الفرقان
في بيان
إعجاز القرآن
تأليف الشيخ
عبد الكريم بن صالح الحميد
حفظه الله تعالى
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين، أما بعد ...
فإن إعجاز القرآن مُسَلَّم في اعتقاد المسلمين لا يتطرّق إليه الشك.
وقد ظهر هذا الإعجاز وقت نزوله بأخباره الغيبية الماضية والحاضرة والمستقبلة، وبالتحدّي بالإتيان ولوْ بسورة واحدة من مثله إلى غير ذلك من إعجازه الباهر، القاهر لكل مبطل خاسر.
وليس موضوعنا التفصيل في ذلك فقد كُفيناه حيث كَتَبَ السلف في هذا ما بعضه يكفي.
وإنما المراد هنا الكلام فيما جَدّ وحَدَث في زماننا من الكلام في إعجاز القرآن الذي معناه متابعة ومجاراة الكفار الملاحدة فيما يزعمون أنهم اكتشفوه وعرفوه.
فالمقصود النظر في هذا الإعجاز المزعوم وَوَزنه بميزان الشرع لِتَسْتبين سبيل الحق من الباطل ولأنه صار فتنة عظيمة تهوّك بها من تهوّك على غير هدى بل بضلال مبين لا يرتقي ولا إلى درجة الظن والتخمين.
стр. 3
بل حصل بسببه من جحود الخالق وإنكار وجوده ما لا يُحاط به، يعلم الكثير من ذلك من اسْتقرأ الأمر من بدايته وأصله وتابع تفرّعاته ونتائجه، ولم يغرّه نفخ في صُوَرٍ مَيّتة ممن يُرَوِّجون فاسد البضاعة وكاسدها، بل والله مسمومها، وأعني الذين تَوَلَّوْا ترجمة هذه العلوم. كذلك الذين وجدوها مترجمة ففُتِنوا فيها فضلوا بها وأضلوا من تبعهم بما يكتبون ويؤلفونه تقليداً وتبعية.
وكل هؤلاء أقحموا آيات القرآن قسْراً وقهراً رغم عدم طَوَاعِيّتها والبَوْن البعيد الفارق بينها وبين هذه العلوم الدخيلة، أقحموها بها لِتَساير الركب الضال وهذا يستحيل تحقيقاً وإنْ وُجِدَ تَلْفيقاً.
وإن ترويج هذه العلوم المضلّة بمزجها بعلم الهدى لَنَذير شر وموجب رَدَى.
إن الحق والباطل لا يتفقان على الملائمة ولا يجتمعان إلى على مضادة ومُنافرة وإنما اللبس إذا وقع أظلمت الطريق، فقد الْتبس الحق بالباطل بهذه الأسباب فحصل الضلال.
والمراد من هذا الكتاب النظر في هذا الطوفان الغامر المسمى: (إعجاز القرآن العلمي) بِزَعْم تصديق كلام الله وتصحيحه وتأييده هذه النظريات التي يُطلق عليها اسم العلم التي وَفَدَتْ من ملاحدة أصّلوا علومهم ونظرياتهم على جحود الخالق سبحانه وبحمده، فهل القرآن
стр. 4
حقيقة يُوَافق ذلك أم يخالفه فلننظر (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ).
أما من أقرّ بالخالق منهم فقد أقَرَّ به على مقتضى هذا النظر المحدَث للكون، وهو ضلال من أوله إلى آخره، فكثير منهم غايتهم الربوبية، والإقرار بالخالق لوْ كان على مقتضى الفطرة والنظر الصحيح لما دخل صاحبه في الإسلام فكيف بنظرِ مَنْ سار على نهج هذا العلم الحديث وكشوفاته؟ إنها تبدأ بالضلال وتنتهي إليه، أما من يُرَوِّج هذه البضائع فإما جاهل أو ماكر، وأهل الإسلام في غنى ونعمة من الله حَسَدهم عليها أعداؤهم فأرادوا أن يزاحموها بضلالهم ويفسدوها لتحصل المشاركة، (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ).
وقدس الله روح ابن القيم فهو يقول: فلا تُتعب ذهنك بهذيانات الملحدين فإنها عند من عرفها من هَوَس الشياطين وخيالات المبطلين.
وإذا طلع فجر الهدى وأشرقت النبوّة فعساكر تلك الخيالات والوساوس في أول المنهزمين، (وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) انتهى (١).
стр. 5
اعلم أن الشأن كل الشأن في طلوع هذا الفجر وإشراق هذا النور حتى يكون الأمر في زماننا كما وصف قدس الله روحه.
كتبها
عبد الكريم بن صالح الحميد
стр. 6
نيوتن والجاذبية وقانونها
إسحاق نيوتن هذا كافر إنجليزي غلا فيه الملاحدة ومن قلّدهم وأخذوا كلامه في الجاذبية من غير معرفة ولا دراية وكأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه مع أن كلامه في ذلك ينقسم إلى قسمين:
قسم غايته فيه أنه عَرَفَه بالبديهية وهذا يشاركه فيها كل أحد وهو انحطاط الأثقال من أعلى إلى أسفل الذي سَمّوْه الجاذبية وأي ميزة تَمَيّز بها هذا الضال؟.
الثاني: الضلال المبين الذي فتح بابه لأمثاله مما تصوّره في خياله مع أنه لا حقيقة له في الواقع وذلك زعمه أن حجم الجسم كلما ازْداد ازْدادت قوّته في جذب الأجسام الأخرى إليه.
ومن هنا تَبَنَتْ النظريات الخيالة الباطلة من الكلام بما سَمّوْه المجموعة الشمسية وانفصال الكواكب بزعمهم من الشمس ودورانها حولها، وتجاذبها، ولقد قَبِل العالَم كلامه بلا برهان فمن أين له أن حجم الجسم كلما ازداد زادت قوّته في جذب الأجسام الأخرى إليه؟.
стр. 7
إن خاصية انحطاط الأثقال إلى أسفل أو الجاذبية خاصِّيّة أوْدعها الله الأرض التي هي المهاد والفراش الموضوع في أسفل العالم للأنام لأجل استقرارهم.
أما أن يُجعل ذلك قاعدة مُطّرِدة تنطبق على كل جسم كبير فهذا من أبطل الباطل وهو خيال مجرّد عن الحقيقة ولا يقدر أحد أن يُبرهن عليه بل الأدلّة الشرعية على خلافه حيث أنه تكرر في كلام الله عن الأرض أنها لِعَيش الخلائق واستقرارهم على ظهرها ولأجل ذلك خلقها الله على هذه الكيفية مستقرة ثابتة تنجذب الأثقال إلى مركزها السفلي وهو نهاية السُّفِل.
ومما يبين بطلان نظريته أن السماء المبنية المحيطة بالأرض إحاطة الكرة بما في وسطها لا تجذب الأرض مع أنها أكبر منها بشيء عظيم كما هو مُشاهد، لكن هم لا يعرفون هذه السماء الدنيا المبنية ولا يُقِرّون بوجودها لذلك ليس لها ذكر في علومهم ولا يعرفون ما فوقها ولا يُقرّون به، وأي ضلال أعظم من هذا؟.
إذاً خاصيّة انحطاط الأثقال إلى أسفل صادرة عن خالق حكيم قال تعالى: (وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ) فهي في سُفِل العالم ومركزه وقال تعالى: (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَاراً) وهي إنما صارت قراراً بهذه الخاصية وهي انحطاط الأثقال إلى مركزها الأسفل وهناك الأرض
стр. 8
السابعة السفلى التي يتّجه انحطاط الأثقال إليها ويقف عندها من كل جانب، إذْ أن انحدار الأثقال ليس إلى ما لا نهاية، بل له نهاية معلومة وهي نهاية سفل العالم كله الأرض السابعة السفلى، ولأجل ذلك صارت الأرض قراراً.
والمراد أن هذه المجموعة الشمسية خيال لا حقيقية له ولم يرد لها ذكر في كلام الله وكلام رسوله، وقد قال صاحب كتاب (الإعجاز الإلهي في خلق الإنسان) ص ٨٢ قال: لقد طلب العالم الشهير نيوتن من ميكانيكي ماهر أن يصنع له مُجَسَّماً معدنياً جميلاً للمجموعة الشمسية، فَتَمَّ لنيوتن ما أراد، لقد أظهر المجسَّم الشمس والكواكب السيارة على شكل كرات تحرّكها يّدٌ معدنية ويُسّيِّرها نظام معقّد يعتمد على العديد من المسنّنات والاسطوانات والأربطة. انتهى.
فالمسألة لا تعدو النظريات الخيالية وأبعد ما تصل إليه الرسم على الورق والمجسَّمات ونحوها، والويل لمن خُدِع.
ومن جنس هذه المجسّمات الكرة التي يوضع أمامها ضوء فيُديّرُون الكرة تجاه الضوء ويزعمون أن اختلاف الليل والنهار يحصل بهذه الكيفية، مع أن اختلاف الليل والنهار يحصل بعكس ما زعموا وذلك بدوران الضوء نفسه الذي هو بمنزلة الشمس حول الكرة، وبذلك يتعاقب الليل والنهار، وقد بينت ذلك ولله الحمد في (هداية الحيران).
стр. 9
والمراد أن نيوتن هذا بنى نظرية الجذب التي هي بزعمه تُنَظم سير الكواكب على خيال مظلم حيث لا يستطيع أن يبرهن على ذلك، بل البرهان بخلافه فالسماء أكبر من الأرض ولا تجذبها، فإذا كان يقول: إن الجاذبية بين الأجسام المختلفة تبعاً لكثافتها وطول المسافة الفاصلة بين كل جسم وآخر فيقال: هذا مجرد خيال، وإنما ألْجأه إليه اعتقاد السديم وكواكبه التي انفصلت منه ودورانها ومن ضمنها الأرض فهو يُعَلّل تنظيم دوران هذه الكواكب ولزومها مواضعها في خطوط دورانها يُعلله بالجاذبية، وإذا كان الأصل فاسداً فالفروع أيضاً تكون فاسدة، وسوف يتبين إن شاء الله فساد هذه النظريات من الأصل.
وكيف يُسَلَّم له هذا الخرص؟ ثم إن جاذبية الأرض مُتجهة إلى مركزها الأسفل، ولو كان الأمر كما يزعم نيوتن لصار الجذب بعكس ذلك تماماً حيث يكون تَوَجّه الجذب إلى الجاذب وهو الشمس بزعمهم، كذلك فإنهم يزعمون أن جاذبية الأرض تنقطع حين يرتفع الإنسان بعيداً عنها، وهذا يُبين الحكمة الربانية من إيداع مركز الأرض الأسفل هذه الخاصِّية وأن ذلك لاستقرار ما على الأرض فيها، فلولا أن الله خلق هذه القوة الجاذبة في الأرض لما استقر عليها شيء بل يبقى سطحها وحَيّز الهواء، سواء بحيث يقف الإنسان في الهواء ويخطو في الهواء ولا يُشعر بما يجذبه أسفل منه ولا فوقه ولا من جميع جهاته.
стр. 10
ولذلك فالأرض موضوعه هكذا في الفضاء مثل الإنسان الذي تقدم وصْفه في حال عدم ما يجذبه، وإنما يمسكها بقدرته الذي يمسك السموات والأرض أن تزولا.
وإذا كانت الجاذبيّة تنقطع بعد ارتفاع معيّن من الأرض مع أنها جاذبية إلى أسفل لا إلى أعلى فما الذي ربط الأرض بالشمس وأي جذب بينهما؟ إن كلام هؤلاء يؤخذ بلا نظر ولا تمحيص لموقع الانبهار في القلوب، ولأن فتنتهم عمياء أراد الله أن يضل بها من يشاء لحِكم باهرة هو المحيط بها علماً.
ثم يقال: من قال لكم أن في جرم الشمس قوة جاذبية وكذلك بقية الكواكب؟ إنه الهذيان وإفراز خيالات أهل الضلال والطغيان، فليس في الشمس ولا القمر ولا سائر الكواكب قوة جذب، والسبب أن هذه المخلوقات خُلِقَتْ لحكمة غير الحكمة التي خلقت لها الأرض فإن الرب سَخّرها لأهل الأرض من الإنسان والحيوان والنبات، وقد قال تعالى: (لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ) وقال تعالى: (يَسْأَلونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ) وقال تعالى: (إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ * وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ) وقال تعالى: (وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ) ولذلك قال قتادة: خلق الله هذه
стр. 11
النجوم لثلاث: جعلها زينة للسماء، ورجوماً للشياطين، وعلامات يُهتدى بها، فمن تأوْل فيها غير ذلك فقد أخطأ وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به (١) انتهى.
أما الأرض فقد قال تعالى في الحكمة من خَلْقها: (وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ) وقال تعالى: (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَاراً).
فقد ظهر أن خاصية الجذب إنما أوْدعها الرب سبحانه الأرض لتستقر عليها المخلوقات، أما الشمس والقمر والكواكب فخالية من ذلك، لأنها لم تُخلق ليستقر عليها أحد، فالحكمة من خلقها تنافي ذلك كما أن الحكمة من خلق الأرض تنافي عدم وجود الخاصيّة المُودعة فيها.
стр. 12
المجموعة الشمسية
هذا الاسم لا يوجد في كلام الله ولا كلام رسوله ﷺ ولا كلام السلف، ولا حقيقة لمعناه أيضاً، وإنما هو خيال منحوت في أذهان أرباب الهذيان أحْدثوه في هذا الزمان.
لقد ربطوا هذه المجموعة المزعومة بعضها ببعض على مقتضى خيال إسحاق نيوتن في الجاذبية، وقد تقدم بيان بطلانه، والعجب دَعْواهم أن علومهم هذه تقوم على التجارب والحِسّيات أما الغيبيات فلا تدخل في علومهم وهي عندهم موضع سخرية ومع هذا أكثر نظرياتهم التي ملئوا الدنيا منها أصلها وفرعها وبدايتها ونهايتها الخيال.
والمراد أن المجموعة الشمسية المزعومة خيال متفرّع من خيال نيوتن حيث بَنَوْا هذه النظرية على ذلك.
فكواكب هذه النظرية منفصلة من الشمس وتدور حول نفسها وحوْل الشمس بفعل الجاذبية بسرعة عظيمة، فالشمس كبيرة وتجذب هذه الكواكب إليها كما تقدم بيانه من نظرية نيوتن.
يقال: أين البرهان على هذا، أوْ يكفينا من البرهان أنه قاله إنجليزي أو أمريكي وهؤلاء لا يُعترض عليهم؟.
стр. 13
الجاذبية تخصّ الأرض، وأما الأجرام العلوية من الشمس والقمر والكواكب فتختلف عن الأرض من كل وجه بخلاف نظرياتهم التي يزعمون فيها أن التركيب واحد لأجل أنها كلها منفصلة من جرم واحد سواء قيل هو الشمس أو السديم.
إن العالم العلوي لطيف خفيف مُسْتنير ليس كالعالم السفلي المظلم الكثيف فكيف يُجعل كالعالم السفلي؟ فالفرق ظاهر.
والأرض خلقها الله وحدها، وخلق السماء والشمس والقمر والنجوم بعد ذلك، وقد خلقها الله لحكمة وأوْدعها خصائص لا تشاركها فيها مخلوقات العالم العلوي.
كما أن السماء خُلقت لحكمة وأودعها فاطرها خصائص لا تُشارك فيها، وكذلك الشمس والقمر والنجوم، وانظر اسم الحيوان والطير والنبات في الأرض، ماذا يشمل مع الفروق الكبيرة بين كل مخلوق وآخر فكذلك العالَم العلوي يجتمع مع العالَم السفلي بأنه مخلوق لله وأنه كَوْن مع وجود الفروق العظيمة بينهما، وإنما جاء الخلْط مِن قِبَل أرباب هذه العلوم التجريبية لانتحالهم في علومهم طريق المحسوس مع عدم الإيمان بالغيب مع تناقضهم وذلك باعتمادهم على نظريات خيالية ليس لها وجود في عالَم الواقع ولذلك جعلوا مادة الكون كله واحدة متشابهة في التركيب.
стр. 14
العلوم التجريبية والاعتماد على المحسوس
يأبى الله إلا أن يُظهر كذب الكاذبين المكذبين فلمّا لم يؤمنوا بكتب الله ورسله واعتمدوا على نفوسهم المظلمة تناقضوا في أصل علومهم تناقضاً بيّناً وذلك أن كل ما يتكلمون به ويزعمون أنهم اكتشفوه من العالَم العلوي كله باطل وضلال إلا نزر يسير مسْبوقين إليه، وهم إنما اعتمدوا فيه على غير المحسوس بل على الخيال المحض والكذب الصِّرْف، فأين عدم إيمانهم بغير محسوس؟ وكذلك كلامهم في العالَم السفلي أكبره وأعظمه القول بدوران الأرض وأنها كوكب، وهو من أبطل الباطل وقد بيّنت ذلك ولله الحمد في (هداية الحيران في مسألة الدوران) والمقصود أنهم في ذلك ما اعتمدوا على المحسوس بل على خيالات نظرياتهم الضالّة المضلة.
كما أن كلامهم في الذرة أيضاً ليس اعتماداً على المحسوس ولذلك يصرّحون بأنها لا تُرى ولا بأكبر المجاهر، فأين المحسوس؟ إنه الآثار فقط، ولسنا ننكر الآثار وإنما الشأن هل هي آثار ناتجة عن الذرة المزعومة أم عن غيرها مما لا يعلمون؟ ويأتي الكلام على الذرة إن شاء الله.
стр. 15
وليُعلم أن سلف هؤلاء المعطلة في عدم الإيمان بغير المحسوس هم السّمنية الذين ناظروا الجهم بن صفوان فأضلّوه.
قال شيخ الإسلام في نقض التأسيس ٢/ ٥٥ فهؤلاء (السمنية) يكون قولهم أن ما لا يُدْرك بالحواس لا يكون له حقيقة. انتهى.
وقد أنكر هؤلاء أرواحهم والجن والملائكة بعد إنكارهم خالقهم فأي علم يُطلب من هؤلاء.
стр. 16
هل صِدْق الرسول ﷺ متوقفاً على هذيان أرباب العلوم التجريبية ؟
اطلعت على بعض ما كتبه رُوّاد ما سَمّوْه (الإعجاز العلمي للقرآن) مثل عبد المجيد الزنداني صاحب كتاب توحيد الخالق وغيره كثير، وهو في الحقيقة خطأ في فهم القرآن حيث سلكوا مسالك مُحْدَثة مُبْتدَعة تخالف طريقة السلف ونهجهم في الكلام في القرآن وبيان معانيه.
ولقد حذّر السلف غاية التحذير من المتكلمين لإحداثهم طريقاً يزعمون أنهم بها يُثْبتون وجود الخالق والعلم بالنبوات لأن هذه الطريق لم يسلكها السلف من الصحابة ومن بعدهم ممن اقتفى آثارهم، ولقد كانت نهايات المتكلمين الحيرة والضلال كما قال الرازي:
نهاية إقدام العقول عقال ... وأكثر سعي العالمين ضلالُ
وأرواحنا في وحْشة من جسومنا ... وحاصل دنيانا أذىً ووبال
ولم نسْتفد من بحثنا طول عمرنا ... سِوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
وكذلك الشهرستاني أخبر أنه لم يجد عند الفلاسفة والمتكلمين إلا الحيرة والندم وكان يُنشد:
стр. 17
لعمري لقد طُفت المعاهد كلها ... وسيّرت طرفي بين تلك المعالِمِ
فلم أَرَ إلا واضعاً كفّ حائرٍ ... على ذقنٍ أو قارعاً سِنَّ نادمِ
أما ابن الفارض فلما حضرته الوفاة أنشد:
إن كان منزلتي في الحب عندكم ... ما قد لقيت فقد ضيعت أيامي
أُمنية ظَفِرتْ نفسي بها زمناً ... واليوم أحسبها أضغاث أحلامِ
ومن خالف طريق الرسول ﷺ والصحابة لا يفلح.
كذلك فقد حَذّروا من علم المنطق وبينوا ضلاله، وهم بهذا عاملون بوصايا نبيهم ﷺ حيث أمر أُمته باتباعه واتباع خلفائه الراشدين ونهى أمته عن الإحداث بعده، وهذا سواء في العلم والعمل، وفي كل شيء بل إن أهم ذلك في العلم إذ هو أصل العمل، والعلم عند أهل الإسلام ليس عند الكفرة الملاحدة المعطلة.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى فيا الصواعق المرسلة عن الجهمية والمعطلة: (ولهذا كان أكمل الأمم علماً أتْباع الرسول وإن كان غيرهم أحذق منهم في علم النجوم والهندسة وعلم الكم المتصل والمنفصل وعلم النبض والقارورة والأبوال ومعرفة قَوَامها، ونحوها من العلوم التي لما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم بها وآثروها على علوم
стр. 18
الرسل، وهي كما قال الواقف على نهاياتها ظنون كاذبة وإن بعض الظن إثم، وهي علوم غير نافعة فنعوذ بالله من علم لا ينفع. انتهى.
وقال ﵀: (فليس العلم في الحقيقة إلا ما أخبرت به الرسل عن الله طَلَباً وخبراً فهو العلم المزكي للنفوس، المكمِّل للفِطر، المصحح للعقول، الذي خصّه الله باسم العلم، وسَمَّى ما عارَضه ظناً لا يغني من الحق شيئاً وخرْصاً وكذباً فقال تعالى: (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ) وشهد لأهله أنهم أولوا العلم فقال : (وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالأِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ) وقال تعالى: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).
والمراد بهم أولوا العلم بما أنزله على رسله ليس المراد بهم أولي العلم بالمنطق والفلسفة وفروعهما. انتهى، تأمل هذا الضابط للعلم والعلماء بخلاف تخليط أهل الوقت.
ثم قال ﵀: (وقال تعالى: (وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً) فالعلم الذي أمره باسْتزادته هو علم الوحي لا علم الكلام والفلسفة). إذا كان العلم الذي أمر الله رسوله بالاسْتزادة منه هو علم الوحي وقد فارق الدنيا ﷺ وما تعلم غير هذا ولا عَلّم أصحابه غيره وقد أمرنا باتباعه واتباع أصحابه ونهانا عن
стр. 19
الإحداث، فبهذا الميزان يعرف الموفق انحرافات الأمة بالعلم الذي هو الأصل لا سيما في العلم الشرعي وكيف سُمِّي باسمه ما يضادّه.
ثم قال: (وقال تعالى: (لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ) أي أنزله وفيه علمه الذي لا يعلمه البشر فالباء للمصاحبة مثل قوله: (فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللهِ) أي أُنزل وفيه علم الله وذلك من أعظم البراهين على صدق نبوّة من جاء به).
ثم رَدّ ﵀ قول من قال: إن المعنى أنزله وهو يعلمه، وبيّن أن هذا ليس هو المراد وإن كان يعلم سبحانه ما أنزله وإنما المعنى: أنزله متضمناً لعلمه الذي لا يعلمه غيره إلا من أطلعه الله وأعلمه به، فإن هذا من أعظم أعلام النبوّة والرسالة. انتهى.
وانظر قوله ﵀: (إلا من أطلعه الله وأعْلمه به) وإذا كان الرب سبحانه ذكر علم المخلوقات في كتابه العزيز فهل يُغلق باب العلم بذلك عن الصحابة والسلف من علماء المسلمين وأئمتهم ويفتح هذا الباب بعد القرون الطوال وفي نهاية الأمة وختام الدنيا على أعدائه الذين لا يُقرون بوجوده؟ (تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى).
إن العلم بالله الذي هو أشرف العلوم عند أهل الإسلام ليس عند الكفرة، كذلك العلم بمخلوقاته عندهم لأنهم يأخذون علمها من خالقها وَوَصْفها من فاطرها، بخلاف أهل الظن والخرص والدّجل.
стр. 20
وفي هذا الكتاب سوف أذكر بعض ما كتبه أرباب الإعجاز المزعوم وأبيّن إن شاء الله بطلان ما ذهبوا إليه وأبيّن أنهم خاضوا بحاراً لُجيّة وأساؤا غاية الإساءة بكلامهم هذا إلى القرآن والسنة وأنهم لا للإسلام نصروا ولا للأعداء كسروا بل فتحوا أبواب ضلالة لمن اقتدى بهم، وأن فعلهم هذا تَشْويه للإسلام حيث ألْبَسوه غير لباسه وسَيّروه قَسْراً في غير طريقه، فكيف يُتلاعب هكذا بكلام الله الذي هو صفة من صفاته؟.
стр. 21
أمثلة من الخوض بالجهالة والضلالة
خلق آدم وذريته
بين يديّ كتاب اسمه (رسالة الرضوان)، وقد تكلم فيه كاتبه عن خلق الإنسان وأنه مخلوق من تراب فذكر كل الآيات التي فيها ذكر خلق الإنسان من تراب ومن طين فجعل المراد بذلك سائر الناس وأنهم خُلقوا من تراب ومن طين، قال: (ولأول مرة يتبادر إلى الذهن عدم معقوليّة خلْقنا من تراب لكننا بعد تأمل وتدبّر نجد أن خَلْقنا من تراب حقيقة ساطعة كالشمس).
يريد أن سائر الناس خلقوا من تراب مع أن كل ما ذكر الله سبحانه في القرآن من خلق الإنسان من التراب ومن الطين المراد به آدم ﵇ ليس المراد الذريّة فالذرية يذكر الله أنه خلقهم من الماء المهين وهو النطفة لكن مراده تفسير آيات القرآن على مقتضى علوم الملاحدة، ولذلك ذكر تركيب الإنسان من العناصر الأرضية وأنها تُرابيّة.
ولقد تكلّف وقال بالقرآن برأيه ووقع في خطأ فاحش، وقد سَرَد الآيات التي فيها ذكر التراب والطين زاعماً أن المراد سائر الناس وذلك لأجل حَشْر القرآن في رَكْب علوم الملاحدة المضلة، وقد
стр. 22
ذكر قوله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ) وقوله تعالى: (إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ) وقوله تعالى: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ) وقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ) وقوله تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ) وقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ) وقوله تعالى: (إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ) وقوله تعالى: (وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ) وقوله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ).
وهذه الآيات التي ذكر كلها في شأن آدم ﵇ كما سيظهر إن شاء الله.
قال ابن كثير في آية سورة الروم: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ) قال: (وَمِنْ آيَاتِهِ) الدالة على عظمته وكمال قدرته أنه خلق أباكم آدم من تراب، (ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ) قال: فأصلكم من تراب ثم من ماء مهين، ثم تَصَوّر فكان علقه .. إلى آخر كلامه.
هذا هو المراد بقوله تعالى: (خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ) أنه أصلكم وهو آدم ﵇، فالخطاب وإن كان للذرية فالمراد أصلهم.
أما الذرية فخلقهم الله من النُّطَف التي هي الماء المهين، وكم ذكر الله هذا في القرآن.
стр. 23
وفي مسند الإمام أحمد أن رسول الله ﷺ قال: (إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض، جاء منهم الأبيض والأحمر والأسود وبين ذلك، والخبيث والطيب والسهل والحزَن وبين ذلك) (١).
أما آية سورة الحج (فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ) قال ابن كثير: أي أصل برئه لكم من تراب وهو الذي خُلق منه آدم ﵇ (ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ) أي ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، وأما آية السجدة (وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ) قال ابن كثير: يعني خلق أبا البشر آدم من طين.
ولن اطيل هنا فانقل ما ذكره اهل التفسير من السلف غير ابن كثير في جميع الآيات التي يذكر الله فيها التراب والطين لأنه إجماع من السلف أن المراد آدم، فيلزم صاحب الكتاب أن السلف قد أجمعوا على ضلالة في تفسير هذه الآيات، وأنهم يقرؤن هذه الآيات ولا يعرفون المراد منها وإنما عرف المراد مقلدة الملاحدة في هذيانهم.
ولا ننكر تكوين جسم الإنسان من النبات والحيوان إنما المنكر الباطل أن هذه الآيات معناها ما ذهب إليه صاحب ذلك الكتاب، إن الفرق بيّن بين خلق جنس الإنسان وخلق الأب -آدم ﵇.
стр. 24
قال ابن تيمية ﵀ في قوله تعالى: (خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ) قال: (الإنسان) هو اسم جنس يتناول جميع الناس ولم يدخل فيه آدم الذي خُلق من طين. انتهى. (١)
والطين هو التراب إذا أُضيف إليه الماء.
والمراد هنا ذكر نماذج من ضلالات أرباب الإعجاز المزعوم وأنهم مخالفون للسلف، وأن إطلاق اسم العلم على علوم الكفار ضلال، فلا بد من تقييد اسم العلم بما يميزه عن العلم الديني الحق الممدوح أهله، ولذلك يقول ذلك الكاتب:
وأما الدليل العلمي: فاتضح للدارسين المختصين في علوم الحياة والكيمياء إذ أنهم وجدوا أن حقيقة خلقنا من التراب التي أخبر عنها القرآن الكريم منطبقة تمام الانطباق على طبيعة تكوين أجسامنا ذات الطبيعة المادية الترابية الأصل إذ تبيّن لهم بعد الدراسة والتحليل الكيميائي لِبنية الإنسان أنها بنية مكوّنة من عناصر ترابية محضة. إلى آخره. (٢)
فيقال له: أهذا إعجاز القرآن أم الإضلال عن القرآن؟
وكذلك صاحب كتاب (الإعجاز الإلهي في خلق الإنسان) ذكر في (ص٤١) خلق الإنسان من تراب بتطابق تركيب تراب الأرض مع تراب
стр. 25
ورميهم الإنسان بعد فناء جسده، ثم قال: لقد جاء المثل الإلهي مُذهلاً يأخذ بالألباب في الآية الخامسة من سورة الحج حيث قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ) الآية.
قال: فبعد أن خلق الله الإنسان من تراب قَدّر فيه أجهزته المختلفة، انتهى. وقد تبين هذا الخطأ والاستدلال عليه وأن المراد بالمخلوق من التراب والطين هو آدم ﵇.
فالحذر من هذه التفاسير للآيات والمعاني للأحاديث التي أحدثها من يزعمون إعجاز القرآن فإنهم يحيلون معاني القرآن والحديث المعجزة حقاً إلى معاني بين باطل محض والحق لا يجتمع مع الباطل بل هو ضده، وبين معانٍ تافهة هزيلة وكأن كلام الله يشبه كلام البشر، ومن هنا تسقط حرمة القرآن ويستعمل في غير ما أنزل له.
стр. 26
إعجاز صاحب كتاب توحيد الخالق
وبما أن عبد المجيد الزنداني قدْ خاض في هذه اللجج وله مؤلفات مبثوثة أقبل عليها كثير من الشباب من غير بصيرة ولا معرفة يميزون بها الحق من الباطل، مع أنه في مؤلفاته أراد التوفيق بين كلام الله وكلام رسوله ﷺ وبين نظريات الملاحدة وما أحدثوه من علوم هي على الحقيقة من أعظم ما فُتِنَ به أهل الوقت، وغيره سلكوا هذا المسلك الخطير لكن هو اشتهر بذلك أكثر من غيره وله تَحَمّس ظاهر في هذا. ومن نظر في مؤلفاته رآه قَلّ أن يُعَوِّل على كلام السلف في التفسير لا سيما تفسير آيات الكوْن وإنما يزكم الأنوف بـ (قال الباحثون) و (كَشَفَ العلم الحديث) و (قال العلماء) وهكذا مما يَحُمّ الأرواح، وكأن نبينا ﷺ تركنا عالة في معرفة مخلوقات ربنا على أعدائه وأعدائنا، وإن العلم كله في ميراث محمد ﷺ ولكن يُحْرَمه من عَظّم أعداء الله واغْترّ بهم وسَلَكَ مسالكهم.
وليعلم هؤلاء المقلّدة أن مسلكهم هذا فيه من تنقّص علم الأمة وعلمائها وإظهار حاجتها إلى الكفار للعلم بكتاب ربها مالا يحيط به إلا
стр. 27
الله مما يكون من آثاره الذل النفسي وتجهيل السلف واحتقارهم، وغير ذلك من آثار السوء، ولقد عظمت هذه الفتنة حتى صارت عند كثير من النّشء من المسَلّمات.
قال عبد المجيد الزنداني:
تحت عنوان: السَّبق العِلميُ للقرآن: معجزة جديدة:
إن معجزات وبينات رسالة محمد ﷺ كثيرة، ومتنوعة، ودائمة لأنه خاتم الرسل والأنبياء، ومن بينات رسالة نبينا محمد ﵊ ما ظهر من إعجاز جديد للكتاب الذي جاء به ﷺ من عند الله، وذلك الإعجاز هو السبق العلمي للقرآن الكريم الذي ذكر حقائق في الكون لم تكن البشرية تعلم عنها شيئاً، وبعد مرور عدد من القرون، وبعد تقدم أجهزة الكشف العلمي وقف العلماء على طرف من هذه الحقائق التي كان القرآن الكريم قد ذكرها قبل قرون وقرون، فكان ذلك شاهداً بأن هذا القرآن قد أنزله الذي يعلم السر في السموات والأرض، كما يشهد بأن محمداً ﷺ رسول من عند الله الذي أحاط علماً بكل شيء (١).
الجواب على هذا أن يقال: من الخطأ الفاحش أن يطلق اسم العلماء بدون تقييد على الكفار، كذلك أن يطلق اسم العلم على علومهم، لأن
стр. 28
هذا الإطلاق هو لعلماء الدين وعلم الدين، فقوله: وقف العلماء على طرف من هذه الحقائق التي كان القرآن الكريم قد ذكرها قبل قرون وقرون غرور وتغرير، وتحسين قبيح، وتزكية فاسد، حيث أن هذا العلم الحديث وعلماؤه تكلموا في ضلال وتضليل هو ثمار كفرهم وضلالهم.
وقد قَلّدهم في ذلك كثيرون تصدروا للأمة في زمن غربة للدين لم يسبق لها مثيل.
ومن العجيب أن يسمى هذيان المعطلة وضلالهم: إعجاز علمي للقرآن، وسيتبين إن شاء الله عظم ضرر هذه الجناية على الدين وعلى هذا الجيل الذي رأى سراباً ظنه ماءاً.
إن الذي تكلم به هؤلاء من حقائق الكوْن قِسْم منه قد بيّنه علماء المسلمين قبل وجود هؤلاء، ولا أقصد بعلماء المسلمين ما يزعمه أهل الوقت في قولهم علماؤنا المسلمين مثل ابن سينا ومحمد بن زكريا الرازي ونحوهم فهؤلاء كفار بشهادة علماء المسلمين الحقيقيين مثل شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم والشيخ محمد بن عبد الوهاب وغيرهم، وإنما أقصد بعلماء المسلمين الأئمة الذين لهم لسان صدق في الأمة.
стр. 29
نهار الكواكب وليلها
وقال الزنداني في كتابه (توحيد الخالق) ص ٥٥: مع العلم أن بعض الكواكب نهارها أطول من نهارنا عشرات المرات، وبعضها قد أصبح جزء منها نهاراً دائماً والجزء الآخر ليلاً دائماً، ثم ذكر قوله تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) الآيتين.
الجواب: كلام صاحب كتاب توحيد الخالق هذا لا شك أنه داخل في القول على الله بغير علم الذي عليه الوعيد، بل لا شك أنه باطل محض لأنه مُتَفرِّغ من أصول علوم الملاحدة عن الكوْن التي فيها من الدّجَل مالا يحيط به إلا الله، وسوف يتبيّن ذلك فيما بعد إن شاء الله.
وكلامه هذا مبني على أصل فاسد وهو أن الكون كله عبارة عن كواكب سابحة في فضاء لا حَدَّ لَه، وهذا فيه من الضلال ما يعلمه الله وأنها تدور حول الشمس، وإنما يختلف طول نهارها بحسب البعد عن الشمس وهو مبني على نظرية (المجموعة الشمسية) التي لا وجود لها في العيان وإنما في الخيال والأذهان.
والنجوم في السماء المبنية السميكة الشفافة وهذه النجوم مع الشمس والقمر تدور في السماء من المشرق إلى المغرب، وهذا جاء في النقل مثل
стр. 30
قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ).
والفَلَك هو المستدير، وذلك لأن السماء الدنيا محيطة بالأرض من كل جانب وهي على شكل الكرة.
فالكلام في نهار الكواكب وليلها هَذَيان، وإنما الليل والنهار يتعاقبان على الأرض وتختصّ بهما.
وسببهما دوران الشمس في الفلك المستدير الذي هو السماء حيث تشرق الشمس من المشرق وما تزال تدور على الأرض فما قابلته بضيائها اسْتنار وهو النهار ويُقابله من الوجه الآخر للأرض الليل الذي هو ظل الأرض، وقد بَيّنت ذلك، ولله الحمد في (هداية الحيران في مسألة الدوران)، أما الآيات فجاءت لذكر الآلاء والامتنان على العباد بما سخر لهم سبحانه من عظيم آلائه.
قال ابن كثير ﵀: يقول تعالى ممتناً على عباده بما سخر لهم من الليل والنهار اللذين لا قَوَام لهم بدونهما وبيّن أنه لو جعل الليل دائماً عليهم سرمداً إلى يوم القيامة لأَضَرَّ ذلك بهم ولَسَئِمَتْه النفوس وانحصرت منه، ولهذا قال تعالى: (مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ) أي تبصرون به وتسْتأنسون بسببه (أَفَلا تَسْمَعُونَ)، ثم أخبر تعالى أنه لو جعل النهار سرمداً أي دائماً مستمراً إلى يوم القيامة لأَضَرَّ ذلك بهم ولَتَعِبَتْ الأبدان
стр. 31
وكلَّتْ من كثرة الحركات والأشغال، ولهذا قال تعالى: (مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ) أي تستريحون من حركاتكم وأشغالكم (أَفَلا تُبْصِرُونَ).
(ومن رحمته) أي بكم جعل لكم الليل والنهار أي خلق هذا وهذا (لِتَسْكُنُوا فِيهِ) أي في الليل: (وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ) أي في النهار بالأسفار والتّرحال والحركات والأشغال. انتهى.
تأمل هذه المعاني وما يتحصّل للعبد منها من الفهم لكلام الله ومعرفة نعمه على عباده وفضله ومنته ولطفه بهم مما يوجب زيادة الإيمان ويستدعي الشكر للرؤوف الرحيم، وقارن بينها وبين ما ذهب إليه صاحب كتاب توحيد الخالق يتبين لك الفرق.
وهنا أُنَبِّه أن لا داعي لأن أنقل من التفاسير الأخرى للسلف لأن المطلوب والمراد من كتابي هذا حاصل بالاكتفاء بأي تفسير من تفاسيرهم المعتمدة مثل تفسير ابن جرير الطبري، وكثيراً ما ينقل منه ابن كثير، والسبب في الاقتصار واضح وهو أنهم كلهم ضِدّ هذه التفاسير الحادثة، كذلك فليس بينهم في تفسير آيات الخلق اختلاف تضاد، وهذا بالجملة، والذي لا ريب فيه أن كلهم ينكر ما أحدثه صاحب كتاب توحيد الخالق وأمثاله في الكلام بالقرآن.
стр. 32
(إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ) الآية
وذكر الزنداني قوله تعالى: (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ). ص١١٣ توحيد الخالق.
جعل صاحب كتاب توحيد الخالق هذا التّزَيُّن للدنيا قبل يوم القيامة وجعل معنى (أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً) قيام الساعة، وليس معنى الآية كما قال بل هي مثل عِدّة آيات ذكرها الله في كتابه أمثالاً لزينة الدنيا فَيُشبِّهها بنبات الأرض وسرعة تغّيره وتحوّله عن حاله النّضِرة مثل قوله تعالى: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً).
ومثل قوله تعالى: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ
стр. 33
وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ) والمراد التزهيد بالدنيا الفانية والترغيب في الدار الآخرة التي نعيمها لا يزول.
أما صاحب كتاب توحيد الخالق فقرأ آية سورة يونس باحثاً عن شيء يوافق ما سماه علماً فضَلّ في فهمه وأضل غيره حيث رأى قوله تعالى: (أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً) فظن أنه وجد ضالته حيث قال: والأمر قدْ وَضَح بعد تقديم العلم وكشف (١) عن السِّر الخفي في هذا التعبير القرآني، فلو قال القرآن: أتاها ليلاً يَصَحّ لأي إنسان أن يقول: إن هذا القرآن من عند محمد ﷺ . وبالمثل لو قال أتاها أمرنا نهاراً، ذلك لأن الساعة التي ستقع كلمح البصر ستقع على الأرض بأكملها، وقد عرفنا أن الليل والنهار على الأرض دائماً، ففي الوقت الذي يكون عندنا ليل يكون عند غيرنا نهار، وهكذا يأتي أمر الله ليلاً أو نهاراً، ليلاً على الذين عندهم ليل ونهاراً على الذين عندهم النهار، وصدق الله العظيم القائل: (كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ).
أقول: ختم الله الآية بقوله: (كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) التفكر السليم المستقيم كما كان الصحابة ﵃ والسلف الصالح، أما التفكر على مقتضى علوم الكفار فضلالة اللهم إلا في أشياء نادرة قد سُبقوا إليها بطرق للتفكر سهلة مُيَسّرة بخلاف طرقهم
стр. 34
الشّكسة المضلّة.
والمراد أن صاحب كتاب توحيد الخالق قرأ الآية يبحث عن شيء يَدّعي أنه يوافق علوم الكفار وقد أبعد النجعة، وارجع إن شئت إلى كلام المفسرين العلماء الأمناء من السلف تجد كلامهم في هذه الآية وأمثالها كما ذكرت وليس المراد بقوله تعالى: (أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً) ما زعم صاحب كتاب توحيد الخالق وإن كان الليل والنهار على الأرض دائماً.
وارجع الآن إلى ما أعقب الله به من بهجة الحياة الدنيا ونضْرتها وأنها تؤول في الآية الأولى إلى: (فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ) وفي الثانية: (فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ) وفي الثالثة: (ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً) تجد اتّساق المعنى وأن المراد بهذه الأمثال وصْف الدنيا ولا تدل على الساعة وقيامها.
وإنما تدل على زينة الدنيا الخادعة من الأموال والضياع والجاه والرئاسة والملك وأن الإنسان ينخدع ويغتر بها مع أنها كما يرى دائماً من نبات الأرض الذي لا يدوم فإما الموت أو الآفات وتنغيص الحياة، ولذلك قال تعالى بعد آية سورة يونس التي ذكر صاحب كتاب توحيد الخالق: (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ) الآية فالجنة دار السلام سبحانه وفيها السلامة من جميع عيوب الدنيا وآفاتها.
стр. 35
فالآية لا تدل على الساعة وقيامها، وهذا والله التكلف والقول في القرآن بالرأي وبلا علم.
قال الصديق ﵁: (أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إذا قلت في القرآن برأيي أو بما لا أعلم).
إن إقدام المتأخرين على تفسير القرآن ليس نتيجة علم وخشية بل إنه جرأة مصدرها الجهالة والضلالة.
كذلك فلو كان المراد ما ذهب إليه صاحب كتاب توحيد الخالق لقال : (أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً) حيث أن الليل والنهار دائمان على الأرض والساعة عامة فتأتي أهل الليل في ليلهم وأهل النهار في نهارهم.
стр. 36
(وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ) الآية
قال الزنداني في كتابه (توحيد الخالق) ص ١١٧ قال في قوله تعالى: (وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ) لقد كشف العلم الحديث أن الليل يحيط بالأرض من كل مكان، وأن الجزء الذي تتكون فيه حالة النهار هو الهواء الذي يحيط بالأرض ويمثل قشرة رقيقة تشبه الجلد وإذا دارت الأرض سلخت حالة النهار الرقيقة التي كانت متكونة بسبب انعكاسات الأشعة القادمة من الشمس على الجزئيات الموجودة في الهواء مما يسبب النهار، فيحدث بهذا الدوران سلخ النهار من الليل.
الجواب: الذي لا شك فيه أن الله سبحانه لم يُرد بكلامه هذا الذي زعمه صاحب كتاب توحيد الخالق وأن كلامه في الآية باطل كله، ويقال له: وما للمسلمين وما كشفه علمك الحديث؟ أهم في جهل بكلام ربهم فيُعلمهم العلم الحديث أم في ضلالة فيهديهم؟ وهل كان السلف لا يدركون معاني القرآن لأنه لم تفتح عليهم كنوز العلم الحديث المزعومة؟ (قد هزلت وقل مخّها وسامها كل مفلس)، وسوف أذكر إن شاء الله كون معاني القرآن منتهى منها كحروفه.
стр. 37
الحقيقة أن هذه الطرق المحدَثة في هذا العلم تضل المخلوق عن خالقه وتُفْسد عليه عقله، وإن من أهْوَن ما أوْرثته هذه العلوم ازْدراء السلف وتجهيلهم وعبارات المتأخرين في هذا ظاهرة، ونعوذ بالله من هذه الخصلة الذميمة كما نعوذ بالله من علم لا ينفع بل من علم مضل.
فقول صاحب كتاب توحيد الخالق عن علمه الحديث أنه كشف أن الليل يحيط بالأرض من كل مكان كذِب تردّه نصوص الكتاب والسنة فالليل ليل كله والنهار نهار كله ليس في هذا من هذا شيء ولا في هذا من هذا شيء فنصف كرة الأرض المقابل للشمس هو النهار الذي يسير ضوؤه بسَيْر الشمس وجريانها في الفَلك المستدير ويُقابله في النصف الثاني الليل الذي هو ظل الأرض وما عدا هذا فهذيان يقال فيه: (لا عقل ولا قرآن) كما قيل لمن قرأ: فَخَرَّ عليهم السقف من تحتهم.
وقد أثنى الله على عباده الصالحين الذين يتفكرون في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار وتسخيره الشمس والقمر والنجوم لكن هذا التفكر السليم والصراط المستقيم هو كَتَفكّر الأنبياء ﵈ وسادات الأولياء من أصحابهم ومن تبعهم بإحسان، وهؤلاء هم الذين فهموا عن الله مراده وأدركوا بحواسهم التي وهبهم إلآههم بالطرق السهلة الميسّرة لكل المسلمين مالا يدركه من سار على غير نهجهم مُقَلِّداً لأرباب العقول المظلمة والفهوم الفاسدة من الكفرة وأشباههم.
стр. 38
إن الذي ذهب إليه صاحب كتاب توحيد الخالق لم يُردْه الله بكلامه ولم يفهم الصحابة ومن بعدهم من علماء المسلمين هذا الفهم الساقط الفاسد الباطل فالليل ينجلي بكليته عن الأرض بإقبال النهار وكذلك النهار بإقبال الليل كانسلاخ الحيّة من قِشْرتها وكسلخ جلد الذبيحة وذلك للملابسة فالليل يلابس ما غشاه وكذلك النهار.
والرب سبحانه يخاطب العرب بما يفهمونه، وهذا ظاهر لكل أحد، وما لنا ولتخريف الملاحدة.
أما إحالة أهل الإعجاز على مثل هذه الأمور الدقيقة التي هي أشبه بالألغاز والأحاجي فضلال، والله سبحانه يقول: (يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً) ففرّق سبحانه بين الليل والنهار وأنهما يتطالبان أبداً ولا يتداخلان، ومثله قوله تعالى: (يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ) والمراد بالتكوير الإدارة لأن السماء التي تدور فيها الشمس على الأرض على شكل الكرة بإجماع المسلمين كذلك الأرض على شكل الكرة وهذا إجماع أيضاً قبل أن يخلق هؤلاء، ومثله قوله تعالى: (يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ) يذهب هذا فيأتي هذا.
ومما يبين بطلان ما ذهب إليه أهل الإعجاز المزعوم أن ما ذكر صاحب كتاب توحيد الخالق مبني على اعتقاد دوران الأرض الذي هو من أبطل الباطل حيث يقول: وإذا دارت الأرض سلخت حالة النهار.
стр. 39
وقد بيّنت ولله الحمد بطلان القول بدوران الأرض في كتابي (هداية الحيران في مسألة الدوران) ومن شاء فلْيباهلني على أن الأرض ثابتة لا تدور، وأن الله بإحسانه ولطفه بعباده خلقها قارّة ثابتة في موضعها أسفل العالم وليست تتحرك إلا بالزلازل ونحوها في مواضع منها وليست تدور لا دورة يومية ولا سنوية كما يزعمون، وأن الكلام في دورانها مبني على ضلال الكفرة في سديمهم الدائر الذي انفصلت عنه الأرض، ويأتي بيان ذلك إن شاء الله في موْضعه.
стр. 40
(فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً) الآية
وقال صاحب كتاب (توحيد الخالق) ص ١١٧ في قوله تعالى: (فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً) قال: بعد أن تقدم علم الأجنة عرف الأطباء أن الأصول الأولى للعظام تسبق في تكوينها الأصول الأولى للعضلات (اللحم) وذلك قد أشار إليه القرآن الكريم في قوله وذكر الآية.
وهذا من صاحب كتاب توحيد الخالق تخرّص وقول بلا علم بل خوْض في كلام الله بالباطل، والآية واضحة الدلالة والمعنى فالمضغة هي قطعة لحم بَقَدر ما يمضغ الإنسان في فمه من اللحم وهي تأتي في الدرجة الثالثة في التخليق فالنطفة يُحيلها الله بقدرته إلى علقة والعلقة إلى المضغة وهي لحم صِرْف ليس فيه عظاماً وإنما يحيلها الرب سبحانه إلى عظام وهي التخليق الرابع، وهذا ظاهر من الآية فهو سبحانه يقول: (فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً) يعني خَلَق العظام منها كما خلقها من العلقة وكما خلق العلقة من النطفة فكيف يقال: الأصول الأولى للعظام تسبق في تكوينها الأصول الأولى للعضلات؟ أوْ لأن السادة قالوا ذلك؟ نعم في هذا