← Акыда

Акыда · id 36581

شرح رسالة العبودية لابن تيمية - عبد الرحيم السلمي

عبد الرحيم السلمي

Полный текст (446 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

قراءة في كتاب حلية طالب العلم

стр. 387

أهمية الآداب والأخلاق في حياة المسلم بسم الله الرحمن الرحيم. إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، إنك أنت العليم الحكيم. أيها الإخوة الكرام! سنبدأ -إن شاء الله- في هذا الدرس أولاً بقراءة شيء من كتاب (حلية طالب العلم) للشيخ العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد، ثم بعد ذلك نبدأ بقراءة كلام شيخ الإسلام ﵀ وشرحه حسب القدرة والمستطاع. وهذا الكتاب -وهو حلية طالب العلم- موضوعه الآداب والأخلاق، والآداب والأخلاق لهما أهمية كبرى في ميزان الشريعة، حيث إن العبد يبلغ بحسن خلقه درجة الصائم القائم، كما جاء في الحديث عن النبي ﷺ ، وقد مدح الله رسوله ﷺ بالأخلاق فقال سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤]، فالأخلاق الكريمة والآداب الفاضلة مهمة جداً لكل المسلمين ولطلاب العلم على وجه الخصوص، فطلاب العلم بحاجة إلى الأدب وبحاجة إلى الأخلاق، وينبغي لطالب العلم أن يفهم أنه كما ينبغي عليه أن يتعلم الأحكام الشرعية والعقائد الصحيحة ينبغي عليه - أيضاً - أن يتعلم الآداب، وأن يتعلم الأخلاق الكريمة، فلا فائدة من علم بلا أدب، والأدب له أهمية كبرى، وقد كان السلف رضوان الله عليهم يبدءون بتدريس الأدب قبل العلم، والأدب من الإيمان، ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (الإيمان بضع وستون -وفي لفظ: بضع وسبعون- شعبة، فأعلاها: قول: لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان)، والحياء لا شك في أنه من أعظم الآداب والأخلاق الكريمة، وقد قال الصحابة رضوان الله عليهم: (تعلمنا الإيمان قبل القرآن) أي: تعلمنا الأدب والأخلاق والعمل الصالح والتقوى والإخلاص لله قبل العلم، ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيماناً، وهذه قضية مهمة، وهي أنه ينبغي على طالب العلم أولاً أن يبدأ بالآداب والأخلاق والإيمان والتقوى والإخلاص لله قبل أن يبدأ بالمعلومات المجردة، فإن العلم له ثمرة وله مقصود، وهذا المقصود هو العمل، فإذا كان العلم لا يوصل صاحبه إلى العمل والأخلاق الكريمة والآداب الفاضلة فإنه لا خير فيه ولا نفع، فليس العلم معلومات مجردة يتلقاها الإنسان ويحفظها ويذاكرها مع أقرانه ليبرز فضله ويتميز على الآخرين، وإنما العلم أكبر من ذلك بكثير، فالعلم ينبغي على الإنسان أن يدرك أنه يهذب الأخلاق والطباع، ويربي النفس، وينمي الإيمان في القلب، وتنمو به شجرة التقوى في قلب الإنسان، فتثمر الأعمال الصالحة، واليقين، والصبر، والتوكل على الله ، والإنابة إليه، والخشية، والخوف من الله ، والمحبة له ولأوليائه، والبغض لأعدائه، فكل هذه الأعمال الإيمانية الكريمة التي هي ثقيلة في ميزان العبد يوم القيامة هي ثمرة العلم الذي يتعلمه، فإذا عرف الإنسان وإذا عرف طالب العلم أن العلم ليس مجرد حشد المعلومات وحفظها، وإنما هو العمل، والصبر، والأدب، والأخلاق العالية، والتصرف الحكيم، إذا عرف هذا الأمر فإنه سيهتم بالأدب وسيهتم بالإيمان، كما أنه سيهتم بالعلم، وحفظ الأدلة، وترتيب المسائل وفقهها.

стр. 388

أهمية الأدب والأخلاق في حياة طالب العلم ومن الأمور التي يندى لها الجبين وجود طائفة من المشتغلين بالعلم الشرعي في الظاهر، فيشتغلون في العلم الشرعي بجمع المعلومات والاهتمام بالكتب ومعرفة أسمائها ومعرفة مصنفيها، وتكوين المكتبات في البيوت والحرص عليها، وحضور حلق العلم، والجلوس بين أهل العلم وطلابه، ثم يوجد من هؤلاء من يفتقد كثيراً من الآداب الشرعية التي ينبغي أن يهتم بها، وقد ألف السلف الصالح رضوان الله عليهم كتباً خاصة في آداب طالب العلم، فـ البخاري ﵀ عندما ألف الصحيح أفرد كتاباً سماه (كتاب الأدب)، وأفرد كتاباً خاصاً سماه (كتاب العلم) أيضاً، وذكر في كتاب العلم الآداب التي ينبغي أن يتأدب بها طالب العلم، وكذلك الخطيب البغدادي ﵀ ألف كتاباً سماه (الجامع في آداب الراوي والسامع)، وأبو سعد السمعاني ألف كتاباً سماه (أدب الإملاء والاستملاء)، وألف كذلك ابن مفلح الحنبلي ﵀ كتاباً سماه (الآداب الشرعية) وكذلك ألف شمس الدين المرادي منظومة في الآداب وشرحت في كتاب عظيم في مجلدين، وهكذا اهتم السلف الصالح رضوان الله عليهم بهذا الموضوع، حتى قال بعضهم: من قعد به حسبه نهض به أدبه. يعني: قد يكون الإنسان من قبيلة ليست مشهورة بحسب، أو قد لا يكون له قبيلة، أو قد يكون إنساناً ضعيف الحسب والنسب، لكن يرتفع به أدبه، وعندما سأل عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين في زمانه الزهري ﵀ عن أهل العلم والأدب في كل قطر فإذا هم الموالي، فتعجب عبد الملك بن مروان أن يكون الموالي هم أهل الأدب والعلم، فـ عطاء بن أبي رباح كان عبداً مولى أسود قبيح المنظر، لكن كان يزدحم عليه الناس في مكة لأدبه وعلمه، فالقضية ليست قضية مناصب وليست قضية أشكال، وليست قضية أحساب وأنساب، بل القضية أكبر من ذلك، كما جاء في الحديث عن النبي ﷺ : (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأجسامكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)، ولهذا قال الأول: ما وهب الله لامرئ هبة أفضل من عقله ومن أدبه هما حياة الفتى فإن فقدا ففقد الحياة أحسن به فإذا فقد الإنسان العقل والأدب ففقد الحياة خير له وأفضل. وجاء في الحديث عن النبي ﷺ : (إنما العلم بالتعلم، والحلم بالتحلم، ومن يتحرى الخير يعطه)، يعني: الذي يبحث عن الخير يعطه، (ومن يتوق الشر يوقه)، فالذي يتوقى الشر ويحرص على البعد عنه سيوقيه الله ، والذي يحرص ويتحرى الخير فإنه سيعطاه بإذن الله تعالى. وهذا الكتاب هو كتاب جمع فيه الشيخ بكر أبو زيد مجموعة من الآداب والأخلاق الكريمة، ذكر فيها آداب الطالب في نفسه، وأدبه مع أستاذه وشيخه، وأدبه في حياته العلمية، وهو كتاب نافع ومختصر ولطيف.

стр. 389

من أقوال السلف في الأدب وفضله وقبل أن نبدأ في قراءة المقدمة لا بأس أن أشير إلى بعض كلام السلف رضوان الله عليهم في فضل الأدب. يقول أبو زكريا العنبري ﵀: علم بلا أدب كنار بلا حطب، وأدب بلا علم كروح بلا جسد. وقال مخلد بن الحسين بن المبارك: نحن إلى كثير من الأدب أحوج منا إلى كثير من الحديث. ويقول ابن سيرين ﵀: كانوا يتعلمون الهدي -يعني الآداب والأخلاق والأعمال الكريمة- قبل أن يتعلموا العلم. فالعلم بعد الهدي وبعد الأخلاق. وقال مالك بن أنس لفتى من قريش: يا ابن أخي! تعلم الأدب قبل أن تتعلم العلم. ويقول ابن المبارك رحمه الله تعالى: من تهاون بالأدب عوقب بحرمان السنن، ومن تهاون بالسنن عوقب بحرمان الفرائض، ومن تهاون بالفرائض عوقب بحرمان المعرفة. فللأدب أهمية كبرى في حياة السلف رضوان الله عليهم، وسنتناول الفصل الأول من الكتاب في درس قادم بإذن الله تعالى.

стр. 390

موجز لما سبق شرحه من كتاب العبودية

стр. 391

حقيقة العبودية أما كتاب العبودية فقد انتهينا فيه إلى موضوع مراتب الضالين في الحقيقة الكونية، وقد سبق أن عرَّفنا أولاً بالعبودية، وقلنا: إن العبودية والعبادة في اللغة هي الذل والخضوع، ولهذا يقول العرب: طريق معبد أي: مذلل ذللته الأقدام بالسير عليه. والعبودية في الشرع: هي الذل والخضوع لله ، لكن في الاصطلاح الشرعي يضاف إلى الذل والخضوع المحبة، فلا عبودية بدون محبة؛ لأنه قد يذل الإنسان ويخضع لطاغوت متجبر وهو كاره له، فلا يقال: إنه عابد له. وأما المحبة وحدها فليست هي حقيقة العبودية؛ لأنه قد يحب الإنسان من لا يذل ويخضع له، كمحبته لزوجته أو لأولاده أو لقبيلته ووطنه أو نحو ذلك من أحوال محبة الإنسان العادية والطبيعية. فحقيقة العبودية وحقيقة العبادة الشرعية هي الذل والخضوع مع المحبة، فإذا اجتمع الذل والخضوع مع المحبة حصلت حقيقة العبادة، وقد سبق أن شرحناها بالتفصيل، ونقدنا بعض الطوائف في تعريف العبودية وشرحنا ذلك مفصلاً.

стр. 392

أقسام العبودية ثم بينا أن العبودية تنقسم إلى قسمين: عبودية اختيارية، وعبودية جبرية قهرية. فأما العبودية الاختيارية فهي العبودية التي تنبع من اختيار الإنسان. وأما العبودية الجبرية والقهرية فهي ذل الإنسان وخضوعه لله الذل المطلق والخضوع المطلق. وقد سبق أن بينا أن العبودية الاختيارية هي مقتضى توحيد الإلهية، والعبودية الجبرية القهرية هي مقتضى توحيد الربوبية، وبينا الفرق بين توحيد الإلهية وتوحيد الربوبية بشكل مفصل.

стр. 393

المنحرفون في باب العبودية والآثار المترتبة على هذا الانحراف وبينا أن المنحرفين في موضوع العبودية هم طوائف، فبينا انحراف المرجئة، وهم أهل الكلام من الأشاعرة والماتريدية، وبينا سببه، وبينا الآثار المترتبة على هذا الانحراف، كما أننا بينا انحراف طائفة أخرى في هذا الموضوع، وهي الصوفية، وقلنا: إن الصوفية انحرفت في مبدأ العبودية وفي المنتهى، في الوسيلة وفي الغاية، فأما المبدأ فإنها انحرفت في مسألة كيفية السلوك إلى الله ، حيث اختطت الصوفية منهجاً بدعياً في السلوك إلى الله عن طريق الخلوات، وعن طريق الأذكار والأوراد البدعية التي تكون بترديد الاسم المفرد (الله) أو الاسم المضمر مثل: (هو، هو، هو، هو) وهكذا حتى يصل الإنسان إلى الكشف، فهم في مبدأ العبودية انحرفوا، وفي طريق السلوك إلى الله انحرفوا، وكذلك انحرفوا في النتيجة، وانحرافهم في النتيجة هو أنهم تصوروا أن النهاية والغاية التي يصل إليها السالك هو أن يعرف أن الله هو خالق هذا الكون، ويشهد خلقه ، ومعنى الشهود هو رؤية الخلق أعياناً، ومعنى رؤية الخلق أعياناً عندهم أن يشعر الإنسان شعوراً لا يخالطه شك بأنه لا يوجد ذرة من ذرات هذا الكون إلا والله وراءها، وهذا الكلام حق، لكنهم وقفوا عنده، فظنوا أن المطلوب من العباد هو هذا الاعتقاد فقط، وأنه إذا اعتقد الإنسان أنه لا يوجد شيء في هذا الكون إلا والله وراءه فقد وصل إلى نهاية العبودية، وهذا خطأ؛ لأن كفار قريش كانوا يعلمون أن الله هو الخالق الرازق، وما نفعهم هذا العلم، ويؤمنون بذلك، وما نفعهم هذا الإيمان، كما قال الله : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥]، فهم يعرفون أن الله هو الخالق الرازق، وما نفعهم ذلك؛ لأنهم جعلوا في أعمالهم وأقوالهم وأفعالهم وسائط بينهم وبين الله يعبدون غير الله بها، ولهذا يقول الله : ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦]، فأثبت لهم الإيمان في الأولى، وهي توحيد الربوبية وإثبات الخلق والرزق والإحياء والإماتة ونحو ذلك، ونفى عنهم توحيد الإلهية الذي هو الغاية القصوى من خلق الخلق ومن بعثة الرسل، كما قال الله : ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]، وكل رسول يرسله الله إلى قومه يقول لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩]. إذاً: النهاية التي عند الصوفية غير النهاية التي عندنا، فنهاية التعبد عندهم هي إثبات توحيد الربوبية، ونهاية العبودية عندنا هي إفراد الله بالعبادة خالصة له. وسبق أن بينت الآثار العظيمة المترتبة على هذا الأمر، وقلت: إن الخلاف في الواقع المعاصر بين دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ وبين الصوفية في زماننا ليس خلافاً همجياً، وليس خلافاً صورياً، وإنما هو خلاف حقيقي، والذين قالوا: إن الشيخ محمد بن عبد الوهاب من الخوارج أو من التكفيريين، أو أنه يكفر المسلمين بالذنوب أو نحو ذلك ما قالوه اعتباطاً، بل قالوه بناء على عقيدة فاسدة موجودة عندهم، فنسبوا الشيخ - مع أنه على السنة المحضة الواضحة - إلى عقيدة التكفير وعقيدة الخوارج لينفروا الناس منه، وهذا سبق أن بيناه بشكل مفصل، ولما تكلمنا عن الصوفية قلنا: إنهم غلوا في توحيد الربوبية، وذلك أنهم غلوا في الإرادة الكونية التي هي موافقة للخلق.

стр. 394

المنحرفون في باب القدر ومراتبهم في هذا الدرس -إن شاء الله- سنبدأ بالكلام على مراتب الضالين في موضوع الإرادة الكونية، فالضالون في موضوع القدر - وهو الإرادة الكونية - ليسوا على مرتبة واحدة وليسوا على طريقة واحدة، وهذا مما ينبغي أن يعرفه طالب العلم، فإن طالب العلم ينبغي ألا يحاكم الناس جميعاً إلى رأي واحد، فلا نقول مثلاً: إن الصوفية كفار، ولا نقول: إن الصوفية من أهل السنة. فكلا هذين الطريقين باطل، لكن الصحيح أن نقول: إن الصوفية درجات وأنواع، وكل نوع له حكم خاص، فينبغي أن يفهم هذا طالب العلم، ولهذا نلحظ أن السلف كانوا يسمون الفرق الضالة أصحاب المقالات، أي أنهم يحاكمون كل صاحب مقالة إلى مقالته، ولو رجعنا إلى كتب المقالات السابقة لوجدنا أنهم يقولون: مقالة فلان كذا، ومقالة فلان كذا، ومقالة فلان كذا، وقد يكون الثلاثة هؤلاء جميعاً من طائفة واحدة، ومع هذا يفصلون المقالات؛ لأن كل مقالة لها حكم خاص بحسب مناقضتها للقرآن والسنة، وبحسب قربها من القرآن أو السنة أو بعدها عن القرآن والسنة أيضاً. فالضالون في موضوع القدر وفي موضوع الإرادة والحقيقة الكونية على مراتب، ويجمع هذه المراتب جميعاً وصف الجبرية، وقد سبق أن أشرنا إلى عقيدة الجبرية، وقلنا: إن المنحرفين في القدر طائفتان: الطائفة الأولى: المعتزلة. والطائفة الثانية: الجبرية.

стр. 395

المعتزلة القدرية أما المعتزلة فهم القدرية، حيث نفوا القدر، وقالوا: إن الله لم يكتب شيئاً عن العباد، وإنما الأمر مستحدث، والعبد يفعل الفعل وهو غير مكتوب عليه سابقاً، ويقولون: إن العبد يخلق فعل نفسه ويحذف فعل نفسه، وينفون أن يكون الله كتب مقادير العباد قبل أن يخلق الناس، ويقولون: إن العبد هو الذي ينشئ فعل نفسه، ولهذا يعاقب عليه أو يثاب عليه، وأما أن يكتب عليه العمل ثم يعاقب ويثاب فهذا مستحيل في أذهانهم وفكرهم، فقابلتهم طائفة أخرى على الضد والعكس -وهم الجبرية- فقالوا: العبد مثل الريشة في مهب الريح، فلا شيء له من الأفعال، وأفعاله كلها مخلوقة لله ، وهو غير مسئول عن أي عمل من الأعمال. والحق وسط، وهو أن يقال: إن الله كتب مقادير العباد قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وإن العبد قبل أن يولد ويخرج من بطن أمه إلى هذه الدنيا مكتوب عليه أنه شقي أو سعيد، وهذا أمر مقرر في القرآن والسنة بشكل واضح، وكذلك نؤمن بأن العبد له إرادة وله اختيار، والمكتوب هو ما علمه الله مما سيفعله العبد قبل أن يفعله، فإن الله يعلم ما سيفعله العبد قبل أن يفعل الفعل، فكتب الله ما علم من فعل العبد واختياره قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، ثم العبد إذا جاء وقت الفعل سيختار، فإذا اختار لن يختار إلا ما علمه الله سابقاً، لكن هل علم الله السابق لاختيار العبد جبر له؟! ليس جبراً، وإنما هو علم؛ لأن الله علمه ليس كعلم الآدميين، فعلمه ليس كعلمي وعلمك، وإنما هو يعلم كل شيء، وعلمه محيط بكل شيء، فالمكتوب هو علم الله بما سيختاره العبد، وأفعال العبد مرتبطة بإرادته، فإن حقيقة الفعل تكون بإرادة من الإنسان مع القدرة على العمل، فإذا وجد الهم من العبد نفسه والقدرة نتج الفعل مباشرة، فالفعل نتيجة للإرادة ونتيجة للقدرة، وهذه الإرادة والقدرة خلقها الله ، فإن الإنسان لا يقدر على شيء، والله يخلق فيه القدرة والإرادة، فهو خالق لفعل العبد على الحقيقة، ونحن - أهل السنة - نؤمن بأمرين: كتابة الله لشقاوة الإنسان وسعادته قبل أن يولد، والأمر الثاني: إرادة العبد واختياره، وهو أمر يشعر به الإنسان في حياته. أما أهل البدع فإن بعضهم ضل في الأمر الأول، وبعضهم ضل في الأمر الثاني.

стр. 396

الجبرية وأنواعها وقد سبق أن أشرت إلى أن الجبرية على نوعين: جبرية أهل الكلام، وجبرية الصوفية، فأما جبرية أهل الكلام فهم على نوعين أيضاً: الأول: الجهمية، وهم الغلاة الذين يجعلون فعل العبد الاختياري والاضطراري واحداً، وهم أتباع جهم بن صفوان، وهؤلاء كفرهم السلف رضوان الله عليهم لمخالفتهم لصريح القرآن وتكذيبهم له. النوع الثاني: الجبرية المتوسطة، وهم الأشاعرة، فإن الأشاعرة قالوا بعقيدة الكسب، وحقيقة عقيدة الكسب هي الجبر، فإنهم يسمون العبد كاسباً لفعله مجرد اسم، وأما ثمرة الفعل فهي ليست للعبد، وأما الصوفية فإنهم جبرية أيضاً، وسبق أن أشرت أن هؤلاء جميعاً ليسوا على مرتبة واحدة، وليسوا على طريقة واحدة، ويمكن أن نقرأ كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لنتبين طريقة هؤلاء، وسنقرأ عن فرقتين من فرق الجبرية.

стр. 397

غلاة شهود الحقيقة الكونية وضلالهم في التكليف يقول الشيخ: [وهؤلاء الذين يشهدون الحقيقة الكونية - هي ربوبيته تعالى لكل شيء - ويجعلون ذلك مانعاً من اتباع أمره الديني الشرعي على مراتب الضلال: فغلاتهم يجعلون ذلك مطلقاً عاماً]. يعني أنهم يقولون: إن العبد مجبور على فعل نفسه بشكل مطلق وبشكل عام، وكل العباد مجبورون على أفعالهم. [فيحتجون بالقدر في كل ما يخالفون فيه الشريعة]. فأي عبد يزني فإنه يقول: هذا مقدر علي! أو يفعل الفواحش يقول: هذا مقدر علي! أو يأكل الربا، ويشرب الخمر، ويطوف حول القبور، ويعمل أي عمل من الأعمال المخالفة للشرع إذا حاسبه أحد وقال له: اتق الله! قال: هذا مقدر علي قبل أن أخلق! ونقول: صحيح أنه مقدر عليك، لكن أنت لديك اختيار، وستأتي شيء من تنبيهات شيخ الإسلام في الرد على هؤلاء. يقول: [وقول هؤلاء شر من قول اليهود والنصارى]. لأن اليهود والنصارى يؤمنون بالأمر والنهي، وحقيقة قول هؤلاء إبطال الدين كله، بحيث لا يبقى عند الإنسان دين؛ لأن عندهم أن اليهودي معذور؛ لأن هذا قدر الله له، والنصراني معذور؛ لأن هذا قدر الله له، والبوذي معذور، والعلماني الملحد معذور، وكل أمم الأرض معذورة، ومن ثم سيدخلون هؤلاء بهذا الخليط العقائدي الفاسد في الجنة حسب فهمهم، وهذا لا شك في أنه شر من قول اليهود والنصارى، فاليهود والنصارى يميزون بين الناس، فيقولون: هؤلاء من أهل الجنة وهؤلاء ليسوا من أهل الجنة، ولا يقولون: كل الناس معذورون. يقول: [وهو من جنس قول المشركين الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:١٤٨]. وقالوا: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف:٢٠]]. وهذه الطائفة سماهم شيخ الإسلام ﵀ في غير هذا الكتاب: القدرية المشركية أو الشركية، وهم الجبرية الذين كانوا على طريقة المشركين الذين يقولون بأن العبد مجبور على فعل نفسه، وإن ملل الأرض كلها معذورة.

стр. 398

الرد على غلاة شاهدي الحقيقة الكونية قال: [وهؤلاء من أعظم أهل الأرض تناقضاً، بل كل من احتج بالقدر فإنه متناقض؛ فإنه لا يمكنه أن يقر كل آدمي على ما يفعل]. أي: لا يمكن أن يقر كل الناس على ما يفعلون، فلو نظرنا في الحياة لوجدنا أن هؤلاء يحاربون أولئك، وأن هذا يغتصب مال غيره، وهذا رجل قوي يقتل ضعيفاً، فكل هؤلاء معذورون، وما هو معنى العدل حينئذٍ؟ وماذا يعني اسم الله العدل؟! إنه لا يمكن أن يكون هؤلاء جميعاً على حق، فأولئك يعبدون صنماً، وأولئك يعبدون نملاً وبقراً، وأولئك يعبدون الشمس، وأولئك يعبدون الله، فهل كل هؤلاء على حق؟! لا، فهذا لا يمكن من الناحية النظرية، ومن الناحية العملية لا يمكن أن يقر كل الناس على ما يفعلون، فهناك ظالم ومظلوم، وهناك أمم ظالمة تأكل أمماً أصغر منها، فالأمم التي أصغر منها مظلومة، وهناك أشخاص أقويا يعتدون على الضعفاء، ولا يمكن أن يقر الناس على هذا ويقال: إن هذا هو مقتضى القدر وإنهم معذورون، وإلا فما هو معنى الظلم في قاموس هؤلاء؟! فلا شك في أنهم سيحتارون، ولهذا قال شيخ الإسلام ﵀: إنهم متناقضون. وتناقضهم واضح وظاهر. يقول: [فلا بد إذا ظلمه ظالم]. يعني: هذا الرجل الذي يؤمن بهذه العقيدة إذا ظلمه ظالم. [أو ظلم الناس ظالم، وسعى في الأرض بالفساد، وأخذ يسفك دماء الناس ويستحل الفروج ويهلك الحرث والنسل ونحو ذلك من أنواع الضرر التي لا قوام للناس بها أن يدفع هذا القدر]. ولا يقول: إنه حق؛ لأن الله قدره. [وأن يعاقب الظالم بما يكف عدوانه وعدوان أمثاله]. وما هو معنى قول الله : ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [البقرة:١٧٩]، فلماذا إذا قتل شخص شخصاً يقاد به؟! وهل يصح أن نقول: إن الله كتب عليه أن يموت وأن هذا يقتله، فنعذره على قول هؤلاء؟! إن هذا قول باطل لا تستقيم به إنسانية أبداً، وإنما قدر الله يدفع بقدر الله. يقول: [فيقال له: إن كان القدر حجة فدع كل أحد يفعل ما يشاء بك وبغيرك]. فإذا اعتدى عليك أحد ونهب مالك فارض، وإذا اعتدى أحد على أهلك فارض، وإذا قُتلت ظلماً وبهتاناً وعدواناً مع أن الحق معك فارض؛ لأن هذا القدر، ولا يمكن أن يقر على هذا. قال: [وإن لم يكن حجة بطل أصل قولك]. ثم يقول شيخ الإسلام: [وأصحاب هذا القول الذين يحتجون بالحقيقة الكونية]. يعني: بالربوبية العامة، وأن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت. [لا يطردون هذا القول]. يعني: لا يلتزمونه في كل أمورهم، وإنما هم يتبعون آراءهم وأهواءهم، ففي أشياء يقولون: هذا من قدر الله، وفي أشياء لا يقولون: هذا من قدر الله. فهؤلاء يتبعون أهواءهم، كما قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية:٢٣]. يقول: [كما قال فيهم بعض العلماء: أنت عند الطاعة قدري، وعند المعصية جبري أي مذهب وافق هواه تمذهب به]. يعني: إذا طلبت منه الطاعة يقول: الله ما كتبها علي، وأنا حر أفعل ما أشاء وأترك ما أشاء، وعند المعصية يقول: أنا مجبور على هذه المعصية! فانظر إلى التناقض في مثل هؤلاء. فهذه هي الطائفة الأولى من طوائف الجبرية، وهم الجبرية المطلقة، وهؤلاء أقل كفراً من أهل وحدة الوجود الذين سبق الحديث عنهم.

стр. 399

المفرقون بين العامة والخاصة في التكليف يقول: [ومنهم صنف يدعون التحقيق والمعرفة، ويزعمون أن الأمر والنهي لازم لمن شهد لنفسه فعلاً وأثبت له صنعاً، أما من شهد أفعاله مخلوقة أو أنه مجبور على ذلك وأن الله هو المتصرف فيه كما يحرك سائر المتحركات؛ فإنه يرتفع عنه الأمر والنهي والوعد والوعيد]. هذه الطائفة الثانية يفرقون بين صنفين من الناس: صنف غير معذورين، ويسمونهم العامة، ويقولون: هؤلاء يلزمهم الأمر والنهي، فإذا أمر الله بأمر لزمهم أن يفعلوه، وإذا نهاهم عن نهي لزمهم أن يتركوه، وهؤلاء يسمونهم العامة، أو أصحاب الشريعة. وصنف آخر عندهم يسمونهم الخاصة الذين شهدوا الحقائق الغيبية والأسرار المخفية، وهؤلاء الخاصة تسقط عنهم التكاليف، فلا يلزمهم أمر ولا يلزمهم ترك النهي، وهذه الطائفة الخاصة يقولون: عنهم إنهم تسقط عنهم التكاليف بشكل عام، فلا يلزمهم أي شيء، فلا تلزمهم صلاة ولا صيام ولا قراءة قرآن ولا جهاد في سبيل الله، ولا يلزمهم شيء من أعمال الإسلام مطلقاً، وأما الطائفة الأولى العامة فتلزمهم، وهؤلاء أقل من أولئك الذين يقولون: كل الناس - عامتهم وخاصتهم - مجبورون. فهؤلاء يقولون: هناك طائفة وصلت إلى مرحلة الجبر، وهي أن الله أسقط عنها كل شيء، فكل ما يفعله الواحد منها من أفعال فهو من فعل الله ، وكل ما يقوله من أقوال فهي من قول الله ، وحينئذ تسقط عنه كل التكاليف. وقد سبق أن أشرنا في الكلام عن الصوفية أن الصوفية عندهم ما يسمى بالحقيقة والشريعة، فعندهم أصحاب الشريعة هم العامة، وأصحاب الحقيقة هم الخاصة، وهؤلاء هم الذين تسقط عنهم التكاليف، وهؤلاء لا شك في أنهم كفار، أي الذين يقولون بأن هناك طائفة من الناس - ولو قل عددها - تسقط عنهم التكاليف، فهذا كفر بالله رب العالمين؛ لأنه تكذيب لقوله : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، فلم يستثن الله أحداً، وعندما ذكر الله الأنبياء قال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء:٩٠]، وهم أعلى من وصل في مرتبة العبودية، قال عنهم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠]، وحينئذ يقال: إن كلام من قال بهذا القول من الصوفية كفر يخرج عن الإسلام، وهذه هي إحدى نواقض الإسلام التي ذكرها الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في نواقض الإسلام، فإنه قال: من اعتقد أن هناك طائفة غير مخاطبة بالأمر والنهي، أو يسقط عنها شيء من أحكام الشرع فقد كفر.

стр. 400

شَبَهُ العلمانيين بهذه الطائفة ومثل هؤلاء من يعتقد أن الشريعة غير صالحة في هذا الزمان، ويقول: إن الشريعة نشأت في مجتمع بدوي، فالمجتمع البدوي الذي نشأت فيه الشريعة أول مرة كانت المواصلات فيه هي الحمار والجمل والبغل ونحو ذلك، وكانت الاتصالات عن طريق الأشخاص الذين يذهبون هنا وهناك، أما نحن الآن ففي زمن التطور، وفي زمن الثورة الصناعية التي لم يشهد التاريخ لها مثيلاً، وفي زمن الكمبيوتر والإنترنت، وفي زمن الإعلام العالمي الضخم، وفي زمنٍ المواصلات فيه هي الطائرة، والأسلحة ليست هي السكين والسيف والدرع، وإنما هي الدبابات والصواريخ عابرات القارات، فنحن في زمن آخر متغير، وما دمنا في زمن متغير وفي حياة متغيرة، فلا بد من أن نخترع لأنفسنا منهجاً متغيراً، هذا المنهج لا دخل للشريعة فيه. فهؤلاء يشبهون أولئك، فأولئك أسقطوا التكاليف عن طائفة من أتباعهم، وهم الذين وصلوا إلى الحقيقة - كما يتصورون - من خلال الأعمال التعبدية الفاسدة التي يقومون بها، مثل الأذكار البدعية والخلوات التي يقومون بها. وهؤلاء ظنوا أن الشريعة لا يمكن أن تواكب العصر، وحينئذ نكتفي بالتاريخ المجيد والفترة الذهبية لهذه الشريعة، لكننا الآن نحن في زمن آخر لا حاجة لنا فيه إلى هذه الشريعة، وهذا كفر ولا شك فيه، ولا يخالف فيه أحد من أتباع الأديان جميعاً. ولهذا ينبغي أن يدرك الإنسان الربط بين عقائد الفرق الضالة مثل الصوفية وغيرهم وبين عقائد المعاصرين اليوم، وهم دعاة العلمنة والتغريب في حياة المسلمين.

стр. 401

قولهم بأن من شهد الإرادة سقط عنه التكليف يقول الشيخ: [وقد يقولون - يعني هؤلاء الذين يسقطون التكاليف عن طائفة دون طائفة - من شهد الإرادة سقط عنه التكليف]. يعني: من كان من أتباعه، أما العامة أمثالكم فالتكليف لازم عليهم. [ويزعم أحدهم أن الخضر سقط عنه التكليف لشهوده الإرادة]. والخضر تعتبر قصصه وأخباره في الفكر الصوفي خرافة من الخرافات، فهم يعتقدون أن الخضر ما زال حياً إلى الآن، وأنه يلتقي بأئمتهم، ويلتقي بزهادهم وأوليائهم الكبار، وأنهم يتلقون عنه التوجيهات من العلم اللدني الذي عند الخضر، وهذا من خرافاتهم، فالخضر مات ﵇ ورضي الله عنه، كما يدل عليه قول النبي ﷺ : (ما على الأرض من نفس منفوسة تأتي عليها مائة سنة). [فهؤلاء يفرقون بين العامة والخاصة الذين شهدوا الحقيقة الكونية، فشهدوا أن الله خالق أفعال العباد، وأنه مريد ومدبر لجميع الكائنات، وقد يفرقون بين من يعلم ذلك علماً وبين من يراه شهوداً، فلا يسقطون التكليف عمن يؤمن بذلك ويعلمه فقط، ولكن يسقطونه عمن يشهده، فلا يرى لنفسه فعلاً أصلاً، وهؤلاء لا يجعلون الجبر وإثبات القدر مانعاً من التكليف على هذا الوجه، وقد وقع في هذا طوائف من المنتسبين إلى التحقيق والمعرفة والوحيد]. أي: هؤلاء ليسوا مثل الأوائل الذين جعلوا الجبر مانعاً من التكليف عموماً، ولكن هؤلاء خصوه بطائفة دون طائفة.

стр. 402

سبب ضلال من ضل في التكليف يقول: [وسبب ذلك أنه ضاق نطاقهم عن كون العبد يؤمر بما يقدر عليه خلافه، كما ضاق نطاق المعتزلة ونحوهم من القدرية عن ذلك]. ففي بعض الأحيان يكون أساس شبهة فرقتين متناقضتين واحداً، فقد تجد فرقتين متناقضتين أخذت كل واحدة منها شطراً ومكاناً آخر، وتجد أن المنبع والمنبت واحد عند الجميع، وهذا ما حصل عند القدرية وعند الجبرية، فالقدرية نفوا كتابة الله لمقادير العباد، والجبرية أثبتوها إلى درجة إبطال الأمر والنهي، وجعلوا العباد مجبورين، والأساس واحد، وهو أن هؤلاء وهؤلاء لم يفهموا كيف أن الله يقدر على العبد الشقاوة ثم يأمره بتحصيل السعادة شرعاً، فيقولون: لا يمكن أن يقدر الله على عبد شيئاً ثم يأمره بخلافه، وحينئذ جاءت المعتزلة فقالت: ما دام أنه لا يمكن أن يقدر الله على العبد شيئاً ثم يأمره بخلافه فمعنى هذا أنه ما قدر شيئاً، وإنما أمره بتحقيق السعادة، والعبد هو الذي يخرج عن نطاق هذا الأمر ويقع في المعصية. وجاءت الجبرية فقالوا: لا، بل العبد ليس له فعل، وإنما الله هو الذي قدر عليه، وأساس منبت الشبهة واحد كما أشار إليه الشيخ، وهذا يحصل عند كثير من الفرق الضالة. ففي مسألة الإيمان تجد أن الخوارج والمرجئة مذاهبهم متعارضة ومتناقضة، وأساس شبهتهم واحدة، فالخوارج يكفرون من ترك جزءاً يسيراً من العمل، كمن ترك صلة الرحم مثلاً، ومن ترك صلة الرحم كافر عند الخوارج، وعند المرجئة أنه لو ترك جميع الأعمال فليس بكافر، فانظر إلى الفرق، وأساس الشبهة واحدة عند هؤلاء وعند هؤلاء، وهي أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، فلما تقرر عند الخوارج أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص قالوا: إذا ذهب جزؤه ذهب كله، والعمل جزء منه، فقالوا بعقيدتهم الفاسدة، وجاءت المرجئة فقالوا: ما دام أنه لا يزيد ولا ينقص فالعمل لا يدخل فيه مطلقاً، وإنما حقيقته التصديق فقط، وحينئذ وصلوا إلى العقائد التي توصلوا إليها، فبعض الأحيان يكون أساس الشبهة واحداً ثم كل طائفة تتجه إلى طرف غير الطرف الذي تتجه إليه الطائفة الأخرى.

стр. 403

المعتزلة والجبرية بين الأمر والنهي والقضاء والقدر يقول: [ثم المعتزلة أثبتت الأمر والنهي الشرعيين دون القضاء والقدر اللذين هما إرادة الله العامة وخلقه لأفعال العباد]. وذلك لئلا يحصل التناقض بين أمره للعباد بخلاف ما قدره عليهم. [وهؤلاء - يعني الجبرية - أثبتوا القضاء والقدر ونفوا الأمر والنهي في حق من شهد القدر، إذ لم يمكنهم نفي ذلك مطلقاً، وقول هؤلاء شر من قول المعتزلة]. يعني: أن قول الجبرية المطلقة شر من قول المعتزلة. [ولهذا لم يكن في السلف من هؤلاء أحد، وهؤلاء يجعلون الأمر والنهي للمحجوبين الذين لم يشهدوا هذه الحقيقة الكونية]. يعني أن قول الجبرية شر من قول المعتزلة، فإن أساس خلق الله للناس في الأرض هو الأمر النهي، وبعثة الرسل مبنية على الأمر والنهي، والجنة والنار مبنيتان على الأمر والنهي، ولا شك في أن العقائد الصحيحة جزء من الأمر والنهي، لكن إذا كانت الموازنة بين فرقتين ضالتين ففرقة المعتزلة أقل ضلالاً من فرقة الجبرية، وإن كان الجميع ضالاً ومنحرفاً؛ لأن المعتزلة عظمت الشريعة فيما تظن، لكن بإبطال العقيدة، وأولئك عكسوا، فعظموا عقيدة القضاء والقدر بإبطال الأمر والنهي. وهؤلاء الجبرية من هذا الصنف الثاني الذين قسموا الناس إلى عامة وخاصة، وجعلوا الجبر مخصوصاً بالخاصة فقط، وأما العامة فليست بمجبورة، وإنما هي مطلقة في الأمر والنهي، هؤلاء يجعلون الأمر والنهي للمحجوبين الذين لم يشهدوا هذه الحقيقة الكونية، فعندهم أن الذي يجري عليه الأمر والنهي هو المعاقب المسكين من الذين لا يشهدون الحقيقة الكونية، لكن الأشخاص المتميزين الذين أكرمهم الله بسقوط التكاليف عنهم هم أولئك الذين شهدوا الحقيقة الكونية، فجعلوا الأمر والنهي الذي هو عماد الدين عقوبة للعامة، وهذا من أعظم فساد العقائد الذي يوجد عند هؤلاء. يقول: [ولهذا يسقطون عمن وصل إلى شهود هذه الحقيقة الأمر والنهي]. فيكرمونه إذا أسقطوا عنه الأمر والنهي، ويعاقبونه بجريان الأمر والنهي.

стр. 404

حجة القائلين بسقوط التكليف يقول: [وربما تأولوا على ذلك قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩]]. فإنهم فسروا (اليقين) بالعلم، فظنوا أن اليقين هو العلم، فكأنهم فهموا أن الآية معناها: واعبد ربك حتى يأتيك العلم، والعلم يحصل عن طريق الكشوفات التي تحصل له، وعن طريق الأوراد، فإذا وصل إلى العلم قالوا: إن الله أمر بالعبادة إلى غاية محددة، فقال: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩]، و (حتى) من معانيها الغاية، وفهموا (اليقين) بأنه العلم، فقالوا: اعبد الله حتى يأتيك العلم. ومتى يأتيك العلم؟ يأتيك العلم إذا توصلت إليه عن طريق الأوراد التي توصلك إلى الكشوفات فتصير من الخاصة، وحينئذ تسقط عنك العبادة هكذا فهموا، وهو فهم ضال منحرف، وإنما المقصود باليقين في قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩] هو الموت ولهذا قال النبي ﷺ عن عثمان بن مظعون: (أما هذا فقد جاءه اليقين من ربه) يعني: جاءه الموت، فسمى الموت اليقين، فمعنى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩] اعبد الله حتى تموت، ولهذا فإن الأنبياء وصلوا غاية العلم وما سقطت عنهم التكاليف، فلما عرض على هؤلاء الضالين هذا القول - وهو أن الأنبياء وصلوا إلى غاية فما سقطت عنهم التكاليف - قال: الأولياء أفضل من الأنبياء! حتى قال بعضهم: مقام النبوة في برزخ فويق الرسول ودون الولي فعندهم أن النبوة أقل من الولاية، والولاية أعظم منها، هكذا يتصورون.

стр. 405

حكم القول بسقوط التكليف يقول الشيخ: [فجعلوا اليقين هو معرفة هذه الحقيقة، وقول هؤلاء كفر صريح، وإن وقع فيه بالتقليد طوائف لم يعلموا أنه كفر]. وهذا يدل على أنه قد يقع الإنسان في الكفر في بعض الأحيان وهو لا يعلم أنه كفر. يقول: [فإنه قد علم بالاضطرار من دين الإسلام أن الأمر والنهي لازمان لكل عبد ما دام عقله حاضراً إلى أن يموت، لا يسقطان عنه لا بشهوده القدر ولا بغير ذلك، فمن لم يعرف ذلك عُرِّفه وبين له، فإن أصر على اعتقاد سقوط الأمر والنهي فإنه يقتل كفراً]. إذاً: الأمر والنهي لا يسقط في الحال العادي، وإنما يسقط إذا كان الإنسان مجنوناً، أو إذا كان صغيراً، أو إذا كان له عذر من الأعذار الشرعية المعروفة، أما السقوط العام بهذه الطريقة فهو كفر صريح، وهو - كما قلت - مثل مقالة من يقول: إن الشريعة لا تصلح في هذا الزمان، فنحن في زمان متطور والشريعة لا تصلح فيه، وكلاهما كافر وعلى عقيدة واحدة حقيقتها إلغاء لدين الأنبياء، وإلغاء للإسلام، فما دام أنه لا يصلح في هذا الزمان فقد انتهى الإسلام، وليس هناك داع لانتسابنا إليه، لكن هؤلاء - ليضحكوا على الناس - ينتسبون إلى الإسلام اسماً، ثم يأتون بهذه المقالات التي هي نسف للإسلام كله، فتجد أحدهم قد يسمى باسم المسلمين، فيكون اسمه عبد لله، ومع هذا تجد أنه يقول بمثل هذه المقالات؛ لأنه أخذ الدين وراثة، ولم يأخذ هذا الدين عن قناعة وعن فهم لحقائقه الشرعية. قال: [وقد كثرت مثل هذه المقالات في المتأخرين، وأما المتقدمون من هذه الأمة فلم تكن هذه المقالات معروفة فيهم، وهذه المقالات هي محادة لله ورسوله]. وذلك لأن الله أمر بالشريعة عموماً، وهكذا كان الرسول ﷺ وأصحابه. [ومعاداة له، وصد عن سبيله، ومشاقة له، وتكذيب لرسله، ومضادة له في حكمه، وإن كان من يقول هذه المقالات قد يجهل ذلك ويعتقد أن هذا الذي هو عليه طريق الرسل وطريق أولياء الله المحققين، فهو في ذلك في منزلة من يعتقد أن الصلاة لا تجب عليه لاستغنائه عنها، لما حصل له من الأحوال القلبية، أو أن الخمر حلال له]. وعند كل الطوائف - حتى المرجئة - أن من استحل المحرمات فهو كافر، فهؤلاء العلمانيون الذين يرون أن الإسلام لا يصلح للتطبيق في هذا الزمان، وكذلك الحداثيون الذين يريدون هدم القديم بما فيه الأديان، هؤلاء كفار حتى عند المرجئة لا عند أهل السنة فقط، كفار عند أقل طائفة من طوائف المسلمين الذين حصروا الأيمان في مجرد التصديق فقط، فهم يكفرون هؤلاء العلمانيين ويكفرون هؤلاء الذين يسقطون التكاليف عن العباد بهذه الطريقة. قال: [لكونه من الخواص الذين لا يضرهم شرب الخمر، أو أن الفاحشة حلال له لأنه صار كالبحر لا تكدره الذنوب، ونحو ذلك].

стр. 406

الأسئلة

стр. 407

حكم الاستغاثة بغير الله والرد على من يقول إنها ليست شركاً السؤال بعض الإخوة يقول: إن من استغاث بغير الله من الأموات لا يكفر، ولا يرى أن في ذلك شركاً، ويحتج بقوله ﷺ : (لا أخاف على أمتي الشرك) ويحتج بقوله ﷺ : (إن الشيطان يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب)، ورتب على هذا أن الاستغاثة بغير الله ليست شركاً، فما قولكم؟ الجواب هذا القول باطل لأن من الحقائق الشرعية أن الدعاء - وأهمه الاستغاثة في حالة الكرب وفي حالة الحاجة - من العبادة، فإذا صرف لغير الله فهو شرك بإجماع المسلمين، وليس في هذا خلاف أبداً عند المسلمين، وقد بين الشرع كفر كفار قريش بأنهم يدعون غير الله ، ولهذا يقول الله : ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن:١٨]، ويقول الله : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ [الزمر:٣٨] إلى آخر الآية، وهذا المقصود منه الدعاء، فلا شك في أن من استغاث بغير الله فهو مشرك. وأما قوله ﷺ : (إن الشيطان يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم) فيحمل على عدة معان: المعنى الأول: أن يتفق أهل الجزيرة كلهم على عبادة الشيطان، وهذا مستحيل. الأمر الثاني: أن تكون العبادة عبادة للشيطان نفسه، أي أن الشيطان يئس أن يعبد هو ذاته، فلا يمكن أن يكون في جزيرة العرب كلها من يعبد الشيطان في ذاته، وبناء على هذا فلا يكون في هذا الحديث أي إشكال على القاعدة الشرعية أن صرف العبادة لغير الله يكون شركاً أكبر.

стр. 408

الجمع بين إخباره ﷺ بموت كل نفس بعد مائة سنة والخبر عن حياة الدجال السؤال كيف نجمع بين الحديث: (ما من نفس منفوسة) وعيش الدجال؟ الجواب الصحيح أن الدجال يموت ثم يأتي مرة أخرى في آخر الزمان؛ لقوله ﷺ : (ما من نفس منفوسة).

стр. 409

حكم قيادة المرأة للسيارة السؤال ما حكم قيادة المرأة للسيارة؟ الجواب معروف أن قيادة المرأة للسيارة من أعظم الفتن التي لو حصلت لأحلت في حياة المسلمين ألوان الفساد والانحرافات، فكشف الوجه لم يعد خلافاً فقهياً، وإنما أصبح مسألة يريد أعداء الإسلام من دعاة تحرير المرأة أن يلجوا إلى إفساد المجتمع من خلالها، والقائلون بأن كشف الوجه واليدين جائز ما قالوا: إنه يستحب أن تكشف وجهها، والذين يلتزمون الآن كشف الوجه واليدين كأنه مستحب عندهم، فلم يعد الموضوع دائراً بين أن يرى المرء الشيء جائزاً فيفعله متى شاء ويتركه أحياناً، وبين أن يلتزم الإنسان الجائز طول عمره، فلماذا يلتزمون الجائز بهذه الطريقة؟! فإذا كان كشف الوجه واليدين جائزاً على قول من يقول به؛ فلماذا يلتزمونه بهذه الطريقة، بحيث أن المرأة لا تكاد تغطي وجهها أبداً، وتحتج بأن هناك من يفتي بأنه يجوز كشف الوجه؟! فهؤلاء في قلوبهم فتنة، وهم لا يقصدون فتوى من يقول بجواز كشف الوجه، ولا يريدون هذا الأمر، وإنما يحتجون بها من أجل أن يدفعوا الشناعة عن أنفسهم، وإلا فإن القائلين بأن كشف الوجه جائز يقولون بأنه عند الفتنة لا بد من أن تغطي، ولا يوجد أحد أبداً من علماء المسلمين يقول: إنه يجوز كشف الوجه بحيث ينشر صورةً على مجلة، ومع الأسف أن بعض المنتسبين إلى الدعوة الإسلامية أصبح يأتي بمجلات نسائية تكون فيها صورة لامرأة كاشفة لوجهها في المجلة، فمن قال من أهل العلم: إنه يجوز كشف المرأة لوجهها ثم تصبح صورة دائمة للنظر فيها؟! فهذا لا شك في أنه خطأ، وإذا كان الوجه يجوز كشفه فما هو الذي يميز الإنسان عن غيره؟! وفي أي شيء يكون الحسن؟! أيحرم على المرأة أن تكشف ساعدها وذراعيها ويحل لها أن تكشف وجهها؟! إن الحسن لا يتميز إلا بكشف الوجه، وإلا فبقية الأعضاء متشابهة عند الناس، لكن الوجه هو الذي يميز، ولهذا فإن قضية وجوب ستر الوجه أمر إجماعي متفق عليه، والذي يقول بجواز كشف الوجه قوله شذوذ ولا يجوز أن يقال به أبداً، حتى إن الحجاب -وهو تغطية الوجه- كان موجوداً عند أهل الجاهلية، يقول النابغة: سقط النصيف ولم ترد إسقاطه لما رأتنا فاتقتنا باليد يعني: وضعت اليد بيننا وبينه. فكيف يتميز النساء بعضهن عن بعض؟ وكيف تُعرف المرأة البيضاء من السمراء من السوداء مثلاً؟ وكيف تعرف المرأة واسعة العيون من ضيقة العيون؟ وكيف تعرف المرأة الجميلة من القبيحة؟ إن ذلك كله لا يعرف إلا بكشف الوجه، وهذا أمر معروف، لكن هؤلاء لا يريدون لهذه الأمة السلامة، بل يريدون لها أن تتبع سنن اليهود والنصارى في الاجتهاد في نشر الفاحشة ونشر الفساد في حياة الناس، ولا أظن أن أحداً من المسلمين اليوم يجهل أن هناك من يخطط لنساء المسلمين، لكن القضية المهمة التي ينبغي أن نهتم بها جميعاً هي قضية ما قدمناه نحن -الدعاة إلى الله لأسرنا أولاً، فالمتزوج منا ماذا قدم لزوجته من العلم والهداية؟ وماذا قدم لأخته؟ وماذا قدم لأمه من الدعوة إلى الله والإصلاح والتوجيه؟ ولماذا الإهمال كائن عندنا - نحن الدعاة - في أسرنا؟! فهذه هي القضية هي التي تحتاج إلى بحث، وأما أعداء الإسلام فسيعملون وسيجتهدون، ولن يردهم إلا التزام الناس بدين الله والدعوة إلى الله ، ومجرد الكلام عنهم ومعرفة خططهم صحيح أنه طيب، وأنه من استبانة سبيل المجرمين لكن لا يكفي هذا وحده، فلا بد من العمل الدءوب لنصرة هذا الدين، ومن الاجتهاد الدائم لتوجيه الناس لرب العالمين. أسأل الله أن ينفعنا وإياكم بالعلم النافع والعمل الصالح، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 410

شرح العبودية [١١] الجبرية من الصوفية ونحوهم من الفرق الضالة التي انحرفت عن مسار الاعتقاد الصحيح لسلف الأمة، وقد شابهوا المشركين في خصلتين من الخصال وهما: الاحتجاج بالقدر، والابتداع، وهذا جهل أصاب عقولهم، وسفه أصاب ألبابهم، فبئس المشبَّه والمشبَّه به.

стр. 411

الشريعة ونظرة العلمانيين وبعض طوائف الجبرية إليها الحمد لله نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد: فقد سبق الكلام عن الطائفة الثانية من طوائف الضلال في القضاء والقدر من الجبرية، وقلنا: إن الطائفة الثانية قسمت الناس إلى عامة وخاصة، وقالوا: إن الخاصة هم الذين تسقط عنهم التكاليف، وذلك أن الإنسان إذا اجتهد في العبادة -كما يظنون- وتعمق فيها وصل إلى التحقيق واليقين، ويفسرون اليقين بأنه العلم الذي يسقط عنهم به التكاليف العبادية، ويقولون: إن هذه العبادات العملية ليس المقصود منها الفعل في نفسه، وإنما المقصود منها الوصول إلى هذه الدرجة العظيمة، وهي سقوط الأعمال، فإذا قيل لهم: إن الرسل الكرام لم تسقط عنهم هذه الأعمال، أجاب بعضهم بأن الرسل لم يبلغوا درجة الولاية، والولاية درجة أعلى من درجة النبوة والرسالة، ويجيب بعضهم بأنهم كانوا يتعاملون مع الناس حسب إمكاناتهم وعقولهم، ولهذا قد يعملون العمل وهم غير مكلفين به أصلاً، وإنما يعملون هذا العمل من أجل توجيه العامة ونصيحتهم، ويقول: إنهم رسل أرسلوا للناس كافة، وأما أهل التحقيق ونحوهم فهؤلاء تسقط عنهم التكاليف. وقد سبق أن قلنا: إن هذا القول كفر يخرج عن الإسلام، وإن من نواقض الإسلام التي أشار إليها الشيخ محمد بن عبد الوهاب اعتقاد أن بعض الناس تسقط عنهم التكاليف، وقلنا أيضاً: إن بعض العلمانيين في هذا العصر يشبه هؤلاء، فإنهم قالوا: إن الشريعة لا تصلح لأن تطبق في هذا الزمان الذي تقدم كثيراً واختلف عن زمان الرسالة، وإنه ينبغي علينا أن نشرع قوانين تليق بالحياة، وأما هذه الشريعة فبعضهم قد يتجرأ عليها ويقول: البائدة القديمة. وبعضهم قد يستحي ويخشى الشناعة وغضبة الناس فيقول: هذه الشريعة تبقى تراثاً، وتبقى شيئاً جميلاً في تاريخنا، لكن العصر الحاضر لا يصلح أن تطبق فيه الشريعة، ولا بد من أن نأتي بتشريعات أخرى. ثم يأخذون تشريعات الغربيين وزبالة أفكارهم ليطبقوها في الواقع، ثم إذا حصلت لهم معاناة ومشكلات - سواءً كانت سياسية أم اقتصادية أم غير ذلك - قالوا: لماذا أنتم تغضبون من هذه المشكلات؟! انظروا إلى العالم المتحضر، فالعالم المتحضر اليوم فيه مشكلات، وفيه أخطاء! وحينئذ يظنون أن هذا يعذرهم، ويظنون أنهم مازالوا في طريق الخير والسعادة وهم في الحقيقة قد ضلوا ضلالاً بعيداً.

стр. 412

وجوه الشبه بين المشركين والجبرية من الصوفية ونحوهم ووقف الحديث عند تشبيه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لهؤلاء بالمشركين، فإنه ﵀ قال: [فلا ريب أن المشركين الذين كذبوا الرسل يترددون بين البدعة المخالفة لشرع الله، وبين الاحتجاج بالقدر على مخالفة أمر الله، فهؤلاء الأصناف فيهم شبه من المشركين؛ لأنهم إما أن يبتدعوا، وإما أن يحتجوا بالقدر، وإما أن يجمعوا بين الأمرين، كما قال تعالى عن المشركين: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٢٨]]. وطريقة شيخ الإسلام ابن تيمية هذه -وهي تشبيه هؤلاء وأعمال هؤلاء بالمشركين - طريقة كررها كثيراً، ومن الأماكن التي شرح فيها هذا التشبيه كتابه العظيم (اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم) فإنه في هذا الكتاب بين بعض خصال المشركين ومشابهة الفرق الضالة لها. وخصال المشركين من أعظم من جمعها في كتاب واحد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، فإن له رسالة اسمها: (مسائل الجاهلية) أو (المسائل التي خالف فيها رسول الله ﷺ الجاهلية) أو أهل الجاهلية، وهذا الكتاب جمع فيه مسائل كثيرة من صفات الجاهلية، وبين مخالفة الرسول ﷺ لها جميعاً، وقد شرح هذه المسائل الشيخ محمود شكري الألوسي، وشرحها كذلك في رسالة ماجستير الشيخ يوسف السعيد في مجلدين، ويعتبر هذا الشرح الأخير من أفضل الشروح التي شرحت بها هذه الرسالة، فإنه يأخذ المسألة من مسائل الجاهلية ثم يذكر وجودها عند المشركين إما من أخبار القرآن بذلك أو من إخبار الرسول ﷺ ، أو وجودها في أشعارهم أو في أقوالهم المأثورة، وأمثالهم المشهورة، ثم بعد أن يقرر وجود هذه الخصلة عندهم يبدأ يذكر من شابه المشركين في هذه الخصلة من الفرق المنتسبة إلى الإسلام، ثم بعد ذلك ينظر إلى الواقع المعاصر ويحاول أن يربط بين هذه الخصلة والواقع المعاصر الذي نعيش فيه، وقد بذل جهداً ممتازاً في شرحه لهذا الكتاب، وهو من أفضل الشروح. فالشيخ هنا شبه هذه الطائفة بخصلتين من خصال الجاهلية، الخصلة الأولى: الابتداع. والخصلة الثانية: الاحتجاج بالقدر. فأما الابتداع فإنه الإحداث، ونسبة هذا الإحداث إلى الله أو إلى الرسول ﷺ ، وهذه واضحة في الآية، فالمشركون إذا فعلوا فاحشة ﴿قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ [الأعراف:٢٨]، وهذه بدعة؛ لأنهم أحدثوا الفاحشة ثم نسبوها إلى الله ، وهذه النسبة هي الابتداع في أكمل صوره وأوضحها، فرد الله عليهم فقال: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٢٨]، ولهذا فإن من وقع في البدعة فقد شابه المشركين في هذه الخصلة وهي خصلة الابتداع، فأول من ابتدع هم هؤلاء المشركون.

стр. 413

الشبه في الاحتجاج بالقدر يقول الشيخ: [وكما قال تعالى عنهم: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:١٤٨]]. فاحتجوا بالقدر، يعني: كأنهم يقولون: إن هذا الشرك هو قدر الله فينا، وحينئذ فنحن ملزمون به. فالمشركون جبرية، وهذا الاحتجاج احتجاج فاسد، فإنهم - كما سبق أن أشرنا - لا يقولون بهذا الاحتجاج في أمورهم الدنيوية، فهم لا يجلسون في بيوتهم ويقولون: يرزقنا الله ، وهم - أيضاً - لا يصبرون على من يؤذيهم ويقولون: هذا قدر الله، وإنما يدفعون قدر الله بقدر الله، فإذا هجمت قبيلة على أخرى دافعتها وهاجمتها ولم تستسلم، مع أن القبيلة التي هجمت على الأولى هجمت بقدر الله، فلماذا لا يستسلمون ويسلمون أنفسهم وأموالهم ونساءهم لهذه القبيلة التي هجمت بقدر الله؟! إذاً: هؤلاء المحتجون بالقدر هم - في الحقيقة - يحتجون بأهوائهم وأغراضهم الشخصية كما ستأتي الإشارة إليه.

стр. 414

الشبه في الابتداع يقول: [وقد ذكر عن المشركين ما ابتدعوه من الدين الذي فيه تحليل الحرام وعبادة الله بما لم يشرع الله في مثل قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ﴾ [الأنعام:١٣٨]]. فأهل الجاهلية كانوا يخرجون بعض الأنعام من الغنم والبقر والإبل، ويجعلون هذه الأنعام لله مثل النذر، فينذرون هذه الإبل لأصنامهم، ويمنعون أحداً من الشرب منها أو الأكل منها البتة، ثم ينسبون ذلك إلى الله ، وكأنهم يقولون: إن الله أمرنا بأن نخرج من أنعامنا ومن مواشينا وحرثنا هذا الشيء ونجعله حجراً على هذه الأصنام. وهي بدعة مثل نسبتهم الأمر بالفاحشة إلى لله ، وحينئذ فالابتداع وتحليل الحرام وتحريم الحلال من صفات المشركين، فهؤلاء حرموا الانتفاع بهذه المواشي وبهذه الأنعام وبهذا الحرث، وجعلوها محجورة لا يستفيد منها أحد، وإنما هي لآلهتهم التي لا تأكل ولا تشرب ولا تستفيد منها شيئاً، واعتقدوا أنها حرام لا يجوز لأحد أن يستفيد منها، فهؤلاء حرموا ما أحل الله ، ثم نسبوا هذا التحريم إلى الله ، وهذا هو حقيقة البدعة، فإن البدعة هي تشريع ما لم يشرعه الله ، وهي تحريم ما أحل الله ، وتحليل ما حرم الله ، فالبدعة اختراع وإنشاء وتشريع ما لم يشرعه الله ، وقد تكون بدعة كبرى تخرج عن الإسلام، وقد تكون بدعة أقل من ذلك. يقول: [وكذلك في سورة الأعراف في قوله: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف:٢٧] إلى قوله: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [الأعراف:٢٨]. إلى قوله: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:٢٩] إلى قوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ * قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف:٣١ - ٣٢] إلى قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٣]]. فبين أن القول على الله بغير علم من خصال المشركين، وهكذا هؤلاء الذين ابتدعوا هذه البدعة وهي أن الإنسان مجبور على فعله، وأن الناس ينقسمون إلى خاصة وعامة، وأن العامة ملزمون بأحكام الشرع، والخاصة تسقط عنهم التكاليف، هؤلاء ابتدعوا كما ابتدع هؤلاء المشركين، وفي نفس الوقت احتجوا بالقدر كما احتج به المشركون، وهي مشابهة للمشركين واضحة. ثم يقول الشيخ: [وهؤلاء قد يسمون ما أحدثوه من البدع حقيقة]. وقد سبق أن بينا أن من بدع الصوفية ما يسمونه بالحقيقة والشريعة، فالشريعة عندهم عقيدة العامة ومنهج العامة، والحقيقة هي منهج الخاصة ممن سقط عنهم التكليف. قال: [كما يسمون ما يشهدون من القدر حقيقة]. وقد سبق أن بينا أنها الحقيقة الكونية العامة. قال: [وطريق الحقيقة عندهم هو الرياضة والسلوك الذي لا يتقيد صاحبه بأمر الشارع ونهيه]. وقد سبق أن بينت طريقتهم في الوصول إلى هذه الحقائق وإلى الكشوفات وإلى الأذواق التي يدعونها عن طريق الخلوات والأذكار البدعية، والجلسات غير المشروعة التي يقول الغزالي عن أهميتها: ولا ينبغي للمريد أن يشتغل في خلوته لا بقراءة القرآن، ولا بحفظ الحديث، ولا بالعلم، ولا بأي شيء، وإنما يشتغل بورده فقط: وورده - كما سبق - إما تكرير الاسم المفرد (الله الله الله) أو تكرير الاسم المضمر، مثل: (هو هو هو)، وهكذا. يقول: [ولكن بما يراه هو ويذوقه ويجده في قلبه الضال الغافل عن الله ونحو ذلك]. وسيأتي -إن شاء الله- أنهم يجعلون أذواقهم وكشوفاتهم مقدمة على النصوص الشرعية. يقول: [وهؤلاء لا يحتجون بالقدر مطلقاً]. يعني: لا يحتجون بالقدر على كل الناس، وإنما يجعلون القدر خاصاً لأهل الحقيقة الذين وصلوا إليها، لكن بقية المسلمين أصحاب الشريعة لا يحتج بالقدر عليهم، وإنما يرون أن القدر شرف يوصل إليه عن طريق الرياضة والأعمال البدعية التي سبق أن أشرنا إليها. قال ﵀: [بل عمدتهم اتباع آرائهم وأهوائهم، وزعمهم ما يرونه وما يهوونه حقيقة، ويأمرون باتباعها دون اتباع أمر الله ورسو

стр. 415

موقف الصوفية وأهل الكلام من نصوص الكتاب والسنة يقول شيخ الإسلام ﵀: [ثم الكتاب والسنة إما أن يحرفوا القول فيهما عن مواضعه، وإما أن يعرضوا عنه بالكلية، فلا يتدبرونه، ولا يعقلونه، بل يقولون: نفوض معناه إلى الله مع اعتقادهم نقيض مدلوله]. هنا ربط الشيخ بين بدع الصوفية وبين بدع أهل الكلام في تعاملهم مع القرآن والسنة، فإن الصوفية عندما يعترض عليهم بالقرآن والسنة فيما يقومون به من أعمال وما يصلون إليه من كشوفات وأذواق يقولون: هذه الأذواق وهذه الكشوفات مقدمة على القرآن والسنة. وقد نص على ذلك الغزالي في إحياء علوم الدين، وقال: إذا عارض الكشف الكتاب أو السنة فإنه يؤول بما يوافق الكشف! وكأن الكشف عندهم أصدق من القرآن والسنة، ولو أنهم قالوا: إن الكشف يؤول بما يوافق الكتاب والسنة لقلنا: حتى هذا ففيه إضعاف لمقدار الكتاب والسنة.

стр. 416

ضرورة معرفة منهج التلقي لدى الطوائف والجماعات المنحرفة ولهذا كان من القضايا المهمة التي ينبغي على طالب العلم أن يتفقدها دائماً عند النظر في أي طائفة، أو أي أمة من الناس، أو أي مجموعة من المجموعات أن ينظر إلى مصدر التلقي عندهم، فمثل هؤلاء الصوفية مصدر التلقي عندهم الكشوفات التي يصلون إليها، وأهل الكلام مصدر التلقي عندهم العقليات، والعلمانيون اليوم مصدر التلقي عندهم هو الغرب وما يحدثه من تشريعات، وهكذا تجد أن كثيراً من الطوائف لها مصادر تتلقى منها غير الوحي وغير النصوص الشرعية، وحينئذٍ تستطيع أن تعرف ما سيفرزه هذا التلقي من بدع وأهواء أخرى غير هذه البدعة الأساسية التي هي بدعة الانحراف في التلقي. ثم يقول في المقارنة: [ثم الكتاب والسنة إما أن يحرفوا القول فيهما عن مواضعه وهو ما يسمى بالتأويل، وإما أن يعرضوا عنه بالكلية فلا يتدبرونه ولا يعقلونه]. وهذا ما نص عليه الرازي في كتابه: (أساس التقديس)، فإنه لما افترض وجود التعارض بين العقل والنقل قال: يقدم العقل، والنقل إما أن يؤول. كما ذكره الشيخ: إما أن يحرف القول فيه عن مواضعه كما يقول الرازي، أو يترك ويفوض أمره إلى الله ، ويرون أن أهم شيء هو أن نعتقد مقتضى العقل، ولا شك أن هذا من الضلال، والعياذ بالله.

стр. 417

عقليات المتكلمين يقول: [وإذا حقق على هؤلاء ما يزعمونه من العقليات المخالفة للكتاب والسنة وجدت جهليات واعتقادات فاسدة]. مثل التركيب عندهم، فالتركيب شبهة من الشبه التي نفوا بها صفات الله ، فإنهم يقولون: إذا أثبتنا صفات الله فإنه يلزم أن يكون الله مركباً من هذه الصفات، والتركيب دليل على النقص، وحينئذ ننفي الصفات! وهذه بدعة المعتزلة، ثم أخذها الأشاعرة والماتريدية عنهم. وهذا كلام باطل، فإن الله الذي بين عظمته ومقداره بين أن له صفات كثيرة، مثل اليدين، والوجه، والكلام، ونحو ذلك من الصفات، وكل صفة هي من صفات الله ، ولا يصح أن يقال: إن هذا تركيب يدل على النقص. وإنه يقال لهم: هل تؤمنون بأن الله موجود؟! فيقولون: نعم. يقال لهم: وحي؟ فيقولون: نعم. فنقول: هذا تركيب، حيث كان حياً وموجوداً، فيقولون: هذا ليس بتركيب, فنقول أيضاً: كونه له كلام وعينان ليس تركيباً. فهؤلاء أهل اعتباط وأهل تقول فقط.

стр. 418

أهواء وخرافات الصوفية ثم يقول: [وكذلك أولئك إذا حقق عليهم -يعني: الصوفية- ما يزعمونه من حقائق أولياء الله المخالفة للكتاب والسنة وجدت من الأهواء التي يتبعها أعداء الله لا أولياؤه]. وهذا حاصل بالفعل، ويكفي أن تعلم أن الصوفية اليوم أوجدوا لرجل واحد ثلاثة قبور في العالم، وهو الحسين بن علي بن أبي طالب، حيث يعبده طائفة من الصوفية والرافضة في كربلاء، ويعبده طائفة من الصوفية والرافضة أيضاً في دمشق، ويعبده كذلك طائفة من الصوفية في مصر. بل إنك تجد من المسلمين اليوم -ممن كثرت علاقته بالتصوف- من قلبه مهيأ لأدنى خرافة، وأهم شيء أن ينسب هذا الأمر إلى الله، أو ينسبه إلى الرسول، أو ينسبه إلى الولاية، أو ينسبه إلى الدين بشكل عام، فعنده استعداد نفسي لأن يقبل الخرافة، والمنهج: لا تحقق، ولا تسأل، ولا تناقش، ولا تفهم. ويحكى: أن رجلين أرادا أن يتاجرا، فلم يكن عندهما مال، فاتفقا على أن يدفنا حماراً، وأن يضعا له مزاراً، وأن يكون هناك صندوق للنذور، ويعظموا هذا في الناس، ويجعلوا له مواعيد للزيارة، فدعوا الناس إليه، فأقبل الناس من كل مكان، وقالوا: هذا قبر سيدي فلان. ويكفي أن تقول: (قبر سيدي فلان) فيجتمع عليك الناس، ثم تذكر لهم من الكرامات أن امرأة عقيماً جاءت إليه فطافت به واستغاثت به فولدت، وأن رجلاً مرض ابنه حتى إذا كاد أن يهلك جاء إليه وقال: (يا سيدي فلان) فشفي، ثم اذكر من الخرافات ما يعجب الناس، وحينئذ سيجتمعون حولك، وبالفعل اجتمع الناس وبدءوا يطوفون ويبكون، وهم لا يدرون من هو الميت المدفون، واشتغلوا بالطواف عند قبره وبالنذور، والنذور التي يضعها مثل هؤلاء المغفلين لا يدرون عنها أين تذهب، فيضعون النذور قائلين: اللهم تقبل، أو: يا فلان! هذا نذري، وهذا ما أملك، فما عندي إلا مائة ريال. ثم يضعها ويمشي، وما يدري أن اللص سيأخذها من بعده.

стр. 419

ضرورة معرفة أمراض الأمة وأهميتها في العلاج ولهذا ينبغي علينا جميعاً أن نعرف أمراض المسلمين، وهذه قضية مهمة جداً، فينبغي على الدعاة أن يفهموها، فأي وصفة طبية لمرض من الأمراض لا تكون أبداً إلا بعد التشخيص الصحيح للحالة، فعندما يكون عند الإنسان تشخيص صحيح لمرض المسلمين، وعندما يدرك الإنسان الداء الذي فتك بحياة المسلمين، والذي جعل حياة المسلمين تشبه إلى حد كبير حياة الغربيين، عندما يكون عنده معرفة وتوصيف لحالة المسلمين يستطيع حينئذ أن يشرح العلاج النافع لهم بأوضح ما يكون، لكن إذا كان لا يدري كيف يمكن أن يعالج فإنه لا يستطيع أن يقدم شيئاً. فإذا جاءك مريض ومعه حصاة في الكلى وأنت تظن أن فيه مرضاً في القلب فماذا ستعمل؟ ستعطيه من علاجات مرض القلب ما يفتك به ويهلكه، ولأجل هذا كان لا بد من أن يدرك الإنسان أمراض المسلمين، وأمراض المسلمين متعددة ومزمنة، ويجمعها البعد عن دين الله ، وتَقَبُلُ الخرافات، وفي نفس الوقت ضعف الاهتمام بقضايا التدين، وهذا الضعف الديني الكبير الذي هيمن على حياة المسلمين كان فرصة مناسبة لوجود من يقول لهم: إن الطريق الصحيح هو أن نتجه إلى الغرب الذي كان في ضعف كما كنا في ضعف ثم أصبح في حضارة عظيمة، فنريد أن نصبح في حضارة عظيمة ونقلدهم، وحينئذ نصل إلى ما وصلوا إليه. وهذه مشكلة عند بعض الناس، وقد يصدق مثل هذه المقالات بعض الطيبين الذين يشعرون بحاجة الأمة إلى الإنقاذ. والحقيقة هي أن الأمة محتاجة إلى العلم الصحيح المبني على كتاب الله وسنة رسوله العلم الذي ينظر إلى الجيل الأول وكيف كانت حياته، ثم يتعامل مع مشكلات الأمة بنفس المنهج الذي تعامل به رسول الله ﷺ وأصحابه، وإلا فإنه سيكثر التخبط في حياتنا وفي مجتمعاتنا، والعياذ بالله. وهذه الصورة التي نتحدث عنها عند الصوفية وغيرهم هي من صور الأمراض الموجودة التي تحتاج إلى علاج، وهذه الأمراض لا يمكن أبداً أن نوافق القائلين في أنها بادت وانتهت وذهبت، فذلك ليس صحيحاً أبداً، فلم تبد ولم تذهب ولم تنته، وإنما هي موجودة اليوم في حياتنا عند طائفة كبيرة، وقد تكون في بعض البلدان مستخفية؛ لأن الرأي العام لا يوافقها، وتكون في بعض البلدان الأخرى ظاهرة؛ إذ يوافقها الرأي العام في تلك البلدان، لكنها موجودة في حياة المسلمين. وإذا نظرت إلى جانب واحد فقط، كالقنوات الفضائية التي توجد عند أغلب المسلمين، فإن الدين في هذه القنوات يصور على أنه هو التصوف، فترى الابتهلات الدينية على الموسيقى، والاهتمام بالقبور، وعمل التقارير الإخبارية أو الإعلامية عن قبر السيدة زينب أو الست نفيسة، أو القبر الفلاني، أو المولد الفلاني كمولد السيد البدوي مثلاً، أو نحو ذلك، والاهتمام بنقل أخباره، حتى تتوجه عواطف كثير من المسلمين الدينية نحو هذه الخرافات الضالة والمنحرفة، وهذه أمور لو كان إنسان لا يراها في مدينته التي يعيش فيها سيتأثر بها، وسيظن أن هذا هو الدين الصحيح، وحينئذ يكون مهيأ لقبول أي خرافة وأي فكرة غريبة لا توافق منهج الله ، ولا توافق سنة الرسول الله ﷺ .

стр. 420

الأسئلة

стр. 421

تعريف بالفخر الرازي السؤال من هو الرازي الذي ذكرته؟ الجواب الرازي هو فخر الدين محمد بن عمر الرازي، وهو من علماء الكلام المتقدمين، توفي في القرن السابع، وله كتب كثيرة، منها: كتاب (أساس التقديس)، وكتاب (المباحث المشرقية)، وكتاب (الأربعين في أصول الدين)، وهو يعتبر عمدة عند الدارسين فيما يسمونه بالفلسفة الإسلامية، ويعتبرونه من أكبر الفلاسفة المسلمين، ورد عليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في مواطن كثيرة من كتابه العظيم (درء تعارض العقل والنقل).

стр. 422

حكم تحريك كتب العلم بالأرجل السؤال هل يجوز أن يركض طالب العالم كتابه بقدمه ركضة يسيرة ليتسع المكان، وليس قصده امتهان العلم؟ الجواب لا يجوز ذلك، فبإمكانه أن يرفعه بيده، وينبغي أن نتعلم احترام كتب العلم، ولا نتساهل بها إلى هذه الدرجة، حتى ولو كان الركض يسيراً.

стр. 423

الاحتجاج على الجبرية بأن الله قدر التعذيب في النار للعصاة السؤال ألا يصلح أن يكون جواباً على الجبرية الذين يقولون: إن الله قدر علينا المعصية، أن يقال لهم: إذاً: فقد قدر الله عليكم العذاب في النار إن شاء جزاء ما قمتم به؟ الجواب يمكن أن يكون هذا جواباً.

стр. 424

كفارة الجماع في نهار رمضان السؤال امرأة تقول: إن زوجها جامعها في نهار رمضان، فما هي الكفارة الواجبة عليها وعلى زوجها، مع العلم أنها وزوجها لا يستطيعان صوم شهرين متتابعين؟ الجواب أولاً: الواجب عليهما التوبة إلى الله ، فإن الجماع في نهار رمضان من أعظم المفطرات، وهو أعظم من الفطر عن طريق الأكل والشرب، وذلك لترتب الكفارة المغلظة عليه، ثم الكفارة تحرير رقبة، وهذا غير متيسر الآن، فعليهما صيام شهرين متابعين، فإن لم يستطيعا فعليهما إطعام ستين مسكيناً، وعدم الاستطاعة ضابطه: هو أن يترتب على الصيام مرض، أو يترتب عليه أي نوع من أنواع الأذى.

стр. 425

نظرة في الاحتجاج بأقوال شيخ الإسلام السؤال يقول بعض الإخوة: إنكم متعصبون لشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، وكأنه لم يكن هناك علماء غيرهم، فكل أقوالكم: قال شيخ الإسلام كذا وكذا، ثم يذكرون أن أقوال شيخ الإسلام فيها شيء من التشدد في كثير من المسائل، فكيف نرد على مثل هؤلاء؟ الجواب لا شك في أن من الخطأ عندنا نحن -طلاب العلم- أن يكون مصدرنا الأساسي والأخير هو كلام ابن تيمية فقط، وإنما ابن تيمية عالم من علماء المسلمين المحققين يؤخذ من كلامه ويترك، فيترك إذا كان مخالفاً للسنة ويؤخذ إذا كان موافقاً لها، وإذا كان كلام شيخ الإسلام ﵀ موافقاً للسنة فإنه يكون مطلوباً وحسناً، ولا ينبغي علينا أن نكتفي دائماً -خاصة مع المخالف- بذكر كلام شيخ الإسلام أو نحوه، فإن المخالف إذا كان لا يقر بفضل شيخ الإسلام ولا يقر بفضل ابن القيم فينبغي ألا يقال له: قال شيخ الإسلام. لأنه يقول: ومن شيخ الإسلام هذا الذي تذكره؟! وربما يقول: هو عدو الإسلام؛ لأنه يوجد أشخاص يكفرون ابن تيمية، فالصحيح في طريقة دعوة مثل هؤلاء ومناقشتهم وتوجيههم هو أنه لا يقال لهم: (قال شيخ الإسلام)، بل ينظر إلى كلام شيخ الإسلام، فـ شيخ الإسلام عالم يستدل بالنصوص، فينظر إلى الدليل الذي استدل به ووجه دلالته، فإن كان الدليل ووجه الدلالة قوياً في الاستدلال يحتج عليه بالدليل الذي هو قول الله أو قول الرسول ﷺ ، ويستفاد من الوجه الذي ذكره شيخ الإسلام في بيان الحق لهذا الإنسان، لكن إذا كان استدلال شيخ الإسلام ليس قوياً فهناك أئمة عندهم استدلالات أخرى قوية، فينبغي فعلاً ألا يُتعصب لكلام شيخ الإسلام، وألا يظن أن الحق دائماً معه في كل لحظة. لكن مسائل العقيدة الإجماعية هي مسائل متفق عليها بين شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من العلماء السابقين، ونحن عندنا مصدر في الاستدلال هذا المصدر هو القرآن، والسنة، والإجماع، والقياس الصحيح المعتبر، فهذه من مصادر الاستدلال التي اتفق عليها أهل الإسلام جميعاً، فأنت عندما تستدل لا تستدل بقول ابن تيمية، بل تستدل بما استدل به ابن تيمية ﵀، وحينئذ تكون طريقك في التعلم صحيحة، وليس معنى هذا أن كلام ابن تيمية نفسه الذي تكلم به لا بد أن يكون دليلاً. فالطريقة الصحيحة أن تقول: قال تعالى كذا، قال رسول الله كذا، وأجمع العلماء. وتثبت إجماعهم هذا. فينبغي على طالب العلم أن يوسع قراءاته، فلا يكتفي بالتركيز على علم واحد يكون دائم الترديد حوله، لكن في حالة كون طلاب العلم متفقين على فضل هذا العالم لا بأس أن يقول أحدهم: قال شيخ الإسلام كذا أو كذا؛ لأن له منزلة وفضل.
следующие страницы →