(وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ) الآية
قال الزنداني في كتابه (توحيد الخالق) ص ١١٧ قال في قوله تعالى: (وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ) لقد كشف العلم الحديث أن الليل يحيط بالأرض من كل مكان، وأن الجزء الذي تتكون فيه حالة النهار هو الهواء الذي يحيط بالأرض ويمثل قشرة رقيقة تشبه الجلد وإذا دارت الأرض سلخت حالة النهار الرقيقة التي كانت متكونة بسبب انعكاسات الأشعة القادمة من الشمس على الجزئيات الموجودة في الهواء مما يسبب النهار، فيحدث بهذا الدوران سلخ النهار من الليل.
الجواب: الذي لا شك فيه أن الله سبحانه لم يُرد بكلامه هذا الذي زعمه صاحب كتاب توحيد الخالق وأن كلامه في الآية باطل كله، ويقال له: وما للمسلمين وما كشفه علمك الحديث؟ أهم في جهل بكلام ربهم فيُعلمهم العلم الحديث أم في ضلالة فيهديهم؟ وهل كان السلف لا يدركون معاني القرآن لأنه لم تفتح عليهم كنوز العلم الحديث المزعومة؟ (قد هزلت وقل مخّها وسامها كل مفلس)، وسوف أذكر إن شاء الله كون معاني القرآن منتهى منها كحروفه.
стр. 37
الحقيقة أن هذه الطرق المحدَثة في هذا العلم تضل المخلوق عن خالقه وتُفْسد عليه عقله، وإن من أهْوَن ما أوْرثته هذه العلوم ازْدراء السلف وتجهيلهم وعبارات المتأخرين في هذا ظاهرة، ونعوذ بالله من هذه الخصلة الذميمة كما نعوذ بالله من علم لا ينفع بل من علم مضل.
فقول صاحب كتاب توحيد الخالق عن علمه الحديث أنه كشف أن الليل يحيط بالأرض من كل مكان كذِب تردّه نصوص الكتاب والسنة فالليل ليل كله والنهار نهار كله ليس في هذا من هذا شيء ولا في هذا من هذا شيء فنصف كرة الأرض المقابل للشمس هو النهار الذي يسير ضوؤه بسَيْر الشمس وجريانها في الفَلك المستدير ويُقابله في النصف الثاني الليل الذي هو ظل الأرض وما عدا هذا فهذيان يقال فيه: (لا عقل ولا قرآن) كما قيل لمن قرأ: فَخَرَّ عليهم السقف من تحتهم.
وقد أثنى الله على عباده الصالحين الذين يتفكرون في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار وتسخيره الشمس والقمر والنجوم لكن هذا التفكر السليم والصراط المستقيم هو كَتَفكّر الأنبياء ﵈ وسادات الأولياء من أصحابهم ومن تبعهم بإحسان، وهؤلاء هم الذين فهموا عن الله مراده وأدركوا بحواسهم التي وهبهم إلآههم بالطرق السهلة الميسّرة لكل المسلمين مالا يدركه من سار على غير نهجهم مُقَلِّداً لأرباب العقول المظلمة والفهوم الفاسدة من الكفرة وأشباههم.
стр. 38
إن الذي ذهب إليه صاحب كتاب توحيد الخالق لم يُردْه الله بكلامه ولم يفهم الصحابة ومن بعدهم من علماء المسلمين هذا الفهم الساقط الفاسد الباطل فالليل ينجلي بكليته عن الأرض بإقبال النهار وكذلك النهار بإقبال الليل كانسلاخ الحيّة من قِشْرتها وكسلخ جلد الذبيحة وذلك للملابسة فالليل يلابس ما غشاه وكذلك النهار.
والرب سبحانه يخاطب العرب بما يفهمونه، وهذا ظاهر لكل أحد، وما لنا ولتخريف الملاحدة.
أما إحالة أهل الإعجاز على مثل هذه الأمور الدقيقة التي هي أشبه بالألغاز والأحاجي فضلال، والله سبحانه يقول: (يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً) ففرّق سبحانه بين الليل والنهار وأنهما يتطالبان أبداً ولا يتداخلان، ومثله قوله تعالى: (يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ) والمراد بالتكوير الإدارة لأن السماء التي تدور فيها الشمس على الأرض على شكل الكرة بإجماع المسلمين كذلك الأرض على شكل الكرة وهذا إجماع أيضاً قبل أن يخلق هؤلاء، ومثله قوله تعالى: (يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ) يذهب هذا فيأتي هذا.
ومما يبين بطلان ما ذهب إليه أهل الإعجاز المزعوم أن ما ذكر صاحب كتاب توحيد الخالق مبني على اعتقاد دوران الأرض الذي هو من أبطل الباطل حيث يقول: وإذا دارت الأرض سلخت حالة النهار.
стр. 39
وقد بيّنت ولله الحمد بطلان القول بدوران الأرض في كتابي (هداية الحيران في مسألة الدوران) ومن شاء فلْيباهلني على أن الأرض ثابتة لا تدور، وأن الله بإحسانه ولطفه بعباده خلقها قارّة ثابتة في موضعها أسفل العالم وليست تتحرك إلا بالزلازل ونحوها في مواضع منها وليست تدور لا دورة يومية ولا سنوية كما يزعمون، وأن الكلام في دورانها مبني على ضلال الكفرة في سديمهم الدائر الذي انفصلت عنه الأرض، ويأتي بيان ذلك إن شاء الله في موْضعه.
стр. 40
(فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً) الآية
وقال صاحب كتاب (توحيد الخالق) ص ١١٧ في قوله تعالى: (فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً) قال: بعد أن تقدم علم الأجنة عرف الأطباء أن الأصول الأولى للعظام تسبق في تكوينها الأصول الأولى للعضلات (اللحم) وذلك قد أشار إليه القرآن الكريم في قوله وذكر الآية.
وهذا من صاحب كتاب توحيد الخالق تخرّص وقول بلا علم بل خوْض في كلام الله بالباطل، والآية واضحة الدلالة والمعنى فالمضغة هي قطعة لحم بَقَدر ما يمضغ الإنسان في فمه من اللحم وهي تأتي في الدرجة الثالثة في التخليق فالنطفة يُحيلها الله بقدرته إلى علقة والعلقة إلى المضغة وهي لحم صِرْف ليس فيه عظاماً وإنما يحيلها الرب سبحانه إلى عظام وهي التخليق الرابع، وهذا ظاهر من الآية فهو سبحانه يقول: (فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً) يعني خَلَق العظام منها كما خلقها من العلقة وكما خلق العلقة من النطفة فكيف يقال: الأصول الأولى للعظام تسبق في تكوينها الأصول الأولى للعضلات؟ أوْ لأن السادة قالوا ذلك؟ نعم في هذا
стр. 41
الزمان القول ما قالت حذامي ولو قالت: مالا يُعقل فالمكذب لها هو الذي لا يَعقل عند من لا يعقل.
قال صاحب كتاب (توحيد الخالق) ص ١١٨ قال: القرآن معجزة متجددة وكذلك الحديث فيه بينات شاهدة بأن محمداً ﷺ رسول الله فقد تكلم القرآن بحقائق لم يعرفها البشر إلا بعد تقدم العلوم وأجهزة الكشف العلمي.
يقال لصاحب كتاب توحيد الخالق ومن شابهه: هذا كلام خطير يلزم منه تجهيل السلف في معاني القرآن والحديث وأنه فُتِحَ على المتأخرين ما كان مغلقاً عن صحابة رسول الله ﷺ ورضي الله عنهم وأنهم كانوا يقرأون بعض آيات القرآن وبعض الأحاديث ولا يعلمون المراد من ذلك وهذه دعوى كاذبة باطلة ومن الذي يلحق غبارهم ومن الذي يُدرِك من كلام الله وكلام رسوله ما أدركوا؟ لقد ذهبوا بالعلم والخير وحماهم الله مما تَهَوّك به المتهوّكون وتكلّفه المتكلفون وتخرّصَه المبطلون وشُغِل به البطالون.
إن أرباب هذا الإعجاز المحدث يُهَوّنون شأن القرآن في النفوس ويُسْقطون حرمته وتعظيمه في القلوب حيث قسروه قسراً لمجاراة ما يهذي به الكفرة أعداء الله وأعداء دينه ورسوله وأرادوا أن يُوَفقوا بين الحق والباطل وهذا مستحيل.
стр. 42
مشابهة المتكلمين
قال صاحب كتاب (توحيد الخالق) ص ١٢٢، ١٢٣: قال تعالى: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ).
ولكن بشرط:
إننا نقبل على رسل الله بكل حواسنا، لنتعلم منهم، ونعرف من أمورنا الهامة ما غاب عنا، ولكنا لا نأخذ منهم هكذا، ولا نقبل منهم رأساً، إننا نستوثق أولاً بأنهم حقاً رسل من عند الله، ونستعرض بينات رسالتهم، ونتفحَّص معجزاتهم، ثم نشهد لهم بعد ذلك بالرسالة، ونستوثق ثانياً بأن الذي نقرؤه ونتعلمه عنهم حقاً قد قالوه.
وبهذه الصفة الحميدة يتفتَّح المؤمن على آفاق العلوم الدينية والدنيوية، وينتفع بعلوم غيره من المتخصصين في شتى العلوم والفنون، ومن الذين اختصهم الله بالهداية والنور، ولكن ذلك كله بعد الثقة من صدق المصدر.
وبهذا ينتفع المؤمن بأذنه التي جعلها الله للإنسان نافذة إلى علم الغيب، كما ينتفع باللغة التي جعلها الله رموزاً ليعرف بها ما غاب عن حواسه.
стр. 43
الجواب: الذي ينبغي أن يُعلم أن أهل الإعجاز المزعوم فيهم شبه كبير من المتكلمين الذين انتحلوا طريقة لإثبات الخالق وإثبات النبوّة أحدثوها لم يكن عليها السلف وذلك بالنظر في المخلوقات والمعجزات على مقتضى قواعد وأصول محدثة فضلوا بذلك وأضلوا.
وذمّ السلف لهم مشهور وكثير مُدّوَّن في دواوين أهل السنة.
أنظر الآن ما يقوله الزنداني يقول: (ونسْتعرض بينات رسالتهم ونتفحّص معجزاتهم ثم نشهد لهم بعد ذلك بالرسالة ونسْتوثق ثانياً بأن الذي نقرؤه ونتعلمه عنهم حقاً قد قالوه) وانظر إشارته إلى المتخصصين في شتى العلوم والفنون بعد الكلام السابق.
المؤمن ليس بحاجة إلى ما يدعو إليه هؤلاء ولا يتوقف الإيمان بالرسول ﷺ ورسالته على سلوك هذه الطرق المحدثة ولا العلم بها، وقد آمن الصحابة ﵃ وأجيال الأمة بعدهم على الطريق التي دَلّهم عليها نبيهم ﷺ وكان إيمانهم في الذّروة.
فإثبات وجود الخالق سبحانه وطلبه وإرادته بالعبادة فطري ولذلك تقول الرسل لأممهم: (أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) أما النظر في الكوْنيات من خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار، وما دعا الله عباده للنظر فيه من ملكوت السموات والأرض فهذا يزيد الإيمان لكنه ليس بمسالك المتكلمين ولا من شابههم من المتأخرين إذْ هذه
стр. 44
الطرق من أعظم ما نهانا النبي ﷺ عن سلوكها فإنه بعد ما أمرنا بسلوك سبيله وسبيل أصحابه نهانا عن محدثات الأمور وحذّرنا من ذلك، وهذا في العلم والعمل.
ويقال لأهل الإعجاز: خبنا وخسرنا إن كنا بحاجة إلى أن نسْتعرض بينات رسالة الرسل ونتفحص معجزاتهم لنشهد لهم بعد ذلك بالرسالة كما تقدم من كلام صاحب كتاب توحيد الخالق بواسطة ما أحدثه المتأخرون، إن أسْلم هؤلاء طريقة وآمنهم من الأخطار التي لا يسلم منها سالك هذه الطرق أبداً بعد الجهد الجهيد يأتي بنتيجة (السيف أمضى من العصا) وأنّى له السلامة.
كيف كان إيمان الصحابة ﵃ والتابعين إلى بداية هذا العصر العجيب الغريب الذي اسْتحكمت فيه الغربة والكربة وتنكر أهله لسلفهم الصالح بسلوك طرق أحدثوها هي والله مُضلّة والدعاة إلى سلوكها كمن يُطِبُّ زكاماً فيُورث جُذاماً.
ولتعلم قرب شبه هؤلاء من المتكلمين أنظر ما قال صاحب كتاب توحيد الخالق بعد الكلام السابق ص ١٢٤ قال: (ورسل الله قد أطلعهم الله على غيوب كثيرة جهلناها وعرفوها فنحن نتعلم منهم ولكن بعد أن نتأكد من صدق رسالتهم ونشهد لهم بأنهم حقاً رسل الله).
أنظر قوله: (ولكن بعد أن نتأكد من صدق رسالتهم) اعلم أن أدنى
стр. 45
نظر بسيرة رسول الله ﷺ وما أتى به من كلام ربه يورث من الإيمان واليقين مالا يعرفه ولا يدركه من قد يُفنى عمره ويكدّ فكْره وذهنه لكنه يسير على طريق ناكبة عن الصراط الذي أُمر بالسيْر عليه ولزومه وحُذِّر من سلوك غيره.
أما النظر في آيات الكون فمأمور به لكن بالطرق التي سلكها رسول الله ﷺ وصحابته الكرام وأئمة الإسلام من علماء السلف وهو النظر المجرد ففي ذلك من زيادة الإيمان مالا يُقَدَّر.
وهنا ما نلفت له نظر من ظنوا أن العلم فَتَحَ لهم أبوابه وتهيأت لهم أسبابه بما جلبته لهم من علوم الغرب فإن الله تعالى يقول: (أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ) فهي مُدْرَكَة بالنظر المجرد ولله الحمد، وهي ذات اللون الأزرق، وقال تعالى: (قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) وقال تعالى: (أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) فالنظر إلى المخلوقات العلوية والسفلية مأمور به مندوب إليه، وهو مدرك على أكمل الوجوه بالكيفية التي كان عليها النبي والصحابة.
стр. 46
غلو صاحب كتاب توحيد الخالق بعلمه الحديث
قال صاحب كتاب توحيد الخالق تحت عنوان: (الأدوار التي مَرَّ بها علم التوحيد):
أولاً: منذ قامت دولة التوحيد على يد خاتم النبيين محمد ﷺ بقيت عقدية التوحيد، تستمد قدسيتها من وحي الله وتعاليم السماء، وتعتمد أول ما تعتمد على كتاب الله العزيز، وكان منهج القرآن في غرس هذه العقيدة في القلوب، هو أن يعرضها على الناس عرضاً كله السهولة والبساطة، والمنطق السليم، فيلفت أنظارهم إلى ملكوت السموات والأرض، ويوقظ عقولهم إلى التفكير في آيات الله، وينبه فطرهم إلى ما غرس فيها من شعور بالتدين، وإحساس بعالم وراء هذا العالم المادي، وعلى هذه السنن مضى رسول الله ﷺ يغرس عقيدة التوحيد في نفوس أمته، لافتاً للأنظار، موجهاً للأفكار وموقظاً للعقول، ومنبهاً للفطر، ومتعهداً هذا الغراس بالتربية والتنمية، حتى بلغ الغاية من النجاح، واستطاع أن ينقل الأمة من الوثنية، والشرك، إلى عقيدة التوحيد، ويملأ قلوبها بالإيمان واليقين كما استطاع أن يجعل من أصحابه قادة للإصلاح، وأئمة للهدى والخير، وأن ينشئ جيلاً يعتز بالإيمان، ويعتصم بالحق، فكان
стр. 47
هذا الجيل كالشمس للدنيا، والعافية للناس حتى وصفهم الله بقوله: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) (١).
يقال لصاحب كتاب توحيد الخالق: إن الطريق الذي وصلت به الأمة إلى هذا الذي ذكرت وأعظم منه هو طريق رسول الله صلى الله عليه فلماذا آخر الأمة لا تنهجه وتكتفي به أم أنهم يريدون أن يكونوا أهدى منهم؟.
ومن العجائب أن يقول صاحب كتاب توحيد الخالق في كلامه هذا: (وكان منهج القرآن في غرس هذه العقيدة في القلوب هو أن يعرضها على الناس عرضاً كله السهولة والبساطة والمنطق السليم فيلفت أنظارهم إلى ملكوت السموات والأرض ... إلى آخر كلامه المتقدم).
فيقال له: الأمر كما قال الإمام مالك ﵀: (إنه لن يُصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها).
ومالك قال هذا الكلام لفقهه ﵀ بوصايا نبيه ﷺ ، ولكن من العجائب أن يتكلم صاحب كتاب توحيد الخالق بهذا الكلام عن منهج القرآن في غرس العقيدة في القلوب وذلك بعرضها عرضاً كله السهولة والبساطة ومع هذا يُفْتَن بهذه العلوم المحدثة العَسِرَة المنال التي هي نتاج زبالات أفكار الملاحدة الكفرة ووسائلها وغاياتها ضالة مضلّة.
стр. 48
ليعلم صاحب كتاب توحيد الخالق وغيره ممن فُتِن بهذه المسْتجدات والمحدثات الدخيلة على المسلمين في هذا العصر الذي تتهيّؤ فيه الدنيا للدجال وتتهيؤ فيه لختم أجلها الذي دنى وأوشك أن يَفْجَأ، ليعلم أن كل هذه الفتن خارجة عن السهولة والبساطة المتناسبة مع الفطرة الشِّرعية وأن الأمة اليوم لبست غير لباسها وسارت في غير طريقها إذْ أنها تشبهت بمن نُهِيَتْ عن التشبه بهم فسلكت مسالكهم فضلّت بضلالهم ووقعت في شدائدهم.
نعم تركت الأمة السهولة والبساطة المتناسبة مع الشرعة والفطرة فهي اليوم تجني ثمار المخالفة.
ثم ذكر صاحب كتاب توحيد الخالق ما أصاب الأمة نتيجة الخلافات السياسية والاتصال بالمذاهب الفكرية الأخرى وإقحام العقل فيما ليس له فيه مجالاً وأن ذلك كان سبباً للعدول عن منهج القرآن الحكيم كما كان سبباً في تحول الإيمان من بساطته وإيجابيته وسموّه إلى قضايا فلسفية وأقيسة منطقية ومناقشات كلامية تافهة ولم يعد الإيمان هو الإيمان الذي تزكو به النفس أو يصلح به العمل أو ينهض به الفرد أو تحيا به الأمة.
هذا الكلام والذي قبله صحيح فيقال لصاحب كتاب توحيد الخالق وأمثاله ممن سلكوا هذه المسالك المُحدَثَة: ما أشبه الليلة بالبارحة، إن
стр. 49
إعجازكم هذا وما أُحدث لكم من هذه العلوم الدخيلة هو السبب في تحول الإيمان من بساطته وسمّوه إلى هذا التعقيد والتشديد الذي أنتجته هذه الطرق المعوجّة المظلمة، وهو عُدول عن منهج القرآن فما بالكم تعيبون من على مثل طرقكم هذه من المتقدمين وتمدحون طريقكم وتدعون إليها؟ هذا تناقض بيّن. أين (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين)؟ (١) وأين (وإياكم ومحدثات الأمور)؟ (١) وأين (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)؟ (٢).
ثم قال صاحب كتاب توحيد الخالق بعد الكلام السابق: (وكان من أثر العدول عن نهج الفطرة والتأثر بالمذاهب الفكرية الطارئة وإقحام العقل في مجال الوحي أن انقسمت الأمة إلى مذاهب مختلفة مزّقتها شِيَعاً وأحزاباً).
يقال لصاحب كتاب توحيد الخالق: وكذلك الذي تسمونه الإعجاز هو عدول عن نهج الفطرة وهو التأثر بالمذاهب الفكرية الطارئة ونتيجته كنتيجة ما ذكرت وأشد لكن لا يُشعر تائه بمصابه، فهذه العلوم الدخيلة الطارئة أثرها على الدين أعظم من تلك المذاهب التي لم تعمّ الأمة ولم يحصل بسببها اللبس الذي حصل من هذه.
ثم إن صاحب كتاب توحيد الخالق ذكر بعد ذلك أن الأمة بعد تلك الحالة تحوّلت إلى الجمود والتقليد، ثم قال: (ثم شاء الله أن تعود هذه
стр. 50
الأمة إلى المنهج القويم في أخذ عقيدة التوحيد من الكتاب المجيد فنهض منها أفراد من العلماء الأعلام يدعون إلى العمل بكتاب الله وسنة رسوله ﵊ كما كان عليه السلف الصالح، ويبينون للناس أن الخير كله في الإتباع والشر كله في الجمود والابتداع، وبذلك تنبهت العقول من غفلتها، واستيقظت من سباتها فوجدت القرآن يدعوها إلى النظر في هذه الكائنات، والتفكر في عجائب هذه المخلوقات، فنظر أولو العقول، وفكروا، فإذا بالعلوم الحديثة تكشف حقائق كانت من قبل مجهولة غير معلومة، بيد أن القرآن قد نبه عليها، وأشار إليها إشارات صريحة، من قبل أربعة عشر قرناً من الزمان، فكان ذلك تفسيراً عملياً لقوله تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) (١).
وقوله تعالى: (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا) (٢).
كما وجد أصحاب العقول، أن العلوم الحديثة، في مختلف اتجاهاتها، تكشف عن آيات الله التي بثها في مخلوقاته، فإذا كان الأولون يرون أن في خلقهم حكمة تشهد بأن خالقها هو الحكيم، فإن هذه العلوم الحديثة قد جاءت لتكشف عن دقائق الحكمة الباهرة، وتقف بالإنسان أمام
стр. 51
أسرار عظيمة من الحكمة، والإتقان، وإذا كان الأولون يرون في السماء ونجومها قوة وإبداعاً، فلقد جاءت العلوم الحديثة لتعمق إيماننا بالقوي المبدع بما تظهر من ضخامة النجوم، وسعة السماء، وقوة النظام، وبديع الإحكام والإتقان، وهكذا يقول الله: (إِنَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ * وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ * وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ) (١).
بعد أن ذكر صاحب كتاب توحيد الخالق تحولات الأمة إلى خلافات سياسية ومذاهب فكرية وجمود وتقليد بعد الذي كانت عليه قبل، وذلك في أولها قبل التغيير والتبديل وقد وصف الرعيل الأول بوصف حسن ثم دخل على عصره هذا بالكلام المتقدم وهو أن أفراداً من العلماء الأعلام كما وصف فكروا فإذا العلوم الحديثة تكشف حقائق كانت من قبل مجهولة غير معلومة، إلى آخر كلامه.
والجواب على هذا أن يُقال: لقد وصفتَ حال الأمة لما كانت على البساطة والسهولة زمن النبي ﷺ وأصحابه بوصف حسن وعِبْتَ الأزمنة التي جاءت بعدهم بالتغيير فما الذي يُخرج منهجكم في التعليم المحدَث
стр. 52
والكلام في القرآن والحديث وخوضكم في علوم الكفار كما تقدم من انحراف الأمة؟ هذا أشدّ لأنه الْتبس فيه الحق بالباطل وأجملت عليه الأمة إلا ما ندر، إنكم بإعجازكم هذا تغضبون علم الشريعة ليجاري الضلال وأهله.
وقول صاحب كتاب توحيد الخالق عن علومه الحديثة أنها تكشف حقائق كانت من قبل مجهولة غير معلومة كلام خطير وهو طعن على السلف الذين حازوا قصب السبق في علم القرآن والحديث، وحَسْب من جاء بعدهم من الفضل أن يسير على نهْجهم ويستضيء بنور علمهم، أما من سار في طريق ما أحْدث في هذا الزمان فالبعرة تدل على البعير والأثر يدل على المسير، ولا والله ما خفي أمرهم والْتبس إلا على أمثالهم ممن سلكوا مناهجهم وقلّدوهم، وجعلوهم حجاباً كثيفاً بينهم وبين نبيهم.
وأيّ حقائق كشفتها هذه العلوم الحديثة كانت من قبل مجهولة للسلف؟ دوران الأرض والمجرات أم وصول القمر أم نظرية داروين وما شابه ذلك من الباطل؟ لقد حماهم الله من هذا الزيغ والضلال.
وأي حقائق كشفتها هذه العلوم الحديثة؟ يقول صاحب كتاب توحيد الخالق في كلامه السابق: (وإذا كان الأولون يرون في السماء ونجومها قوة وإبداعاً فلقد جاءت العلوم الحديثة لتعمق إيماننا بالقوي
стр. 53
المبدع بما تُظهر من ضخامة النجوم وسعة السماء وقوة النظام وبديع الإحكام والإتقان).
أقول: هنا تُسكب العبرات، أما الأولون فكانوا يرون السماء ونجومها وشمسها وقمرها وعجائب صُنْعها كما قال الله في كتابه: (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ) ونحو ذلك من الآيات ينظرون بعيونهم بلا واسطة ولا دلالة كفار فيزدادون بذلك إيماناً ويقيناً، وما دعا الله عباده للنظر إلى السماء كيف خلقت إلا أن ذلك مُدْرك بحاسة البصر وقال : (فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ) إلا وأن ذلك مُدْرك بسهولة بحيث لو كان في السماء فطوراً التي هي الشقوق لأدركها البصر ولكن لا فطور فيها التي هي الفروج، ثم إنه سبحانه أثنى على عباده الصالحين الذين يتفكرون في خلق السموات والأرض، ومعلوم أن الذين في الذروة من هذا الثناء هم الصحابة ومعلومة كيفية نظرهم وتفكّرهم، كذلك من جاء بعدهم سائراً على نهجهم علموا أن الله يخاطبهم بما يعرفونه ويقدرون عليه، وهو الطريقة السهلة البسيطة كما وصفها بذلك صاحب كتاب توحيد الخالق، ولذلك كتبوا نتائج نظرهم وعلمهم ودَوّنوها فجاءت مطابقة للمعلوم بخلاف من ضلّوا في متاهات بعيدة.
стр. 54
أنظر إن أردت ما كتبه ابن القيم عن السماء وعجائبها في كتابه النفيس (مفتاح دار السعادة) فقد جاء بعلم يعجز عن أقل القليل منه أرباب هذه العلوم والكشوف حتى ذكر أن كون لون السماء بهذه الصِّفة لئلا تنكأ الأبصار حيث التطلع إليها دائماً وأخبر أن الأطباء ينصحون من في بصره ضعف أن يديم النظر إلى الخضرة وما يقاربها ليتقوى نظره وأن هذا اللون اختاره الله بحكمته لطفاً بعباده لئلا تتضرر أبصارهم.
وما الذي دَلّ عليه العلم الحديث في شأن السماء وما فيها؟ لقد دَلّ وهدى إلى ضلال لا نظير له وذلك لفساد أصوله فقد اعتمد القوم على ما يُحسّونه ويشاهدونه وما عدا ذلك فلا يدخل حسابهم، مع أن صاحب كتاب توحيد الخالق أنكر طريقتهم هذه لا سيما في إنكار وجود الإله سبحانه وجاء بكلام جيّد لكنه مُعَظّم لهم في كلامهم بالكونيات من الجماد والحيوان في العالَم العلوي والسفلي، ولقد بَهَرَتْه وبهرت كثيرين مثله علومهم المادِّية الزائفة.
والمراد هنا الكلام على ما كشفه العلم الحديث من السماء ونجومها وسعتها وقوّة نظامها كما أعجب ذلك صاحب كتاب توحيد الخالق، ولكن قبل ذلك لا بد من الكلام على الخطوة الأولى في مسير النظر
стр. 55
والتفكر بالفارق الكبير بين السلف ومن تبعهم على نهجهم وبين المتبعين لأرباب العلم الحديث.
معلوم أن الرب سبحانه خاطب الأمة لينظروا في هذا الملكوت العظيم ليزدادوا إيماناً ويقيناً لكن لم يأمرهم بذلك ويثني عليهم ليكْتشفوا ويسْتظهروا خفايا مَخْبوئة وغيبيات لا تتجلى إلا بكشفهم وتحكيم عقولهم وبذلهم جهدهم بل ندَبهم لينظروا في ملكوت هو سبحانه وَصَفَهُ لهم بصفاته الحقيقية من سعة السماء وارتفاعها وبنائها وشمسها وقمرها واختلاف ليلها ونهارها لينظروا بضابط علم خالق هذا المُلْك العظيم الذي يقول: (أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) فقد بين الله صفات السماء بناءها وأبوابها وارتفاعها واتساعها وما فيها من آيات فهم ينظرون بإيمان مُسَبّق وعلم مُسَبّق بخلاف أرباب العلوم الحديثة والكشوف فإنهم أصَّلوا نظريات للكون وما فيه كقواعد يسيرون عليها أمْلَتْها عليهم عقولهم الكافرة الضالّة حيث نظروا إلى الكون على أنه لا خالق له وإنما نشأ وتحرك مُتَحَرِّكه وسكن ساكنه من ذاته ونفسه، فلا خالق ولا مُصَرّف مُدَبِّر، هذا أصل علومهم التجريبية.
ولا عجب منهم ولا أسى عليهم إن استمرءوا الضلال واستطابوه وأُعجبوا به ودعوا إليه وأفْنوا أعمارهم في سبيله إنما العجب من المقَلِّدة الذين يزعمون أنهم ينصرون الدين ويبيّنون إعجاز القرآن بسيرهم خلف
стр. 56
هؤلاء وتقليدهم لهم وكأنّ الشر يأتي بالخير، وكأنّ الأعمى بصير، وكأنّ العنب يُجنى من الشوك، والمراد هنا ظهور الفرق بجلاء في أمر الأصول والقواعد التي سار عليها الأولون في النظر والتفكر وأنها حسب وصف وعلم وتدبر خالق هذا الكون العليم به سبحانه والعليم بما ينفع عباده ويضرهم، أما مُقلّدة أرباب العلوم الحديثة والكشوفات فإنهم من أول خطوة يسيرون على نهج مُخَطّط مرسوم من قِبَل الملاحدة الضُّلال، فالنظريات الضالة التي هي قواعد وأصول مرسومة ومنتهى منها قبل الكشف والنظر، وما عليك إلا أن تكون تابعاً للقوم تُثْبت ما يثبتون وتنكر ما ينكرون في شأن المخلوقات وكأنّ خالقنا ونبينا تركنا عالة على هؤلاء في معرفة ملكوت ربنا، والذي أقوله في وصْف المقلِّدة ظاهر بيّن لمن نظر فيما يتكلمون به ويكتبونه في مؤلفاتهم.
وانظر متابعة صاحب كتاب توحيد الخالق لضلال الملاحدة الذي لا يتفق معه وجود سموات مبنية وخالق فوق سمواته فوق عرشه.
стр. 57
فلا أقسم بمواقع النجوم
قال الزنداني في ذكر قوله تعالى: (فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ) فقال مفسِّراً هذه الآية.
إن التقدم العلمي جاء ليبيّن الأبعاد لمواقع النجوم، وذلك ما جهله الإنسان طويلاً، فالشمس تبعد عنا مسافة ٩٣ مليون ميل تقريباً، ويقطع الضوء هذه المسافة في ثمان دقائق لأن سرعة الضوء (٣٠٠) ألف كيلو متر في الثانية، والضوء يقطع المسافة بيننا وبين أقرب نجم إلينا في مدة أربع سنوات وربع، ومنها ما يبعد عنا مسافة يقطعها الضوء في مائة سنة، ومنها ما يسافر منها الضوء إلينا في ألف سنة، ومنها ما يبقى الضوء مسافراً منها إلينا في مدة مليون سنة، ومنها ما يبقى الضوء مسافراً منها إلينا في (٣٤٠) مليون سنة، ومنها ما يبقى الضوء مسافراً منها إلينا في مدة ملايين السنين، أليس هذا كشف لِما تضمنته الآية الكريمة من حقيقة بقيت مجهولة مدة طويلة قال تعالى: (فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ).
فمن أعلم محمداً ﷺ بهذه الحقيقة التي تعلن الآية جهل الناس بها
стр. 58
وقت نزولها من العليم الخبير ومن الأبعاد كما قرّرها العلم الجديد (١).
إن تفسير هذه الآية الكريمة بهذا الباطل والضلال العظيم لمن أخطر الأمور، وإذا كانت هذه المسافات المتجاوزة لحدود الخيال في فضاء الملاحدة فكيف للمسلم بإثبات السموات السبع المبنيّة ومعرفة ربه وعلوّه فوق سمواته فوق عرشه، إن المراد بكلام الملاحدة هذا هو الضلال لأنهم من أول خطوة لا يقرّون بخالق للكون، وستأتي إن شاء الله تفاصيل برهانية تكشف الغامض من هذه الدواهي.
ويأتي أن بعضهم ضال مضل بجعله السموات السبع هي الكواكب، وهذا مصادمة للقرآن العظيم والسنة الصحيحة الصريحة، وهو مذهب المعطلة الكفرة.
وقد ضلوا ضلالاً بعيداً في النجوم حيث تأوّلوا بها ما يُضيّع الخلق عن خالقهم وعلوّه واستوائه على عرشه فوق سمواته، قال البخاري ﵀ في كتاب (بدء الخلق): وقال قتادة: (وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ) خلق الله هذه النجوم لثلاث: جعلها زينةً للسماء ورجوماً للشياطين وعلامات يُهتدى بها، فمن تأوّل فيها غير ذلك فقد أخطأ وأضاع نصيبه وتكلف مالا علم له به. انتهى. (٢)
стр. 59
الإعجاز المزعوم يُضل عن السموات وما فوقها
ولذلك فإنك لا تجد من أهل الإعجاز المزعوم من يدلّك على السموات السبع المبنية فضلاً عن المعطلة.
يقول صاحب كتاب: (من الإعجاز العلمي في القرآن الكريم) ص ٥٨: فالسماء بالنسبة للإنسان الذي يعيش على سطح الأرض هي كل هذا الوجود والتي تقع فوق الأرض. انتهى.
إنهم لو أثبتوا سماء مبنية قريبة جداً بالنسبة لِهَوَس المعطلة لتساقطت نظريات التعطيل والإلحاد واحدة بعد واحدة.
وبما أن السماء كرة مبنية محيطة بالأرض وهي التي تُرى بالعين وهي قريبة فإن أرباب الإعجاز المزعوم يتهرّبون من إثباتها كما خلقها الله وأخبر عنها رسوله ﷺ ، ولذلك يقول صاحب كتاب (من الإعجاز العلمي في القرآن الكريم) (ص٦١):
الكرة السماوية هي كرة وهمية تقع الأرض في مركزها بالنسبة لكل الأجرام والنجوم والكواكب الأخرى في الفضاء، وتبدو وكأنها تدور حول الأرض دورة واحدة كاملة يومياً ولكن هذا يرجع في الحقيقة إلى الحركة المحورية اليومية للأرض نفسها. انتهى.
стр. 60
أنظر كيف جعل السماء المبنية ذات السمْك والأبواب: كرة وهمية لتعارض الحقيقة مع ضلال المعطلة وعلومهم.
وكيف يُثبت سماء مبنية وهو يقول: إن النجم يَبْعد بمسافة عن الأرض يبلغ طولها (٥٨٨٧٠) بليون ميل؟ والمعافى يحمد الله.
وقد ذكرت في (هداية الحيران) أن أحسن أحوال من وقع في شباك هؤلاء المعطلة إذا أراد إثبات وجود الرب سبحانه أن يقع في وِحْدة الوجود، وبلا شك أن خلائق وصلوا إلى هذا الإلحاد والتعطيل لما اعتقدوا ضلالات الدهرية في الكون.
وهنا صنف آخر لما تابعوا هذه العلوم قالوا: الله في كل مكان، منهم صاحب كتاب (من الإعجاز العلمي في القرآن الكريم).
قال في ص٦٣: والمولى بمشيئته وربوبيته الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم موجود بعزته وقدرته في كل مكان في السماء والأرض وما بينهما في كل وقت وفي كل زمان.
وقال عن السماء: والمفهوم العلمي لمصطلح (سماء) هو الحيّز أو الفضاء اللانهائي الذي يحيط بكوكب الأرض من جميع الجهات وتَسْبح جميع المجرات والسُّدُم والكوكبات والنجوم والكواكب والأقمار في هذا الفضاء اللانهائي. انتهى ص٦٣.
стр. 61
أنظر قوله: الفضاء اللانهائي فهذا ضلال عن السموات السبع وعن الله وعرشه، وفسّر معنى قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا السَّمَاء سَقْفاً مَّحْفُوظاً) بالغلاف الجوي الذي زعم أنه يحفظها من أضرار تساقط بقايا الشهب والنيازك، جعل هذا السقف والبناء غازاً في الفضاء.
وهكذا فالسموات السبع إمّا أن يُؤوِّل معناها لمن قلّد الملاحدة أو يُنكرها لأنها في علومهم مَنْفيّة لا وجود لها.
وإن هذا لمن أخطر ما أتَتْ به هذه العلوم حيث من أراد أن يثبت وجود الله تَحَيَّر وضَلّ عن خالقه ومعبوده.
ولما جاء هذا الكاتب على قوله تعالى: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء) وقوله تعالى: (أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ) قال: ويبلغ سمك طبقات الغلاف الغازي نحو ٣٠٠ كيلو متر وما يقع فيما وراء هذا الغلاف هو بناء محكم من فضاء لا نهائي أو محيط لا حَدّ لاتساعه يتألف من الأتربة الكونية الدقيقة الحجم وتسبح فيه أعداد لا حصر لها من المجرات والنجوم والكواكب في مداره الذي اقتضاه المولى له. انتهى ص٦٤.
يقول: بناء محكم من فضاء لا نهائي، وهذا تناقض بيّن لأن البناء شيء والفضاء شيء فهو جمع بين النقيضين، فالبناء ليس فضاء والفضاء ليس بناء.
стр. 62
ويقول: ومن ثم فهناك سماء عليا لا يدركها الإنسان في الوقت الحاضر. انتهى ص٦٦.
ألأِن المعطلة لم يذكروا السماء يضل عنها هؤلاء؟ أما قال تعالى: (أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ) وغير ذلك من آيات تبين هذه السماء المرئية.
قال شيخ الإسلام: والسماء والأرض أعظم من الشمس والقمر (١).
أما عن لون السماء فقال هذا الكاتب:
ويعزى اللون الأزرق للسماء واللون الأحمر للشفق وغروب الشمس إلى أثر اختلاط الأتربة مع بعض الغازات وقدرتها على انتشار الأشعة الشمسية الزرقاء والأشعة البنفسجية، ومعنى ذلك أنه لولا انتشار الأتربة الدقيقة الحجم وبخار الماء المصاحب لها في الغلاف الجوي لظهرت السماء على شكل فضاء لا نهائي أسود وداكن اللون، يلمع فيه قرص الشمس تماماً كما يرى المشاهد النجوم المضيئة في السماء أثناء الليالي القاتمة اللون. انتهى. ص ٦٧.
أما لون السماء فقد تكلم به علماء الأمة ككلامهم في غيره مما يزيد الإيمان ويقويه ويفتح أبواب معرفة حكمة الإله العظيم ورحمته ولطفه بعباده ليس تخريف المعطلة المنكرون لأرواحهم ولربهم، وتأمل الآن الفرق
стр. 63
بين كلام هذا الكاتب وكلام ابن القيم.
قال ابن القيم ﵀ في كتابه (مفتاح دار السعادة) ١/ ٢٠٧ قال عن لون السماء: ثم تأمل ما وُضعت عليه من هذا اللون الذي هو أحسن الألوان وأشدها موافقة للبصر وتَقْوِيَة له حتى أن من أصابه شيء أضَرَّ ببصره يؤمر بإدمان النظر إلى الخضرة، وما قَرُبَ منها إلى السواد، وقال الأطباء: إن من كَلَّ بصره فإنه من دوائه أن يُديم الاطلاع إلى إجّانة خضراء مملوءة ماء، فتأمل كيف جعل أديم السماء بهذا اللون ليُمسك الأبصار المتقلّبة فيه ولا يَنْكأ فيها بطول مباشرتها له، هذا بعض فوائد هذا اللون، والحكمة فيه أضعاف ذلك. انتهى.
ومن الضلال أيضاً عن السماء يقول صاحب كتاب (قصة السموات والأرض) ص١٧.
السموات السبع هذا تحديد للنوع مما خلق الله سبحانه فوقنا من هواء وشهب ونيازك وأقمار ومذنبات وكواكب وشموس يعلو بعضها بعضاً ويتألف منها عوالم الكون أو طباق السموات. انتهى.
إن هذا الضلال عن السموات السبع الطباق الشداد المبنية الكروية المحيطة بالأرض إحاطة الكرة بما في وسطها ذوات السمك والأبواب والتي نرى أدناها وأقربها إلينا سماء الدنيا وسقف الأرض ذات اللون الأزرق المزينة بالكواكب، فالضلال عنها سببه علوم المعطلة فالحيرة ملازمة
стр. 64
للمقلِّدة. ولذلك يقول صاحب كتاب (من الإعجاز العلمي) ١/ ٧٢.
لما كان لفظ (السماء) يدل على كل ما يقع فوق الأرض من جميع الجهات أي أن السماء تتضمن نطاق الغلاف الغازي للأرض، فيمكن القول بأن الغلاف الغازي (وهو المهم في نشوء الحياة على سطح الأرض) يتألف من خمس طبقات غازية متتابعة رأسيّاً من أسفل إلى أعلى هي: طبقة النزوبوسفير، وطبقة النزوبوبوز، وطبقة الميزوسفير وطبقة الأيونوسفير وطبقة الأستراتوسفير ثم يعلو هذه الطبقات الغازية الخمس السماء الدنيا التي تسبح فيها المجرات ومنها مجرة درب التبانة التي تعد شمسنا وكواكبها جزءاً منها، ويعلو هذه السماء الدنيا، سماء سابعة هائلة الامتداد فيها السدم وما وراءها والله أعلم.
ولما ضل هذا عن السماء ضل أيضاً عن العرش فهو يقول في قوله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)، والقاعدة في هذه الآية ونحوها منع النقلة وحلول الحوادث ويبقى استواء القدرة والسلطان. انتهى ١/ ٧٣.
ولا عجب فالذي يعتقد أن الله في كل مكان ولا يعرف السموات السبع كيف يعرف العرش واستواء الرب عليه، والذي يقول: وتتباعد مجموعات المجرات بعضها عن البعض الآخر في الفضاء السماوي اللامُتناهي بمسافات تقاس بآلاف وملايين السنين الضوئية. ١/ ٧٦، الذي يقول هذا كيف يعرف العرش واستواء الرب عليه.
стр. 65
المجرات الخيالية وأصل علوم المعطلة
يقول صاحب كتاب (من الإعجاز العلمي) ١/ ١٢٤:
وفي السماء مجرات بعيدة جداً عن الأرض بصورة تفوق الخيال البشري، وينبعث من هذه المجرات أشعة ضوئية خافتة، ذلك لأنها تبعد عن الأرض بنحو ألف مليون بارسك.
(١٩.٢٠٠.٠٠٠.٠٠٠.٠٠٠.٠٠٠.٠٠٠.٠٠٠ ميل)، ومن بينها مجرة السحابة المجلانية Magellanic Cloud ومجرة قنو العذراء Vergo Cluster وهي من أقوم الحشود المجرية القريبة إلينا وتشتمل على نحو ٢٥٠٠ مجرة داخلية فيها.
١ - المجرات اللولبية أو الحلزونية الشكل: Spiral Galaxies:
ويتراوح قطر المجرة الواحدة منها من ١٥٠.٠٠٠ إلى ١٥.٠٠٠ سنة ضوئية، وتزداد اتساعاً في القسم الأوسط منها بينما يقل اتساعها عند أطرافها، وتتوالد الكثير من النجوم الجديدة في المجرات، ومن بينها النجوم الجديدة القصيرة العمر، الشديدة اللمعان، والتي تسهل عملية رصدها باستخدام المراقب الفلكية المطورة نظراً لوقوعها عند أطراف المجرة، ويحيط بالنواة الوسطى. انتهى.
стр. 66
إن مثل هذه الهذيانات والخيالات يكفي النظر فيها عن الكلام في تفنيدها، وكل ما يكون الواحد من هؤلاء المعطلة الذين ينقل عنهم المقلِّدة كل ما يكون أكبر كذباً وأبعد خيالاً وأعظم جنوناً فهو أعمق علماً وأوسع فكراً، ولولا ذلك لما سُوِّدت الأوراق بهذا التخريف، إن الملاحدة تتكلم عن فضاء لا ينتهي وهذا كفر في عقيدة الإسلام لأنه إنكار لما ثبت بالنصوص من وجود السموات السبع وبنائها وسكانها من الملائكة والجنة التي هي فوق السماء السابعة وكرسي الرحمن وعرشه الذي هو مستو عليه، وإنكار للخالق سبحانه، وجحود له، فهذا من ثمار هذا العلم الحديث.
فَمُقَلِّدة أرباب العلوم الحديثة غايتهم أن ينقلوا ما يَهْذُون به، قال صاحب كتاب (الإعجاز الإلهي) ص١١٢.
من المعجزات الإلهية الكثيرة الموجودة في أجواء الفضاء ما اكتشفه العلماء في الآونة الأخيرة، لقد اكتشفوا بوسائلهم العملاقة المتطورة مجرتين هائلتين متقاربتين من بعضهما بعضاً، كلٌ منهما صنو للآخر أو نسخة طبق الأصل عنه ولا يختلفان عن بعضهما في شيء، علماً أن في كل منهما مليارات المجموعات الشمسية التي تعدّ مجموعتنا بالمقارنة بها كذرة غبار متناهية في الصغر في كون فسيح مترامي الأطراف. انتهى.
стр. 67
إن من قَلَّد أرباب هذه العلوم قد وَطَّن نفسه لقبول الخيالات، حتى لو زعم المعطلة أنهم اكتشفوا مجرات بحيث تكون هذه المجرات التي ذَكَر بالنسبة إليها كذرّة غبار متناهية الصغر، هذا ظاهر في مؤلفات من كتبوا عن هذا الإعجاز المزعوم.
بعد هذه الإشارة لهذا الأصل المهم الذي يُمَيّز بين السلف والخلوف في هذا الأمر أقول لصاحب كتاب توحيد الخالق ولمن اغتروا بالملاحدة وانخدعوا بخدعهم وضلالاتهم أقول: الرجوع إلى الحق أحق من التمادي في الباطل، والعَوْدُ لكم أحمد، ويا ليتكم تكونون كمن رضي من الغنيمة بالإياب فالأمر والله غاية الخطورة، وبما أن القوم لجّجوا في بحار عميقة مظلمة فلا بد بمعونة الله من كشف ما يحتمله هذا المؤلِّف الذي يطول جداً لو ذكرت فيه كل نظريات الكفرة وما فيها من الضلاّل وإنما الإشارة تكفي مَنِ الحكمة ضالّته، وليكن الكلام الآن على السماء التي أعجب صاحب كتاب توحيد الخالق ما توصّل إليه من العلم الحديث وكشوفاته من شأنها، ولنبدأ من الأصل الذي يُصَرّحون به وعليه بَنَوْا علومهم وهو أن الكون لا خالق له.
وهذا تفرّع عنه أن ما فوق الأرض من كل جهة فضاء لا ينتهي، ومعلوم أن هذا الاعتقاد هو ثمرة من ثمار جحودهم لخالق الكون فينظرون إلى ما فوق رؤوسهم إلى عالم مجهول اتفقوا على أنه فضاء لا حَدَّ له. ليسوا
стр. 68
كأهل الإسلام الذين ينظرون إلى ما عندهم العلم بوصفه قبل نظرهم وهو معلوم لخالقه ومُوجده قبل خَلْقهم ووجودهم فكلامه فيه حق، وتصديقه فيه هدى.
والمراد أنهم بقولهم: الفضاء لا حَدَّ له أرادوا هدم بنيان الدين بقلع أصوله فمن لم يُصَدِّقهم ويتبعهم على إنكار الخالق أوْجدوا له طريقاً أخرى كفيلة بإضلاله عنه سبحانه وهو كلامهم في فضائهم الخيالي اللانهائي.
إنها كلمة قالوها وهي أن الفضاء لا ينتهي لا دليل عندهم على صحتها ولا برهان ولا حجة إلا عدم العلم بغير ذلك، وعدم العلم ليس بعلم، هذا أحسن ما يُظن بهم وكفى بذلك ضلالة أن بُني على جهالة، والإناء بما فيه ينضح فهذه ثمار الكفار، والذي ينبغي أن نهتم بشأنه ونحذره أنهم أرادوا بذلك إضلال المسلمين عن ربهم وهذا لأنهم منقادون بالطاعة لإبليس فهو جعلهم واسطة الإضْلال بهذا الضّلال.
إن العجوز الجاهلة من عجائز المسلمين والمجنون الذي يُمَزِّق ثيابه ويرمي طعامه ويشتم أباه وأمه أعْلم من أرباب العلوم الحديثة بالسماء وبما فوق السماء وإنما الفتنة بهؤلاء التي أعمت وأصَمّت سببها وجود من رَوَّج هذه البضائع الزائفة وأنها تدلّ على الله وأن القرآن شاهد بصحتها.
стр. 69
والمراد أن المسلمين جهالهم ومجانينهم وعجائزهم فضلاً عن علمائهم يعتقدون أن الذي يَرَوْنه فوقهم بلَوْنه الأزرق هو السماء التي بناها خالقهم بقدرته الذي يقول للشيء كن فيكون وأن في سمواته ملائكته وجنته وفوق ذلك عرشه، هذا معتقد عامة المسلمين وجهالهم، انظر الآن ما يقابله من معتقد أرباب العلوم الحديثة وقارن بين الهدى والضلال.
إنهم يعتقدون كما ذكرت أن الفضاء لا حَدَّ له وحَشْوُهُ كواكب تدور حول نفسها وحول توابعها، وقد تقدم الكلام على نظرية نيُوتِن وأنهم بَنَوْا عليها نظرية تجاذب الأجرام الكبيرة إذْ أنها عندهم في الأصل تدور بتأثير انفصالها من الشمس التي هي الأخرى تدور عندهم، وتقدم ذِكر ما يسمونه المجموعة الشمسية التي هي خيال لا حقيقة له، فالكون عندهم مليء من هذه المجموعات الشمسية الخيالية التي بِدَوْرها تُكَوِّن ما سَمّوْه بالمجرات، والمجرات ملايين وبلايين لا تحصر وكل ذلك سابح في فضاء لا ينتهي وضمن ذلك الأرض التي جعلوا نسبتها من الصِّغر للكون الذي لا ينتهي وأجرامه كنسبة حَبّة رمل إلى جميع رمال الأرض، ولقد عظّم الخالق الأرض، وكم ذكرها مع سمواته العظيمة يبين عظمها.
إن من يعتقد أن الفضاء لا حَدَّ له مُعَطّل حيث لا وجود للخالق سبحانه عنده ولا سمواته السبع ولا عرشه العظيم، وهذا ظاهر لا جدال فيه عند الملاحدة أرباب هذه النظريات، فهم ينفون وجود الخالق من أول
стр. 70
خطوة في علومهم التجريبية التي يزعمون أنها مبنية على عدم الإيمان بغير المحسوس.
والكلام الآن مع من قلّدهم في كلامهم في المجرات وهو يُقرّ بوجود الخالق سبحانه وعرشه وسمواته فيقال لهم: إنكم تريدون أن تجمعوا بين الحق والباطل وهما لا يجتمعان إنكم لو سُئلتم عن السماء المبنية التي ورد ذكرها في القرآن وقدْ وصفها الله في آيات عديدة أنها بناء وأنها فوق الأرض وأن لها أبواب وأنه ما لها من فروج وليس فيها فطور لتحيّرتم، ومن أقرّ منكم بسبع سموات فلا يُقِرُّ بها على ما وصفها خالقها ورسوله.
كذلك ما ورد في السنة الصحيحة من معراج رسول الله ﷺ وأن جبريل ﵇ يستفتح أبواب السموات سماء سماء فقد روى البخاري حديث الإسراء أنقل منه هنا ما يبين أن السماء بناء ولها أبواب كما ورد في القرآن، ففي حديث أنس ﵁: (ثم عُرج به إلى السماء الدنيا فضرب باباً من أبوابها فناداه أهل السماء: من هذا؟ فقال جبريل وقالوا: ومن معك؟ قال: معي محمد) الحديث، وفيه: (ثم عرج به إلى السماء الثانية فقالت الملائكة مثل ما قالت له الملائكة الأولى: من هذا؟) وفيه (ثم عرج به إلى الثالثة فقيل
стр. 71
له مثل ما قيل في الأولى والثانية وهكذا حتى عدَّ سبع سموات) (١).
إنكم لو سُئلتم عنها لاضْطربتم ولَمَا أجبتم بالصواب، وقد رأيت من التهافت والتناقض والضلال في كلام المقلِّدة للملاحدة في وصفهم السموات ما يدعو للعجب، فبعضهم يقول: هي الكواكب السبعة، وبعضهم يقول: إنها طبقات غازية سبع، وبعضهم يقول: لا أدري ما السموات، وبعضهم يقول: هي فوق المجرات وهو يعلم أن ما فوق المجرات لا يمكن أن يكون سموات مبنية لأن المجرات بزعمهم تتوالد والكون يتسع مع أن المجرات عندهم لا حصر لها، وقد تقدم كلامهم فيها ويأتي غيره.
ولهم أقوال أخرى عن السموات غير ما تقدم وكل ذلك ضلال مبين، فهم تائهون ضالون حائرون.
كالْعِيسِ في البيداء يقتلها الظما ... والماء فوق ظهورها محمولُ
إننا إذا ضللنا في معرفة السموات ضللنا عن معرفة ربنا سبحانه وفوقيته وعلوه على مخلوقاته، كذلك الملائكة والعرش والكرسي والجنة لأن ذلك كله فوق السماء المبنية، والعرش فوق السموات كلها وهو سقف العالم كله كما أن السماء الدنيا سقف الأرض، والعرش أكبر المخلوقات على الإطلاق.
стр. 72
والآن نطرح كل الأقوال المتقدمة في وصف السماء لأنها لا تستحق المناقشة وننظر في قول واحد اقْتنع واغْتر به الجهال وهو أن السماء فوق المجرات المزعومة وأنه لا تعارض بين ذلك وبين الحق المعلوم في الكوْن الذي هو الصفة للسموات المطابقة لخبر الله ورسوله ﷺ .
يزعم أهل العلم الحديث أن ما فوق الأرض فضاء لا حَدَّ له ولا نهاية كما تقدم ذِكر ذلك وأن هذا الفضاء كواكب سابحة فيه تدور حول توابعها، فكواكب التي سموها المجموعة الشمسية تدور حولها ويزعمون أن من ضمنها الأرض فهي عندهم تدور حول نفسها وحول الشمس، وليس الكلام في هذا هنا وقد بينت بطلانه والحمد لله في (هداية الحيران) إنما المراد هنا المجرّات المتَخَيَّلة، فيزعمون أن في فضائهم اللانهائي ملايين وإن شئت قل بلايين من المجموعات الشمسية التي تتكوّن منها ملايين المجرات وإن شئت قل بلايين البلايين من المجرات، فخيالاتهم وخيالات مُقَلِّديهم ليس لها حَدّ كفضائهم الذي لا يُحَدّ، فمن هنا أُطْلِقَتْ لك المشيئة بإضافة ما شئت من الأصفار بجانب أصفار الملايين والبلايين.
إنك لا تعْدو أن تكون صِفْر اليدين سواء زِدْت على ما زعموا من عدد المجرات أو نقصت اللهم إلا أن ترمي هذه الملايين والبلايين من المجرات في المزبلة والمشابهة لنتائج أفكار الكفار وزبالات أذهانهم وتُبْقي
стр. 73
واحدة فقط من الملايين والبلايين وترفع رأسك في ليلة مظلمة بعيداً عن الأضواء التي حَرَمَتْنا منظر السماء فتنظر كما نظر نبيك وصحابته الكرام وسلف هذه الأمة من الأئمة الأعلام، مصابيح الدجى وهداة الأنام.
стр. 74
المجرة باب السماء المبنية
إنك سترى بعينك بناء السماء فهو الذي ينتهي إليه بصرك وهو سقف الأرض كلها، وهو الذي لا يُنْفَذُ منه إلى أعلى إلا عن طريق الباب أو الأبواب كما تقدم ذكر ذلك في حديث الإسراء، وليس المراد هنا هذا كله، إنما المراد المجرة الواحدة التي بقيت معك بعد طرح الملايين والبلايين في مزابل الملحدين.
إنك سترى ما يشبه الغيْم الأبيض الرقيق ملاصقاً للبناء وليس في موضع السحاب القريب من الأرض فهذا في الفضاء الذي بين السماء المبنية ذات الجرم والسمك والأبواب وبين الأرض أما المشابه للغيم وهو في السماء فهو المجرة، وهي عبارة عن نجوم صغيرة متقاربة تشبه مجرى النهر لامتدادها في السماء، فإن كنت دخلت في علوم القوم ونالك من رشاش زقومها فقد تقول حينئذ: رضيت من الغنيمة بالإيابِ، وتكون إن شاء الله ممن الحكمة ضالّته، إذ الحكمة هي العلم بالحق والعمل به، والحق هو ما أتى به رسول خالق السموات والأرض.
стр. 75
قال ابن عباس ﵄: المجرة باب السماء الذي تنشق منه (يعني يوم القيامة. قال تعالى: (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاء بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنزِيلاً) وقال تعالى: (إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ)).
قال ابن كثير على أثر ابن عباس: إسناده صحيح إلى ابن عباس ﵁ (١).