← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 36624

الفرقان في بيان إعجاز القرآن

عبد الكريم بن صالح الحميد

Полный текст (465 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

(أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا) الآية وذكر صاحب كتاب (من الإعجاز العلمي) ٢/ ٢١. (أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) (١). وقد اختلف المفسرون في تفسير (أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ... ) فقال بعضهم إن ذلك يدل على خراب أرض المشركين وقبض أهلها، وقال بعضهم الآخر إن ذلك معناه هلاك العلماء في الأرض وموتهم. وقال الإمام الفخر الرازي: (أولم يروا أن كل ما يحدث في الدنيا من الاختلاف خراب بعد عمارة، وموت بعد حياة، وذل بعد عزة، ونقص بعد كمال). وأطراف الشيء هي أبعد أجزائه عن وسطه أو مركزه، وبالنسبة لكوكب الأرض، فإن أطرافه تتمثل في ناحيتين هما: أ- القمم والهامات العليا للجبال، وهي التي تمثل الأطراف الرأسية لقشرة الأرض، وهذه الأطراف العليا تناقص في الارتفاع تبعاً لتآكلها

стр. 422

ونحتها المستمرين بفعل عوامل التجوية والتعرية. ب- أطراف الكرة الأرضية عند القطبين، وتبعاً لتفلطح منطقتي القطبين أدى ذلك إلى تناقص طول القطر القطبي عن طول القطر الاستوائي، وهذا الأمر له أثره في اختلاف زاوية سقوط الأشعة الشمسية على سطح الكرة الأرضية واختلاف الليل والنهار طولا وحرارة على أجزاء سطح الأرض وتوضح الآيات القرآنية أن هذا التناقص مستمر إلى يوم الساعة، ومن ثم جاء الفعل بصيغة المضارع (ننقصها)، يقول المولى : (بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلاء وَآبَاءهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ) (١). انتهى. هكذا تصرف معاني القرآن تبعاً لهذه العلوم الضالّة، ومعلوم أن الله سبحانه لم يُرد بكلامه ما يقول هذا فإن تناقص الأطراف العليا في الارتفاع نتيجة التآكل المزعوم لا يُرى ولا يُحسّ به، هذا على تقدير حصوله، فإن هذا يحصل على مقتضى علومهم بعد السنين الطويلة بشكل يسير قد لا يُشعر به. والرب سبحانه لا يخاطِب عبادة بهذا، ولا يُحيل معاني كلام الله إلى مثل هذه الإحالات إلا من يسْتهين بالقرآن.

стр. 423

وقد قال ابن عباس في معنى هذه الآية: أولم يروْا أنا نفتح لمحمد ﷺ الأرض بعد الأرض. ويقال: وما هو المعنى المتحصل من ذكر ما سماه هذا التعْرِيَة والتجْوِيَة وأن يُلْفَت نظر العباد وتفكّرهم إلى أشياء دقيقة لا يُحِس بها أكثر الخلق وتقوم على الخرص والظن، فكلام الله يُصان عن هذا التلاعب، وإنما هي المجاراة. والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. تأليف عبد الكريم بن صالح الحميد ١٤٢٢هـ

стр. 424

الملحقات تعليل أقدار الجليل كان الإلهُ وليس شيئاً غيرهُ ... وهو الجليلُ وعَزَّ ذُو السلطانِ كَمُلَتْ له أوْصافهُ وتَقَدَّستْ ... عَمّا يُشَابِهُ مِنْ مثيلٍ ثاني فاعرفْ إلهكَ قبل مخلوقاتهِ ... إذْ لا وُجُودَ لِهذه الأكوان هو محسنٌ هو راحمٌ هو واهبٌ ... ليس العذابُ مُرَادَ ذي الإحسان واعرفْهُ قبل وجود مخلوقاتهِ ... ملكٌ حليمٌ ليس بالغضبان (١) والشرُّ ليس إليه ﷻ ... فاعرف إلهك أحسنَ العرفان وَلِحِكْمَةٍ خَلَقَ الشرورَ بِمُلكهِ ... وهو المقدِّرُ كُفْرَ ذي الكفران إبليسُ خالِقُهُ وخالقُ كفرهِ ... وكذلك الأتباعُ بالطغيان أقدارهُ سبقتْ وليس بُمجْبَرٍ ... بل باختيارٍ منه ذَا العصيان هو قد أراد إرادةً كَونيةً ... أنّ الفسوقَ يكونُ في الإنسان هي حكمةٌ قد شاءَها لِمصالحٍ ... ومقاصِدٍ عُلِمَتْ لِذِي الإيمان منها ظهور صفاتِهِ وجلالها ... مثل الغفور يجود بالغفران وكذلك التوابُ ﷻ ... ولِذاكَ يَخْلُقُ طاعة الشيطان لِيكون إغْوَاءً ودَعْوةَ باطلٍ ... وهو ابتلاءُ العبد بالفرقان

стр. 425

ليعود منكسراً ذليلاً عبدُهُ ... يرجوه مغفرةً لما هو جاني حِكَمٌ تجلُّ وَعَدُّها مُتعذِّرٌ ... هذي الإشارةُ حَسب ذي العرفان أما الذي ما تاب من كفرانه ... فله الوعيد بدائِم النيران وله الخلود مُؤبّدٌ تعذيبهُ ... جِلْدٌ سَيَنْضُجُ مُعْقَباً بالثاني ليس الخروج بحاصِلٍ أبداً لهُ ... هذا جزاءٌ جاء بالقرآن واتى بسُنّةِ من عليه صلاتنا ... وسلامنا في دائم الأزمان لكن هذا دائمٌ بدوامها ... والنار ليس تدومُ بالبرهان اعرف إلهك ليس في أوصافهِ ... شرٌّ وليس مرادُهُ العدوان إن العذابَ دواءُ من هو فاسدٌ ... كالحَدِّ في الدنيا لذي العصيان من قال إن عذابه بدوامهِ ... فهو الجهولُ بربه الرحمن إذ انهُ عَرَفَ الإله بفهمِهِ ... لا فَهم صَحْبِ نبينا العدناني ويريد تعظيم الإله بزعمِهِ ... فجنى مَسَبَّةَ ربنا المنان إن الخوارج عَظَّموا معبودهم ... فيما يُخالف ظاهر القرآن تبًّا لمذهبهم وسالِك دَربِهِ ... تعظيم ربي ليس بالبهتان اعرف إلهكَ قبل مخلوقاته ... ليس العذاب مراد ذي الإحسان الرب يغضب في القيامة إنما ... غضبُ الرحيم يزول في الأزمان مثل الذي قد كان قبل خلائِقٍ ... تعصيهِ كان وليس بالغضبان في حينِ تأخُذُ نارُهُ أعدائَهُ ... بعذابها في ذلِّةٍ وهَوَان لن يُخْرجوا إذ ما لهم من شافِعٍ ... ويلٌ لِمُسْخِطِ ربه الديان لا الموت يحصل للكفور وكيف ذا ... والموتُ مَذبُحٌ كذبح الضان هو مِنْيَةٌ لو كان يحصل إنما ... حَكَمَ الإله بأنه هو فاني

стр. 426

إن النزاعَ على الجحيم بذاتها ... فهي التي تفنى بلا نكران فنقول في تخليهم أبداً بها ... ما دام فيها حامي النيران ما في الكتاب ولا بسنةِ أحمدٍ ... أن الجحيم تدوم كالرحمن بل فيهما تخليدهم أبداً بها ... لكن دوام النار شيء ثاني ليست تدوم ومن أدام عذابها ... فهو الذي قد جاء بالبطلان يَطفا اللهيب وينتهي غضبُ الذي ... ما كان قبل الخلق بالغضبان غَضَبُ الإلهِ هو الذي من أجلِهِ ... نارُ الجحيم تَسَعّرَتْ بهَوَان أما الخلود ففي كلام إلهنا ... ونبينا حينٌ من الأحيان مهما يطول فإنه لِنهايةٍ ... حتمِيَّةٍ محدودةٍ بأوان وكذلك الأحقابُ فهي لمدة ... معلومة بحقائق القرآن إذ لا يصحُّ بان نقول إلهنا ... سيدوم أحقاباً من الأزمان لُغَةُ النبي وليس ذاك تخرصاً ... ليس الظلام كصُبحنا النوراني إن الذي زعم العذاب لِمُدَّةٍ ... لا تنقضي قد جاء بالنكران وَصَفَ الإلهَ بحكمةٍ وبرحمةٍ ... من غير معنىً قامَ بالرحمن ولذلك الجهم الخبيث لأنه ... ظن الدوام لساكني النيران قد أنكر الوصفينِ طُرّاً إنه ... لهُوَ الظهيرُ لِدَعوة الشيطان من قال إن النار دائمةُ فما ... قَدَرَ الإله بِظَنِّهِ العدوان جعل الإله يُريد شراً مالَهُ ... من منتهىً في دائم الأزمان والشر ليس إليه ﷻ ... لكنَّهُ قد قام بالإنسان أسبابه مَنعٌ لفضل إلهنا ... وهو العليم بموضِعِ الشكران والظلم والجهل الذي هو طبعنا ... هو موجِبٌ للذنب والعصيان

стр. 427

قل لِلَذي زَعَمَ الدّوام سؤالنا ... ما حِكْمة الرحمن في الشيطان هو خالق الشيطان مَعْ أفعالِهِ ... وهو المُقدِّر مِلَّةَ الكفران قل للذي زَعَم الدوام سُؤالنا ... ما حكمة الرحمن في النيران ما حكمة التعذيب دُون نهايةٍ ... يبقى مُديماً مَعْ بَقَى الرحمن لا يستطيع إجابةً لكنّهُ ... يأتي بِقولٍ لا يُفيد معاني إن الذي زَعَمَ البقاء مُحَيِّرٌ ... مَنْ جاءَ يطلب حِكمةَ الديان بلْ إِنهُ لمُنَفّرٌ وَمُصَوِّرٌ ... قَدَرَ الحكيم بصورة العُدْوان أما الذي قال الفناء فإنه ... يُنْبيكَ عن حِكَمٍ مَعَ البرهان قبل الخلائق كان رباً كاملاً ... بصِفات مَدْحٍ ما بها نقصان أسماؤه الحسنى أرادَ ظهورها ... مثل الرحيمِ وَوَاسِعِ الغفران وكذلك التوابُ قابلُ توبةٍ ... من عَبْدِه إنْ تاب من عصيان وكذلك المنانُ مَنَّ بفضله ... تَوْفيقنا لُطْفٌ من المنّان لا بُدَّ من تقدير ما هُوَ مُغْضِبٌ ... لِلرب يَفْعَلُهُ بنو الإنسان لا بُدَّ من داعٍ لِكل ضلالةٍ ... إِبليسُ مخلوقٌ لهذا الشان لَوْ شاء ربي ما عُصي أبداً وما ... أجرى مَقادِرَهُ على الكفران قدَرٌ به الإيمان فَرْضٌ واجبٌ ... والإحتجاج به مِن البطلان ولذَاكَ أوْجَدَ ربنا تَعْذِيبَهُ ... بالنار تخليصاً من الطغيان إذْ كل عبدٍ من عبيد إِلهنا ... قَدْ جَاءَ مفطوراً على الإيمان فالشِركُ يَطْرَؤُ ليس أصْلياً بنا ... وكذلك العصيانُ لِلدّيان كَسِبَ العباد ذنوبهم مِنْ كُفْرِهِمْ ... ومن الفُسوقِ تَدَنَّسوا بالرَّان فالنارُ مثل الكِيرِ تُذْهِبُ عنهمو ... ران الذنوب ولَوْ من الكفران

стр. 428

إقرأ كلامَ الله تَعْلَمُ أنهمْ ... كُسِروا وَذُّلوا في المعاد الثاني وبَدَى اعترافٌ منْهموا بَتَذَلُّلٍ ... وتضرّعٍ في داخل النيران فالله يفعلُ بعد ذلك ما يشا ... هذا أتى في محكم القرآن إِبليسُ مَعْ جُنْدٍ لَهُ تُعْدِمْهُمو ... نار الإِلهِ كمثل سيء فاني أوْ يُنْشِئُ الله المعَذَّبَ نَشْأةً ... يَرْحَمْهُ فيها ربنا الرحمن بعد الخلود مؤبَّدٌ مَعْ شِدَّةٍ ... فوق التصوُّر في الجحيم الآني هذا هو المأثور عن أسْلافنا ... وهُم الهداةُ مَعَالم الإيمان والنارُ يَطْفَؤُ حرّها ولَهيبها ... قوْل الصحابة ليس بالبهتان قالوه والكفار تعلم قولهم ... من غير إِسْرارٍ ولا كتمان عرفوا الإله بأنه مُتَفَضِّلٌ ... والفضلُ لا كالعدْل في الميزان بَلْ نَزَّهوا الرحمن ﷻ ... عما يشوُب كمالَه الرّباني عرفوا عذاب النار صار لحِكْمةٍ ... لِيزُول طاري الشرك والكفران عرفوا مقادير الإِله لحِكْمةٍ ... مِنْ خَلْقِهِ لِلْكُفْرِ والعصيان تعليل أفعال الإِله بِشَرْعِنا ... علْمٌ شريفٌ شامخ البنيان يا مَنْ وصَفْتَ الله وصْفاً مُوحِشاً ... أنَّ الرحيمَ كمثل ذي العدوان أنَّ الرحيمَ مراده من خَلْقِهِ ... إِنفاذُ سُخْطٍ دائم الأزمان والنار تبقى مَعْ بقاء إِلهنا ... لا تستطيع الحكم بالفرقان لم تَقْدِرِ الله الجليلِ بِقَدْرهِ ... كلاّ ولا وُفّقْتَ لِلعرْفان إِثباتُ حكمة ربنا مُتَعَذّرٌ ... يا مَنْ زعمتَ إِدامة النيران إِثباتُ رحمة ربنا مُتَعَذَّرٌ ... لا تستطيع الحكمَ بالبرهان ما صَحَّ عن صَحْبِ النبيِّ مُقَابَلٌ ... في قَوْلِ (قُلْتُ) ولي مقالٌ ثاني

стр. 429

ما هكذا السلف التُقاةُ فِعالُهُم ... حَذِرُوا الخلافَ مخافة الخذلان بالإتباع يكون حَمدُ عواقِبٍ ... إن المخالِفَ جاء بالخسران عجباً لقومٍ يَدّعون ضلالنا ... من أجل حَقٍّ جاء بالقرآن وهو اعتقاد صحابةٍ في علمهمْ ... كل الهدى والفضلُ للرحمن لا ينظرون كلامنا ويرونَنَا ** جئنا بأمرٍ ظاهر البهتان ولأنهم لا يعرفون لربهم ... حِكَمٌ بخلق النار والشيطان فَتَهَوَّكوا في وصفِ من أفعالهُ ... حِكَمٌ تُفيد حقائق العرفان والموعد الديان ﷻ ... بالحق يحكمُ ليس بالبطلان والحمد لله الذي يهدي إلى ... سُبُل الهدى ويجود بالإحسان قل للذي زعم الوعيد تَشَدُّداً ... وإخافةً من غير ما برهان إن الخوارجَ هكذا تَشديدهم ... ضاقت صُدُورُهُمُ بذي العصيان الله حَذَّر بالمعاصي نارهُ ... لكن وعيدٌ جاء مع فرقان قطعوا بتخليدِ العصاة جهالةً ... وضلالةً فأتوا بذا الطغيان إن الوعيدَ لهُ ضوابِطُ فَهْمُهَا ... يُنجيكَ من زُورٍ ومن بهتان وكذا الذي وصف الرحيم بأنه ... خلق العبادَ لِدائِم النيران أضعافُ أضعافِ الذي قد عُمِّروا ... في هذه الدنيا من الأزمان بل كل ثانيةٍ مَضَتْ من عُمْرِهمْ ... فجزاؤهم عنها بلا حُسبان آلافُ آلافِ السنين وكلما ... تمضي أُلُوفٌ جاء ألفٌ ثاني لو أنَّ طَيراً ينقل الرمل الذي ... في أرضنا في دائم الأحيان في كل ألفٍ من سنين زماننا ... ضُرِبَتْ بألفٍ كامل الإتقان يأتي فيأخذُ حَبَّةً من رَمْلها ... فَنِيَتْ رِمال السهل والقيعان

стр. 430

والنار باقيةٌ يُعذَّبُ أهلها ... بِئسَ اعتقادً جاء بالبهتان لا عِلَّةٌ في ذاكَ غير مَشيئةٍ ... نفذت وليس لذاك من برهان هذا هو المعنى المرادُ بقولهم ... الزاعمونَ إدَامَة النيران وكذلك الأتباع دون بصيرةٍ ... قالوا بجهلٍ دونما إمعان هذا اعتقاد الزاعمين بقاءَها ... فتَرى نقيض العقل والقرآن كيف استوى عدل الإله وفضلهُ ... لا والرحيمِ فما هُما سِيّان يا بئسَ وصفٌ للرحيم أتوا بهِ ... يا بئسَ تنفيرٌ من الرحمن ما رحمةٌ هي تستوي مع سُخطِهِ ... سبحان ربي مُنزل الفرقان يا رحمةً غَلَبَت مساخط ربنا ... مكتوبة هي عند ذي الإحسان القائلون دَوام نار إلهنا ... هُم قد أساءُوا فهمهما بمعاني وبغيرها ساءَت فهوم مُنازِعٍ ... ظنّ الصحابة ناقصي العرفان وأَئمةٌ من بعدهم قد حققوا ... أقوالهم في غاية الإتقان هذا الذي قد قُلتهُ هو مُودَعٌ ... في كُتبِ (قَيِّمنا) مع (الحَرّاني) أخذوه من كَلِمِ الإله وخاتَمٍ ... للرُّسلِ جاء به من الديان شرحوه شرحاً وافياً ومُبَيَّناً ... في غاية الإتقان والتبيان فجزى الإله هُداتنا خير الجزا ... زُلفى لَدَيهِ ومَبلَغ الرضوان فبِحادي الأرواح انظر قولهم ... وصَوَاعِقٍ فيها الهدى الرباني وشِفا العليل به الشفاءُ لحائرٍ ... يحتارُ في أقدار ذي الإحسان يحتارُ في التعليلِ والحِكم التي ... من أجلها التعذيب بالنيران ويحارُ أيضاً في وجود عدوّنا ... إبليس داعي الكفر والطغيان والشيخُ قد ظهرتْ له مخطوطةٌ ... قد أزهَقَتْ ما كان من بطلان

стр. 431

ذكَرَ الفناءَ وأنه بأدلةٍ ... لا بالتخرصِ دونما عرفان وكتابنا (الإنكارُ) جاء مُفَصِّلٌ ... ومَبَيِّنٌ في غاية التِّبيان قُل للذين رأوا كلام خصومنا ... جعلوه مثل صحائف القرآن لا باطِلٌ يأتيه عند شمالِهِ ... كلا ولا يأتيهِ من أيمان وكلامنا حكموا عليه مُغَيَّباً ... وكأنَّهُ ضَربٌ من الهَذيان أنصفتُمو لا والجليلِ وعِزِّهِ ... بل جَورُكُم هوَ ظاهرٌ بعَيَان لا بدَّ من نَظرٍ لقولِ مُنازعٍ ... ومُنازعوهُ لِطالب البرهان إن جاءَ خَصمٌ عينهُ مفقُوءةٌ ... قُلتُم ظُلِمتَ وحُكمنا رَباني إذ قد حَكَمنا أن خَصمَكَ مُعتَدٍ ... مُتَلَبِّسٌ بالإثم والعُدوان بالجهلِ قلتم لا بعدل إلهنا ... فلعلَّ ذاكَ هو الظلوم الجاني هذي الجهالة حظكم ونصيبكم ... والعدلُ مُقترِنٌ مع الإيمان فالله ﷻ هو حاكمٌ ... بين العباد وجلَّ عن نِسيان قل للذي ركِبَ الذنوب بجُرأة ... قَرِّب لِجسمِكَ موقد النيران أنظر أَتَصبِرُ طَرفَةً أو لحظةً ... لا تستطيع وليس في الإمكان سبعون ضِعفاً حرُّ نار إلهنا ... عن هذه والصَّليُ في اللُّحْمان الشمسُ تُؤلِمُ في حرارة صيفنا ... كيف الجحيم نعوذ بالرحمن كيف الخلود بها زماناً غَيبُهُ ... عند الإلهِ نعوذ بالمنان لو قيل إنك بعد عُمرٍ طائلٍ ... تسعون عاماً دُونما نقصان تُلقى بنارٍ ساعةً من نارنا ... أَيَكونُ عَيشكَ قبل ذلك هاني اعمل إذاً ما شِئتَ دون تَخَوُّفٍ ... إن كنتَ تَصبِرُ في الجحيم الآني عِش آمناً إن كان عندك مَوثِقاً ... ممن عَصَيتَ مُؤيداً بأمان

стр. 432

خاف الملائكةُ الكرامُ وما عَصَوا ... كيف المفرِّط من بني الإنسان صلى الإله على النبي محمدٍ ... فهو المعلِّم حكمة الديان (١)

стр. 433

شكل رقم (١)

стр. 434

شكل رقم (٢)

стр. 435

شكل رقم (٣)

стр. 436

زيادة بيان وإيضاح برهان لقد تحوّلت أحوال الأمة بتأثير الدخيل الداخل عليها فلبست غير ثيابها وتحلّت بغير حلاها، سنناً لا بد من ركوبها بالرغم من مجافاتها للصراط المستقيم ونكوبها، حيث بهذا سبقت مقادير القدير وأحاط بها علم العليم الخبير. إنطمست المعالم والآثار غير أن بقية من الأسماء باقية على حالها لكنها قلقة لأن مسميّاتها متغيرة مع ما تغيّر. والمراد هنا كلام الله العظيم والذكر الحكيم الذي تطاوَلتْ الأيدي إلى مقامه الرفيع بتفسيره على غير ما أراد المتكلم به سبحانه وإنما بما يُجاري الأهواء الضالة المضلة. وقد سبق أهل وقتنا من مَهَدَ لهم الطريق، فالخوارج أول من تجرأ على القرآن بفهمهم له فهماً سقيماً يؤيد بزعمهم ما انتحلوه. ثم جاءت القدرية والجبرية والجهمية وغيرهم من طوائف الضلال، وكل هؤلاء يسْتدلون على صحة مذاهبهم بالقرآن. وهم من تناقضهم فيما بينهم وبين بعضهم وفيما بينهم وبين أهل السنة والجماعة إلا أن يجمعهم جامع وهو الاستقلال بعقول ناقصة وفهوم

стр. 437

سقيمة وكان من ثمار ذلك ونتائجه أن حَرّفوا كلام الله على ما يريدون لا على ما يريد الله من كلامه، ومن هنا جاء الاختلاف الكثير وتشعّبت فرق الأمة. ثم جاء زماننا وسلك كثير من أهله هذه الطريق، مع دعوى المعرفة والتحقيق، ففهموا من كلام الجليل سبحانه فهماً يتناسب مع عقولهم وزمانهم، وهذا هو موضوع هذا الكتاب. وقد تقدم ذكر الأمثلة من القرآن والكلام عليها والأمثلة أيضاً من كلام الرسول ﷺ التي صُرفت معانيها التي أراد الله ورسوله لِتُجاري الأهواء والضلالات الحادثة وهنا أذكر بعض الضوابط للكلام في معاني القرآن والحديث وهل ذلك مطلق لمختلف الفهوم أم أنه مقيّد بفهم الصحابة ﵃؟ حيث أنهم تلقّوْا ذلك عن النبي ﷺ ، إن هذا هو مفترق الطرق وأول من ضل فيه الخوارج حيث احتقروا الصحابة استقلالاً بعقولهم واسْتعلاءاً بفهومهم وقدْ جَنوْا ثمار ذلك ولِوَرثتهم نصيب بقدر ما ورثوا منهم وليس بورثتهم من يرى رأيهم فقط فهذا معلوم ومُنتهى منه وإنما المراد وَرَثتهم بالفهم الفاسد للقرآن كأهل الإعجاز المزعوم. إن أعظم الضوابط لتفسير كلام الله معرفة أن النبي ﷺ بَيّن معاني القرآن كما بَيّن ألفاظه.

стр. 438

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: فصل: يجب أن يُعلم أن النبي ﷺ بَيّن لأصحابه معاني القرآن كما بيّن لهم ألفاظه، فقوله تعالى: (لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) يتناول هذا وهذا. وقد قال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين يُقرئوننا القرآن كعثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي ﷺ عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل. قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعاً. ثم قال ابن تيمية بعد ذلك: ولهذا كانوا يبقون مدة في حفظ السورة، وقال أنس: كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جَلّ في أعيننا، وأقام ابن عمر على حفظ البقرة عِدّة سنين، قيل: ثمان سنين، ذكره مالك (١). إذا عُلم ما تقدم تبيّن منه أن تفسير القرآن لم يترك للآراء واختلافها والأهواء وضلالها وأنه مُنتهىً منه كما انه مُنتهىً من بيان ألفاظه. إن كثيراً من المتأخرين تفلّتوا من القيود في هذا الأمر الخطير يقول بعضهم عن القرآن: أنه متجدّد بمعانيه وروحه في كل عصر، وحتى أنه

стр. 439

تهجّم تهجماً عنيفاً على من لا يقبل من تفسير القرآن إلا ما مضى عليه السلف. وليس مع هذا الكتاب الجاهل المتمعلم حجة يدلي بها اللهم إلا السّب والشتم وتجهيل من يخالف فتنته التي فتن بها هو وأمثاله، وقد تعجبت من جرأته على كلام الله ولا دليل إلا رأيه الساقط وجزْمه الفارط، لكن ليُعلم أن من الجزم جزم علم وجزم هوى، وبلا شك أن جزمه جزم هوى وجهل وضلال. فتأمل الآن ما يقول تحت عنوان: (الغزو الفكري من المخاطر غزونا لأنفسنا). قال: قد يستغرب القارئ بعض ما أورده تباعاً والحقيقة أن هناك بعض الفئات التي يفوق ضررها على الأمة ضرر الأعداء من حيث لا يقصدون بل من دوافع الدونية والأنا والجهل والجاهلية يتصرفون. هل تتوقع عزيزي القارئ بأن هناك من يعارض أي جديد لأجل خدمة الإسلام والدفاع عنه؟!. وهل تعلم عزيزي القارئ أن هناك من لا يقبل أي تفسير للقرآن الكريم لا لأنه يرى أن ما لدى غيره أقل مما لديه أو أنه لا يتناسب مع مكانة القرآن وقدسيته لا بل لأن المفسرين الأوائل لم يقولوه سابقاً ولأنه لا يستطيع أن يأتي بجديد ولا بقديم وموقف مثل تلك الفئة المتعالمة يفيد

стр. 440

بأن حركة الإسلام وتحركه نحو البناء تتوقف حالما انتهت فترة أولئك الأجلاء العظماء من الصحابة والتابعين وأشباههم من اللاحقين الذين يتوجب عليهم أي اللاحقين أن يتمموا المسيرة الجليلة العظيمة التي بدأها السابقون ويكللوها بكل جديد مفيد لا أن نتوقف توقف العاجزين ونتكسب تكسب المتواكلين أو نتنطع تنطع الجاهلين الفارغين أمثال تلك الفئات من الأمة. إن محاولات تفسير القرآن الكريم بما يتناسب مع قدسيته وعظمته إن هو إلا عمل جليل لأن فيه زيادة بيان لعظمة القرآن وزيادة إيضاح لأحكامه وأسراره وإلا لما فسر المفسرون واكتفوا بما قاله الأولون بل إن المواكبة الفكرية العصرية لبيان إعجاز القرآن وكماله إن هو إلا عمل جديد ومطلب أكيد. وللأسف فإن تفسير من هذا القبيل يعده البعض خروجاً عن جادة الإسلام ويحسبه بمثابة عدم احترام لآراء المفسرين السابقين الكرام وتجاوز للحدود المسموح بها لنا نحن اللاحقين الأقزام لأن المفسرين الأوائل لم يفسروا القرآن كما نفسره نحن الآن فأين نحن من مقامهم واعتبارهم حتى نتجرأ على تفسير القرآن. ولعلم هذه الطبقة المتعالمة ظاهراً الجاهلة باطناً الكسولة الواهنة المكتسبة المتواكلة إن من أسرار وإعجاز القرآن أنه متجدد بمعانيه وروحه

стр. 441

في كل عصر وآن للقارئ الواحد كلما أعاد قراءته وتدبره فما بالك بأجيال أمة تليها أجيال وأجيال تقرأ القرآن لتنهل من معينه المتجدد. إن من إعجاز القرآن أنه متجدد بروحه ومعانيه تجدد الزمان وأهله مع بقائه محافظاً على معانيه السابقة التي تجلّت للأجيال السابقة بلا تعارض مع معانيه التي تتجلى للأجيال اللاحقة بل إنها تدعم بعضها بعضاً وتنسجم انسجام ألفاظه مع حروفه وترابط آياته مع نصوصه. إن أولئك وأمثالهم يريدون من الآخرين أن يتوقفوا عن إكمال مسيرة الأوائل العظماء من المسلمين لأن أفراد هذه الفئة فارغون لا يملكون ما يقدمونه للأمة إلا هذا الموقف السلبي المخزي الذي كله كسل وتوكل على الأمة وهم وأمثالهم معذورون لأن فاقد الشيء لا يعطيه إلا أنهم ملامون محتقرون عندما يعارضون أو يعترضون عطاء الآخرين لمجرد كونهم على العطاء غير قادرين. إن أحداً لا يستطيع تصور قول البعض إزاء تفسير جديد لآية من آيات القرآن الكريم لم يسبق إليه مفسر آخر من المفسرين السابقين إن قول البعض وللأسف لا يستند إلى دليل أو برهان من نفي أو إثبات بل إنه حجة الجاهلين المتواكلين فقولهم ينحصر بأن المفسر الفلاني لم يورد هذا التفسير الجديد في تفسيره العتيد، ثم ذكر كلاماً يتناسب مع جهله وضلاله ثم قال: ولا أظن أن تفسير القرآن الكريم تفسيراً صحيحاً سليماً

стр. 442

متفقاً مع أوامر الله ونواهيه فيما يتعلق بتعاملنا مع القرآن الكريم يعد أمراً يتكلم برده أو رفضه أحداً من الخلق إلا من كان به عَتَه في مداركه وعقله لأن رده ورفضه لهذا التفسير أو ذاك لمجرد أنه لم يرد في تفاسير السابقين رغم خدمته الجليلة العظيمة للقرآن وأهله ودفاعه عنه ضد من يطعنون به ويتعرضون له بالأذى، ثم ذكر كلاماً يتناسب مع هذيانه ثم قال: إن تفسير القرآن تفسيراً ينسجم مع عظمته وقدسيته وحقيقته لا أظنه إلا عملاً جليلاً من أعمال أكابر العلماء وأجلهم طالما أنه تفسير لا يسيء إلى القرآن ولا يتعارض معه بل يساهم في بيان حكمته وعظمته وكماله وإعجازه وأنه كلام الله العالم العليم الخالق العظيم رب السموات والأرضين له الأسماء الحسنى والصفات العليا. إن عملاً من هذا القبيل وأمثاله من أعمال الرجال العظام ندبت إليه الأمة كل الأمة من خلال قول الخالق الجامع: (وقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) (١). ولم يقل جل وعلا: تواكلوا وعلى أكتاف الآخرين اتكئوا. بل أمرنا بالعمل كل العمل الذي فيه الخير والمنفعة والعلم والمصلحة والدعوة إلى دين الله ونشره في الآفاق، وما أظن أن عملاً

стр. 443

أفضل من العمل الذي يخدم القرآن ويسهل فهمه وييسر تعليمه وبالتالي تعميمه ونشره على الخلق كلهم. ولا ريب أن من يقف مواقف سلبية حيال جهود من يقومون بتفسير القرآن العظيم وفقاً لأسس صحيحة سليمة إن هو إلا من أعداء الأمة الإسلامية من حيث لا يقصد ولا يتعمد وإن هو إلا عنصر سلبي يغزو الأمة غزواً داخلياً فيتسبب في إعاقة مسيرتها نحو الأمام ويجمد جهود المخلصين من أبنائها والعاملين على خدمة الإسلام ونشره والدعوة إليه من خلال جهودهم المباركة في تفسير القرآن العظيم تفسيراً صحيحاً يتفق مع مقاصده ومعانيه قلباً وقالباً وكما أراد الخالق جل وعلا منه وابتغى. انتهى. يقال لهذا وأمثاله: إن تفسير القرآن على غير تفسير النبي ﷺ والصحابة والسلف الذين ساروا على مناهجهم في ذلك تغيير لمعانيه التي أرادها من تكلم به سبحانه، فهل يجوز هذا وهل يكون دين الأمة محفوظاً ومستقيماً بهذه الصورة، وبماذا نحتج على الخوارج بتفسيرهم للقرآن وكذلك الرافضة والقدرية والجبرية وغيرهم من الفرق التي لا يوجد منها فرقة إلا وتحتج بالقرآن.

стр. 444

وأقلّ القليل من الفِرق والطوائف الضالّة من تحتج بألفاظ وحروف محرّفة من القرآن وإنما يحتجون بما فهموه من معانٍ لم يُردْها من تكلم به سبحانه وما فسّره بذلك النبي ﷺ ولا الصحابة ولا من سار على نهجهم. إن أيّ شخص لوْ تكلم بكلام ثم فُهِمَ من كلامه غير مراده لصار هذا بمثابة تغيير كلامه، وهل المراد من الألفاظ إلا المعاني؟. كيف بكلام الجليل سبحانه؟ أيجوز أن يأتي كل جيل فيفسرونه على مقتضى أحوالهم وأمورهم وما أحدثوه؟. إن هذا تبديل وتغيير خطير، فلا بد إذاً من ضابط لتفسير كلام الله وقد تقدم ويأتي إن شاء الله زيادة بيان. قال شيخ الإسلام بعد الكلام المتقدم الذي فيه أن النبي ﷺ بيّن للصحابة تفسير القرآن قال: وذلك أن الله تعالى قال: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ) وقال: (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ) وقال: (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ). وتدبّر الكلام بدون فهم معانيه لا يمكن، وكذلك قال تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) وعقل الكلام متضمن لفهمه، ومن المعلوم أن كل كلام فالمقصود منه فهم معانيه دون مجرّد ألفاظه، فالقرآن أوْلى بذلك.

стр. 445

وقال ﵀: ولهذا كان النزاع بين الصحابة في تفسير القرآن قليلاً جداً، وهو وإن كان في التابعين أكثر منه في الصحابة فهو قليل بالنسبة إلى من بعدهم. وكلما كان العصر أشرف كان الاجتماع والائتلاف والعلم والبيان فيه أكثر. ومن التابعين من تلقى جميع التفسير عن الصحابة كما قال مجاهد: عرضت المصحف على ابن عباس أوقفه عن كل آية منه وأسأله عنها، ولهذا قال الثوري: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسْبك به. ولهذا يعتمد على تفسير الشافعي والبخاري وغيرهما من أهل العلم، وكذلك الإمام أحمد وغيره ممن صَنّف في التفسير يكرر الطرق عن مجاهد أكثر من غيره. والمقصود أن التابعين تلقوا التفسير عن الصحابة كما تلقوا عنهم علم السنة، وإنْ كانوا قدْ يتكلمون في بعض ذلك بالاستنباط والاستدلال. انتهى (١). وقد تبين أن النزاع بين الصحابة في تفسير القرآن قليل جداً وأنه قليل في التابعين بالنسبة لمن بعدهم ونحن أُمِرْنا بإتباع نبينا والصحابة ونُهينا عن

стр. 446

الإحداث وأعظمه الإحداث في كلام الله وكلام رسوله بمعانٍ لم يفهمها ولم يتكلم بها النبي ولا الصحابة ولا التابعون. أما بعض الاستنباط والاستدلال الذي لا يُغير معاني القرآن وقد استنبطه واسْتدل به التابعون الذين تلقوا التفسير عن الصحابة فشيء آخر غير ما سلكه المتأخرون. فمنهج التابعين في ذلك أن المعنى الذي تلقوه عن الصحابة لا يتغير بخلاف أهل الوقت الذين قَلّ أن يعتمدوا في تفسير الآيات من القرآن على الصحابة أو التابعين بل يذكر احدهم الآية وليس يتحرّى المعنى الذي أراده الله منها بالنظر فيما تكلم به الصحابة والتابعون بل يجري مع فكره وفهمه وهواه وكأن المعنى عنده متقدم على اللفظ فمراده تقرير المعنى الذي يريد هو فيلتمس له الآية أو الحديث وهذا ضلال وقد رأيت من ذلك عجائباً. وانظر كلام الشيخ عن الشافعي والبخاري وأحمد وغيرهم من العلماء كيف يعتمدون تفسير مجاهد للوصول إلى تفسير الصحابة وللوصول إلى تفسير النبي ﷺ أو الاعتماد على فهم الصحابة، فالحذر من هذه التفاسير الحادثة للآيات المخالفة للسلف، وكذلك شروح الأحاديث المخالفة فإن هذا ضلال مبين.

стр. 447

إن هؤلاء الأئمة الكبار إمامهم الصديق ﵁ الذي يقول: أيّ أرض تقلني وأيّ سماء تظلني إذا قلت في كتاب الله ما لم أعلم. والفاروق ﵁ قال عنه أنس: كنا عند عمر بن الخطاب وفي ظهر قميصه أربع رقاع فقرأ: (وفاكهة وأباً) فقال: ما الأب؟ ثم قال: إن هذا لهو التكلف فما عليك أن لا تدريه. فلينظر من تجرأ على كلام الله بتأويله على غير مراد مَنْ تكلم به من هو إمامه؟. لقد كان السلف يعظمون القول بالقرآن بغير علم، قال ابن جرير: حدثني أحمد بن عبدة الضبي، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا عبيد الله بن عمر قال: لقد أدركت فقهاء المدينة وإنهم ليُعظمون القول في التفسير، منهم سالم بن عبد الله والقاسم بن محمد وسعيد بن المسيب ونافع. وقال أيوب وابن عون وهشام الدستوائي عن محمد بن سيرين قال: سألت عبيدة السلماني عن آية من القرآن فقال: ذهب الذين كانوا يعلمون فيما أنزل من القرآن فاتق وعليك بالسداد. وقال أبو عبيد حدثنا هشيم عن مغيرة عن إبراهيم قال: كان أصحابنا يتقون التفسير ويهابونه. وقال شعبة عن عبد الله بن أبي السفر قال: قال الشعبي: والله ما من آية إلا وقد سألت عنها ولكنها الرواية عن الله.

стр. 448

وقال أبو عبيد حدثنا هشيم أنبأنا عمر بن أبي زائدة عن الشعبي عن مسروق قال: اتقوا التفسير فإنما هو الرواية عن الله. تأمل قولهم: (الرواية عن الله) وأن المفسر يقول: يُريد الله بكلامه كذا وكذا، فما حجته إذا كذب على الله وأضل عباده عن مراده؟ نعم الفارق بيننا وبين السلف ترحّل الخوف من القلوب، ولذلك حصلت الجرأة عن كلام علاّم الغيوب. إن الوعيد على من قال بالقرآن برأيه شديد وهو معلوم، فقد أخرج الترمذي من حديث ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: (من قال في القرآن برأيه أو بما لا يعلم فليتبوأ مقعده من النار). قال بعض المتأخرين تحت عنوان: (معجزة القرآن وكيف تختلف) قال: ولكن الذي يجب أن نعرف أن للقرآن عطاء لكل جيل يختلف عن عطائه للجيل السابق (١). إن هذا كلام خطير جداً ولذلك صار كل جاهل متعالم يفسر القرآن على مقتضى أنه يعطى لكل جيل عطاء يختلف عن عطائه للجيل السابق، إنه التلاعب بكتاب الله وعدم هيْبته وترحّل الخوف من القلوب.

стр. 449

وقد انفتح باب الدعوى الطويلة العريضة التي يوضح معناها هذا البيت: وإني وإن كنتُ الأخير زمانه ... لآتٍ بما لم تسْتطعه الأوائلُ كل هذا ناشئ عن الاستقلال بعقول قاصرة وفهوم ناقصة وناشئ أيضا ًعن احتقار للسلف وإعجاب بالنفس حجابه كثيف. إن من ينظر في تفاسير السلف للقرآن مثل ابن جرير والبغوي والقرطبي وابن كثير ﵏ وغيرهم من عامة من فسّر القرآن من السلف وهو من الأئمة يرى تفاسير الصحابة والتابعين منقولة لبيان معاني القرآن، فلماذا لم يقولوا: إن القرآن متجدّد بمعانيه وروحه في كل عصر وأن له عطاء لكل جيل يختلف عن عطائه للجيل السابق، أهؤلاء أهدى من السلف؟ أم أنهم يفتحون باب ضلالة؟. ويقول أيضاً صاحب الكتاب السابق: إن هناك آيات من القرآن تعطينا الآن عمقاً جديداً في معناها: ذلك العمق لم يكن أحد يصل إليه بالفهم الدقيق في أول وقت نزول القرآن. هذا الكلام فيه تفضيل لعقول المتأخرين وفهومهم العميقة الدقيقة على من نزل القرآن في وقتهم، ومعلوم أنهم النبي والصحابة فانظر ما يقع به هؤلاء الجهلة المتعالمون.

стр. 450

بُعداً وسحقاً لمن ظن أنه فهم من القرآن ما لم يكن أحد يصل إليه من القرون المفضلة أو يظن أنه يُساويهم في فهم القرآن وهل يعتقد مسلم أن الله يخاطب جيلاً بما يختلف عن خطابه للجيل السابق وأنه يأمرهم وينهاهم ويقصّ عليهم ما يختلف عن غيرهم كل حسب جيله وزمانه؟ أيّ فهم هذا؟ هذا تغيير للقرآن مع بقاء حروفه. قال ابن تيمية ﵀: لكن المقصود أن يُعرف أن الصحابة خير القرون وأفضل الخلق بعد الأنبياء، فما ظهر فيمن بعدهم مما يُظنُّ أنه فضيلة للمتأخرين ولم تكن فيهم فإنها من الشيطان وهي نقيصة لا فضيلة سواء كانت من جنس العلوم أوْ من جنس العبادات أو من جنس الخوارق والآيات أو من جنس السياسة والملك، بل خير الناس بعدهم أتْبَعهم لهم (١). مَنْ شك في كلام الشيخ هذا فليراجع تعلم دينه، وإن هذا والله في كل شيء من أمور الدنيا والآخرة ولكن المغرور مغرور لا حيلة فيه، إن خير القرون لا يختار الله لهم إلا خير الأمور في كل شيء. وقد قال ﷺ : (خير القرون قرني) الحديث، وقال: (لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه).

стр. 451

وقال ابن تيمية: ونحن نعلم أن القرآن قرأه الصحابة والتابعون وتابعوهم وأنهم كانوا أعلم بتفسيره ومعانيه كما أنهم أعلم بالحق الذي بعث الله به رسول الله ﷺ . فمن خالف قولهم وفسّر القرآن بخلاف تفسيرهم فقد أخطأ في الدليل والمدلول جميعاً، ومعلوم أن كل من خالف قولهم له شبهة يذكرها إما عقلية وإما سمعية (١). انتهى. وقد تقدم نماذج من التفسير الذي كثر في وقتنا وهو بخلاف تفسير الصحابة والتابعين وتابعيهم، والتفاسير الحادثة المخالفة لها أسباب وهو ما أحْدثه الناس بعد القرون المفضلة في العلم والعمل وغيره. قال ابن تيمية: والمقصود هنا التنبيه على مثار الاختلاف في التفسير وأن من أعظم أسبابه البدع الباطلة التي دَعَتْ أهلها إلى أن حَرّفوا الكلم عن مواضعه، وفسّروا كلام الله ورسوله ﷺ بغير ما أُريد به وتأولوه على غير تأويله، فمن أصول العلم بذلك أن يعلم الإنسان القول الذي خالفوه وأنه الحق وأن يعرف أن تفسير السلف يخالف تفسيرهم، وأن يعرف أن تفسيرهم محدث مبتدع ثم أن يعرف بالطرق المفصلة فساد تفسيرهم بما نصبه الله من الأدلة على بيان الحق.

стр. 452

وكذلك وقع من الذين صنفوا في شرح الحديث وتفسيره من المتأخرين من جنس ما وقع فيما صنفوه من شرح القرآن وتفسيره (١). وعلى مقتضى هذه القاعدة سوف يكون الكلام على بعض النصوص المفسرة في وقتنا بغير معناها مثل قوله تعالى: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً). (الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ) ونحو هذه الآيات يجعلون المراد بذلك إحسان الأعمال الدنيوية وصلاحها بتأديتها بجد واجتهاد مهما كانت هذه الأعمال، وقد انتشر هذا في كتب أهل الأمصار ومناهج الدراسات وغيرها وهو تفسير بمعنى فاسد، إذ المراد بالأعمال الأعمال الدينية يوضح ذلك قول الفضيل ﵀ لما سئل عن قوله تعالى: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) قال: أخلصه وأصْوبه، والخالص ما كان لله والصواب ما كان على السنة. انتهى. وقد بيّنت ولله الحمد في هذا الكتاب ما يكفي مريد الحق غير أن هذا والذي بعده زيادة بيان.

стр. 453

العلم التجريبي ذكرت سابقاً في نسخة (الكون وآياته والمسخ ومقدماته) كلاماً عن ما يسمى العلوم التجريبية وأن نسبتها إلى المسلمين كشيء يعتزون به ويفتخرون أو أنها مما يدعو إليه دينهم هو باطل أصله ونحو هذا الكلام فوجه إليّ البعض هذا السؤال الذي سأذكره وأجبته بهذا الجواب التالي مع بعض التصرف. السؤال: ذكرت أنه من الخطأ أن تنسب العلوم التجريبية إلى المسلمين فما هي مصادر هذا النفي؟ ثم أليس من العز والافتخار أن يبدأ بها المسلمون قبل عدوهم. الجواب: الحمد لله رب العالمين ... هذه مسالة كبيرة ومهمة للغاية لأنه بسببها حصل لبس واشتباه بين الحق والباطل أثمر نتائج سيئة عواقبها وخيمة، فالمتأخرين عندما ينسبون العلوم التجريبية إلى علماء المسلمين يرون أنهم بذلك يميطون عن الإسلام ما يشينه ويحلّونه بما يزينه وهم لا للإسلام نصروا ولا للأعداء كسروا بل فتحوا بهذه الشبهة باباً من ولجه عزّت سلامته وعظمت حسرته وندامته.

стр. 454

وكنت أتوقع رد فعل قد يكون عنيفاً من كثيرين لأجل ما ذكرته كالإشارة إلى هذه المسألة التي تحتاج إلى بسط أكثر وعناية أكبر لتواطء الجميع على قبولها واستحسانها حتى كأن من يذكرها في تأليفه أو يشير إليها في تصانيفه قد جاء بالدرة المفقودة والضالة المنشودة، والصحيح أنه جاء بشبهة بطلانها ظاهر يعرف ذلك أهل البصائر. وإنما صار لها القبول في القلوب لأن الرغبات تستر العيوب، والشيطان قلّما يكيد الإنسان بشبهة إلا ويستر عيبها بشهوة فتكون الشهوة كالرشوة يعمي بها البصير عن النظر في عواقب الأمور. والمعنى أنه قد افتضح الجميع بمحبة الدنيا وإيثارها فأظلمت القلوب مع كثرة الذنوب فقبلت شبهات الباطل وصارت يُجادل عنها ويُناضل، وصار من يبين بطلان هذه الأمور عند هذا الصنف من الناس عريّا من العلم والتحقيق قاصداً للشدة والتضييق ولولا محبة الدنيا وإيثارها لانجلت عن القلوب ظلمتها ورأت الأشياء على جليتها. فنسبة هذه العلوم التجريبية إلى علماء المسلمين مسبة لهم وحطاً من أقدارهم بل وقلباً للحقائق لأنها ليست من علومهم، وحاشا أن تكون كهذا نتائج أفكارهم وفهومهم، وهم أجل وأرفع قدراً مما وصفهم بل وصمهم به المتأخرون، فالقوم في واد وهؤلاء وعلومهم التجريبية في واد، فهم كانوا عن مثل هذا في شغل شاغل وليسوا كأهل هذا الزمان يحسبون

стр. 455

كل بيضاء شحمة وكل سوداء تمرة، وهو أقل وأحقر أن يلتفتوا إليه، ولو دعاهم إليه داعٍ لم يعوّلوا عليه، لأنهم عرفوا ما من أجله خُلِقوا، وهو ما دعاهم إليه نبيهم الناصح الشفيق الذي أراد لهم السعادة العاجلة والآجلة، فلو عُرض عليهم هذا الذي يُمدحون به ويُنسب إليهم لأنكروه، ولَذموا قائل ذلك ولم يشكروه، وإن سِيَرهم لتهتك أستار هذه الشبهة الضالة الملصقة بهم بأدنى نظر، لكن المنقاد لِغَيّه وهواه ليس عنده مما نقول خبر، فلقد عميت البصائر وحارت الفكر. لقد كانت والله هِممهم عليّة، ونفوسهم طيبة زكية، عرفوا الدنيا وقدرها بتعريف ربهم ونبيهم فتجافوا عنها وعبروها ولم يعمروها، رأوا الموت قد أفسد على أهل النعيم نعيمهم فالتَمسوا نعيماً لا موت فيه وقد ربحت تجارتهم. هم الرجال وغبن أن يقال لِمَنْ ... لم يتّصف بمعالي وصْفهم رجلُ رُفع لهم علم الجنة فشمروا إليه وكثير من المتأخرين وضع لهم علم الشهادة بِنَيْل الدنيا والرئاسة فيمموا إليه. ولو تبصّر أحدهم ورأى الأخطار في طريقه لبادر إليه الشيطان من الإنس والجان يقول له: أنت تنفع غيرك وتنصح وتفيد وإذا تخليت أنت وأمثالك من ينصح الأمة ويكشف الغمة، وهذا فَخّ كم لإبليس فيه من

стр. 456

صريع وقتيل والصادق ليس يلابس أهل الباطل ويسير معهم أين ما ساروا بحجة أنه ينصح وينفع، ألا نصح ونفع نفسه أولا والحق فيما قيل: مواعظ الواعظ لن تقبلا ... حتى يعيها قلبُه أولا وكما يقال أيضاً: يا أيها الرجل المعلم غيره، وهذه أبيات معروفة مشهورة فالمقصود أن الداعية إلى الحق ليس يخالط المبطلين ويشرك معهم في باطلهم ثم يعتذر بهذه الحجة الداحضة بل هو يكون في هذا الفعل قدوة سيئة يغتر به الناس، ومن أراد الدعوة والنصح تمكن من ذلك، وعلى هذا كان الأنبياء وورثتهم على الحقيقية لا التسمي، والدين ليس بالرأي وأتباع الهوى والمقصود أن العلم في عرف أهل هذا الزمان يشبه طريقة الفلاسفة حيث يجعلون كمال النفس في مجرد العلم، ومجرد العلم ليس بكمال للنفس ما لم تكن مريدة محبة لمن لا سعادة لها إلا بإرادته ومحبته وهو إلهها الحق. قال ابن القيم ﵀ في وصف طريق أهل العلم والإيمان: أهل العلم والإيمان الذين عقلوا عن الله أمره ودينه وعرفوا مراده بما أمرهم ونهاهم عنه وهو أن نفس معرفة الله ومحبته وطاعته والتقرب إليه وابتغاء الوسيلة إليه أمر مقصود لذاته وأن الله يستحقه لذاته وهو سبحانه المحبوب لذاته الذي لا تصلح العبادة والمحبة والذل والخضوع والتألّه إلا له فهو يستحق ذلك لأنه أهل أن يُعبد ولو لم يخلق جنة ولا ناراً

стр. 457

ولو لم يضع ثواباً ولا عقاباً كما جاء في بعض الآثار (لو لم أخلق جنة ولا ناراً أما كنت أهلاً أن أعبد) فهو سبحانه يستحق غاية الحب والطاعة والثناء والمجد والتعظيم لِذاته ولما له من أوصاف الكمال ونعوت الجلال، وحبه والرضى به وعنه والذل له والخضوع والتعبد هو غاية سعادة النفس وكمالها، والنفس إذا فقدت ذلك كانت بمنزلة الجسد الذي فقد روحه وحياته، والعين التي فقدت ضوءها ونورها بل أسوأ حالاً من ذلك من وجهين: أحدهما أن غاية الجسد إذا فقد روحه أن يصير معطلاً ميتاً وكذلك العين تصير معطلة، وأما النفس إذا فقدت كمالها المذكور فإنها تبقى مُعَذّبة متألمة وكلما اشتد حجابها اشتد عذابها وألمها. انتهى. وكلام ابن القيم هذا كلام رفيع من تدبره وتأمله وهو صادق في سلوكه انفتح له من أبواب المعارف والعلوم الشريفة شيء عظيم وبالله التوفيق. فمصادر نفي العلوم التجريبية لعلماء المسلمين هي أحوالهم وما كانوا عليه من التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد للموت قبل نزوله وفي سيرة نبينا ﷺ وأحواله ووصاياه مما هو معروف الكفاية للجواب عن ذلك كذلك الصحابة رضوان الله عليهم والتابعين وعلماء المسلمين وأئمتهم.

стр. 458

وإن مما يلفت النظر وفيه عبرة لمن اعتبر أن بعض أذكياء الغربيين يصف الحال التي أوصلتهم إليها علومهم التجريبية بوصف يزيد المؤمن إيماناً ومعرفة بقدر العلم الذي جاء به نبينا ﷺ حيث يقول: إن الوسط الذي أنشأته العلوم الطبيعية وعلم الصناعات للإنسان لا يناسب الإنسان لأنه مُرتجَل لم يقم على تصميم وتفكير سابق ولم يراعي فيه الإنسجام مع شخصية الإنسان. إن هذا الوسط الذي هو وليد ذكائنا واختراعاتنا لا يُطابق قاماتنا ولا أشكالنا نحن غير مسرورين نحن في انحطاط في الأخلاق وفي العقول، إن الأمم التي ازدهرت فيها الحضارة الصناعية وبلغت أوجْها أضعف مما كانت وهي تسير سيراً حثيثاً إلى الهمجية ولكنها لا تدرك ذلك. انتهى. وغير هذا الكلام كثير يقوله أذكياؤهم وعقلاؤهم لكن وُجد في صفوف المسلمين من يعزو هذه النتائج السيئة التي أثمرتها للغربيين علومهم ومخترعاتهم إلى ضعف الدين عندهم بمعنى أنها تناسب المسلمين إذْ لا يزال دينهم ظاهراً فيستعينون بها لتقويته، ومن هنا جاء البلاء لأننا في زمان يتكلم فيه بالدين من لا يعرفه، وهم الذين ورد ذكرهم في الحديث بأنهم يقيسون الأمور بآرائهم وأي شيء يَبْهر المسلم من هؤلاء الذين هم أضل من الأنعام، ومثالاً واحد نسوقه للعلم الذي ترك لنا نبينا ﷺ وهو الإشارة إلى معراجه ﷺ وكيف فُتحت له أبواب السموات السبع التي لا يعرفها

стр. 459

ولا يعترف بها لا غربيون ولا من حذا حذوهم في العلوم الكونية كما هو ظاهر من ضلالهم في نظرية دوران الأرض حول نفسها وحول الشمس وما يلتزمه من الباطل والكفر العظيم وهو إنكار الخالق وعرشه وسمواته وملائكته كما تقدم بيان ذلك فعلى ﷺ فوقها ورأى من آيات ربه الكبرى ما رأى في ليلة واحدة وما في ذلك من الحقائق العلمية العظيمة عن السموات والملائكة وعن الجنة والنار وعن الرب سبحانه وبحمده وعلوه وعظمته وغير ذلك من العلوم الشريفة التي هي غذاء قلوب أهل الإيمان ما لو أفنى الغربيون أعمارهم ما أتوا بشيء من هذا صحيح على وجهه لأنهم لا يستمدون علومهم من مشكاة نبوة وإنما هو الخرص والظن ووحي شياطينهم وهاهم بعد السنين الطويلة والأعمال الشاقة المتعبة يفسدون عقائد المسلمين ويضلونهم عن معرفة ربهم بعلومهم الزائفة، ولو صدق الإنسان وصحت نيته ولم يطلب بعلمه عرض الدنيا لرأى العجائب وعلم يقيناً أن علم الغربيين ومخترعاتهم سبب للإسلام أعظم المصائب، لأن من طلب عرض الدنيا بالعلم النافع دخل في الوعيد فهو لا يجد رائحة الجنة (١) ومع أول من تسعر بهم النار (٢) فكيف إذاً بمن خاض في الضلالات وصدّق بالباطل والمحالات ولا عذر له إلا إيثار الدنيا والرئاسات.

стр. 460

أما أن يقال: أليس من العز والافتخار أن يبدأ بها المسلمون قبل عدوهم فمما تقدم يُفهم أنه لا عز فيها ولا افتخار بل فيها الذلة والصغار وإنما العز كله باتباع نبينا ﷺ وفيه السعادة والحياة الطيبة وقد نهانا عنهم وعن علومهم ومخترعاتهم، وهو يقول: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل (١)، ويقول: ما لي وللدنيا ويمثل نفسه ﷺ في الدنيا براكب قال في ظله دوحة ثم راح وتركها، وهذا وكثير طيب غيره من أوامره ووصاياه نحن المرادون به وهو لا يتناسب مع مفهوم الحياة اليوم عند كثير من الناس لأن مفهومها عندهم غربي ليس بعربي فضلاً عن أن يكون إسلامياً مع أن المطلوب لا يتغير، بقي أن يعلم من يطلع على هذا الجواب من هم الذين يقال: علماؤنا المسلمين وتنسب إليهم بدايات هذه العلوم ويُفتخر بهم ويُعتز بسبقهم: ابن سينا ومحمد بن زكريا الرازي، وجابر بن حيان وابن الهيثم وأمثالهم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ابن سينا، ومحمد بن زكريا الرازي ونحوهم من الزنادقة الأطباء (٢). وقال ابن القيم ﵀: ابن سيناء إمام الملحدين، وذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ كلام الشيخ الخضيري إمام الحنفية في زمانه أنه قال كان فقهاء بخارى يقولون في ابن سينا كان كافراً ذكياً،
следующие страницы →