← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 366

ما وقع لبعض المسلمين من الرياضة الصوفية والغلو فيها - ضمن «آثار المعلمي»

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (45 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

الرسالة السابعة ما وقع لبعض المسلمين من الرياضة الصُّوفيَّة والغلو فيها

стр. 2

فصلٌ (١) وأمَّا قوى النُّفوس البشريَّة فأشهرها الإصابة بالعين، وهي مشهورة بين النَّاس، لا تكاد ترى أحدًا إلَّا حكَى لك بعض ما يزعم أنَّه شاهده أو أُخبِر به. وفيها فُسِّر قوله تعالى في سورة الفلق: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥)﴾. وقال تعالى فيما قصَّه عن يعقوب ﵇: ﴿يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧) وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٦٧ - ٦٨]. قال أكثر المفسِّرين: «خشي عليهم العين» (٢). وفي «الصَّحيحين» وغيرهما (٣)، عن أمِّ المؤمنين عائشة ﵂ قالت: «أمر النَّبي ﵌ أن يُسترقَى من العين». وصحَّ نحوه عن أمِّ المؤمنين أمِّ سلمة، وجابر، وأنس، وغيرهم من الصَّحابة ﵃ (٤).

стр. 3

وفي «صحيح مسلم» (١) عن ابن عباس ﵁ عن النَّبي ﵌ قال: «العَيْن حقٌّ، ولو كان شيءٌ سابق القَدَر سَبَقَته العَيْن، وإذا اسْتُغْسِلْتُم فاغْسِلوا». وفي «مسند أحمد» (٢) من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «العين حقٌّ، ويحضر بها (٣) الشيطان وحَسَد بني آدم». قالوا: وسببها أن ينظر الإنسان إلى شيءٍ لغيره فيُعجَبُ به، ويحسد صاحبه عليه، فتتولَّد في نفسه قوَّةٌ تتَّصل بذاك الشيء فيُصابُ، والحكايات في ذلك كثيرةٌ، وفيها ما يقضي أنَّ المعيان قد يعين وهو أعمى، وقد يعين ما لا يراه. وممَّا هو مسلَّمٌ عند فلاسفة العصر ما يسمُّونه بـ «التَّنويم المغناطيسي» (٤).

стр. 4

وحاصله أن يرتاض الإنسان برياضةٍ مخصوصةٍ، بالمواظبة على جمع فِكْرِهِ في نقطةٍ يحدِّق ببصره إليها، فبعد مُدَّةٍ تحصل له قوَّة التنويم، بأن يحدِّق بعينيه إلى إنسان ويتحرَّك حركاتٍ مخصوصةٍ، فلا يلبث المنظور إليه أن يصيبه ذهول وتشنُّجٌ، ثم يسقط مغشيًّا عليه. وتكون للمنوِّم سلطةٌ على النَّائم بأن يسأله فيجيب وهو لا يشعر، ويحسُّ الأطبّاء نبْضَه ويختبرونه فيعلمون أنَّه لا يزال نائمًا رغمًا عن قيامه وكلامه وفعله. وقد تزداد القوَّة إلى حدِّ أنَّه يبقى سلطان المنوِّم على ذاك الشَّخص حتى بعد إفاقته ولو بمدَّة. هذا والمشهور في قوَّة الإصابة بالعين أنَّها تكون طبيعيَّة لبعض النَّاس، ولكن قد تكون مكتسبةً، إمَّا بغير اختيار كما يقول الناس: إنَّ من نشأ يتيمًا محتاجًا يرى الأشياء التي تشهيها نفسه فلا يصل إليها ينشأ معيانًا. وإمَّا باختيار. ففي «شرح المقاصد» (١): [«يكون لبعض النفوس خاصية أنها إذا استحسنت شيئا لحقته الآفة فثبوتها يكاد يجري مجرى المشاهدات التي لا تفتقر إلى حجة وقد قال النبي ﷺ : «العين حق»، وقال: «العين تدخل الرجل القبر والجمل القدر» (٢).

стр. 5

وذهب كثير من المفسِّرين (١) إلى أن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾ الآية [القلم: ٥١] = نزل في ذلك، وقالوا: إنَّه كان العين في بني أسد، وكان الرجل منهم يتجوَّع ثلاثة أيامٍ فلا يمرُّ به شيءٌ يقول فيه: لم أر كاليوم إلَّا عانَهُ، فالتمس الكفار من بعض من كانت له هذه الصِّفة أن يقول في رسول الله ﷺ ذلك فعَصَمَه الله .. »] (٢). فأمَّا ما حصل بغير اكتساب اختياريٍّ فظاهرٌ أنَّه لا يوجب ذمَّ صاحبه، إلَّا أنَّ عليه أن يحتاط، فإذا رأى ما يعجبه ذَكَر الله تعالى ودعا بالبَرَكة، وإذا اتُّهِم بالإصابة فاستُغسِل فلْيغتسل، كما في الحديث. وأمَّا المكتسبة بالاختيار فهي فيما يظهر من السِّحر، واكتسابها داخلٌ في تعلُّم السِّحر. ومن جملة قوى النُّفوس ما هو حاصلٌ لبعض الناس الذين يرقون من الحيَّة والعقرب ونحوها؛ فإنَّهم قد يرقون بألفاظٍ لا معنى لها. وفي الآثار النَّبويَّة ما يدلُّ على الإذن بالرقية بالألفاظ التي ليس فيها تعظيمٌ لغير الله ، وإن لم يكن فيها ذكر الله تعالى، ولا دعاء له، وأرى أنَّ الإذن في ذلك إنَّما هو اعتداد بما يصحبه من قراءة [ .... ] (٣). ومن قوى النُّفوس ما يكتسب برياضتها، فإنَّه كما أنَّ القوى البدنيَّة يمكن تتميمها بالرِّياضة، كَمَن يواظب على رفع الأثقال؛ فإنَّه بعد مُدَّةٍ يستطيع

стр. 6

ضعف ما كان يستطيعه قبل، وكذلك في الجري على الأقدام، والرَّمي بالأحجار، والمشي على سلك ممدود بين عمودين، وغير ذلك ممَّا هو معروف في الألعاب الرِّياضية. وكذلك الشَّعبذة التي تعتمد خِفَّة الحركة؛ فإنَّ ذلك القَدْر من سرعة الحركة لا يحصل إلَّا بمعاناة الحركات السَّريعة مدَّةً. فكذلك قُوَى النُّفوس يمكن تربيتها بالرِّياضة، فقد علِمْتَ ممَّا تقدَّم أنَّ بعض النُّفوس تكون بها بطبيعتها قوَّة التأثير بالإصابة بالعين وبإزالة الألم الحاصل من لدغ العقرب ونحو ذلك، وأنَّ ذلك قد يُكْتَسَب كما يُكْتَسَب قوَّة التَّنويم المغناطيسي ونحوه. غير أنَّ الرِّياضة هنا تختلف وعمادها أمران: إضعاف القُوى الجسديَّة، والتعوُّد على جمع الهِمَّة، وحصر الفِكر في شيءٍ واحدٍ. وهذه الرِّياضة معروفةٌ عند قدماء اليونان والهنود وغيرهم، وقد يفعلها المسلمون وعملوا بها، كما نقلوا المنطق والفلسفة وعملوا بها، ولم تَلْقَ هذه من المعارضة كما [تلقَّت] (١) الفلسفة ذلك؛ لأسباب. منها: أنَّ في العبادات الإسلاميَّة ما يشبهها في الجملة، كالصِّيام، والقيام، والاقتصاد في الأكل والشرب، واعتزال الناس إذا خشيت من الناس مفسدةً. ومنها: أنَّ بعض الزُّهَّاد من التَّابعين وغيرهم بالغوا في العبادات الإسلاميَّة، حتى قربوا من هذه الرِّياضة؛ فداوموا على الصيام، وواصلوا فيه،

стр. 7

وأداموا قيام جميع اللَّيل. وبالغوا في الاقتصاد في المطعم؛ لعزَّة الحلال الصِّرْف في نظرهم. وامتنعوا عن النِّكاح؛ لعجزهم ــ بزعمهم ــ عن القيام بمصالح الأهل والولد من الحلال. وبالغوا في العُزلة والخلوة. ومنها: أنَّ الذين نقلوا هذه الرِّياضة وعملوا بها تلطَّفوا بإدراج كل منها فيما يشبهه من العبادات الشَّرعيَّة. إلى غير ذلك. وبالجملة فهذه الرِّياضة كما توجد في كتب الهنود وغيرهم توجد في كتب المتصوِّفة بنصِّها وفصِّها؛ إلَّا أنَّ بعضها قد ألبس صورةً غير صورته، كرياضة التنفُّس عند الهنود وغيرهم، وقد ذكرها المتصوِّفة بلفظ «هو الله»، «الله هو»، وجمع الهِمَّة في شيءٍ صوَّرَهُ المتصوِّفة بجمع الهِمَّة في تصوّر الشيخ. ومنها ما أبقوه على صورته، كأن لا يأكل من روحٍ، ولا مَن خرج مِن روح، وغير ذلك. وبالجملة فهذه الرِّياضة لقيت قبولًا تامًّا على اختلاف الأغراض. فمن الناس من كان غرضه منها إضعاف شهوات جسده؛ ليتمكَّن من كثرة العبادة، والإعراض عن الشهوات. ومنهم من كان حريصًا على الاطِّلاع، فَغَرَضُه منها ما تثمره من قوَّة الإدراك، المسمَّاة بالكشف ونحوه. ومنهم من كان له غرَضٌ سياسيٌّ تعاناها ليظهر بمظهر الزاهد في الدنيا المقبل على العبادة، ثم لعلَّه يحصل له شيءٌ من قوَّة الإدراك وقوَّة التأثير، فيدَّعي الوَلاية أو المهدويَّة!

стр. 8

ومنهم من كان غرضه الجاه والثروة، فتعاناها لنعتقد فيه الولاية، فيقبل عليه الناس بما يريد. ومنهم قومٌ كانت لهم عقائد دينيَّة شاذَّة، يخافون من إظهارها أن يُقتلوا أو يُؤذوا أو يُمقتوا؛ فتعانوا تلك الرِّياضة لتحصل لهم تلك القوَّة؛ فتعتقد فيهم الوَلاية، فيظهروا تلك العقائد، فيُقبِل عليها الناس لحسن الاعتقاد في أصحابها. ومنهم قومٌ تعانوا الفلسفة؛ فحصلت لهم عقائد منافية لعقائد الإسلام، وخافوا من إظهارها، فحالهم كحال الذين قبلهم. ومنهم قومٌ يضمرون الكيد للإسلام ويريدون إطفاء نوره؛ فتعانوا تلك الرِّياضة، حتى إذا اعتُقِدت فيهم الوَلاية أظهروا الأقوال والعقائد المنابذة للإسلام، على نحو ما تقدَّم. ومنهم ــ وهم كثير من المتأخِّرين ــ قومٌ ظنوا أنَّ تلك الرِّياضة هي خلاصة العبادات الشَّرعيَّة الموصلة إلى الوَلاية. هذا والعارفون بحقيقة تلك الرِّياضة لا يشترطون دينًا خاصًّا، ولا مذهبًا خاصًّا، بل يعلِّمونها كلَّ إنسان مهما كان دينه ومذهبه، ويوصونه بالمواظبة على العبادات التي يعتقدها، فيوصون المسلم بالصيام والقيام، والوثني بالعكوف على الأصنام، وغير ذلك! يرون أنَّ ذلك ممَّا يساعد على حصول المقصود بتلك الرِّياضة، ولاسيّما جمع الهِمَّة، وحصر الفِكْر، وقوَّة التخيّل.

стр. 9

ويسرع حصولها للمريد إذا كان يرتاض على يد شيخٍ عارف بقوانينها، قد حصَّلت له نفسه قوَّة التأثير، فهو يؤثِّر بها في نفس الطالب، مساعدًا له على استحصالها. ويبقى النظر في حكم العمل بهذه الرِّياضة. والمعروف في الشَّريعة هو النَّهي عمَّا يكاد يقرب من الغلو في العبادة، كصيام الدهر، ومواصلة الصوم، والمداومة على قيام جميع الليل، وترك التزوُّج، والامتناع من أكل اللَّحم، ونحوه. والمعروف فيها أيضًا أنَّ السِّحر كفرٌ أو كبيرةٌ، وأنَّ تعلُّمه كذلك. والمتصوِّفون يصرِّحون بأنَّ من سلك تلك الطريق تحصل له قوَّة السِّحر، وأنَّ كثيرًا منهم يقف عندها ويستعملها فيكون ساحرًا. ويصرِّحون بأنَّ الشياطين تولع بمَن سلك تلك الرِّياضة، يخيِّلون له، ويصوِّرون، ويقضون له بعض الأغراض؛ يوهمونه أنَّه قد بلغ درجة الوَلاية، أو ما هو أعظم منها؛ ليضلُّوه ثم يُضلِّوا به. وأنَّ من ارتاض رغبةً في أن تحصل له قوَّة المكاشفة، وقوَّة التأثير فهو على ضلال، والمعنى أنَّه يرتاض تعلُّمًا للسحر. وأنَّ من ارتاض طالبًا للحق قد يعرض له من الاغترار بتلك القوَّة وتخييل الشياطين ومساعدتهم ما يوقفه عندها، إمَّا ميلًا إلى الهوى، فيكون ساحرًا حقًّا، وإمَّا ظنًّا أنَّه قد صار من أولياء الله، وهو في الحقيقة من أولياء الشيطان. ويذكر الغربيُّون عِدَّة وقائع من تأثير النُّفوس، منها أنَّ بعض الأفراد

стр. 10

يوجِّه همَّته إلى بعض أعضائه، فيحدث فيه جرح ظاهر، يسيل منه الدَّم، ثم يوجِّه همَّته إليه فيزول كأن لم يكن، أو يضرب نفسه بسكِّين فيحدث الجرح ثم يوجِّه همَّته إليه فيلتئم ويبرأ في الحال، وغير ذلك. ومن تأثير النُّفوس سِحر الأبصار، كما قصَّه الله عن سحرة فرعون، قال تعالى: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ [طه: ٦٦ - ٦٨]، وقال : ﴿قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦]. وروى البخاري في «تاريخه» (١) [في ترجمة جندب بن كعب قاتل الساحر، «وقال الأعمش عن إبراهيم أراه عن عبد الرحمن بن يزيد أنَّ جندبًا قتل السَّاحر زمن الوليد بن عقبة. حدثنا إسحاق حدثنا خالد الواسطي عن خالد الحذاء عن أبي عثمان: كان عند الوليد رجلٌ يلعب، فذبح إنسانًا وأبان رأسَهُ، فعَجِبْنا، فأعاد رأسه، فجاء جندب الأزدي فقتله»] (٢). والقصَّة مشهورة، راجع ترجمة جندب في «الإصابة» (٣). وفي ترجمة السُّهْرَوردي المقتول وغيره أشياء تشبه ذلك.

стр. 11

[كما قال ابن أبي أصيبعة: «ويُحكَى عن شهاب الدين السُّهْرَوردي أنَّه كان يعرف علم السيمياء (١)، وله نوادر شوهدت عنه من هذا الفن. قال: حدَّثني الحكيم إبراهيم بن أبي الفضل بن صدقة أنه اجتمع به، وشاهد منه ظاهر باب الفرج وهم يتمشّون إلى ناحية الميدان الكبير، ومعه جماعة من التلاميذ وغيرهم، وجرى ذكر هذا الفن وبدائعه وما يعرف منه وهو يسمع، فمشى قليلًا، وقال: ما أحسن دمشق، وهذه المواضع. قال: فنظرنا وإذا من ناحية الشرق جواسق (٢) عالية، متدانية بعضها إلى بعض مبيضة، وهي من أحسن ما يكون بناية وزخرفة، وبها طاقات كبار، فيها نساء ما يكون أحسن منهن قط، وأصوات مغان وأشجار متعلِّقة بعضها مع بعض، وأنهر جارية كبار، ولم نكن نعرف ذلك من قبل. فبقينا نتعجَّب من ذلك وتستحسنه الجماعة وانذهلوا لِمَا رأوا. قال الحكيم: فبقينا كذلك ساعة، ثم غاب عنَّا، وعُدْنا إلى رؤية ما كنَّا نعرفه من طول الزمان. قال لي: إلَّا أنَّ عند رؤية تلك الحالة الأولى العجيبة بقيت أحسُّ في نفسي كأنَّني في سِنَةٍ خفيَّةٍ، ولم يكن إدراكي كالحالة التي أتحقَّقها منِّي. وحدَّثني بعض فقهاء العجم قال: كُنَّا مع الشيخ شهاب الدِّين عند القابون (٣)، ونحن مسافرون عن دمشق، فلقينا قطيع غنم مع تركماني فقلنا

стр. 12

للشيخ: يا مولانا نريد من هذا الغنم رأسًا نأكله، فقال: معي عشرة دراهم، خذوها واشتروا بها رأس غنمٍ، وكان ثَمَّ تركماني فاشترينا منه رأسًا بها، فمشينا. فلحِقَنا رفيقٌ له، وقال: ردُّوا الرأس وخذوا أصغر منه، فإن هذا ما عرف يبيعكم يَسْوَى هذا الرأس البختيَّة الذي معكم أكثر من الذي قبض منكم، وتقاولنا نحن وإيَّاه. ولما عرف الشيخ ذلك قال لنا: خذوا الرأس وامشوا، وأنا أقف معه وأرضيه، فتقدَّمْنا وبقي الشيخ يتحدَّث معه ويمنِّيه، فلمَّا أبعدنا قليلًا تركه وتبعنا، وبقي التركماني يمشي خلفه ويصيح به، وهو لا يلتفت إليه. ولمَّا لم يكلِّمه لحقه بغيظٍ وجذب يده اليسرى، وقال: أين تروح وتخلِّيني؟ وإذا بيد الشيخ قد انخلعت من عند كتفه، وبقيت في يد التركماني ودمها يجري، فبُهِت التركماني وتحيَّر في أمره، ورمى اليد وخاف، فرجع الشيخ وأخذ تلك اليد بيده اليمني ولحقنا. وبقي التركماني راجعًا وهو يتلفَّت إلينا حتى غاب، ولمَّا وصل الشيخ إلينا رأينا في يده اليمنى منديله لا غير». وذكر قصَّة ثالثة. انتهى (١)] (٢). وهذا الضَّرب يحتمل وجهين: الأول: أنَّه سحرٌ للأبصار فقط، بحيث يختلُّ إدراكها، فترى ما لا حقيقة له. والثاني ــ وهو الذي يترجَّح لي ـ: أنَّه سحرٌ للأدمغة، فيصير دماغ المسحور

стр. 13

ضعيفًا، وقد عُرِف أنَّ الدِّماغ إذا ضعف قد يختلُّ الإدراك، كَمَن يكون بين النوم واليقظة فإنَّه يتخيَّل أشياء كثيرة، مثل أنَّه قام ومشى ورأى أشياء كثيرة، وأشباه ذلك. وهكذا من يتناول بعض الأشياء المُسْكِرة أو المفتِّرة. وهكذا من يضعف دماغه لمرضٍ أو شدَّة خوفٍ، كما يدخل في الليل مكانًا يعتقد أنَّ فيه جِنًّا يتعرَّضون لمن يدخل. وبالجملة فهذا الضَّرْب يشبه ما عُرِف الآن بـ «التنويم المغناطيسي»؛ فإنَّ المنوِّم ــ بالكسرـ يستطيع أن يخيِّل للمنوَّم ــ بالفتح ــ أشياء لا وجود لها، كما مرَّ، ولهذا يشعر المسحور بأنَّه في حالٍ غير عاديَّة، كما تقدَّم في القِصَّة. فإن قيل: إنَّ إمكان مثل هذا يؤدِّي إلى سدِّ باب الثِّقة بالمحسوسات، وإلى عذر من كفر بالأنبياء، وقال: إنَّهم سحرةٌ، وإلى عذر منكري الكرامات. قلتُ: أمَّا سدُّ باب الثِّقة بالمحسوسات فالحال في هذا كالحال في أعمال الجِنِّ، كما تقدَّم، فلا يأذن الله بوقوع مثل هذا إلَّا في حالٍ تكون هناك قرائن وأدلَّة تدلُّ على أنَّه تخييل، أو تشكَّك فيه تشكيكًا قويًّا. فسحرة فرعون كانوا يعترفون ويُعرَفون بأنَّهم سحرةٌ، ثمَّ بيَّن الله حقيقة أمرهم، وهكذا حال السَّاحر الذي قتله جندب، وقريب منه ما تقدَّم عن السُّهْرَوردي. وأمَّا اشتباه المعجزات والكرامات فسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى. [ ...... ] (١).

стр. 14

الذي في «الصَّحيح» (١) ومن قول عائشة ﵂: «أوَّل ما بُدئ به رسول الله ﵌ من الوَحْي الرُّؤيا الصَّالحة في النَّوم, فكان لا يرى رُؤيا إلَّا جاءت مثل فَلَق الصُّبح, ثم حُبِّب إليه الخلاء, وكان يخلو بغار حِراء، فيَتَحنَّث فيه ــ وهو التعبُّد ــ اللَّيالي ذوات العَدَد، قبل أن ينزِعَ إلى أهله، ويتزوَّد لذلك, ثم يرجع إلى خديجة، فيتزوَّد لمثلها, حتى جاءه الحق وهو في غار حِراء». فلم تُعَيِّن اللَّيالي ولا عِدَّتها. ولكن في «سيرة ابن هشام» (٢): « .. قال: ابن إسحاق: وحدَّثني وهب بن كيسان مولى آل الزبير قال: سمعتُ عبد الله بن الزبير وهو يقول لعُبَيد بن عمير بن قتادة اللَّيثي: حدِّثْنا يا عُبَيد كيف كان بُدُوُّ ما ابتدئ به رسول الله ﵌ من النبوَّة حين جاءه جبريل ﵇؟ قال: فقال عُبيد: « .... كان رسول الله ﵌ يجاور في حِراء من كل سنةٍ شهرًا, وكان ذلك ممَّا تحنَّثُ به قريش في الجاهليَّة. والتحنُّث: التبرُّر. قال ابن إسحاق: فقال أبو طالب: وثور ومَن أرْسَى ثبيرًا مكانَه ... وراقٍ لِيَرقى في حِراء ونازل قال عُبيد: فكان رسولُ الله ﵌ يجاور ذلك الشهر من كل سنةٍ، يُطْعِم من جاءه من المساكين ...

стр. 15

حتى إذا كان الشَّهر الذي أراد الله تعالى به فيه ما أراد من كرامته، من السَّنة التي بعثه الله تعالى فيها, وذلك الشهر رمضان = خرج رسول الله ﵌ إلى حِراء كما كان يخرج لجواره، ومعه أهله ... ». وهذا مرسلٌ؛ لأنَّ عبيدًا تابعيٌّ, إلَّا أنَّ استماع الصَّحابة له، وتركهم الإنكار ممَّا يشدُّه. وفيه: أنَّ المجاورة كانت ممَّا تعمله قريش في الجاهلية, وقد كان النَّبي ﵌ قبل البعثة يتحرَّى من أعمالهم ما يرى أنَّه مما بقي من شريعة إبراهيم, كالحج ونحوه. وفيه: أنَّ المجاورة كانت شهرًا, وهذا محمول على جُمْلتها. وقد دلَّ حديث عائشة ﵂ أنَّه كان يرجع في أثناء الشهر مرارًا ليتزوَّد. وقوله أخيرًا: «وذلك الشَّهر رمضان» صريحٌ في أنَّ الشَّهر الذي جاوره ذلك العام رمضان, ويحتمل أن يكون رمضان هو الشهر الذي يجاور فيه كل سنة, والذي كانت تجاور فيه قريش. والله أعلم. وعلى كلِّ حالٍ فالذي تقرَّر في الشَّريعة ممَّا يتعلَّق بهذه القضية هو صيام رمضان واعتكاف العشر الأواخر منه في أيِّ مسجدٍ كان. وأحكام الاعتكاف معروفةٌ في الشَّرع, ولم يُنقَل عن النَّبي ﵌ أنَّه جاور بحراء أو غيره بعد النبوَّة, ولا أمر به أحدًا, ولا فَعَله أحدٌ من السَّلف = فلم يبْقَ في تلك القضيَّة أثرٌ عمليٌّ في الشَّريعة، إلَّا أن يكون صيام رمضان والاعتكاف فيه.

стр. 16

واتَّضح بذلك أنَّه من أحدث غير ذلك ــ كأربعينيَّة المتصوِّفة (١) ــ فليس له حُجَّة في تلك القضيَّة. والله الموفِّق. وإن حُكِمَ به عن تجربةٍ، أو رُؤيا، أو إلهامٍ، أو أمَارةٍ خاصَّة بهم، أو ذَوْقٍ، أو كَشْفٍ، أو خبرِ مَن يرونه ملَكًا، أو مَن يرونه الخضر، أو نبيًّا، أو النَّبيَّ ﵌، وأنَّهم شاهدوه يقظةً، أو شاهدوه في اللَّوح المحفوظ، أو سمعوه من الله تعالى، ونحو ذلك ممَّا يدَّعونه لأنفسهم = فسيأتي الكلام على هذه الأمور إن شاء الله تعالى. ويكفيك هنا أمورٌ: الأوَّل: أنَّ هذه الأمور منها ما دلَّت الشَّريعة على نفيه، ولو بدليلٍ ظاهر تقوم الحُجَّة به إجماعًا. ومنها ما لا يُعلَم في الشَّريعة إثباته أو نفيه. ومنها ما جاء في الشَّريعة إثباته في الجملة. فالأوَّل ساقط، والثَّاني كذلك؛ لأنَّ الشريعة لم تشهد له، ولو كان حقًّا

стр. 17

لشهِدَت له، فهو إمَّا راجعٌ إلى الأوَّل أو الثالث. أمَّا الأول فقد مرَّ. وأمَّا الثالث [فإنَّ ما] (١) ثبت في الشَّريعة أنَّه أمارة قد يكون حقًّا، وقد يكون باطلًا، فحدُّه أنَّه إذا وافق حُجَّةً مشهودًا لها في الشَّريعة بأنَّها حُجَّة أُخِذ بتلك الحُجَّة، وذُكِر معها استنانًا (٢)، كما يذكر أهل العلم الحُجَّة الشَّرعيَّة، ثم يذكر بعضهم ما وافقها من رُؤيا ونحوها. وإن خالف حُجَّةً شرعيَّةً كان ذلك دليلًا على بطلانه. وإن لم يوافق ولم يخالف أُخِذ به فيما تكفي فيه الأمارة الضَّعيفة، وذلك في نحو صدقة التطوُّع، إذا تردَّدتَ في إعطائها لهذا أو لذاك، ولم يظهر لك ما يرجِّح أحدهما من جهة الشرع ولم يتيسَّر قسمتها، فرأيتَ رؤيا تدلُّ على أحقِّيَّة أحدهما = فإنَّه يجوز لك أن تعطيه؛ وذلك أنَّه يكفي في ذلك الأمارة الضَّعيفة، كأنْ ترى ثوب أحدهما أبْلَى من ثوب الآخر فتقول: يظهر من هذا أنَّ الذي ثوبُه أبلى أشدُّ حاجة. ولا يدخل في هذا: التردُّد في صيام يومين لم يثبت في الشَّرع لأحدهما مزيَّة عن الآخر إذا دلَّت رؤيا على مزيَّةٍ شرعيَّةٍ لأحدهما. والفرق: أنَّ المزيَّة الشرعيَّة حكم شرعيٌّ لا يثبت إلَّا بالشَّرع، وأمَّا كون هذا أحْوَج من ذاك فهو موكولٌ إلى نظر المكلَّف، فلا تغفل. الأمر الثَّاني: أنَّ ما يصحُّ في الجملة ممَّا ادَّعاه المتصوِّفة مُعَرَّضٌ للاشتباه بتضليل الشيطان، والهوى، والتَّخيُّل، والتوهُّم.

стр. 18

والأَمارات التي يزعمونها محتملةٌ لذلك أيضًا، وللتخلُّف، وغير ذلك. وأعظم من هذا كلِّه أنَّه قد جاء في الحديث وصف القرآن بأنَّه «من يبتغي الهُدَى في غيره أضلَّه الله» (١). فمَن ابتغي معرفة الحقِّ من حيث لم يشرعه الله بصريح شريعته فهو أهلٌ لأن يضلَّه الله ، ويستدرجه، ويُلَبَّس عليه ما لَبَّس على نفسه، والعياذ بالله. الأمر الثالث: أنَّ ما أوضح الله لعباده بصريح شَرْعِهِ أنَّه طريقٌ يعرف به الحقَّ في دينه = فهو معصومٌ بالجملة، وهو سبحانه يتكفَّل بحفظه. وما يحتمل فيه من الخطأ فهو إمَّا خطأ صوري، إنَّما وقع لحِكْمَةٍ. وإمَّا معفوٌّ عنه، بل مأجورٌ فيه أجرًا واحدًا، وإمَّا معفوٌّ عنه فقط. اللَّهمَّ إلَّا أن يكون خطأً عن تقصيرٍ بيِّنٍ من النَّاظر، فالذَّنب في هذا له. وقد أوضحتُ هذا في موضعٍ آخر. وأمَّا ما ليس في صريح الشَّرع أنَّه طريقٌ لمعرفة الحقِّ في الدِّين فليس بمعصومٍ، ولم يتكفَّل الله بحفظه، فالمصيب فيه مأزورٌ؛ لمخالفته ما شرَعَه الله، فما ظنُّك بالمخطئ!

стр. 19

وباب تلبيس الشيطان ــ وغيره ممَّا مرَّ ــ مفتوحٌ فيه على مِصْرَاعَيْه؛ بل هو مظنَّة إضلال الله واستدراجه، كما مرَّ. حتى لو فُرِضَ أنَّ من تلك الطُرُق التي لم يأت صريح الشَّرع ما هو أقوى في نَظَر النَّاظر من بعض الطُرُق التي ورد بها = فإنَّه لا يغني هذا شيئًا؛ فإنَّ الضَّعيف الذي تكفَّل الله بحِفْظِه أقوى من القويِّ الذي لم يتكفَّل بحِفْظِه. فصلٌ ظاهر قول الشيخ (١): «فالكَفَرة دمَّرهم الله من عالم البشر، فلا يُستعمل في قتالهم إلَّا ما هو عادة في عالم البشر، لا غير» = أنَّ هذا عام في كلِّ حالٍ. ويلحقُ به من باب أَوْلى المسلمون. وعلى هذا فكلُّ شخصٍ بتلك القوَّة في إيذاء آخر ــ ولو كافرًا ــ فهو إمَّا ساحرٌ، وإمَّا إن كان وليًّا فعصى. هذا على فرض أنَّ مكتسب تلك القوَّة قد يكون وليًّا، وفي ذلك نظر! إذ قد يقال له: لم نعرف في الشَّريعة ترغيبًا ما في اكتساب تلك القوَّة؛ بل فيها ما يؤخذ منه النَّهي عن اكتسابها، والرِّياضة الموصلة إليها، كما يأتي. وقد وَرَد في النَّهي عن تعلُّم السِّحر ما ورد (٢).

стр. 20

وقد تقدَّم عن الشَّيخ أنَّ تلك الرِّياضة محصِّلة لهذه القوَّة التي إن استعملها صاحبُها في هواه فهو ساحرٌ، وإنَّما يبقى النَّظَر فيمن لم يشعر بأنَّ ما وقعَ منه داخلٌ في تعلُّم السِّحر. والله أعلم. هذا وقد يُقال: إذا كان استعمال تلك القوَّة في إيذاء البشر ــ ولو كفارًا ــ محرَّمًا لأنَّهم من عالَم البشر، وهي خارجةٌ عمَّا هو عادة في عالم البشر = فكذلك ينبغي أن يكون الحال في استعمالها في النَّفع؛ أو المراد على خروجها عن عادة البشر! فإذا صحَّ هذا فالحكم المتقدِّم على من استعملها في الإيذاء شامل لمن استعملها في غير الإيذاء، بل الأمر أوضح من هذا. فأمر إيذاء الكفَّار والحربيين نفعٌ للدِّين والمسلمين، ومع ذلك فإنَّما يُتَخَيَّل الفرق بين النَّفع والإيذاء من جهة حُسْن النفع، وقُبْح الإيذاء، فإيذاء الكفَّار والحربيين ليس بقبيحٍ، بل هو حَسَن. لكن قد يُقال: إنَّ عموم عبارة الشيخ مخصوص بما إذا لم يكن هناك أمرٌ خاصٌّ، فيقول: إنَّه يحرم على الوليِّ استعمالها ما لم يُؤْمَر، فإذا أُمِر كان له ذلك، كما تدلُّ عبارات أخرى له. وعلى هذا فنقول: الأمر الذي تتلقَّاه ليس هو في الكتاب ولا السُنَّة، وإنَّما يريدون به الأمر بالإلهام ونحوه، وسيأتي الكلام عليها، وقد تقدَّم بعضه، وأنَّه لا يثبت بها حكمٌ ألبتَّة.

стр. 21

فإذا عُلِم المنع من استعمال تلك القوَّة، فاستعمالها بناءً على إلهام أو نحوه خروج على الشَّريعة، وذلك قد يكون أشد من استعمال الإيذاء على سبيل المخالفة الصَّريحة. فإن قيل: فالمنع من استعمالها إنَّما أخذوه من تلك الطُرُق، كالإلهام ونحوه. قلتُ: بل هو ثابتٌ شرعًا؛ لأنَّ تلك القوَّة عندنا سِحْرٌ أو في معناه. والله أعلم. فصلٌ يُفهَم من كلام الشيخ أنَّ التصرُّف الجائز عندهم لا يكون بحسب هوى المتصرِّف، ولا بأمرٍ متوجِّهٍ إليه خاصَّة، وإنَّما يكون بأوامر يتلقَّاها من الدِّيوان، وأنَّ أهل هذا الدِّيوان إنَّما يقرِّرون ما قضاه الله وقدَّره، وفي هذا قضاء على الاستغاثة بالأولياء الأحياء؛ لأنَّهم لا شأن لهم إلَّا تنفيذ ما أُمِروا به، فهم كالملائكة سواء، فكما أنَّه لا يُستغاث بالملائكة ــ كأن يُستغاث بمَلَك الموت ليقبض روح فلانٍ الظالم ــ فكذلك هؤلاء، على فرض صِحَّة دعواهم. وأمَّا الموتى فقد سبق عن الشَّيخ أنَّهم لا شأن لهم بعالم الأحياء ألبتَّة. ويُشكِل على هذا أمورٌ أخرى نُقِلَت في هذا الكتاب عن الشَّيخ، إلَّا أنَّ التناقض في أشباه هذه الدَّعاوى لا يُستنكَر.

стр. 22

فصلٌ وقد عُلِم ممَّا ذكره الشيخ في اقتتال أهل الدِّيوان أنَّ عِلية القوم ــ وهم أهل الدِّيوان ــ قد يغلطون، فيزعمون ــ أوجماعة منهم ــ أنَّ مراد الله كذا، ويقاتلون عليه أخوانهم، ويقتلونهم. وإذا جاز هذا على هؤلاء في ديوانهم فما بالك بالواحد منه! فهذا يدلُّك أنَّنا لو سلَّمنا دعاويهم لما تحتَّم علينا قبول قولهم إذا خالفه دليلٌ ظاهرٌ من الكتاب والسُّنَّة. وقد تقدَّم مزيد على هذا، ويأتي تمامه إن شاء الله تعالى. فصلٌ فأمَّا الاستدلال بمشاهدة التصرُّف بتلك القوَّة، أو نقلها على أنَّ صاحبها وليٌّ = فواضح البطلان؛ لاعتراف القوم أنَّ تلك القوَّة لا يختصُّ اكتسابها وتحصيلها بالصَّالح، بل تكون أيضًا للفاجر والكافر، وكذلك الاحتجاج في نحو ما لو قال أحدهم قولًا أو فعل فعلًا فاعترض عليه، فتصرَّف فيه! فصلٌ من أشنع الأغلاط أن يُعدَّ التصرُّف بهذه القوَّة في الكرامات! أمَّا أولًا: فلِمَا علمتَ أنَّ حصول القوَّة والتمكُّن من التصرُّف بها قد يكون للفاجر والكافر. وأمَّا ثانيًا: فإن فُرِض أنَّ صاحبها وليٌّ فتصرُّفه بها إنَّما هو تصرُّفٌ بقدرةٍ حصَلَت له باكتسابه، فهذه القوَّة عند التَّحقيق من جُملة القُوى العاديَّة، كالإصابة بالعين، وليست من الخارق في شيءٍ!

стр. 23

نعم، هي كالواسطة بين القُوى العاديَّة المشهورة وبين الخوارق؛ فهي من قبيل السِّحر وأعمال الجنِّ الزائدة على الوسوسة ونحوها. والذي ظهر لي أنَّ هذا النَّوع ليس صاحبه يخلَّى وشأنه، يستعمله كيف يشاء، كما في القُوى العاديَّة، كالضَّرب والشتم، بل هو مقيَّدٌ بإذن خاصٍّ من الله . أو على الإذن الذي نصَّ عليه تعالى بقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢]. وهو غير مستلزمٍ الإذن الشَّرعي، كما لا يخفى. فالسَّاحر لا يستطيع أن يضرَّ بسِحره كلَّ أحدٍ، كما لا يستطيع الإنسان أن يضرب من شاء بحسب الإذن العام؛ بل لمن يقدر على الضَّرب عادةً إذنٌ خَلْقيٌّ عامٌّ، أن يضرب متى شاء؛ فإذا أراد الله منْعَه منَعَه، كقول الله لنار إبراهيم: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩]. والسَّاحر على خلاف ذلك. فالضَّارب مطلقٌ، يقيِّده الله إذا شاء، والساحر مقيَّدٌ، يطلقه الله ، فتدبَّر وأنْعِم النَّظر. والله أعلم. وقد حكوا أنَّ عالمًا رأى من شيخٍ ما يخالف الشَّريعة، فأنكر عليه فتصرَّف الشيخ، فنسي العالم علمه كلَّه، فتاب وتضرَّع إلى الشيخ، فأمره بذبح دِيكٍ عيَّنه له، وأن يأكل قلبه، ففعل، فعاد علمه كلُّه، فقال له الشيخ: كيف تُدِلُّ بعلمٍ وسِعَهُ قلبُ ديكٍ؟! أقول: إن صحَّت القصَّة فكان فرض ذلك العالم أن يستمرَّ على إنكاره،

стр. 24

ويتضرَّع إلى الله فيُذْهِب ما به، ويزيده علمًا إلى علمه، على رغم الشَّيخ. ولا يُستبعَد أن يَدَعَ الله المبطِل يتصرَّفُ بإضرار المُحِقِّ. وكفاك ما رُوِي في قصَّة اليهودي الذي سَحَرَ النَّبيَّ ﵌ (١). ولله حِكَمٌ لا تُحصَى، وإنَّما علينا الوقوف عند حدود الشَّرع. والله الموفق. وأمَّا الكرامة فإنَّما هي بفعل الله لا دخل فيها لقوَّة الولي، وكذلك المعجزة، كما يأتي إيضاحه إن شاء الله . ومن الجهل الفاحش أن يُظنَّ أنَّ المعجزات تصدر من قوَّةٍ في النَّبي، بل هذا قول المُلْحِدين كالمُتفَلْسِفَة، الذين يزعمون أنَّ النُّبوَّة والسِّحر من وادٍ واحد؛ إلَّا أنَّ النَّبيَّ خيِّرٌ، إنَّما يصرف قواه في الخير، بخلاف السَّاحر. راجع: «شرح المواقف» وغيره (٢). وبما قرَّرناه هنا يتبيَّن صحَّة فتوى من أفتى من الفقهاء بوجوب الضَّمان على القاتل بالحال المعروف بين المتصوِّفة ــ وهو من هذه القوَّة التي نتكلَّم عليها ــ وبطلان قول مَن خالفه، محتجًّا بما رُوِي أنَّ بعض التَّابعين دعا على

стр. 25

رجلٍ فهَلَك لحِينِه، فرُفِع إلى الأمير، فقال: دعوة رجل صالحٍ صادفت أجلًا ــ أو كما قال ــ، وخلَّى سبيل الدَّاعي (١). وإيضاح ذلك: أنَّ القاتل بالحال قتل بقوَّةٍ فيه، فهو كالقاتل بالسِّحر، إن لم نقل: إنَّه هو، ومثله فِعلُ مَن ضرب بسيفه أو طعن بخنجره أو رمى ببندقيَّته. وأمَّا الدَّاعي فلا شأن له، وإنَّما مثله مثل من شكا رجلًا إلى حاكمٍ، وطلب منه أن يقتله، فقتله الحاكم؛ فإن كان في هذا ضمان فعلى الحاكم وحده، وأمَّا في الواقع فالحاكم هو الله ﵎؛ فإذا كان قضاؤه بموت ذاك إجابة لدعاء هذا فقد بان بذلك أنَّ دعاء هذا حقٌّ. والله الموفق. فصلٌ هذه القوَّة لم تكن حاصلة للأنبياء عليهم الصلاة والسلام اكتسابًا قطعًا، وقد برَّأهم الله منها؛ إذ لو حصَلَت لأحدهم قبل النُّبوَّة لكان ذلك سِحرًا وما في معناه، وإذًا لقَوِيَت شُبهة الكفَّار في قولهم: ساحر. وأمَّا بعدها فكذلك. أمَّا اكتسابًا فواضحٌ. وأمَّا أن يعطيهم الله قوَّةً تشبهها، فمَن تدبَّر الكتاب والسُّنَّة والسِّيرة علِمَ أنَّه لم يحصل لهم ذلك، على أن يكون ملازمًا

стр. 26

لهم، وإنَّما يمدُّهم الله بالمعجزات بقدرته عندما يشاء ذلك. نعم، من المعجزات ما تقتضي الحكمة أن يكون للنَّبي أثر فيه، كضرب موسى ﵇ البحر والحجر بالعصا (١)، وكَرَمْي محمد ﵌ الكفَّار بالحصى (٢)، وغير ذلك. ولذلك حكمةٌ، قد ذكرتُ بعضها في موضع آخر، ولعلَّه يأتي في الكلام عن المعجزة إن شاء الله تعالى. وهذا لا يخالف ما تقدَّم؛ فإنَّ الضَّرب الواقع من موسى ﵇ هو ضربٌ عاديٌّ، بقوَّته العاديَّة، وأمَّا الأثر المعجز فهو حاصل بمَحْض قدرة الله . وأمَّا ما في الحديث من قوله ﵌ للمصلِّين: «إنِّي أراكم من خلفي» (٣) فالظَّاهر أنَّ هذه قوَّةٌ كان يجعلها له البارئ سبحانه في الصَّلاة

стр. 27

لمصلحة التَّعليم، وحصولها له من جُملة المعجزات. وإنْ صحَّت دعوى المتصوِّفة أنَّه قد يحصل لهم نحو ذلك بالقوَّة المذكورة فإنَّ الذي يحصل لهم عن اكتسابٍ عاديٍّ في الجملة، والذي حَصَل له ﵌ بغير ذلك؛ وإنَّما هو بمَحْض قدرة الله . وقِسْ على ذلك. فصلٌ وما ذكره الشيخ في الرِّياضة فيه نظر! أمَّا قوله: «إنَّ السَّلف كانوا لصفاء نفوسهم لا يحتاجون إلى رياضةٍ» فقد تقدَّم أنَّه لم يُنقَل عن السَّلف هذه الدَّعاوى التي يدَّعيها الخلف؛ فمقصود السَّلف إذًا غير مقصود الخلف. وأمَّا قوله: «إنَّه بعد تكدُّر القلوب احْتِيج إلى الجوع والخلوة والذِّكر» فنقول: قد كان يمكن تطبيق هذه الأمور على السُّنَّة؛ فيُكتَفى من الجوع بأن يُؤمَر المريد بالعمل بالسُّنَّة، في صوم يومٍ وإفطار يومٍ، وبتقليل الأكل في الجُملة؛ بأن يكون دون الشَّبع، كما يأتي. ويُكتفَى من الخلوة بأمره باجتناب مجالسة من لا ينفعه. ومن الذِّكر بكثرة تلاوة القرآن والأذكار الثابتة في الكتاب والسُّنَّة. فما بالكم خالفتم هذا، وسلكتم طُرُقًا أخرى، كما يُعلَم من النَّظر إلى رياضتكم؟ وقد تبيَّن من كلام الشيخ على رياضة الغزالي أنَّها طريقٌ عاديَّة يُتوصَّل بها إلى حضور ما يسمُّونه: الفتح! إلى آخر ما تقدَّم. والمعروف أنَّ جِنس هذه الرِّياضة معروفٌ عند اليونان والهند وغيرهم؛

стр. 28

يتوصَّلون بها إلى قوَّة الإدراك، وقوَّة الإرادة التي ينبني عليها قوَّة التَّأثير. وأمَّا وقوع بعض المسلمين في هذه الرِّياضة فمِن طريقين: الأولى: الغُلُو. الثانية (١): النَّقل عن الأُمَم الأخرى. وتفصيل ذلك: أنَّ الإسلام جاء بشرع الصِّيام والقيام، واجتناب الحرام والشُّبهات، وترك صُحبة أهل الشَّر والفساد، وحدَّد الصِّيام بعد الفَرْض بثلاثة أيَّامٍ من كُلِّ شهرٍ، إلى أن جعل منتهاه صيام يومٍ وإفطار يومٍ، ونهى عن صيام الدَّهر، وعن الوصال، وحضَّ على أكلة السَّحَر لمن يريد الصَّيام، ونهى عن قيام اللَّيل كلِّه، وعن العُزلة، وعن الترهُّب (٢).

стр. 29

وبَلَغَه [﵌] عن ثلاثة من أصحابه العزم على الزِّيادة على ذلك فخطبهم، وقال في خطبته: «لكنِّي أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوَّج النِّساء؛ فمَن رغِب عن سُنَّتي فليس منِّي» (١). وكان من سُنَّته أن يأكل الطَّعام الطَّيِّب إن تيسَّر له، فإن لم يتيسَّر اجتزأ بما حصل، فإن لم يجد شيئًا صبر على الجوع. وكان من دعائه: «وأعوذ بك من الجوع؛ فإنَّه بئس الضَّجيع» (٢). وكذلك سُنَّته في اللِّباس. وعلى نحو ذلك جَرَت سُنَّة أصحابه بعده.

стр. 30

إلَّا أنَّ بعضهم تأوَّل خبرًا في الصِّيام، فسَرَد الصَّوم، وكان بعض أصاغرهم يواصل (١). ثم نشأ أفرادٌ من التَّابعين رغبوا في كثرة العبادة وحبِّ العُزلة، وظهر من بعضهم التَّخاشع في الهيئة والمشي والجلوس، والصَّعق عند الذِّكر، وظهر أثر السُّجود على الجبهة = فأنكر عليهم ذلك من أدركهم من الصَّحابة وكبار التَّابعين. فأنكرت عائشة وغيرها على الذين يتخاشعون في الهيئة والمشي (٢). وقال لهم قائلٌ: «لا تموِّتوا علينا ديننا» (٣).

стр. 31

وأنكرت أختها أسماء وغيرها على الذين يصعقون عند الذِّكر (١). وقال بعض المنكرين: «إنَّه من الشَّيطان» (٢).

стр. 32

وأنكر ابن عمر وغيره على من رُئِي بجبهته أثر السُّجود (١). وعن ابن مسعودٍ: أنَّ بعض المتعبِّدين جعلوا لهم مسجدًا في عُزلتهم = فقال: «قوموا بنا نهدم مسجد الضِّرار»، فخرج وهَدَمه (٢). وكان الحسن البصري يُنكر على الذين يُخَشِّنون على أنفسهم في المَطْعَم والمَلْبَس (٣).

стр. 33

ولكنَّه مع ذلك بقي الأمر على ما هو عليه، ولم يزل يزداد يومًا يومًا. وكان المضيِّقون على أنفسهم في المَطْعَم والمَلْبَس يعتذرون بأنَّ الحلال الصِّرْف عزيزٌ. وامتنع بعضهم من النِّكاح؛ بعِلَّة أنَّه لو تزوَّج وصارت له عائلةٌ يحتاج إلى نفقتهم؛ فيخشى الوقوع في الحرام لعِزَّة الحلال. وفي أواسط القرن الثاني ظهر لبعض الذين يجوِّعون أنفسهم أنَّ الجوع يُورث الصَّفاء وقوَّة الفهم، فقالوا: إنَّ الجوع ينوِّر القلب. ففي ترجمة [بشر بن الحارث الحافي] من «صِفة الصفوة» [قال: «إنَّ الجوع يصفِّي الفؤاد، ويُورِثُ العِلم الدَّقيق] (١). فصار الجوع مقصودًا اختيارًا، بعد أن كان يقع اضطرارًا، ثم حَدَثت لبعضهم الخواطر، التي من شأن من يقبلها أن يتديَّن بها، فكان خيارهم لا يقبلون تلك الخواطر ما لم يكن مدلولها معروفًا في الكتاب والسُّنَّة. فعن أبي سليمان الدَّاراني أنَّه قال: [«ربَّما وقع في قلبي نُكتةٌ من نُكَت القوم أيامًا، فلا أقبل إلَّا بشاهدين عَدْلين، الكتاب والسنة»] (٢).

стр. 34

ثم اتَّسع نطاق الخواطر والتديُّن فأصبح أكثر القوم يَبْنُون دينهم عليها، وساعد على ذلك أنَّ أكثرهم كانوا من الأعاجم. واسْتَفْحَل الأمر في القرن الثالث، واتَّصل بالطَّريق الثاني، وهو النَّقل عن الأُمم كاليونان والهند، فحكاها المتفلسفون، وتقبَّلها المتصوِّفون، وعظَّمها بعض المتعطِّشين إلى العِلم، الزَّاهدين في الكتاب والسُّنَّة. وذلك أنَّ المتكلِّمين قد كانوا من قبل ذلك وضعوا من الكتاب والسُّنَّة، وزعموا أنَّه ليس فيهما ما يُغني في معرفة قواعد العقائد، بل من اقتصر عليهما كان بغاية الجهل بالله تعالى وصفاته، وأنَّ حقيقة الأمر إنَّما تُدرَك بالنَّظر العقلي، فاغترَّ كثيرٌ من النَّاس بذلك، فخاض مع الخائضين= فكان من أذكيائهم من لم يحصِّل في طريق المتكلِّمين على ما يشفي الغليل. واتَّفق أن كان ذلك بعد نقل الفلسفة؛ فخاض هؤلاء فيها، فمنهم من لم يحصِّل فيها على طائلٍ. واتَّفق أن كان ذلك وقت انتشار قول الباطنيَّة؛ فخاض هؤلاء معهم، فلم يجدوا عندهم شيئًا. واتَّفق أن كان ذاك وقت اشتهار خواطر المتصوِّفة. على أنَّ الباطنيَّة يخلطون خرافاتهم بالكلام والفلسفة والتصوُّف، كما تراه في «رسائل إخوان الصفا» من كتبهم (١).

стр. 35

وبالجملة فإن الطَّريقين ــ الغُلُو والنَّقل عن الأُمم الأخرى ــ اتَّصلا في القرن الثالث، ومن حينئذٍ اشتهرت المكاشفات والغرائب التي يسمُّونها كرامات، ولم تزل تنمو وتزيد. فأمَّا ما يُحكى من المكاشفات والكرامات عن التَّابعين وأتباعهم ومن قَرُبَ منهم فغالِبُه من اختراع القُصَّاص الذين لم يكونوا يُحْجِمون عن وضع الأحاديث، وروايتها عن النَّبيِّ ﵌، كما تقدَّم، فما بالك بما دون ذلك! فصلٌ من أركان الرِّياضة عندهم: الجُوع، ويجتمعون على إلصاقه بالدِّين، بما جاء عن النَّبي ﵌ وأصحابه. وقد تقدَّم ما يتعلَّق بذلك، وأنَّه لا حُجَّة فيه. وأقوى ما عندهم: حديث المقدام بن معدي كرب مرفوعًا: «ما مَلَأَ ابنُ آدم وعاءً شرًّا من بطنه، حسْبُ ابن آدم لُقَيمات يُقِمْن صُلْبَه، فإن غَلَبَت الآدمي نفسُه فثُلُثٌ للطَّعام، وثُلُثٌ للشَّراب، وثُلُثٌ للنَّفس». رواه ابن ماجه (١)، من طريق محمد بن حربٍ حدَّثتني أمِّي عن أمِّها أنَّها سمعت المقدام. والمرأتان مجهولتان. لكن أخرجه الترمذي (٢)، من طريق إسماعيل بن عيَّاش حدَّثني أبو سلمة الحمصي وحبيب بن صالح عن يحيى بن جابر الطَّائي عن مقدامٍ، وفيه: « ... بحَسْب ابن آدم أُكُلات ... فإن كان لا محالة فثُلُثٌ ... ».

стр. 36

قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح». قال عبد الرحمن: في إدراك يحيى بن جابر للمقدام كلام. قال البخاري في «التاريخ» (٤/ ٢/٢٦٥) (١): «يحيى بن جابر الطَّائي القاضي عن المقدام ... ». ومن عادة البخاري في «تاريخه» أنَّه حيث يثبت السَّماع يقول: «سمع»، وإلَّا قال: «وعن». وقال ابن أبي حاتم: «يحيى بن جابر .. روى عن المقدام .. مرسلٌ ... سمعتُ أبي يقول ذلك» (٢). فهذا ابن أبي حاتم جزم بأنَّ رواية يحيى عن المقدام مرسلةٌ، وكذلك جزم به المزِّي في «تهذيبه» (٣)، وابن حجر في «تهذيب التَّهذيب» (٤). لكن أخرج الإمام أحمد في «المسند» (٤/ ١٣٢): «ثنا أبو المغيرة ثنا سليمان بن سليم الكناني قال ثنا يحيى بن جابر الطائي قال: سمعتُ المقدام ... ». وكذلك أخرجه الحاكم في «المستدرك» (٤/ ٣٣١) من طريق أبي المغيرة، وقال: «صحيح الإسناد». وأقرَّه الذَّهبي. وفيه: «حسْب ابن آدم ثلاث أكلات».

стр. 37

وأبو المغيرة عبد القدُّوس بن الحجَّاج موثَّق، روى عنه البخاري في «صحيحه». وأبو سلمة سليمان بن سلمة موثَّقٌ أيضًا. ويحيى بن جابر موثَّقٌ، وكانت وفاته سنة ١٢٦. ووفاة المقدام سنة سبع وثمانين، وقيل: ثلاث وثمانين، وقيل: ست وثمانين. فبين وفاتيهما نحو أربعين سنة. فالسَّماع ممكنٌ؛ بأن يكون يحيى وُلِد سنة سبعين على الأقل، فأدرك من عمر المقدام بضع عشرة سنةً. وعلى هذا يكون عمر يحيى حين مات دون السِّتين، وأي بُعْدٍ في ذلك وهما في بلدةٍ واحدةٍ؟! وترجمة يحيى في «الثِّقات» في التَّابعين، وقال: «روى عن المقدام» (١). وذلك بمعنى الحكم بسماعه من المقدام. لكن قد يقوِّي قولَ أبي حاتم: بأنَّ يحيى كثير الإرسال عن الصَّحابة، الذين لم يدركهم، وبأنَّ عامَّة شيوخه ــ الذين لا كلام في سماعه منهم ــ هم من صغار التَّابعين، كصالح بن يحيى بن المقدام بن معد يكرب، وعبد الرحمن بن جبير بن نفير. والله أعلم. فقه الحديث: أمَّا أوَّله فهو في ذمِّ ملء البطن، ولا نزاع في ذمِّه؛ لأنَّه يورث البِطْنَة والتُّخمة، وينشأ عن ذلك الكسل والفتور، ويكون سببًا لكثير من الأمراض، فهو إضرارٌ بالجسم والرُّوح، وتضييع للمال. وقوله: «أُكُلات» بضمَّتين، جمع أُكْلَة، كلُقْمَة، وزنًا ومعنى. وزيادة: «ثلاث» في رواية «المستدرك» منكرةٌ؛ فإنَّ الثلاث اللُّقَم لا تقيم الصُّلْب عادة، ولم يكن النَّبي ﵌ وأصحابه يكتفون عند وجود الطَّعام

стр. 38

بثلاث، بل ولا تِسْعٍ. وقد يتوهَّم أن يكون وقع في هذه الرواية: «أكلات» بفتحتين، ولا يصحُّ؛ لمخالفته السِّياق، ولأنَّ المعروف في ذلك العهد الاكتفاء بأكلتين في اليوم، الغداء والعشاء. و «أكلات» جمعٌ بالألف والتاء، وأهل العربيَّة يعدُّونه من الجموع التي حقُّها أن تُطْلَق على ما دون الأحد عشر، ولا تحمل على أحد عشر فما فوقه إلَّا بقرينةٍ (١). لكن ضعَّف ابن خروفٍ، وصوَّبه الرَّضِي ومن تَبِعَه، أنَّ هذا الجمع مخالفٌ لتلك الجموع، وأنَّه يطلق على ثلاثة فما فوقها، إلى ما لا نهاية (٢). إلَّا أنَّ السِّياق هنا يدلُّ على القِلَّة، وهي هنا مبيَّنةٌ بقوله: «يُقِمْن صُلْبَه»، فالمدار إذًا على إقامة الصُّلْب، وهي كناية عن ذهاب الجوع، وحفظ القوَّة. فالقَدْر الذي يُذهِب الجوع ويحفظ القوَّة هو القَدْر الذي ينبغي الاكتفاء به. ثمَّ زاده بيانًا بقوله: «فإن كان لا محالة .. ». وإيضاحه: أنَّ الإنسان الصَّحيح قد يأكل ويشرب ويحسُّ بالثقل والضِّيق، وقد يأكل ويشرب ثم لا يجد ثقلًا ولا ضيقًا، فثُلُث الطَّعام هو القَدْر إذا زاد عليه وقع في الحال الأُولى. وذلك لا ينضبط تحديدًا، ولكن يمكن للإنسان معرفته بأحد أمرين: الأوَّل: أن لا يستوفي شهوته من الطَّعام، كما قيل: أن تقعد على الطَّعام

стр. 39

وأنت تشتهيه، وتقوم عنه وأنت تشتهيه، يعني: بعد أخذ المقدار الذي تحْزُرُ أنَّه يكفيك. الثَّاني: أن يقدِّر أكله، كأن يكون طعامه خبزًا مستويًا كل يوم، فيعلم أنَّه إذا أكل ثلاثة أرغفة أحسَّ بالضِّيق والثقل، وإذا أكل رغيفين ونصفًا لم يحسَّ بذلك. والأمر الثاني لا يتيسَّر كلَّ وقتٍ، فالاعتبار بالأوَّل. وعلى كلِّ حالٍ فينبغي للإنسان أن لا يستوفي القَدْر الذي يعلم أنَّه إذا زاد عليه كَظَّه، بل يدعُ فسحةً؛ لأنَّه قد يجِدُ طعامًا شهيًّا، فيختلُّ حسابه، بأن يأكل فوق حاجته، ويظنُّ أنَّه لم يفعل، وقد يجِدُ بعد الأكل فاكهةً أو نحوها فيشتهيها ولا يصبر. فالحاصل: أنَّ مَن استوفى ثُلث الطَّعام، وجعل ذلك عادته كان معرَّضًا لأنْ يقع في الزِّيادة؛ فالحكمة تقتضي أن يعتاد النَّقص على ذلك. واعْلم أنَّ الشِّبَع لا يتوقَّف استيفاءً على الثُلُث، بل يحصل بدُونِه، وعلى ذلك يُحمَل ما يجيء في الأحاديث والآثار في أكل النَّبيِّ ﵌ وأصحابه حتى شبعوا (١).

стр. 40

ومع هذا كلّه فما في الشَّريعة من كراهية الإفراط في الأكل حكمٌ مستمرٌّ، لا يختصُّ بوقتٍ دون وقتٍ، والجوع الرِّياضي إنَّما يأمرون به زمن الرِّياضة، فأمَّا من فُتِح له عندهم فلا يحجرون عليه شيئًا، ولا يكاد يحجر على نفسه، وهذا أمرٌ لا [أصل له] في الشريعة ألبتَّة. فصلٌ ومن أركانها: السَّهَر، ويحتجُّون على إلصاقه بالدِّين بما جاء في قيام اللَّيل. ولا يخفى على من له علم بالدِّين أنَّ قيام اللَّيل ليس المقصود من السَّهر، وإنَّما المقصود العبادة بالصَّلاة والذِّكر والدُّعاء، فلو سهر الإنسان بدون ما ذِكْرٍ لم يكن له شيءٌ من الفضل. ومع ذلك فقد وَرَدَ النَّهي عن استيعاب جميع اللَّيل بالقيام (١). وجاء تحديد الأفضل بقوله ﵌: «أفضل القيام قيام داود، كان ينام نصف اللَّيل، ويقوم ثُلُثه، وينام سُدُسه» (٢). واللَّيل هنا ليس المقصود به اللَّيل الطَّبيعي، وهو ما بين غروب الشَّمس وطلوعها؛ لوجهين:
следующие страницы →