* ومذهب أبي حنيفة والمزني ورواية عن مالك: أنه البياض، وقال البدر العينى: ورُوي ذلك عن أبي بكر الصديق وعائشة وأبي هريرة ومعاذ بن جبل وأبي ابن كعب وعبد الله بن الزبير.
وذهب ابن حجر (١) إلى أن وقت المغرب ممتد إلى العشاء فقال: وذلك أنه لو كان مضيقا لانفصل عن وقت العشاء، ولو كان منفصلا لم يجمع بينهما كما في الصبح والظهر وقال: وأما الأحاديث التي أوردها في الباب فليس فيها ما يدل على أن الوقت مضيق، لأنه ليس فيها إلا مجرد المبادرة إلى الصلاة في أول وقتها، وكانت تلك عادته ﷺ في جميع الصلوات إلا فيما ثبت فيه خلاف ذلك.
ب - وروي عن عطاء وطاوس: لا يفوت حتى يفوت العشاء بطلوع الفجر، وحكي رواية عن مالك، والأحاديث ترده.
الثالثة: هل يستحب أن يفصل بين آذان المغرب وإقامتها بجلسة خفيفة؟
قال ابن رجب فى شرحه للبخارى: فيه قولان:
أحدهما: يستحب، وهو قول النخعي والثوري وأحمد وإسحاق وأبي يوسف ومحمد.
وقال أحمد: الفصل بينهما بقدر ركعتين كما كانوا يصلون الركعتين في عهد النبي (بين الأذان والإقامة للمغرب).
والقول الثاني: لا يستحب الفصل بجلوس ولا غيره؛ لأن وقتها مضيق، وهو قول مالك.
وقال أبو حنيفة: يفصل بينهما بسكتة بقدر ثلاث آيات قائماً؛ لأن مبناها على التعجيل، والقائم أقرب إليه، فإن وصل الإقامة بالأذان كره عنده.
وعند الشافعي وأصحابه: يفصل بينهما فصلاً يسيراً بقعدة أو سكوت ونحوهما.
من فوائد الحديث:
١ - مدى الاهتمام الكامل من الصحابة على مواقيت الصلاة خاصة وما كان عليه النبى ( ﷺ ) عامة.
٢ - من إقامة الصلاة المحافظة على أدائها فى أوقاتها.
٣ - فيه دليلٌ على قول النبىِّ ﷺ : " نحن أمة لا نكتب ولا نحسب ... " فكان اعتمادهم فى حساب المواقيت إنما هو حركة الشمس، وذلك فى قوله: " حتى توارت بالحجاب ".
стр. 72
الحديث الخامس والسادس
٥ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى ﷺ بَعَثَ رَجُلًا يُنَادِي فِي النَّاسِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ إِنَّ مَنْ أَكَلَ فَلْيُتِمَّ أَوْ فَلْيَصُمْ وَمَنْ لَمْ يَأْكُلْ فَلَا يَأْكُلْ. (١٩٢٤)
٦ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁ قَالَ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ أَنْ أَذِّنْ فِي النَّاسِ أَنَّ مَنْ كَانَ أَكَلَ فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَكَلَ فَلْيَصُمْ فَإِنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ" ... (٢٠٠٧)
الشرح:
الحديث الأول قال الكرمانىُّ عنه: " واعلم أن هذا الحديث خامس الثلاثيات ".
وقد أخرجه البخارى فى كتاب الصوم، باب " إذا نوى بالنهار صوماً ".
والحديث الثانى فى كتاب الصوم أيضاً، باب " صيام يوم عاشوراء "، وذكره فى كتاب أخبار الآحاد عن يزيد بسند رباعى، باب " ما كان يبعث النبى ( ﷺ ) من الأمراء والرسل واحداً بعد واحد " برقم (٧٢٦٣). وقد وقع للدارمى بسندٍ ثلاثى فالدارمي عبد الله بن عبد الرحمن له ثلاثيات منها كما في سننه أو مسنده هذا الحديث، قال:
أخبرنا أبو عاصم عن يزيد بن أبى عبيد عن سلمة بن الأكوع: أن النبى ﷺ بعث يوم عاشوراء رجلا من أسلم "إن اليوم يوم عاشوراء فمن كان أكل أو شرب فليتم بقية يومه ومن لم يكن أكل أو شرب فليصمه "
стр. 73
ويوم عاشوراء: هو اليوم العاشر من المحرم خلافاً للقائلين بأنه اليوم التاسع، وهذا اليوم صامته اليهود لأنه اليوم الذى أنجى الله فيه موسى من الغرق، وكانت العرب تصومه فى الجاهلية، والسبب فى ذلك يحتمل ما ذكره ابن حجر عن عكرمة أنه سُئل عن ذلك فقال: " أذنبت قريش ذنباً في الجاهلية فعظم في صدورهم فقيل لهم: صوموا عاشوراء يكفر ذلك ".
وصامه النبى ( ﷺ ) فى مكة وصامه فى المدينة تأكيدا فى فضله وموافقةً لأهل الكتاب لأنه كان يحب ذلك حتى يُنهى عنه، ثم انتهى الأمر به أنه سيخالفهم بإضافة التاسع إليه على الراجح من كلام أهل العلم.
وهو من الأيام التى يتأكد استحباب صومها فقد قال النبى ( ﷺ ) كما عند مسلم من حديث
أبى قتادة: " أحتسب على الله أن يكفر السنة التى قبله ".
وفى الحديث ست مسائل:
الأولى: هل يلزم فى صيام التطوع تبييت النية؟
فيه مذهبان لأهل العلم: قال ابن بطال (بتصرف)
الأول: قول الجمهور وقالوا بجواز صوم النافلة بنية فى النهار.
وسلكوا مسلك الجمع بين حديث حفصة وعائشة، فحملوا حديث حفصة على صيام الفرض، وحديث عائشة على صيام التطوع، وقد ثبت إنشاء النية فى النهار عن عبد الله بن مسعود، وابن عباس، وأبى أيوب، وأبى الدرداء وحذيفة وأبى طلحة. وذهب إليه شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم
واختلفوا على أقصى المدة التى يجوز لمن أراد الصيام أن ينوى فيها على قولين:
أ: لا تصح النية إلا قبل الزوال وهو قول أبى حنيفة والمشهور عن الشافعى.
ب: أنه يصح فى أى وقت من النهار، وهو قول أحمد وقول للشافعى وهو قول أكثر السلف، واحتجوا بحديث سلمة بن الأكوع هذا وبحديث عائشة بنت طلحة عن عائشة أن النبى ﷺ كان يدخل على بعض أزواجه فيقول: (هل عنكم من غداء؟ فإذا قالوا: لا، قال: فإنى إذا صائم).
الثانى: لا يصح صيام التطوع إلا بنية من الليل كالفرض سواء.
стр. 74
وذهب إليه مالك، وابن أبى ذئب، والليث، والمزنى، وابن حزم وتبعه الشوكانىُّ، وهو مذهب ابن عمر، وعائشة وحفصة، وحجتهم حديث حفصة، عن النبى ﷺ أنه قال: (من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له) قال النسائى: الصواب فى هذا الحديث أنه موقوف. وردوا على مذهب الأولين فقالوا: " حديث سلمة بن الأكوع فى صوم عاشوراء منسوخ فنسخت شرائطه، فلا يجوز رد غيره إليه، وحديث عائشة اضطرب فى إسناده.
الثانية:
صيام يوم عاشوراء كان فرضاً أم لا؟
اختلف أهل العلم فى ذلك على قولين:
الأول: أنه لم يكن واجبا.
стр. 75
واحتج القائلون بحديث معاوية المتفق عليه أن النبى ( ﷺ ) قال: " هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب الله عليكم صيامه، وأنا صائم، فمن شاء فليصم، ومن شاء فليفطر "، واحتجوا أيضاً بعدم تبييت النية من الليل كما هو معروف فى صيام الفريضة. وهذا هو مذهب الإمام البخارى فيما يتضح من ترتيبه لأحاديث الباب، لذلك علق ابن حجر على الباب قائلاً: " ثم بدأ المصنف بالأخبار الدلة على أنه ليس بواجب "، ومال ابن حجر إلى هذا الرأى، لكنه لا يرد قول القائلين بفرضيته فقال (١): " والذى يترجح من أقوال العلماء أنه لم يكن فرضا، وعلى تقدير أنه كان فرضاً فقد نسخ بلا ريب " وقال أيضاً (٢): " فعلى تقدير صحة قول من يدعى أنه كان قد فرض فقد نسخ فرضه، ونقل ابن عبد البر الإجماع على أنه الآن ليس بفرض والإجماع على أنه مستحب " ا. هـ ثم فى موضع آخر رجح الفرضية فقال (٣): " ويؤخذ من مجموع الأحاديث أنه كان واجبا لثبوت الأمر بصومه ثم تأكد الأمر بذلك ثم زيادة التأكيد بالنداء العام ثم زيادته بأمر من أكل بالإمساك ثم زيادته بأمر الأمهات أن لا يرضعن فيه الأطفال وبقول ابن مسعود الثابت في مسلم " لما فرض رمضان ترك عاشوراء " مع العلم بأنه ما ترك استحبابه بل هو باق، فدل على أن المتروك وجوبه. وأما قول بعضهم المتروك تأكد استحبابه والباقي مطلق استحبابه فلا يخفى ضعفه، بل تأكد استحبابه باق ولا سيما استمرار الاهتمام به حتى في عام وفاته ﷺ حيث يقول " لئن عشت لأصومن التاسع والعاشر " ولترغيبه في صومه وأنه يكفر سنة، وأي تأكيد أبلغ من هذا؟ " ا. هـ
الثانى: أنه كان واجباً ثم نسخ، وقد أطال ابن القيم الكلام فى الدفاع عن هذا الرأى فى
"زاد المعاد ".
стр. 76
وجملة القول، أنهم ردوا على حديث معاوية بأن ذلك كان بعد فتح مكة، لأنه أسلم متأخراً فروى ماسمع، ومعنى كلام النبى ( ﷺ ) فيه أنه لم يكتب عليكم صيامه على الدوام، وأما احتجاجهم بوجوب تبييت النية فى الفريضة، فلم يعلم بصيامه إلا بالنهار فاستحالت العودة إلى الليل لتبيت النية، وقول ابن مسعود واضحٌ فى وجوبه حيث قال: " فلما فرض رمضان تُرِكَ عاشوراء " فإن صيام عاشوراء لم يترك بدليل قول النبى ( ﷺ ): " لإن عشت إلى قابل لأصومن التاسع .. " فتبين أن المتروك إذن هو وجوبه وبقى الاستحباب، وقد ذكر ابن القيم مذاهب القائلين بفرضيته فى كيفية التوفيق بين الأدلة على أربعة طرق:
الأولى: أن التبييت هو تجديد لحكم واجب، فإجزاء صيام يوم عاشوراء بنية من النهار قبل فرض رمضان وقبل فرض التبييت من الليل ثم نسخ وجوب صومه برمضان وتجدد وجوب التبييت.
الثانية: هي طريقة أصحاب أبي حنيفة أن وجوب صيام يوم عاشوراء تضمن أمرين: وجوب صوم ذلك اليوم وإجزاء صومه بنية من النهار ثم نسخ تعيين الواجب بواجب آخر فبقي حكم الإجزاء بنية من النهار غير منسوخ.
الثالثة: وهي أن الواجب تابع للعلم ووجوب عاشوراء إنما علم من النهار وحينئذ فلم يكن التبييت ممكنا فالنية وجبت وقت تجدد الوجوب والعلم به وإلا كان تكليفا بما لا يطاق وهو ممتنع، قال وهى طريقة شيخ الإسلام، وهى أصح الطرق، ولا يقال: " إنه ترك التبييت الواجب، إذ وجوب التبييت تابعٌ للعلم بوجوب المبيت".
الرابعة: كان عاشوراء فرضا وكان يجزىء صيامه بنية من النهار ثم نسخ الحكم بوجوبه فنسخت متعلقاته ومن متعلقاته إجزاء صيامه بنية من النهار لأن متعلقاته تابعة له وإذا زال المتبوع زالت توابعه وتعلقاته.
الثالثة:
مراتب صوم عاشوراء؟
ذكر العلماء فى ذلك ثلاثَ مراتب، ذكرها ابن القيم أيضاً فى الزاد وابن حجر فى الفتح وهى (١):
стр. 77
* أن يُصام قبله يوم وبعده يوم، وقدمه ابن القيم وابن حجر على غيره من المراتب، " ولكن الرواية التى جاءت بذلك أخرجها البيهقىُّ بسند ضعيف فلا يذهب إلى هذه المرتبة "
* أن يصام التاسع والعاشر، وذهب إلى ذلك الإمام مالك والشافعى وأحمد تبعاً لرواية ابن عباس عند مسلم، لمخالفة اليهود.
* أن يصام التاسع فقط، والقائلين به احتجوا بكلام ابن عباس لمن سأله: " أعدد وأصبح يوم التاسع صائماً " ولكنهم لم يقفوا على مقصد ابن عباس فى إجابته على السائل فإنه أرشد السائل إلى صيام التاسع معتمداً على ما هو مقرر عنده من صيام العاشر فيجمع بينهما، قال ابن القيم:
" وأما إفراد التاسع فمن نقص فهم الآثار، وعدم تتبع ألفاظها وتركها، وهو بعيدٌ من اللغة والشرع"
الرابعة: أيهما أفضل يوم عاشوراء أم يوم عرفة؟
يوم عرفة مقدم لما ثبت عند مسلم من حديث أبى قتادة " إن صوم عاشوراء يكفر سنة، وإن صيام يوم عرفة يكفر سنتين " قال ابن حجر (١): " وظاهر هذا الحديث أن صيام يوم عرفة أفضل من صيام يوم عاشوراء، وقد قيل الحكمة فى ذلك أن يوم عاشوراء منسوب إلى موسى ﵇ ويوم عرفة منسوب إلى النبى ( ﷺ ) فلذلك كان أفضل " ا. هـ
الخامسة: العلة فى كلام النبى ﷺ أن من أكل فى النهار فليمسك بقية يومه؟
قال النووى فى شرحه لمسلم: " حرمة لليوم كما لو أصبح يوم الشك مفطرا ثم ثبت أنه من رمضان يجب امساك بقية يومه حرمة لليوم وأجاب العلماء فقالوا: أن المراد امساك بقية النهار لا حقيقة الصوم والدليل على هذا أنهم أكلوا ثم أمروا بالاتمام وقد وافق أبو حنيفة وغيره على أن شرط اجزاء النية في النهار في الفرض والنفل أن لا يتقدمها مفسد للصوم من أكل أو غيره ".
стр. 78
وهذا قد تقدمه مفسدٌ للصوم وهو الأكل، فلا يصح الصيام، وما دام ذلك كذلك فإن إمساكهم كان لعلةٍ أخرى ألا وهى حرمة اليوم، وليس إجزاءًً، ثم إن قيل إتمامهم هذا كان حرمةٌ للصوم، فأين حق هذا اليوم على الذى لم يصم، وقد كان فرضاً على أصح قولى العلماء؟، قيل: لا يمنع هذا من قضائهم لليوم بعد ذلك، وقد يستأنس بما عند أبى داود - وإن كان بالحديث ضعفٌ كما قال الألبانىُّ - من أن النبىَّ ﷺ قال: " فأتموا بقية يومكم واقضوه " (١).
السادسة: هل يستحب فى يوم عاشوراء الاحتفالات والتوسعة على الأهل وغيرها من هذه الأمور؟
قال شيخ الإسلام فى مجموع الفتاوى (٢):
"لم يرد في شيء من ذلك حديث صحيح عن النبي ( ﷺ ) ولا عن أصحابه ولا استحب ذلك أحد من أئمة المسلمين؛ لا الأئمة الأربعة ولا غيرهم، ولا روى أهل الكتب المعتمدة في ذلك شيئا لا عن النبي ( ﷺ ) ولا الصحابة ولا التابعبن لا صحيحا ولا ضعيفا لا في كتب الصحيح ولا في السنن
ولا المسانيد ولا يعرف شيء من هذه الأحاديث على عهد القرون الفاضلة، ولكن روى بعض المتأخرين في ذلك أحاديث، ثم قال: ورواية هذا كله عن النبي ﷺ كذب ولكنه معروف من رواية سفيان بن عيينة.
стр. 79
ثم قال: وأما سائر الأمور: مثل اتخاذ طعام خارج عن العادة أو تجديد لباس وتوسيع نفقة أو اشتراء حوائج العام ذلك اليوم أو فعل عبادة مختصة كصلاة مختصة به أو قصد الذبح أو إدخار لحوم الأضاحي ليطبخ بها الحبوب أو الإكتحال والإختضاب أو الاغتسال أو التصافح أو التزاور أو زيارة المساجد والمشاهد ونحو ذلك فهذا من البدع المنكرة التي لم يسنها رسول الله ﷺ ولا خلفاؤه الراشدون ولا استحبها أحدٌ من أئمة المسلمين لا مالك ولا الثوري ولا الليث بن سعد ولا أبو حنيفة ولا الأوزاعي ولا الشافعي ولا أحمد ابن حنبل ولا إسحاق بن راهويه ولا أمثال هؤلاء من أئمة المسلمين وعلماء المسلمين، وإن كان بعض المتأخرين من أتباع الأئمة قد كانوا يأمرون ببعض ذلك ويروون في ذلك أحاديث وأثارا ويقولون: إن بعض ذلك صحيح فهم مخطئون غالطون بلا ريب عند أهل المعرفة بحقائق الأمور وقد قال حرب الكِرْماني في مسائله: سُئل أحمد بن حنبل عن هذا الحديث: " من وسع على أهله يوم عاشوراء " فلم يره شيئا.
ثم قال ﵀: " وأما قول ابن عيينة:" جربناه منذ ستين عاماً فوجدناه صحيحاً " -يعنى بذلك من وسع على أهله- فإنه لا حجة فيه فإن الله سبحانه أنعم عليه برزقه، وليس في إنعام الله بذلك ما يدل على أن سبب ذلك كان التوسيع يوم عاشوراء وقد وسع الله على من هم أفضل الخلق من المهاجرين والأنصار ولم يكونوا يقصدون أن يوسعوا على أهليهم يوم عاشوراء بخصوصه، وهذا كما أن كثيرا من الناس ينذرون نذرا لحاجة يطلبها فيقضي الله حاجته فيظن أن النذر كان السبب.
من فوائد الحديث:
١ - يوم عاشوراء من الأيام التى يتأكد استحباب صومها.
٢ - وفيه أن كل راعٍ مسئولٌ عن رعيته، فى أمر دينهم ودنياهم.
٣ - وفيه السمع والطاعة، فى المعروف، فقد أمر النبى رجلاً من أسلم ينادى فنادى، وأمر الناس بالصيام فصاموا.
٤ - وفيه مدى متابعة الصحابة للنبىِّ.
стр. 80
٥ - وفيه أن الثواب والعقاب متوقفٌ على العلم، فبداية العلم هو بداية قيام الحجة على الناس، ويؤخذ من ذلك:
٦ - القول بالعذر بالجهل.
٧ - وفيه الأخذ بأحاديث الآحاد، فإن النبىَّ ﷺ أرسل رجلاً ينادى، وقامت الحجة بذلك، وساقه البخارى فى كتاب الآحاد.
٨ - وفيه تعظيم ما عظم الله، ولكن بما شرع الله، ولا يجوز استحسان شيء لم يأت الدليل به، فيوم عاشوراء من الأيام المعظمة عند الله لما وقع فيه من أحداث، فوجب علينا تعظيمه.، ولكن بدون تخصيصه بعبادةٍ معينه، أو طعام معين، كما نبه على ذلك شيخ الإسلام فى الكلام السابق.
٩ - وفيه ما لا يدرك كله لا يترك كله.
١٠ - وفيه شرع من قبلنا شرعٌ لنا ما لم يأت دليل بالمخالفة.
١١ - وفيه الشكر على نعم الله تعالى، فقد صامه موسى شكراً لله سبحانه.
١٢ - وفيه وجوب مخالفة اليهود والنصارى، وعدم موافقتهم فى أحوالهم.
١٣ - وفيه الفائدة من تتبع طرق الحديث، فإنه يوضح بعضها بعضا، كتقيد مطلق، وتخصيص عام،
وذلك فى قوله فى الرواية الأولى: " رجلاً .. " على الإبهام، ثم وضح فى الرواية الثانية فقال:
" رجلاً من أسلم ".
١٤ - وفيه تمرين الصبيان على الطاعات وتعويدهم العبادات كما جاء فى رواية مسلم وفيه: " فكنا بعد ذلك نصومه ونصوِّم صبياننا الصغار منهم ".
وقد أخرجه البخارى فى كتاب الحوالة، " بَاب إِنْ أَحَالَ دَيْنَ الْمَيِّتِ عَلَى رَجُلٍ جَازَ "، والحَوالة بفتح الحاء وقد تكسر مشتقة من التحويل أو من الحئول، وهي عند الفقهاء: "نقل دين من ذمة إلى ذمة " والحديث الثانى قال الكرمانىُّ فيه: " وهذا الحديث ثامن ثلاثيات البخارى "
وأخرجه البخارى فى كتاب الكفالة، باب " من تكفل عن ميتٍ ديناً فليس له أن يرجع، وبه قال الحسن " وأصل الكفالة فى المال قوله تعالى: " وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ " (يوسف، ٧٢)، أى: كفيل وضامن. أما الكفالة بالنفس فاختُلف فيها كما سنبيه إن شاء الله.
والحديث ينقل لنا عظم الدَّين وشدته، وأنه يجب على العبد أن لا يترك عليه دَيْن، فإنه لا يدرى هل حين موته سيجد من يتحمل عنه الدَّيْن أم لا، وقد ذكر بعض أهل العلم ذلك سبباً عن امتناع النبىِّ من الصلاة على من كان هذا حاله.
والحديث ينقل لنا أيضاً حال النبىِّ ( ﷺ ) فى أول الأمر فقد كان يترك الصلاة على من مات وعليه دينٌ، فلما فتح الله على رسوله ﷺ قال: «أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، فمن ترك دينا فعلي، ومن ترك مالا فلورثته». رواه أحمد وأبو داود والنسائي من حديث جابر.
فتخيل شدة الدين من خلال ترك النبى ( ﷺ ) الشفاعة له بالصلاة عليه.
وفيه ثمان مسائل:
الأولى: لماذا ترجم له البخارى بالحوالة مع أنه فى الضمان؟
قال ابن حجر: " قال ابن بطال: إنما ترجم بالحوالة فقال " إن أحال دين الميت " ثم أدخل حديث سلمة وهو في الضمان لأن الحوالة والضمان عند بعض العلماء متقاربان، وإليه ذهب أبو ثور لأنهما ينتظمان في كون كل منهما نقل ذمة رجل إلى ذمة رجل آخر، والضمان في هذا الحديث نقل ما في ذمة الميت إلى ذمة الضامن فصار كالحوالة سواء "
الثانية: مدى مشروعية ضمان ما على الميت من دين ولم يترك وفاءً؟
стр. 83
اختلف أهل العلم فيها: قال ابن حجر (١): قال ابن بطال:
ا- ذهب الجمهور إلى صحة هذه الكفالة ولا رجوع له في مال الميت. وهو الراجح. وبه قال الحسن، وابن أبي ليلى، والشافعي.
ب - وعن مالك له أن يرجع إن قال إنما ضمنت لأرجع، فإذا لم يكن للميت مال وعلم الضامن بذلك فلا رجوع له.
حـ- وعن أبي حنيفة إن ترك الميت وفاءً جاز الضمان بقدر ما ترك، وإن لم يترك وفاء لم يصح
ذلك، وخالفه تلميذه أبو يوسف وقال: " الكفالة جائزة كان له مخاطب أو لم يكن"
وقال ابن المنذر: " فخالف أبو حنيفة هذا الحديث "، ورد البغوى (٢) على مذهب أبى حنيفة
فقال: " وبالاتفاق لو ضمن عن حي معسر دينا، ثم مات من عليه الدين كان الضمان بحاله، فلما لم يناف موت المعسر دوام الضمان لا ينافي ابتداءه.
وهذا الحديث حجة للجمهور، وقد بالغ الطحاوى الحنفى فى نصرة قول الجمهور.
الثالثة: علة امتناع النبى ( ﷺ ) الصلاة فى أول أمره على من عليه دين؟
قال ابن حجر: " قال العلماء كأن الذى فعله ( ﷺ ) من ترك الصلاة على من عليه دين ليحرض الناس على قضاء الديون فى حياتهم والتوصل إلى البراءة منها لئلا تفوتهم صلاة النبى ( ﷺ ).
وحكى القرطبي أنه ربما كان يمتنع من الصلاة على من أدان دينا غير جائز، وأما من استدان لأمر هو جائز فما كان يمتنع "فقال الشوكانىُّ معقباً على قول القرطبى بعد أن ساقه:
" وفيه نظر لأن في حديث أبي هريرة ما يدل على التعميم حيث قال في رواية للبخاري: " من توفي وعليه دين " ولو كان الحال مختلفا لبينه ﷺ ".
الرابعة: هل كانت صلاته على من عليه دين محرمةٌ عليه أم جائزة؟
قال ابن حجر (٣): " وجهان، قال النووى: الصواب الجزم بجوازه مع وجود الضامن كما فى حديث مسلم.
стр. 84
الخامسة: هل المضمون عنه يبرأ بأداء الضامن أم بمجرد ضمانه.
ورد عند أحمد (١) من حديث جابر جابر، قال " توفى رجل فغسلناه وحنطناه وكفناه ثم أتينا به
النبي ﷺ فقلنا: تصلي عليه فخطى خطوة، ثم قال أعليه دين؟ قلنا: ديناران، فانصرف، فتحملهما أبو قتادة، فأتيناه فقال أبو قتادة: الديناران على فقال النبي ﷺ قد أوفى الله حق الغريم وبرئ منه الميت؟ قال: نعم، فصلى عليه، ثم قال بعد ذلك بيوم: ما فعل الديناران؟ فقال: إنما مات
أمس. قال فعاد إليه من الغد فقال: قد قضيتهما، فقال النبي ﷺ : الآن بردت عليه جلده "
قال الشوكانى معلقا على قوله " الآن بردت عليه ":
" فيه دليل على أن خلوص الميت من ورطة الدين وبراءة ذمته على الحقيقة ورفع العذاب عنه إنما يكون بالقضاء عنه لا بمجرد التحمل بلفظ الضمانة، ولهذا سارع النبي ﷺ إلى سؤال أبي قتادة في اليوم الثاني عن القضاء " ا. هـ فكان يقول له ﷺ : " ما فعل الديناران " رغم أنه لما تحملهما أبو قتادة قال له النبى ﷺ : " قد أوفى الله حق الغريم وبرئ منه الميت؟ قال نعم، فصلى عليه ".
فلو كان الأمر مجرد التحمل ولا شىء على الميت ما أتعب النبىُّ ﷺ نفسه ولا أشغل باله ولكن لعلمه أن الميت يتعلق أمره حتى يقضى عنه الدين سأل أبا قتادة عن الدينارين.
لذلك بوب عليه صاحب المنتقى فقال: " باب في أن المضمون عنه إنما يبرأ بأداء الضامن لا بمجرد ضمانه "
السادسة: هل بعد الفتح كان يتحمل النبى ﷺ دين الميت من مال المصالح أم من حرِّ ماله.
فيه وجهان:
стр. 85
قال الشوكانىُّ (١): " وفي صلاته ﷺ على من عليه دين بعد أن فتح الله عليه إشعار بأنه كان يقضيه من مال المصالح. وقيل بل كان يقضيه من خالص ملكه ".
السابعة: فهل كان القضاء واجبا عليه ﷺ أم لا:
قال الشوكانىُّ: " فيه وجهان ".
الثامنة: هل تجوز الكفالة بالبدن؟
مذهبان لأهل العلم:
الأول: الجواز وبه قال جمهور الفقهاء كما نقا ابن بطال.
وقال البغوى فى شرح السنة (٢):
" وأجاز أكثر أهل العلم الكفالة بالبدن، وقال جرير والأشعث لعبد الله بن مسعود في المرتدين: استتبهم وكفلهم، فتابوا، وكفلهم عشائرهم. "
وهو قول مالك والليث والثورى والأوزاعى وأبو حنيفة وأحمد واختُلف عن الشافعى، فمرة أجازها ومرة ضعفها.
وقال ابن بطال: " ولم يختلف الذين أجازوها فى النفس أن المطلوب إن غاب أو مات لم يقم على الكفيل به حد، ولا لزمه قصاص، فصارت الكفالة بالنفس عندهم غير موجبة لحكم فى البدن، وشذ أبو يوسف ومحمد، فأجازا الكفالة فى الحدود والقصاص، وقالا: إذا قال المقذوف أو المدعى للقصاص: بينتى حاضرة، كفلته ثلاث أيام. "
الثانى: لا تجوز الكفالة بالنفس، وقالت به طائفة من أهل العلم كما نقل ابن بطال.
ومن الفوائد:
١ - تصح الضمانة عن الميت ويلزم الضَّمِينُ ما ضَمِنَ به، وسواء كان الميت غنيا أو فقيرا، وإلى ذلك ذهب الجمهور. كما قال الشوكانىُّ.
٢ - وفيه وجوب الصلاة على الجنازة، قاله ابن حجر.
٣ - صعوبة أمر الدَّيْنِ، وأنه لا ينبغى تحمله.
٤ - وجود النسخ فى الشرائع، وهذا يتضح من طرق الحديث الأخرى أن النبى ﷺ كان فى نهاية
أمره أنه يصلى على من مات وعليه دين لقوله: " فعلى دينه "، قال ابن بطال معلقاً على هذه اللفظة كما نقل الشوكانىُّ عنه: " هذا ناسخ لترك الصلاة على من مات وعليه دين وقد حكى الحازمي إجماع الأمة على ذلك ".
стр. 86
٥ - يلزم المتولى لأمر المسلمين أن يقضى دين الميت، فإن لم يفعل فالإثم عليه إن كان حق الميت فى بيت المال يفى بقدر ما عليه من الدين وإلا فبقسطه، قاله ابن حجر.
٦ - كراهة الرجوع فى كفالة دين الميت. كما بوب عليه البخارى فى الحديث الثانى.
٧ - مدى محبة النبى ﷺ لأمته، فكان كلما قابل قتادة سأله عن الدراهم هل أداها أم لا، ولما وسع الله على النبى ( ﷺ ) كان هو الضامن لأمته فمن مات وعليه دين فقضاؤه كان على النبى ( ﷺ ).
٨ - وفيه دليل على أنه يستحب للإمام أن يحض من تحمل عن ميت على الإسراع بالقضاء، وكذلك يستحب لسائر المسلمين؛ لأنه من المعاونة على الخير. قاله الشوكانىُّ.
٩ - أن المضمون عنه إنما يبرأ بأداء الضامن لا بمجرد ضمانه.
وليُعلم ذلك حتى لا يتلكأ ضامن فى أداء ما ضمنه كما نراه شائعاً بين المسلمين فى هذه الأيام.
١٠ - وفيه تحقيق الإيمان بأن يحب المرءُ لأخيه ما يحبه لنفسه، فقد تحمل أبو قتادة مالاً ليس معه، ولكن دفعه الإيمان لذلك.
١١ - على الراعى المحافظة على حقوق الناس التى عند الغير والبحث عنها؛ لئلا تستأكل أموال الناس فتذهب، وهذا ما فعله النبى ﷺ ، فإن النبى ﷺ كان يسأل أبا قتادة ليطمئن على الميت كما يطمئن على الحى برد حقه له. نبه على هذا المعنى ابنُ بطال.
стр. 87
الحديث التاسع والعاشر
٩ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ ﵁ قَالَ بَايَعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ثُمَّ عَدَلْتُ إِلَى ظِلِّ الشَّجَرَةِ فَلَمَّا خَفَّ النَّاسُ قَالَ يَا ابْنَ الْأَكْوَعِ أَلَا تُبَايِعُ؟ قَالَ: قُلْتُ: قَدْ بَايَعْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: وَأَيْضًا، فَبَايَعْتُهُ الثَّانِيَةَ فَقُلْتُ لَهُ يَا أَبَا مُسْلِمٍ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تُبَايِعُونَ يَوْمَئِذٍ قَالَ عَلَى الْمَوْتِ. (٢٩٦٠)
١٠ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ قَالَ بَايَعْنَا النَّبِيَّ ﷺ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَقَالَ لِي يَا سَلَمَةُ أَلَا تُبَايِعُ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ بَايَعْتُ فِي الْأَوَّلِ قَالَ وَفِي الثَّانِي. (٧٢٠٨)
الشرح:
قال الكرمانىُّ عن الحديث الأول: " هذا هو الحادى عشر من الثلاثيات التى فى الصحيح "، وقد عدلت هنا عن ترتيب الصحيح، تقديماً للترتيب الزمنى للأحداث، فهذه البيعة كانت فى الحديبية أى قبل خيبر بمدة زمنية.
والحديث أخرجه البخارى فى كتاب الجهاد والسير، باب " البيعة فى الحرب ألا يفروا، وقال بعضهم: على الموت ... " وقد أخرجه فى الأحكام أيضاً. وهو الحديث الثانى الذى معنا باب:
" من بابع مرتين ".
والحديث الثانى هذا هو " الحادى والعشرون من ثلاثيات البخارى بترتيب الصحيح " كما نص عليه القسطلانى فى " إرشاد السارى "
стр. 88
* وفى الترجمة الأولى ذكر شيئين كان الصحابة يبايعون النبى ( ﷺ ) عليهما، ولا تعارض بين الرأيين؛ عدم الفرار والموت، قال ابن حجر (١): " لا تنافي بين قولهم بايعوه على الموت وعلى عدم الفرار، لأن المراد بالمبايعة على الموت أن لا يفروا ولو ماتوا، وليس المراد أن يقع الموت ولا بد " وقد أنكره نافع فقال: " بل بايعهم على الصبر " كما هو فى الحديث الأول من هذا الباب. فكان كلُّ مسلم يبايع النبى ( ﷺ ) على أن يقيه بنفسه، ولا يفر عنه حتى يموت دونه ".
و (أبو مسلم) هى كنية سلمة.
وفيه ثلاث مسائل:
الأولى: ما هى البيعة المذكورة، وكيف كانت؟
стр. 89
البيعة المذكورة؛ هى بيعة الرضوان، وقد أخذها الرسول ( ﷺ ) منهم فى الحديبية وكان أمرُها أن رأى رسول الله ﷺ في المنام، وهو بالمدينة، أنه دخل هو وأصحابه المسجد الحرام، وأخذ مفتاح الكعبة، وطافوا واعتمروا، وحلق بعضهم وقصر بعضهم، فأخبر بذلك أصحابه ففرحوا، وحسبوا أنهم داخلو مكة عامهم ذلك، وأخبر أصحابه أنه معتمر فتجهزوا للسفر. واستنفر العرب وخرج منها يوم الإثنين غرة ذي القعدة سنة ٦ هـ، ومعه زوجته أم سلمة، في ألف وأربعمائة، ويقال: ألف وخمسمائة، ولم يخرج معه بسلاح، إلا سلاح المسافر: السيوف في القُرُب. فعلم المشركون بخروج النبى ﷺ فتجهزوا لقتاله، ولكن لم يتم ذلك فقد غير النبى ﷺ الطريق حتى لا يصطدم بهم، ثم بدأت المفاوضات، وقريش يأتيها من يبلغها بغرض النبى ﷺ ، وانقسمت قريش فريقين؛ فريقٌ يريد الحرب والآخر لا يرى ذلك، فرأى رسول الله ﷺ أن يرسل لهم أحد أصحابه يعرض عليهم أمره ويخبرهم أن النبى ﷺ ما جاء لقتال، فوقع الاختيار على عثمان، فجاءهم وأبلغهم، ثم أن عثمان تغيب عن رسول الله ﷺ فقد احتبسته قريش حتى ترى أمرها وتستشير، وطال الاحتباس، فشاع بين المسلمين أن عثمان قتل، فقال رسول الله ﷺ لما بلغته الإشاعة: (لا نبرح حتى نناجز القوم)، ثم دعا أصحابه إلى البيعة، فثاروا إليه يبايعونه على ألا يفروا، وبايعته جماعة على الموت، وأخذ رسول الله ﷺ بيد نفسه وقال: (هذه عن عثمان). ولما تمت البيعة جاء عثمان فبايعه، ولم يتخلف عن هذه البيعة إلا رجل من المنافقين يقال له: جَدُّ بن قَيْس.
стр. 90
أخذ رسول الله ﷺ هذه البيعة تحت شجرة، وكان عمر آخذا بيده، ومَعْقِل بن يَسَار آخذا بغصن الشجرة يرفعه عن رسول الله ﷺ ، وهذه هي بيعة الرضوان التي أنزل الله فيها: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ .... الآية﴾ [الفتح: ١٨]، وعرفت قريش ضيق الموقف فأسرعت إلى بعث سُهَيْل بن عمرو لعقد الصلح، وأكدت له ألا يكون في الصلح إلا أن يرجع عنا عامه هذا، لا تتحدث العرب عنا أنه دخلها علينا عنوة أبداً، ثم تم الصلح ببنوده العشرة، ورجع النبى ﷺ عن البيت ولم يعتمر عامه هذا، حتى كان فتح مكة فى العام التالى ففتحها.
الثانية: الحكمة من إخفاء الشجرة التى تمت البيعة تحتها.
قال ابن حجر (١): " والحكمة من إخفائها أن لا يحصل بها افتتان لما وقع تحتها من الخير، فلو بقيت لما أمن تعظيم بعض الجهال لها، حتى ربما أفضى بهم إلى اعتقاد أن لها قوة نفع أو ضر.
كما نراه الآن مشاهدا فيما هو دونها، وإلى ذلك أشار ابن عمر بقوله " كانت رحمة من الله " أي كان خفاؤها عليهم بعد ذلك رحمة من الله تعالى "
الثالثة: العلة فى تكرار أخذ البيعة من سلمة.
قال ابن المنير: الحكمة في تكراره البيعة لسلمة أنه كان مقداما في الحرب فأكد عليه العقد احتياطا.
وقال ابن حجر: أو لأنه كان يقاتل قتال الفارس والراجل فتعددت البيعة بتعدد الصفة.
وقال المهلب فيما ذكره ابن بطال: " أراد أن يؤكد بيعة سلمة لعلمه بشجاعته وعنائه في الإسلام وشهرته بالثبات، فلذلك أمره بتكرير المبايعة ليكون له في ذلك فضيلة " واعترض ابن حجر على هذا الكلام بقوله أنه لم يكن ظهر من سلمة ذلك بعدُ، والصحيح أن يقال أن النبى ( ﷺ ) تفرس فيه ذلك.
стр. 91
وقال ابن حجر بعد ذلك (١): " ويحتمل أن يكون سلمةُ لما بادر إلى المبايعة ثم قعد قريبا، واستمر الناس يبايعون إلى أن خفوا، أراد ﷺ منه أن يبايع لتتوالى المبايعة معه ولا يقع فيها تخلل، لأن العادة في مبدأ كل أمر أن يكثر من يباشره فيتوالى، فإذا تناهى قد يقع بين من يجيء آخراً تخلل، ولا يلزم من ذلك اختصاص سلمة بما ذكر "
من فوائد الحديث:
١ - قال ابن حجر: " قال ابن المنير: يستفاد من هذا الحديث أن إعادة لفظ العقد في النكاح وغيره ليس فسخاً للعقد الأول خلافا لمن زعم ذلك من الشافعية.
قلت -أى ابن حجر-: الصحيح عندهم أنه لا يكون فسخا كما قال الجمهور.
٢ - وفيه منقبةٌ لصحابة النبىِّ ( ﷺ ) الذين بايعوا تحت الشجرة (فقد رضى الله عنهم) ومنهم سلمة.
قال تعالى:" لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ " (الفتح / ١٨)
٣ - وفيه متابعة الشيء العظيم المرة بعد الأخرى، لتظل النفسُ متعلقةً به.
٤ - وفيه البيعة لمن ولاه الله أمر المسلمين، دون غيره.
٥ - عدم الإغترار بمعظمٍ فى الدين، لطالما لم يأتى الشرع بالأمر بتعظيمه، وإلا فمن فعل ذلك وقع فى المخالفة، وكما يقال من استحسن فقد شرع، والتشريع حقٌ خالص لله سبحانه. لأجل ذلك أخفيت الشجرة.
стр. 92
الحديث الحادى عشر
١١ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ قَالَ خَرَجْتُ مِنْ الْمَدِينَةِ ذَاهِبًا نَحْوَ الْغَابَةِ حَتَّى إِذَا كُنْتُ بِثَنِيَّةِ الْغَابَةِ لَقِيَنِي غُلَامٌ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قُلْتُ: وَيْحَكَ مَا بِكَ؟ قَالَ أُخِذَتْ لِقَاحُ النَّبِيِّ ﷺ ، قُلْتُ: مَنْ أَخَذَهَا قَالَ غَطَفَانُ وَفَزَارَةُ، فَصَرَخْتُ ثَلَاثَ صَرَخَاتٍ أَسْمَعْتُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا: يَا صَبَاحَاهْ يَا صَبَاحَاهْ، ثُمَّ انْدَفَعْتُ حَتَّى أَلْقَاهُمْ وَقَدْ أَخَذُوهَا فَجَعَلْتُ أَرْمِيهِمْ وَأَقُولُ: أَنَا ابْنُ الْأَكْوَعِ وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعْ، فَاسْتَنْقَذْتُهَا مِنْهُمْ قَبْلَ أَنْ يَشْرَبُوا، فَأَقْبَلْتُ بِهَا أَسُوقُهَا، فَلَقِيَنِي النَّبِيُّ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الْقَوْمَ عِطَاشٌ وَإِنِّي أَعْجَلْتُهُمْ أَنْ يَشْرَبُوا سِقْيَهُمْ فَابْعَثْ فِي إِثْرِهِمْ، فَقَالَ يَا ابْنَ الْأَكْوَعِ: مَلَكْتَ فَأَسْجِحْ إِنَّ الْقَوْمَ يُقْرَوْنَ فِي قَوْمِهِمْ. (٣٠٤١)
الشرح:
قال الكرمانىُّ فى "شرح البخارى"، والقسطلانىُّ فى " إرشاد السارى: " هذا هو الحديث الثانى عشر من الثلاثيات "
وقد أخرجه البخارى فى كتاب الجهاد والسير، " باب مَنْ رَأَى الْعَدُوَّ فَنَادَى بأَعلى صوتِه يا صباحاه حَتَّى يُسْمِعَ النَّاسَ " وفى كتاب المغازى، باب " غزوة ذات القَرَد "، والحديث ينقل لنا جانباً كبيراً من غزوة الغابة أو غزوة ذى قَرَد، والتى جزم البخارىُّ فى ترجمة الباب أنها كانت قبل خيبر بثلاث ليال، خلافاً لما قاله أصحاب السير بأنها كانت قبل الحديبية.
وذى قَرَد: اسم مكان فيه ماء على مسيرة ليلتين من المدينة بينها وبين خيبر على طريق الشام.
стр. 93
وفيها أن عبد الرحمن بن عيينة بن حصن الفزارى أغار على لقاح رسول الله ( ﷺ ) فقتل راعيها وساقها كلها، فعلم سلمةُ بذلك فصاح فى الناس، ثم تبعهم يعدو على رجله، وكان صاحب القِدْح المُعَلَّى فى استنقاذ إبل النبىِّ ( ﷺ )، وسلمة فى هذا الحديث يقص علينا قصته فى هذه الغزوة، وقد أخرجها مسلم وأحمد بسياق أطول من ذلك، فنقل فيها تفاصيلَ كثيرةً لهذه القصة.
وكانت هذه اللقاح عشرين لَِقحة كما قال ابن سعد، فأعادوها وغنموا.
ثم توَّج النبىُّ ( ﷺ ) سلمةَ بعد انتهاء هذه الغزوة بثلاثة تيجان:
الأول: جعل له سهمين الفارس والراجل.
والثاني: أردفه خلفه على العضباء.
الثالث: قال عنه النبىُّ ( ﷺ ) " وخير رَجَّالتنا سلمة "
وقوله: الِّلقاح: بكسر اللام، وهى ذوات الدَّرِّ من الإبل، وهى قريبة العهد بالولادة، واحدتها لَِقحة بالكسر وبالفتح أيضاً. كما قال النووىُّ وغيره.
لابتيها (١): وهما حرتان تكتنفانها، قال ابن الأثير: المدينة بين حرتين عظيمتين، قال الأصمعي: هي الأرض التي قد ألبستها حجارة سود، وجمعها لابات ما بين الثلاث إلى العشر، فإذا كثرت فهي اللاَّبُ واللُّوب.
ُوالرُّضع: اللئام. فيكون المعنى يوم هلاك اللئام.
وقوله:" يا صباحاه " معناه: قد أغير عليكم فى الصباح، أو قد صوبحتم فخذوا حذركم.
وقوله "فأسجح " بهمزة قطع أي أحسن أو ارفق. يعنى: قدرت فاعف.
وهذه رواية أحمد أسوقها لما فيها من الجمال، وتكتمل لنا الصورة حول هذه الغزوة والجهد الجهيد الذى قام به سلمة (﵁):
стр. 94
قال الإمام أحمد (١): حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا عكرمة بن عمار قال حدثنا إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال: قدمنا المدينة زمن الحديبية مع رسول الله ﷺ فخرجنا أنا ورباح غلام رسول الله ﷺ بظهر رسول الله ﷺ وخرجت بفرس لطلحة بن عبيد الله كنت أريد أن أُبَدِّيه (٢) مع الإبل فلما كان بغلس غار عبد الرحمن بن عيينة على إبل رسول الله ﷺ وقتل راعيها وخرج يطردها هو وأناس معه في خيل، فقلت يا رباح: اقعد على هذا الفرس فألحقه بطلحة وأخبر رسول الله ﷺ أنه قد أغير على سرحه، قال وقمت على تل فجعلت وجهي من قبل المدينة ثم ناديت ثلاث مرات: " يا صباحاه " ثم اتبعت القوم معي سيفي ونبلي فجعلت أرميهم وأعقر بهم، وذلك حين يكثر الشجر فإذا رجع إلي فارس جلست له في أصل شجرة ثم رميت فلا يقبل علي فارس إلا عقرت به فجعلت أرميهم وأنا أقول: ... أنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع
فألحق برجل منهم فأرميه وهو على راحلته فيقع سهمي في الرحل حتى انتظمت كتفه فقلت:
خذها وأنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع
стр. 95
فإذا كنتُ في الشجر أحرقتهم بالنبل، فإذا تضايقت الثنايا علوت الجبل فرديتهم بالحجارة، فما زال ذاك شأني وشأنهم أتبعهم فأرتجز حتى ما خلق الله شيئاً من ظهر رسول الله ﷺ إلا خلفته وراء ظهري فاستنقذته من أيديهم ثم لم أزل أرميهم حتى ألقوا أكثر من ثلاثين رمحا وأكثر من ثلاثين بردة يستخفون منها، ولا يلقون من ذلك شيئا إلا جعلت عليه حجارة وجمعته على طريق رسول الله ﷺ حتى إذا امتد الضحى أتاهم عيينة بن بدر الفزاري مددا لهم وهم في ثنيةٍ ضيقةٍ ثم علوت الجبل فأنا فوقهم، فقال عيينة ما هذا الذي أرى؟ قالوا لقينا من هذا البَرْحَ (١)، ما فارقنا بسحر حتى الآن، وأخذ كل شيء في أيدينا وجعله وراء ظهره، قال عيينة: لولا أن هذا يرى أن وراءه طلبا لقد ترككم ليقم إليه نفر منكم فقام إليه منهم أربعة فصعدوا في الجبل فلما أسمعتهم الصوت قلت: أتعرفوني قالوا ومن أنت؟ قلت: أنا ابن الأكوع والذي كرم وجه محمد ﷺ لا يطلبني منكم رجل فيدركني ولا أطلبه فيفوتني، قال رجل منهم إن أظن. قال: فما برحت مقعدي ذلك حتى نظرت إلى فوارس رسول الله ﷺ يتخللون الشجر وإذا أولهم الأخرم الأسدي وعلى أثره أبو قتادة فارس رسول الله ﷺ ، وعلى أثر أبي قتادة المقداد الكندي، فولى المشركون مدبرين، وأنزل من الجبل فأعرض للأخرم فآخذ بعنان فرسه فقلت يا أخرم ائذن القوم - يعني احذرهم - فإني لا آمن أن يقطعوك فاتئد حتى يلحق رسول الله ﷺ وأصحابه قال يا سلمة: إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر وتعلم أن الجنة حقٌ والنارَ حقٌ فلا تحل بيني وبين الشهادة، قال فخليت عنان فرسه فيلحق بعبد الرحمن بن عيينة، ويعطف عليه عبد الرحمن فاختلفا طعنتين فعقر الأخرم بعبد الرحمن
стр. 96
وطعنه عبد الرحمن فقتله، فتحول عبد الرحمن عن فرس الأخرم، فلحق أبو قتادة بعبد الرحمن فاختلفا طعنتين فعقر بأبي قتادة وقتله أبو قتادة، وتحول أبو قتادة على فرس الأخرم، ثم إني خرجت أعدو في أثر القوم حتى ما أرى من غبار صحابة النبي ﷺ شيئا، ويعرضون قبل غيبوبة الشمس إلى شِعبٍ فيه ماء يقال له؛ ذو قَرَد، فأرادوا أن يشربوا منه فأبصروني أعدو وراءهم فعطفوا عنه واشتدوا في الثنية؛ ثنية ذي بئر، وغربت الشمس فألحق رجلا فأرميه، فقلت: خذها وأنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع، قال: فقال: يا ثكل أم أكوع بكرة؟ قلت: نعم أي عدو نفسه. وكان الذي رميته بكرة فأتبعته سهما آخر فعلق به سهمان ويخلفون فرسين، فجئت بهما أسوقهما إلى رسول الله ﷺ وهو على الماء الذي جليتهم عنه ذو قرد فإذا بنبي الله ﷺ في خمس مائة وإذا بلال قد نحر جزورا مما خلفت، فهو يشوي لرسول الله ﷺ من كبدها وسنامها، فأتيت رسول الله ﷺ -
стр. 97
فقلت: يا رسول الله خلني فأنتخب من أصحابك مائة فآخذ على الكفار عشوة فلا يبقى منهم مخبر إلا قتلته، قال: أكنت فاعلاً ذلك يا سلمة؟ قال: نعم والذي أكرمك، فضحك رسول الله ﷺ حتى رأيت نواجذه في ضوء النار، ثم قال: إنهم يقرون الآن بأرض غطفان، فجاء رجل من غطفان فقال: مَرُّوا على فلان الغطفاني فنحر لهم جزورا، قال فلما أخذوا يكشطون جلدها رأوا غبرة فتركوها وخرجوا هربا فلما أصبحنا قال رسول الله ﷺ : " خير فرساننا اليوم أبو قتادة وخير رجالتنا سلمة " فأعطاني رسول الله ﷺ سهم الراجل والفارس جميعا، ثم أردفني وراءه على العضباء راجعين إلى المدينة، فلما كان بيننا وبينها قريبا من ضحوة، وفي القوم رجل من الأنصار كان لا يسبق جعل ينادي هل من مسابق ألا رجل يسابق إلى المدينة، فأعاد ذلك مراراً، وأنا وراء رسول الله ﷺ
مردفي، قلت له: أما تكرم كريما ولا تهاب شريفا؟، قال: لا إلا رسول الله ﷺ قال: قلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي خلني فلأسابق الرجل، قال إن شئت، قلت اذهب إليك فطفر عن راحلته وثنيت رجلي فطفرت عن الناقة ثم إني ربطت عليها شرفا أوشرفين -يعني استبقيت نفسي- ثم إني عدوت حتى ألحقه فأصك بين كتفيه بيدي قلت: سبقتك والله أو كلمة نحوها، قال فضحك وقال إن أظن حتى قدمنا المدينة "
وفيه ثلاث مسائل:
الأولى:
متى كانت غزوة ذى قَرَد، وكم كان عدد المسلمين فيها؟
* اختُلف فى ذلك، ومن كلام أهل العلم يمكننا أن نقول أن ذلك على ثلاثة أقوال:
الأول: كلام أهل السير أنها كانت قبل الحديبية فنقل القرطبى فى شرح مسلم أنه لا يختلف أهل السير فى أن غزوة ذات قَرَد كانت قبل الحديبية، وقال: " ويكون ما وقع فى حديث سلمة وهمٌ من الرواة "
стр. 98
الثانى: ما رجحه البخارى وصار إليه، وبوب عليه الباب أنها كانت قبل خيبر بثلاث ليالٍ، وإليه ذهب ابن حجر: فقال " مافى الصحيح يقدم على كلام أصحاب السير "
الثالث: أن الخروج إلى ذى قرد تكرر:
ذكر ابن حجر أن الحاكم قال في " الإكليل " أن الخروج إلى ذي قَرَد تكرر، ففي الأول خرج إليها زيد بن حارثة قبل أُحد، وفي الثانية خرج إليها النبي ﷺ في ربيع الآخر سنة خمس، والثالثة هذه المختلف فيها ا. هـ
وقال ابن حجر بعد ترجيحه مذهب البخارى على مذهب أصحاب السير " أو أن تكون إغارة عيينة بن حصنٍ وقعت مرتين الأولى قبل الحديبية، والثانية بعد الحديبية وقبل خيبر" وقد استشهد بكلام الحاكم وعلق عليه بقوله: " إذا ثبت هذا قوى هذا الجمع الذى ذكرته ".
* أما عدد المسلمين، فقد ابتدأت بمتابعة سلمة لفزارة، ثم تبعه جملة من فوارس المسلمين ابتدروا أمر النبىِّ ( ﷺ ) وأمَّر عليهم سعد بن زيد، ولحقوا بسلمة وقتل أحدهم كما ذكرَتْ روايةُ أحمد، ثم اجتمع بعد ذلك للنبى ( ﷺ ) خمسمائة رجل لحقوا بالفوارس، ذكر ذلك ابن كثير (١).
الثانية:
معنى قوله " واليوم يوم الرضع ":
واليوم يوم الرُّضَّع" بضم الراء وتشديد المعجمة جمع راضع وهو اللئيم، فمعناه "اليوم يوم اللئام " أي اليوم يوم هلاك اللئام، والأصل فيه: " أن شخصا كان شديد البخل، فكان إذا أراد حلب ناقته ارتضع من ثديها لئلا يحلبها فيسمع جيرانه أو من يمر به صوت الحلب فيطلبون منه اللبن "، وقيل: بل صنع ذلك لئلا يتبدد من اللبن شيء إذا حلب في الإناء أو يبقى في الإناء شيء إذا شربه منه، فقالوا في المثل "الأم من راضع" وقيل: بل معنى المثل ارتضع اللؤم من بطن أمه، وقيل: كل من كان يوصف وباللؤم يوصف بالمص والرضاع،
стр. 99
وقيل: المراد من يمص طرف الخلال إذا خل أسنانه، وهو دال على شدة الحرص. وقيل: هو الراعي الذي لا يستصحب محلبا، فإذا جاءه الضيف اعتذر بأن لا محلب منه، وإذا أراد أن يشرب ارتضع ثديها. وقال أبو عمرو الشيباني: هو الذي يرتضع الشاة أو الناقة عند إرادة الحلب من شدة الشره. وقيل: أصله الشاة ترضع لبن شاتين من شدة الجوع. وقيل: معناه اليوم يعرف من ارتضع كريمة فأنجبته ولئيمة فهجنته. وقيل: معناه اليوم يعرف من أرضعته الحرب من صغره وتدرب بها من غيره. وقال الداودي: معناه هذا يوم شديد عليكم تفارق فيه المرضعة من أرضعته فلا تجد من ترضعه.
الثالثة:
لماذا لم يوافق النبىُّ ( ﷺ ) سلمة فى تتبع القوم؟
قال بن بطال فى شرحه: " فربما عادت عليه كسرة من حيث لا يظن، فبعد أن كان ظفر، يظهر به " لذلك قال له النبىُّ: " إن القوم يقرون فى قوهم " وقال أيضاً: " قال ذلك ( ﷺ ) رجاء توبة منهم، ودخول فى الإسلام ".
من فوائد الحديث:
١ - فيه منقبةٌ لسلمة بن الأكوع (﵁) فالحديث نقل لنا شخصية سلمة، ومدى شجاعته، ومدى حبه للنبىِّ وبذله من مهجة نفسة لإستنقاذ إبل النبىِّ ( ﷺ ) من فزارة الذين هم من غطفان، وذلك من طلوع الفجر وحتى العشاء، كل ذلك ولا يفتر عن مطاردة العدو، حتى قدم النبىُّ ( ﷺ ) والناس معه، ولم يكتف بذلك ولكن قال للنبىِّ ( ﷺ ) جهزنى فى مائة رجل أتبع القوم فأقتلهم فضحك النبىُّ ( ﷺ ) وأعجب بشجاعته، وقال له: " مَلَكْتَ فَأَسْجِحْ إِنَّ الْقَوْمَ يُقْرَوْنَ فِي قَوْمِهِمْ "
٢ - جواز العدو الشديد في الغزو.
٣ - والإنذار بالصياح العالي قال المهلب: فيه وجوب النذير بالعسكر والسرية بالصراخ بكلمة تدل على ذلك
стр. 100
٤ - وفيه لقاء الواحد أكثر من المثلين؛ لأن سلمة كان وحده، وألقى بنفسه إلى التهلكة، كما قال بن بطال
٥ - وفيه فضل الرماية، لأنه سلمة وحده قاومهم بها وردَّ الغنيمة.
٦ - وتعريف الإنسان نفسه إذا كان شجاعا ليرعب خصمه.
٧ - واستحباب الثناء على الشجاع ومن فيه فضيلة لا سيما عند الصنع الجميل ليستزيد من ذلك، ومحله حيث يؤمن الافتتان. قاله بن حجر.
٨ - وفيه المسابقة على الأقدام ولا خلاف في جوازه بغير عوض، وأما بالعوض فالصحيح لا يصح. والله أعلم. قاله ابن حجر، ففى رواية مسلم وأحمد أنه فى عودتهم من الغزوة تسابق سلمة ورجلٌ من الأنصار، على سمعٍ ومرأى من النبى ولم ينكر ( ﷺ ).
٩ - أن قوله " ياصباحاه " ليست من دعوى الجاهلية المنهي عنها لأنها استغاثة على الكفار. قاله ابن المنير
١٠ - وفيه تأكيد العفو عند المقدرة إن كان من باب حظ النفس، لقول النبىِّ ( ﷺ ) لسلمة " مَلَكْتَ فَأَسْجِحْ "
الحديث الثانى عشر
١٢ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ "عَنْ سَلَمَةَ قَالَ: "خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى خَيْبَرَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: أَسْمِعْنَا يَا عَامِرُ مِنْ هُنَيَّاتِكَ، فَحَدَا بِهِمْ، فَقال النبي ﷺ : "مَنْ السَّائِقُ؟ " قَالُوا: عَامِرٌ فَقَالَ: ﵀، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلاَ أَمْتَعْتَنَا بِهِ؟ فَأُصِيبَ صَبِيحَةَ لَيْلَتِهِ. فَقَالَ الْقَوْمُ: حَبِطَ عَمَلُهُ، قَتَلَ نَفْسَهُ.
стр. 101
فَلَمَّا رَجَعْتُ - وَهُمْ يَتَحَدَّثُونَ أَنَّ عَامِرًا حَبِطَ عَمَلُهُ - فَجِئْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي، زَعَمُوا أَنَّ عَامِرًا حَبِطَ عَمَلُهُ، فَقَالَ: كَذَبَ مَنْ قَالَهَا، إِنَّ لَهُ لأَجْرَيْنِ اثْنَيْنِ، إِنَّهُ لَجَاهِدٌ مُجَاهِدٌ، وَأَيُّ قَتْلٍ يَزِيدُهُ عَلَيْهِ" (٦٨٩١)
الشرح:
قال الكرمانىُّ فى "شرح البخارى" والقسطلانىُّ فى "إرشاد السارى": " هذا هو التاسع عشر من الثلاثيات ".
وقد أخرج البخارى هذا الحديث فى كتاب الديات باب "إذا قتل نفسه خطأ فلا دية له" وذكره فى كتاب المغازي عن القعنبي وفي الأدب عن قتيبة وفي المظالم عن أبي عاصم النبيل وفي الذبائح عن مكي بن إبراهيم وفي الدعوات عن مسدد، وأخرجه مسلم وابن ماجه أيضا.
وقال الإسماعيلي معلقاً على قوله: " قتل نفسه خطأ " قال: " ولا إذا قتلها عمدا " يعني أنه لا مفهوم لقوله "خطأ"، والذي يظهر أن البخاري إنما قيده بالخطأ لأنه محل الخلاف، وقد أخرج الحديث أيضاً فى "باب ما يجوز من الشعر والرجز والحداء" وفى " غزوة خيبر".
وعامر هو ابن الأكوع فهو أخو سلمة وقيل عمه.
ولم يذكر في هذه الطريق صفة قتل عامر نفسه، وقد جاء ذكر ذلك في كتاب الأدب من كتاب البخارى ففيه: "وكان سيف عامر قصيرا فتناول به يهوديا ليضربه فرجع ذبابه فأصاب ركبته "
وقد تقدم في الدعوات من وجه آخر عن يزيد بن أبي عبيد شيخ مكي بلفظ فيه: "فلما تصاف القوم أصيب عامر بقائمة سيفه فمات "
قوله " من هُنَيَّاتك " بضم الهاء وفتح النون وتشديد الياء آخر الحروف جمع هُنَيَّة وقد تبدل الياء هاء فيقال هُنَيْهَة ويجمع على هنيهات وأراد بها الأراجيز.
قوله " حدا بهم ": من الحدو وهو سوق الإبل والغناء لها، يقال حدوت الإبل حدوا وحداء، والذى كان يقوله جاء فى غزوة خيبر، قال:
стр. 102
اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا
فاغفر فداء لك ما أبقينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا
وألقين سكينة علينا إنا إذا صيح بنا أتينا ...... وبالصياح عولوا علينا
وإنما قالوا "حبط عمله" إعمالاً لقوله تعالى: "ولا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُم " ولكن هذا إنما هو فيمن يتعمد قتل نفسه إذ الخطأ لا ينهى عنه أحد، وقال الداودي: ويحتمل أن يكون هذا قبل قوله تعالى:
" وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً " وقوله: وجاهد اسم فاعل من جهد ومجاهد اسم فاعل أيضا من جاهد.
وفيه مسألتان:
الأولى: هل لقاتل نفسه دية؟
على مذهبين عند أهل العلم:
الأول: قال بن بطال: " قال الأوزاعي وأحمد وإسحاق: تجب ديته على عاقلته (١)، فإن عاش فهي له
عليهم وإن مات فهي لورثته. وقال الظاهرية دية من قتل نفسه على عاقلته.
الثانى: وهو قول الجمهور، قالوا لا يجب في ذلك شيء، وقصة عامر هذه حجة لهم إذ لم ينقل أن النبي ﷺ أوجب في هذه القصة له شيئا، ولو وجب لبينها إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وقد أجمعوا على أنه لو قطع طرفا من أطرافه عمدا أو خطأ لا يجب فيه شيء. وهو مذهب البخارىُّ كما بوب عليه.
الثانية: حكم الحداء وما يلتحق به.
стр. 103
قال ابن حجر: نقل ابن عبد البر الاتفاق على إباحة الحداء، وفي كلام بعض الحنابلة إشعار بنقل خلافٍ فيه، ومانعه محجوج بالأحاديث الصحيحة، ويلتحق بالحداء هنا الحجيج المشتمل على التشوق إلى الحج بذكر الكعبة وغيرها من المشاهد، ونظيره ما يحرض أهل الجهاد على القتال، ومنه غناء المرأة لتسكين الولد في المهد. ا-هـ وقال أيضاً: وأخرج الطبري من طريق ابن جريج قال: سألت عطاء عن الحداء والشعر والغناء فقال: " لا بأس به ما لم يكن فحشا". وقال ابن بطال: ما كان في الشعر والرجز ذكر الله تعالى وتعظيم له ووحدانيته وإيثار طاعته والاستسلام له فهو حسن مرغب فيه، وهو المراد في الحديث بأنه حكمة، وما كان كذبا وفحشا فهو مذموم. والأدلة فى ذلك كثيرة عن النبى ( ﷺ ) والصحابة والتابعين، منها ما أخرجه أحمد وابن أبي شيبة والترمذي وصححه من حديث جابر بن سمرة قال: "كان أصحاب رسول ﷺ يتذاكرون الشعر وحديث الجاهلية عند رسول الله ﷺ فلا ينهاهم. وربما يتبسم"، أما الروايات التى جاءت فى ذم الشعر على الإطلاق قال ابن حجر عنها أنها واهية.
من فوائد الحديث:
١ - استحباب الحداء في الأسفار، لتنشيط النفوس والدواب على قطع الطريق واشتغالها بسماعه عن الإحساس بألم السير.
٢ - مشروعية المواساة والتعزى، كما فعل النبى ( ﷺ ) لما رأى سلمة مهموما بما سمع من موت عمه.
٣ - الكذب يطلق على ما يخالف الواقع عمداً كان أو خطأ.
٤ - وفيه معجزة من معجزات النبى ( ﷺ ) حيث قال ﵀، وفى رواية قال رجلٌ " وجبت يا رسول الله" وقال أبو عمر كانوا قد عرفوا أنه إذا استغفر لأحد عند الوقعة وفي المشاهد يستشهد البتة
٥ - لا يؤخذ بالظاهر، وإنما للأمور بواطن فقد قالوا: " حبط عمله " فقال النبى ( ﷺ ) "كذبوا "
стр. 104
٦ - مشروعية الذب عن أعراض المسلمين، فالنبى ( ﷺ ) لما نيل من عامر، وقف مدافعاً عنه وقال:
" كذب من قالها ".
الحديث الثالث عشر
١٣ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ رَأَيْتُ أَثَرَ ضَرْبَةٍ فِي سَاقِ سَلَمَةَ فَقُلْتُ يَا أَبَا مُسْلِمٍ مَا هَذِهِ الضَّرْبَةُ فَقَالَ هَذِهِ ضَرْبَةٌ أَصَابَتْنِي يَوْمَ خَيْبَرَ فَقَالَ النَّاسُ أُصِيبَ سَلَمَةُ فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَنَفَثَ فِيهِ ثَلَاثَ نَفَثَاتٍ فَمَا اشْتَكَيْتُهَا حَتَّى السَّاعَةِ. (٤٢٠٦)
الشرح:
قال الكرمانىُّ: " وهذا هو الرابع عشر من الثلاثيات، وكذا نص عليه العينى فى " عمدة القارى"
وأخرج البخارىُّ الحديث فى كتاب المغازى، باب " غزوة خيبر " وقد ذكر البخارى فى هذا الباب ثلاثين حديثاً يخص هذه الغزوة المباركة، وكان غزوها في آخر المحرم سنة سبع، فحاصرها ( ﷺ ) بضع عشرة ليلة إلى أن فتحها في صفر، وهذا هو الراجح، كما قال ابن حجر.
ومن ضمن الأحداث التى وقعت فى هذه الغزوة إصابة سلمة فى ركبته، فتكلم الناس فى ذلك فقدم على النبى ( ﷺ ) يشكو جرحه فأيده الله بأن أراه معجزةً من معجزات النبى ( ﷺ ) وعلامةً من علامات نبوته؛ وهى أن النبى ( ﷺ ) نفث فى جرحه فبرأ فلم يشكه بعد ذلك.
وينقل الحديث لنا هذه الخصوصية لسلمة، وقد حَدَثَ مثلُها لعلىٍّ (﵁) فى نفس الغزوة، لما قال ( ﷺ ): لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله .. الحديث " وكان قد اشتكى عينه فتفل النبىُّ ( ﷺ ) فى عينيه ثلاثاً فكانت كأنه لم يشتكى منها.
والنفثات: جمع نَفْثَة، وهي فوق النفخ ودون التفل، وقد يكون بغير ريق بخلاف التفل، وقد يكون بريق خفيف بخلاف النفخ.
وفيه مسألة:
стр. 105
غزوة خيبر (١):
كانت خيبر مدينة كبيرة ذات حصون ومزارع على بعد ثمانين ميلا من المدينة في جهة الشمال، وهي الآن قرية في مناخها بعض الوخامة.
كانت خيبر محل نظر النبىِّ ( ﷺ ) بعد أن فرغ من أمر قريش بعد صلح الحديبية، فإن خيبر كانت حجر عثرة أمام تبليغ دين الله، حيث أنها كانت السبب فى تأليب الأحزاب على المسلمين، حتى وصل بهم الأمر لوضع خطةٍ لاغتيال النبى ( ﷺ ) فتوجه إليها النبىُّ ( ﷺ ) فى المُحرَّم، وأعلن ألا يَخرج معه إلا راغبٌ في الجهاد، فلم يخرج إلا أصحاب الشجرة وهم ألف وأربعمائة. وكانت خيبر منقسمة إلى شطرين، شطر فيها خمسة حصون:
١ ـ حصن ناعم. ٢ ـ حصن الصَّعْب بن معاذ.
٣ ـ حصن قلعة الزبير. ٤ ـ حصن أُبَيّ.
٥ ـ حصن النِّزَار.
والحصون الثلاثة الأولي منها كانت تقع في منطقة يقال لها: (النَّطاة) وأما الحصنان الآخران فيقعان في منطقة تسمي بالشَّقِّ.
أما الشطر الثاني، ويعرف بـ " الكُتَيْبة " - مُصغرة -، ففيه ثلاثة حصون فقط:
١ ـ حصن القَمُوص [وكان حصن بني أبي الحقيق من بني النضير].
٢ ـ حصن الوَطِيح.
٣ ـ حصن السُّلالم (٢).
وفي خيبر حصون وقلاع غير هذه الثمانية، إلا أنها كانت صغيرة، لا تبلغ إلى درجة هذه القلاع في مناعتها وقوتها.
والقتال المرير إنما دار في الشطر الأول منها، أما الشطر الثاني فحصونها الثلاثة مع كثرة المحاربين فيها سلمت دونما قتال.
وفيها قال النبىُّ ( ﷺ ) لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح الله على
стр. 106
يديه، وكان ذلك علىٌّ (﵁) وأول حصن هاجمه المسلمون من حصونهم الثمانية هو حصن ناعم. عرض علىٌّ عليهم الإسلام فأبوا فقاتلوهم، يقول صاحب الرحيق المختوم: " ويؤخذ من المصادر أن هذا القتال دام أيامًا، لاقي المسلمون فيها مقاومة شديدة، إلا أن اليهود يئسوا من مقاومة المسلمين، فتسللوا من هذا الحصن إلى حصن الصَّعْب، واقتحم المسلمون حصن ناعم "، ثم انتقل القتال إلى حصن الصعب وفرض المسلمون عليه الحصار ثلاثة أيام، وفي اليوم الثالث فتحه الله بدعوة النبىِّ ( ﷺ )، وما بخيبر حصن كان أكثر طعامًا وودكًا منه. ووجد فيه المسلمون بعض المنجنيقات والدبابات، وكان ذلك وقت نهى النبىِّ الصحابة عن أكل الحمر الإنسية، وبعد ذلك تحول اليهود إلى قلعة الزبير فحاصرهم النبىُّ ( ﷺ ) وقطع ماءهم عليهم، فخرجوا فقاتلوا أشد القتال، قتل فيه نفر من المسلمين، وأصيب نحو العشرة من اليهود، وافتتحه رسول الله ( ﷺ ) وبعد فتح قلعة الزبير انتقل اليهود إلى قلعة أبي وتحصنوا فيه، وفرض المسلمون عليهم الحصار، وقام أبو دجانة باقتحام القلعة، واقتحم معه الجيش الإسلامي، وجري قتال مرير ساعة داخل الحصن، ثم تسلل اليهود من القلعة، وتحولوا إلى حصن النزار آخر حصن في الشطر الأول. ثم كان حصن النَّزَار وكان أمنعهم لأنه كان على جبل مرتفع، ولا يستطيع المسلمون اقتحامه، يقول صاحب الرحيق المختوم: " ويبدو أن المسلمين قذفوا به القذائف، فأوقعوا الخلل في جدران الحصن، واقتحموه، ودار قتال مرير في داخل الحصن انهزم أمامه اليهود هزيمة منكرة، وذلك لأنهم لم يتمكنوا من التسلل من هذا الحصن كما تسللوا من الحصون الأخري، بل فروا من هذا الحصن تاركين للمسلمين نساءهم وذراريهم ".
стр. 107
ولما أتم رسول الله ( ﷺ ) فتح ناحية النطاة والشق، تحول إلى أهل الكتيبة التي بها حصن القَمُوص: حصن بني أبي الحُقَيْق من بني النضير، وحصن الوَطِيح والسُّلالم، وجاءهم كل فَلِّ كان انهزم من النطاة والشق، وتحصن هؤلاء أشد التحصن. ولما أتي رسول الله ( ﷺ ) إلى هذه الناحية ـ الكتيبة ـ فرض على أهلها أشد الحصار، ودام الحصار أربعة عشر يومًا، واليهود لا يخرجون من حصونهم، حتى همّ رسول الله ﷺ أن ينصب عليهم المنجنيق، فلما أيقنوا بالهلكة سألوا رسول الله ( ﷺ ) الصلح. ثم كانت المفاوضة بعد ذلك، حيث أرسل ابن أبي الحُقَيْق إلى رسول الله ( ﷺ ): أنزل فأكلمك؟ قال: (نعم)، فنزل، وصالح على حقن دماء مَنْ في حصونهم من المقاتلة، وترك الذرية لهم، ويخرجون من خيبر وأرضها بذراريهم، ويخلون بين رسول الله ( ﷺ ) وبين ما كان لهم من مال وأرض، وعلى الصفراء والبيضاء
ـ أي الذهب والفضة ـ والكُرَاع والْحَلْقَة إلا ثوبًا على ظهر إنسان، فقال رسول الله ( ﷺ ):
" وبرئت منكم ذمة الله وذمة رسوله إن كتمتموني شيئا "، فصالحوه على ذلك، وبعد هذه المصالحة تم تسليم الحصون إلى المسلمين، وبذلك تم فتح خيبر. وبعد ذلك قُتل ابن أبى الحقيق لمالٍ أخفاه.
وفيها: سبي رسول الله ﷺ صفية بنت حيي بن أخطب، وكانت تحت كنانة بن أبي الحقيق، وكانت عروسًا حديثة عهد بالدخول.
стр. 108
ولقد أعطاهم خيبر على أن لهم الشطر من كل زرع، ومن كل ثمر، ما بدا لرسول الله ( ﷺ ) أن يقرهم، وقسم أرض خيبر على ستة وثلاثين سهمًا، جمع كل سهم مائة سهم، فكانت ثلاثة آلاف وستمائة سهم، فكان لرسول الله ( ﷺ ) والمسلمين النصف من ذلك وهو ألف وثمانمائة سهم، لرسول الله ( ﷺ ) سهم كسهم أحد المسلمين، وعزل النصف الآخر، وهو ألف وثمانمائة سهم، لنوائبه وما يتنزل به من أمور المسلمين، وإنما قسمت على ألف وثمانمائة سهم لأنها كانت طعمة من الله لأهل الحديبية من شهد منهم ومن غاب، وكانوا ألفا وأربعمائة، وكان معهم مائتا فرس، لكل فرس
سهمان، فقسمت على ألف وثمانمائة سهم، فصار للفارس ثلاثة أسهم، وللراجل سهم واحد، وكانت مغانمها كثيرة. وفيها دس السُّم للنبىِّ ( ﷺ ) بعد اطمئنانه فى خيبر.
وقد اختُلف فى جملة من استشهد من المسلمين في معارك خيبر ما بين ستة عشر رجلاً إلى واحد وتسعين. أما قتلي اليهود فعددهم ثلاثة وتسعون قتيلاً.
من فوائد الحديث:
١ - فيه تذكير بنعمة الله بفتح خيبر التى كانت تمثل حجر عثرة فى سبيل الدعوة.
٢ - وفيه التذكير بعزة الإسلام والمسلمين حيث أذاقوا اليهود أشد العذاب.
٣ - وفيه علامة من علامات نبوة النبىِّ ﷺ ، وذلك فى جرح سلمة، وعين علىِّ ? ﵃
٤ - الحرص التام على التعلم، كما حدث من يزيد لما سأل سلمة عن الأثر الذى رآه فى ساقه.
٥ - على المرء إذا وقع فى ضائقة عليه أن يفزع إلى أهل العلم، كما حدث من سلمة مع النبى ( ﷺ )
٦ - الإفتخار بنعمة الله من باب " وأما بنعمة ربك فحدث " فإن سلمة افتخر بما خصه الله بإظهار علامة من علامات نبوة النبى ( ﷺ ) على نفسه، فأخبر به يزيد رغم أنه لم يسأله عنه.
стр. 109
٧ - وفيه أن المفتى إذا سئل عن شىءٍ وعلم أن للسائل حاجةً إلى ذكر ما يتصل بمسألته استحب تعليمه إياه، وهذا ما فعله سلمة من ذكر نفث النبىِّ على جرحه ولم يرد فى سؤال يزيد.
٨ - وفيه التلطف فى السؤال. حيث أن يزيد سأل سلمة بكنيته، فقال يا أبا مسلم، والكنية أقرب إلى القلب من الاسم.
٩ - وفيه أنه يجوز السؤال عن الخصوصيات إذا كان فيها منفعة للعامة، وخاصةً إذا جاءت قرينةٌ
توحى بذلك فجرح سلمة من خصوصياته إلا أن صحبة سلمة للنبى ( ﷺ ) جعل يزيد يقدم أن من وراء جرحه هذا حدثاً ينتفع به، وينفع به من وراءه فسأله عنه.
الحديث الرابع والخامس عشر
١٤ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى نِيرَانًا تُوقَدُ يَوْمَ خَيْبَرَ قَالَ عَلَامَ تُوقَدُ هَذِهِ النِّيرَانُ؟ قَالُوا عَلَى الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ قَالَ اكْسِرُوهَا وَهرِيِقُوهَا قَالُوا أَلَا نُهَرِيقُهَا وَنَغْسِلُهَا؟ قَالَ اغْسِلُوا " قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ كَانَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ يَقُولُ الْحُمُرِ الْأَنَسِيَّةِ بِنَصْبِ الْأَلِفِ وَالنُّونِ (٢٤٧٧)
١٥ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ لَمَّا أَمْسَوْا يَوْمَ فَتَحُوا خَيْبَرَ أَوْقَدُوا النِّيرَانَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَامَ أَوْقَدْتُمْ هَذِهِ النِّيرَانَ قَالُوا لُحُومَ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ قَالَ أَهْرِيقُوا مَا فِيهَا وَاكْسِرُوا قُدُورَهَا فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ فَقَالَ نُهَرِيقُ مَا فِيهَا وَنَغْسِلُهَا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ أَوْ ذَاكَ. (٥٤٩٧)
الشرح:
стр. 110
أما الحديث الأول فقد قال القسطلانىُّ فى "إرشاد السارى": " هذا الحديث تاسع ثلاثيات البخارى "
وأخرجه البخارىُّ فى كتاب المظالم، باب " هل تكسر الدِّنانُ التى فيها خمر أو تُخرَّقَ الزّقِّاق؟ "
والحديث الثانى قال الكرمانىُّ عنه فى "شرح البخارى": " هذا هو سابع عشر الثلاثيات "
وقد أخرجه البخارىُّ فى كتاب الذبائح والصيد، باب " آنية المجوس، والميتة " فقد روى شيخا البخارىِّ الحديث عن يزيد عن أبى سلمة، وتعدّدُ الطرق تعطى بعض الفوائد، كحل إشكال، أو إيضاح شيءٍ مبهم، أو زيادة فائدة.
والحديث ينقل لنا ما قد أصاب الناس ليلة فتحوا خيبر من جوعٍ شديد، فإنهم قد وجدوا حمراً أهليةً فذبحوها، ووضعوها على القدور، فعلم النبىُّ ( ﷺ ) بذلك فحرمها، وأمرهم بإهراقها وكسر
الآنية، ثم خفف الحكم بجواز استخدام هذه الآنية بعد غسلها. قال ابن الجوزى (١):
" أراد التغليظ عليهم فى طبخهم ما نهى عن أكله فلما رأى إذعانهم اقتصر على غسل الأوانى "
وقوله " قال أبو عبد الله " هو المصنف؛ الإمام البخارى، وقوله "الأَنَسِيَّة" -بفتح الهمزة - نسبةً إلى الأنس بالفتح - بسكون النون وفتحها - ضد الوحشة، والمشهور فى الروايات بكسر الهمزة وسكون النون نسبةً إلى الإنس أى بنى آدم لأنها تألفهم وهى ضد الوحشية.
وهما روايتان حكاهما القلضى عياض وآخرون، كما نقل ذلك النووىُّ عنهم.
والحديث ينقل لنا بعض أحكام الأطعمة والآنية، وتصور لنا مجتمع الصحابة، فى أنصع صوره حيث استجابوا لأمر النبى ( ﷺ ) رغم جوعهم.
وفيه أربع مسائل:
الأولى: حكم لحوم الحمر الإنسية.