما جاءت مثل هذه الطوائف التي أنكرت الأسباب كانت هي السبب في تأخر المسلمين زمناً طويلاً جداً عن الاكتشافات المعاصرة، فهل نظن أن الغربيين أذكى عقولاً، وأزكى نفوساً، وأكبر تصوراً من المسلمين؟! بل هم أقل شأناً منهم في الذكاء وفي الفهم وفي التصور. فالرجل الغربي ثلث عقله يضيع في المخدرات، وجزء آخر يضيع في الشذوذ الجنسي والأهواء والشهوات، ولا يفكر إلا بنسبة يسيرة من عقله، لكنه فكر بنسبة يسيرة من عقله تفكيراً سليماً، من ناحية أنه استفاد من الماديات المعاصرة، وفهم معنى الأسباب. ولما وجدت هذه الطوائف -مثل الصوفية ومثل الجهمية- وعمت مناهجها في حياة المسلمين، وصارت هي المهيمنة والمسيطرة، وصارت دول الإسلام قبل ظهور العالم الغربي تتبنى مثل هذه العقائد وتنشرها في الناس، لم يتعاط الناس هذه الأسباب، فماذا سيحصل في أمة ترى أن ترك الأسباب هو التوحيد؟! فهل تتصور أن مثل هذه الأمة سينشأ فيها علماء عباقرة يستطيعون أن يكشفوا الأحداث التي من حولهم ويستطيعون أن يخترعوا وأن يطوروا المخترعات؟! هذا بعيد؛ لأن من التوحيد ترك هذا الشيء، وهكذا عمل التصوف، ونخر في جسم الأمة الإسلامية إلى هذه الدرجة. فالدولة العثمانية قبل ظهور العالم الغربي -أي: قبل الحرب الكونية السابقة، الحرب العالمية الأولى والثانية- كانت تتبنى التصوف، وتتبنى العقيدة الماتريدية، وهي نفسها عقيدة الأشاعرة، والتصوف والماتريدية يجتمعان في إهمال الأسباب، ولهذا بقي العثمانيون سنين طويلة لا يتعاطون الأسباب في المخترعات المعاصرة، في الوقت الذي كان العالم الغربي فيه يتعامل مع الأسباب بشكل جدي، وليس منهج التصوف ومنهج الماتريدية هو منهج الإسلام، وإنما منهج الإسلام هو الاستفادة من الأسباب الموجودة في الأرض، واعتقاد أنها من مخلوقات الله ، ولا يعني كوننا نستفيد من هذه الأسباب أن ننسب لها الخلق، فالخلق لله ، وهذه الأسباب مخلوقة، لكن نعتقد أن هذا الكون مركب من أسباب ومسببات، والأسباب والمسببات هذه جميعاً من خلق الله ، فإذا تعاطينا السبب واستفدنا منه فلا يعني هذا أننا نسبنا إلى السبب الخلق والتأثير بأي وجه من الوجوه، فأنا أعتقد أن السبب مخلوق، فكيف أنسب له الخلق؟! فلا يمكن أن أنسب إليه الخلق، لكن أعتقد أن الله أمرني باتخاذ السبب والاستفادة منه، ولهذا يقول في قضايا الجهاد: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال:٦٠]، فما هو معنى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠]؟! يعني: نموا أنفسكم، وقووا أنفسكم، وتعاطوا الأسباب، واصنعوا السلاح، ورتبوا أنفسكم، ونظموا أنفسكم بشكل صحيح، بحيث تقاتلون العدو فتنجحون بإذن الله ، لكن إذا ما تعاطينا الأسباب، فما اتخذنا القوة، وما تعاملنا معها بشكل صحيح، فلن نستطيع أبداً أن نهزم عدونا، وسيدخل علينا العدو ويقتلنا، ونحن لا نتعاطى شيئاً من هذه الأسباب. ولهذا كان للبدع تأثير عظيم جداً في حياة الأمة لا يدركه إلا من يدقق، ولا شك في أن الدولة العثمانية كانت لها جهود عظيمة جداً في حماية بيضة الإسلام العامة، وكان لها جهود عظيمة جداً في نشر الإسلام، وتوضيح الحق للناس إلى درجة كبيرة، لكن عندما توجد بدعة من البدع في المجتمع المسلم وتنخر فيه تكون هي السبب في الهزيمة، فإذا كان الصحابة رضوان الله عليهم -على فضلهم وعلى مكانتهم وعلى منزلتهم العظيمة- هزموا يوم أحد بمعصية واحدة فقط، فما بالنا بغيرهم؟! ولهذا يقول الله عنهم: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٥]، فيهزم الإنسان إذا فرط وإذا أخطأ، حتى ولو كان له فضل عظيم من جهة أخرى، وهذا يدعونا إلى الاجتهاد في البعد عن التفريط بكل صوره وأسبابه.

стр. 446

بيان الغلط العظيم في ترك الأخذ بالأسباب يقول الشيخ عن هذه الطائفة: [وهذا غلط عظيم]، وهذا الكلام كان قبل أن تنشأ الحضارة الغربية، وقبل أن تظهر اليوم، فهو يسمي ترك الأسباب غلطاً عظيماً، وهذا هو منهج السلف رضوان الله عليهم منذ زمن النبي ﷺ ، وهو أن تعاطي الأسباب منهج رشيد. ولهذا ظهر في المسلمين أشخاص يتبنون منهج الغرب، ويرون أنه لا نجاح للمسلمين ولا فلاح لهم ولا عز لهم إلا بتبني منهج الغرب تماماً؛ لأنهم نظروا إلى الغرب فوجدوا أنهم على حضارة مادية عظيمة، ونظروا إلى المسلمين في تلك العصور بسبب ظهور هذه البدع فيهم فإذا هم على مستوى هزيل جداً، فظنوا أن الإسلام هو السبب الذي جعل المسلمين على مستوى هزيل، وظنوا أن الإسلام هو السبب الذي أوصلهم إلى هذا المستوى، ولم يعرفوا أن المسلمين في تلك الفترة ما كانوا يمثلون الإسلام بصورته الصحيحة، ولا كانوا يمثلون الإسلام بصورته المثالية الحقة، وإنما كانوا على خطأ، فلما تصورا هذا التصور ارتموا في أحضان الغرب، وظنوا أن النجاة والفكاك من الانهزامية، والنجاة والفكاك من التأخر العلمي، والنجاة والفكاك من الضياع عند هؤلاء الغربيين، وما دروا أن القضية عكس ذلك. يقول: [فإن الله قدر الأشياء بأسبابها كما قدر السعادة والشقاوة بأسبابها]. ولهذا كانت هذه طائفة متناقضة: فهم يصلون، ويصومون، ويحجون، ويزكون، ويتركون الزنا، ويتركون شرب الخمر، ثم يتركون الأسباب، فيقال لهم: لماذا تصلون وتصومون وتحجون؟! فيجيبون بأن ذلك يدخلهم الجنة.