أسلم وجيولوجي تشهد)، وهكذا. حكايات باردة وخيالات كاذبة، والقمر انشق والتأم في وقته، وكون علماء الفلك اليوم يرون أن القمر قد تَصدّع ويُجمعون على هذه الحقيقة، فنحن ولله الحمد نكذّبهم وعلى يقين أن القمر على حاله لم يتغير فيه شيء وإنما يأتيه الموعود يوم القيامة قال تعالى: (وَخَسَفَ الْقَمَرُ) يعني ذهب ضوءه (وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ) قال مجاهد: كُوِّرا، وذلك يوم القيامة.
فالقمر ليس ينشق في القيامة إنما يُجمع هو والشمس ويذهب ضوءه، ويُكوَّر هو والشمس.
ومن شاء فليباهلني على عدم وصول بشر إلى القمر، وما خلق الله القمر لذلك بل هذا منافٍ لحكمة الحكيم، فالأرض هي موضع الخلق منها خُلقوا وفيها يحيْون وفيها يموتون ومنها يبعثون وفيها يحشرون، ومن ادّعى غير ذلك فهو مبطل ومخالف لما جاء عن الله ورسوله.
والقمر لما انشق آية لرسول الله ﷺ التأم في وقته، ولو كان الشق باقياً لبقي القمر يُرى فلقتين والأمر واضح ولله الحمد.
والعجب أن يظن صاحب كتاب توحيد الخالق وهذا الباكستاني أن تكلّفهم هذا وقولهم على الله ما لا يعلمون من نصرة الدين والدعوة إلى الله.
стр. 387
أما علموا أن هؤلاء يمكرون بهم وأنهم يدرسون الإسلام ليكيدوا لأهله وأنهم يبذلون الأموال العظيمة والجهد الكبير لأجل ذلك.
أما علموا أن موافقتهم إياهم في دجلهم يزيدهم طغياناً وشراً ويزيد المسلمين ذلاً وهَوَناً.
أما علموا أن الله لا يُمكّنهم من ذلك وأنهم لا يَعْدون قَدْرهم وأنهم فتنة عصرنا وسبب ذهاب ديننا.
والذي لا شك فيه أننا لو نزلنا منازلنا لأنْزلناهم منازلهم (إِنْ هُمْ إِلا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ) لكننا حققنا ما كُتب علينا قدراً (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) (ودنيا مؤثرة) (١) مع أن هذا ما رضيه الله لنا شرعاً ولا يقبله منا حجة وعذراً.
стр. 388
حيل لترويج بضائع فاسدة كاسدة
ثم إن صاحب كتاب توحيد الخالق ذكر أن الفكر الشيوعي في القرن التاسع عشر والثامن عشر على أن الكون لا بداية له ثم قال: هذه جهالة القرن التاسع عشر والثامن عشر، وأما الآن ونحن في القرن العشرين فإن العلم والأكاديميات العلمية في موسكو وفي واشنطن، وفي كل البلاد المتقدمة قد أعلنت للدنيا بأجمعها أن الذين قالوا: إن الكون أزلي قديم كانوا مخرفين وما قالوا إلاَّ هراء.
لقد قامت الأدلة على أن لهذا الكون بداية، وحسبوا البداية وقاسوا ووجدوا ساعات كونية في هذا الكون تدلهم على بداية خلق الأرض فقرروا عمر الأرض بأربعة ملايين ونصف من الأعوام، وقرروا عمر الشمس بكذا، وقرروا عمر النجوم بكذا، وعندهم أدلة الآن في أشعة عند درجة الصفر المطلق هذه تبين بداية الكون، وأن هذا الكون بدأ بانفجار هائل، وهذا الانفجار الذي جعل هذه الأجزاء لا تزال تتباعد في الكون، وفي الوجود إلى يومنا هذا، ولا تزال السماء تتسع. انتهى (١).
стр. 389
الجواب: هذا الرجوع على أن للكون بداية مثل الرجوع عن كوْن الشمس ثابتة وقد بينت أن الذي أثبتوه من حركتها غير الذي ذكر الله في كتابه العزيز وهو قوله تعالى: (وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) أي يدورون كما فسّرها ابن عباس وغيره أي أن الشمس تدور على الأرض في الفلك وهو السماء المبنية ليس الدوران على المجرة المزعومة المتخيَّلة.
وهنا رجوعهم إلى أنّ للكون بداية ثم يذكر أن البداية بانفجار هائل وأن هذا الانفجار جعل الأجزاء تتباعد، فكذلك هذه البداية فإنها على مقتضى نظرياتهم الخيالية الضالة، وقد تقدم ما يبين بداية الكون وأنه الدخان وليس انفجاراً ولا دوراناً ولا تباعداً، ولا يُسْتبعد أنهم يمكرون بالمسلمين لينهمكوا في ضلال نظرياتهم الضالّة عن الكون لظنهم أنها لا تخالف القرآن.
ولقد فرح المقلِّدة برجوع القوم عن اعتقاد ثبات الشمس وظنوا أن حركتها وجريْها الذي أثبته المعطلة أنه مطابق للقرآن وموافق حيث وَرَد فيه ذكر جريانها وليس كذلك وقدْ بينت قبل أن جرْيها دورانها على الأرض وهي في الفلك الكروي المستدير.
ولذلك قال صاحب كتاب (الإسلام وارتياد القمر) تحت عنوان: (ص٢٥، ٢٦).
стр. 390
الشمس تجري:
والشمس تجري بمجموعتها الشمسية كلها بسرعة اثنى عشر ميلاً في الثانية أي بما معدله (٢٥٩٢٠٠٠) مليونان وخمسمائة واثنان وتسعون ألف ميل في الساعة الواحدة والله خالقها هو الخبير بها وبحكمة جريانها وبمصيرها، تسير هذه الكتلة الهائلة وبهذه السرعة الهائلة أيضاً نحو برج الجبار وفي هذا الفضاء الواسع الرهيب ولا يختل سير نجم واحد بمقدار (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ).
ولقد سلخ علماء الفلك في القديم آماداً وهم يقولون ويقولون أن الشمس ثابتة وأن الأرض هي التي تدور حولها ولكن المرصد والتلسكوبات أثبتت خلاف ما كان يقوله من قبلهم والحمد لله الذي ظهر سداد كتابه الذي أنزل على رسوله الذي أرسل ... انتهى.
الذي لا شك فيه أن هذا الخيال الزائف غير ما ذكر الله من جريان الشمس في الفلَك، ولقد أوْرد هؤلاء الإبل كما أوْردها سعدٌ المشتمل، وليت المصيبة كانت فَقْد الإبل ولكنها فقد الهدى بضلال العقل.
وارجع الآن إلى أربعة الملايين والنصف التي زعموا أنها عمر الأرض واسأل ربك العافية.
стр. 391
(وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ) الآية
ومن كتاب (سنريهم آياتنا) للسبيعي أنقل بعض ما ذكره من آيات يفسّرها على مقتضى علوم المعطلة وكشوفهم الضالة قال في قوله تعالى: (وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ): (ص٤١) يقول المختصون في علم الأرض ثم ذكر زعمهم وخرصهم أن الأرض في الأزمنة القديمة كانت قطعة واحدة ومع مرور ملايين السنين تصدّعت. انتهى.
قد تبين أن الله سبحانه خلق الأرض من حين خلقها كما هي لعلمه السابق وحكمته فيما خلقها له، والإحالات إلى ملايين السنين تُسَهّل على القوم الدجل.
قال ابن عباس: (وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ) هو انصداعها عن النبات، وكذا قال سعيد بن جبير وعكرمة وأبو مالك والضحاك والحسن وقتادة والسدي وغير واحد. انتهى (١).
стр. 392
(فَإِذَا هِيَ تَمُورُ) الآية
وذكر السبيعي قوله تعالى: (أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ) وقال: إن العلم الحديث يقول: إن طبقات الأرض تسير وتجري وتدور تحت قشرتها الخارجية، وقد أشار القرآن إلى هذا منذ ١٥٠٠ عام بينهما لم يَدْرِ به العلماء إلا في العصر الحديث (ص٤٣) انتهى.
إن هذا يذكرنا بموْج صاحب كتاب توحيد الخالق الذي في قعر المحيطات وكأن هؤلاء مولَعون بالطلاسم والأحاجي والإحالات الزمانية والمكانية الخيالية العجيبة.
قال ابن كثير في تفسيره: وهذا أيضاً من لطفه ورحمته بخلقه أنه قادر على تعذيبهم بسبب كفر بعضهم به وعبادتهم معه غيره وهو مع هذا يحلم ويصفح ويؤجل ولا يعجل كما قال تعالى: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً) وقال ههنا: (أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ) أي تذهب وتجيء وتضطرب. انتهى.
стр. 393
إن السلف يدلّون العباد على معاني كلام ربهم التي تزيدهم إيماناً ورغبة ورهبة فيعرفون مراد الله من كلامه فيعملون بطاعته ويجتنبون معصيته وهذا هو المراد بتفسير القرآن، أما التلاعب به هكذا بمعاني باطلة زائفة مضلّة فهو صرف لمعانيه عما أريد منها وعاقبته سوء والعياذ بالله لان الكلام بالقرآن بالرأي عليه الوعيد.
وكيف يقول هذا: إن طبقات الأرض تسير وتجري وتدور تحت قشرتها الخارجية؟ وكأن كلام الملاحدة قرآن.
ثم إن المراد بمَوَران الأرض هنا ظاهرها المشاهد المحسوس، وهو الذي يُهلك الله به من يشاء أن يهلكه.
وأما على تقدير أن الموَران تحت القشرة فهذا لا يؤثر، وإنما قالوه تَبَعاً لأصولهم الفاسدة حيث أنهم يجعلون الأرض ثلاث طبقات: القشرة، واللب، ولنواة، والأرض سبع طبقات، قال تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ) الآية.
وفي حديث النبي ﷺ : (من ظلم شبراً من الأرض طوقه الله سبع أرضين يوم القيامة) (١).
стр. 394
كلام باطل عن الشمس
وقال السبيعي في كتابه الذي سماه: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا) (ص٤٧).
* الشمس (١) مُفاعل نوويٌ هائلٌ: (وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً):
الشمس كرة هائلة ضخمة من الغازات الساخنة تزيد في حجمها بملايين المرات على كرتنا الأرضية، إن هذا القرص اللامع الذي يملأ الدنيا بالضياء ما هو إلا نجم عادي ضمن ملايين النجوم الأخرى التي يشاهدها المختصون الفلكيون ضمن مجرة درب التبانة فيكون في ذلك الحزام اللامع الذي يُرى من الأرض ويمتد خلال سماء الليل، ولكن جميع النجوم الأخرى بعيدة جداً عنا لدرجة أننا نراها كنقاط ضعيفة الإضاءة حتى بأكبر المناظير.
ويحتاج ضوء تلك النجوم إلى سنوات عديدة حتى يصل إلى الأرض أما ضوء الشمس فيصل إلينا بعد أن يغادر سطحها بثماني دقائق وعشرين ثانية فقط، وهكذا فإن الشمس أقرب إلينا بعدة ملايين المرات
стр. 395
من النجوم الأخرى، ومن هنا أيضاً يأتي إحساسنا بإشعاع الشمس فتظهر كقرص كبير في السماء، وتفوق الشمس في أهميتها بالنسبة إلى الحياة على الأرض ما يزيد على (١٥٠) بليون نجم آخر في مجرة طريق التبانة وحدها، والمجرات الأخرى بعيدة جداً بحيث يقل تأثيرها عن نجوم مجرتنا.
٢ كيلو وات للفرد:
وشمسنا -شأنها في ذلك شأن النجوم الأخرى- عبارة عن مفاعل نووي كبير، ففي أجزاء الشمس المركزية وعلى عمق (٦٥٠) ألف كيلو متر من السطح يتحول في كل ثانية حوالي (٥٠٠) مليون طن من نوى الهيدروجين إلى نوى الهليوم، ولا مجال هنا (حيث تقدر درجة الحرارة بالملايين) للحديث عن الذرات وإنما عن خليط من النوى والإلكترونات، وخلال تلك العملية من الاندماج النووي تتحرر كل الطاقة الشمسية أي كل ثانية (٣٨٠) تيراتيراوات (١)، ويطلق على هذه الكمية لمعان الشمس، ومن مركز الشمس تنتقل الطاقة المتحررة على شكل إشعاع كهرومغناطيسي في اتجاه لسطح الذي يطلق عليه اسم الفوتوسفير أو الكرة المضيئة.
ومن هذه الكرة المضيئة (الفوتوسفير) يتم إشعاع طاقة الشمس في الفضاء المحيط وقليل جداً فقط من إشعاع الشمس هو الذي يصلنا إلى
стр. 396
الأرض، فلا يزيد هذا النَّزْر اليسير على جزء أو اثنين من بليون جزء من إشعاع الشمس كله أي (١٨٠) ألف تيراوات، وعلى رغم صغر هذا الجزء فإنه يمثل فيضاً هائلاً إذا نحن قارناه باستغلال البشرية من الطاقة، ذلك أن كمية الطاقة التي يستعملها الإنسان تبلغ (٨) بلايين كيلو جول أو (٨) بلايين كيلو وات لكل ثانية، أي (٨) تيراوات لكل ثانية، فإذا قسمنا هذه الكمية على (٤) بلايين آدمي يعيشون فوق هذا الكوكب لتَّضح أن نصيب الفرد في المتوسط هو (٢) كيلو وات، بينما يقل في الدول الفقيرة ليصل إلى (٠.١) كيلو وات، وإذا كانت الأرض تتلقى كما ذكرنا (١٨٠.٠٠٠) تيراوات، بينما تستهلك البشرية (٨) تيراوات فقط فإنه يبدو جلياً أن الشمس تعطينا طاقة تبلغ (٢٢) ألف مرة زيادة عما نحتاجه نحن البشر.
ولهذا فإن الطاقة الشمسية تُعد أكثر من كافية لتغطية حاجات الإنسان على الأرض، وأكثر من هذا فإن الإشعاع الشمسي يُعَدُّ مصدراً لا ينضب للطاقة وقد قدّر الفلكيون أن الشمس فيها من الهيدروجين في جزئها المركزي ما يكفي لإطلاق كمية من الطاقة على المستوى الحالي لأكثر من خمسة بلايين عام أُخر إلى آخره من جنس هذا الكلام الذي يحسن عند قراءته أن يقول الموفق: الحمد لله الذي عافانا مما ابتلى به كثيراً ممن خلق.
стр. 397
والذي ذكره الله سبحانه عن الشمس أنها سراجاً وضياءً وسمّاها الشمس، كذلك سماها رسوله ﷺ .
أما تسميتها بالنجم فهذا اقتداء بالمعطلة الضُّلاّل بأن هناك ملايين مثلها يسمونها نجوماً فكذب وباطل، وما ذكر الله ورسوله ﷺ إلا شمساً واحدة لكن هذا على مقتضى نظريات المعطلة الخيالية الباطلة، وتقدم ولله الحمد هدْم هذا البناء من أصله.
والشمس والقمر في السماء المبنية الشفافة، وهم يصفونها بما يناسب أصولهم الفاسدة.
وقد ذكر شيخ الإسلام قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقاً * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً).
ثم قال: قالوا: فاخبر الله أن القمر في السموات.
وقال: والشمس والقمر في الفَلك كما أخبر الله تعالى، وذكر ﵀ أن الفَلَك هو السماء قال بعد أن ذكر قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ).
وقوله تعالى: (لا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ).
стр. 398
وقال: وأمثال هذه النصوص الدالة على أن السماء مشاهَدة، والمشاهَد هو الفلَك فدلّ على أن أحدهما هو الآخر. انتهى (١).
والمراد أن الشمس واحدة وأنها في السماء وهم يصفون الكون على مقتضى نظريات ليست خارج أدْمغتهم الخاوية المظلمة.
стр. 399
(ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) الآية
وقال السبيعي تحت عنوان:
* تلوث البيئة:
* تلوث البيئة وتآكلها:
قال تعالى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (١).
تحدثنا عن الشمس وتبينّا عظمة الخالق إذ جعلها طاقة نظيفة صالحة للحياة وها نحن نتحدث الآن عن وجوه التصرف التي يتصرف بها الإنسان بالطاقة النظيفة فيفسدها ويهيئها للدمار برعونته فنقول:
تتعرض البيئة التي تحيط بالكرة الأرضية إلى تغيرات فتاكة وجذرية رهيبة تهدد الحياة بالتراجع، وتفسد البيئة فتقضي على كثير من مظاهر الحياة النباتية والحيوانية والإنسانية وذلك منذ أن بدأ الإنسان حضارته الصناعية.
هناك أنهار تجف، ومحيطات يمكن أن تفيض، وجليديات (ظلت جامدة ألوفاً بل مئات الألوف من السنين) تتعرَّض لاحتمالات الذوبان،
стр. 400
وإذا بدأ ذوبانها فسيرتفع منسوب المياه في كثير من المحيطات والبحار، فيختفي كثير من المدن الساحلية تطغى عليها مياه البحار. إلى آخره (١).
هكذا يكون التلاعب بكلام الجليل وصرف معانيه إلى هذا التخريف حيث جعل الفساد فساد البيئة ولم يذكر المعاصي.
قال ابن كثير: أي بأن النقص في الزروع والثمار بسبب المعاصي.
وقال أبو العالية: من عصى الله في الأرض فقد أفسد في الأرض لأن صلاح الأرض والسماء بالطاعة. انتهى.
وقد قال تعالى: (وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا) وإصلاح الأرض بالنبي ﷺ حيث أصلحها بشرع ربه والإفساد فيها التغيير والإحداث والمعاصي.
أما أن تصرف معاني كلام الرب سبحانه إلى ما ذكر هذا ونحوه فهذه والله من المصائب العظيمة.
стр. 401
رد الباطل بالباطل يُغري أهل الباطل
ومما يلفت النظر وهو ظاهر بيّن أن الذين يكتبون عن هذا العلم الحديث وكشوفاته ينقلون ما يقوله الكفرة وكأنه قرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ويعلم الناظر في عملهم هذا أنهم قد وطَّنوا نفوسهم لقبول هذه المحالات والهذيانات.
وحتى أنه لو تطاول أحد من هؤلاء ليردّ بزعمه على أرباب هذه العلوم فإنه لا يستطيع الرد عليهم إلا بالإقرار بباطلهم ومشاركتهم فيه فيكون كمن يُطِبّ زكاماً فيورث جذاماً، وخذ مثالاً على ذلك صاحب كتاب (الإسلام وارْتياد القمر) أراد بزعمه أن يُهَوّن شان وصول القمر والمريخ بأن الكوْن واسع فدخل في ضلالهم من سعة الفضاء وما تخيّلوه فيه وأتى بالطامات فهو يرد باطلاً بباطل بل وما ردّ الباطل بل أقرّه فتأمل.
* قال تحت عنوان: القمر والمريخ هل هما أقطار السموات والأرض؟
هل القمر والمريخ هما أقطار السموات والأرض؟
ولو سلمنا جدلاً أن المراد من الآية هو النفوذ من أقطار السموات والأرض في الدنيا فهل القمر والمريخ والزهرة بل والمجموعة الشمسية كلها
стр. 402
هي أقطار السموات والأرض وأن هذا الكون الواسع محصور بها، ونحن نرى الشمس والقمر في أُفقنا المحيط بنا فقط، دع جميع الآفاق التي لا تعد في الدنيا فإنا نراهما بحجم الرغيفين وإن أُفقنا وحده وهو الفضاء الذي يبلغه نظرنا وهو أكبر منهما بملايين الملايين من المرات فكيف ببقية الآفاق.
وقد ثبت حتى الآن ضخامة المجهود والطاقات المطلوبة للنفاذ من جاذبية الأرض للوصول إلى القمر وهو أقرب الكواكب في المجموعة الشمسية إلى الأرض كما ثبت أنه أصغر من الأرض خمسين مرة، فلقد بذل الكثير من المجهودات العلمية الضخمة في شتى الميادين الهندسية والرياضية والفنية والجيولوجية فضلاً عن التكاليف الخيالية المادية التي أُنفقت في ذلك وما زالت تنفق ويدل على ذلك دلالة واضحة قاطعة على أن النفاذ المطلق من أقطار السموات والأرض التي تبلغ ملايين الملايين من السنين الضوئية (١) لإنس أو جن مستحيل.
وإليك البيان والدليل معتمداً فيما أقول على أدق المباحث وأحدثها والتي تذيعها أوربة وأمريكة.
стр. 403
جاء في مجلة (هنا لندن) وهي مجلة البرامج العربية الأعداد ١٩٦، ٢١٦، ٢١٧ قالت: الأرض كوكب سيار يدور حول الشمس والشمس واحدة من شموس عديدة متباينة الأوصاف والأقدار والطبائع تؤلف بمجموعها نظاماً ضخماً أطلق عليه اسم المجرة وهو يفوق في ضخامته وفحواه حدود التصور وقد شبه بعجله أو بحبة عدس يبلغ قطرها مئة ألف سنة ضوئية، والمجرة تدور على مركز فيها فتتم الدورة في مئتين وعشرين مليون سنة، وتنشئ في دورانها أذرعاً منحنية على جسمها الرئيسي فتصير فيها كأنها حلزون، وفي إحدى هذه الأذرع يقع نظامنا الشمسي على بعد خمسة وعشرين ألف سنة ضوئية من المركز وقالت مجلة (هنا لندن) وهذه المجرة مجرتنا تحتوي على مئة ألف مليون شمس، والمسافات بينها شاسعة جداً حتى ليمكن أن يقال أن معظم الحيز الذي تشغله المجرة هو فراغ أو قريب من الفراغ لأن ما يبدو خاوياً وفراغاً يحوي سحباً لطيفة من مادة غازية كونية أو غباراً أو من ذرات سائبة وبخاصة ذرات الأيدروجين.
وما أن أخذت هذه الصورة للمجرة في الاتضاح حتى وقف العالم يسأل أهذا هو الكون كله؟ وذلك في أوائل هذا القرن، ولكن بتقدم العلم فيما بعد ذلك اتضح أن هذه السدُم عوالم نجمية ضخمة واقفة خارج مجرتنا وأن كلا منا مجرة قائمة بذاتها وتضم أُلوف الملايين من
стр. 404
النجوم فأطلقوا عليها أوصافاً مختلفة كقولهم السدم الواقفة خارج مجرتنا أو العوالم الجزرية على اعتبارها جزراً كبيرة في خضم الكون وهي تبدو للعين المجردة غبشة الضياء لبعدها فتعجز العين عن تبين النجوم التي تتألف منها، ولكن وسائل الرصد الحديثة بينت عدداً كبيراً من نجومها بالنظر المرقبي أو على لوحات التصوير المباشر أو على لوحات التصوير الضوئي.
وقد قدر ما يمكن تصويره منها بمرقب (بالومار) بكاليفورنيا بمائة ألف مليون شمس ولو كان بالوسع صنع مرقب قطر مرآته ضعف مرقب (بالومار) لزاد عدد ما يصور منها أضعافاً، ومنذ أن استطاع العقل البشري العلمي أن يستعين بالعدسات والآلات ورأى هذه المجرات وحركاتها ظهر له مل يحير العقول ويذهل اللب فاعترف هؤلاء العلماء الباحثون بخالق هذا الكون ومكونه والكواكب ومكوكبها واستدلوا بها على واسع علمه وعظيم حكمته إذ ظهر لهم أن الأبعاد بين هذه المجرات لا تقاس إلا بالملايين من سني الضوء إذ أن اقرب مجرة إلى مجرتنا التي تبدو في صورة المرآة (المسلسلة) وهذه تبعد عنا ألفي مليون سنة ضوئية (١) وأما المجرة التي فيها الدب الأكبر فتبعد عنا ثمانية ملايين سنة ضوئية، وأما هذه التي في عنقود (السنبلة) أو العذراء فإنها تبعد اثنين وثلاثين مليون سنة
стр. 405
ضوئية، وأن من هذه المجرات ما يبلغ بعده عنا أُلوف الملايين من السنين الضوئية، وأين سير الصوت أو الصاروخ من سرعة الضوء وكم ألف مليون سنة يعيش هذا البشر حتى يخترق هذا الكون وليس معنى من حمل شعيرة أنه قادر على حمل طود شامخ راسخ وليس معنى أن من قدر على رشف كوب ماء من النهر أنه قادر على جرع المحيطات، فهذا مثل الوصول إلى القمر وسبر أغوار هذه العوالم.
وقد ذهل الفلكيون عندما وجدوا أن المجرات وشمسنا معها تجري مبتعدة عنا بسرعة ألوف الكيلو مترات في الثانية الواحدة، وكلما أمعنوا في رصد مجرات بعيدة ازدادت هذه السرعة بهذا القياس فإذا سرعتها على ما عرف حتى الآن مئة ألف كيلو متر في الثانية أي ثلث سرعة الضوء تقريباً وقد أعادوا النظر مراراً للتأكد فما ازدادت السرعة إلا ثبوتاً.
فسبحان الذي يُظهر آياته في هذا الكون للباحثين ليشهدوا حكمته وعلمه وإبداعه، ويروا كل شيء دالاً عليه ومشيراً إليه قال سبحانه: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ).
وأعجبني ما قالته مجلة (هنا لندن) بعد الكلام على عظمة الكون وعلى المجرات وسير الضوء وسعة الفضاء الذي ما استطاع أحد أن يعرف مداه ولا مبتداه ولا منتهاه.
стр. 406
قالت: وحيال هذه الأرقام التي تفوق التصوّر يحسن بالناس عندما يتحدثون عن غزو الفضاء بمركبات فيها أحياء من الأرض أن يقللوا من غلوائهم ويعرفوا قدر أنفسهم.
أقول: وذلك لو أنهم ركبوا الضوء لا المركبات ملايين السنين لما فعلوا شيئاً ولما نفذوا من هذا الكون لسعته وسعة الفضاء فتعالى الله القائل: (وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ).
* حكمة رائعة في مراكز النجوم:
الشمس والقمر لكل منهما خط لا يتعداه ومركز لا يتجاوزه والشمس بالنسبة لنا هي أهم الكواكب لأننا نحن سكان هذه الأرض التي نعيش على سطحها ونعيش على ضوئها وحرارتها وجاذبيتها نحن وزروعنا وضروعنا بل وجميع حيواناتنا.
هذه الشمس ليست هي أكبر ما في السماء من الأجرام بل هناك ملايين الملايين من النجوم وفيها ما هو أكبر من الشمس وأشد حرارة وضوءاً فالشعرى اليمانية أثقل من الشمس عشرين مرة ونورها يعدل خمسين ضعفاً من نور الشمس.
والسماك الرامح حجمه يعدل حجم الشمس ثمانين مرّة، ونوره يعدل ثمانية آلاف ضعف من نور الشمس وحرارتها، وأما سهيل فهو أقوى من الشمس بألفين وخمسمائة مرّة.
стр. 407
ثم إن حجم الشمس وبعدها وسيرها وكذلك حجم القمر وبعده ودورته كلها بحساب لا يتصور في العقل ولا في الوهم أدق منه وذلك حسب مصلحتنا واحتياجنا، قال الدكتور: عبد الرزاق نوفل: فالشمس تبعد عن الأرض اثنين وتسعين مليون ونصف المليون من الأميال ولو كانت أقرب إلينا من هذا لاحترقت الأرض أو انصهرت أو استحالت بخاراً يتصاعد في الفضاء، ولو كانت ابعد عنا من هذا القدر لأصاب التجمد والموت كل ما على الأرض من نبات وحيوان، وقال الدكتور: نوفل أيضاً في كتابه (الله والعلم الحديث) والذي يصل إلينا من حرارة الشمس لا يتجاوز جزءا من مليوني جزء من حرارتها، وهذا القدر الضئيل هو الذي يلائم حياتنا فهو نظام دقيق وأمر مقصود ولا بد للنظام من منظم كما انه لا بد للقصد من قاصد، وهو يدل على التوحيد دلالة الكلام على وجود المتكلم وحياته، وذلك أن وحدة النظام تدل على وحدة المنظم. انتهى (١).
إنه لا أحد يستطيع رَدّ باطلهم إلا بمقابلته بالحق، وليس الشأن أن
стр. 408
يُقرّوا به أو لا يُقِرّوا، وأيّ وزْنٍ لهم؟ إنما الشأن أن رَدّ الباطل لا يستقيم إلا بأدلة الحق، ورد الباطل بالباطل إغراء للمبطل.
ومن العجب أن الذين ينتسبون للإسلام ويَدّعون إعجاز القرآن يظنون أنهم بالإقرار بهذا الكون المتخيَّل وذِكْرِه يعظمون الخالق ويدعون إليه وقد لا يشعرون بما وقعوا فيه من الضلال.
ومثال صنيعهم هذا مثال إنسان قال لملك من الملوك وهو بزعمه يمدحه ويثني عليه: أنت تملك جميع البراري والبحار وجميع القرى والأمصار، مُلككَ لا يُحد, ورعاياكَ لا تُحصى ولا تُعد.
فهل يكون هذا الكلام مقبولاً لدى الملك؟ أم أنه يرى أن هذا الإنسان قد أعلن عن جهله وغباوته؟ وقد يرى أنه يسخر به.
وهل يليق أن يُثنى على ملك الملوك سبحانه بأن يقال: أنت الخالق للإنسان وبقدرتك جعلته أكبر من الجبل وخلقت له خمسين عيناً وستين أذناً وسبعين رجلاً وثمانين يداً؟.
معلوم أن هذا لا يقوله من يعقل.
وتأمل الآن الجاهلي واعلم أنه لا يَسْتحسنه إلا من استبدل الواقع بالخيال والحقيقة بالمحال، إنه يقول:
ملأنا البَّر حتى ضاق عنا ... وماء البحر نملؤه سفينا
إذا بلغ الرضيع لنا فطاماً ... تخرّ له الجبابر ساجدينا
стр. 409
وارجع الآن إلى وصف الكون المتقدم وانظر هل يليق أن يُمدح الله بهذا؟ أو أنه كذب وضلال؟
وليس الكلام على القدرة فالرب سبحانه قادر أن يخلق من العوَالِم ما لا يحصى ولا يُعَدّ، فالقدرة صالحة إنما الشأن بالواقع الذي يُصَدّقه كلام الله وكلام رسوله ﷺ ، أما هذيان المعطلة فيليق بهم وخيالهم ثمرة من ثمار كفرهم وتعطيلهم، ولا بد من التفريق بين الصور الذهنية والخارجية الحقيقية، فالأولى لا حَدَّ لها إذا لم تطابق الحقيقة الخارجية لكنها لا تخرج عن محيطها الذهني وهي تصوّر باطل.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ولهذا يمكن تقدير أشكال بعضها أكبر من بعض بلا نهاية لها، ولا يلزم من إمكان تقدير ما لا نهاية له إمكان ذلك في الخارج. انتهى (١).
تأمل قوله: وتقدير أشكال بعضها أكبر من بعض بلا نهاية فهذا خيالهم في السديم والمجرات، وقوله: وأبعاد لا نهاية لها، مثل خيالهم في سعة الكون وسنينهم الضوئية التي لا نهاية لأبعادها، وبلايينهم في نشأة الكون ونهايته وغير ذلك.
من الأحقاب والعصور الداروينية كما فيما يسمى (السجل الجيولوجي).
ويقول ابن القيم ﵀ مما ينطبق على هؤلاء أيضاً: وكثيراً ما يترائى
стр. 410
في النفس صور ليس لها وجود حقيقي فيظنها الذي قد أثبتها في نفسه علماً وإنما هي مقدرة لا حقيقة لها، وأكثر علوم الناس من هذا الباب. انتهى.
العجيب أنه ﵀ يقول: وأكثر علوم الناس من هذا الباب، وتأمل انطباق هذا على أرباب هذه العلوم والكشوف وأن ذلك صُوَر تترائى لهم في نفوسهم المظلمة وليس لها وجود حقيقي، وانظر الآن ما قال صاحب كتاب (الإسلام وارتياد القمر) ص٢٧ قال:
وقال الدكتور نوفل: والمشكلة التي حيّرت العلماء هي أن الشمس كما يؤخذ من علم طبقات الأرض لم تزل تشع بنفس المقدار من الحرارة الذي كانت تشعه منذ ملايين السنين، فإن كانت الحرارة الصادرة عنها نتيجة احتراقها فكيف لم تفن مادتها على توالي العصور، فلا ريب أن طريقة الاحتراق الجارية فيها غير ما نعهد ونألف وإلا لكفاها ستة آلاف سنة لتحترق وتنفد حرارتها لأنها تفقد أربعة ملايين طن من وزنها في الثانية بسبب إحتراقها ولكنها لم تزل تجدد وزنها وحجمها فسبحان الذي أحسن كل شيء خلقه ثم هدى.
قال مدير مرصد هافارد الدكتور دونالد متزل: إن الشمس تبعث إلينا طاقة تعادل خمسة آلاف بليون قنبلة هيدروجينية في كل ثانية وأنها
стр. 411
آية من آيات الخالق جل وعلا مع أنه لا يصل إلينا إلا جزء من مليوني جزء من حرارتها.
وما الشمس إلا كوكب من مئات ألوف المليارات من النجوم التي تدور في خضم الفضاء الواسع، وقد اكتشفوا كوكباً هو أكبر من المجموعة الشمسية كلها بثمانية وأربعين مليون مرة.
وما الأرض بين الكائنات التي ترى ... بعينيك إلا ذرة صغرت حجما
وأنت على الأرض الصغير ذرّة ... تحاول جهلاً أن تحيط بها علما
ولقد سلخ البشر عشرات القرون وهم يعتقدون أن من النجوم متحركاً وأن منها ثوابتاً لا يروم مكانه، ولكن العلم اليوم أثبت أن الكواكب كلها متحركة وجارية وإن لم تدرك العين المجرّدة حركتها وهذا آخر ما توصل إليه العلماء بَيْدَ أن القرآن العظيم أثبت هذا منذ أربعة عشر قرناً فقال لا في مكان واحد بل في أكثر، ففي سورة يس: (وَآيَةٌ لَّهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ * وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) وقال في سورة الأنبياء: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ).
стр. 412
وسيَّر هذه الكواكب بحساب عظيم الدقة والأحكام كما أسلفنا ولولاه لما عرف الفلكيون الخسوف ولا الكسوف ولا عينوا وقتيهما بالضبط، فبدقة السير لم يقع اصطدام وبدقته كانت الفصول الأربع وحساب الأشهر والأهلة والمواقيت وبه عرف مقدار الليل والنهار في كل فصل وعرف الشروق والغروب في كل يوم وصدق الله تعالى القائل: (والشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ) وكل حسبان في القرآن فالمراد به الحساب والعدد إلا حسباناً من السماء فتصبح صعيداً زلقاً، وإن وقوف البشر على ما أودع الله في السماء والأرض مما يدعو إلى الإيمان واليقين لا إلى الجحود وقلة الدين وإلا لما قال تعالى: (قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ).
стр. 413
آثار نشأة الكون على نظرية داروين
كثيرون من المعاصرين ردوا نظرية داروين وأما أصل أصول المعطلة الذي أوْجب لداروين أن يقول ما قال فلم يتعرضوا له ولم يعترضوا عليه بل قلّدوهم فيه بعماية ما مثلها عِماية.
وإليك مثالاً لذلك ما ذكره صاحب كتاب (الإعجاز الإلهي) في ردّه نظرية داروين مع إقراره بما أصلّوه من بداية الكون فهو يحتج على داروين وأضرابه بقوله: وهل شاهد أحد من الفلاسفة الكائنات الدنيا وهي تشكل تِلقائياً من الجماد؟ وهل شاهد أحدهم تطوّر الكائنات الدنيا حتى أضحت أكثر تعقيداً وكمالاً؟.
وكما أسلفنا يدَّعي الماديون أن الكون تشكَّل قبل ١٥٠٠٠ مليون سنة عندما حدث الانفجار الكبير، ثم ظهرت الحياة على سطح الأرض بشكل تلقائي قبل ملياري سنة، وكانت تقتصر على كائنات دقيقة بدائية تمخَّضت لاحقاً عن كافة المخلوقات التي تدب على سطح الأرض.
لقد زعم الماديون أن العقل الحصيف لا يؤمن إلاَّ بما يراه ويلمسه ويتعامل معه, ولذلك فهم لا يؤمنون بالله العلي القدير، فإذا اعتبرنا ترّهاتهم صحيحة، فإننا نسألهم: كيف آمنتم بالانفجار الكبير الذي
стр. 414
حدث قبل ١٥ مليار سنة من دون أن تروه؟!! وهل عاصرتم الكون وهو يتشكل من ذرات الهيدروجين المبعثرة في الفضاء الفسيح؟ وهل شاهد أحد الفلاسفة الكائنات الدنيا وهي تتشكل تلقائياً من الجماد؟ وهل شهد أحدهم تطور الكائنات الدنيا حتى أضحت أكثر تعقيداً وكمالاً؟.
لقد جحدوا وجود الله لأنه لم يتراءَ لهم، ولأنهم عجزوا عن مشاهدته لضعفٍ في بنيانهم وقدراتهم، ولم يجحدوا نظرياتهم ولا النشوء الذاتي ولا التطور على الرغم أنهم لم يعاصروها ولم يلمسوا شيئاً منها ولم يتمكنوا من متابعتها في المستحدثات!!.
لقد شيّدوا صرحاً من الزيف والتزوير والافتراء والتدليس والأوهام والتشكيك ثم كسوه بفلسفاتهم المادية الملحدة، فجاء كبنيان حقير واهن من الثلج أبدعته أيدي أطفال عابثين، فلما أشرقت شمس الحقيقة خرَّ وذاب وصار أثراً بعد عين.
إن جحودهم هذا لوجود الله كجحود الأعمى لأشعة الشمس، إنه جحود واهن مضحك لا يؤخذ به، لأنه لن يغيِّر من الحقيقة ومن وجود الشمس أبداً. انتهى.
فيقال: كذلك السديم المزعوم لم يُعاصروه ولم يلمسوا شيئاً منه ولم يتمكنوا من متابعته وهو يدور فَتَتَولّد منه المجموعات الشمسية التي تُكَوِّن المجرات الملايين والبلايين.
стр. 415
إن الذي ألْجأ داروين إلى اعتقاد نظريته القرديّة هو اعتقاد إخوانه من القرود الذين تخيَّلوا الكون على ما يليق بضلالهم وكفرهم، وقد استحكمت الفتنة فصارت مشتركة إذْ قلّدهم في ذلك العرب وكثيرون ممن ينتسبون للإسلام.
وإن الاعتراضات الواردة على نظرية داروين واردة وأعظم منها وأكثر على نظرية السديم المزعوم في بداية الكون والمجرات الخيالية.
قد يقولون: إن نظرية داروين نفي للخالق، فيقال لهم: ونظرية السديم أيضاً ليس للخالق فيها ذكر ولا هي فعله، فإذا قالوا: نحن جارَيْناهم في نظرية السديم وخالفناهم في الإلحاد حيث نثبت أن الله هو خالق السديم وذرّاته وهو الذي جعله يدور، وجعل الأرض تدور أيضاً بسبب انفصالها من دورانه، كذلك هو المكوِّن لبلايين المجرات، وهو الذي يجعل الكون يتسع.
فيقال لهم: قد وُجد منكم من يُقرّ نظرية داروين وأحسن أحواله أنه يشك فيها ومع هذا يثبت الخالق وأنه خلق المخلوقات على الكيفية التي ذكر داروين، وأنتم ترفضون أن تكون بداية المخلوقات هكذا وبداية الإنسان هكذا حيث اسقط الداروينيون كرامته وتميّزه عن أي حيوان آخر، فلماذا قبلتم نظرية السديم والدوران والمجرات الخيالية مع إثبات الخالق ورفضتم نظرية داروين لما تبنّاها من يُثبت الخالق؟.
стр. 416
إنه تناقض بَيّن، وإن من حكمة الإله الحق سبحانه أنه لا يُساوي بين مختلفَيْن ولا يُفرق بين متماثِلَيْن، ومن اعتقد خلاف هذا الأصل ظهر تناقضه ولا بُد.
والعجب أن نظرية داروين مرْفوضة بإقرار أهلها فقد قال: (آرثر كيت) وهو دارويني متعصّب قال مُعْترفاً: إن هذه النظرية لا تزال حتى الآن بدون براهين وستظل كذلك، والسبب الوحيد في أننا نؤمن بها هو أن البديل الوحيد الممكن لها هو الإيمان بالخلق المباشر، وهذا غير وارد على الإطلاق. انتهى.
أنظر إقرارهم وعنادهم وأنهم يهربون إليها كي لا يتعرفون بالخالق.
وإذا كانت نظرية داروين مبنية على ظنون وحلقات منفصلة كما يزعمون فما الذي جعل نظرية السديم ودورانه يقيناً حتى أصبح في عصرنا من المسلّمات عند كثير من المقلِّدة أن الأرض تدور والذي هو فرع من دوران السديم، وأن الأرض تنتمي إلى المجموعة الشمسية والكل يدور.
إن الذي يَرِدُ على هذه النظريات بالإبطال والنقص أعظم مما يَرِدُ على نظرية دارون أو مثله.
وقد تقدم تفنيد نظريات نشأة الكون والانفصال والدوران، وهنا أنقل بعض ما ذكره صاحب كتاب (من الإعجاز العلمي في القرآن
стр. 417
الكريم) عن تعدد هذه النظريات واضطرابها، فذكر:
أولاً: نظرية كوبرنيكوس الذي أكّد أن الشمس هي النجم العظيم الحجم وأن جميع أفراد المجموعة الشمسية تدور حول الأم الشمس.
ثانياً: نظرية نيوتن في الجاذبية، وقد تقدم الكلام على هذا.
ثالثاً: نظرية إيمانويل كانت.
رابعاً: نظرية لا بلاس.
خامساً: نظرية توماس.
سادساً: نظرية الشمس التوْأمية.
سابعاً: نظرية السحب السديمية.
ثامناً: نظرية ميلاد النجود الجديدة.
تاسعاً: نظرية الإنفجارات النووية.
هذه النظريات وغيرها تتابعت مضطربة مختلفة من أراد النظر في اختلافها وتخرص أهلها وظنونهم فليراجعها في مضانّها، لأن المراد هنا أن نظرية المجموعة الشمسية ودوران الأرض معها أصبحت مُسَلّمة وهي هذيان.
ولما أورد صاحب كتاب (من الإعجاز العلمي في القرآن الكريم) هذه النظريات قال: ص٢٥٠.
стр. 418
* العلم الحديث ونشأة الكون:
عجز الإنسان إذن، عن الوصول إلى معرفة نشأة الكون وعناصره، وفي ظل التقدم السريع لكافة أفرع العلوم المختلفة خلال هذا العصر، بقي الفكر البشري عاجزاً عن معرفة نشأة أي من الشمس أو القمر أو غيرهما من عناصر الكون، وسيبقى كل ما في الكون حتى قيام الساعة علامان ودلائل لقدرة الله في الخلق.
وقال أيضاً: وعلى الرغم من تعدد الآراء والنظريات التي قدمت منذ بداية هذا القرن لتفسير نشأة المجموعة الشمسية، إلا أنه كما يذكر الأستاذ سمارت W.M Smart أننا ربما لن نعلم الطريقة الحقيقة التي تكونت بها كواكب هذه المجموعة وكيف جاءت إلى الوجود. انتهى.
ومع أن هذا الكاتب يقول هذا الكلام عن هذه النظريات إلا أنه غارق فيها وسوف أنقل من كلامه ما يبين ذلك، والمراد أن الاضطراب والنقد والتعارض حاصل بينهم في نشأة الكون.
وقد نقل هذا الكاتب نفسه في كتابه (من الإعجاز العلمي) كلام من سماه العالِم هارولد أوري أنه قال: عندما يعرض باحث لمشكلة نشأة الأرض وتفسير ميلادها يجد نفسه في حاجة ماسَّة إلى معجزات إلهية تُساهم في هذا التفسير مهما كانت دِقّة المناهج العلمية التي يستعين بها. ص٢٤٧.
стр. 419
عجائزنا ومجانيننا خير من علماء المعطلة
وقال صاحب كتاب (من الإعجاز العلمي في القرآن الكريم) ص٣١ وكلما تقدمت البشرية وارتقت في الحكمة والمعرفة وقفتْ على أنواع جديدة من وجود الإعجاز العلمي في القرآن واستبصرت لمعارف جديدة لم يكن يدركها العلم الوضعي من قبل. انتهى.
لما فُتِنَ هؤلاء بهذه العلوم ولم يجدوا أن السلف تكلموا فيها ظنوا أنهم اسْتأثروا بعلم وفهم، وأن هذا معنى من معاني الرُّقِيّ المزعوم والتقدّم الموْهوم وقد فرحوا بهذا العلم وظنوا أن الحكمة والمعرفة قد أيْنَعت في هذا الزمان وحانَ قطافها، ورحم الله امرءاً عرف قدْر نفسه, إني أهيب بهم أن يَحّطوا من غلْوائهم وأن ينظروا موَاضع أقدامهم، وليعلموا انه ينطبق عليهم بالمقارنة للسلف الصالح والفرق بين الفريقين هذا البيت:
لا تَقْرِنَنْ ذكرنا لذكرهِمُ ... ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد
فكيف يقول هذا: وكلما تقدمت البشرية وارتقت في الحكمة والمعرفة؟ أما عَلِمَ هؤلاء الخلوف أنهم بذلك يطعنون بخير القرون ويتنقصونهم، وكذلك سلف الأمة الذين ساروا على نهجهم؟ إنه الغُرور.
стр. 420
وقد ذكرت فيما تقدم أن عجائز أهل الإسلام ومجانينهم خير من علماء المعطلة، وقد وجدت كلاماً لشيخ الإسلام ابن تيمية في ردّه على أهل المنطق من المتفلسفة وأهل الكلام ونحوهم يشبه هذا وقال: وأقَلّ أتباع الرسل إذا تصوّر حقيقة ما عندهم وجده مما لا يرضى به أقلّ أتباع الرسل. انتهى (١).
وذكر أيضاً أن من هو أضعف عقلاً وعلماً، من آحاد علماء الأمة لا يرضى لنفسه أن يسلك طريقة هؤلاء المنطقيين بل يعدّونهم من الجهال. انتهى.
إن أشرف العلوم وأرفعها على الإطلاق عند أهل الإسلام وفي الذروة منه والقمّة أصحاب رسول الله ﷺ ورضي الله عنهم وهو العلم بالله وبدينه الموجب للعمل بمقتضى ذلك، ومن سلك لهذا العلم والعمل غير طريق الرسول ﷺ فهو ضال والطريق عليه مسدود.
أما أعداء الله فيُفنون أعمارهم في علم السفليات ويأتون بعد الجهد الجهيد بالأباطيل والسخافات وإنما شرف العلم بشرف معلومة فتأمل مُتَعلّق علوم المسلمين ومتعلَّق علوم الكفرة يتبين لك الفرق بين الثرى والثريا.
стр. 421
(أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا) الآية
وذكر صاحب كتاب (من الإعجاز العلمي) ٢/ ٢١.
(أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) (١).
وقد اختلف المفسرون في تفسير (أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ... ) فقال بعضهم إن ذلك يدل على خراب أرض المشركين وقبض أهلها، وقال بعضهم الآخر إن ذلك معناه هلاك العلماء في الأرض وموتهم.
وقال الإمام الفخر الرازي: (أولم يروا أن كل ما يحدث في الدنيا من الاختلاف خراب بعد عمارة، وموت بعد حياة، وذل بعد عزة، ونقص بعد كمال).
وأطراف الشيء هي أبعد أجزائه عن وسطه أو مركزه، وبالنسبة لكوكب الأرض، فإن أطرافه تتمثل في ناحيتين هما:
أ- القمم والهامات العليا للجبال، وهي التي تمثل الأطراف الرأسية لقشرة الأرض، وهذه الأطراف العليا تناقص في الارتفاع تبعاً لتآكلها
стр. 422
ونحتها المستمرين بفعل عوامل التجوية والتعرية.
ب- أطراف الكرة الأرضية عند القطبين، وتبعاً لتفلطح منطقتي القطبين أدى ذلك إلى تناقص طول القطر القطبي عن طول القطر الاستوائي، وهذا الأمر له أثره في اختلاف زاوية سقوط الأشعة الشمسية على سطح الكرة الأرضية واختلاف الليل والنهار طولا وحرارة على أجزاء سطح الأرض وتوضح الآيات القرآنية أن هذا التناقص مستمر إلى يوم الساعة، ومن ثم جاء الفعل بصيغة المضارع (ننقصها)، يقول المولى : (بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلاء وَآبَاءهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ) (١). انتهى.
هكذا تصرف معاني القرآن تبعاً لهذه العلوم الضالّة، ومعلوم أن الله سبحانه لم يُرد بكلامه ما يقول هذا فإن تناقص الأطراف العليا في الارتفاع نتيجة التآكل المزعوم لا يُرى ولا يُحسّ به، هذا على تقدير حصوله، فإن هذا يحصل على مقتضى علومهم بعد السنين الطويلة بشكل يسير قد لا يُشعر به.
والرب سبحانه لا يخاطِب عبادة بهذا، ولا يُحيل معاني كلام الله إلى مثل هذه الإحالات إلا من يسْتهين بالقرآن.
стр. 423
وقد قال ابن عباس في معنى هذه الآية: أولم يروْا أنا نفتح لمحمد ﷺ الأرض بعد الأرض.
ويقال: وما هو المعنى المتحصل من ذكر ما سماه هذا التعْرِيَة والتجْوِيَة وأن يُلْفَت نظر العباد وتفكّرهم إلى أشياء دقيقة لا يُحِس بها أكثر الخلق وتقوم على الخرص والظن، فكلام الله يُصان عن هذا التلاعب، وإنما هي المجاراة.
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
تأليف
عبد الكريم بن صالح الحميد
١٤٢٢هـ
стр. 424
الملحقات
تعليل أقدار الجليل
كان الإلهُ وليس شيئاً غيرهُ ... وهو الجليلُ وعَزَّ ذُو السلطانِ
كَمُلَتْ له أوْصافهُ وتَقَدَّستْ ... عَمّا يُشَابِهُ مِنْ مثيلٍ ثاني
فاعرفْ إلهكَ قبل مخلوقاتهِ ... إذْ لا وُجُودَ لِهذه الأكوان
هو محسنٌ هو راحمٌ هو واهبٌ ... ليس العذابُ مُرَادَ ذي الإحسان
واعرفْهُ قبل وجود مخلوقاتهِ ... ملكٌ حليمٌ ليس بالغضبان (١)
والشرُّ ليس إليه ﷻ ... فاعرف إلهك أحسنَ العرفان
وَلِحِكْمَةٍ خَلَقَ الشرورَ بِمُلكهِ ... وهو المقدِّرُ كُفْرَ ذي الكفران
إبليسُ خالِقُهُ وخالقُ كفرهِ ... وكذلك الأتباعُ بالطغيان
أقدارهُ سبقتْ وليس بُمجْبَرٍ ... بل باختيارٍ منه ذَا العصيان
هو قد أراد إرادةً كَونيةً ... أنّ الفسوقَ يكونُ في الإنسان
هي حكمةٌ قد شاءَها لِمصالحٍ ... ومقاصِدٍ عُلِمَتْ لِذِي الإيمان
منها ظهور صفاتِهِ وجلالها ... مثل الغفور يجود بالغفران
وكذلك التوابُ ﷻ ... ولِذاكَ يَخْلُقُ طاعة الشيطان
لِيكون إغْوَاءً ودَعْوةَ باطلٍ ... وهو ابتلاءُ العبد بالفرقان
стр. 425
ليعود منكسراً ذليلاً عبدُهُ ... يرجوه مغفرةً لما هو جاني
حِكَمٌ تجلُّ وَعَدُّها مُتعذِّرٌ ... هذي الإشارةُ حَسب ذي العرفان
أما الذي ما تاب من كفرانه ... فله الوعيد بدائِم النيران
وله الخلود مُؤبّدٌ تعذيبهُ ... جِلْدٌ سَيَنْضُجُ مُعْقَباً بالثاني
ليس الخروج بحاصِلٍ أبداً لهُ ... هذا جزاءٌ جاء بالقرآن
واتى بسُنّةِ من عليه صلاتنا ... وسلامنا في دائم الأزمان
لكن هذا دائمٌ بدوامها ... والنار ليس تدومُ بالبرهان
اعرف إلهك ليس في أوصافهِ ... شرٌّ وليس مرادُهُ العدوان
إن العذابَ دواءُ من هو فاسدٌ ... كالحَدِّ في الدنيا لذي العصيان
من قال إن عذابه بدوامهِ ... فهو الجهولُ بربه الرحمن
إذ انهُ عَرَفَ الإله بفهمِهِ ... لا فَهم صَحْبِ نبينا العدناني
ويريد تعظيم الإله بزعمِهِ ... فجنى مَسَبَّةَ ربنا المنان
إن الخوارج عَظَّموا معبودهم ... فيما يُخالف ظاهر القرآن
تبًّا لمذهبهم وسالِك دَربِهِ ... تعظيم ربي ليس بالبهتان
اعرف إلهكَ قبل مخلوقاته ... ليس العذاب مراد ذي الإحسان
الرب يغضب في القيامة إنما ... غضبُ الرحيم يزول في الأزمان
مثل الذي قد كان قبل خلائِقٍ ... تعصيهِ كان وليس بالغضبان
في حينِ تأخُذُ نارُهُ أعدائَهُ ... بعذابها في ذلِّةٍ وهَوَان
لن يُخْرجوا إذ ما لهم من شافِعٍ ... ويلٌ لِمُسْخِطِ ربه الديان
لا الموت يحصل للكفور وكيف ذا ... والموتُ مَذبُحٌ كذبح الضان
هو مِنْيَةٌ لو كان يحصل إنما ... حَكَمَ الإله بأنه هو فاني