← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 36582

تحبير الوريقات بشرح الثلاثيات

وليد الصعيدي

Полный текст (154 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

٧ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁ قَالَ كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ فَقَالُوا صَلِّ عَلَيْهَا فَقَالَ هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ قَالُوا لَا قَالَ فَهَلْ تَرَكَ شَيْئًا قَالُوا لَا فَصَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ أُخْرَى فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلِّ عَلَيْهَا قَالَ هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ قِيلَ نَعَمْ قَالَ فَهَلْ تَرَكَ شَيْئًا قَالُوا ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ فَصَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ أُتِيَ بِالثَّالِثَةِ فَقَالُوا صَلِّ عَلَيْهَا قَالَ هَلْ تَرَكَ شَيْئًا قَالُوا لَا قَالَ فَهَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ قَالُوا ثَلَاثَةُ دَنَانِيرَ قَالَ صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ قَالَ أَبُو قَتَادَةَ صَلِّ عَلَيْهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَعَلَيَّ دَيْنُهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ. (٢٢٨٩) ٨ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهَا فَقَالَ هَلْ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ قَالُوا لَا فَصَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ أُخْرَى فَقَالَ هَلْ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ قَالُوا نَعَمْ قَالَ صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ قَالَ أَبُو قَتَادَةَ عَلَيَّ دَيْنُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَصَلَّى عَلَيْهِ. (٢٢٩٥) (١)

стр. 37

٩ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى نِيرَانًا تُوقَدُ يَوْمَ خَيْبَرَ قَالَ عَلَى مَا تُوقَدُ هَذِهِ النِّيرَانُ قَالُوا عَلَى الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ قَالَ اكْسِرُوهَا وَأَهْرِقُوهَا قَالُوا أَلَا نُهَرِيقُهَا وَنَغْسِلُهَا قَالَ اغْسِلُوا قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ كَانَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ يَقُولُ الْحُمُرِ الْأَنْسِيَّةِ بِنَصْبِ الْأَلِفِ وَالنُّونِ. (٢٤٧٧) ١٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ أَنَّ الرُّبَيِّعَ وَهِيَ ابْنَةُ النَّضْرِ كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ فَطَلَبُوا الْأَرْشَ وَطَلَبُوا الْعَفْوَ فَأَبَوْا فَأَتَوْا النَّبِيَّ ﷺ فَأَمَرَهُمْ بِالْقِصَاصِ فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ أَتُكْسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّعِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا فَقَالَ يَا أَنَسُ كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ فَرَضِيَ الْقَوْمُ وَعَفَوْا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ زَادَ الْفَزَارِيُّ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ فَرَضِيَ الْقَوْمُ وَقَبِلُوا الْأَرْشَ. (٢٧٠٣)

стр. 38

١١ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ ﵁ قَالَ بَايَعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ثُمَّ عَدَلْتُ إِلَى ظِلِّ الشَّجَرَةِ فَلَمَّا خَفَّ النَّاسُ قَالَ يَا ابْنَ الْأَكْوَعِ أَلَا تُبَايِعُ قَالَ قُلْتُ قَدْ بَايَعْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَأَيْضًا فَبَايَعْتُهُ الثَّانِيَةَ فَقُلْتُ لَهُ يَا أَبَا مُسْلِمٍ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تُبَايِعُونَ يَوْمَئِذٍ قَالَ عَلَى الْمَوْتِ. (٢٩٦٠) ١٢ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ قَالَ خَرَجْتُ مِنْ الْمَدِينَةِ ذَاهِبًا نَحْوَ الْغَابَةِ حَتَّى إِذَا كُنْتُ بِثَنِيَّةِ الْغَابَةِ لَقِيَنِي غُلَامٌ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قُلْتُ وَيْحَكَ مَا بِكَ قَالَ أُخِذَتْ لِقَاحُ النَّبِيِّ ﷺ قُلْتُ مَنْ أَخَذَهَا قَالَ غَطَفَانُ وَفَزَارَةُ فَصَرَخْتُ ثَلَاثَ صَرَخَاتٍ أَسْمَعْتُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا يَا صَبَاحَاهْ يَا صَبَاحَاهْ ثُمَّ انْدَفَعْتُ حَتَّى أَلْقَاهُمْ وَقَدْ أَخَذُوهَا فَجَعَلْتُ أَرْمِيهِمْ وَأَقُولُ أَنَا ابْنُ الْأَكْوَعِ وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعْ فَاسْتَنْقَذْتُهَا مِنْهُمْ قَبْلَ أَنْ يَشْرَبُوا فَأَقْبَلْتُ بِهَا أَسُوقُهَا فَلَقِيَنِي النَّبِيُّ ﷺ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الْقَوْمَ عِطَاشٌ وَإِنِّي أَعْجَلْتُهُمْ أَنْ يَشْرَبُوا سِقْيَهُمْ فَابْعَثْ فِي إِثْرِهِمْ فَقَالَ يَا ابْنَ الْأَكْوَعِ مَلَكْتَ فَأَسْجِحْ إِنَّ الْقَوْمَ يُقْرَوْنَ فِي قَوْمِهِمْ. (٣٠٤١)

стр. 39

١٣ - حَدَّثَنَا عِصَامُ بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا حَرِيزُ بْنُ عُثْمَانَ أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بُسْرٍ صَاحِبَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ أَرَأَيْتَ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ شَيْخًا قَالَ كَانَ فِي عَنْفَقَتِهِ شَعَرَاتٌ بِيضٌ. (٣٥٤٦) ١٤ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ رَأَيْتُ أَثَرَ ضَرْبَةٍ فِي سَاقِ سَلَمَةَ فَقُلْتُ يَا أَبَا مُسْلِمٍ مَا هَذِهِ الضَّرْبَةُ فَقَالَ هَذِهِ ضَرْبَةٌ أَصَابَتْنِي يَوْمَ خَيْبَرَ فَقَالَ النَّاسُ أُصِيبَ سَلَمَةُ فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَنَفَثَ فِيهِ ثَلَاثَ نَفَثَاتٍ فَمَا اشْتَكَيْتُهَا حَتَّى السَّاعَةِ. (٤٢٠٦) ١٥ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁ قَالَ غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ سَبْعَ غَزَوَاتٍ وَغَزَوْتُ مَعَ ابْنِ حَارِثَةَ اسْتَعْمَلَهُ عَلَيْنَا. (٤٢٧٢) ١٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ. (٤٤٩٩)

стр. 40

١٧ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ لَمَّا أَمْسَوْا يَوْمَ فَتَحُوا خَيْبَرَ أَوْقَدُوا النِّيرَانَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَامَ أَوْقَدْتُمْ هَذِهِ النِّيرَانَ قَالُوا لُحُومِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ قَالَ أَهْرِيقُوا مَا فِيهَا وَاكْسِرُوا قُدُورَهَا فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ فَقَالَ نُهَرِيقُ مَا فِيهَا وَنَغْسِلُهَا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ أَوْ ذَاكَ (٥٤٩٧) ١٨ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ ضَحَّى مِنْكُمْ فَلَا يُصْبِحَنَّ بَعْدَ ثَالِثَةٍ وَبَقِيَ فِي بَيْتِهِ مِنْهُ شَيْءٌ فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ نَفْعَلُ كَمَا فَعَلْنَا عَامَ الْمَاضِي قَالَ كُلُوا وَأَطْعِمُوا وَادَّخِرُوا فَإِنَّ ذَلِكَ الْعَامَ كَانَ بِالنَّاسِ جَهْدٌ فَأَرَدْتُ أَنْ تُعِينُوا فِيهَا (٥٥٦٩)

стр. 41

١٩ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ "عَنْ سَلَمَةَ قَالَ: "خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى خَيْبَرَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: أَسْمِعْنَا يَا عَامِرُ مِنْ هُنَيَّاتِكَ، فَحَدَا بِهِمْ، فَقال النبي ﷺ : "مَنْ السَّائِقُ؟ قَالُوا: عَامِرٌ فَقَالَ: ﵀، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلاَ أَمْتَعْتَنَا بِهِ؟ فَأُصِيبَ صَبِيحَةَ لَيْلَتِهِ. فَقَالَ الْقَوْمُ: حَبِطَ عَمَلُهُ، قَتَلَ نَفْسَهُ. فَلَمَّا رَجَعْتُ - وَهُمْ يَتَحَدَّثُونَ أَنَّ عَامِرًا حَبِطَ عَمَلُهُ - فَجِئْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي، زَعَمُوا أَنَّ عَامِرًا حَبِطَ عَمَلُهُ، فَقَالَ: كَذَبَ مَنْ قَالَهَا، إِنَّ لَهُ لأَجْرَيْنِ اثْنَيْنِ، إِنَّهُ لَجَاهِدٌ مُجَاهِدٌ، وَأَيُّ قَتْلٍ يَزِيدُهُ عَلَيْهِ" (٦٨٩١) ٢٠ - حَدَّثَنَا الْأَنْصَارِيُّ حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ ابْنَةَ النَّضْرِ لَطَمَتْ جَارِيَةً فَكَسَرَتْ ثَنِيَّتَهَا فَأَتَوْا النَّبِيَّ ﷺ فَأَمَرَ بِالْقِصَاصِ (٦٨٩٤) ٢١ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ قَالَ بَايَعْنَا النَّبِيَّ ﷺ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَقَالَ لِي يَا سَلَمَةُ أَلَا تُبَايِعُ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ بَايَعْتُ فِي الْأَوَّلِ قَالَ وَفِي الثَّانِي (٧٢٠٨)

стр. 42

٢٢ - حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ طَهْمَانَ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ نَزَلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ فِي زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وَأَطْعَمَ عَلَيْهَا يَوْمَئِذٍ خُبْزًا وَلَحْمًا وَكَانَتْ تَفْخَرُ عَلَى نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ وَكَانَتْ تَقُولُ إِنَّ اللَّهَ أَنْكَحَنِي فِي السَّمَاءِ (٧٤٢١) المبحث الخامس ذكر السند إسناد ثلاثيات البخارى الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم وبعد .. يقول الفقير إلى عفو ربه / وحيد بن عبد السلام بالى. ١ - أخبرنا الشيخان محمد إسرائيل بن محمد إبراهيم الندوى، وعبد الوكيل بن عبد الحق الهاشمي قراءة عليهما بجميع صحيح البخاري وأنا أسمع. قال الشيخ الندوي: ٢ - أخبرنى شيخى الشيخ عبد الحكيم الجيْوَري قراءةً من أوله وآخره وإجازة بباقيه .. ٣ - قال اخبرنا السيد نذير حسين الدِّهْلَوي: وقال الشيخ عبد الوكيل: ٢ - أخبرنى والدى العلامة عبدُ الحق الهاشمى قراءةً عليه لجميعه، ٣ - قال أخبرنا أبو سعيد حسين بن عبد الرحيم البَتَالوى قراءةً عليه لجميعه، - قال أخبرنا السيد نذير حسين الدِّهْلَوى: ٤ - قال أخبرنا الشاه محمد إسحاق الدهلوي، ٥ - قال أخبرنا الشاه عبد العزيز بن ولي الله الدهلوي، ٦ - قال أخبرنى والدى سماعاً إلى كتاب الحج مع إكمال باقيه على خلفائه، ٧ - قال أخبرنا أبو طاهر الكُورَّاني، ٨ - قال أخبرنا حسن العُجَيمي، - قال أخبرنا عيسى الثَّعالبي الجَعفري، - قال أخبرنا سلطان بن أحمد المَزَّاحي، - قال اخبرنا أحمدُ بن خليل السُّبْكي. (ح) قال العجيمي: ٩ - أخبرنا محمد بن العلاء البَابِلى، ١٠ - قال أخبرنا سالم بن محمد السَّنْهُوري قراءةً لبعضه وإجازةً لسائره، قال هو والسُّبْكى: ١١ - أخبرنا النَّجم محمد الغَيْطي، ١٢ - قال أخبرنا زكريا الأنصاري،

стр. 43

١٣ - قال أخبرنا إبراهيم بن صَدَقة الحنبلي، ١٤ - قال أخبرنا عبد الوهاب بن رزين الحَمَوي. (ح) وقال زكريا: -أخبرنا أحمد بن على بن حجر العسقلاني سماعاً للكثير منه وإجازة لسائره، - قال أخبرنا إبراهيم بن أحمد التَّنُوخي البعلي، قال وهو وابن رزين الحَمَوي: ١٥ - أخبرنا أحمد بن أبى طالب الحجار، وزاد الثانى: وست الوزراء وزيرةُ بنت عمر التَّنُوخية؛ ١٦ - قالا: أخبرنا الحُسَين بن المبارك الزَّبِِيدي، ١٧ - قال أخبرنا أبو الوَقْت عبدُ الأول بن عيسى السِّجْزِي الهَرَوي، ١٨ - قال أخبرنا عبد الرحمن بن محمد الداوُدي البُوشَنْجِي، ١٩ - قال أخبرنا عبد الله بن أحمدَ بن حَمُّويَة السَّرخسى، ٢٠ - قال أخبرنا محمد بن يوسف بن مطرٍ الفَرََبْري، ٢١ - قال أخبرنا محمد بن إسماعيل البخاري مرتين. ثم ذكر الأحاديث. المبحث السادس ما كتب حول الثلاثيات بعد أن شرعت فى هذا الجمع واوشكت على الانتهاء منه، تبين لى أن هناك من كتب حول هذا الأمر، فأخذت فى البحث عن ذلك متعجباً كيف غفلت عن طَرْقِ هذا الباب قبل أن أشرع فى هذا الجمع ليكون لى أسهل فى الترتيب والتنسيق والاستفادة من أفكار السابقين من العلماء الكبار، فبدأت أبحث فى فهارس الكتب حتى وقفت على جملةً طيبة من المؤلفات حول الثلاثيات، ولكنى لم أقف على أى مؤلف منها بعد البحث إلا "تعليقات القارى"، فأردت أن أردف مبحثاً أذكر فيه هذه المؤلفات وأصحابها لتعم الفائدة ليطلع عليها من تيسر له الحصول عليها. وتبين من ذلك أن العلماء قد اهتموا فى القديم والحديث بهذه الثلاثيات، حتى أفردها بعضهم بالتعليق والشرح والنظم. وهؤلاء هم على الترتيب الزمنى: ١ - محمد بن إبراهيم الحضرمى، المتوفى سنة (٧٧٧هـ)، وعنوانه: " الفوائد المرويات بشرح الثلاثيات " له نسخة فى المكتبة الوطنية فى الجزائر برقم (٤٧٥). أفاده محمد بن ناصر العجمى فى تحقيقه لتعليقات القارى على ثلاثيات البخارى.

стр. 44

٢ - البرماوي: محمد بن عبد الدائم بن موسى البرماوي المصري شمس الدين أبو عبد الله الشافعي اصله من عسقلان ولد سنة (٧٦٣هـ) وتوفي بالقدس سنة (٨٣١هـ) إحدى وثلاثين وثمانمائة. وقد نظم ثلاثيات البخاري فى أبيات ثم شرحها، ذكر ذلك صاحب هدية العارفين، الباباني. وقال محمد بن ناصر العجمى فى تحقيقه لتعليقات القارى: " وهى مطبوعة بتحقيق الدكتور مصطفى مخدوم فى دار المعلمة بالرياض سنة (١٤٢١ هـ) ٣ - محمد بن الحاج محمد بن محمد حسن بن محمد شاه المعروف بابن الحاج الرومي الحنفي. هو فقيه، مفسر، محدث. توفى سنة ٩٣٩ هـ. من آثاره " شرح ثلاثيات البخاري " قال صاحب كشف الظنون، وقال العجمى فى تحقيقه لتعليقات القارى: " له نسخة فى دار الكتب المصرية (٨٠ - مجموع) ذكره فؤاد سزكين فى " تاريخ التراث العربى " (١/ ٣٣٨) " ا. هـ ٤ - نور الدين علي بن سلطان محمد القاري الهروي صاحب التصانيف، ولد بهراة، ورحل إلى مكة وتديَّرها، وتوفى بها سنة (١٠١٤هـ) ولما علم علماء مصر بوفاته صلوا عليه صلاة الغائب بجامع الأزهر، له: " تعليقات القاري على ثلاثيات البخاري". وقد وقفت على هذا الشرح بتحقيق الشيخ / محمد بن ناصر العجمى، الصادر عن وزارة الأوقاف بالكويت. وقد استفت منه ذكر بعض هذه المؤلفات. ٥ - شهاب الدين احمد بن احمد ابن محمد الوفائي المصري الشافعي المعروف بالعجمي المتوفي في ١٨ ذي القعدة سنة (١٠٨٦هـ)، قال صاحب كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون: وهو عالم مشارك في بعض العلوم. وله شرح ثلاثيات البخاري قال العجمى فى تحقيقه لتعليقات القارى: " استمده من " إرشاد السارى " كما نص على ذلك فى مقدمته. وهو مخطوط، منه نسخة فى دار الكتب المصرية برقم (٦٨ - مجاميع). " ا. هـ

стр. 45

٦ - " هداية البارى على ثلاثيات البخارى " لعلى حجازى بن محمد البيومى، المتوفى سنة (١١٨٣هـ)، له نسخة فى الأزهرية برقم (١٤٧٦ - مجاميع). أفاده محمد العجمى فى تحقيقه لتعليقات القارى (صـ ١٤). ٧ - " الدرارى الناشرات فى ترجمة ما فى البخارى من ثلاثيات " للشيخ / محمد المجهلى شهرى الجونفورى، المتوفى سنة (١٣٢٠هـ)، ذكره الدكتور سهيل عبد الغفار حسن فى بحثه " جهود محدثى شبه القارة الهندية ... ) المطبوع فى كتاب " الوقائع " (١/ ٣٠٤ - ط جام عة الشارقة فى الإمارات العربية). أفاده العجمى فى تحقيقه لتعليق القارى. ٨ - الشيخ عبد الباسط بن رستم بن علي بن علي أصغر القنوجي، المتوفي في سنة (١٢٢٣هـ). كان من علماء الهند، ذكر القنوجي فى كتابه " أبجد العلوم " أن من كتبه: " نظم اللآلي في شرح ثلاثيات البخاري ". ٩ - السيد محمد صديق خان الهندى له " غنية القارى بترجمة ثلاثيات البخارى "، ذكره صاحب كشف الظنون " وهو: السيد محمد صديق خان بن السيد حسن بن علي بن لطف الله الحسيني البخاري أبو الطيب القنوجي الهندي المحدث أمير مملكة بهوبال ولد سنة (١٢٤٨هـ) وتوفي ٢٩ جمادى الآخرة سنة (١٣٠٧هـ) سبع وثلاثمائة وألفا. ١٠ - عبد الحفيظ بن محمد بن محمد الوانجني الجزائري المالكى الخلوتى، وهو أحد أعلام الحديث في مدينة الجزائر العتيقة، فقيه مالكي متصوف من شيوخ الخلوتية. توفى سنة (١٢٦٦ هـ) له " غنية القارىء بترجمة ثلاثيات البخاري " مخطوط، ذكر ذلك فى " معجم المؤلفين " (٥/ ٩٠)، "إيضاح المكنون " (٢/ ١٥٠) ١١ - محمد شمس الحق العظيم آبادى، عالم بالحديث، من أهل (عظيم آباد) في الهند. ولد بها وجمع مكتبة حافلة بالمخطوطات وتوفي في (ديانوان) من أعمال عظيم آباد. قرأ الحديث في دهلي. وصنف كتبا، منها (عون المعبود في شرح سنن أبي داود) وله " فضل البارى فى شرح ثلاثيات البخارى" توفى (١٣٢٩هـ)

стр. 46

١٢ - محمد عبد الحي ابن الشيخ أبي المكارم عبد الكبير الحسني الإدريسي الكتاني توفى سنة (١٣٨٢ هـ) مغربي، ولد وتعلم بفاس. وكان منذ نشأته على غير ولاء للاسرة العلوية المالكة في المغرب، ولما فرضت الحماية الفرنسية على المغرب، (١٩١٢) انغمس في موالاتها. له " الفيض الجاري على ثلاثيات البخاري " في دار الكتب. (نقل ذلك صاحب فهرس الفهارس والأثبات ومعجم المعاجم والمشيخات والمسلسلات، عبد الحي بن عبد الكبير الكتاني) ١٣ - " معلم القارى شرح ثلاثيات البخارى "، لرضى الدين عبد المجيد خان تونكى. ذكره فؤاد سزكين فى " تاريخ التراث العربى " (١/ ٣٣٨). أفاده العجمى فى تحقيق تعليقات القارى. ١٤ - " إنعام المنعم البارى بشرح ثلاثيات البخارى "، لعبد الصبور بن عبد التواب الملتانى، المتوفى سنة (١٣٤٩هـ)، مطبوع فى مطبعة أنصار السنة بمصر سنة (١٣٥٨هـ). الباب الثانى تحبير الوريقات مسند سلمة بن الأكوع التراجم الأحاديث مسند أنس بن مالك التراجم الأحاديث مسند عبد الله بن بسر التراجم الأحاديث تمهيد هذه الثلاثيات التى بين أيدينا ليست مرتبطةً بكتابٍ من كتب صحيح البخارى، ولكنها موزعةٌ على بعض كتبه، فكان من الأسهل والأيسر أن نرتب هذه الأحاديث ترتيباً يسهل علينا به أن نلم ما فيه دون تشتت، فرأيت أن توزع الأحاديث على مسانيدِ الصحابة، حيث أنها كلها يرويها ثلاثةٌ فقط من الصحابة، فرأيت أن يتم الشرح للأحاديث وترتيبها حسب مسند كل صحابى مع وضع الأحاديث المرتبطة ببعضها فى الموضوع فى نسقٍ واحد لتكتمل لنا الصورة، وهذا يجعل الاستيعاب والفهم والوصول إلى الحديث فى مظانه أسهل، ولن أرتبط بترتيب البخارى ولا ترتيب الأبواب لأنها وقعت فى أبواب مختلفة كما ذكرت. وهذه المسانيد هى:

стр. 47

الأول: مسند سلمة ابن الأكوع، فله القِدْحُ المُعلَّى فى هذه الثلاثيات فروى منها سبعة عشر حديثاً رواها كلها عنه يزيد ابن أبى عبيد، ثم رواها عن يزيد شيخان للبخارى؛ المكي ابن ابراهيم روى أحد عشر حديثاً، ثم البقية لأبى عاصم النبيل؛ الضحاك ابن مخلد. الثاني: مسند أنس بن مالك، وله فى الثلاثيات أربعة أحاديث رواها عنه راويان: الأول حميد الطويل، روى ثلاثةً منها، كلها فى قصة الرُّبَيِّع فرواها مطولةً ومختصرة، ورواها الأنصارى عنه. والراوى الثانى عن أنس هو عيسى بن طَهْمان، وروى عنه حديثاً واحداً، رواه عنه خَلَّادُ بن يحيى الثالث: مسند عبدِ الله بن بسر، وله فى الثلاثيات حديثٌ واحد رواه عنه حَرِيْزُ بن عثمان، وروى عن حريز، عصامُ بن خالد -شيخ البخارىِّ -. وبدأتُ بذكر ترجمةٍ سريعة لكل واحد فى بداية كل مسند، فأبدأ بترجمةٍ للصحابىِّ ثم تليها ترجمةٌ للتابعىِّ الذى روى عنه، ثم يلى ذلك ترجمةً لشيخ البخارى الذى روى عن هذا التابعى، وإن كان له فى هذا التابعى شيخان إما أن أذكر ترجمتيهما متتابعة لإشتراكهما فى حديث واحد كما فى مسند سلمة، وإما أن أذكر الأحاديث تحت ترجمة من رواها كما فى مسند أنس، وقد استمَديتُ هذه التراجم من سير الذهبى والتهذيب، وغيرهما. وقد بدأت التعليق على الحديث بشرحٍ بسيط بين يديه أذكر فيه أين أخرج البخارىُّ الحديث فى كتابه، ثم أذكر توضيحاً بسيطاً للمعنى العام للحديث إذا احتيج إلى ذلك، ثم يتبع ذلك المسائل الموجودة فى الحديث فقهيةً كانت أو غير ذلك، ثم نختم التعليق بذكر الفوائد التى تضمنها الحديث، إذا لم نكتف بالمسائل، والله نسأل الإخلاص فى القول والعمل. مُسنَد ﴿سلمةَ بنِ الأكوَع﴾ التراجم سلمة بن عمرو بن الأكوع (﵁)

стр. 48

ويقال سلمة بن وهيب بن الأكوع، الأسلمى، أبو مسلم، ويقال أبو إياس، ويقال أبو عامر، المدنى الصحابى الجليل، و" الأكوع " لقب له، ومعناه: المعوج لكوع وهو طرف الزند الذى يلى الإبهام حدث عن النبى ( ﷺ ) وأبى بكر وعمر وعثمان وطلحة، وروى له الجماعة وحديثه من أعالى البخارى. شهد بيعة الرضوان تحت الشجرة، وبايع رسول الله ﷺ ثلاث مرات: فى أول الناس، وفى أوسطهم، وفى آخرهم، وبايعه يومئذ على الموت، كما عند البخارى فى الروايات التى معنا. وكان يسكن الربذة، وكان ذلك بعد مقتل عثمان، وتزوج فيها وأنجب ثم قبل موته بقليل رجع إلى المدينة فمات بها لأنها دار هجرته، وقد قضى بالربذة نحو الأربعين سنة، كما قال ابن حجر. وقد كف بصره فى آخر عمره. وكان شجاعا راميا محسنا خيراً. ويقال: إنه كان يسبق الفرس شدا على قدميه. وقيل: إنه شهد غزوة مؤتة. كان يرتجز بين يدي النبي ﷺ في أسفارِه حاديًا، وبايعه يوم الحديبية، وَكَانَ راميًا يصيد الوحش، وقال له رسول ﷺ فِي مُنْصَرَفِه إلى المدينةِ: " خير رَجَّالَتِنا اليوم سلمة " وكان ﵁ من المفتين بالمدينة، قال الذهبى: " قال ابن سعد: عن زياد بن مينا، قال: كان ابن عباس، وابن عمر، وأبو سعيد، وأبو هريرة، وجابر، ورافع بن خديج، وسلمة بن الأكوع مع أشباه لهم، يفتون بالمدينة، ويحدثون عن رسول الله ﷺ من لدن توفي عثمان إلى أن توفوا " ا. هـ الوفاة: قال يحيى بن بكير، وغير واحد: مات بالمدينة سنة أربع وسبعين، وهو ابن ثمانين سنة. وقال الذهبى: " كان من أبناء التسعين " وروى عنه هذه الأحاديث مولاه يزيد بن أبى عبيد. يزيد بن أبى عبيد اسمه والتعريف به:

стр. 49

هو يزيد بن أبى عبيد، أبو خالد الأسلمى، مولى سلمة بن الأكوع الحجازى من الطبقة الرابعة التى تلى الوسطى من التابعين، ولم يذكر له مولد. شيوخه وتلاميذه: روى عن سلمة، وعمير مولى آبى اللحم، وهشام بن عروة، وروى عنه جماعة منهم بكير بن عبد الله بن الأشج والمكى وأبو عاصم النبيل. وروى له الجماعة. الجرح والتعديل: وثقة العجلى وبن معين وبن حبان وابو داود وبن سعد وابن حجر وقال الذهبي: صدوق، من بقايا التابعين الثِّقات. الوفاة: تُوُفِّيَ بالمدينة سنة سبعٍ وأَربعينَ وَمائَةٍ، كما قال الذهبى. روى عنه الثلاثيات شيخان للبخارى: المكي بن إبراهيم. وأبو عاصم النبيل. الأول: مكى بن إبراهيم له فى الثلاثيات عن يزيد أحد عشر حديثاً اسمه والتعريف به: وهو المكى بن إبراهيم بن بشير بن فرقد التميمي الحنظلى البرجمى، أبو السكن البلخى، والمكي هو علم وليس بنسبة إلى مكة. وهو من صغار أتباع التابعين، وأخذ فى الطلب وهو ابن سبع عشرة سنة، وحج كثيراً، وكان له مالٌ وتجارة. لم يلق البُخاريُّ بخراسان أَحدا أَكبر منه .. مولده: قال عن نفسه: في سنة ست وعشرين ومائة " قال ابن سعد: وقد قارب المائةَ روى له الجماعة. شيوخه وتلامذته: روى عن سبعة عشر تابعياً، منهم: يزيد بن أبى عبيد، وبهز بن حكيم، وابن جريج، وأبى حنيفة، وعن مالك بن أنس، وغيرهم، وليس هو بالمكثر جداً. روى عنه الإمام أحمد والبخارى، ويحى بن معين، وبندار، وغيرهم كثير. وروى له بقية اصحاب الكتب الستة. الجرح والتعديل: وثقه أهل العلم كأحمد والعجلى وقال الدارقطنى: " ثقة، مأمون "، وقال أَبو حاتم: محلُّهُ الصدقُ، وقال النَّسائيّ ُ: ليس به بأس. وذكره ابن حبان فى الثقات، وقال الذهبي: الحافظ، وقال ابن حجر: ثقة ثبت. وقال المكى عن نفسه كما ذكر الذهبى فى السير:

стр. 50

" حججت ستين حجة، وتزوجت بستين امرأة، وجاورت بالبيت عشر سنين، وكتبت عن سبعة عشر نفسا من التابعين، ولو علمت أن الناس يحتاجون إلي، لما كتبت دون التابعين عن أحد ".ا-هـ الوفاة: مَات مكي بن إبراهيم ليلة الأربعاء قبيل الصبح لِلنصف من شعبان سنة: أَربع عشرة ومائتين، قاله أبو حاتم، والبخاريُّ، وقيل خمس عشرة. الثانى: أبو عاصم النبيل اسمه والتعريف به: هو الضحاك بن مخلد بن الضحاك بن مسلم بن الضحاك الشيبانى أبو عاصم النبيل البصرى، من الطبقة التاسعة من صغار أتباع التابعين، قال عنه الذهبىُّ: الإمام، الحافظ، شيخ المحدثين الأثبات، وكان فيه مزاح، ولم ير فى يده كتاباً قط، وكان يحفظ قدر ألف حديثٍ من جيد حديثه. له فى الثلاثيات عن يزيد ستة أحاديث. مولده: ولد: سنة اثنتين وعشرين ومائة، وقيل إحدى وعشرين. شيوخه وتلامذته: حدث عن خلقٍ كثير منهم يزيد بن أبى عبيد، وبهز بن حكيم، وشعبة، والأوزاعي، وابن أبي عروبة، وسفيان، ومالك، وغيرهم، ونقل عنه أيضاً جمعٌ غفير ومن أشهرهم الإمام أحمد، وابن معين، وعلى بن المدينى، وأبو بكر بن أبى شيبة، والأصمعىُّ، وهو من أجل شيوخ البخارى وأكبرهم. وروى له الجماعة. الجرح والتعديل: وثقه: يحيى بن معين، والعجلي، وابن سعد، وقال أبو حاتم: صدوق. وقال عمر بن شبة: حدثنا أبو عاصم النبيل، ووالله ما رأيت مثله، وذكره أبو يعلى الخليلي، فقال: متفق عليه زهدا، وعلما، وديانة، وإتقانا. قال البخاري: سمعت أبا عاصم يقول: " منذ عقلت أن الغيبة حرام، ما اغتبت أحدا قط ". سبب تسميته بالنبيل: ذُكر فى ذلك أقوال منها: أن فيلا قدم البصرة، فذهب الناس ينظرون إليه، فقال له ابن جريج: ما لك لا تنظر؟ قال: لا أجد منك عوضا. قال: أنت نبيل. وقيل: لأنه كان كبير الأنف. وقيل: لأنه كان يلبس الخز وجيد الثياب، وكان إذا أقبل، قال ابن جريج: جاء النبيل.

стр. 51

وقيل: لأن شعبة حلف ألا يحدث أصحاب الحديث شهرا، فقصده أبو عاصم، فدخل مجلسه، وقال: حدث، وغلامي العطار حرٌ لوجه الله كفارة عن يمينك، فأعجبه ذلك. من أقواله: " من طلب الحديث، فقد طلب أعلى الأمور، فيجب أن يكون خير الناس." الوفاة: قال محمد بن سعد: " مات بالبصرة ليلة الخميس، لأربع عشرة ليلة خلت من ذى الحجة سنة اثنتى عشرة ومئتين، فى خلافة عبد الله بن هارون ". وهو ابن تسعين سنة وأربعة أشهر. وقيل ثلاث عشرة، وقيل سنة أربع عشرة ومئتين، قاله البخارىُّ. الحديث الأول ١ - حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ مَنْ يَقُلْ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ. (١٠٩، حـ١ صـ٢٥٥) الشرح: وقد نص الحافظ فى الفتح على أن هذا الحديث هو أول ثلاثى وقع فى البخارى، كما نص على ذلك الكرمانىُّ أيضاً فى شرحه للبخارى. والحديث أخرجه البخارى فى كتاب العلم " باب إثم من كذب على النبى ﷺ " ورواه أحمد ومسلم والحاكم والطبرانى والدارقطنى وأصحاب السنن، وغيرهم عن جمعٍ غفيرٍ من الصحابه منهم العشرة المبشرة، قال ابو بكر الصيرفى كما نقل النووى فى شرح مسلم: " ولا يعرف حديث اجتمع فيه على روايته العشرة إلا هذا " والحديث يتناول عظم الكذب على النبىِّ ﷺ لأن الكذب على النبى ﷺ ليس ككذبٍ على غيره. وقد روى البخارى فى نفس الباب نفس الحديث عن عَلىٍّ والزبير وأنس وأبى هريرة بألفاظ متقاربة، وتخويف رسول الله ﷺ أمته بالنار على الكذب دليلٌ على أنه كان يعلم أنه سيكذب عليه، كما فى التمهيد لابن عبد البر.

стр. 52

وقد كثر هذا الكذب عليه ﷺ فقد قال حماد بن زيد: " وضعت الزنادقة على رسول الله ﷺ اثنى عشر ألف حديث بثوها في الناس ". وعلم الصحابة هذا الأمر من بعدهم فقد رُوِى وإن كان فى سنده ابن لهيعة، عن عقبة بن نافع قال لبَنِيه: " يا بني لا تقبلوا الحديث عن رسول الله ﷺ إلا من ثقة " وانتقل الأمر لمن بعدهم، فعن عبد الرحمن بن مهدي كما فى التمهيد لابن عبد البر قال: " سألت شعبة وابن المبارك والثوري ومالك بن أنس عن الرجل يتهم بالكذب فقالوا انشره " وفى الحديث ثلاث عشرة مسألة: الأولى: معنى " فليتبوأ " كجزاء للمُتَقَوِّل عليه ﷺ . قال ابن حجر: " أي فليتخذ لنفسه منزلا، يقال تبوأ الرجل المكان إذا اتخذه سكنا، وهو أمر بمعنى الخبر أيضا، أو بمعنى التهديد، أو بمعنى التهكم، أو دعاء على فاعل ذلك أي: بوأه الله ذلك. وقال الكرماني: يحتمل أن يكون الأمر على حقيقته، والمعنى من كذب فليأمر نفسه بالتبوء ويلزم عليه كذا، قال: وأولها أولاها، فقد رواه أحمد بإسناد صحيح عن ابن عمر بلفظ " بني له بيت في النار " قال الطيبي: فيه إشارة إلى معنى القصد في الذنب وجزائه، أي كما أنه قصد في الكذب التعمد فليقصد بجزائه التبوء." ولم يذكر النبىُّ هذا الجزاء لمن يتقول عليه فقط، ولكن ذكر التبوء هذا لأكثر من معصية، وقد جَمعتُ فى ذلك رسالة (ذكر الآثار .. التى ذَكَرَتْ من يتبوأ مقعده من النار).

стр. 53

وقال النووى (١): " معنى الحديث أن هذا جزاؤه وقد يجازى به وقد يعفو الله الكريم عنه ولا يقطع عليه بدخول النار، وهكذا سبيل كل ما جاء من الوعيد بالنار لأصحاب الكبائر غير الكفر فكلها يقال فيها هذا جزاؤه وقد يجازى وقد يعفى عنه، ثم إن جوزي وأدخل النار فلا يخلد فيها، بل لابد من خروجه منها بفضل الله تعالى ورحمته، ولا يخلد فى النار أحدٌ مات على التوحيد، وهذه قاعدة متفق عليها عند أهل السنة ". الثانية: هل الوعيد المذكور خاص بنسبة قول ٍ إلى النبى لم يقله دون نسبة الفعل؟ قال ابن حجر فى ذلك: " وذكر القول لأنه الأكثر وحكم الفعل كذلك لاشتراكهما فى علة الامتناع وقد دخل الفعل في عموم حديث الزبير وأنس لتعبيرهما بلفظ الكذب عليه ومثلهما حديث أبي هريرة فلا فرق في ذلك بين أن يقول قال رسول الله ( ﷺ ) كذا وفعل كذا إذا لم يكن قاله أو فعل ". الثالثة: قوله " علىَّ " هل يخرج بها الكذب للنبى لا عليه، كوضع أحاديث فى الترغيب والترهيب؟ كل أهل العلم قاطبة يقولون بتحريم الكذب سواء عليه أو له، وقد خالف فى ذلك الكرامية حيث جوزوا وضع الكذب في الترغيب والترهيب في تثبيت ما ورد في القرآن والسنة واحتجوا بأنه كذب له لا عليه، وهو جهل باللغة العربية. وتمسك بعضهم بما ورد في بعض طرق الحديث من زيادة لم تثبت وهي ما أخرجه البزار من حديث ابن مسعود بلفظ: " من كذب علي ليضل به الناس " وقد ضعفه ابن حجر وقال: وعلى تقدير ثبوته فليست اللام فيه للعلة بل للصيرورة، وقال أيضاً: " ولفظة " علىَّ " ليس لها مفهوم مخالف ". الرابعة: هل الكذب المنهى عنه هو الكذب الخاص بأمر الدين أم هو نهىٌ عام؟ قال ابن بطال فى شرحه للبخارى (٢):

стр. 54

" فإن قيل: ذلك عامٌ فى كل كذب فى أمر الدين، وغيره أو فى بعض الأمور؟. قيل: قد اختلف السلف فى ذلك، فقال بعضهم: معناه الخصوص، والمراد: من كذب عليه فى الدين، فنسب إليه تحريم حلال، أو تحليل حرام متعمدًا." وقال النووى (١): "والصواب فى ذلك أن قوله على العموم فى كل من تعمد عليه كذبًا فى دين أو دنيا، لأنه ( ﷺ ) كان ينهى عن معانى الكذب كلها إلا ما رخَّص فيه من كذب الرجل لامرأته، وكذلك فى الحرب، والإصلاح بين الناس. ا-هـ وقال ابن دقيق العيد: " والصوابُ عُمومه فى كل خبَر تُعُمد به الكذب عليه ( ﷺ ) " وقال ابن حجر: " هو عام فى كل كاذبٍ، مطلقٌ فى كل نوع من الكذب، ومعناه لا تنسبوا الكذب إلىّ " الخامسة: هل الكذب المنهى عنه متوقف على حال اليقظة فقط أم يدخل فيه حال المنام؟ قال ابن حجر فى سبب ذكر حديث أبى هريرة بطوله فى الباب رغم أنه مخالفٌ لعمل البخارى فى ذكر محل الشاهد فقط من الحديث وفيه " من رآنى فى المنام فقد رآنى " قال: وإنما ساقه المؤلف بتمامه ولم يختصره كعادته لينبه على أن الكذب على النبي ﷺ يستوي فيه اليقظة والمنام. وقد ذكر النبىُّ ذلك صراحةً كما عند البخارى من حديث واثلة بن الأسقع عن رسول الله ﷺ قال (إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْفِرَى أَنْ يَدَّعِيَ الرَّجُلُ إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ أَوْ يُرِيَ عَيْنَهُ مَا لَمْ تَرَ أَوْ يَقُولُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما لم يقل) وفى رواية ابن عمر عند البخارىِّ ايضاً قال ﷺ : " إِنَّ مِنْ أَفْرَى الْفِرَى أَنْ يُرِيَ عَيْنَيْهِ مَا لَمْ تَرَ" قال ابن حجر: " أي يدعي أن عينيه رأتا في المنام شيئا ما رأتاه، ولأحمد وابن حبان والحاكم من وجه آخر عن واثلة " أن يفتري الرجل على عينيه فيقول رأيت ولم ير في المنام شيئا ".

стр. 55

وقال العينى فى عمدة القارى: " فإن قلت إن كذبه في المنام لا يزيد على كذبه في اليقظة فلم زادت عقوبته؟ قلت: " لأن الرؤيا جزء من النبوة، والنبوة لا تكون إلا وحيا، والكاذب في الرؤيا يدعي أن الله أراه ما لم يره، وأعطاه جزءا من النبوة ولم يعطه، والكاذب على الله أعظم فرية ممن كذب على غيره ". السادسة: هل يؤخذ من الحديث تحريم الرواية بالمعنى؟ اختلف أهل العلم فى الرواية بالمعنى وهذ الحديث مما احتج به القائلين بالمنع، قال ابن حجر: " وقد تمسك بظاهر هذا اللفظ من منع الرواية بالمعنى. وأجاب المجيزون عنه بأن المراد النهي عن الإتيان بلفظ يوجب تغير الحكم مع أن الإتيان باللفظ لا شك في أولويته. والله أعلم." والراجح جواز المعنى بشروط. قال النووى: " لمن هو كامل المعرفة " ثم قال النووى: " قال العلماء: ويستحب لمن روى بالمعنى أن يقول بعده أوكما قال أو نحو هذا كما فعلته الصحابة فمن بعدهم والله أعلم. السابعة: لماذا هذا الوعيد متعلقٌ بالكذب على النبي ( ﷺ ) دون غيره رغم أن الكذب كله حرام؟ الكذب على النبى ﷺ ليس ككذبٍ على غيره كما فى حديث المغيرة فى الجنائز، حيث أن التقول على النبى ( ﷺ ) يقتضى الكذب على الله فيدخل فى الدين ما ليس منه أو يخرج منه ما هو فيه، فإن كان الكذب حرامٌ إلا ما استثناه الشرع، فهنا قد ضم ذنباً آخر، ألا وهو: أن الذى يكذب على النبى ( ﷺ ) جعل نفسه شريكاً لله فى التشريع. وكفى به ذنباً. وقال إمام الحرمين (١): " وإنما كان هذا الوعيد لعظم مفسدته - أى الكذب على النبىِّ - فانه يصير شرعا مستمرا إلى يوم القيامة بخلاف الكذب على غيره والشهادة فان مفسدتهما قاصرة ليست عامة"

стр. 56

وقال على القارى فى " تعليقاته ": ولا يبعد أن يقال: الكذب عليه كبيرة وعلى غيره صغيرة وقد تكفر الصغائر عند اجتناب الكبائر، فالمراد: أن الكذب عليه يجعل النار مسكناً لفاعله البته، بخلاف الكذب على غيره فإنه تحت المشيئة وقابل للعفو والشفاعة، فيكون مآل الحال إلى أن الأمر للتأكيد فى الوعيد، وللتشديد فى التهديد ". الثامنة: كيف تعامل الصحابة مع هذا النص النبوى؟ قال ابن حجر وهو يعلق على حديث الزبير لما سأله ابنه عامر:" إنى لا أسمعك تحدث عن رسول الله ( ﷺ ) كما يحدث فلانٌ وفلان؟ فأجابه بعظم الأمر كما بينه هذا الحديث، قال: " فمن ثم توقف الزبير وغيره من الصحابة (١) عن الإكثار من التحديث. وأما من أكثر منهم فمحمول على: - أنهم كانوا واثقين من أنفسهم بالتثبت .. - أو طالت أعمارهم فاحتيج إلى ما عندهم فسئلوا فلم يمكنهم الكتمان. ﵃. فبهذا الكلام قد ذهب الصحابة إلى التقليل من التحديث إلا إذا احتيج إلى ذلك، لأن الإكثار مظنة الوقوع فى الخطأ، يقول ابن حجر مدافعاً عن مذهب ابن الزبير: " ما ذهب إليه من اختيار قلة التحديث دليل للأصح في أن الكذب هو الإخبار بالشيء على خلاف ما هو عليه سواء كان عمدا أم خطأ، والمخطئ وإن كان غير مأثوم بالإجماع لكن الزبير خشي من الإكثار أن يقع في الخطأ وهو لا يشعر؛ لأنه وإن لم يأثم بالخطأ لكن قد يأثم بالإكثار إذ الإكثار مظنة الخطأ، والثقة إذا حدث بالخطأ فحمل عنه وهو لا يشعر أنه خطأ يعمل به على الدوام للوثوق بنقله، فيكون سببا للعمل بما لم يقله الشارع، فمن خشي من إكثار الوقوع في الخطأ لا يؤمن عليه الإثم إذا تعمد الإكثار " ا-هـ

стр. 57

وقال البغوى (١) معلقاً على الحديث: " ولذلك كره قوم من الصحابة والتابعين إكثار الحديث عن النبي ﷺ خوفا من الزيادة والنقصان، والغلط فيه، حتى إن من التابعين كان يهاب رفع المرفوع، فيوقفه على الصحابي، ويقول: الكذب عليه أهون من الكذب على رسول الله ( ﷺ )، ومنهم من يسند الحديث حتى إذا بلغ به النبي ( ﷺ ) قال: قال، ولم يقل: رسول الله، ومنهم من يقول: رفعه ومنهم من يقول: رواية، ومنهم من يقول: يبلغ به النبي ( ﷺ )، وكل ذلك هيبة للحديث عن رسول الله ( ﷺ ) وخوفا من الوعيد."اهـ وفى التمهيد (٢): عن طاوس قال: " كنت عند ابن عباس وبشير بن كعب العدوى يحدثه فقال ابن عباس: عُدْ لحديث كذا وكذا، فعاد له، ثم إنه حدث، فقال له ابن عباس: " عُدْ لحديث كذا وكذا "، فعاد له ثم إنه حدث، فقال له بشير: " ما لك تسألني عن هذا الحديث من بين حديثي كله؟! أأنكرت حديثي كله وعرفت هذا أو عرفت حديثي كله وأنكرت هذا؟! فقال له ابن عباس: " إنا كنا نحدث عن رسول الله ﷺ إذ لم يكن يكذب عليه فلما ركب الناس الصعب والذلول تركنا الحديث عنه." التاسعة: هل توبة من كذب على النبى ﷺ تؤثر فى الرواية عنه بعد ذلك؟ (٣) قال النووى نقلاً عن الجوينى: " من كذب على رسول الله ﷺ عمدا فى حديث واحد فسق وردت رواياتة كلها وبطل الاحتجاج بجميعها فلو تاب وحسنت توبته فذلك فيه خلاف:

стр. 58

قال جماعة من أهل العلم منهم؛ أحمد بن حنبل، وأبو بكر الحميدى شيخ البخارى، وصاحب الشافعى، وأبو بكر الصيرفى من فقهاء اصحابنا الشافعيين وأصحاب الوجوه منهم ومتقدميهم فى الاصول والفروع: " لا تؤثر توبته فى ذلك ولا تقبل روايته أبدا بل يحتم جرحه دائما ". وأطلق الصيرفى وقال: "كل من أسقطنا خبره من أهل النقل بكذب وجدناه عليه لم نعد لقبوله بتوبة تظهر ومن ضعفنا نقله لم نجعله قويا بعد ذلك ". وقال النووىُّ معلقاً: وهذا الذى ذكره هؤلاء الأئمة ضعيف مخالف للقواعد الشرعية والمختار القطع بصحة توبته فى هذا وقبول رواياته بعدها إذا صحت توبته بشروطها المعروفة وهى الإقلاع عن المعصية والندم على فعلها والعزم على أن لايعود إليها فهذا هو الجاري على قواعد الشرع وقد أجمعوا على صحة رواية من كان كافرا فأسلم وأكثر الصحابة كانوا بهذه الصفة وأجمعوا على قبول شهادته ولا فرق بين الشهادة والرواية فى هذا والله أعلم. العاشرة: هل الكذب يشترط فيه العمد أم يستوى فيه العمد والسهو. قال النووى فى شرح مسلم: مذهب أهل السنة أن الكذب يتناول أخبار العامد والساهى عن الشيء بخلاف ما هو عليه فى الحقيقة، خلافاً للمعتزلة الذين اشترطوا العمد. وفصل ابن مفلح مذهب المعتزلة فقال: " وعند بعض المتكلمين شرط الكذب العمدية وعند بعضهم أيضا يعتبر للصدق الاعتقاد وإلا فهو كاذب ". ولأهل السنة أدلتهم فى ذلك، وهى كثيرة، منها: حديث سلمة؛ الثانى عشر من هذه الثلاثيات وفيه: " أن عامراً أصاب نفسه فى المعركة، فمات فَقَالَ الْقَوْمُ: حَبِطَ عَمَلُهُ، قَتَلَ نَفْسَهُ، فأتى سلمةُ النبىَّ ﷺ فقال له: " إن الناس يزعمون أن عامراً قتل نفسه، فقال: " كذب من قالها " فحكم النبىُّ ﷺ على قولهم أنه كذب رغم أنهم ما قصدوا كذباً ومن الأدلة أيضاً: حديث سعد بن عبادة عند البخارىَِّ أنه قال يوم فتح مكة: يا أبا سفيان اليوم

стр. 59

يوم الملحمة، اليوم تستحل الكعبة، فأخبر أبو سفيان بذلك رسول الله ﷺ فقال: " كذب سعد " ولكن هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة ويوم تكسى فيه الكعبة. فحكم النبىُّ ﷺ على قوله بالكذب رغم أنه لم يقصد كذباً. ومن الأدلة أيضاً ما رواه مسلم، عن جابر أن عبدا لحاطب جاء إلى رسول الله ﷺ يشكو حاطبا فقال: " يا رسول الله ليدخلن حاطب النار، فقال النبي ﷺ : كذبت لا يدخلها فإنه قد شهد بدرا والحديبية " فحكم النبى ﷺ بالكذب رغم أنه لم يقصد كذباً. فهذه جملة من الأدلة تثبت ما ذهب إليه أهل السنة من تساوى العمد والسهو فى الكذب. وقد ذكر مثل هذا الكلام وهذه الأدلة ابنُ مفلح فى " الآداب الشرعية ". (١) الحادية عشر: كيف الهروب من الوقوع فى الكذب. أول أمر يبعد الإنسان به الكذب عن نفسه أن يستثنى فيقول " إن شاء الله "، عملاً بقول الله سبحانه: " وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ..... (٢٤) " الكهف. والعلماء فى الاستثناء المذكور فى الآية طرفان ووسط (٢): * قال بعضهم: إن المعنى إذا نسيت الاستثناء ثم ذكرت فقل إن شاء الله ولو كان بعد سنة. * وقال بعضهم: قالوا لا يصح الاستثناء إلا متصلا. * وجمع ابن جرير بين المذهبين فقال: الصواب له أن يستثنى ولو بعد حِنثه في يمينه، فيقول إن شاء الله ليخرج بذلك مما يلزمه في هذه الآية، فيسقط عنه الحرج، فأما الكفارة فلا تسقط عنه بحال إلا أن يستثني متصلا بكلامه، ومن قال له ثنياه ولو بعد سنة أراد سقوط الحرج الذي يلزمه بترك الاستثناء دون الكفارة.

стр. 60

قال ابن الجوزي فائدة الاستثناء خروج الحالف من الكذب إذا لم يفعل ما حلف عليه قال موسى ﵇ ﴿ستجدني إن شاء الله صابرا﴾ ولم يصبر فسلم منه بالاستثناء. الثانية عشر: هل على الكاذب كفارة. قال ابن مفلح (١): " الكذب ليس فيه كفارة، وهو أشد من اليمين، لأن اليمين تكفر والكذب لا يكفر " فالكفارة المذكورة فى المسألة السابقة إنما يكون لمن حلف ثم حنث فى يمينه، أما من غير يمين فهو كذب، وإن استثنى فلا شىء عليه. الثالثة عشر: هل هناك من الكذب ما هو جائز. هناك صورٌ اجاز الشرع فيها الكذب للمصلحة: من ذلك كذب الرجل على امرأته، وفى الحرب ولإصلاح ذات البين. فعن شهر عن أسماء بنت يزيد مرفوعا (٢) " كل الكذب يكتب على ابن آدم إلا ثلاث خصال إلا رجل كذب لامرأته ليرضيها أو رجل كذب في خديعة حرب أو رجل كذب بين امرأين مسلمين ليصلح بينهما ". وروى البخارى ومسلم نحوه. ومن الجائز أيضاً: المعاريض، وقد بوب البخارىُّ على ذلك فقال: " وفى المعاريض مندوحةٌ عن الكذب "، وفى تفسير ابن الجوزى فى قوله (٣): " بل فعله كبيرهم هذا " (الأنبياء، ٦٣) قال: " المعاريض لا تذم إذا احتيج إليها " وذكر أدلةً على هذا منها: قال عمر بن الخطاب ﵁: " ما يسرني أن لي بما أعلم من معاريض القول مثل أهلي ومالي " وقال النخعي: " لهم كلام يتكلمون به إذا خشوا من شيء يدرؤون به عن أنفسهم" وقال ابن سيرين: " الكلام أوسع من أن يكذب ظريف " ومن الفوائد التى فى الحديث ما ذكره النووى فى مقدمة مسلم (٤) ١ - تقرير هذه القاعدة لأهل السنة أن الكذب يتناول أخبار العامد والساهى عن الشيء بخلاف ما هو عليه فى الحقيقة، خلافاً للمعتزلة الذين اشترطوا العمد.

стр. 61

٢ - تعظيم تحريم الكذب عليه ﷺ وأنه فاحشة عظيمة وموبقة كبيرة ولكن لا يكفر بهذا الكذب إلا أن يستحله. وقال البغوى (١): إعلم أن الكذب على النبي ( ﷺ ) أعظم أنواع الكذب بعد كذب الكافر على الله، وقد قال النبي ( ﷺ ): " إن كذبا علي ليس ككذبٍ على أحد، من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ". ٣ - لافرق فى تحريم الكذب عليه ﷺ بين ما كان فى الأحكام وما لا حكم فيه كالترغيب والترهيب والمواعظ وغير ذلك فكله حرام من أكبر الكبائر وأقبح القبائح باجماع من يعتد بهم فى الاجماع خلافا للكرامية. ٤ - من كذب على رسول الله ﷺ عمدا فى حديث واحد فسق وردت رواياتة كلها وبطل الاحتجاج بجميعها. ٥ - يحرم رواية الحديث الموضوع على من عرف كونه موضوعا أو غلب على ظنه وضعه فمن روى حديثا علم أو ظن وضعه ولم يبين حال روايته ووضعه فهو داخل فى هذا الوعيد مندرج فى جملة الكاذبين على رسول الله ﷺ . الحديث الثانى ٢ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ قَالَ كَانَ جِدَارُ الْمَسْجِدِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ مَا كَادَتْ الشَّاةُ تَجُوزُهَا. (٤٩٧، طرفه رقم ٧٣٣٤) الشرح: هذا الحديث هو ثانى ثلاثيات البخارى كما نص عليه الحافظ فى الفتح. وقد اخرجه البخارى فى كتاب الصلاة، باب " قدر كم ينبغى أن يكون بين المصلى والسترة ".

стр. 62

والحديث ينقل لنا مشروعية اتخاذ السترة والمسافة بين المصلى وسترته، والشاهد من قوله " جدار المسجد عند المنبر" ما قاله ابن حجر فى الفتح عن الكرمانىُّ أن النبى ﷺ كان يصلى بجانب المنبر ولم يكن لمسجده محراب فكانت المسافة بين النبى والجدار هى نفس المسافة بين المنبر والجدار، ثم نقل معنىً آخر عن ابن رشيد، وهو أن البخارى أراد بالترجمة ما جاء فى حديث سهل بن سعد من أن النبى صلى على المنبر فتكون المسافة بينه وبين جدار المسجد كسترة هى مسافة المنبر من الجدار وهى " ما كادت الشاة تجوزها " ثم لما كان يسجد فى أصل المنبر كانت درجة المنبر هى السترة له وهى بنفس القدر السابق. وفى الحديث عشر مسائل: الأولى: حكم السترة. السترة مشروعة فقد حافظ عليها النبى ( ﷺ ) فى كل مواطن صلاته، والعلماء فيها على مذهبين: الأول: أنها على الندب وذلك عند الجمهور، ومن أدلتهم أنه قد روى عنه ( ﷺ ) أنه صلى إلى غير سترة، فقالوا أن هذا صرف الأمر من الوجوب إلى الاستحباب. الثانى: أنها واجبة، ومن أدلتهم أن النبى ( ﷺ ) أمر بها وحافظ عليها طول عمره، وأولوا حديث: " أنه صلى إلى غير جدار " فقال الشوكانىُّ: " ولكنه قد تقرر في الأصول أنَّ فِعْلَه ﷺ لا يعارض القول الخاص بنا وتلك الأوامر السابقة خاصة بالأمة فلا يصلح هذا الفعل أن يكون قرينة لصرفها " ومن القائلين بالوجوب الشيخ الألبانى ﵀ الثانية: كم تكون المسافة بين المصلى والسترة؟ قال البغوي: استحب أهل العلم الدنو من السترة بحيث يكون بينه وبينها قدر إمكان السجود وكذلك بين الصفوف " وقد أمر النبى ( ﷺ ) الدنو من السترة كما عند أبى داود.

стр. 63

وقد جاءت الروايات التى تذكر صفة صلاة النبى ﷺ ، بأن المسافة كانت قدر ممر الشاة، وأخرى تقول ثلاثة أذرع، فقال ابن بطال اقل المسافة ممر الشاة. وجمع الداودي بأن أقله ممر الشاة وأكثره ثلاثة أذرع، وجمع بعضهم فقال قدر ممر الشاة حال السجود والركوع، والثلاثة أذرع حال القيام كما ذكر ذلك ابن حجر فى الفتح. الثالثة: الحكمة من اتخاذ السترة. قال الشوكانىُّ فى نيل الأوطار: " قال العلماء: والحكمة في السترة كف البصر عما وراءها ومنع من يجتاز بقربه " وقال أيضاً: " والحكمة في الأمر من الدنو أن لا يقطع الشيطان عليه صلاته كما أخرجه أبو داود. والمرادُ بالشيطانِ المارُّ بين يدي المصلي كما في حديث (فإن أبَى فليقاتله فإنما هو شيطان) قال في شرح المصابيح: معناه يدنو من السترة حتى لا يوسوس الشيطان عليه صلاته. الرابعة: مقدار ارتفاع السترة. قال النووي: ويحصل بأي شيء أقامه بين يديه. وقال ابن حجر: " اعتبر الفقهاء مؤخرة الرحل في مقدار أقل السترة، واختلفوا في تقديرها بفعل ذلك. فقيل ذراع، وقيل ثلثا ذراع وهو أشهر " ا. هـ وقال الشوكانى: " السترة لا تختص بنوع بل بكل شيء ينصبه المصلي تلقاء وجهه يحصل به الامتثال" وقال أيضاً: " السترة تحصل بكل شيء ينصب تجاه المصلي وإن دق " أما الخط فالراجح من كلام أهل العلم كما ذهب الإمام مالك وعامة الفقهاء أنه لا يجزئ، واعتذروا بضعف الحديث. وقالوا: " الغرض من السترة الإعلام وهو لا يحصل بالخط " خلافاً لما ذهب إليه أحمد والشافعى فى رواية عنه. الخامسة: هل السترة خاصة بالفضاء أم بأي مكان؟

стр. 64

قال الشوكانى: الأحاديث تدل على عدم الفرق بين الصحاري والعمران وهو الذي ثبت عنه ﷺ من اتخاذه السترة سواء كان في الفضاء أو في غيره وحديث أنه كان بين مصلاه وبين الجدار ممر شاة ظاهر أن المراد في مصلاه في مسجده لأن الإضافة للعهد، وكذلك حديث صلاته في الكعبة المتقدم فلا وجه لتقييد مشروعية السترة بالفضاء، وكذلك التسوية بين مكة وغيرها من البلدان وبين المسجد الحرام وغيره من المساجد لا فرق فى ذلك على الراجح من كلام أهل العلم. السادسة: وهل تشرع في موضع يأمن المصلى المرور بين يديه؟ قال النووى (١): " واختلفوا إذا كان في موضع يأمن المرور بين يديه، وهما قولان في مذهب مالك ومذهبنا أنها مشروعة مطلقا لعموم الأحاديث، ولأنها تصون بصره، وتمنع الشيطان المرور والتعرض لإفساد صلاته كما جاءت الأحاديث." وقال ابن الهمام من الحنفية: " لا بأس بترك السترة إذا أمن المرور " السابعة: حكم المدافعة. قال الشوكانىُّ: " قال النووي: لا أعلم أحدا من الفقهاء قال بوجوب هذا الدفع، وتعقبه الحافظ بأنه قد صرح بوجوبه أهل الظاهر اهـ. وظاهر الحديث معهم " وقال أيضاً: " وحكى القاضي عياض وابن بطال الإجماع على أنه لا يجوز له المشي من مكانه ليدفعه ولا العمل الكثير في مدافعته لأن ذلك أشد في الصلاة من المرور ". وقال أيضاً: " قال الحافظ: وذهب الجمهور إلى أنه إذا مر ولم يدفعه فلا ينبغي له أن يرده لأن فيه إعادة للمرور. قال: وروى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود وغيره أن له ذلك ". السابعة: أمْرُ النبي ( ﷺ ) بمدافعة المار بين يدى المصلى هل هو لكل مصلى؟ قال النووي: واتفقوا على أن هذا كله لمن لم يفرط في صلاته بل احتاط وصلى إلى سترة أو في مكان يأمن المرور بين يديه "

стр. 65

وقال الشوكانى: " لا يجوز الدفع والمقاتلة إلا لمن كان له ستر، ثم قال: " وقد قيد بما إذا كان منفردا أو إماما وأما إذا كان مؤتما فسترة الإمام سترة له ". الثامنة: هل على المصلى شىءٌ إذا أُصيب المدفوع؟ قال الشوكانىًُّ: " قال القاضي عياض: فإن دفعه بما يجوز فهلك فلا قَوَد عليه باتفاق العلماء. وهل تجب دية أم يكون هدرا؟ مذهبان للعلماء: وهما قولان في مذهب مالك ". التاسعة: هل المقاتلة لخلل يقع في صلاة المصلي من المرور بين يديه أو لدفع الإثم عن المار؟ مذهبان لأهل العلم، ذكرهما الشوكانىُّ فقال: الأول: قال ابن أبى جمرة: الظاهر لدفع الإثم عن المار. الثانى: قال الحافظ: " وقال غيره بل الأول أظهر لأن إقبال المصلي على صلاته أولى من اشتغاله بدفع الإثم عن غيره. وقد روى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود أن المرور بين يدي المصلي يقطع نصف صلاته. وروى أبو نعيم عن عمر: " لو يعلم المصلي ما ينقص من صلاته بالمرور بين يديه ما صلى إلا إلى شيء يستره من الناس ". قال: فهذان الأثران مقتضاهما أن الدفع لخلل يتعلق بصلاة المصلي ولا يختص بالمار وهما وإن كانا موقوفين لفظا فحكمهما حكم الرفع لأن مثلهما لا يقال بالرأي " اهـ من فوائد الحديث: ١ - الإهتمام بكل مفردة من مفردات الدين، وعدم الإحتجاج بأن هذا من الأصول وهذا من الفروع، فقد رأينا مدى اهتمام النبىِّ ﷺ بالسترة، واهتمام الصحابة من بعده، وإن كان هذا الأمر فى أعيننا هيناً. ٢ - الإهتمام بكل ما يساعد فى الخشوع فى الصلاة، وتفريغ الأعضاء من الشواغل، فاتخاذ السترة، من مشروعيته أنه يجعل المصلى لا ينشغل بالمارِّ بين يديه. ٣ - إبعاد كل ما يكون سبباً فى إنقاص الأجر فى الطاعات، وخاصةً الصلاة لقول عمر ﵁: " لو يعلم المصلي ما ينقص من صلاته بالمرور بين يديه ما صلى إلا إلى شيء يستره من الناس ".

стр. 66

٤ - وفيه الدقه والضبط فى نقل العلم، فإن سلمة قال: " مَا كَادَتْ الشَّاةُ تَجُوزُهَا " ٥ - فيه دليل على مخالفة هدى النبى ﷺ فى ارتفاع المنبر. ٦ - جواز التعدى على الآخرين فى ما جاء الشرع بجوازه، فهنا التعدى والمقاتلة للمار بين يدى المصلى. ٧ - وفيه سترة الإمام سترة للمأمومين. الحديث الثالث ٣ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ كُنْتُ آتِي مَعَ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ فَيُصَلِّي عِنْدَ الْأُسْطُوَانَةِ الَّتِي عِنْدَ الْمُصْحَفِ فَقُلْتُ يَا أَبَا مُسْلِمٍ أَرَاكَ تَتَحَرَّى الصَّلَاةَ عِنْدَ هَذِهِ الْأُسْطُوَانَةِ قَالَ فَإِنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَتَحَرَّى الصَّلَاةَ عِنْدَهَا. (٥٠٢) الشرح: نص الحافظ فى الفتح على أن هذا الحديث ثالث ثلاثيات البخارى هذا الحديث أخرجه البخارى فى كتاب الصلاة فى باب " السترة بمكة وغيرها "، ومسلم فى كتاب الصلاة باب " دنو المصلى من السترة " وفيه: " كان يتحرى موضع مكان المصحف يسبح فيه " والتسبيح هو: صلاة النافلة. والحديث ينقل لنا مشروعية اتخاذ السترة للمصلى كما بينا فى الحديث السابق، وفيه أيضاً مدى متابعة الصحابة للنبى ( ﷺ ) ومحبتهم له. وهذا الحديث قد ساوى فيه البخاري شيخه أحمد بن حنبل، فإنه أخرجه في مسنده عن مكي بن إبراهيم. *وقوله "الأسطوانة " قال ابن حجر: " والغالب أنها من بناء، بخلاف العمود فإنه من حجر واحد. أما عن الشاهد من الحديث فقال ابن حجر:" قال ابن بطال: لما تقدم أنه ( ﷺ ) كان يصلي إلى الحربة، كانت الصلاة إلى الأسطوانة أولى لأنها أشد سترة ".

стр. 67

* وقوله: "التي عند المصحف" قال ابن حجر: "هذا دال على أنه كان للمصحف موضع خاص به، ووقع عند مسلم بلفظ: "يصلي وراء الصندوق " وكأنه كان للمصحف صندوق يوضع فيه، والأسطوانة المذكورة حقق لنا بعض مشايخنا أنها المتوسطة في الروضة المكرمة، وأنها تعرف بأسطوانة المهاجرين." ا. هـ وفيه ثلاث مسائل: ولورود هذا الحديث فى باب السترة فى مكة وجب ذكرُ مسألةٍ لم تذكر فى جملة المسائل السابقة فى الحديث السابق، وهى: الأولى: هل تشرع السترة فى مكة أم لها حكم آخر؟ قال ابن حجرفى الفتح (١): قال ابن المنير: إنما خص مكة بالذكر دفعا لتوهم من يتوهم أن السترة قِبلة، ولا ينبغي أن يكون لمكة قِبلة إلا الكعبة، فلا يحتاج فيها إلى سترة. انتهى. والذي أظنه أنه أراد أن ينكت على ما ترجم به عبد الرزاق حيث قال في " باب لا يقطع الصلاة بمكة شيء " عن كثير بن كثير بن المطلب عن أبيه عن جده قال " رأيت النبي ﷺ يصلي في المسجد الحرام ليس بينه وبينهم - أي الناس - سترة " وأخرجه من هذا الوجه أصحاب السنن، فقال ابن حجر: " ورجاله موثقون إلا أنه معلول " ثم قال: " فأراد البخاري التنبيه على ضعف هذا الحديث وأن لا فرق بين مكة وغيرِها في مشروعية السترة "، واستدل على ذلك بحديث أبي جحيفة وفيه " أن النبى ( ﷺ ) صلى بهم بالبطحاء -وبين يديه عنزة - ... " وهذا هو المعروف عند الشافعية وأن لا فرق في منع المرور بين يدي المصلي بين مكة وغيرها. واغتفر بعض الفقهاء ذلك للطائفين دون غيرهم للضرورة، وعن بعض الحنابلة جواز ذلك في جميع مكة. الثانية: كيف التوفيق بين قوله: " الأسطوانة " التى هى من بناء وبين ما ثبت عند البخارى من حديث ابن عمر أن أعمدة مسجد النبى ( ﷺ ) كانت من خشب نخل؟

стр. 68

قال على القارى (١): " الجواب: أن يكون قول الراوى " فيصلى عند الأسطوانة " فى خلافة عثمان (﵁)، فإنه جدد عمارة المسجد النبوى وبناه مزخرفاً، فالإسطوانة كانت - حينئذ - مبنية بالحجارة والجص فلا محذور، ويؤيده قوله: " التى عند المصحف".ا. هـ. فلم يكن على عهد النبى ( ﷺ ) هذا المصحف. الثالثة: ما هو المراد بالمصحف؟ قال القارى: " المراد بالمصحف ما جمع فى زمن عثمان وكتب فى محل واحد؛ فإن القرآن قبل ذلك كتب فى صحفٍ متفرقة إلى أن ولى عثمان الخلافة فأمر بجمع الصحف فى محل واحد، وأمر أن تكتب ستة مصاحف وبعث بها، واحداً إلى مكة، وإلى البصرة واحداً، وإلى الكوفة واحداً، وإلى الشام آخر، وآخر إلى البحرين، وأمسك عنده واحداً وهو الذى يوضع فى صندوق موضوع بجنب الأسطوانة المتوسطة فى المسجد النبوىّ، وكان سلمةُ أدرك عثمان بالاتفاق ". الرابعة: كيف التوفيق بين تحريه الصلاةفى موطن واحد، ونهى النبىِّ عن إيطان الرجل موضعاً من المسجد يلازمه. قال النووى فى شرح مسلم (٢): " وفي هذا أنه لا بأس بإدامة الصلاة في موضع واحد إذا كان فيه فضل، وأما النهي عن ايطان الرجل موضعا من المسجد يلازمه فهو فيما لا فضل فيه ولا حاجة إليه فأما ما فيه فضل فقد ذكرناه، وأما من يحتاج إليه لتدريس علم أو للإفتاء أو سماع الحديث ونحو ذلك فلا كراهة فيه بل هو مستحب، لأنه من تسهيل طرق الخير، وقد نقل القاضي ﵁ خلاف السلف في كراهة الايطان لغير حاجة والاتفاق عليه لحاجة نحو ما ذكرناه ". من فوائد الحديث:

стр. 69

١ - اتخاذ السترة للمصلى، وهذا ظاهرٌ فى الحديث فإن النبى ( ﷺ ) كان يصلى عندها والصحابة من بعده كانوا يتحرون ذلك، ومن الأدلة؛ حديث أنس بن مالك فى البخارى فى الحديث الذى يلى حديث سلمة قال "لقد رأيت كبار أصحاب النبي ﷺ يبتدرون السواري عند المغرب " ٢ - مدى محبة الصحابة للنبى ( ﷺ ) فإنهم كانوا يقلدونه فيما يقدرون عليه، وهذا التقليد لا يصدر إلا عن محبة كما يقال: " إن المحب لمن يحب مطيع ". وأمثلة ذلك كثيرة منها قول أبى أيوب لما ترك النبى ( ﷺ ) الأكل من البصل فقال أبو أيوب " لا جرم أن أكره الذي تكره يا رسول الله ". ٣ - وجوب إفراد النبى ( ﷺ ) بالاتباع كما يفرد الله بالتوحيد والعبادة. ٤ - من بركة التعلم أن يستفهم الطالب أستاذه عن كل ما أشكل عليه، فإنما شفاء العىِّ السؤال. وهذا واضح من سؤال يزيد لسلمة ﵁. ٥ - وجوب الاتِّباع وإن لم تتضح الحكمة من وراء الفعل. فيزيد ﵀ سأل شيخه عن مسألة فلم يجبه عن علة الفعل إلا مجرد أنه رأى النبى ( ﷺ ) فعل ذلك. ٦ - وفيه تكريم المصحف الشريف فقد كان له صندوقٌ خاصٌ به كما فى رواية مسلم ٧ - وفيه التلطف فى السؤال والأدب فيه، والتقديم للسؤال بما يحبه الشيخ، فقد قال يزيد لسلمة: " يا أبا مسلم .. " فقد كناه، والكنية أحب إلى النفس. ٨ - وفيه السؤال على ما يستغربه المرء، إن كان فى ذلك منفعة. فقال يزيد لسلمة: " أراك تتحرى الصلاة عند هذه الاسطوانة ". ٩ - وفيه أنه لا بأس بإدامة الصلاة فى مكان واحد إذا كان فيه فضل. قاله النووى.

стр. 70

الحديث الرابع ٤ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ قَالَ كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الْمَغْرِبَ إِذَا تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ. (٥٦١) حـ٢ الشرح: نص الحافظ فى الفتح أن هذا الحديث من ثلاثيات البخارى، وهو فى "ثلاثيات مسند الإمام أحمد " وأورده البخارى فى كتاب مواقيت الصلاة، باب " وقت المغرب "، فقد قال الله تعالى " إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً " وموقوتاً أى موقتاً، وقته عليهم، كما قال البخارى. والميقات هو: القدر المحدد للفعل من الزمان أو المكان. والمقصود بـ " توارت بالحجاب " أى الشمس بدلالة لفظ المغرب عليها. وفى الحديث ثلاث مسائل: الأولى: متى يدخل وقت المغرب؟ قال ابن حجر: سقوط قرص الشمس يدخل به وقت المغرب، ولا يخفى أن محله ما إذا كان لا يحول بين رؤيتها غاربة وبين الرائى حائل. ا. هـ قال ابن رجب فى شرحه للبخارى: إن مجرد غيبوبة القرص يدخل به وقت صلاة المغرب، كما يفطر الصائم بذلك، وهذا إجماع من أهل العلم حكاه ابن المنذر وغيره. الثانية: متى يخرج وقت المغرب؟ العلماء على مذهبين فى ذلك، وقد نقل ذلك البدر العينى وابن رجب فى شرحيهما للبخارى، وهو بتصرف كالآتى: الأول: ذهب طائفة إلى أن للمغرب وقتاً واحداً حين تغرب الشمس، ويتوضأ ويصلي ثلاث ركعات، وهو قول ابن المبارك، ومالك في المشهور عنه، والأوزاعي، والشافعي في ظاهر مذهبه. وحجتهم حديث إمامة جبريل، وفيه " أنه صلى فى اليوم الأول والثانى المغرب حين غربت الشمس وقتاً " الثانى: أن وقته ممدود، وهو ما رجحه البخارى، ثم اختلفوا فى نهايته على أقوال: أ- متى غاب الشفق فات وقت المغرب، واختلفوا فى الشفق هل هو الحمرة أم البياض على قولين عند أحمد: * ومذهب الثوري ومالك والشافعي: أنه الحمرة.

стр. 71

* ومذهب أبي حنيفة والمزني ورواية عن مالك: أنه البياض، وقال البدر العينى: ورُوي ذلك عن أبي بكر الصديق وعائشة وأبي هريرة ومعاذ بن جبل وأبي ابن كعب وعبد الله بن الزبير. وذهب ابن حجر (١) إلى أن وقت المغرب ممتد إلى العشاء فقال: وذلك أنه لو كان مضيقا لانفصل عن وقت العشاء، ولو كان منفصلا لم يجمع بينهما كما في الصبح والظهر وقال: وأما الأحاديث التي أوردها في الباب فليس فيها ما يدل على أن الوقت مضيق، لأنه ليس فيها إلا مجرد المبادرة إلى الصلاة في أول وقتها، وكانت تلك عادته ﷺ في جميع الصلوات إلا فيما ثبت فيه خلاف ذلك. ب - وروي عن عطاء وطاوس: لا يفوت حتى يفوت العشاء بطلوع الفجر، وحكي رواية عن مالك، والأحاديث ترده. الثالثة: هل يستحب أن يفصل بين آذان المغرب وإقامتها بجلسة خفيفة؟ قال ابن رجب فى شرحه للبخارى: فيه قولان: أحدهما: يستحب، وهو قول النخعي والثوري وأحمد وإسحاق وأبي يوسف ومحمد. وقال أحمد: الفصل بينهما بقدر ركعتين كما كانوا يصلون الركعتين في عهد النبي (بين الأذان والإقامة للمغرب). والقول الثاني: لا يستحب الفصل بجلوس ولا غيره؛ لأن وقتها مضيق، وهو قول مالك. وقال أبو حنيفة: يفصل بينهما بسكتة بقدر ثلاث آيات قائماً؛ لأن مبناها على التعجيل، والقائم أقرب إليه، فإن وصل الإقامة بالأذان كره عنده. وعند الشافعي وأصحابه: يفصل بينهما فصلاً يسيراً بقعدة أو سكوت ونحوهما. من فوائد الحديث: ١ - مدى الاهتمام الكامل من الصحابة على مواقيت الصلاة خاصة وما كان عليه النبى ( ﷺ ) عامة. ٢ - من إقامة الصلاة المحافظة على أدائها فى أوقاتها. ٣ - فيه دليلٌ على قول النبىِّ ﷺ : " نحن أمة لا نكتب ولا نحسب ... " فكان اعتمادهم فى حساب المواقيت إنما هو حركة الشمس، وذلك فى قوله: " حتى توارت بالحجاب ".

стр. 72

الحديث الخامس والسادس ٥ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى ﷺ بَعَثَ رَجُلًا يُنَادِي فِي النَّاسِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ إِنَّ مَنْ أَكَلَ فَلْيُتِمَّ أَوْ فَلْيَصُمْ وَمَنْ لَمْ يَأْكُلْ فَلَا يَأْكُلْ. (١٩٢٤) ٦ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁ قَالَ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ أَنْ أَذِّنْ فِي النَّاسِ أَنَّ مَنْ كَانَ أَكَلَ فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَكَلَ فَلْيَصُمْ فَإِنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ" ... (٢٠٠٧) الشرح: الحديث الأول قال الكرمانىُّ عنه: " واعلم أن هذا الحديث خامس الثلاثيات ". وقد أخرجه البخارى فى كتاب الصوم، باب " إذا نوى بالنهار صوماً ". والحديث الثانى فى كتاب الصوم أيضاً، باب " صيام يوم عاشوراء "، وذكره فى كتاب أخبار الآحاد عن يزيد بسند رباعى، باب " ما كان يبعث النبى ( ﷺ ) من الأمراء والرسل واحداً بعد واحد " برقم (٧٢٦٣). وقد وقع للدارمى بسندٍ ثلاثى فالدارمي عبد الله بن عبد الرحمن له ثلاثيات منها كما في سننه أو مسنده هذا الحديث، قال: أخبرنا أبو عاصم عن يزيد بن أبى عبيد عن سلمة بن الأكوع: أن النبى ﷺ بعث يوم عاشوراء رجلا من أسلم "إن اليوم يوم عاشوراء فمن كان أكل أو شرب فليتم بقية يومه ومن لم يكن أكل أو شرب فليصمه "

стр. 73

ويوم عاشوراء: هو اليوم العاشر من المحرم خلافاً للقائلين بأنه اليوم التاسع، وهذا اليوم صامته اليهود لأنه اليوم الذى أنجى الله فيه موسى من الغرق، وكانت العرب تصومه فى الجاهلية، والسبب فى ذلك يحتمل ما ذكره ابن حجر عن عكرمة أنه سُئل عن ذلك فقال: " أذنبت قريش ذنباً في الجاهلية فعظم في صدورهم فقيل لهم: صوموا عاشوراء يكفر ذلك ". وصامه النبى ( ﷺ ) فى مكة وصامه فى المدينة تأكيدا فى فضله وموافقةً لأهل الكتاب لأنه كان يحب ذلك حتى يُنهى عنه، ثم انتهى الأمر به أنه سيخالفهم بإضافة التاسع إليه على الراجح من كلام أهل العلم. وهو من الأيام التى يتأكد استحباب صومها فقد قال النبى ( ﷺ ) كما عند مسلم من حديث أبى قتادة: " أحتسب على الله أن يكفر السنة التى قبله ". وفى الحديث ست مسائل: الأولى: هل يلزم فى صيام التطوع تبييت النية؟ فيه مذهبان لأهل العلم: قال ابن بطال (بتصرف) الأول: قول الجمهور وقالوا بجواز صوم النافلة بنية فى النهار. وسلكوا مسلك الجمع بين حديث حفصة وعائشة، فحملوا حديث حفصة على صيام الفرض، وحديث عائشة على صيام التطوع، وقد ثبت إنشاء النية فى النهار عن عبد الله بن مسعود، وابن عباس، وأبى أيوب، وأبى الدرداء وحذيفة وأبى طلحة. وذهب إليه شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم واختلفوا على أقصى المدة التى يجوز لمن أراد الصيام أن ينوى فيها على قولين: أ: لا تصح النية إلا قبل الزوال وهو قول أبى حنيفة والمشهور عن الشافعى. ب: أنه يصح فى أى وقت من النهار، وهو قول أحمد وقول للشافعى وهو قول أكثر السلف، واحتجوا بحديث سلمة بن الأكوع هذا وبحديث عائشة بنت طلحة عن عائشة أن النبى ﷺ كان يدخل على بعض أزواجه فيقول: (هل عنكم من غداء؟ فإذا قالوا: لا، قال: فإنى إذا صائم). الثانى: لا يصح صيام التطوع إلا بنية من الليل كالفرض سواء.

стр. 74

وذهب إليه مالك، وابن أبى ذئب، والليث، والمزنى، وابن حزم وتبعه الشوكانىُّ، وهو مذهب ابن عمر، وعائشة وحفصة، وحجتهم حديث حفصة، عن النبى ﷺ أنه قال: (من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له) قال النسائى: الصواب فى هذا الحديث أنه موقوف. وردوا على مذهب الأولين فقالوا: " حديث سلمة بن الأكوع فى صوم عاشوراء منسوخ فنسخت شرائطه، فلا يجوز رد غيره إليه، وحديث عائشة اضطرب فى إسناده. الثانية: صيام يوم عاشوراء كان فرضاً أم لا؟ اختلف أهل العلم فى ذلك على قولين: الأول: أنه لم يكن واجبا.

стр. 75

واحتج القائلون بحديث معاوية المتفق عليه أن النبى ( ﷺ ) قال: " هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب الله عليكم صيامه، وأنا صائم، فمن شاء فليصم، ومن شاء فليفطر "، واحتجوا أيضاً بعدم تبييت النية من الليل كما هو معروف فى صيام الفريضة. وهذا هو مذهب الإمام البخارى فيما يتضح من ترتيبه لأحاديث الباب، لذلك علق ابن حجر على الباب قائلاً: " ثم بدأ المصنف بالأخبار الدلة على أنه ليس بواجب "، ومال ابن حجر إلى هذا الرأى، لكنه لا يرد قول القائلين بفرضيته فقال (١): " والذى يترجح من أقوال العلماء أنه لم يكن فرضا، وعلى تقدير أنه كان فرضاً فقد نسخ بلا ريب " وقال أيضاً (٢): " فعلى تقدير صحة قول من يدعى أنه كان قد فرض فقد نسخ فرضه، ونقل ابن عبد البر الإجماع على أنه الآن ليس بفرض والإجماع على أنه مستحب " ا. هـ ثم فى موضع آخر رجح الفرضية فقال (٣): " ويؤخذ من مجموع الأحاديث أنه كان واجبا لثبوت الأمر بصومه ثم تأكد الأمر بذلك ثم زيادة التأكيد بالنداء العام ثم زيادته بأمر من أكل بالإمساك ثم زيادته بأمر الأمهات أن لا يرضعن فيه الأطفال وبقول ابن مسعود الثابت في مسلم " لما فرض رمضان ترك عاشوراء " مع العلم بأنه ما ترك استحبابه بل هو باق، فدل على أن المتروك وجوبه. وأما قول بعضهم المتروك تأكد استحبابه والباقي مطلق استحبابه فلا يخفى ضعفه، بل تأكد استحبابه باق ولا سيما استمرار الاهتمام به حتى في عام وفاته ﷺ حيث يقول " لئن عشت لأصومن التاسع والعاشر " ولترغيبه في صومه وأنه يكفر سنة، وأي تأكيد أبلغ من هذا؟ " ا. هـ الثانى: أنه كان واجباً ثم نسخ، وقد أطال ابن القيم الكلام فى الدفاع عن هذا الرأى فى "زاد المعاد ".
следующие страницы →