← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 36582

تحبير الوريقات بشرح الثلاثيات

وليد الصعيدي

Полный текст (154 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

تحبيرُ الوريقات بشرح الثلاثيات (شرح مختصر لثلاثيات البخارى ﵀ جمعُ وترتيبُ أبى وداعة وليد بن صبحى الصعيدى المقدمة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، قدم نبينا على كل نبىٍّ أرسله، وكتابنا على كل كتابٍ أنزله، وجعل أمتنا الأخيرة الأولة، فله الشكر من معتقِدٍ أنه به وله، لا غنى إلا فى طاعته، ولا عز إلا فى التذلل لعظمته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، جل عن شريكٍ وولد، وعز عن الاحتياج لأحد، وتقدس عن نظيرٍ وانفرد، وعلم ما يكون، وأوجد ما كان، " فبأى آلاء ربكما تكذبان "، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله ... نبى صدقٍ هدت أنوار شرعته ... بعد العمى للهدى من كان عنيتا أحيا به الله قوماً قام سعدهم ... كما أمات به قوماً طواغيتا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١]

стр. 2

فهذه ثلاثيات البخارى، والذى علا فيها بسنده إلى النبىِّ ( ﷺ )، فهى كواكب أسانيده العالية (١)، وقد حظيت بالاهتمام من أهل العلم فى القديم والحديث حتى أفردوها بالتصنيف، ومن الطريف أن الثلاثيات فى الكتب الستة- خاصة (٢) - ليس لها انتشار حيث أن أصحابها لم يتمكنوا من لقيا كبار الشيوخ، وقد كان أسنهم الإمام العلم الإمام البخارى، لذلك فإن مصنفه هو الذى احتوى على أكثر عدد من بين الكتب السته ففيه اثنان وعشرون حديثاً ثلاثياً، يليه فى العدد سنن ابن ماجة، فقد وقفت على ثلاثة أحاديث كلها من طريق جبارة ابن المغلس، ولم يصح منهم إلا واحد صححه الشيخ الألبانى، ثم تلا ذلك من كتب السنة سنن الترمذى ففيه حديثُ واحد. ثم ليس ثمت ثلاثيٍّ في بقية الستة. فليس عند مسلم ولا أبى داود ولا النسائى من ذلك شيء كما ذكر أبو العلا

стр. 3

المباركفورى فى تحفة الأحوذى. وقد مَنَّ الله علينا بسماع هذه الأحاديث بالسند المتصل إلى الإمام البخارى ثم بسنده إلى النبى ( ﷺ ) وذلك عن فضيلة الشيخ وحيد عبد السلام بالى - حفظه الله - بدايةً، ثم عن فضيلة الشيخ صلاح عبد الموجود - حفظه الله - ولما كان المقصدُ من وراء العلم الفهم ثم تطبيق ما تعلمه العبد دون روايته فقط، لذلك لم يكن من المسَلَّم أن نكتفىَ برواية الأحاديث دون فهمٍ منا لما فيها من مسائل قَصَدها الشرعُ، وفى ذلك يقول السيوطى فى التدريب (١): " لا ينبغى للطالب أن يقتصر من الحديث على سماعه دون معرفته وفهمه فيكون قد أتعب نفسه من غير أن يظفر بطائل" ا. هـ ومن فعل ذلك كان كمن ينبذ الكتاب وراء ظهره. فأردت أن أقف لنفسى أولاً ولإخوانى بعد ذلك -لمن أراد -مع ما تحتويه هذه الأحاديث من ثمارٍ يانعة، ودررٍ لائحة، فإن الوحى نور، نستضيء به فى دياجير الشبهات والشبه، وأيضاً حتى لا نكون كمن أقام الحجة على نفسه، ثم إذا أقبلنا على الله سبحانه قيل لنا: " فبما كسبت أيديكم ". وإنما قمت بهذا العمل حفاظاً على مسموعاتى، وما تحملته من أمانة، مرةً بالنظر ومرةً بالترتيب، ومرةً باستخراج الفوائد، وحفزنى على هذا العمل سلفنا - رحمة الله عليهم - واهتمامهم بمروياتهم ومسموعاتهم، وكان آخر ما وقفت عليه ما سطره الحافظ ابن حجر فى جزءٍ لطيف له بعنوان: " الأحاديث العشرة الاختيارية العشارية الأسانيد " فقال ﵀: " وأما هذه الأحاديث، وإن كان فيها قصور عن مرتبة الصحاح، فقد تحريت فيها جهدي، وانتقيتها من مجموع ما عندي، وبينت علة كل حديث بعقبه، وأوضحت ما فيه للمنتبه " ا. هـ فقلت ليكن لى فيهم أسوة، وإن لم أبلغ قلامة ظُفر أحدهم، وكان هذا هو الداعى الأول، أما الداعى الثانى:

стр. 4

فإننا نتعلم لنعمل، ولا سبيل للعمل إلا بعد الفهم، قال عمرو بن قيس المُلائى كما فى الحلية: " إذا بلغك شيء من الخبر فاعمل به ولو مرة تكن من أهله " ثم نتعلم لنبلغ ولا نكتمه. قال النووى فى التقريب: " فإن كتمانه لؤمٌ يقع فيه جهلة الطلبة فيخاف على كاتمه عدم الانتفاع، فإن من بركة الحديث إفادته ونشره يُمْن " وقال الإمام مالك (١): " الناس في العلم اربعة: رجل علم فعمل به: فمثله في كتاب الله قوله تعالى: " إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ " (فاطر، ٢٨) ورجل علم به ولم يُعَلِّمه: فمثله في كتاب الله: " إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ " (البقرة، ١٥٩) ورجل علم علماً وعلم ولم يعمل به: فمثله في كتاب الله: " إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا " (الفرقان، ٤٤) " فوجب التعلم ثم الفهم ثم العمل ثم الدعوة إلى ما عَلِمناه بما تعلمناه، وكل ذلك ليس لنا إليه سبيل إلا بعد أن نقف على ما فى هذه الأحاديث من دروس وعبر. ولا أدعى فى ذلك أنى جئت بجديد، أو وقفت على ما لم يقف عليه أحد، ولا أدعى أنى انتحلت هذا من عندى، ولكنها ثمار اجتنيتها من بساتين القوم وليس لى فيها كبير جهد إلا الترتيب، فلا أنسب من ذلك شيء إلى نفسى، متذكراً كلام ابن المقفع فى الأدب الكبير (٢): " إن سمعتَ من صاحبك كلاما أو رأيت منه رأيا يعجبك فلا تنتحله تزينا به عند الناس. واكتف من التزين بأن تجتني الصواب إذا سمعته، وتنسبه إلى صاحبه. واعلم أن انتحالك ذلك مسخطةٌ لصاحبك، وأن فيه مع ذلك عارا وسخفا ". فأنا أربأ بنفسى عن السخافة والعار.

стр. 5

وعن العباس ابن محمد الدوري أنه سمع أبا عبيد القاسم بن سلام يقول (١): من شُكْر العلم ذكركُ الفائدة منسوبةً إلى من أفادك إياها أو كما قال. وقد جاء هذا الشرح فى ثلاثة أبواب: الباب الأول: مباحث بين يدى البحث كتوطئةً له. الباب الثانى: شرح الثلاثيات حسب مسند كل صحابىّ. الباب الثالث: روايات لها علاقة بالثلاثيات عند البخارى فى صحيحه وفى كتابه الأدب المفرد. ثم الخاتمة، سائلاً الله أن يختم لنا بخير. وأختم المقدمة بما قاله ابن قتيبة فى عيون الأخبار، مهوناً عليك أن تسمع من مثلى أو تقرأ لمثلى، فالحكمة ضالة المؤمن نأخذها عمن فوقنا وعمن تحتنا: " لا تستنكف أن تأخذ عن الحديث سناً لحداثته، ولا عن الصغير قدرا لخساسته، ولا عن الأمَة الوكعاء (٢) لجهلها، فضلا عن غيرها. فإن العلم ضالةُ المؤمن، من حيث أخذه نفعه، ولن يزري بالحق أن تسمعه من المشركين، ولا بالنصيحة أن تستنبط من الكاشحين (٣)، ولا يضيرالحسناء أطمارها، ولا بنات الأصداف أصدافها، ولا الذهبَ الإبريزَ مخرجُه من كِبا، ومن ترك أخذ الحسن من موضع أضاع الفرصة، والفرص تمر مر السحاب". ويقول النووى أيضاً فى التقريب: " وليحذر كل الحذر من أن يمنعه الحياء والكبر من السعى التام فى التحصيل وأخذ العلم ممن دونه فى نسبٍ أو سنٍ أو غيره ". " واللهَ أسألُ أن يُلقيَ على هذه الوريقات قبولاً من القُلوبِ ويرزُقَها مَيلاً منَ النفوسِ وإنصاتا من الأسماعِ، وتَسييراً في البلادِ وأن يستنطقَ ألسنةَ من طرأتْ عليه من أفاضل المسلمين بالدعوةِ

стр. 6

الطّيبةِ لمُنشئها، والتَرحمِ على جامعها والله تعالى مرَجوّ الإجابةْ. لمنْ يسألهُ منْ أهل الإنابةْ." الباب الأول مباحث مهمة بين يدى الكتاب المبحث الأول: الإسناد وقيمته فى الإسلام المبحث الثاني: بعض أخلاق طالب العلم المبحث الثالث: ترجمة البخارى ﵀ المبحث الرابع: الثلاثيات بترتيبها فى صحيح البخارى المبحث الخامس: السند الذي وصلت لنا به الثلاثيات. المبحث السادس: المؤلفات حول الثلاثيات تمهيد وكانت هذه المباحث فى هذا الباب بين يدى الشرح تمهيداً وتوطئةً بين يديه، لتتأهل النفس وتستعد لما يتلى عليها، انطلاقاً من قول ابن الجوزى فى صيد الخاطر: " إنما الصواب توطئة المضجع قبل النوم ". ثم إنه كان ولا بد أن نقدم بين يدى هذا الشرح كلاماً عن قيمة الإسناد فى الإسلام، ومدى اهتمام أهل العلم بذلك، وتوخيهم الصحة والضبط لأن الأمر أمر دين، فكان المبحث الأول: " قيمة الإسناد فى الإسلام ". وأيضا توجيه بعض النصائح التربوية لى ولطلبة العلم، فكان المبحث الثانى: " بعض آداب طالب العلم ". ثم ترجمة لإمامنا وفقيه هذه الأمة ومحدثها الإمام البخارى ﵀، فكان مبحث: " ترجمة البخارى". ثم لما كان الشرح لم يرتبط بترتيب البخارى رأيت أن أسرد هذه الأحاديث سردا بترتيبها فى صحيح البخارى وكما قُرِئت على المشايخ، ثم أردفتها بذكر السند الذى وصلت لنا الثلاثيات به. ثم لتتم الفائدة فكان من الواجب ذكر المؤلفات حول هذا الموضوع والتى صنفها أهل العلم، ليقف عليها من يريد الاستزادة ومعظم هذه الشروح وللأسف مازالت مخطوطة ولم تخرج للنور، قيد الله لها من يخرجها. والله من وراء القصد، ونسأله أن يرزقنا الإخلاص فى القول والعمل، وما قل وكفي خير مما أكثر وألهى. المبحث الأول قيمة الإسناد فى الإسلام مدى الاهتمام بمعرفة الرواة:

стр. 7

نقل مسلم فى مقدمة صحيحه (١) جملة من كلام أهل العلم بسنده عن قيمة الإسناد والنهى عن الرواية عن الضعفاء، وكذلك ابن عبد البر فى بداية التمهيد (٢) كثيراً من ذلك عن الصحابة والتابعين حول قيمة هذا الأمر، ومدى الإهتمام به، ومن ذلك: * قال أبو هريرة: " إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذونه " * وعن شعيب بن الحبحاب قال غدوت إلى أنس بن مالك، فقال: يا شعيب ما غدا بك؟ فقلت: يا أبا حمزة غدوت لأتعلم منك، وألتمس ما ينفعني فقال يا شعيب: إن هذا العلم دين فانظر ممن تأخذه. وقال النووي فى التقريب: " الإسناد خصيصة لهذه الأمة، وسنة بالغة مؤكدة " وعن عامر بن سعد أن عقبة بن نافع قال لبنيه، وثبت أيضاً عن صهيب: " يا بَنيَِّ لا تقبلوا الحديث عن رسول الله ﷺ إلا من ثقة " * وقال ابن عون: لا تأخذوا العلم إلا ممن شهد له بالطلب. * وعن ابن سيرين قال: إنما هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذونه. * وعن سليمان بن موسى قال: لا يؤخذ العلم من صُحُفِي. * وعن المغيرة عن إبراهيم قال: إن هذه الأحاديث دين فانظروا عمن تأخذون دينكم. قال المغيرة: " كنا إذا أتينا الرجل لنأخذ عنه نظرنا إلى سمته وصلاته ". * وقد روى جماعة عن هُشيم عن مغيرة عن إبراهيم قال: " كانوا إذا أتوا الرجل ليأخذوا عنه نظروا إلى هديه وسمته وصلاته ثم أخذوا عنه ". * وعن عبد الرحمن بن مهدي قال: سألت شعبة وابن المبارك والثوري ومالك بن أنس عن الرجل يتهم بالكذب فقالوا: انشره فانه دين. * وعن حماد بن زيد أنه قال: كلمنا شعبة في أن يكف عن أبان ابن أبي عياش لسِنِّهِ وأهل بيته، فقال لي: " يا أبا إسماعيل لا يحل الكف عنه لأن الأمر دين ".

стр. 8

* وعن الربيع بن خثيم قال: " من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد يحيى ويميت وهو على كل شيء قدير " عشر مرات، كان له كعتق رقاب أو رقبة، قال الشعبي: فقلت للربيع بن خثيم: من حدثك بهذا الحديث فقال عمرو بن ميمون الأودى فلقيت عمرو بن ميمون فقلت من حدثك بهذا الحديث فقال عبد الرحمن بن أبي ليلى فلقيت ابن أبي ليلى فقلت من حدثك؟ قال أبو أيوب الأنصاري؛ صاحب رسول الله ﷺ . فعلى هذا كان الناس على البحث عن الإسناد وما زال الناس يرسلون الأحاديث ولكن النفسَ أسكنُ عند الإسناد وأشدُ طمأنينة. * وعن نصر بن حماد يعني الوراق قال: كنا قعودا على باب شعبة نتذاكر الحديث فقلت: حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الله بن عطاء عن عقبة بن عامر الجهني قال:

стр. 9

" كنا نتناوب رعية الإبل على عهد رسول الله ﷺ فجئت ذات يوم والنبي ﷺ حوله أصحابه فسمعته يقول: من توضأ ثم صلى ركعتين ثم استغفر الله غفر له. قلت: بخ بخ قال فجذبني رجل من خلف، فالتفت، فإذا عمر بن الخطاب فقال ما لك تبخبخ؟! فقلت عجبا بها، قال: لو سمعت التي قبلها كانت أعجب وأعجب، قلت: وما قال؟ قال: قال ﷺ " من شهد أن لا اله إلا الله وان محمدا رسول الله قيل له ادخل من أي أبواب الجنة شئت " قال: قال نصر: فخرج علينا شعبةُ فلطمني ثم رجع، فدخل، قال: فتنحيت ناحية أبكي، ثم خرج، فقال: ما له بعدُ يبكي؟! فقال له عبد الله بن إدريس: " إنك أسأت إليه " قال: انظر ما يُحَدِّث به عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الله بن عطاء عن عقبة بن عامر عن النبي ﷺ ، أنا قلت لأبي إسحاق من حدثك؟ قال: حدثنا عبد الله بن عطاء عن عقبة بن عامر عن النبي ﷺ ، فقلت لأبي إسحاق: أو سمع عبد الله من عقبة؟! قال فغضب، ومسعر بن كدام حاضر، فقال لي مسعر: أغضبت الشيخ، فقلت: ليصححن هذا الحديث أو لأرمين بحديثه، فقال لي مسعر: " هذا عبد الله بن عطاء بمكة"، قال شعبة: فرحلت إلى مكة لم أرد الحج أردت الحديث، فلقيت عبد الله بن عطاء فسألته فقال: سعد بن إبراهيم حدثني، قال شعبة: فلقيت مالك بن أنس فسألته عن سعد فقال: سعد بن إبراهيم بالمدينة لم يحج العام، فرحلت إلى المدينة، فلقيت سعد بن إبراهيم بالمدينة فسألته، فقال: الحديث من عندكم؛ حدثني زياد بن مخراق، قال شعبة: فلما ذكر زياد بن مخراق قلت: أي شيء هذا! بينما هو كوفي إذ صار مدنيا إذ صار بصريا، قال شعبة فرحلت إلى البصرة فلقيت زياد بن مخراق فسألته، فقال: ليس الحديث من بانتك (كذا) فقلت حدثني به، قال: لا ترده، قلت: حدثني به، قال: حدثني شهر بن حوشب، قلت ومن لي بهذا الحديث لو صح لي مثل هذا عن رسول الله

стр. 10

- ﷺ كان أحب إليَّ من أهلي ومالي ومن الناس أجمعين " طلب السند العالى للسند العالى قيمةٌ عظيمةٌ عند العلماء، فقد كانوا يبحثون عنه ويحرصون عليه ويسافرون من أجله. قال النووى فى التقريب: " وطلب العلو فيه سنة، ولهذا استُحبَّت الرحلة " وقال السيوطى فى التدريب (١): قال أحمد بن حنبل: طلب الإسناد العالي سنة عمن سلف لأن أصحاب عبد الله كانوا يرحلون من الكوفة إلى المدينة فيتعلمون من عمر ويسمعون منه ". وقال محمد بن أسلم الطوسي: " قرب الإسناد قُربُ -أو قربةٌ- إلى الله ". وقال العلائى: " لا ريب في اتفاق أئمة الحديث قديما وحديثا على الرحلة إلى من عنده الإسناد العالي".وقد ذموا النزول فى الإسناد، فقال ابن المدينى: " النزول شؤم ". وقال ابن معين: " الإسناد النازل قرحةٌ فى الوجه ". ولكن السند العالى يجب أن يكون عن الرجال العدول، فإن روى الحديث بعلوٍ عن جاهلٍ أوضعيف فليس بعالٍ، أما أن يروى نفس الحديث بنزول ورجاله ثقات فهو العالى. لذلك قال ابن المبارك: " ليس جودة الحديث قُرْْبَ الإسناد، بل جودة الحديث صحة الرجال" وقال السِّلفي (٢): " الأصل الأخذ عن العلماء فنزولهم أولى من العلو عن الجهلة على مذهب المحققين من النقلة، والنازل حينئذ هو العالي في المعنى عند النظر والتحقيق، قال ابن الصلاح ليس هذا من قبيل العلو المتعارف إطلاقه بين أهل الحديث وإنما هو علو من حيث المعنى ".ا. هـ وقال بعضهم فى ذلك (٣): ان النزول اذا ما كان عن ثبت ... اعلى لكم من علو غير ذي ثبت وقد جمعت ثلاثيات البخارى هذه بين قرب الإسناد وجودة الرجال. أمثلة من رحلاتهم. الرحلة كانت المصدر الوحيد فى الحصول على العلم، حتى أن بعض أهل العلم كان لا يعُد الذى لا رحلة له من العلماء.

стр. 11

وسأل عبدُ الله بن أحمد أباه عمن طلب العلم: ترى له أن يلزم رجلاً عنده علم فيكتب عنه أو ترى له أن يرحل إلى المواضع التي فيها العلم فيسمع منهم؟ قال يرحل يكتب عن الكوفيين والبصريين وأهل المدينة ومكة، يسأم الناس لسماعه منهم. ومن الرحلات ما يلى: فى عهد الأنبياء: ومن أشهر ذلك فى القرآن رحلة موسى للخضر ﵉ فقد ذكر لنا القرآن الكريم هذه القصة بطولها، لنعلم أن الكل يحتاج إلى التعلم حتى الأنبياء أنفسهم. فى عهد الصحابة: ومن أشهرها أيضاً وهي العمدة فى هذا الباب، رحلة جابر بن عبد الله إلى عبد الله بن أنيس. قال: بلغني حديث عن رسول الله ﷺ لم أسمعه، فابتعت بعيراً، فشددت عليه رحلي وسرت شهراً حتى قدمت الشام، فأتيت عبدَ الله بن أنيس فقلت للبواب: قل له جابر على الباب، فأتاه، فقال له: جابر بن عبد الله؟ فأتاني، فقال لي: جابر؟ فقلت: نعم، فرجع فأخبره فقام يطأطئ ثوبه حتى لقيني فاعتنقني واعتنقته، فقلت حديث بلغني عنك سمعتَه من رسول الله ﷺ في القصاص لم أسمعه، فخشيت أن تموت أو أموت قبل أن اسمعه فقال سمعت رسول الله ﷺ يقول: " يحشر الله العباد أو قال الناس عراة غرلا بُهما "، قلنا: ما بهما؟ قال ليس معهم شيء، ثم يناديهم ربهم بصوت يسمعه من بَعُد كما يسمعه من قرب: " أنا الملك أنا الديان لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ولا أحد من أهل النار عنده مظلمة حتى أقصه منه حتى اللطمة، قلنا: كيف وإنما نأتي الله عراة غرلا بهما؟ قال: بالحسنات والسيئات. وفى عهود السلف: نقل ابن عبد البر (١) بعض كلام أهل العلم فى ذلك فقال: قال سعيد بن المسيب: " إن كنت لأسير الليالي والأيام في طلب الحديث الواحد ".

стр. 12

وعن صالح ابن صالح الهمدانى قال: حدثنا الشعبي بحديث ثم قال لي: أعطيتكه بغير شيء وإن كان الراكب ليركب إلى المدينة فيما دونه. وعن بسر بن عبيد الله الحضرمي قال: " إن كنت لأركب إلى المصر من الأمصار في الحديث الواحد لأسمعه ". وقال الشعبي: لو أن رجلا سافر من أقصى الشام إلى أقصى اليمن ليسمع كلمة حكمة ما رأيت سفره ضاع " ا. هـ رحلة يوسف الشيرازى وأبو الوقت (١): قال يوسف بن أحمد الشيرازي في " أربعين البلدان " له: لما رحلت إلى شيخنا رحلة الدنيا ومسند العصر أبي الوقت، قدر الله لي الوصول إليه في آخر بلاد كرمان، فسلمت عليه، وقبلته، وجلست بين يديه، فقال لي: ما أقدمك هذه البلاد؟ قلت: كان قصدي إليك، ومعولي بعد الله عليك، وقد كتبت ما وقع إليّ من حديثك بقلمي، وسعيت إليك بقدمي، لأدرك بركة أنفاسك، وأحظى بعلو إسنادك. فقال: وفقك الله وإيانا لمرضاته، وجعل سعينا له، وقصدنا إليه، لو كنت عرفتني حق معرفتي، لما سلمت علي، ولا جلست بين يدي، ثم بكى بكاءً طويلاً، وأبكى من حضره، ثم قال: اللهم استرنا بسترك الجميل، واجعل تحت الستر ما ترضى به عنا، يا ولدي، تعلم أني رحلت أيضا لسماع " الصحيح " ماشيا مع والدي من هراة إلى الداوودي ببوشنج ولي دون عشر سنين، فكان والدي يضع على يدي حجرين، ويقول: احملهما. فكنت من خوفه أحفظهما بيدي، وأمشي وهو يتأملني، فإذا رآني قد عييت أمرني أن ألقي حجراً واحدا، فألقي، ويخف عني، فأمشي إلى أن يتبين له تعبي، فيقول لي: هل عييت؟ فأخافه، وأقول: لا. فيقول: لم تقصر في المشي؟ فأسرع بين يديه ساعة، ثم أعجز، فيأخذ الآخر، فيلقيه، فأمشي حتى أعطب، فحينئذ كان يأخذني ويحملني، وكنا نلتقي جماعة الفلاحين وغيرهم، فيقولون: يا شيخ عيس ادفع إلينا هذا الطفل نركبه وإياك إلى بوشنج، فيقول:

стр. 13

" معاذ الله أن نركب في طلب أحاديث رسول الله ﷺ بل نمشي، وإذا عجز أركبته على رأسي إجلالاً لحديث رسول الله ﷺ ورجاء ثوابه. فكان ثمرة ذلك من حسن نيته أني انتفعت بسماع هذا الكتاب وغيره، ولم يبق من أقراني أحد سواي حتى صارت الوفود ترحل إلي من الأمصار. ومن الأمثلة ما ذُكر سابقاً عن رحلة شعبة بن الحجاج فى حديث الوضوء، فيا لها من همم، ويا لهم من رجال استخدمهم ربهم لحمل هذه الأمانة فرحمة الله على الجميع. قيمة الإسناد فى الدين (١): قال رسول الله ﷺ : " يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين " (٢). وروى الحاكم وغيره عن مطر الوراق فى قوله تعالى: " أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ" قال: إسناد الحديث. قال سفيان بن عيينة (٣): " حدث الزهرى يوماً بحديث، فقلت: هاته بلا إسناد، فقال الزهرى: " أترقى السطح بلا سلم ". * وعن الحسين بن الحسن المروزي قال سمعت ابن المبارك يقول: " لولا الإسناد لقال كل من شاء ما شاء ولكن إذا قيل له عن مَن بقي ". * وعن أحمد بن حنبل يقول: سمعت يحيى بن سعيد يقول: الإسناد من الدين ". * قال يحيى وسمعت شعبة يقول: " إنما يعلم صحة الحديث بصحة الإسناد ". * والأوزاعي قال: " ما ذهاب العلم إلا ذهاب الإسناد ". * وقال ابن عون: كان الحسن يحدثنا بأحاديث لو كان يسندها كان أحب إلينا. وقال السيوطى فى التدريب (٤): " قال ابن حزمٍ: نقل الثقة عن الثقة يبلغ به النبي ﷺ مع الإتصال

стр. 14

خص الله به المسلمين دون سائر الملل، وأما مع الإرسال والإعضال فيوجد في كثير من اليهود، لكن لا يقربون فيه من موسى قربنا من محمد ﷺ بل يقفون بحيث يكون بينهم وبين موسى أكثر من ثلاثين عصرا، وإنما يبلغون إلى شمعون ونحوه. قال: وأما النصاري فليس عندهم من صفة هذا النقل إلا تحريم الطلاق فقط وأما النقل بالطريق المشتملة على كذاب أو مجهول العين فكثير في نقل اليهود والنصارى، قال: وأما أقوال الصحابة والتابعين فلا يمكن اليهود أن يبلغوا إلى صاحب نبىٍّ أصلاً، ولا إلى تابع له، ولا يمكن النصارى أن يصلوا إلى أعلى من شمعون وبولص " ا. هـ حراسة حدود السنة (١) * قال عبد الرحمن بن مهدي لابن المبارك أما تخشى على هذا الحديث أن يفسدوه؟ قال: " كلا فأين جهابذته ". * وعن عبدة بن سليمان المروزي قال: قلت لابن المبارك: أما تخشى على العلم أن يجيء المبتدع فيزيد في الحديث ما ليس منه؟ قال: لا أخشى هذا بعيش الجهابذة النقاد. المبحث الثانى بعض أخلاق طالب العلم طالب العلم ليس كغيره من الناس لذلك كان لابد له مع نفسه وقفات، يزكيها ويطهرها لتتأهل لهذا النور الذى ستسعى فيه فى الدنيا والآخرة، ويستضيء به الفئام من الناس، وقد أكثر أهل العلم عن الحديث فى هذا الجانب المهم، ومنهم من أفرد فيه مؤلفات، لذلك فقد أحببت أن أُُذََِّكِّر ببعض ما ذكره أهل العلم من هذه الأخلاقيات، وليس كل الأخلاقيات، وكان ذلك لأنى رأيت أن هذا الشرح سيقع فى يد من يُرجى منهم الخير، ويكونوا أسوةً لمن بعدهم، فأردت أن لا أحرم نفسى من التذكير بهذا الشأن من منطلق قول الله تعالى " وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ " (الذاريات، ٥٥) ونرجوا من الله القبول والثواب والهداية .. *********** وأول ما يحتاج إليه طالب العلم وغيره ونفتقده فى هذه الأيام هو: الأدب:

стр. 15

فعن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال:"إن الله يحب معالي الأخلاق ويكره سفسافها ". وقال الحسن: "إن كان الرجل ليخرج في أدب واحدٍ السنةَ والسنتين". وقال الإمام مالك ﵀: كانت أمي تعممني وتقول لي: اذهب إلى ربيعة فتعلم من أدبه قبل علمه. وقد أشرف الليث بن سعد على بعض أصحاب الحديث فرأى منهم شيئا كرهه فقال: ما هذا؟! أنتم إلى يسير من الأدب، أحوج منكم إلى كثير من العلم! وقال سفيان الثوري: "كانوا لايخرجون أبناءهم لطلب العلم حتى يتأدبوا ويتعبدوا عشرين سنة " وقال ابن المبارك: "طلبت الأدب ثلاثين سنة، وطلبت العلم عشرين سنة، وكانوا يطلبون الأدب ثم العلم". وقال أيضا: "كاد الأدب أن يكون ثلثي العلم". وفى وصية عبد الملك بن مروان لمؤدب أبنائه، كى يؤدبهم عيها قال: " واعلم أن الأدب أولى بالغلام من النسب ". وقال الخطيب البغدادى (١): " والواجب أن يكون طلبة الحديث أكمل الناس أدباً وأشد الخَلْق تواضعاً وأعظمهم نزاهة وتديناً وأقلهم طيشاً وغضباً، لدوام قرع أسماعهم بالأخبار المشتملة على محاسن أخلاق رسول الله ﷺ وآدابه، وسيرة السلف الأخيار من أهل بيته وأصحابه، وطرائق المحدثين ومآثر الماضين، فيأخذوا بأجملها وأحسنها ويصدفوا عن أرذلها وأدونها ". ثم روى عن أبي عاصم أنه قال: " من طلب هذا الحديث فقد طلب أعلى أمور الدنيا فيجب أن يكون خير الناس". وقال أبو عبد الله البوشنجى (٢): من أراد العلم والفقه بغير أدب فقد اقتحم أن يكذب على الله ورسوله. وقال أبو عبيد بن سلام (٣): " مادققت على محدثٍ بابه قط، لقول الله تعالى: " " وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا " وقال ابو زكريا العنبري (٤):

стр. 16

" علم بلا أدب كنار بلا حطب وأدب بلا علم كروح بلا جسم، وانما شبهت العلم بالنار لما روينا عن سفيان بن عيينة انه قال: ما وجدت للعلم شبها الا النار نقتبس منها ولا ننتقص عنها. " وقال شيخنا الشيخ الحوينى معلقاً على هذه الرواية فى شرحه لكتاب العلم من صحيح البخارى: " وهذا معناه: أن الأدب هو وقود العلم، ومعناه أيضاً: أن العلم لا يصل إلا بأدب. وخلاصة الكلام: العلم لا يصل إلا بحكمة." وقال مرةً: " وهذا يعني أن المرء إذا كان خلواً من الأدب فلا ينتفع في نفسه بعلمه، ولا ينفع غيره." وقال الشيخ سلمان العودة معلقاً على هذا الأثر: " علم بلا أدب كنار بلا حطب" فمعناه والله أعلم: أن العلم يقتبس منه فلا ينقص، مثل النار الذي يوضع عليها الحطب يقتبس الناس منها فلا تنقص، فالعلم الذي ليس معه أدب هو كالنار التي ليس معها حطب، وما هو مصير النار إذا لم يكن معها حطب؟ أن تخبو وتنطفئ، وكذلك طالب العلم إذا لم يتحل بالأدب والخلق الحسن، فسرعان ما يعرض عن العلم ويشتغل بالدنيا. وروى الإمام الدارمي في سننه أن الحسن البصري ﵀ تكلم في مسألة من مسائل الفقه في مجلس من المجالس، فقال له رجل اسمه عمران المنقري: يا إمام! ما هكذا يقول الفقهاء! كأنه رأى أن ما قرره الحسن البصري مخالف لما يقرره أهل العلم والفقه فقال له الحسن البصري: " وهل رأيت فقيهاً قط- أي هل سبق أنك رأيت فقيهاً في حياتك- إنما الفقيه: العالم بأمر الله، الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، المداوم على عبادة ربه ﵎ "، فهكذا كانوا يفهمون العلم، وكانت حياتهم تطبيقاً لهذا الفهم." ا-هـ وقال أبو زكريا يحيى بن محمد بن عبد الله العنبري أنشدنا أبو حاتم سهل بن محمد (١): إن الجواهر درها ونضارها ... هن الفدى لجواهر الآداب فإذا كثرت أو ادخرت ذخيرة تسمو بزينتها على الأصحاب

стр. 17

فعليك بالأدب المزين أهله كيما تفوز ببهجة وثواب * ومن جملة الآداب ما ذكره عبد الملك بن مروان لمؤدب ولده قال: " علمهم الصدق كما تعلمهم القرآن، واحملهم على الأخلاق الجميلة، وروهم الشعر يشجعوا وينجدوا، وجالس بهم أشراف الناس وأهل العلم منهم، فإنهم أحسن الناس رِعَة (١)، وأحسنهم أدبا، وجنبهم السفلة والخدم، فإنهم أسوأ الناس رِعَة وأسوأهم أدبا، ومرهم فليستاكوا عرضا، وليمصوا الماء مصا، ولا يعبوه عبا، ووقرهم في العلانية، وذللهم في السر، واضربهم على الكذب، إذ الكذب يدعو إلى الفجور، والفجور يدعو إلى النار، وجنبهم شتم أعراض الرجال، فإن الحر لا يجد من عرضه عوضا، وإذا ولوا أمرا فامنعهم من ضرب الأبشار، فإنه عار باق، ووتر مطلوب، واحملهم على صلة الأرحام، واعلم أن الأدب أولى بالغلام من النسب ". ثانياً: إجلال المشايخ والأقران والتواضع لهم: عن عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال: " ليس من أمتي من لم يجل كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقه " (٢) ويقول النووى فى التقريب: " وينبغى أن يعظم شيخه ومن يسمع منه، فذلك من إجلال العلم وأسباب الانتفاع، ويعتقد جلالة شيخه ورجحانه ويتحرى رضاه " ومن أشهر ما يروى فى ذلك ما ذكره ابن عباس ﵁ عن نفسه قال: " وجدت عامة علم رسول الله ﷺ عند هذا الحي من الأنصار فإن كنت لآتي باب أحدهم فأقيل ببابه ولو شئت أن يؤذن لي عليه لأذن لي لقرابتي من رسول الله ﷺ ولكن كنت أبتغي بذلك طيب نفسه".

стр. 18

وما قاله أبو عبيد سابقاً هو من اٌلإجلال أيضا، قال: " ما دققت على محدثٍ بابه قط " فيا له من أدب. وقال أبو الحسين ابن العالى (١): سمعت منصور بن العباس يقول: صح عندى أن اليوم الذى توفى فيه أبو عبد الله البوشنجى بنيسابور، سُئل محمد بن إسحاق بن خزيمة عن مسألة، وكان شيع جنازته، فقال: لا أفتى حتى نواريه لحده. وذكر الذهبىُّ (٢): أن أبا عبد الله البوشنجىِّ دخل علي أصحاب داود بن علىِّ يوما، وجلس في أخريات الناس، ثم إنه تكلم مع داود، فأعجب به، وقال: لعلك أبو عبد الله البوشنجي؟ قال: نعم فقام إليه، وأجلسه إلى جنبه، وقال: " قد حضركم من يفيد ولا يستفيد ". وقال أبو زكريا العنبري: شهدت جنازة الحسين القباني، فصلى بنا عليه أبو عبد الله البوشنجي، فلما أرادوا الانصراف، قدمت دابة أبي عبد الله البوشنجىِّ، وأخذ أبو عمرو الخفاف بلجامه، وأخذ إمام الأئمة بركابه، وأبو بكر الجارودي، وإبراهيم بن أبي طالب يسويان عليه ثيابه، فلم يمنع واحدا منهم، ومضى. ا. هـ وسئل عبد الرحمن بن أبي حاتم عن أبي بكر بن خزيمة، فقال: " ويحكم! هو يُسأل عنا، ولا نُسأل عنه! هو إمام يقتدى به ". ثالثاً: الإعتراف بعدم إحاطته بطرق العلم كلها، وعدم انتقاص الآخرين بمثل ذلك: قال ابن عبد البر فى التمهيد (٣):- مدافعاً عن العلماء الذين وقع لهم بعض الأخطاء فى العلم -

стр. 19

" وأخبار الآحاد عند العلماء من علم الخاصة لا ينكر على أحد جهل بعضها والإحاطة بها ممتنعة، وما أعلم أحدا من أئمة الأمصار مع بحثهم وجمعهم إلا وقد فاته شيء من السنن المروية من طريق الآحاد وحسبك بعمر بن الخطاب فقد فاته من هذا الضرب أحاديث فيها سنن ذوات عدد من رواية مالك في الموطأ، ومن رواية غيره أيضا، وليس ذلك بضار له ولا ناقص من منزلته، وكذلك سائر الأئمة لا يقدح في أمانتهم ما فاتهم من إحصاء السنن إذ ذاك يسير في جنب كثير ولو لم يجز للعالم أن يفتي ولا أن يتكلم في العلم حتى يحيط بجميع السنن ما جاز ذلك لأحد أبدا، وإذا علم العالم أعظم السنن وكان ذا فهم ومعرفة بالقرآن واختلاف من قبله من العلماء جاز له القول بالفتوى .. وبالله التوفيق. وقيل للإمام مالك: العالم يخطىء. فقال: الذي دل عليه من الخير أكثر، ومن ذا الذي ليس فيه شيء؟! ولو لم يأمر بالمعروف إلا من ليس فيه شيء ما أمر أحداً. رابعاً: الدفاع والذب عن العلماء: فى " الميزان ": قال ابن معين: وجدت بخط مروان بن معاوية الفزارى - شيخ الإمام أحمد، وابن معين- " وكيع رافضى "، فقلت له: وكيع خير منك، فسبني. وليكن حاديك فى ذلك دائماً، قول الشاعر: أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا ما اجتمعنا في المجالس للفخر خامساً: الاهتمام والتصحيح وعدم اللحن: قال ابن كثير ﵀ " ينبغى لطالب الحديث أن يكون عارفاً بالعربية. وقال الأصمعى: " أخشى عليه إذا لم يعرف العربية أن يدخل فى قوله: " من كذب علىّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار" " وعن عياش بن المغيرة بن عبد الرحمن عن أبيه قال: " جاء الدَّراورْدِى - يعنى عبد العزيز بن محمد - إلى أبى يعرض عليه الحديث، فجعل يقرأ ويلحن لحناً منكراً فقال له أبى: ويحك يا دراوردى أنت كنت بإقامة لسانك قبل هذا الشأن أحرى ". (١)

стр. 20

وعن حاجب بن سليمان قال: " سمعت وكيعاً يقول أتيت الأعمش أسمع منه الحديث، وكنت ربمالحنتُ، فقال لى: يا أبا سفيان تركت ما هو أولى بك من الحديث فقلت: يا أبا محمد، وأي شيء أولى بى من الحديث؟ فقال النحو. فأملى علىَّ الأعمشُ النحوَ، ثم أملى علىَّ الحديث." (١) سادساً: العمل بالعلم وعدم كتمانه: إذا ما لم يفدْك العلمُ خيرا ... فخير منه أن لو قد جهلتا وإن ألقاك فهمُك في مهاو ... فليتك ثم ليتك ما فهمتا أما عن العمل بالعلم فقد قال تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ " والمعنى كما قال السعدى ﵀ بتصرف- اعملوا بمقتضى علمكم، يعطكم علما وهدى ونورا تمشون به في ظلمات الجهل، ويغفر لكم السيئات. وعن أبى برزة كما فى صحيح الترغيب والترهيب (٢) قال: قال رسول الله ﷺ : " مثل الذى يعلم الناس الخير وينسى نفسه مثل الفتيلة تضئ على الناس وتحرق نفسها ". وقال أبو الدرداء ﵁: " ويلٌ لمن لا يعلم ولا يعمل مرة وويلٌ لمن يعلم ولا يعمل سبع مرات " وقال بشر الحافي: " يا أصحاب الحديث أدوا زكاة هذا الحديث اعملوا من كل مائتي حديث بخمسة أحاديث " وقال عمرو بن قيس الملائي: " إذا بلغك شيء من الخير فاعمل به ولو مرة تكن من أهله " وقال وكيع: " إذا أردت أن تحفظ الحديث فاعمل به " وقال إبراهيم بن إسماعيل بن مجمّع: " كنا نستعين على حفظ الحديث بالعمل به " وقال أحمد بن حنبل: " ما كتبت حديثا إلا وقد عملت به حتى مر بي أن النبي ﷺ احتجم وأعطى أبا شيبة ديناراً فاحتجمت وأعطيت الحجام دينارا ".

стр. 21

وأما عن تبليغه فقد قال ابن المبارك: " من بخل بالعلم ابتلي بثلاث إما أن يموت فيذهب علمه أو ينسى أو يتبع السلطان " وقال سفيان الثوري: " من بخل بالعلم ابتلى بإحدى ثلاث أن ينساه أو يموت ولا ينتفع به أو تذهب كتبه " وقال ابن معين وبن راهويه: " من بخل بالحديث وكتم على الناس سماعهم لم يفلح ". وقال مطرف (١): " وكان مالك إذا ودعه أحد من طلبة العلم عنده، يقول لهم: اتقوا الله في هذا العلم ولا تنزلوا به دار مضيعة، وبثوه ولا تكتموه. وقال ابن القاسم: كنا إذا ودعنا مالكاً يقول: اتقوا الله وانشروا هذا العلم وعلموه ولا تكتموه. سابعاً: أخذ العلم عن أهله، والتواضع لهم وإن كنتَ أسن منهم. ومن ذلك ما رواه البخارى فى كتاب الحدود من حديث ابن عباس قال: "كنت أقرئ رجالا من المهاجرين منهم عبد الرحمن بن عوف .... الحديث " وانظر مَن ابن عباس سناً وأين كان ابن عباس أثناء تضحيات ابن عوف فى أول أمر الإسلام، ولم يمنعه من ذلك الجلوس بين يدى ابن عباس، يقول ابن الجوزى معلقاً على هذا الحديث: " أما إقراء ابن عباس لمثل عبد الرحمن بن عوف ففيه تنبيه على أخذ العلم من أهله وإن صغرت أسنانهم أو قلت أقدارهم. وقد كان حكيم ابن حزام يقرأ على معاذ بن جبل فقيل له: تقرأ على هذا الغلام الخزرجي فقال إنما أهلكَنا التكبر " (٢) وقد سبق من ذلك ما ذكرته فى المقدمة من كلام النووى فى التقريب: " وليحذر كل الحذر من أن يمنعه الحياء والكبر من السعى التام فى التحصيل وأخذ العلم ممن دونه فى نسبٍ أو سنٍ أو غيره ". ثامناً: الإكثار من مجالسة أهل العلم؛ أهل الآخرة.

стр. 22

قال خالد بن حميد (١): سمعت الإمام مالك يقول: " عليك بمجالسة من يزيد في علمك قوله، ويدعوك لحال الآخرة فعلُه، وإياك ومجالسة من يعلك قوله، ويعيبك دينه ويدعوك إلى الدنيا فعله. وقال محذراً من مجالسة أهل البدع: " التقرب من أهل الباطل هلكة ". وقال ابن المقفع فى الأدب الصغير (٢): " وعلى العاقل أن لا يخادن ولا يُصاحبَ ولا يجاورَ من الناس، ما استطاعَ، إلا ذا فضلٍ في العلم والدينِ والأخلاقِ فيأخذُ عنهُ، أو موافقاً لهُ على إصلاحِ ذلك فيؤيدُ ما عندهُ، وإن لم يكن لهُ عليهِ فضلٌ. فإن الخصال الصالحة من البر لا تحيا ولا تنمى إلا بالموافقين والمؤيدين. وليس لذي الفضلِ قريبٌ ولا حميمٌ أقربُ إليهِ ممن وافقهُ على صالحِ الخصال فزادهُ وثبتهُ. ولذلك زعم بعضُ الأولينَ أن صُحبةَ بليدٍ نشأ مع العلماء أحب إليهم من صحبةِ لبيبٍ نشأ مع الجهال " ا. هـ وليكن جلوسك للفائدة، فلتسمع أكثر مما تتكلم، يقول ابن المقفع: " وليعرف العلماء حين تجالسهم أنك على أن تسمع أحرص منك على أن تقول ". تاسعاً: إذا تحملت علماً لا تضعه عند غير أهله. ودليل ذلك ما قاله عبد الرحمن ابن عوف لعمر بن الخطاب كما فى حديث أنس السابق لما أراد عمر أن يحذر الناس من أناس تكلموا بما لا يجوز فقال له ابن عوف (٣): " يا أمير المؤمنين لا تفعل فإن الموسم - أى موسم الحج- يجمع رعاع الناس وغوغاءهم فإنهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس، وأنا أخشى أن تقوم فتقول مقالة يطيرها عنك كل مطير، وأن لا يعوها، وأن لا يضعوها على مواضعها، فأمهل حتى تقدم المدينة فإنها دار الهجرة والسنة فتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس فتقول ما قلت متمكنا فيعي أهل العلم مقالتك ويضعونها على مواضعها ... "

стр. 23

قال ابن الجوزى معلقاً على الحديث (١): وفي هذا تنبيه على ألا يودع العلم عند غير أهله ولا يحدَّث القليل الفهم بما لا يحتمله فهمه ومن هذا المعنى قال الشافعي: أأنثر دراً بين سارحة النعم أأنظم منثورا لراعية الغنمْ لئن سلم الله الكريم بفضله وصادفتُ أهلا للعلوم وللحكمْ بثثت مفيداً واستفدت ودادَهم وإلا فمخزونٌ لدي ومكتتمْ ومن منح الجهالَ علماً أضاعه ومن منع المستوجبين فقد ظلمْ. وقال ابن المقفع فى الأدب (٢): " اخزن عقلك وكلامك إلا عند إصابة الموضع. فإنه ليس في كل حِين يحسنُ كلُ صواب، وإنما تمام إصابة الرأي والقول بإصابة الموضع. فإن أخطأك ذلك أَدخلتَ المحنة على عقلك وقولك، حتى تأتي به إن أتيت به في غير موضعه وهو لا بهاء ولا طلاوة له ". عاشراً: أن لا تتكلم إلا بما علمت وعقلت وفهمت، لئلا تقع فى الكذب على الله ورسوله. قال ﷺ :" من يقل علىَّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار ". وفى حديث أنس السابق قال عمر ﵁ فى خطبته: " فإني قائل لكم مقالة قد قُدِّر لي أن أقولها، لا أدري لعلها بين يدي أجلي، فمن عقلها ووعاها فليحدث بها حيث انتهت به راحلته ومن خشي أن لا يعقلها فلا أحل لأحد أن يكذب عليَّ ... الحديث " ففى هذين الحديثين تهويل للقول بغير علم، فإنه محرم. وقال الإمام مالك لابن وهب: " اتق الله واقتصر على علمك فإنه لم يقتصر أحدٌ على علمه إلا نفع وانتفع ". وقال سعيد بن جبير: " قد أحسن من انتهى إلى ماسمع " الحادى عشر: قلة الكلام. وكان الإمام مالك يكره كثرة الكلام ويعيبه، قال وقد ذُكر الكلام ومراجعة الناس: " من صنع هذا ذهب بهاؤه "، وقال: " لا يوجد إلا في النساء والضعفاء ". وكان يقال: " نعم الرجل فلان إلا أنه يتكلم كلام شهر في يوم ".

стр. 24

وكقول ابن المقفع السابق: ": " وليعرف العلماء حين تجالسهم أنك على أن تسمع أحرص منك على أن تقول ". الثانى عشر: ومن النصائح والآداب أن تتعلم ما الذى تبذله وما الذى تضن به. قال ابن المقفع (١): " ابذل لصديقك دمك ومالك، ولمعرفتك رفدك ومحضرك، وللعامة بشرك وتحننك، ولعدوك عدلك وإنصافك، واضنن بدينك وعرضك على كل أحد ". وهذه جملة من الأخلاق ووصايا قيمة من الإمام مالك أسرُدها سرداً، علنا ننتفع بها: قال ﵀ (٢): * لا تستحي إذا دعيت لأمر ليس بحق أن تقول قال الله تعالى في كتابه: " وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ" * وطهر ثيابك وأنقها عن معاصي الله. *وعليك بمعالي الأمور وكرائمها، واتق رذائلها وما سفسف منها، فإن الله يحب معالي الأخلاق ويكره سفافها، وأكثر تلاوة القرآن، واجتهد أن لا تأتي عليك ساعة من ليل أو نهار إلا ولسانك رطب في ذكر الله. *ولا تمكن الناس من نفسك، واذهب حيث شئت. * وقال: ما أسر عبد سريرة خير إلا ألبسه الله رداءها، ولا أسر سريرة سوء إلا ألبسه الله رداءها. * وقال مالك للقعنبي: مهما تلاعبت بشيء فلا تلعبن بدينك. * من علم أن قوله من عمله قل كلامه، والقول من العمل. * لا يصلح الرجل حتى يترك ما لا يعنيه، فإذا كان كذلك أوشك أن يفتح الله في قلبه. * وفي رسالة إلى أبي قرة قال: " إني أرى الصواب في ترك تعلم المسائل التي قد ينتفع ببعضها إذا كان فيه من المضرة ما يخاف على صاحبها الخطأ والفتنة، فكيف بغيرها من المسائل، التي لا منفعة فيها". * وقال ابن المبارك سمعته يقول لا يصلح الرجل حتى يترك ما لا يعنيه، فإذا كان كذلك أوشك أن يفتح الله في قلبه. * وقال لبعض أصحابه لا تكثر الشخوص من بيتك إلا لأمر لا بد منه، ولا تجلس في مجلس لا تستفيد منه علماً. المبحث الثالث ترجمة الإمام البخارى ﵀

стр. 25

لما كان هذا الكم من العلم المتعلق بصحيح البخارى فى ميزان حسنات البخارىِّ نفسه، كان ولا بد من ذكر ترجمة له بين يدى هذا العلم المنسوب له لنقف على بعض جوانب شخصية هذا الإمام الجبل، الذى ملأ الأرض بعلمه وفضله، فوقفت على ساحل ترجمته لألتقط لؤلؤةً من هنا ولؤلؤةً من هناك، وقد تحيرت فى ماذا آخذ وماذا أدع من هذا الكم من الفضائل والمواقف وكلام أهل العلم عنه، فكلها مختارة ... تكاثرت الظباء على خراش ... فما يدري خراش ما يصيد. ولكن اكتفى بما يكون عنواناً لترجمته الطويلة العظيمة الموجودة فى بطون الكتب، ولكنها نسمات نتنسمها من ذكره العاطر الفياح، علنا نكون بذلك قد اقتربنا من حُبه عن طريق معرفتنا به، فإن الإنسان عدو ما يجهله، والمرء مع من أحب. فلتقف أيها القارىء أمام هذه النتف معظماً ومكْبرا، وها قد حان الأوان أن نطرق على الإمام بابه، فلنقف فى أدبٍ بين يديه ...... اسمه: هو أبو عبد الله البخاري؛ محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بَرْدٍزْبَه وهي لفظة بخارية، معناها الزَّرّاع. كان جده المغيرة مجوسياً وأسلم، وطلب أبوه إسماعيل العلم، فروى عن حماد بن زيد، والإمام مالك، وصار من كبار المحدثين. وقال الحافظ فى هدى الساري: " مات إسماعيل ومحمد صغير، فنشأ فى حجر أمه "، وكانت أمه من الصالحات، فقد ذكر الذهبي فى ترجمة البخارى ما نصه (١): " ذهبت عينا محمد بن إسماعيل في صغره، فرأت والدته في المنام إبراهيم الخليل ﵇، فقال لها: يا هذه، قد رد الله على ابنك بصره لكثرة بكائك، أو كثرة دعائك - شك البلخي -، فأصبحنا وقد رد الله عليه بصره " مولده ولد الإمام البخارىُّ ﵀ فى بخارى، من بلدان ما وراء النهر، وقد فتحت هذه الديار فى خلافة بنى أمية، وولد يوم الجمعة، بعد صلاة العصر لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال، سنة أربعٍ وتسعين ومئة. بداية طلبه للعلم:

стр. 26

فعن محمد بن أبى حاتم قال (١): قلت لأبي عبد الله: كيف كان بدء أمرك؟ قال: " ألهمت حفظ الحديث وأنا في الكتاب. فقلت: كم كان سنك؟ فقال: عشر سنين، أو أقل. ثم خرجت من الكتاب بعد العشر، فجعلت أختلف إلى الداخلي وغيره. فقال يوما فيما كان يقرأ للناس: سفيان، عن أبي الزبير، عن إبراهيم، فقلت له: إن أبا الزبير لم يرو عن إبراهيم، فانتهرني، فقلت له: ارجع إلى الأصل. فدخل فنظر فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام؟ قلت: هو الزبير بن عدي، عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأحكم كتابه، وقال: صدقت. فقيل للبخاري: ابن كم كنت حين رددت عليه؟ قال ابن إحدى عشرة سنة. فلما طعنت في ست عشرة سنة، كنت قد حفظت كتب ابن المبارك ووكيع، وعرفت كلام هؤلاء، ثم خرجت مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججت رجع أخي بها! وتخلفت في طلب الحديث" (٢) فلما طعنت في ثمان عشرة، جعلت أصنف قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك أيام عبيد الله بن موسى، وصنفت كتاب " التاريخ " إذ ذاك عند قبر رسول الله ﷺ في الليالي المقمرة. وقل اسم في التاريخ إلا وله قصة، إلا أني كرهت تطويل الكتاب " وكان نبوغه مبكراً: كان أهل المعرفة من البصريين يعدون خلفه في طلب الحديث وهو شاب حتى يغلبوه على نفسه، ويجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب عنه. وكان شابا لم يخرج وجهه وقال (٣): دخلت على الحميدي وأنا ابن ثمان عشرة سنة، وبينه وبين آخر اختلاف في حديث، فلما بصر بي الحميدي قال: قد جاء من يفصل بيننا، فعرضا عليَّ، فقضيت للحميدي على من يخالفه وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن البخاري على باب محمد بن يوسف الفريابي، وما في وجهه شعرة فقلنا: ابن كم أنت؟ قال: ابن سبع عشرة سنة. وعن كتابه: قال البخارىُّ: أخرجت هذا الكتاب من زهاء ست مئة ألف حديث.

стр. 27

وقال: ما وضعت في كتابي " الصحيح " حديثا إلا اغتسلت قبل ذلك، وصليت ركعتين. وقال: " ما أدخلت في هذا الكتاب إلا ما صح، وتركت من الصحاح كي لا يطول الكتاب " وقال: صنفت " الصحيح " في ست عشرة سنة، وجعلته حجة فيما بيني وبين الله تعالى. وقال ابن عدي: سمعت عبد القدوس بن همام يقول: سمعت عدة من المشايخ، يقولون: حوَّل محمد بن إسماعيل تراجم جامعه بين قبر رسول الله ﷺ ومنبره، وكان يصلي لكل ترجمة ركعتين. وقيل صنفه ببخارى، وقيل بمكة، وقيل بالبصرة، كما قال النووى، وكل ذلك صحيح لطول مدة تصنيفه. والله أعلم. يقول الذهبىُّ: " لو رحل الرجل من مسيرة سنة لسماعه لما فرط. وهو أعلى الكتب الستة سنداً إلى النبي ﷺ في شئ كثير من الأحاديث، وذلك لأن أبا عبد الله أسنُّ الجماعة، وأقدمهم لقيا للكبار، أخذ عن جماعة يروي الأئمة الخمسة (١) عن رجل عنهم. صحيح البخارى لو أنصفوه لما خُطّ إلا بماء الذهب. سبب تصنيفه لكتابه يقول عن نفسه: " كنت عند إسحاق بن راهويه، فقال بعض أصحابنا: لو جمعتم كتابا مختصرا لسنن النبي ﷺ ، فوقع ذلك في قلبي، فأخذت في جمع هذا الكتاب " مشايخه: قال: " كتبت عن ألف شيخ وأكثر، عن كل واحد منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلا أذكر إسناده " قال: لقيت أكثر من ألف رجل من أهل الحجاز والعراق والشام ومصر، لقيتهم كَرَّات، أهل الشام ومصر والجزيرة مرتين، وأهل البصرة أربع مرات، وبالحجاز ستة أعوام، ولا أحصي كم دخلت الكوفة وبغداد مع محدثي خراسان. وهذا الكم الهائل ينحصر فى خمس طبقات كما قال الحافظ، وقد نقلها الشيخ أحمد فريد فى كتابه الماتع " من أعلام السلف "، وهى كالآتى: الأولى: من حدثه عن التابعين كأصحاب الثلاثيات التى معنا؛ كالأنصاري والمكي.

стр. 28

الثانية: من كان فى عصر هؤلاء، لكن لم يسمع من ثقات التابعين كآدم وأبى مسهر. الثالثة: هى الوسطى بين مشايخه وهم ممن لم يلق التابعين كقتيبة ونُعَيم وبن المدينى وبن معين وبن حنبل، وهذه الطبقه شاركه مسلم فى الأخذ عنهم. الرابعة: رفقاؤه فى الطلب ومن سمع قبله قليلاً كابى حاتم الرازى وصاعقة. الخامسة: قوم فى عداد طلبته فى السن والإسناد سمع منهم للفائدة، وروى عنهم أشياء يسيرة كعبد الله بن حماد الآملى وعبد الله بن أبى العاص. تلامذته: أما تلامذته فقد روى عنه جمعٌ غفير لعلو منزلته وكثرة رحلاته، يقول الفِربْرىُّ، وهو من تلامذته:" إن تسعين ألفاً من التلاميذ، رووا عنه صحيح البخارى. فمن تلامذته الإمام مسلم، والترمذى والنسائى، والدارمىُّ، وكلهم من الفضل بمكان، ومن تلامذته أيضاً محمد بن نصر المروزى، وأبو حاتم الرازى، وابن خزيمة، وحسن المحاملى وابراهيم الحربى والفربرى ... وغيرهم من الضخام كثير. سعة حفظه وعلمه: يقول: " إني أحفظ سبعين ألف حديث وأكثر، ولا أجيئ بحديث من الصحابة والتابعين إلا عرفت مولد أكثرهم ووفاتهم ومساكنهم، ولست أروي حديثا من حديث الصحابة أو التابعين إلا ولي من ذلك أصل أحفظه حفظا من كتاب الله، وسنة رسول الله ﷺ . قال أبو الطيب حاتم بن منصور: محمد بن إسماعيل آية من آيات الله في بصره ونفاذه من العلم وأشهر مثالٍ فى ذلك، هذه القصة العجيبة كما فى التهذيب والسير (١):

стр. 29

قال أبو أحمد عبد الله بن عدي الحافظ: سمعت عدة مشايخ يحكون أن محمد بن إسماعيل البخاري قدم بغداد، فسمع به أصحاب الحديث، فاجتمعوا وعمدوا إلى مئة حديث، فقلبوا متونها وأسانيدها، وجعلوا متن هذا الإسناد هذا، وإسناد هذا المتن هذا، ودفعوا إلى كل واحد عشرة أحاديث ليلقوها على البخاري في المجلس، فاجتمع الناس، وانتدب أحدهم، فسأل البخاري عن حديث من عشرته، فقال: لا أعرفه. وسأله عن آخر، فقال: لا أعرفه. وكذلك حتى فرغ من عشرته. فكان الفقهاء يلتفت بعضهم إلى بعض، ويقولون: الرجل فهم. ومن كان لا يدري قضى على البخاري بالعجز، ثم انتدب آخر، ففعل كما فعل الأول، والبخاري يقول: لا أعرفه. ثم الثالث وإلى تمام العشرة أنفس، وهو لا يزيدهم على: لا أعرفه. فلما علم أنهم قد فرغوا، التفت إلى الأول منهم، فقال: أمَّا حديثك الأول فكذا، والثاني كذا، والثالث كذا إلى العشرة، فرد كل متن إلى إسناده. وفعل بالآخرين مثل ذلك. فأقر له الناس بالحفظ. فكان ابن صاعد إذا ذكره يقول: الكبش النطاح. ومن ذلك أيضاً، ما ذكره المزي عن أبى بكر المديني قال (١): " كنا يوما بنيسابور عند إسحاق بن راهويه ومحمد بن إسماعيل حاضر في المجلس، فمر إسحاق بحديث من أحاديث النبي ﷺ وكان دون صاحب ﷺ عطاء الكَيْخارانيّ، فقال له إسحاق: يا أبا عبد الله إيش كيخاران؟ قال: قرية باليمن؛ كان معاوية بن أبي سفيان بعث هذا الرجل من أصحاب النبي ﷺ إلى اليمن، فسمع منه عطاء حديثين، فقال له إسحاق: يا أبا عبد الله كأنك قد شهدت القوم! ". مكانته عند المشايخ: قال محمد بن أبى حاتم سمعت محمود بن النضر الشافعى يقول: دخلت البصرة والشام والحجاز والكوفة ورأيت علماءها فكلما جرى ذكر محمد بن إسماعيل فضلوه على أنفسهم. (٢)

стр. 30

قال عبدان: ما رأيت بعيني شابا أبصر من هذا، وأشار بيده إلى محمد بن إسماعيل. وقال صالح بن مسمار المروزي: سمعت نعيم بن حماد يقول: محمد بن إسماعيل فقيه هذه الأمة. وقال إبراهيم بن خالد المروزي: قال مسدد: لا تختاروا على محمد بن إسماعيل، يا أهل خراسان. وقال موسى بن قريش: قال عبد الله بن يوسف للبخاري: يا أبا عبد الله، انظر في كتبي، وأخبرني بما فيه من السقط، قال: نعم. * وقال محمد: حدثني محمد بن إسماعيل، قال: كنت إذا دخلت على سليمان بن حرب يقول: بيِّن لنا غلط شعبة. * وحدث عن نفسه قائلا: اجتمع أصحاب الحديث، فسألوني أن أكلم إسماعيل بن أبي أويس ليزيدهم في القراءة، ففعلت، فدعا إسماعيل الجارية، وأمرها أن تخرج صرة دنانير، وقال: يا أبا عبد الله، فرقها عليهم. قلت: إنما أرادوا الحديث. قال: قد أجبتك إلى ما طلبت من الزيادة، غير أني أحب أن يضم هذا إلى ذاك ليظهر أثرك فيهم. (١) * قال الحافظ: وسئل قتيبة عن طلاق السكران، فدخل محمد ابن إسماعيل، فقال قتيبة للسائل: هذا أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهوية، وعلىّ بن المدينى، قد ساقهم الله إليك، وأشار إلى البخارى. قال يحيى بن جعفر: لو قدرت أن أزيد في عمر محمد بن إسماعيل من عمري لفعلت، فإن موتي يكون موت رجل واحد، وموته ذهاب العلم. (٢) وقال البخارى مرةً (٣): " لما دخلت البصرة صرت إلى مجلس بُنْدار، فلما وقع بصرُه عليَّ، قال: من أين الفتى؟ قلت: من أهل بخارى، فقال لي: كيف تركت أبا عبد الله؟ فأمسكت، فقالوا له: يرحمك الله هو أبو عبد الله، فقام، وأخذ بيدي، وعانقني، وقال: مرحبا بمن أفتخر به منذ سنين " وقال مسلم بن الحجاج وقد جاء إلى البخاري: " دعني أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين، وسيد المحدثين، وطبيب الحديث في علله ".

стр. 31

وقال محمد بن أبى حاتم: حدثني حاتم بن مالك الوراق، قال: سمعت علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامنا وفقيهنا وفقيه خراسان. فهذا ثناء المتقدمين أما المتأخرين فلا داعى لذكره حيث يقول الحافظ: " وبعد ما تقدم من ثناء كبار مشايخه عليه، لا يُحتاج إلى حكاية من تأخر" مكانته عند الناس: قال الشيخ عبد السلام المباركفورى: كان الإمام البخارى كلما حل مدينة، أو ترك أرضاً، كان المسلمون يزدحمون حوله، حيث يفوق الوصف والبيان. (١) * ولما رجع إلى بخارى عائداً من رحلته الدراسية، نصبت له القباب على فرسخ من البلد، واستقبله عامة أهل البلد، حتى لم يبق مذكور، ونثر عليه الدراهم والدنانير. وجرى له مثل هذا فى نيسابور، قال الإمام مسلم: لما قدم محمد بن إسماعيل نيسابور، ما رأيت والياً، ولا عالماً فعل به أهل نيسابور، ما فعلوا به؛ استقبلوه من مرحلتين من البلاد، أو ثلاث. (٢) تدينه: ونقصد بالتدين التدين العام؛ فى عباداته ومعاملاته. عن محمد بن أبى حاتم قال: سمعت سليماً - يعنى ابن مجاهد - يقول: ما رأيت بعينى منذ ستين سنةٍ أفقه، ولا أورع، ولا أزهد فى الدنيا من محمد ابن إسماعيل. * فمن تدينه عبادته: قال مُسبِّح بن سعيد: " كان محمد بن إسماعيل يختم في رمضان في النهار كل يوم ختمة، ويقوم بعد التروايح كل ثلاث ليال بختمة " وروى الخطيب البغدادى عن عمر بن حفص الأشقر قال: كنا مع محمد بن إسماعيل بالبصرة، نكتب الحديث، ففقدناه أياماً، فطلبناه فوجدناه فى بيت وهو عريان، وقد نفذ ما عنده، ولم يبق معه شيءٌ فاجتمعنا، وجمعنا له الدراهم، حتى اشترينا له ثوباً، وكسوناه، ثم اندفع معنا فى كتابة الحديث (٣) * ومن تدينه أنه لم يجلس إلى التحديث إلا بعدما تأهل: يقول عن نفسه: " ما جلست للحديث حتى عرفت الصحيح من السقيم، وحتى نظرت في عامة كتب الرأي، وحتى

стр. 32

دخلت البصرة خمس مرات أو نحوها، فما تركت بها حديثا صحيحا إلا كتبته، إلا ما لم يظهر لي ". * ومن تدينه شدة حيائه: قال أبو جعفر: قال لي بعض أصحابي: كنت عند محمد بن سلام، فدخل عليه محمد بن إسماعيل حين قدم من العراق، فأخبره بمحنة الناس، وما صنع ابن حنبل وغيره من الأمور. فلما خرج من عنده قال محمد بن سلام لمن حضره: أترون البكر أشد حياء من هذا؟! * ومن تدينه تمسكه بهدى النبى ( ﷺ ): كان البخارى يقول: كنا نستعين على حفظ الحديث بالعمل به. فالرمى مع أنه ليس من اختصاص العلماء، ولكن لما كانت السنة قد وردت به كان الإمام البخارىُّ يركب إلى الميدان للتدرب على الرمى، وكان من شدة مهارته لا يخطئ الهدف. (١) ومن ذلك أيضاً أنه كان يبنى رباطاً، وجاء الناس يعينونه، فكان ينقل اللبن بنفسه إقتداءً بالنبىِّ ﷺ فى بناء المسجد وحفر الخندق. * ومن تدينه احتياطه فى جرح الرواة: كان يقول: " أرجو أن ألقى الله، ولا يحاسبنى أنى اغتبت أحداً. يقول الشيخ أحمد فريد (٢): " ومسلك الاحتياط الذى سلكه الإمام البخارىُّ، يدل على منزلته العليا من التدين والإخلاص والورع، فطريقته فى الجرح أنه يختار كلمات لا يمكن أى شخص أن يؤاخذ بها المجروح، ومن كلماته: تركوه، أنكره الناس، وأشدها عنده أن يقول: منكر الحديث " * ومن تدينه أنه ما كان يؤذى أحداً من جلسائه حتى ولو بما أحل الله: قال: ما أكلت كراثا قط، ولا القنابَرَى قيل: ولم ذاك؟ قال: كرهت أن أوذي من معي من نتنهما. فقيل له: وكذلك البصل النئ؟ قال: نعم. * ومن تدينه هذه الخصائص:

стр. 33

وقال محمد بن أبي حاتم: سمعت الحسين بن محمد السمرقندي يقول: كان محمد بن إسماعيل مخصوصا بثلاث خصال مع ما كان فيه من الخصال المحمودة: كان قليل الكلام، وكان لا يطمع فيما عند الناس، وكان لا يشتغل بأمور الناس، كل شغله كان في العلم. (١) * ومن تدينه أنه ما كان يأخذ على العلم أجرا: قال سليم بن مجاهد: ما بقي أحد يعلم الناس الحديث حِسبةً غير محمد بن إسماعيل. * ومن تدينه الإحسان إلى المسيء: قال عبد الله بن محمد الصارفي: كنت عند أبي عبد الله في منزله، فجاءته جارية، وأرادت دخول المنزل، فعثرت على محبرة بين يديه، فقال لها: كيف تمشين؟ قالت: إذا لم يكن طريق، كيف أمشي؟ فبسط يديه، وقال لها: اذهبي فقد أعتقتك. قال: فقيل له فيما بعد: يا أبا عبد الله، أغضبتك الجارية؟ قال: إن كانت أغضبتني فإني أرضيت نفسي بما فعلت (٢). ومن ذلك (٣): أنه كان كثير من أصحابه يقولون له: إن بعض الناس يقع فيك، فيقول: "إن كيد الشيطان كان ضعيفا" (النساء: ٧٦) ويتلو أيضا: " ولا يحيق المكر السئ إلا بأهله" (فاطر: ٤٣) فقال له عبد المجيد بن إبراهيم: كيف لا تدعو الله على هؤلاء الذين يظلمونك ويتناولونك ويبهتونك؟ فقال: قال النبي ﷺ : " اصبروا حتى تلقوني على الحوض " وقال ﷺ : " من دعا على ظالمه، فقد انتصر " مؤلفاته: ١ - " الجامع الصحيح " ٢ - " التاريخ الكبير " ٣ - " التاريخ الأوسط " ٤ - " التاريخ الصغير " ٥ - " خلق أفعال العباد " ٦ - كتاب " الضعفاء الصغير " ٧ - " الأدب المفرد " ٨ - " جزء رفع اليدين " ٩ - " جزء القراءة خلف الإمام " ١٠ - " كتاب الكنى " ... وله كتبٌ أخرى فى عداد المخطوطات والمفقودات. وفاته:

стр. 34

توفي البخاري ليلة السبت ليلة الفطر عند صلاة العشاء، ودفن يوم الفطر بعد صلاة الظهر سنة ست وخمسين ومئتين. وعاش اثنتين وستين سنة إلا ثلاثة عشر يوما. وهناك بيتان نظمهما بعض الشعراء مبيناً فيهما تاريخ ميلاده، ووفاته، ومدة حياته، نقلهما الشيخ أحمد فريد ... قيل (١): كان البخارىُّ حافظاً ومحدثاً جمع الصحيح مكمل التحرير ميلاده " صدقٌ" ومدة عمره فيها " حميد" وانقضى فى " نور " (٢) *************** وهكذا قد انتهينا من التجوال فى بستان فضله، وحياته ومواقفه، والله نسأل له الدرجات العلا، وأن يجمعنا به والصالحين فى دار مقامته، إنه ولىُّ ذلك .. المبحث الرابع الأحاديث بترتيبها فى البخارى وكما سمعناها قال الإمام البخارى ﵀: ١ - حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ مَنْ يَقُلْ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ. (حديث رقم، ١٠٩) ٢ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ قَالَ كَانَ جِدَارُ الْمَسْجِدِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ مَا كَادَتْ الشَّاةُ تَجُوزُهَا. (٤٩٧) ٣ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ كُنْتُ آتِي مَعَ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ فَيُصَلِّي عِنْدَ الْأُسْطُوَانَةِ الَّتِي عِنْدَ الْمُصْحَفِ فَقُلْتُ يَا أَبَا مُسْلِمٍ أَرَاكَ تَتَحَرَّى الصَّلَاةَ عِنْدَ هَذِهِ الْأُسْطُوَانَةِ قَالَ فَإِنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَتَحَرَّى الصَّلَاةَ عِنْدَهَا. (٥٠٢)

стр. 35

٤ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ قَالَ كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الْمَغْرِبَ إِذَا تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ. (٥٦١) ٥ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ رَجُلًا يُنَادِي فِي النَّاسِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ إِنَّ مَنْ أَكَلَ فَلْيُتِمَّ أَوْ فَلْيَصُمْ وَمَنْ لَمْ يَأْكُلْ فَلَا يَأْكُلْ. (١٩٢٤) ٦ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁ قَالَ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ أَنْ أَذِّنْ فِي النَّاسِ أَنَّ مَنْ كَانَ أَكَلَ فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَكَلَ فَلْيَصُمْ فَإِنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ. (٢٠٠٧)

стр. 36

٧ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁ قَالَ كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ فَقَالُوا صَلِّ عَلَيْهَا فَقَالَ هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ قَالُوا لَا قَالَ فَهَلْ تَرَكَ شَيْئًا قَالُوا لَا فَصَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ أُخْرَى فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلِّ عَلَيْهَا قَالَ هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ قِيلَ نَعَمْ قَالَ فَهَلْ تَرَكَ شَيْئًا قَالُوا ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ فَصَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ أُتِيَ بِالثَّالِثَةِ فَقَالُوا صَلِّ عَلَيْهَا قَالَ هَلْ تَرَكَ شَيْئًا قَالُوا لَا قَالَ فَهَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ قَالُوا ثَلَاثَةُ دَنَانِيرَ قَالَ صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ قَالَ أَبُو قَتَادَةَ صَلِّ عَلَيْهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَعَلَيَّ دَيْنُهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ. (٢٢٨٩) ٨ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهَا فَقَالَ هَلْ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ قَالُوا لَا فَصَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ أُخْرَى فَقَالَ هَلْ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ قَالُوا نَعَمْ قَالَ صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ قَالَ أَبُو قَتَادَةَ عَلَيَّ دَيْنُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَصَلَّى عَلَيْهِ. (٢٢٩٥) (١)

стр. 37

٩ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى نِيرَانًا تُوقَدُ يَوْمَ خَيْبَرَ قَالَ عَلَى مَا تُوقَدُ هَذِهِ النِّيرَانُ قَالُوا عَلَى الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ قَالَ اكْسِرُوهَا وَأَهْرِقُوهَا قَالُوا أَلَا نُهَرِيقُهَا وَنَغْسِلُهَا قَالَ اغْسِلُوا قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ كَانَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ يَقُولُ الْحُمُرِ الْأَنْسِيَّةِ بِنَصْبِ الْأَلِفِ وَالنُّونِ. (٢٤٧٧) ١٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ أَنَّ الرُّبَيِّعَ وَهِيَ ابْنَةُ النَّضْرِ كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ فَطَلَبُوا الْأَرْشَ وَطَلَبُوا الْعَفْوَ فَأَبَوْا فَأَتَوْا النَّبِيَّ ﷺ فَأَمَرَهُمْ بِالْقِصَاصِ فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ أَتُكْسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّعِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا فَقَالَ يَا أَنَسُ كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ فَرَضِيَ الْقَوْمُ وَعَفَوْا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ زَادَ الْفَزَارِيُّ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ فَرَضِيَ الْقَوْمُ وَقَبِلُوا الْأَرْشَ. (٢٧٠٣)

стр. 38

١١ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ ﵁ قَالَ بَايَعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ثُمَّ عَدَلْتُ إِلَى ظِلِّ الشَّجَرَةِ فَلَمَّا خَفَّ النَّاسُ قَالَ يَا ابْنَ الْأَكْوَعِ أَلَا تُبَايِعُ قَالَ قُلْتُ قَدْ بَايَعْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَأَيْضًا فَبَايَعْتُهُ الثَّانِيَةَ فَقُلْتُ لَهُ يَا أَبَا مُسْلِمٍ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تُبَايِعُونَ يَوْمَئِذٍ قَالَ عَلَى الْمَوْتِ. (٢٩٦٠) ١٢ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ قَالَ خَرَجْتُ مِنْ الْمَدِينَةِ ذَاهِبًا نَحْوَ الْغَابَةِ حَتَّى إِذَا كُنْتُ بِثَنِيَّةِ الْغَابَةِ لَقِيَنِي غُلَامٌ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قُلْتُ وَيْحَكَ مَا بِكَ قَالَ أُخِذَتْ لِقَاحُ النَّبِيِّ ﷺ قُلْتُ مَنْ أَخَذَهَا قَالَ غَطَفَانُ وَفَزَارَةُ فَصَرَخْتُ ثَلَاثَ صَرَخَاتٍ أَسْمَعْتُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا يَا صَبَاحَاهْ يَا صَبَاحَاهْ ثُمَّ انْدَفَعْتُ حَتَّى أَلْقَاهُمْ وَقَدْ أَخَذُوهَا فَجَعَلْتُ أَرْمِيهِمْ وَأَقُولُ أَنَا ابْنُ الْأَكْوَعِ وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعْ فَاسْتَنْقَذْتُهَا مِنْهُمْ قَبْلَ أَنْ يَشْرَبُوا فَأَقْبَلْتُ بِهَا أَسُوقُهَا فَلَقِيَنِي النَّبِيُّ ﷺ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الْقَوْمَ عِطَاشٌ وَإِنِّي أَعْجَلْتُهُمْ أَنْ يَشْرَبُوا سِقْيَهُمْ فَابْعَثْ فِي إِثْرِهِمْ فَقَالَ يَا ابْنَ الْأَكْوَعِ مَلَكْتَ فَأَسْجِحْ إِنَّ الْقَوْمَ يُقْرَوْنَ فِي قَوْمِهِمْ. (٣٠٤١)

стр. 39

١٣ - حَدَّثَنَا عِصَامُ بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا حَرِيزُ بْنُ عُثْمَانَ أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بُسْرٍ صَاحِبَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ أَرَأَيْتَ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ شَيْخًا قَالَ كَانَ فِي عَنْفَقَتِهِ شَعَرَاتٌ بِيضٌ. (٣٥٤٦) ١٤ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ رَأَيْتُ أَثَرَ ضَرْبَةٍ فِي سَاقِ سَلَمَةَ فَقُلْتُ يَا أَبَا مُسْلِمٍ مَا هَذِهِ الضَّرْبَةُ فَقَالَ هَذِهِ ضَرْبَةٌ أَصَابَتْنِي يَوْمَ خَيْبَرَ فَقَالَ النَّاسُ أُصِيبَ سَلَمَةُ فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَنَفَثَ فِيهِ ثَلَاثَ نَفَثَاتٍ فَمَا اشْتَكَيْتُهَا حَتَّى السَّاعَةِ. (٤٢٠٦) ١٥ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁ قَالَ غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ سَبْعَ غَزَوَاتٍ وَغَزَوْتُ مَعَ ابْنِ حَارِثَةَ اسْتَعْمَلَهُ عَلَيْنَا. (٤٢٧٢) ١٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ. (٤٤٩٩)

стр. 40

١٧ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ لَمَّا أَمْسَوْا يَوْمَ فَتَحُوا خَيْبَرَ أَوْقَدُوا النِّيرَانَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَامَ أَوْقَدْتُمْ هَذِهِ النِّيرَانَ قَالُوا لُحُومِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ قَالَ أَهْرِيقُوا مَا فِيهَا وَاكْسِرُوا قُدُورَهَا فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ فَقَالَ نُهَرِيقُ مَا فِيهَا وَنَغْسِلُهَا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ أَوْ ذَاكَ (٥٤٩٧) ١٨ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ ضَحَّى مِنْكُمْ فَلَا يُصْبِحَنَّ بَعْدَ ثَالِثَةٍ وَبَقِيَ فِي بَيْتِهِ مِنْهُ شَيْءٌ فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ نَفْعَلُ كَمَا فَعَلْنَا عَامَ الْمَاضِي قَالَ كُلُوا وَأَطْعِمُوا وَادَّخِرُوا فَإِنَّ ذَلِكَ الْعَامَ كَانَ بِالنَّاسِ جَهْدٌ فَأَرَدْتُ أَنْ تُعِينُوا فِيهَا (٥٥٦٩)
следующие страницы →