← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 366

ما وقع لبعض المسلمين من الرياضة الصوفية والغلو فيها - ضمن «آثار المعلمي»

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (45 стр.). Показаны 36–45 · переход к 41.

стр. 36

قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح». قال عبد الرحمن: في إدراك يحيى بن جابر للمقدام كلام. قال البخاري في «التاريخ» (٤/ ٢/٢٦٥) (١): «يحيى بن جابر الطَّائي القاضي عن المقدام ... ». ومن عادة البخاري في «تاريخه» أنَّه حيث يثبت السَّماع يقول: «سمع»، وإلَّا قال: «وعن». وقال ابن أبي حاتم: «يحيى بن جابر .. روى عن المقدام .. مرسلٌ ... سمعتُ أبي يقول ذلك» (٢). فهذا ابن أبي حاتم جزم بأنَّ رواية يحيى عن المقدام مرسلةٌ، وكذلك جزم به المزِّي في «تهذيبه» (٣)، وابن حجر في «تهذيب التَّهذيب» (٤). لكن أخرج الإمام أحمد في «المسند» (٤/ ١٣٢): «ثنا أبو المغيرة ثنا سليمان بن سليم الكناني قال ثنا يحيى بن جابر الطائي قال: سمعتُ المقدام ... ». وكذلك أخرجه الحاكم في «المستدرك» (٤/ ٣٣١) من طريق أبي المغيرة، وقال: «صحيح الإسناد». وأقرَّه الذَّهبي. وفيه: «حسْب ابن آدم ثلاث أكلات».

стр. 37

وأبو المغيرة عبد القدُّوس بن الحجَّاج موثَّق، روى عنه البخاري في «صحيحه». وأبو سلمة سليمان بن سلمة موثَّقٌ أيضًا. ويحيى بن جابر موثَّقٌ، وكانت وفاته سنة ١٢٦. ووفاة المقدام سنة سبع وثمانين، وقيل: ثلاث وثمانين، وقيل: ست وثمانين. فبين وفاتيهما نحو أربعين سنة. فالسَّماع ممكنٌ؛ بأن يكون يحيى وُلِد سنة سبعين على الأقل، فأدرك من عمر المقدام بضع عشرة سنةً. وعلى هذا يكون عمر يحيى حين مات دون السِّتين، وأي بُعْدٍ في ذلك وهما في بلدةٍ واحدةٍ؟! وترجمة يحيى في «الثِّقات» في التَّابعين، وقال: «روى عن المقدام» (١). وذلك بمعنى الحكم بسماعه من المقدام. لكن قد يقوِّي قولَ أبي حاتم: بأنَّ يحيى كثير الإرسال عن الصَّحابة، الذين لم يدركهم، وبأنَّ عامَّة شيوخه ــ الذين لا كلام في سماعه منهم ــ هم من صغار التَّابعين، كصالح بن يحيى بن المقدام بن معد يكرب، وعبد الرحمن بن جبير بن نفير. والله أعلم. فقه الحديث: أمَّا أوَّله فهو في ذمِّ ملء البطن، ولا نزاع في ذمِّه؛ لأنَّه يورث البِطْنَة والتُّخمة، وينشأ عن ذلك الكسل والفتور، ويكون سببًا لكثير من الأمراض، فهو إضرارٌ بالجسم والرُّوح، وتضييع للمال. وقوله: «أُكُلات» بضمَّتين، جمع أُكْلَة، كلُقْمَة، وزنًا ومعنى. وزيادة: «ثلاث» في رواية «المستدرك» منكرةٌ؛ فإنَّ الثلاث اللُّقَم لا تقيم الصُّلْب عادة، ولم يكن النَّبي ﵌ وأصحابه يكتفون عند وجود الطَّعام

стр. 38

بثلاث، بل ولا تِسْعٍ. وقد يتوهَّم أن يكون وقع في هذه الرواية: «أكلات» بفتحتين، ولا يصحُّ؛ لمخالفته السِّياق، ولأنَّ المعروف في ذلك العهد الاكتفاء بأكلتين في اليوم، الغداء والعشاء. و «أكلات» جمعٌ بالألف والتاء، وأهل العربيَّة يعدُّونه من الجموع التي حقُّها أن تُطْلَق على ما دون الأحد عشر، ولا تحمل على أحد عشر فما فوقه إلَّا بقرينةٍ (١). لكن ضعَّف ابن خروفٍ، وصوَّبه الرَّضِي ومن تَبِعَه، أنَّ هذا الجمع مخالفٌ لتلك الجموع، وأنَّه يطلق على ثلاثة فما فوقها، إلى ما لا نهاية (٢). إلَّا أنَّ السِّياق هنا يدلُّ على القِلَّة، وهي هنا مبيَّنةٌ بقوله: «يُقِمْن صُلْبَه»، فالمدار إذًا على إقامة الصُّلْب، وهي كناية عن ذهاب الجوع، وحفظ القوَّة. فالقَدْر الذي يُذهِب الجوع ويحفظ القوَّة هو القَدْر الذي ينبغي الاكتفاء به. ثمَّ زاده بيانًا بقوله: «فإن كان لا محالة .. ». وإيضاحه: أنَّ الإنسان الصَّحيح قد يأكل ويشرب ويحسُّ بالثقل والضِّيق، وقد يأكل ويشرب ثم لا يجد ثقلًا ولا ضيقًا، فثُلُث الطَّعام هو القَدْر إذا زاد عليه وقع في الحال الأُولى. وذلك لا ينضبط تحديدًا، ولكن يمكن للإنسان معرفته بأحد أمرين: الأوَّل: أن لا يستوفي شهوته من الطَّعام، كما قيل: أن تقعد على الطَّعام

стр. 39

وأنت تشتهيه، وتقوم عنه وأنت تشتهيه، يعني: بعد أخذ المقدار الذي تحْزُرُ أنَّه يكفيك. الثَّاني: أن يقدِّر أكله، كأن يكون طعامه خبزًا مستويًا كل يوم، فيعلم أنَّه إذا أكل ثلاثة أرغفة أحسَّ بالضِّيق والثقل، وإذا أكل رغيفين ونصفًا لم يحسَّ بذلك. والأمر الثاني لا يتيسَّر كلَّ وقتٍ، فالاعتبار بالأوَّل. وعلى كلِّ حالٍ فينبغي للإنسان أن لا يستوفي القَدْر الذي يعلم أنَّه إذا زاد عليه كَظَّه، بل يدعُ فسحةً؛ لأنَّه قد يجِدُ طعامًا شهيًّا، فيختلُّ حسابه، بأن يأكل فوق حاجته، ويظنُّ أنَّه لم يفعل، وقد يجِدُ بعد الأكل فاكهةً أو نحوها فيشتهيها ولا يصبر. فالحاصل: أنَّ مَن استوفى ثُلث الطَّعام، وجعل ذلك عادته كان معرَّضًا لأنْ يقع في الزِّيادة؛ فالحكمة تقتضي أن يعتاد النَّقص على ذلك. واعْلم أنَّ الشِّبَع لا يتوقَّف استيفاءً على الثُلُث، بل يحصل بدُونِه، وعلى ذلك يُحمَل ما يجيء في الأحاديث والآثار في أكل النَّبيِّ ﵌ وأصحابه حتى شبعوا (١).

стр. 40

ومع هذا كلّه فما في الشَّريعة من كراهية الإفراط في الأكل حكمٌ مستمرٌّ، لا يختصُّ بوقتٍ دون وقتٍ، والجوع الرِّياضي إنَّما يأمرون به زمن الرِّياضة، فأمَّا من فُتِح له عندهم فلا يحجرون عليه شيئًا، ولا يكاد يحجر على نفسه، وهذا أمرٌ لا [أصل له] في الشريعة ألبتَّة. فصلٌ ومن أركانها: السَّهَر، ويحتجُّون على إلصاقه بالدِّين بما جاء في قيام اللَّيل. ولا يخفى على من له علم بالدِّين أنَّ قيام اللَّيل ليس المقصود من السَّهر، وإنَّما المقصود العبادة بالصَّلاة والذِّكر والدُّعاء، فلو سهر الإنسان بدون ما ذِكْرٍ لم يكن له شيءٌ من الفضل. ومع ذلك فقد وَرَدَ النَّهي عن استيعاب جميع اللَّيل بالقيام (١). وجاء تحديد الأفضل بقوله ﵌: «أفضل القيام قيام داود، كان ينام نصف اللَّيل، ويقوم ثُلُثه، وينام سُدُسه» (٢). واللَّيل هنا ليس المقصود به اللَّيل الطَّبيعي، وهو ما بين غروب الشَّمس وطلوعها؛ لوجهين:

стр. 41

الأول: أنَّ اللَّيل في عُرف الشَّارع خلاف ذلك، وألفاظ الشَّارع تُحْمَل على عُرْفِه ما أمكن. الوجه الثاني: أنَّ بعد الغروب صلاةُ المغرب، ثم صلاة العشاء، وما يتبعها، وقد نهي عن النَّوم قبلها، وأنَّ بعد طلوع الفجر راتبة الصُّبح وصلاتها، ثمَّ القعود للذِّكر والدُّعاء. وكذلك لا يصحُّ أن يكون المراد في الحديث: اللَّيل الشَّرعي، وهو ما بين غروب الشَّمس وطلوع الفجر؛ لما تقدَّم أنَّ بعد الغروب صلاتَي المغرب والعشاء وتوابعهما. فالمقصود باللَّيل إذًا هو الذي يكون وقتًا لقيام اللَّيل، وهو ما بين الفراغ من صلاة العشاء ورواتبها إلى طلوع الفجر، والقدر الذي لصلاة المغرب والعشاء ورواتبها يمكن لمن كان مطَّلعًا على السُّنَّة أن يقدِّر بساعتين ونصف تقريبًا، وما ورد من أنَّ تأخير صلاة العشاء أفضل لم يكن العمل عليه في الأَعَمِّ الأغلب؛ لأنَّه لا يتيسَّر إلَّا للأفراد، أو في بعض الأحوال. فالذي يجب البناء عليه هو ما كان عليه العمل غالبًا، ويتيسَّر العمل به، وهو ما ذكرنا، ويبقى بين ذلك وبين طلوع الفجر عند اعتدال اللَّيل والنَّهار ثماني ساعات، ينام نصفها، وهو أربع ساعات، ويقوم ثلثها، وهو ساعتان وثلثان، ثم ينام الباقي، وهو ساعة وثلث. هذا على فرض التَّحديد، وليس بلازم، وإنَّما الأمر على التَّقريب، وعليه كان عمل النَّبيِّ ﵌ وأصحابه. وبهذا يحصل للإنسان من النَّوم في اللَّيل المعتدل خمس ساعات وثلث.

стр. 42

وقد شُرِع نوم القائلة، وقد يكون نحو ساعة، وبذلك تتمُّ السِّتُّ السَّاعات، الذي ينصح به الأطبَّاء بعدم النُّقصان عنها. مع أنَّ هذه الحال هي لمن أراد استيفاء الفضل، الذي لا أفضل منه في الحديث، ودون ذلك مراتب داخلةٌ في الفضل. ووراء هذا كلِّه فإنَّ ما تقدَّم من أنَّ أفضل القيام إنَّما فضيلته من حيث هو، ومن حيث إنَّ الزِّيادة عليه ليست بأفضل منه، بل قد تكون مذمومةً في الشَّرع، كما تقدَّم. وأمَّا استيفاؤه والنَّقص منه فإنَّه يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، فقد كان أهل بيت النَّبي ﵌ في حياته ينقصون عن ذلك ولم يَلُمْهُم. وأرشد ﵌ عبد الله بن عمرو إلى النَّقص عن ذلك، كما هو مشهور (١). ومع هذا فقيام اللَّيل حكم مستمرٌّ لا يختصُّ بوقتٍ، بل يُكْرَه لمن اعتاد شيئًا منه أن يُخِلَّ به لغير عذرٍ. والسَّهر الرِّياضي إنَّما يؤكِّدونه أيَّام الرِّياضة، فأمَّا بعد الفتح فلا تبقى له حاجةٌ عندهم! وبهذا يتبيَّن أن لا علاقة لسَهَرهم بالقيام الشَّرعي، إلَّا بقصدهم بالعبادة في وقت الرِّياضة غير المقصد الشَّرعي. فصلٌ ومن أركان الرِّياضة: أن لا يأكل رُوحًا ولا ما خرج من رُوحٍ، وهذا في الأصل منقولٌ عن براهمة الهند؛ فإنَّهم يحرِّمون اللَّحم ألبتَّة، وكذلك البَيْض.

стр. 43

ويكرهُ غلاتُهم اللَّبن وغيره ممَّا يخرج من الحيوان (١). فأمَّا المتصوِّفة فقد حاولوا إلصاقه بالدِّين بأمرٍ يُحكى عن عمر ﵁، أنَّه نهى عن أكل اللَّحم كلَّ يومٍ، وقال: «إنَّ لهذا اللَّحم ضراوةً كضرواة الخمر» (٢). وهذا إن صحَّ ليس فيه متمسَّك لهم. أولًا: لأنَّهم لم يقتصرُوا على النَّهي عن أكله كلَّ يومٍ، أو نحو ذلك، بل منعوا منه مدَّة الخلوة، وهي أربعون يومًا على الأقل. ثانيًا: أنَّ الكراهة التي في الأمر لا تخصيص فيها، وهم يخصُّون المرتاض أيَّام رياضته. ثالثًا: أنَّ الأمر في اللَّحم فقط، وهم زادوا ما خرج من الحيوان كاللَّبن وغيره. فصلٌ وذكروا أنَّ المرتاض بالرِّياضة المعروفة بينهم إذا حصل له ما يسمُّونه بالفتح تحصل له القوَّة المذكورة، وأنَّه إن اطمأنَّ إليها كان ساحرًا هالكًا. وذلك أنَّ رياضتهم كما اعترفوا به طريقٌ عاديَّةٌ لحصول الفتح، ولذلك

стр. 44

قد يحصل الفتح للكافر والفاجر، إلَّا أنَّ المؤمن الصَّالح لا يطمئنُّ إلى ذلك الفتح، بل يثابر على الاجتهاد، فيرتقي بعد ذلك درجات لا ينالها الكفَّار والفجَّار، ولهم في ذلك كلامٌ طويلٌ. أمَّا أنا فأقول: إنَّ رياضتهم من حيث المجموع غير شرعيَّة، بل [منها] (١) ما هو غلوٌّ في العبادات الشَّرعيَّة، ومنها ما هو من المُحْدَثات والبِدَع، ومنها ما أخذوه من الأُمم الأخرى، كاليونان والبَرَاهِمة، فماذا عساه يُرجى من بركتها؟ ! وفي الحديث: «أنا أغنى الشُّركاء عن الشِّرك» الحديث (٢). والنَّتيجة تتبع أخَسَّ المقدِّمتين، ومعيارُ قوَّة السِّلسلة إذا عُلِّق بها شيءٌ أو شُدَّ = قوةُ أَوْهَنِ حلقةٍ فيها. اللَّهم إلَّا أنَّ مَن سَلَكها غير عارفٍ لحقيقتها، ولا مقصر تقصيرًا يقطع العذر، وكانت نيَّته حسنة، فلا يمتنع أن ينفعه الله تعالى بحُسن نيَّته. والله أعلم. وهذا ممَّا يفسِّر لك ما أشكل على بعضهم من أنَّ الغرائب التي تُعَد كرامات يعزُّ ما يثبت منها عن الصَّحابة وكبار التَّابعين، وكثرت فيما بعدهم. وممَّا يبيِّن لك صِحَّة فتوى من أفتى من الفقهاء بوجوب الضَّمان على مَن قتل بالحال المعروفة بين المتصوِّفة، وخطأ من ردَّه مستندًا إلى ما نُقِل

стр. 45

عن بعض خيار التَّابعين، أنَّه دعا على رجلٍ، فسقط الرجل ميِّتًا، فرُفِع الدَّاعي إلى الحاكم فخلَّى سبيلَه، قائلًا: «دعوة رجلٍ صالحٍ صادَفَت منيَّة رجلٍ» (١). ووجه الخطأ: أنَّه لم يكن من التَّابعيِّ إلَّا دعاء الله ، فهو بمنزلة من شكا إنسانًا ظلمه إلى حَكَم عَدْلٍ فسطا الحَكَمُ بالظَّالم. وأمَّا القاتل بالحال فإنَّه قتل بقوَّةٍ فيه، فهو كمَن ضرب بسيفه. فأنَّى يشتبهان (٢)؟ !