له مثل ما قيل في الأولى والثانية وهكذا حتى عدَّ سبع سموات) (١).
إنكم لو سُئلتم عنها لاضْطربتم ولَمَا أجبتم بالصواب، وقد رأيت من التهافت والتناقض والضلال في كلام المقلِّدة للملاحدة في وصفهم السموات ما يدعو للعجب، فبعضهم يقول: هي الكواكب السبعة، وبعضهم يقول: إنها طبقات غازية سبع، وبعضهم يقول: لا أدري ما السموات، وبعضهم يقول: هي فوق المجرات وهو يعلم أن ما فوق المجرات لا يمكن أن يكون سموات مبنية لأن المجرات بزعمهم تتوالد والكون يتسع مع أن المجرات عندهم لا حصر لها، وقد تقدم كلامهم فيها ويأتي غيره.
ولهم أقوال أخرى عن السموات غير ما تقدم وكل ذلك ضلال مبين، فهم تائهون ضالون حائرون.
كالْعِيسِ في البيداء يقتلها الظما ... والماء فوق ظهورها محمولُ
إننا إذا ضللنا في معرفة السموات ضللنا عن معرفة ربنا سبحانه وفوقيته وعلوه على مخلوقاته، كذلك الملائكة والعرش والكرسي والجنة لأن ذلك كله فوق السماء المبنية، والعرش فوق السموات كلها وهو سقف العالم كله كما أن السماء الدنيا سقف الأرض، والعرش أكبر المخلوقات على الإطلاق.
стр. 72
والآن نطرح كل الأقوال المتقدمة في وصف السماء لأنها لا تستحق المناقشة وننظر في قول واحد اقْتنع واغْتر به الجهال وهو أن السماء فوق المجرات المزعومة وأنه لا تعارض بين ذلك وبين الحق المعلوم في الكوْن الذي هو الصفة للسموات المطابقة لخبر الله ورسوله ﷺ .
يزعم أهل العلم الحديث أن ما فوق الأرض فضاء لا حَدَّ له ولا نهاية كما تقدم ذِكر ذلك وأن هذا الفضاء كواكب سابحة فيه تدور حول توابعها، فكواكب التي سموها المجموعة الشمسية تدور حولها ويزعمون أن من ضمنها الأرض فهي عندهم تدور حول نفسها وحول الشمس، وليس الكلام في هذا هنا وقد بينت بطلانه والحمد لله في (هداية الحيران) إنما المراد هنا المجرّات المتَخَيَّلة، فيزعمون أن في فضائهم اللانهائي ملايين وإن شئت قل بلايين من المجموعات الشمسية التي تتكوّن منها ملايين المجرات وإن شئت قل بلايين البلايين من المجرات، فخيالاتهم وخيالات مُقَلِّديهم ليس لها حَدّ كفضائهم الذي لا يُحَدّ، فمن هنا أُطْلِقَتْ لك المشيئة بإضافة ما شئت من الأصفار بجانب أصفار الملايين والبلايين.
إنك لا تعْدو أن تكون صِفْر اليدين سواء زِدْت على ما زعموا من عدد المجرات أو نقصت اللهم إلا أن ترمي هذه الملايين والبلايين من المجرات في المزبلة والمشابهة لنتائج أفكار الكفار وزبالات أذهانهم وتُبْقي
стр. 73
واحدة فقط من الملايين والبلايين وترفع رأسك في ليلة مظلمة بعيداً عن الأضواء التي حَرَمَتْنا منظر السماء فتنظر كما نظر نبيك وصحابته الكرام وسلف هذه الأمة من الأئمة الأعلام، مصابيح الدجى وهداة الأنام.
стр. 74
المجرة باب السماء المبنية
إنك سترى بعينك بناء السماء فهو الذي ينتهي إليه بصرك وهو سقف الأرض كلها، وهو الذي لا يُنْفَذُ منه إلى أعلى إلا عن طريق الباب أو الأبواب كما تقدم ذكر ذلك في حديث الإسراء، وليس المراد هنا هذا كله، إنما المراد المجرة الواحدة التي بقيت معك بعد طرح الملايين والبلايين في مزابل الملحدين.
إنك سترى ما يشبه الغيْم الأبيض الرقيق ملاصقاً للبناء وليس في موضع السحاب القريب من الأرض فهذا في الفضاء الذي بين السماء المبنية ذات الجرم والسمك والأبواب وبين الأرض أما المشابه للغيم وهو في السماء فهو المجرة، وهي عبارة عن نجوم صغيرة متقاربة تشبه مجرى النهر لامتدادها في السماء، فإن كنت دخلت في علوم القوم ونالك من رشاش زقومها فقد تقول حينئذ: رضيت من الغنيمة بالإيابِ، وتكون إن شاء الله ممن الحكمة ضالّته، إذ الحكمة هي العلم بالحق والعمل به، والحق هو ما أتى به رسول خالق السموات والأرض.
стр. 75
قال ابن عباس ﵄: المجرة باب السماء الذي تنشق منه (يعني يوم القيامة. قال تعالى: (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاء بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنزِيلاً) وقال تعالى: (إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ)).
قال ابن كثير على أثر ابن عباس: إسناده صحيح إلى ابن عباس ﵁ (١).
стр. 76
ترويج البضائع الفاسدة
ثم ذكر الزنداني بعد ذلك (إن معطيات العلوم الحديثة ليست إلا تدعيماً للتوحيد وكشفاً لنوع جديد من الإعجاز القرآني) (١).
ومعلوم أن هذه دعوى زائفة ليست طريق الرسول ﷺ ولا الصحابة ولا من تبعهم بإحسان وإنما هي تطبيق عملي لحذو القذة بالقذة وشبراً بشبر وذراعاً بذراع، والويل لمن خُدِع.
وإنما حصلت الفتنة واستحكمت من جَعْلِ ما فُتِحَ على أعداء الله في هذا الزمان من الضلال علماً وأنه مرغوب فيه ومطلوب بل وينبغي المنافسة عليه، وعلى هذا المقتضى أُصِّلَتْ أصول وتفرّع لها فروع يطول الكلام في بيان ضلالها وإفسادها للملّة، فمن ذلك اللبس العظيم والضلال المبين الذي حصل للمسلمين من ثُنائيَّة أحدثها من لا يعرف الدين وهي: (الدين والعلم) ثم صار يُفضِّل في ذلك ويتكلم من لا يعرف الدين ولا العلم، لأن هؤلاء لو عرفوا العلم الحقيقي لميّزوه عن غيره وعظّموه أن يُرفع إلى غيره إلى مستواه كيف بما يضاده ولَوَ قّروه أن يُدَنّس بما يفسده من
стр. 77
علوم الضلال.
كذلك لو علموا أنه هو العلم والعمل، ولا دين إلا بالعلم لكنه علم الرسول ﷺ الذي جاءه من ربه .
وتأمل الآن ما سَمّوْه (العلاقة بين العلم والدين) وقد صَنّف بعضهم ذلك إلى ثلاث اتجاهات:
* الاتجاه الأول: ويرى أصحابه من المفكرين ضرورة "الفصل" بين الدين والعلم فصلاً تامًّا، بحيث يكون لكل منهما مجاله الخاص، وهذه الوضعية مرفوضة إسلاميًّا؛ لأن الإسلام هو الدين الشامل الذي يحتوي على الشخصية الإنسانية من جميع نواحيها.
* الاتجاه الثاني: ويرى أصحابه من الكتاب ضرورة "التوفيق" بين الدين والنتائج العلمية، وأن يكون المرجع في عملية التوفيق هذه إلى العِلم لا إلى الدين، وهو الاتجاه الذي تمارسه المسيحية جزئياً عندما يمن عليها الحظ بإمكانية هذا التوفيق.
* الاتجاه الثالث: ويرى مؤيّدوه ضرورة المواجهة بين الدين والفلسفة العلمية المتخفية وراء العلم - ليكون لأحدهما الكلمة العليا، والمسلمون يجعلون الكلمة العليا للدين، والتيار الإلحادي يجعل الكلمة العليا للعِلم. انتهى.
من كتاب (الفكر الإسلامي في مواجهة التيارات الفكرية المعاصرة).
стр. 78
هذا الخلط والخبط جاء بسبب ما سُمِّيَ بعلم وليس بعلم.
قال ابن تيمية ﵀: العلم الموروث عن النبي ﷺ هو الذي يستحق أن يسمى علماً، وما سواه إما أن يكون علماً فلا يكون نافعاً، وإما ألا يكون علماً وإن سُمِّي به، ولئن كان علماً نافعاً فلا بد أن يكون في ميراث محمد ﷺ ما يُغني عنه مما هو مثله وخير منه. انتهى (١).
وانظر كيف جعل التوفيق بين الدين وما سمّاها: النتائج العلمية بأن يكون المرجع إلى العلم لا إلى الدين، وهذا إضلال مبين فقد أُمرنا برد ما تنازعنا فيه إلى الله والرسول ولأن كتاب الله وسنة نبيه هي العلم وفيهما العلم، ثم جعل فوز المسيحية الإذعان لما سمّاه العلم، وقد بينت في هذا الكتاب ما مع أرباب الكنائس من الحق وجَوْر من جعل كل ما عندهم باطلاً، ثم إن قياس المسلمين بالغربيين وكنائسهم ضلال.
أما قوله: عندما يمنّ عليها الحظ، فالحظ لا يمن وإنما يمن المنان سبحانه وبحمده.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في ردّه على أهل المنطق: فنحن قد بينا أن شريعة الإسلام ومعرفتها ليست موقوفة على شيء يُتعلَّم من غير المسلمين أصلاً وإن كان طريقاً صحيحاً. انتهى (٢).
стр. 79
تأمل قوله: وأن كان طريقاً صحيحاً فكيف إذا بطرق هؤلاء الضالة المضلة؟ فالحمد لله الذي بعث فينا رسولاً من أنفسنا يعلمنا الكتاب والحكمة ويزكينا.
قال صاحب كتاب توحيد الخالق:
إن قوة التصور هي مصدر الخيال الواسع في حياة الإنسان، ولا يمكن تصديق ما تأتي به قوة التصور إلا بعد فحصه جيداً أمام العقل، ومعظم الأوهام الباطلة التي تتحكم في حياة الناس تنبع من تصورات خاطئة، أما مجال عمل قوة التصور فهو مجال واسع جداً، يشمل جميع مجالات الحواس الخمس.
مَنِ القاضي الذي يفصل؟.
إذا فكرت في الوسائل السابقة، وجدت أن جميعها عرضة للوقوع في الخطأ، فكيف تميز الحق من الباطل؟ لقد جعل الله لنا عقلاً يميز الحق من الباطل، فهو إذن القاضي الذي تعرض عليه كل المعلومات القادمة من الحواس الخمس ومن قوة التصور، فيفصل في أمرها، وقد يقع العقل في خطأ لا من ذاته ولكن بسبب تغرير به أثناء عرض المعلومات، كأن تقدم له معلومات ناقصة أو مشوهة، فتأتي أحكامه ناقصة مغلوطة، مشوهة، ولكن ذلك لا يرجع إليه وإنما يرجع إلى مؤثرات خارجية، ولكن العقل
стр. 80
مع ذلك هو الأساس الذي يقوم عليه العلم الحق (١).
يقال لصاحب كتاب توحيد الخالق: بما أنك تقول: (ولا يمكن تصديق ما تأتي به قوة التصوّر إلا بعد فحصه جيداً أمام العقل) فمع أن كلامك هذا فيه نقص إلا أنك لو استعملته فيما أفرزَتْه أذهان الكفرة المظلمة لما تمادَيْت فيما تماديتَ فيه من الإنهماك بعلومهم واستحسانها وتحسينها.
إنك لو استعملت ميزانك هذا رغم نقصه وعجزه عن أداء النتائج المطلوبة لرَبَأت بنفسك عن مجارات أعداء الله فيما أضلهم به الشيطان الذي هو مُسْتَوْلٍ عليهم. قال تعالى: (اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ) الآية. يعني: استولى، فأيّ خير يُرجى منهم؟.
وأنا ذكرت نقص كلام الكتاب السابق لأنه أشاد بالعقل ورفع من شأنه ولم يذكر الرجوع للكتاب والسنة، لكن أتى بكلام مجمل وهو قوله: (لقد جعل الله لنا عقلاً يميز الحق من الباطل) وهذا لا يكفي. كيف وقد قال بعد ذلك رافعاً شأن العقل: (فهو إذن القاضي الذي تُعْرض عليه كل المعلومات القادمة من الحواس الخمس) قال: (ولكن العقل مع ذلك هو الأساس الذي يقوم عليه العلم بالحق).
стр. 81
الحقيقة أن هذه إشادة بالعقل تُعَدِّيه طوْره وتتجاوز به حَدَّه، إذْ كماله الحقيقي أن يكون تابعاً لما أتى به رسول الله ﷺ محكّماً له في كل شيء وإلا حصل الضلال ولا بد.
ومما قال صاحب كتاب توحيد الخالق عن العقل في (ص١٦١، ١٦٢) من كتابه: (قال: كما يعجز عن إدراك بداية الزمان أو يحيط بنهايته، وكذلك يكِلّ ويعجز عن إدراك نهاية المكان) انتهى كلامه.
هذا نصفه صحيح ونصفه غلط، فالعقل يعجز عن إدراك بداية الزمان ويعجز أيضاً عن الإحاطة بنهايته.
أما العجز عن إدراك نهاية المكان فليس هذا على إطلاقه، فأرباب العلم الحديث ومن قلدهم يقولون هذا الكلام باعتبار ما في خيالاتهم من سعة الكون التي لا نهاية لها وأنه مُرَكّب من كواكب وشموس وأقمار في فضاء لا ينتهي، فعلى مقتضى هذا المعتقد الضّال يعجز العقل عن إدراك نهاية المكان، وهذه عَدْوى أصابتْ المقلِّدة وسيأتي إن شاء الله الكلام على زعمهم أن الكوْن يتسع ويستدلون بقوله تعالى: (وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ) وهو باطل وضلال، وقد فسر الآية المتأخرون على مقتضى نظريات الغرب الضالة والمضلة.
والمراد أن إدراك نهاية المكان ممكنة للعقل كما أن ذلك ورد في الشرع.
стр. 82
فنهاية الفضاء جرم السماء الدنيا المشاهدة ذات اللون الأزرق التي نشاهد فيها الشمس والقمر والنجوم وهذا الفضاء هو الذي ذكره الله في كتابه الكريم بقوله تعالى: (وَمَا بَيْنَهُمَا) حين يذكر السماء والأرض في مواضع، وليس ما تتخيّله أذهان الملاحدة المظلمة من أنه لا نهاية له، والأرض محدودة معروف شكلها وجوانبها من البراري والبحار والجبال.
وقد بيّنت ولله الحمد في (هداية الحيران) المسافة بين السماء والأرض على حسب اصطلاح أهل الوقت في تقدير المسافات، كما بينت المسافة بين الأرض وسطح السماء السابعة.
كذلك بينت ما فوق السماء السابعة وهي الجنة وأن فيها مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، كما ورد في الحديث الصحيح وأن فوق الجنة العرش، وهو سقف المخلوقات كلها وفوقه الرب .
ثم إن صاحب كتاب توحيد الخالق في عامة كتابه هذا الذي سمّاه يتكلم عن العلوم الحديثة بطرقها الطويلة الدقيقة المخالفة للطريقة الفطرية السهلة الميَسّرة ويُقْحم آيات القرآن بين كلامه عن علومه الحديثة إقحاماً يستشهد بها بزعمه ويستدل على إعجاز القرآن.
стр. 83
وعلى كل حال فليست هذه مسالك المسلمين في معرفة كلام الله وبيانه، والذي يُوصَل إليه بسلوك طرقهم من صواب ينغمر ويتلاشى ويضمحل بجانب ما يستلزمه السالك من الضلال والانحراف.
وفي طريقة القرآن في النّدب للنظر بالآيات المشهودة تمام المعرفة وكمالها، ولولا حصول ذلك لما اختاره الله لنبيه وصفوة خلقه.
وصاحب كتاب توحيد الخالق بعلومه الحديثة يدعو إلى الله بزعمه ومعرفته ولقد تكلم عن العلم بالله (ص١٦٧) فذكر العقل وزعم أن علمنا بالله قائم على استنتاج الإيمان من مشاهدة المخلوقات، ويقول: فنحن قد علمنا بربنا بإدراك آثاره في مخلوقاته، ويذكر كلاماً طويلاً يحشر أثناءه الآيات حشراً متنافراً مع ما يذهب إليه.
ويقول: وإيمان المسلم بربه حقيقة تُعرف من استنتاج العقل وفهمه لآثار قدرة ربه في مخلوقاته، وكلامه ليس بالمسدَّد ولا الجيّد بل فيه تضليل فهو يميل إلى جانب النظر في معرفة الله على مقتضى العلوم الحديثة وطرقها، فهذا شَبَه من المتكلمين، وقد غلط هنا غلطاً فاحشاً حيث غَلَّبَ النظر وأهمل جانب الفطرة التي بها حاصلة معرفة الله.
أما النظر في المخلوقات بالتفكر والاعتبار على طريقة السلف فهو يزيد المعرفة والإيمان لأنه أصل، وقد وقفتُ على كلام كثير من سالكي
стр. 84
طرق العلوم الحديثة فرأيتهم يدعون إلى النظر كبداية لمعرفة الله والإيمان به بسلوك طرق العلوم الغربية، وعلمهم عن الفطرة لا يكاد يُذكر.
فمعرفة الله بل ومحبته فطرية والشريعة تكملها وتُفصّل وتبيّن ما لا تستقل الفطرة بتفصيله وبيانه.
ولقد جار أهل النظر في هذا الزمان على الفطرة وكادوا يهملون شأنها وذلك لغلبة جانب النظر على غير الطريقة السلفية فحصل بذلك ضلال عظيم. لأنه نظرٌ على مقتضى علوم الملاحدة وكشوفهم الضالة والمضلة.
وقد أمرنا ﷺ بإتباعه ونهانا عن الإحداث، وقد قال مُرْسِلُه سبحانه: (وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا).
стр. 85
الذرة
قال الزنداني تحت عنوان (أصل واحد) في كتابه توحيد الخالق (ص١٧٦): (وإذا سألت عن أصل المادة أجابك المختصون: بأن أصغر شيء في المادة هو الذرة، وأنها أصل كل مادة شًوهدت في الأرض أو السماء، إنها لبنة البناء في مادة الكوْن المشاهد).
ثم تكلم صاحب كتاب توحيد الخالق عن مكونات الذرة كما قال مَنْ سماهُم (الباحثون) وأنهم اكتشفوا أن بعض جسيمات الذرة لا يُعمِّر في الذرّة أكثر من عشرة أجزاء من مليون جزء في الثانية. انتهى.
على القارئ أن يُبعد عقله الآن ويعيد قراءة ما تحته خط بلا عقل ليُجاري العلوم الحديثة بدون تفكّر ولا تعقّل.
تأمل هذا وتأمل ما يذكرونه عن فضائهم الخيالي الذي يحوي ملايين من المجرات المسافات بينها تُقَدّر بالسنين الضوئية ونحو ذلك من اللامعقول والذي يعارضه ويكذِّبه المنقول تعلم أن الكل خرج من مشكاة واحدة وهي مشكاة الضلال والتضليل.
إن عشرة أجزاء من مليون جزء من الثانية في الخيالات الدقيقة مثل بلايين المجرات في الخيالات الكبيرة، والكل من مشكاة اللامعقول وليُعلم دجل أرباب هذه العلوم الحديثة وخرصهم وظنهم وأنهم يتكلمون عن
стр. 86
مجرد نظريات هي في خيالاتهم المظلمة ويثبتونها رسْماً ورقماً على الورق، فلذلك يتكلمون حتى عن تركيب السماء وأنه مركب من الذرات كما ينقل صاحب كتاب توحيد الخالق عنهم في قوله السابق عن الذرة: وأنها أصل كل مادة شوهدت في الأرض أو السماء.
ومعلوم أن السماء عندهم هي الكواكب السابحة في الفضاء الذي لا نهاية له، وإنما قالوا ذلك باعتبار أن الكل منفصل من أصل واحد وهو السديم فتركيب جميع الكون مثل تركيب هذا السديم وهو الذرات، وهم والله لا رَأوْا سديماً ولا عندهم أثارة من علم تدلّهم عليه، وَوَحْي الأنبياء لا يرجعون إليه، وليس في وحي الأنبياء ذكر سديم ولا ذرات حسب ما يتخيلون ويتخرصون، وإنما في القرآن الخبر اليقين عن بداية الخلق ونهايته وكل ما يحتاجه أهل الإسلام في دينهم ودنياهم.
والذرة هي الجوهر الفرد الذي ضل به متكلمة الجهمية وقد أنكره علماء المسلمين وضلّلوهم به.
فضلالهم في العالَم العلوي كضلالهم في العالَم السفلي وأعظم حيث أن مادة العالَم العلوي خفيفة وشفافة مستنيرة.
أما الأرض وما فيها فكثيفة مظلمة معتمة تختلف كُلِّياً عن تلك.
صاحب كتاب توحيد الخالق ينقل في كلامه عن الذرة وغيرها عمن هو مشغوف بعلومهم، ففي كتابه (العلم طريق الإيمان) (ص٨٨) ذكر
стр. 87
تحت عنوان: (هذا ليس من كلام البشر) قال: أما البروفيسور الفريد كرومر من ألمانيا وهو من كبار علماء الجيولوجيا أيضاً فقد ذَهل عندما سمع قول الله: (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا). (١)
قال يستحيل أن يكون هذا من معلومات البشر، لأن البشر كانوا يعتقدون في زمن محمد وما بعده بقرون أن أصل المواد أربعة: ماء، ونار، وهواء، وتراب. ثم بعد التقدم العلمي الحديث اكتشفنا أمن أصل الموجودات ترجع إلى الذرات، والذرات ترجع إلى إلكترونات وبرتونات وأن الماء والهواء والنار والتراب كلها تتكون من ذرات إلا أنها تختلف في العدد الذري.
قال: يستحيل أن يتصور إنسان في زمن محمد أو ما بعده بقرون لا يعرف الطبيعة الذرية في تركيب المواد أن ماء الأرض كان متحداً مع نار الشمس، غير ممكن!! نعم لا يمكن .. وكيف يمكن أن يتخيل إنسان هذا إلاَّ إذا علم أن الماء أصلاً والنار كلها جميعاً ترجع إلى مادة واحدة، ويمكن أن تكون شيئاً واحداً متصلاً، ولذلك لا يمكن أن يكون هذا الكلام منسوباً إلى محمد ﷺ إلاَّ بوحي من أعلى.
стр. 88
الجواب: يقال: أرباب هذه العلوم الحديثة أحالوا في شأن ما سَمّوْه (الذرة) إلى مالا يُحَس ولا يشعر به بل ولا يعقل، وهذا مخالف للأصل الذي أصّلوه من عدم إيمانهم بغير المحسوس، أما القول بأن أصل المواد أربعة: الماء، والنار، والهواء، والتراب، فهذا هو المحسوس المشاهد في الكون.
فكون هذه المواد الأربع تتكون من الذرات، يقال: ما علمكم بذلك؟ إنهم لم يُحسّوا ذلك ولم يلمسوه ولم يشاهدوه بل يقولون: إن الذرة لا تُرى ولا بأكبر المجاهر، وأنا يعتمدون على آثار يزعمون أنها تحصل بسبب الذرة.
وكلامهم له أصل في الضلالة عريق، فالمتكلمون قبلهم الذين ذمّهم علماء الإسلام غاية الذم وبينوا ضلالهم ذكروا ما سَمّوْه الجوهر الفَرْد، وهو أصغر شيء في المادة ولا يُرى فالمشكاة واحدة وهي مشكاة الضلالة.
فالجهمية المتكلمة ذكر عنهم شيخ الإسلام من جنس ما يعتقده هؤلاء في الذرة قال ﵀ في كتاب (النبوات) (ص١٠٧).
فحقيقة أصل أهل الكلام المتبعين للجهمية أنه لا يُحْدُث شيئاً ولا يُفني شيئاً بل يَحدث كل شيء بنفسه ويفنى بنفسه.
стр. 89
ثم قال: وهذه الأصول هي أصول دينهم العقلية التي بها يعارضون الكتاب والسنة والمعقولات الصريحة، وهي في الحقيقة لا عقل ولا سمع كما حكى الله عن من قالوا: (لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ).
ثم قال قدس الله روحه في الرد عليهم وهو رَدّ على أهل الذرة في هذا الزمان، قال: والخلق يشهدون إحداث الله لِما يُحدثه وإفناءه لِما يُفنيه، كالمني الذي استحال وفني وتلاشى وأحدث منه هذا الإنسان، وكالحبة التي فنيت واستحالت وأحدث منها الزرع، وكالهواء الذي استحال وفني وحدث منه النار أو الماء، وكالنار التي استحالت وحدث منها الدخان، فهو سبحانه دائماً يُحدث ما يُحدثه ويكوّنه ويُفني ما يُفنيه ويُعدمه.
والإنسان إذا مات وصار تراباً فني وعدم، وكذلك سائر ما على الأرض كما قال: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ) ثم يعيده من التراب كما خلقه ابتداء من التراب، ويخلقه خلقاً جديداً.
ثم ذكر أن من ظن أن جَوَاهره (ذراته) لم يخلقها إذْ خَلَقَه بل جَوَاهر المني وجَوَاهر ما يأكله ويشربه باقية بعينها فيه لم يخلقها أو أن مادته التي تقوم بها صورته لم يخلقها إذْ خَلَقَه بل هي باقية أزلية أبدية لم يكن قد عرف أنه مخلوق محدث. (هذا بعينه هو مذهب أهل الذرة).
стр. 90
ثم قال: والعلماء ينكرون على من يقول: إن روح الإنسان قديمة أزلية من المنتسبين إلى الإسلام، وهؤلاء الذين يقولون: إن مادة جسمة باقية بعينها وهي أزلية أبدية أبعد عن العقل والنقل منهم.
هذا هو مذهب أهل الذرة مع الفارق أن من يتكلم عنهم شيخ الإسلام ينسبون للإسلام ويُقرون بالخالق، وأهل الذرة معطلة دهرية ومقلِّدتهم من المنتسبين للإسلام يرومون الجمع بين الحق والباطل.
وتأمل وصف شيخ الإسلام لمتكلمة الجهمية المطابق لأهل الذرة مع الفارق الذي تقدم ذكره، قال ﵀: ثم يَدّعون أن الجواهر جميعها أُبْدعت ابتداء لا من شيء، وهم لم يعرفوا قط جَوْهراً أُحدث لا من شيء كما لم يعرفوا عرضاً أُحدث لا في محل، وحقيقة قولهم أن الله لا يُحدث شيئاً من شيء لا جوهراً ولا عرضاً، فإن الجواهر كلها أُحدثت لا من شيء، والأعراض كذلك.
والمشهود المعلوم للناس إنما هو إحداثه لما يُحدثه من غيره لا إحداثاً من غير مادة، ولهذا قال تعالى: (وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً) ولم يقل خلقتك لا من شيء، وقال تعالى: (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِن مَّاء) ولم يقل خلق كل دابة لا من شيء.
وهذا هو القدرة التي تبهر العقول وهو أن يقلب حقائق الموجودات فيُحيل الأول ويُفنيه ويُلاشيه ويُحدث شيئاً آخراً كما قال تعالى: (فَالِقُ الْحَبِّ
стр. 91
وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ). انتهى (١).
وذكر ﵀ عنهم أنهم ينكرون أن الله يقلب جنساً إلى جنس آخر، ويقولون: الجواهر كلها جنس واحد فإذا خلق النطفة إنساناً لم يقلب عندهم جنساً إلى جنس، بل نفس الجواهر هي باقية كما كانت. انتهى (٢).
وهذا بعينه هو مذهب أهل الذرة.
ثم قال مما يبين ضلال هؤلاء وأولئك: وخاصيّة الخلق إنما هي بقلب جنس إلى جنس وهذا لا يقدر عليه إلا الله كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ) الآية. انتهى.
وبما أن خاصيّة الخلق هي بقلب جنس إلى جنس فالذي يقوله أهل الذرة وأسلافهم أن التغيّر في الحدوث والحادثات هو بالاقتران والافتراق وما يسمونه: التركيب الذري، ولأنهم لا يعرفون سوى المادة معرفة تليق بكفرهم حيث أحالوا لها الإحداث بنفسها.
أما الذين يقولون إن أصل المواد أربعة وهي الماء، والنار، والهواء، والتراب، فقد أحالوا إلى محسوس كذلك أثبتوا قدرة خالق تبهر العقول حيث أنه
стр. 92
سبحانه يُصَرّف هذه المواد بقلب حقائقها وإحالتها وإفنائها وإحداث شيء آخرٍ ومُغايرٍ للأول كما ذكر الشيخ.
وأي علم عند هؤلاء وأي خير عندهم؟ إنهم ضالون مُصلون، والعلم أتى به نبينا من ربنا، وقد أدرك منه السلف الحظ الوافر فعلموا وعملوا وحماهم الله من هذيان المعطلة الدهرية.
وسوف أنقل كلاماً لشيخ الإسلام أيضاً يوضح ما عليه أرباب هذه العلوم من الضلال، قال ﵀:
فأهل الكلام أصل كلامهم في الجواهر والأعراض مبني على مخالفة الحسّ والعقل، فإنهم يقولون: إنا لا نشهد بل ولا نعلم في زماننا حدوث شيء من الأعيان القائمة بنفسها.
بل كل ما نشهد حدوثه، بل كل ما حَدَث من قبل أن يخلق آدم إنما تحدث أعراض في الجواهر التي هي باقية لا تستحيل قط، بل تجتمع وتتفرق (هذا الذي يُقرّره أرباب العلوم الحديثة تماماً إذْ أن التغير عندهم في المواد جواهرها وأعراضها إنما هو نتيجة الاجتماع للذرات والافتراق وأن الذرات باقية لا تستحيل كجواهر أولئك المزعومة غير أن الفرق بينهم اعترافهم بالخالق وبآدم وبأنهم ينتسبون للإسلام بخلاف هؤلاء الدهرية).
стр. 93
ثم قال شيخ الإسلام: والخلق عندهم الموجود في زماننا وقبل زماننا إنما هو جمع وتفريق لا ابتداع عيْن وجوهر قائم بنفسه، ولا خلْق لشيء قائم بنفسه لا إنسان ولا غيره، وإنما يخلق أعراضاً.
ويقولون: إن كل ما نشاهده من الأعيان فإنها مركبة من جواهر كل جوهر منها لا يتميز يمينه عن شماله، وهذا مخالفة للحس والعقل. انتهى (١).
فأولئك يقولون عن الجوهر الفرد: لا يتميز يمينه عن شماله وهؤلاء يقولون: الذرة لا تُرى ولا بأكبر المجاهر، فالمشكاة واحدة.
وأهل الذرة يرون أنها لا تفنى ولا تعدم وانظر كلام شيخ الإسلام عن أمثالهم من الجهمية وأنها (تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ).
فقد ذكر عنهم أنهم يقولون: إنه لا يفنى ويعدم في زماننا شيء من الأعيان بل كما لا يحدث شيء من الأعيان لا يفنى شيء من الأعيان، فهذا أصل علمهم ودينهم ومعقولهم الذي بنوا عليه حدوث العالم وإثبات الصانع وهو مخالف للحسّ والعقل. انتهى (٢).
ومما يبيّن أيضاً مجاراة صاحب كتاب توحيد الخالق لنظريات المعطلة الضالة المضلّة وأنها بزعمه صحيحة وصالحة إذا قارنها الإقرار بأن الله خالقها يقول في (ص٣٢٦) (توحيد الخالق).
стр. 94
(الذرة التي يتكون منها السديم مُركبة من جسيمات مختلفة واجتماع المكونات المختلفة في الذرة يدل على لحظة التقت فيها تلك المكونات، وإذَنْ فللذّرة بداية، وإذا كانت جسيمات الذرة قد خُلقتْ لتكوين الذرة وللذرة بداية فلا شك إذن أن لهذه المكونات بداية بِعكْس ما يظن الماديون). انتهى.
يُقال: لقد تُكُلِّم قبل هؤلاء بما يُشبه الذرة وهو (الجوهر الفرد) وهو أصغر ما في المادة بزعمهم لكنه لا يُرى ولقد أنكر العلماء على المتكلمين ما انتحلوه مما سَمّوْه الجوهر الفرد واعتبروا طرقهم طرق ضلالة، ولقد صارت نهايتهم إلى سوء.
كما تقدم من كلامهم عن أنفسهم.
قال ابن تيمية في إبطال (الجوهر الفرد) الذي يُشبه (ذرة) هؤلاء.
قال: وإذا كان الحيّز الواحد الذي أردته لا يتميّز ولا يُعلم به كان العلم بحلول الشيء فيه أو عدم حلوله باطلاً (كذلك يقال لهؤلاء: بما أن الذرة نفسها غير معلومة ولا تُرى فكيف ادّعيْتم أنها مكوّنة من جسيمات مختلفة تسمونها: البروتون والنترون والإلكترون؟).
стр. 95
ثم قال شيخ الإسلام: لأن العلم بحلول الشيء في محله فرع تصوّر المحل، فإذا كان المحل لا يُعلم تَوَحّده ولا يتميّز كان الحكم بثبوت الحلول فيه أو عدمه حكماً باطلاً فيكون الدليل باطلاً. انتهى (١).
كذلك الذرة المزعومة كيف يُجعل لها تركيب وهي لا تُعلم ولا تتميّز؟ وإنما يتكلمون عن الآثار فقط.
وقال أيضاً شيخ الإسلام في ردّة ما يسمى (الجوهر الفرد) وإبطاله.
وأما العقل فهذا الواحد الذي وصفوه يقول لهم فيه أكثر العقلاء وأهل الفطر السليمة: إنه أمر لا يُعقل ولا له وجود في الخارج، وإنما هو أمر مقدّر في الذهن، ليس في الخارج شيء موجود لا يكون له صفات ولا قَدّر ولا يتميّز منه شيء عن شيء بحيث يمكن أن لا يُرى ولا يُدْرَك ولا يُحاط به وإن سماه المسمي جسماً. انتهى (٢).
تأمله فإنه منطبق على ذرة هؤلاء الخيالية، ولسنا نُنكر الآثار الحاصلة لكنها ليست منها لأنه لا وجود لها إلا في الذهن.
ولذلك فإن الزنداني لما رام إثبات الخالق سبحانه مع الإقرار بالذرة المزعومة التي هي في الأذهان لا في الأعيان لم يأت ببرهان وإنما غايته أن ذكر أن اجتماع المكوِّنات المختلفة في الذرة يدل على وقت التقت فيه
стр. 96
تلك المكوِّنات فهذا دليل البداية والخلق عنده، وليس كذلك، بل كلامه هذا أغرى الكفرة بكفرهم وأضل المسلمين عن ربهم.
فيقال له: هم لا يُسَلّمون بالالتقاء ولا ببدايته وإنما هذه الذرة المزعومة بمركباتها أزليّة عندهم ولو أقروا بأن لتركيبها وقت بدأ فيه فلا يقرّون أن هذه المركبات مخلوقة أصلاً وأن لها بداية أصلاً.
يعني أنهم لا يقرون بخالق للإلكترون المزعوم والبروتون والنيترون، فهذه الأجزاء الثلاث عندهم أزليّة فكيف يُحْتج عليهم بنفس التركيب؟ بل هذه طريقة المتكلمين (كل مُحْدَث لا بد له من محدِث).
وإنما الحجة والبرهان أن هذه الذرة لا وجود لها إلا في أذهانهم، وقد تقدم الكلام في الجوهر الفرد وهو أصغر شيء بزعمهم في المادة وأنه لا يتميز يمينه عن شماله ولا يُرى، قال تعالى: (تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ).
وقد نهى العلماء أن يُحْتَجَّ على أهل الباطل بحجج ضعيفة حيث أن ذلك يُغْريهم بباطلهم، كيف بمن يحتج عليهم بإقراره بباطلهم وبُفْهمهم ويُفهم المسلمين أن الخالق خلق المخلوقات على الصورة التي يذكرون وهي: السديم وأنه متكون من ذرات وأنه يدور وانفصلت منه الأرض والكواكب، وهكذا تجده مسايراً لهم خطوة خطوة وغايته إثبات خالق، إن الجمع بين الحق والباطل لا يكون.
стр. 97
ولقد ضل خلائق في شأن الذرة وما زعموا أنها تتركب منه من مكونات تدور حول نواتها حيث سايروا علوم الملاحدة فنتج لديهم أن حركة الكون آلية ميكانيكية وأنها عبارة عن اجتماع وافتراق وحركة وسكون لا تحتاج إلى خالق.
وإنما الأصل فاسد ولذلك قام عليه بناء منهار، فالذرة بإقرارهم لا تُرى ولا بأكبر المجاهر، والمادة أصلاً ليست تتكون من الذرة.
وقد ذكر شيخ الإسلام أن القول بالجوهر الفرد وهو ذرة هؤلاء باطل لم يقل به أحد من سلف الأمة ولا جمهور الأمة.
قال قدس الله روحه: فالقائلون بأن الأجسام مركبة من الجواهر التي لا تقبل التجزي كما يقوله كثير من أهل الكلام وإما من جواهر لا نهاية لها كما يُحكى عن النظام فالقائلون بأن الأجسام مركبة من الجواهر يقولون: إن الله لا يُحدث شيئاً قائماً بنفسه وإنما يُحدث الأعراض التي هي الاجتماع والافتراق والحركة والسكون وغير ذلك من الأعراض، ثم من قال منهم بأن الجواهر مُحدَثة قال: إن الله أحدثها ابتداء ثم جميع ما يحدثه إنما هو إحداث أعراض فيها لا يُحدث الله بعد ذلك جواهر، وهذا قول أكثر المعتزلة والجهمية والأشعرية ونحوهم.
ومن أكابر هؤلاء من يظن أن هذا مذهب المسلمين ويذكر إجماع المسلمين عليه وهو قول لم يقل به أحد من سلف الأمة ولا جمهور الأمة
стр. 98
بل جمهور الأمة حتى من طوائف أهل الكلام ينكرون الجوهر الفرد وترَكُّب الأجسام من الجواهر. انتهى (١).
لاحظ أن الذين يتكلم عنهم شيخ الإسلام يُقرون بالخالق ولكنهم على هذا الضلال الذي هو مثل ما يعتقده أهل الذرة.
ولزيادة بيان أن الذرة هي الجوهر الفرد الذي أنكره السلف قال شيخ الإسلام:
وهؤلاء القائلون بأن الأجسام مركبة من الجواهر المفردة المشهور عنهم بأن الجواهر متماثلة بل ويقولون أو أكثرهم: إن الأجسام متماثلة لأنها مركبة من الجواهر المتماثلة وإنما اختلفت باختلاف الأعراض وتلك صفات عارضة لها ليست لازمة. انتهى.
كذلك أهل الذرة اختلاف المواد عندهم باختلاف التركيب الذري كما يزعمون وهو اختلاف الأعراض الذي ذكره الشيخ عن أولئك.
يعني ﵀ أن جواهر المادة باقية وإنما تغيرت صفاتها بالاجتماع والافتراق والحركة والسكون، وهذا بعينه هو كلام هؤلاء وهو باطل مبني على خيال لا وجود له في الخارج.
وفصل الخطاب في هذه المسألة العظيمة التي ملأت في زماننا الكون لكنه الكون الخيالي فصل الخطاب فيها ومذهب السلف هو ما قاله شيخ
стр. 99
الإسلام في رده على أمثال هؤلاء قال: إن القول الذي عليه السلف وجمهور العقلاء من أن الأجسام تنقلب من حال إلى حال هو قول الفلاسفة والأطباء.
ثم ذكر الحق في هذه المسألة فقال: وهذا القول وهو القول في خلق الله للأجسام التي يُشاهد حُدوثها أن يقلبها ويُحيلها من جسم إلى جسم هو الذي عليه السلف والفقهاء قاطبة والجمهور.
أنظر الفرق الذي ذكر الشيخ وهو أن مذهب السلف أنه سبحانه وبحمده يحيل المواد من جسم إلى جسم وليس بالتحول في التركيب الذري وسوف أنقل ما يوضح هذا من كلامه.
قال: ولهذا يقول الفقهاء في النجاسة، هل تطهر بالاستحالة أم لا؟ كما تستحيل العذرة رماداً والخنزير وغيره ملحاً ونحو ذلك.
يريد الشيخ بكلامه هذا أنه مُتَقرّر عند فقهاء أهل الإسلام أن هذه المواد تستحيل إلى مواد أخرى وإنما نقاشهم في شأن طهارتها ونجاستها، وهذا هو قلب المادة إلى مادة أخرى.
يوضحه قوله: والمني الذي في الرِّحم يقلبه الله علقة ثم مضغة، وكذلك الثمر يُخلق بقلب المادة التي يُخرجها من الشجرة من الرطوبة مع الهواء والماء الذي نزل عليها وغير ذلك من المواد التي يقلبها ثمرة بمشيئته وقدرته.
стр. 100
وكذلك الحبة يفلقها وتنقلب المواد التي يخلقها منها سنبلة وشجرة وغير ذلك، وهذا خَلْقه لِما يخلقه كما خلق آدم من الطين فقلب حقيقة الطين فجعلها عظماً ولحماً وغير ذلك من أجزاء البدن، وكذلك المضغة يقلبها عظاماً وغير عظام قال الله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ) (١).
فقد ظهر أن الله سبحانه يخلق المواد بقلب بعضها إلى بعض ليس باختلاف تركيب الذرات الخيالية.
قال ابن القيم ﵀: فعناصر العالم ومواده مُنْقادة لربها وفاطرها وخالقها يُصرّفها كيف يشاء ولا يسْتعصي عليه منها شيء أراده، بل هي طوْع مشيئته مُذَلَّلَة مُنقادة لقدرته، ومن أنكر هذا فقد جحد رب العالمين وكفر به وأنكر ربوبيته.
وذكر ابن تيمية معنى الجوهر الفرد وهو أن الأجسام تتناهى في تجزئها وانقسامها حتى تصير أفراداً وهذا هو زعم أهل الذرة.
стр. 101
ثم قال ﵀: ومعلوم أن هذا القول لم يقله أحد من أئمة المسلمين لا من الصحابة ولا من التابعين لهم بإحسان ولا أحد من أئمة العلم المشهورين بين المسلمين، وأول من قال ذلك طائفة من الجهمية والمعتزلة. انتهى (١).
وقال ﵀ عن الجوهر الفرد: وهذا بَنَوْه على أن الأجسام مركبة من الجواهر المنفردة التي لا تقبل القسمة، وقالوا: إن الأجسام لا يستحيل بعضها إلى بعض.
وجمهور العقلاء من السلف وأنواع العلماء وأكثر النّظار يخالفون هؤلاء فيما يثبتون من الجوهر الفرد، ويثبتون استحالة الأجسام بعضها إلى بعض، ويقولون: بأن الرب لا يزال يُحدث الأعيان كما دَلّ على ذلك القرآن.
ولهذا كانت هذه الطرق باطلة عقلاً وشرعاً وهي مكابرة للعقل. انتهى (٢).
стр. 102
الجناية على القرآن
ثم إن صاحب كتاب توحيد الخالق يتلقّن من أرباب العلم الحديث كتبهم وأبحاثهم وكشوفاتهم بإحدى يديه وبيده الأخرى المصحف فينظر ما قال الكفرة ثم ينظر في أي صفحة مفتوحة من المصحف لعل بصره لا بصيرته يقع على شيء يؤيد بزعمه هذه الكشوفات ولو بالقهر والغصب، فالمهم إعجاز القرآن.
الذي فتحت أبوابه علوم الكفرة في هذا الزمان بزعمه.
لقد تكلم عن أعضاء الإنسان كلها وتكلم عن النبات وعن الجمادات، وكل مسألة لا بد من آية من القرآن تؤيدها فيذكرها صاحب كتاب توحيد الخالق بعد إتيانه بما لم تستطعه الأوائل، لا بُد على منهج صاحب كتاب توحيد الخالق من معامل ومختبرات ومناظير وكيماويات وفيزيائيات وأهم من ذلك أن نسير على مخططات وترتيبات الملاحدة خطوة خطوة ليحصل لنا إيماناً بالقرآن لم يحصل لمن قبلنا.
ليعلم صاحب كتاب توحيد الخالق وأمثاله أن إيمان المؤمنين بربهم وبنبيهم ودينهم لم يتوقف فيما مضى على هذه الطرق المحدثة التي تحتاج معرفتها إلى مقدمات تُفسد الإيمان وهي في نفسها ضلال.
стр. 103
فالسالك لهذه الطرق يُفني عمره ويُخاطر بدينه ولا سلامة له من غوائلها وفي الآخرة تحصل له نتائج هزيلة ركيكة من جنس ما يقال: السيف أمضى من العصا، مع أنه لا تمكن السلامة من باطل هذه العلوم.
وقد نظرت في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ الذي يرد به على أهل المنطق فرأيته مرتين وهو يصف اعوجاج طرقهم وبُعدها وسوء نتائجها يذكر الذي يُسأل أين أذنه؟ فيلْوي يده من خلف رأسه ليشير إلى أذنه، يعني أن الأمر أيسر وأسهل وأقرب من فعل هذا الأحمق، كذلك فإن هذه الطرق المحدَثة لفهم القرآن المزعوم وإعجازه الموهوم ليست عِلّتها فقط طول مُقَدِّماتها وتعسّر فهمها والانحطاط إلى مستويات مُتَدّنّية للمؤمن بمجارات الكفار وتعظيمهم وظن أن الذي فُتِحَ عليهم خير يستحق الالتفات إليه، وإنما البلاء أعظم فإن كشوفاتهم كفيلة ضامنة لفساد العقيدة السليمة.
إن حاجة المسلمين اليوم الكبرى أن يردوا الكفار إلى أماكنهم لا أقول: الطبيعية وإنما أقول: أماكنهم الدينية، إنهم في كلام ربنا أضل من الأنعام فما بالنا جعلناهم سادة الأنام، وعلومهم مناراً هادياً لمن يروم فهم القرآن والإسلام؟.
الحقيقة أن هذا لا يُستغرب لأنه من ثمار غربة الدين.
стр. 104
ضلال في نشأة الكون
وفي صفحة ١٨٣ تكلم صاحب كتاب توحيد الخالق في كتابه تحت عنوان: (قدَّر فهدى) تكلم عن انفصال الأرض عما في السماء فقال: (فهدى الأرض عند انفصالها عما في السماء من أجسام أن تنفصل بالقدْر المناسب).
وقال أيضاً في نفس الصفحة: (إن انفصال الأرض عما في السماء كان وِفْق تقدير محكم) وقال في صفحة ٣٤٢ في كتابه هذا تحت عنوان: (آيات صريحة تسبق العلوم في تقرير حقائق ثابتة) قال: انفصال الأرض: لقد ثبت لدى العلماء بصفة فعلية أن الأرض انفصلت عما في السماء).
يقال لصاحب كتاب توحيد الخالق: هؤلاء الذين تسميهم علماء لو أنزلتهم منزلتهم في القرآن (إِنْ هُمْ إِلا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ)، لما أطلقت عليهم هذا الاسم بل تُقَيِّده بما يبينه فتقول: علماء الكفار الضلاّل، أو علماء الملاحدة ونحو ذلك، لأن هذا الإطلاق لا ينصرف إلا لعلماء الشريعة، ثم إن تعظيمكم لهم وإنزالكم إياهم في غير منازلهم أوْرَث ذلاً نفسياً ظهوره بَيِّن في نفوس أهل الوقت.
стр. 105
حيث صورتموهم لهم بصورة من يستحق المدح ويسْتوجب التعظيم إذ أن الله فتح عليهم العلم، بمخلوقاته بما لم يفتحه للمسلمين وهم أضل من الحمير، وكفى بهذا شراً.
والمراد كلامه عن الأرض وانفصالها عما في السماء كما زعم، وقد ذكر ذلك أيضاً في كتابه الذي سماه (العلم طريق الإيمان)، وهو إنما ينقل من الملاحدة وكأن كلامهم قرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
فهو يعتقد ويُقرّر نظريات انفصال الأرض عما في السماء مما يسميه الملاحدة (السديم)، وذكر أن انفصال الأرض والكواكب من غازات وأتربة كانت تدور في الكون وذلك في كتابه الذي سماه: (العلم طريق الإيمان) ص٤٢.
لقد خاض صاحب كتاب توحيد الخالق فيما خاض به الملاحدة في شأن المخلوقات وبدايتها ونهايتها ولكن خوض ثماره الضلال والإضلال وعاقبته لا شك خسران وَوَبال، لأنه سَيْر في ظلمات لا يهتدي السالك فيها ولا ينجو من آفاتها، وإن كثيرين سلكوا تلك الطرق المظلمة فأظلمت قلوبهم وضلّت عن معرفة خالقهم فأنكروه وجحدوه.
وكثيرون من أهل هذه الطريق صار أحسن أحوالهم الشك، وحسْبك به مصيبة، ويأتي إن شاء الله الدليل على بداية المخلوقات وأنها ضد
стр. 106
كلامهم في قوله تعالى: (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ) الآيات.
إن ما خاضوا به من بداية الكون من أول خطوة باطل وكذب وضلال مبين، ويكفي قول صاحب كتاب توحيد الخالق: (إن نشأة الأرض والكواكب كانت منذ ٤.٥ بليون سنة تقريباً) (١).
نحن ولله الحمد لا نقبل مثل هذه الإحالات الكاذبة من أعداء الله ورسوله ولسنا بحاجة إلى أن يخبرونا عن بداية الكون ولا نهايته لأن الكفار وكفرهم شر والشر لا يأتي بالخير، ولقد أضلّهم إبليس بمكره وكيْده حتى عن إثبات وجود الخالق سبحانه بسبب هذه العلوم، وهم لو أثبتوا وجوده ما خرجوا عن دين أبي جهل.
نحن عندنا كلام ربنا خالق الكون ومُبْدعه وقد أخبرنا عن بداية الكون ونهايته بما يكفينا ويغنينا عن دَجَل الدجاجلة وخوض الخائضين مما يزيدنا إيماناً بربنا وعلماً بكمال قدرته وحكمته وجميع أسمائه الحسنى من لطفه بعباده بما خلق لهم وسَخّر.
لم يُحْوِجْنا الله ولا نبينا ﷺ للكفار، فالعلم الذي يستحق أن يسمى علماً عندنا وهو وحي ربنا خالق الكون العليم به سبحانه، والحقيقة أن ما تهوّك به المتهوكون من هذا العلم الحديث وكشوفاته ما هو إلا فتنة.
стр. 107
لقد ذكر الله في كتابه بداية المخلوقات وأنها مادة وهي (الدخان) وقد ذكرت في (هداية الحيران) كلام شيخ الإسلام في بداية المخلوقات أنقله هنا:
قال ﵀: وأهل الملل متفقون على أن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام وخلق ذلك من مادة كانت موجودة قبل هذه السموات والأرض وهو (الدخان) الذي هو البخار كما قال تعالى: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) وهذا الدخان هو بخار الماء الذي كان حينئذ موجود كما جاءت بذلك الآثار عن الصحابة والتابعين وكما عليه أهل الكتاب (١).
فليحذر المسلم من ملايين وبلايين الدهرية المعطلة هي والله متاهة وضلالة وخيالات مضلمة، وإنك لا تجد في كلام السلف هذه الخيالات التي هي إحالات أعداء الله، فهم يقصدون بذلك تعظيم نفوسهم وعلومهم وليَسْتَوْطِن اليأس قلب الناظر في علومهم وكشوفاتهم من أول نظرة فيها وأول خطوة يخطوها في طريقهم أن الأمر كله مُسَلَّم لهم بلا منازعة ولا نظر ولا فكر، ولذلك لجأوا إلى هذه الإحالات الشيطانية.
стр. 108
وليحذر العاقل من هؤلاء النقلة المقلِّدة إذْ أن غايتهم أن ينقلوا كلام الملاحدة لا أقول: على عِلاّته لأنه كله عِلّة لا دواء لها إلا الرجوع إلى الوحي المطهر بتفسير السلف الصالح، وأعجب الآن مما يقول هذا: أما أقرب نجم إلينا فيبعد عنا أربع سنوات ضوئية، وأما أبعد شبه نجم (الكازار) فتفصله عنا مسافة تزيد عن عشرة مليارات سنة ضوئية، فالإنسان حتى الآن لم يكتشف من الفضاء إلا مقدار نقطة ماء من محيط، ولقد أنبأ المولى في تنزيله بأن الإنسان سينفذ من أقطار السموات والأرض بواسطة سلطان العلم، كما أنبأ أيضاً بأن النفاذ من أقطار السموات يبقى محفوفاً بالمخاطر، ومنها تعرُّض المركبات ومن فيها لشواظٍ من النار والنحاس: (يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَنتَصِرَانِ) (١).
فالإنس والجن لن يستطيعا استكشاف جميع أقطار السموات والأرض أو العيش طويلاً خارج أقطار الأرض، وتاريخ اكتشاف الفضاء لم يخلُ يوماً من المآسي، ومنها انفجار المكوك الفضائي الأميركي (تشالنجر) وبالرغم من أن علماء الفلك يخططون اليوم للنفاذ إلى الأجرام البعيدة بواسطة محطات فضائية، إلا أن قدرتهم على سبر آفاق الكون تبقى محدودة جداً بالنسبة للمقاييس الكونية الهائلة، ولو سلّمنا جدلاً،
стр. 109
كما يقول أحد علماء الفلك، أن باستطاعة العلم بناء مركبة فضائية تصل سرعتها إلى سرعة الضوء، أي ٣٠٠ ألف كلم في الثانية (وهذا في حدود الاستحالة، فأسرع المركبات اليوم لا تتجاوز سرعتها ٣٠ كلم في الثانية)، فسيبقى الإنسان مدة أربع سنوات على ظهر مركبة تسير بسرعة الضوء حتى يصل إلى أقرب نجم إلينا وثلاثين ألف سنة حتى يصل إلى مركز مجرّتنا اللبنية، و٢٠٠ ألف سنة حتى يدور حولها، وعشرة مليارات سنة ونيّفاً ليصل إلى أبعد نجم استطاع أن يرصده، و٤٠ مليار سنة ليدور حول هذا الكون، هذا إن بقي الكون بدون توسُّع منذ انطلاقه!!! انتهى (١).
واعلم أن علوم هؤلاء الضلال وكشوفاتهم المحصورة بخيالاتهم المظلمة تُغَيِّر الفطرة، وقد ذكر شيخ الإسلام أن عوام النصارى تنكر فطرهم ما يقوله علماؤهم عن الله ولكنهم يتبعونهم فتتغير فطرهم. قال ﵀ في نقض التأسيس ٢/ ٥٣٤.
مع أن هذا حين تقوله علماؤهم لعامتهم تنكره فطرهم وتدفعه عقولهم لِما يجدون في أنفسهم من العلم الضروري بنفي ذلك (المراد هنا أن الفِطَر تُنكر دوران الأرض وتنكر اتساع الكون ببلايين المجرات لأنه مخالف للفطرة من طلب الرب في العلو دائماً وصغر الكون بالنسبة
стр. 110
لخيالات وهذيانات الملاحدة) ثم قال شيخ الإسلام: فإنهم كما قال النبي ﷺ : (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) فالنصارى مولودون على الفطرة التي تُنكر ذلك، ولكن الدين الذي وجدوا عليه آباءهم هو الذي أوْجب تغيير فطرتهم. انتهى.
والمراد منه بيان تغيير الفطرة من طلب الرب في العلو دائماً حيث أن علوم المعطلة مُغَيّرة للفطرة، مُفسدة للدين ولما تكلم شيخ الإسلام عن أمثال هؤلاء المعطلة قال: فإذا دُفع صِِيَالهم وبُيِّن ضلالهم كان ذلك من أعظم الجهاد في سبيل الله (١).
وانظر الإحالات الضالة المضلة في العالَم العلوي والسفلي:
فالأرض والكواكب في علومهم نشأت منذ ٤.٥ بليون سنة والمجرات بلايين وبينها مسافات تُقَدّر بالسنين الضوئية وسرعة الضوء، بزعمهم ثلاثمائة ألف كيلو متر في الثانية الواحدة.
وبعض جسيمات الذرّة لا يُعَمّر في الذرة أكثر من عشرة أجزاء من مليون جزء من الثانية، وقد تقدم ذكر هذا الهذيان وأنه لا يُحيل مثل هذه الإحالات إلا من لا يدري ما يخرج من رأسه.
ومن الإحالات العجيبة الاستدلال البعيد ما ذكره صاحب كتاب توحيد الخالق عند قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) قال: