Полный текст (1 058 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
من تلحق به المرأة في الآخرة من أزواجها
السؤال
هل صحيح أن المرأة التي تزوجت بزوجين أو أكثر في الدنيا تخير في الجنة تتزوج بمن شاءت؟
الجواب
الذي جاء أنها تكون للآخر، وأما ما جاء من أنها تخيّر فهو ضعيف.
стр. 107
مكان حشر الناس
السؤال
هل ورد عن النبي ﷺ أن أرض المحشر هي الشام؟
الجواب
أما في الدنيا فيساق الناس إلى الشام، وأما بعد الموت فإنهم يكونون في أرض أخرى، فقد جاء أن الناس يساقون في آخر الزمان إلى الشام، ويجتمعون هناك، وجاء في الحديث: (أن ناراً تخرج من عدن، فتسوق الناس إلى الشام)، وأما الحشر يوم القيامة فإنه يكون في أرض مستوية ليس فيها مرتفعات ولا منخفضات.
стр. 108
إشكال وجواب
السؤال
إذا كان نفس الجسد هو الذي يبعث ويعذب فما معنى أن ضرس الكافر مثل أحد؟
الجواب
ليس هناك تنافٍ؛ لأن الجسم يكبر، فيكون جسم الكافر في النار صخماً، كما أن الذين يدخلون الجنة يدخلونها على طول أبيهم آدم ستين ذراعاً كما جاء بذلك الحديث، فلا يدخلون وهم على حجمهم في الدنيا.
стр. 109
شرح الأربعين النووية [٦]
الإيمان بالقدر من أركان الإيمان وأصوله، وهو أن يؤمن العبد بأن الله تعالى خلق العباد وأفعالهم، وجعل أفعالهم كسباً لهم باختيارهم ولا تتم إلا بمشيته تعالى وإرادته، فالعباد لهم في كسبهم مشيئة وإرادة فليسوا مجبورين عليها، إلا أن ذلك لا يخرج عن مشيئة الله تعالى، فليسوا خالقين لأفعالهم.
стр. 110
مسائل في القدر
القدر من أمور الغيب التي لا يعلمها إلا الله ، وأصول الإيمان الستة كلها من الإيمان بالغيب، وهي: الإيمان بالله والملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر والقدر خيره وشره.
ويمكن للناس أن يعرفوا المغيَّب من القدر بأمرين اثنين: أحدهما: وقوع الشيء، فإن وقوعه دليل على أنه مقدر؛ لأنه لا يقع في الكون إلا ما قدره الله وشاءه، وأما ما لم يشأه فإنه لا يقع، وأما ما شاءه فلا بد من أن يكون.
الأمر الثاني: الإخبار من رسول الله ﷺ عن أمور مستقبلة، فإن هذا الإخبار الذي ثبت عن رسول الله ﵊ يدل على أن هذا المخبَر به لا بد من أن يوجد، ولا يكون كذلك إلّا وقد سبق به القضاء والقدر؛ لأنه لا يوجد ولا يقع إلا شيء مقدَّر.
стр. 111
وسطية أهل السنة في باب القدر
هناك أمور أخرى تتعلق بالإيمان بالقدر، منها: أن أهل السنة والجماعة وسط في القدر بين الجبرية والقدرية، بين الجبرية الغلاة في الإثبات، وبين القدرية الذين نفوا القدر وجعلوا العباد خالقين لأفعالهم، فأهل السنة والجماعة توسطوا بين هؤلاء وهؤلاء، فالجبرية قالوا: إن الإنسان مجبور على أعماله وحركاته الاختيارية وغيرها، وأنه مثل الشجرة التي تحركها الرياح، ومثل الريشة التي تطير في الهواء، وإن الإنسان ليس له إرادة ولا مشيئة، بل هو مجبور على ما يحصل منه من أفعال.
ولم يفرقوا بين أفعال الإنسان الاختيارية وأفعاله الاضطرارية.
ويقابل هؤلاء القدرية الذين قالوا: إن الله لم يقدَّر أعمال العباد على العباد؛ لأنه منزه عن الشر، وإنما العباد هم الذين يخلقون أفعالهم، وهم الذين يوجدون أعمالهم.
وأما أهل السنة فقالوا: إن أعمال العباد هي كسب لهم، فهي واقعة بمشيئتهم وإرادتهم، ومشيئتهم وإرادتهم تابعة لمشيئة الله وإرادته؛ لأنه لا يقع في الكون إلا مقدّر، وعلى هذا فهم وسط بين الذين غلوا في إثبات القدر حتى قالوا: إن الإنسان مجبور على أفعاله الاختيارية.
وبين الذين نفوا القدر وقالوا: إن الإنسان هو الذي يخلق فعله ويوجده.
فهم متوسطون بين هؤلاء وهؤلاء.
ويقول أهل السنة: إن أفعال العباد تنقسم إلى قسمين: أفعال اضطرارية، وأفعال اختيارية، فالأفعال الاضطرارية هي التي لا مشيئة ولا إرادة لهم فيها، فهي خارجة عن إرادتهم ومشيئتهم، وذلك مثل ارتعاش يد الإنسان، فهذا الارتعاش ليس من فعل الإنسان، وإنما هو صفة له، وهو يريد أن يفعل الأسباب التي تجعله يَسلَم من هذا الشيء، فإنه ليس من فعله، وليس بإرادته ومشيئته، فهذه الأفعال من الله وليس للإنسان كسب فيها.
أما الأفعال الاختيارية فهي الأكل والشرب والذهاب والإياب والبيع والشراء والصلاة والصيام، وغير ذلك من الأفعال التي هي كسب من العبد وتحصل بمشيئة العبد وإرادته، ولكنها لا تخرج عن مشيئة الله وإرادته؛ لأن الله تعالى هو خالق العباد، وهو خالق أفعال العباد، وكل ما يقع في الوجود من حركة أو سكون فهو بمشيئة الله وإرادته وخلقه وإيجاده ، وهذه الأفعال الاختيارية يثاب عليها العبد ويعاقب.
وبهذا يتبين أن هناك فرقاً بين الأفعال الاختيارية والأفعال الاضطرارية، ولهذا نجد النحاة يعرفون الفاعل فيقولون: هو اسم مرفوع يدل على من حصل منه الحدث أو اتصف به.
فهذا التفصيل في هذا التعريف يشمل القسمين من أفعال العباد: الاختيارية والاضطرارية، فالذي حصل منه الحدث هو أن يأكل ويشرب ويبيع ويشتري ويصلي ويصوم، فهذه أفعال اختيارية، وتحصل من الإنسان بمشيئته وإرادته، وأما من قام به الحدث واتصف به فهو مثل: (مرض فلان)، و (مات فلان)، و (ارتعش فلان)، فإن هذه ليست من أفعاله، وليست من كسبه؛ لأن الموت ليس بإرادته ومشيئته، وهو لا يريد الموت، وكذلك المرض، فهو لا يريده، فإذا قيل: مرض زيد فـ (مرض) فعل ماضي، و (زيد) فاعل، قيل له: (فاعل)؛ لأن الحدث قام به، وهو الموت، وكذلك المرض قام به، وكذلك الارتعاش قام به، وهو لم يفعله باختياره، ففرق بين الأفعال الاختيارية والأفعال الاضطرارية.
ويقول أهل السنة: إن أفعال العباد خلق الله وكسب من العباد؛ لأنها تقع بمشيئتهم وإرادتهم التابعة لمشيئة الله وإرادته، كما قال الله : ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير:٢٨]، فأثبت للعبد مشيئة، ثم أخبر بأن مشيئته لا تكون مستقلة عن مشيئة الله، بل هي تابعة لها، وما يوجد من العبد بمشيئته وإرادته فإنه يكون بمشيئة الله وإرادته؛ لأنه لا يمكن أن يشاء العبد شيئاً ويقع والله تعالى لم يشأ وقوعه، وقد عرفنا أن الكلمتين اللتين تشتملان على بيان عقيدة المسلمين وعقيدة أهل السنة والجماعة في القضاء والقدر هما: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
وقد جاء في بعض الأحاديث أن الرسول ﷺ قال: (والخير كله بيديك، والشر ليس إليك)، فليس معنى ذلك أن الشر ليس بمشيئة الله وإرادته وخلقه وإيجاده، بل كل شيء بمشيئة الله تعالى وإرادته وخلقه وإرادته، سواء أكان خيراً أم شراً، ولكن المقصود من ذلك أنه لا يخلق شراً خالياً من حكمة وفائدة، بل كل ما يخلقه الله من الشرور فإن من ورائه حكمة عظيمة.
فليس المراد أن هذه الأفعال ليست من الله، أو أنها خارجة عن مشيئة الله، وأن العباد هم الذين يوجدونها، ولم يقدرها الله تعالى، بل الله خالق كل شيء، كما قال الله : ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر:٦٢]، فيدخل في ذلك كل شيء مخلوق، وكذلك قول الله : ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦]، أي: خلقكم وخلق أعمالكم.
فهو خالق الذوات، وخالق الصفات، وخالق الأفعال، أي أنه خالق العباد وخالق أفعالهم.
стр. 112
تسيير الإنسان وتخييره، وقول أهل السنة في ذلك
يظهر من خلال ما ذكرته آنفاً أن أهل السنة متوسطون بين الجبرية وبين القدرية، وأنهم يثبتون لله مشيئة وإرادة، ويثبتون للعبد مشيئة وإرادة، وأن مشيئة العبد وإرادته تابعة لمشيئة الله تعالى وإرادته وهي: هل الإنسان مخير أو مسير؟ والجواب أنه لا يصلح أن نجيب بواحد من المسئول عنهما، بل الجواب شيء ثالث غير الاثنين، فلا يقال: هو مخيَّر مطلقاً ولا مسيَّر مطلقاً، بل يفصل في ذلك، فهو مسيَّر ومخيَّر، مخير باعتبار أن الله تعالى جعل له عقلاً وتمييزاً، وبيّن له طريق الخير من طريق الشر، وأن هذا الطريق يوصله إلى الجنة وهذا الطريق يوصله إلى النار، كما قال الله : ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:٨ - ١٠] أي: بيّنّا له طريق الخير وطريق الشر، وعنده من العقل ما يميّز ويعرف به ما ينفع وما يضر، فهو يختار ما يريد بمشيئته وإرادته، وبذلك يستحق الجزاء من ثواب أو عقاب، ولكن هذا الذي يحصل منه لا يكون خارجاً عن مشيئة الله وإرادته، بل هو تابع لمشيئة الله وإرادته.
فالعبد مخيّر باعتبار أن له مشيئة وإرادة وعقلاً وتمييزاً، وأنه قد بُيَّن له طريق الخير ومآله، وطريق الشر ومآله، كما قال النبي ﷺ لأصحابه: لما سألوه: فيم العمل؟ قال: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له).
ولذلك يثاب العبد ويعاقب، فتقام عليه الحدود ويعزر بناءً على ما يحصل منه من الوقوع في أمور لا يجوز له أن يقع فيها.
وهو مسيَّر باعتبار أنه لا يقع منه شيء خارج عن مشيئة الله وإرادته، بل لا يحصل منه شيء إلّا وقد قدّره الله وقضاه؛ لأنه لا يقع في الكون إلا مقدَّر، ولا يكون في الكون إلا ما سبق به قضاء الله وقدره.
ولهذا فالجواب عن سؤالهم: هل الإنسان مخير أو مسير لا يكون بالإطلاق على أنه مخيّر أو مسيّر، وإنما يقال: هو مخير ومسيّر، مخير باعتبار، ومسير باعتبار آخر، فهذا هو الجواب السديد والسليم.
ويشبه هذا الجواب في عدم تعيين واحد من شيئين مسئول عنهما وأنه يُجاب بالجمع بينهما مسألة (هل الحدود زواجر أو جوابر) فلا يقال: الحدود زواجر فقط، ولا جوابر فقط، وإنما يقال: فهي جوابر وزواجر، فجوابر باعتبار أن الإنسان إذا فعل معصية عليها حد في الدنيا، وأقيم عليه الحد في الدنيا فإنه قد حصّل جزاءه على هذا الذنب في الدنيا، فلا يعذب به مرة أخرى؛ لأن النقص الذي حصل قد جُبر بالحد.
وقد ثبت من حديث عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ أنه قال: (من أصاب شيئاً من هذه الحدود فأقيم عليه الحد كان كفارة له)، فقوله: (كان كفارة له) أي أنه جبر هذا النقص الذي حصل منه بهذا الحد الذي أقيم عليه وصار كفارة له.
وهي زواجر لمن أقيم عليه الحد حتى لا يعود إليه مرة أخرى، وزواجر لغيره حتى لا يقع فيما وقع فيه ذلك الإنسان الذي أقيم عليه الحد.
والذين يقولون: إنها زواجر وليست بجوابر هم الخوارج، فهم الذين يرون أن الإنسان إذا لم يتب ولم يقم عليه الحد فإنه يكون مخلداً في النار؛ لأن أصحاب الكبائر على مذهبهم مخلدون في النار، وأنه لا ينفع في ذلك إلا التوبة، وأن الإنسان إذا أقيم عليه الحد ولم يتب فإنه يخلد في النار.
وقد بيَّن حديث عبادة بن الصامت السابق أنها كفارة له، أي: كأن الذنب لم يكن، وإن لم يحصل منه توبة، فأما إذا حصل منه توبة فالتوبة تجب ما قبلها، لكن إذا أقيم الحد على إنسان ما فلا يعاقب عليه مرة أخرى في الدنيا ولا في الآخرة، فهذا الذنب الذي وقع منه قد كفَّر عنه بهذه العقوبة التي حصلت له في الدنيا، وهي إقامة الحد عليه.
стр. 113
عدم جواز الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي
من المسائل المتعلقة بالقضاء والقدر أنه لا يجوز الاحتجاج بالقدر على ترك مأمور أو فعل محظور، فبعض الناس إذا لم يحصل منه فعل المطلوب ثم عوتب على ذلك يقول: قضاء وقدر، وهذا الأمر مقدَّر عليَّ.
وإن وقع في معصية فعوتب على ذلك قال: هذا مقدر! والجواب أن كل شيء مقدر، فالعقوبة مقدرة والفعل مقدر، فيعاقب على فعله، ويعزر إذا كان يستحق التعزير، أو يقام عليه الحد، ويقال له: وهذا -أيضاً- مقدر.
فالله تعالى قد قدر وقوع هذه الأعمال، وقدر العقوبة عليها، فلا يجوز الاحتجاج بالقدر على ترك مأمور أو فعل محظور.
وأما قصة احتجاج آدم وموسى الثابتة في الصحيحين فإن ذلك ليس احتجاجاً على المعايب والمعاصي, وإنما هو احتجاج على المصائب التي نتجت عن هذه المعايب.
ثم إن اللوم على المعصية إنما يكون قبل التوبة، وأما إذا وجدت التوبة فإن الإنسان لا يلام على فعله الذي تاب منه، ولا يتعرض له، وإنما يلام الإنسان ما دام مستمراً على معصيته.
وهناك مسائل أخرى تتعلق بالإيمان بالقضاء والقدر، وقد أوضحتها في كتاب (قطف الجنى الداني في شرح مقدمة رسالة ابن أبي زيد القيرواني).
стр. 114
شرح الأربعين النووية [٧]
الطمأنينة والسعادة هي في التسليم بأقدار الله تعالى، والعلم بأن ما أصاب العبد لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، فإذا سلم العبد بذلك انشرح صدره، واطمأن قلبه؛ لأنه يعلم علم اليقين أنه بين يدي رحيم رحمان، لا يظلم أحداً من الإنس والجان، حكيم في أفعاله، رءوف بعباده.
وللقدر مراتب يجب على العبد الإيمان بها، وقد دلت عليها الآيات المتوافرة من الكتاب العزيز، والأحاديث الكثيرة من السنة النبوية، والإجماع من سلف هذه الأمة.
стр. 115
الإيمان بالقدر
الإيمان بالقدر أحد أصول الإيمان الستة المبينة في حديث جبريل المشهور، فقد سأل رسول الله ﷺ عن الإيمان فقال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره).
أخرجه مسلم في (صحيحه)، وهو أول حديث في كتاب الإيمان الذي هو أول كتب صحيحه.
وجاء في إسناده أن عبد الله بن عمر ﵄ حدث به عن أبيه استدلالاً به على الإيمان بالقدر، وذلك عندما سأله يحيى بن يعمر وحميد بن عبد الرحمن الحميري عن أناس وُجدوا في العراق ينكرون القدر، ويقولون: إن الأمر أنف.
فقال للسائل: (فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم برآء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر) ثم حدث بالحديث عن أبيه.
وحديث جبريل الذي رواه عمر من أفراد مسلم، وقد اتفق الشيخان على إخراجه من حديث أبي هريرة ﵁.
وقد جاء في القرآن آيات كثيرة، وجاءت في السنة أحاديث عديدة تدل على إثبات القدر، فأما القرآن فقد قال الله : ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩]، وقال: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة:٥١]، وقال: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد:٢٢].
وأما السنة فقد عقد الإمامان البخاري ومسلم في صحيحيهما كتاباً للقدر اشتمل على أحاديث عديدة في إثبات القدر، فروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، فإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا.
ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن (لو) تفتح عمل الشيطان)].
وهذا الحديث عظيم، ومعناه أن قوة القوي وضعف الضعيف مقدران، وأن كل ذلك بقضاء الله وقدره، وكلاهما فيه خير مع تفاوتهما.
وقد جاء في الحديث الآخر أن النبي ﷺ قال: (كل شيء بقدر، حتى العجز والكيس) أي: حتى نشاط النشيط وكسل الكسول.
فكل ذلك مقدر، فلا تقع حركة ولا سكون في الوجود إلا وهي بقضاء الله وقدره، وبمشيئة الله وإرادته، وخلقه وإيجاده.
ثم قال ﵊: (احرص على ما ينفعك، واستعن بالله)، فعلى الإنسان أن يأخذ بالأسباب، ولا يتكل على القدر ويقول: إذا كتب الله لي شيئاً فإنه سيأتيني، ولو لم أفعل الأسباب.
فلابد من فعل الأسباب، ولهذا قال ﷺ : (احرص على ما ينفعك) أي: أن نأخذ بالأسباب.
ولكن مع الأخذ بالأسباب لا يعول الإنسان عليها بحيث إنه يجعلها كل شيء، ولا يكون هناك شيء وراء الأسباب، بل هناك شيء وراء الأسباب، وهو توفيق مسبِّب الأسباب، وهو الله ، ولهذا قال بعد ذلك: (واستعن بالله) أي: ليس الأمر أن يفعل الإنسان السبب فيحصل كل شيء، وهذا هو حال الناس الماديين الذين ليس لهم صلة بالله ، فالحياة عندهم أسباب ومسببات ولا شأن لله .
والذي يعتقده المسلم أنه لابد من الاثنين؛ لا بد من أن يفعل الإنسان السبب، ولابد أن يستعين بالله على حصول المسبب.
وقد بين النبي ﷺ أن فعل الأسباب لا يتنافى مع التوكل، فقال ﷺ : (لو أنكم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً)، فالتوكل على الله ليس بترك الأسباب، والرسول ﷺ -وهو سيد المتوكلين- كان يلبس اللأمة والمغفر في الحرب، وهما من أسباب الوقاية، وهو مع ذلك متوكل على الله .
فالأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل، بل هو أمر مطلوب، فالإنسان عندما يريد الولد فإنه يتزوج، وليس هناك طريق للنسل إلا الزواج أو ملك اليمين، ولا يأتي الولد عفواً، ولو أن إنساناً قال: إذا قدِّر الله لي أن يأتني الولد تزوجت وإلّا فلا، أو يصير لي ملك يمين وإلّا فلا فإن هذا يعتبر سفهاً؛ لأن الولد لا يحصل إلا بهذا الطريق.
فلابد من الأخذ بالأسباب، ولكن مع كون الإنسان يتزوج ويأخذ بالأسباب عليه أن يعلم أن الزواج ليس هو كل شيء في تحقيق الولد، بل إن شاء الله ووفق في حصول الولد حصل ذلك، وإن شاء أن لا يحصل لم يحصل وإن أخذ بالأسباب، فلابد من الأمرين جميعاً، ولهذا نجد أن النبي ﷺ أرشد إليهما في قوله: (احرص على ما ينفعك، واستعن بالله).
فالإنسان لا يعول على الأسباب ويقول: هي كل شيء.
وكذلك لا يتركها ويقول: سأجلس في بيتي ولن أبحث عن الرزق، وإذا قدر الله لي شيئاً فإنه سيأتي إليَّ وإن لم أفعل الأسباب.
وقد بيّن الرسول ﷺ أن الطير تغدو خماصاً ولا تجلس في أوكارها وتنتظر أن يأتيها الرزق بدون فعل السبب، فقال ﷺ : (لو أنكم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً) أي أنها في الصباح تروح خاوية البطون (وتروح بطاناً) أي: وتأتي في الرواح مليئة البطون.
فقد فعلت الأسباب، وفعل الأسباب لا ينافي التوكل، ولهذا أرشد النبي ﷺ في هذا الحديث إلى الأمرين: فعل السبب، وبيان الشيء الذي لابد منه لتحصيل المقصود، وهو توفيق الله سبحانه، فالإنسان مع فعله السبب يلجأ إلى الله ويسأله أن ينفع بالأسباب، وأن يوفقه لتحصيل ما يريد، وأن يسهل له ذلك، فقال: (واستعن بالله ولا تعجز)، ثم قال: (فإن أصابك شيء) أي: بعد فعل الأسباب (فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا)، فلو أن إنساناً -مثلاً- دخل في مشروع من المشاريع وفعل الأسباب ولكنه فشل في هذا المشروع فليس له أن يقول: لو أنني لم أفعل هذا المشروع وفعلت مشروعاً آخر لحصل كذا وكذا.
فهذا كلام باطل، فالله أعلم بما كان وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف سيكون، فلا يدري الإنسان لو فعل مشروعاً آخر أنه سيوفق فيه؛ لأن ذلك غيب، ولا يعلم الغيب إلا الله ، قال ﷺ : (فإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا وكذا.
ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن (لو) تفتح عمل الشيطان).
فالإنسان إذا قال: لو فعلت كذا لكان كذا فإن ذلك من عمل الشيطان ووسوسته للإنسان ليظله وليغويه، وليبعده عن التعويل على الله في جميع شئونه.
стр. 116
أعمال العباد خيرها وشرها بقضاء وقدر
وروى مسلم بإسناده إلى طاوس أنه قال: (أدركت ناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقولون: كل شيء بقدر)، قال: وسمعت عبد الله بن عمر ﵄ يقول: قال رسول الله ﷺ : (كل شيء بقدر، حتى العجز والكيس، أو: الكيس والعجز).
العجز والكيس ضدان، فنشاط النشيط وكسل الكسول وعجزه كل ذلك بقدر، قال النووي في شرح الحديث: ومعناه أن العاجز قد قُدِّر عجزه، والكَيّس قد قُدِّر كَيسه.
وقال ﷺ : (ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار، فقالوا: يا رسول الله! أفلا نتكل؟ فقال: اعملوا فكل ميسر لما خُلق له.
ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالحسنى﴾ [الليل:٥ - ٦] إلى قوله ﴿لِلْعُسْرَى﴾ [الليل:١٠]).
رواه البخاري ومسلم من حديث علي ﵁.
وهذا الحديث يدل على أن أعمال العباد الصالحة مقدرة، وأنها تؤدي إلى حصول السعادة، وأن أعمالهم السيئة مقدرة، وأنها تؤدي إلى الشقاوة، وقد قدّر الله الأسباب والمسببات، وكل شيء لا يخرج عن قضائه].
لقد قدّر الله الأسباب وهي الأعمال، والمسببات وهي النهايات، فإذا عمل الإنسان عملاً صالحاً فهذا العمل سبب من الأسباب، وهو مقدّر، والغاية هي دخول الجنة، وهي -أيضاً- مقدرة، وكذلك العكس، فعمل السيئات مقدر، وهو يوصل إلى النار، وذلك مقدر، فالسعادة والشقاوة مقدّرتان، والأسباب التي توصل إليهما مقدرة أيضاً.
стр. 117
كل شيء بقضاء وقدر
وكل شيء لا يخرج عن قضاء الله وقدره، وخلقه وإيجاده، فعن عبد الله بن عباس ﵄ أنه قال: (كنت خلف رسول الله ﷺ يوماً، فقال: يا غلام! إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام وجفت الصحف).
رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح].
جاء في بعض الروايات: (واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك) أي أن ما أصابك وحصل لك لا يمكن أنه يتخلف، وأن ما أخطأك لا يمكن أنه يقع، وهذا هو معنى (ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن)، فجملة (ما شاء الله كان) بمعنى (ما أصابك لم يكن ليخطئك)، وجملة (وما لم يشأ لم يكن) بمعنى (وما أخطأك لم يكن ليصيبك) وهاتان الجملتان -أعني: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن- عليهما تنبني عقيدة أهل السنة والجماعة في القضاء والقدر.
وهذا الحديث شرحه الحافظ ابن رجب في كتابه: (جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثاً من جوامع الكلم)، وهو الحديث التاسع عشر من الأربعين النووية.
стр. 118
مراتب الإيمان بالقدر
الإيمان بالقدر أحد أصول الإيمان الستة المبينة في حديث جبريل المشهور، فقد سأل رسول الله ﷺ عن الإيمان فقال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره).
أخرجه مسلم في (صحيحه)، وهو أول حديث في كتاب الإيمان الذي هو أول كتب صحيحه.
وجاء في إسناده أن عبد الله بن عمر ﵄ حدث به عن أبيه استدلالاً به على الإيمان بالقدر، وذلك عندما سأله يحيى بن يعمر وحميد بن عبد الرحمن الحميري عن أناس وُجدوا في العراق ينكرون القدر، ويقولون: إن الأمر أنف.
فقال للسائل: (فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم برآء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر) ثم حدث بالحديث عن أبيه.
وحديث جبريل الذي رواه عمر من أفراد مسلم، وقد اتفق الشيخان على إخراجه من حديث أبي هريرة ﵁.
وقد جاء في القرآن آيات كثيرة، وجاءت في السنة أحاديث عديدة تدل على إثبات القدر، فأما القرآن فقد قال الله : ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩]، وقال: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة:٥١]، وقال: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد:٢٢].
وأما السنة فقد عقد الإمامان البخاري ومسلم في صحيحيهما كتاباً للقدر اشتمل على أحاديث عديدة في إثبات القدر، فروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، فإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا.
ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن (لو) تفتح عمل الشيطان)].
وهذا الحديث عظيم، ومعناه أن قوة القوي وضعف الضعيف مقدران، وأن كل ذلك بقضاء الله وقدره، وكلاهما فيه خير مع تفاوتهما.
وقد جاء في الحديث الآخر أن النبي ﷺ قال: (كل شيء بقدر، حتى العجز والكيس) أي: حتى نشاط النشيط وكسل الكسول.
فكل ذلك مقدر، فلا تقع حركة ولا سكون في الوجود إلا وهي بقضاء الله وقدره، وبمشيئة الله وإرادته، وخلقه وإيجاده.
ثم قال ﵊: (احرص على ما ينفعك، واستعن بالله)، فعلى الإنسان أن يأخذ بالأسباب، ولا يتكل على القدر ويقول: إذا كتب الله لي شيئاً فإنه سيأتيني، ولو لم أفعل الأسباب.
فلابد من فعل الأسباب، ولهذا قال ﷺ : (احرص على ما ينفعك) أي: أن نأخذ بالأسباب.
ولكن مع الأخذ بالأسباب لا يعول الإنسان عليها بحيث إنه يجعلها كل شيء، ولا يكون هناك شيء وراء الأسباب، بل هناك شيء وراء الأسباب، وهو توفيق مسبِّب الأسباب، وهو الله ، ولهذا قال بعد ذلك: (واستعن بالله) أي: ليس الأمر أن يفعل الإنسان السبب فيحصل كل شيء، وهذا هو حال الناس الماديين الذين ليس لهم صلة بالله ، فالحياة عندهم أسباب ومسببات ولا شأن لله .
والذي يعتقده المسلم أنه لابد من الاثنين؛ لا بد من أن يفعل الإنسان السبب، ولابد أن يستعين بالله على حصول المسبب.
وقد بين النبي ﷺ أن فعل الأسباب لا يتنافى مع التوكل، فقال ﷺ : (لو أنكم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً)، فالتوكل على الله ليس بترك الأسباب، والرسول ﷺ -وهو سيد المتوكلين- كان يلبس اللأمة والمغفر في الحرب، وهما من أسباب الوقاية، وهو مع ذلك متوكل على الله .
فالأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل، بل هو أمر مطلوب، فالإنسان عندما يريد الولد فإنه يتزوج، وليس هناك طريق للنسل إلا الزواج أو ملك اليمين، ولا يأتي الولد عفواً، ولو أن إنساناً قال: إذا قدِّر الله لي أن يأتني الولد تزوجت وإلّا فلا، أو يصير لي ملك يمين وإلّا فلا فإن هذا يعتبر سفهاً؛ لأن الولد لا يحصل إلا بهذا الطريق.
فلابد من الأخذ بالأسباب، ولكن مع كون الإنسان يتزوج ويأخذ بالأسباب عليه أن يعلم أن الزواج ليس هو كل شيء في تحقيق الولد، بل إن شاء الله ووفق في حصول الولد حصل ذلك، وإن شاء أن لا يحصل لم يحصل وإن أخذ بالأسباب، فلابد من الأمرين جميعاً، ولهذا نجد أن النبي ﷺ أرشد إليهما في قوله: (احرص على ما ينفعك، واستعن بالله).
فالإنسان لا يعول على الأسباب ويقول: هي كل شيء.
وكذلك لا يتركها ويقول: سأجلس في بيتي ولن أبحث عن الرزق، وإذا قدر الله لي شيئاً فإنه سيأتي إليَّ وإن لم أفعل الأسباب.
وقد بيّن الرسول ﷺ أن الطير تغدو خماصاً ولا تجلس في أوكارها وتنتظر أن يأتيها الرزق بدون فعل السبب، فقال ﷺ : (لو أنكم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً) أي أنها في الصباح تروح خاوية البطون (وتروح بطاناً) أي: وتأتي في الرواح مليئة البطون.
فقد فعلت الأسباب، وفعل الأسباب لا ينافي التوكل، ولهذا أرشد النبي ﷺ في هذا الحديث إلى الأمرين: فعل السبب، وبيان الشيء الذي لابد منه لتحصيل المقصود، وهو توفيق الله سبحانه، فالإنسان مع فعله السبب يلجأ إلى الله ويسأله أن ينفع بالأسباب، وأن يوفقه لتحصيل ما يريد، وأن يسهل له ذلك، فقال: (واستعن بالله ولا تعجز)، ثم قال: (فإن أصابك شيء) أي: بعد فعل الأسباب (فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا)، فلو أن إنساناً -مثلاً- دخل في مشروع من المشاريع وفعل الأسباب ولكنه فشل في هذا المشروع فليس له أن يقول: لو أنني لم أفعل هذا المشروع وفعلت مشروعاً آخر لحصل كذا وكذا.
فهذا كلام باطل، فالله أعلم بما كان وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف سيكون، فلا يدري الإنسان لو فعل مشروعاً آخر أنه سيوفق فيه؛ لأن ذلك غيب، ولا يعلم الغيب إلا الله ، قال ﷺ : (فإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا وكذا.
ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن (لو) تفتح عمل الشيطان).
فالإنسان إذا قال: لو فعلت كذا لكان كذا فإن ذلك من عمل الشيطان ووسوسته للإنسان ليظله وليغويه، وليبعده عن التعويل على الله في جميع شئونه.
стр. 119
علم الله الأزلي بكل ما هو كائن
الإيمان بالقدر له أربع مراتب لابد من اعتقادها: المرتبة الأولى: علم الله الأزلي بكل ما هو كائن، فإن كل كائن قد سبق علم الله به أزلاً، ولا يتجدد له علم بشيء لم يكن عالماً به أزلاً.
وقد سبق إيضاح هذه المرتبة عند الكلام على صفة العلم في الفقرة رقم (٧)].
فالمخلوقون يتجدد علمهم بالشيء عندما يحصل وعندما يحصِّلون العلم، أما الله فقد علم كل شيء أزلا، ولا يتجدد لله العلم بشيء لم يكن معلوماً له أزلاً، بل كل شيء معلوم له أزلاً.
وأما ما جاء في بعض الآيات مثل قوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة:١٤٣] فليس المقصود أنه يتجدد لله علم بذلك، وإنما المقصود ظهور ذلك العلم ظهوراً يترتب عليه ثواب وعقاب، وليس معنى ذلك أنه يحصل لله علم لم يكن حاصلاً من قبل، بل كل شيء معلوم لله أزلاً.
وقد سبق إيضاح ذلك في الفقرة السابقة من الفقرات التي اشتمل عليها الكتاب.
انظر الفقرة رقم (٧).
[علْم الله محيط بكل شيء، فقد علم أزلاً ما كان وما سيكون، ومالم يكن أن لو كان كيف يكون].
علم الله تعالى: ما كان وما سيكون، وما لم يكن أن لو كان كيف يكون، فالشيء الذي لا يكون قد علمه الله ، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام:٢٨]، فهم يَسألون أن يرجعوا إلى الدنيا ليعملوا صالحاً، والله تعالى يقول: إنهم لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه، فهذا الشيء لم يكن، ومع ذلك علم لو كان كيف سيكون، فعلمه محيط بكل شيء.
[كما قال الله : ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام:٢٧ - ٢٨].
فأخبر عن أمر لا يكون، وهو رجوع الكفار إلى الدنيا، وأنهم لو ردوا لعادوا لما نهو عنه].
ونظير هذا ما جاء عن النبي ﷺ في فضل أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال: (إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً) فأخبر النبي ﷺ عن أمر لا يكون، ولو أنه سيكون فقد علم الله تعالى كيف يكون.
فقولنا: (عن أمر لا يكون) هو اتخاذ النبي ﷺ خليلاً من الناس، فلو كان متخذاً خليلاً لكان المتخَذ أبا بكر ﵁ وأرضاه، لكنه لا يتخذ خليلاً، فهذا لا يتعلق بالعلم، ولكنه يتعلق بالشيء الذي لا يكون لو كان كيف يكون.
[وقال الله : ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩]، وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [فصلت:٤٧]، وقال: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ * عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ * سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ [الرعد:٨ - ١٠]، وقال: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٣ - ١٤]، وقال: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ:٣].
وكل ما هو كائن في الوجود من حركة أو سكون قد سبق به علم الله، ولا يحصل لله علم بشيء لم يكن معلوماً له من قبل أزلاً.
قال شيخنا محمد الأمين الشنقيطي ﵀ في كتابه (أضواء البيان) عند قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة:١٤٣] قال: ظاهر هذه الآية قد يتوهم منه الجاهل أنه تعالى يستفيد بالاختبار علماً لم يكن يعلمه عن ذلك علواً كبيراً، بل هو تعالى عالم بكل ما سيكون قبل أن يكون.
وقد بيّن أنه لا يستفيد بالاختبار علماً لم يكن يعلمه بقوله جل وعلا: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران:١٥٤]، فقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ بعد قوله: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ﴾ دليل قاطع على أنه لم يستفد بالاختبار شيئاً لم يكن عالماً به عن ذلك علواً كبيراً؛ لأن العليم بذات الصدور غني عن الاختبار.
وفي هذه الآية بيان عظيم لجميع الآيات التي يذكر الله فيها اختباره لخلقه، ومعنى قوله تعالى: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ [البقرة:١٤٣] أي: علماً يترتب عليه الثواب والعقاب.
فلا ينافي أنه كان عالماً به قبل ذلك، وفائدة الاختبار ظهور الأمر للناس، أما العلم بالسر والنجوى فهو عالم بكل ما سيكون، كما لا يخفى.
стр. 120
الكتابة لكل كائن في اللوح المحفوظ
الثانية من مراتب القدر: كتابة كل ما هو كائن في اللوح المحفوظ قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، لقوله ﷺ : (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء).
روه مسلم من حديث عبد الله بن عمرو ﵄.
стр. 121
مشيئة الله تعالى وإرادته
الثالثة: مشيئة الله وإرادته، فإنّ ما هو كائن إنما حصل بمشيئة الله، ولا يقع في ملك الله إلا ما أراده الله، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، قال الله : ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]، وقال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٩].
стр. 122
الخلق والإيجاد
الرابعة: إيجاد كل ما هو كائن وخلْقه بمشيئة الله، وفقاً لما علمه أزلاً، وكتبه في اللوح المحفوظ، فإن كل ما هو كائن من ذوات وأفعال هو بخلق الله وإيجاده، كما قال الله : ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر:٦٢]، وقال: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦].
стр. 123
قد يعلم الخلق ما هو مقدر بأحد طريقين
وما قدره الله وقضاه وكتبه في اللوح المحفوظ هو من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، ويمكن أن يعلم الخلق ما هو مقدر بأحد أمرين: الأمر الأول: الوقوع، فإذا وقع شيء عُلم بأنه مقدر؛ لأنه لولم يقدر لم يقع، فإن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.
الثاني: حصول الإخبار من رسول الله ﷺ عن أمور ستقع في المستقبل، مثل إخباره عن الدجال، ويأجوج ومأجوج، ونزول عيسى بن مريم، وغير ذلك من الأمور التي تقع في آخر الزمان، فهذه الأخبار تدل على أن هذه الأمور لابد لها من أن تقع، وأنه قد سبق بها قضاء الله وقدره، ومثل إخباره عن أمور ستقع قرب زمانه ﷺ .
ومن ذلك ما جاء في حديث أبي بكرة ﵁ أنه قال: سمعت النبي ﷺ على المنبر والحسن إلى جنبه ينظر إلى الناس مرة وإليه مرة ويقول: (ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين).
رواه البخاري.
وقد وقع ما أخبر به الرسول ﷺ في عام واحد وأربعين للهجرة، حيث اجتمعت كلمة المسلمين فسمي عام الجماعة، وقد فهم الصحابة ﵃ وأرضاهم من هذا الحديث أن الحسن ﵁ لن يموت صغيراً, وأنه سيعيش حتى يحصل ما أخبر به الرسول ﷺ من الصلح.
стр. 124
كينونة الشر بقضاء الله تعالى وقدره
[والإيمان بالقدر خيره وشره حلوه ومره، وكل ذلك قد قدره الله ربنا، جاء في حديث جبريل: (وأن تؤمن بالقدر خيره وشره)، والله سبحانه خالق كل شيء ومقدُّره، قال الله : ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر:٦٢]، وقال: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان:٢].
فكل ما هو كائن من خير أو شر فهو بقضاء الله وقدره ومشيئته وإرادته، وأما ما جاء في حديث علي ﵁ في دعاء النبي ﷺ الطويل، وفيه: (والخير كله في يديك، والشر ليس إليك) رواه مسلم فلا يدل على أن الشر لا يقع بقضائه وخلقه، وإنما معناه أن الله لا يخلق شراً محضاً لا يكون لحكمة ولا يترتب عليه فائدة بوجه من الوجوه، وأيضاً فالشر لا يضاف إليه استقلالاً، بل يكون داخلاً تحت العموم، كما قال الله : ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر:٦٢]، وقال: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩]، فيُتأدب مع الله بعدم نسبة الشر وحده إلى الله، ولهذا جاء فيما ذكره الله عن الجن من تأدبهم في نسبة الخير إليه، وذكر الشر على البناء لما لم يسم فاعله، قال الله عن الجن: ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن:١٠].
стр. 125
المشيئة والإرادة
من مراتب القدر الأربع مشيئة الله وإرادته.
والفرق بين المشيئة والإرادة أن المشيئة لم تأتِ في الكتاب والسنة إلا لمعنى كوني قدري، وأما الإرادة فإنها تأتي لمعنى كوني ومعنى ديني شرعي.
ومن مجيئها لمعنى كوني قدري قوله تعالى: ﴿وَلا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود:٣٤]، وقوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام:١٢٥].
ومن مجيء الإرادة لمعنى شرعي قول الله : ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥]، وقوله: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة:٦].
والفرق بين الإرادتين أن الإرادة الكونية تكون عامة فيما يحبه الله ويسخطه، وأما الإرادة الشرعية فلا تكون إلا فيما يحبه الله ويرضاه، ثم إن الكونية لابد من وقوعها، وأما الدينية فتقع في حق من وفقه الله، وتتخلف في حق من لم يحصل له التوفيق من الله.
وهناك كلمات تأتي لمعنى كوني وشرعي -منها: القضاء، والتحريم، والإذن، والكلمات، والأمر، وغير ذلك- ذكرها ابن القيم، وذكر ما يشهد لها من القرآن والسنة في كتابه (شفاء العليل) في الباب التاسع والعشرين منه.
стр. 126
وجود الخلق على وفق ما قدره الله وقضاه
ما قدره الله وقضاه وكتبه في اللوح المحفوظ لابد من وقوعه، فلا تغيير فيه ولا تبديل، كما قال الله : ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد:٢٢]، وقال ﷺ : (رُفعت الأقلام وجفت الصحف).
وأما قوله : ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩] فقد فُسِّر بأن ذلك يتعلق بالشرائع، فينسخ الله منها ما يشاء ويثبت ما يشاء، حتى خُتمت برسالة نبينا محمد ﷺ التي نسخت جميع الشرائع قبلها، وفُسِّر بالأقدار التي هي في غير اللوح المحفوظ، كالتي تكون بأيدي الملائكة.
وانظر (شفاء العليل) لـ ابن القيم في الأبواب: الثاني، والرابع، والخامس، والسادس، فقد ذكر في كل باب تقديراً خاصاً بعد التقدير في اللوح المحفوظ.
وأما قوله ﷺ : (لا يرد القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر) أخرجه الترمذي وحسنه -وانظر السلسلة الصحيحة للألباني - فلا يدل على تغيير ما في اللوح المحفوظ، وإنما يدل على أن الله قدر السلامة من الشرور، وقدر أسباباً لتلك السلامة، والمعنى أن الله دفع عن العبد شراً وذلك مقدر بسبب يفعله وهو الدعاء، وهو -أيضاً- مقدر، وكذلك قدر أن يطول عمر الإنسان، وقدر أن يحصل منه سبب لذلك، وهو البر وصلة الرحم.
فالأسباب والمسببات كلها بقضاء الله وقدره، وكذلك يقال في قوله ﷺ : (من سره أن يبسط له في رزقه وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه).
رواه البخاري ومسلم.
فأجل كل إنسان مقدر في اللوح المحفوظ، فلا يتقدم عنه ولا يتأخر، كما قال الله : ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ [المنافقون:١١]، وقال: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [يونس:٤٩].
وكل من مات أو قتل فهو بأجله، ولا يقال كما قالت المعتزلة: إن المقتول قُطع عليه أجله، وإِنه لولم يقتل لعاش إلى أجل آخر.
فإن كل إنسان قدّر الله له أجلاً واحداً، وقدر لهذا الأجل أسباباً، فهذا يموت بالمرض، وهذا يموت بالغرق، وهذا يموت بالقتل، وهكذا.
стр. 127
عدم جواز الاحتجاج بالقدر على ترك المأمورات أو فعل المحظورات
لا يجوز الاحتجاج بالقدر على ترك مأمور لا فعل محظور، فمن فعل معصية لها عقوبة محددة شرعاً، واعتذر عن فعله بأن ذلك كتب عليه وقدر فإنه يعاقب بالعقوبة الشرعية، ويقال له: إن معاقبتك بهذه العقوبة قدر.
وأما ما جاء في حديث محاجة آدم وموسى في القدر فليس من قبيل الاحتجاج بالقدر على فعل معصية، وإنما هو على المصيبة التي كانت بسبب المعصية.
فقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول ﷺ : (احتج آدم وموسى، فقال له موسى: أنت آدم الذي أخرجتك خطيئتك من الجنة! فقال له آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه ثم تلومني على أمر قدر علي قبل أن أخلق! فقال رسول الله ﷺ : فحج آدم موسى.
مرتين).
وقد خصّ ابن القيم في كتابه (شفاء العليل) الباب الثالث بالكلام على هذا الحديث، فذكر ما قيل في معناه من أقوال باطلة، وذكر الآيات التي فيها احتجاج المشركين على شركهم بالقدر، وأن الله أكذبهم بأنهم باقون على شركهم وكفرهم، وأن ما قالوه هو من الحق الذي أريد به باطل، ثم ذكر توجيهين لمعنى الحديث: أولهما لشيخه شيخ الإسلام ابن تيمية، والثاني من فهمه واستنباطه، فقال في (ص٣٥): إذا عرفت هذا فموسى أعرف بالله وأسمائه وصفاته من أن يلوم على ذنب قد تاب منه فاعله فاجتباه ربه بعده وهداه واصطفاه، وآدم أعرف بربه من أن يحتج بقضائه وقدره على معصيته، بل إنّا لا نلوم آدم على المصيبة التي نالت الذرية بخروجه من الجنة، ونزولهم إلى دار الابتلاء والمحنة بسبب خطيئة أبيهم، فذكر الخطيئة تنبيهاً على سبب المصيبة والمحنة التي نالت الذرية، ولهذا قال له: (أخرجتنا ونفسك من الجنة)، وفي لفظ: (خيبتنا)، احتج آدم بالقدر على المصيبة وقال: (إن هذه المصيبة التي نالت الذرية بسبب خطيئتي كانت مكتوبة بقدره قبل خلقي).
والقدر يحتج به في المصائب دون المعائب، أي: أتلومني على مصيبة قدرت علي وعليكم قبل خلقي بكذا وكذا سنة؟! فهذا جواب شيخنا ﵀.
وقد يتوجه جواب آخر، وهو أن الاحتجاج بالقدر على الذنب ينفع في موضع ويضر في موضع، فينفع إذا احتج به بعد وقوعه والتوبة منه وترك معاودته، كما فعل آدم، فيكون في ذكر القدر إذ ذاك من التوحيد ومعرفة أسماء الرب وصفاته وذكرها ما ينتفع به الذاكر والسامع؛ لأنه لا يَدْفَع بالقدر أمراً ولا نهياً، ولا يبطل به شريعة، بل يخبر بالحق المحض على وجه التوحيد والبراءة من الحول والقوة.
يوضحه أن آدم قال لموسى: (أتلومني على أن عملت عملاً كان مكتوباً علي قبل أن أخلق)، فإذا أذنب الرجل ذنباًَ ثم تاب منه توبة وزال أمره حتى كأن لم يكن، فأنبه مؤنب عليه أو لامه ملامةً فإنه يحَسُن له أن يحتج بالقدر بعد ذلك، ويقول: هذا أمر كان قد قدر عليّ قبل أن أخلق.
فإنه لم يدفع بالقدر حقاً، ولا ذكر حجة له على باطل، ولا محذور في الاحتجاج به.
وأما الموضع الذي يضر الاحتجاج به ففي الحال والمستقبل، كأن يرتكب فعلاً محرماً، أو يترك واجباً، فيلومه عليه لائم فيحتج بالقدر على إقامته عليه وإصراره، فيبطل بالاحتجاج به حقاً ويرتكب باطلاً، كما احتج به المصرون على شركهم وعبادتهم غير الله فقالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام:١٤٨]، ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف:٢٠].
فاحتجوا به مصوبين لما هم عليه، فلم يندموا على فعله، ولم يعزموا على تركه، ولم يقروا بفساده، فهذا ضد احتجاج من تبين له خطأ نفسه وندم وعزم كل العزم على أن لا يعود، فإذا لامه لائم بعد ذلك قال: كان ما كان بقدر الله.
ونكتة المسألة سبب اللوم إذا ارتفع صح الاحتجاج بالقدر، وإذا كان سبب اللوم واقعاً فالاحتجاج بالقدر باطل.
стр. 128
مذهب أهل السنة في أفعال العباد، والرد على القدرية والجبرية
قوله: [تعالى أن يكون في ملكه مالا يريد، أو يكون لأحد عنه غنى، خالقاً لكل شيء إلا هو، رب العباد ورب أعمالهم، والمقدر لحركاتهم وآجالهم].
الظاهر أن في قوله: [خالقاً لكل شيء إلا هو] سقطاً يدل عليه ما قبله، والتقدير: وأن يكون خالقاً لكل شيء إلا هو، وفي هذه الجمل كلها رد على القدرية الذين يقولون: إن العباد يخلقون أفعالهم، وإن الله لم يقدرها عليهم.
فإن مقتضى قولهم هذا أن أفعال العباد وقعت في ملك الله وهو لم يقدرها، وأنهم بخلقهم لأفعالهم مستغنون عن الله، وأن الله ليس خالقاً لكل شيء، بل إنّ العباد خلقوا أفعالهم، وهذا غير صحيح، فالله خالق العباد وخالق أفعال العباد، وهو خالق الذوات والصفات، كما قال الله : ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد:١٦]، وقال: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر:٦٢]، وقال: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦].
ويقابل نفاة القدر فرقة أخرى ضالة، وهم الجبرية، فقد سلبوا عن العبد الاختيار، ولم يجعلوا له مشيئة ولا إرادة، وسووا بين الحركات الاختيارية والحركات الاضطرارية، وزعموا أن كل حركاتهم بمنزلة حركات الأشجار، وأن حركة الآكل والشارب والمصلي والصائم كحركة المرتعش، فليس للإنسان فيها كسب ولا إرادة، وعلى هذا فما فائدة إرسال الرسل، وإنزال الكتب؟! ومن المعلوم قطعاً أن للعبد مشيئة وإرادة، فيحمد على أفعاله الحسنة ويثاب عليها، ويذم على أفعاله السيئة ويعاقب عليها، وأفعاله الاختيارية ينسب إليه فعلها وكسبها، وأما الحركات الاضطرارية كحركة المرتعش فلا يقال: إنها فعل له، وإنما هي صفة له.
ولهذا يقول النحويون في تعريف الفاعل: هو اسم مرفوع يدل على من حصل منه الحدث أو قام به.
والمراد بحصول الحدث الأفعال الاختيارية التي وقعت بمشيئة العبد وإرادته، ومرادهم بقيام الحدث ما لا يقع تحت المشيئة، كالموت والمرض والارتعاش ونحو ذلك، فإذا قيل: أكل زيد وشرب وصلى وصام فزيد فيها فاعل، وقد حصل منه الحدث، وهو الأكل والشرب والصلاة والصيام، وإذا قيل: مرض زيد، أو مات زيد، أو: ارتعشت يده فإن الحدث ليس من فعل زيد، وإنما هو وصف قام به.
وأهل السنة والجماعة وسط بين الجبرية الغلاة في الإثبات، والقدرية النفاة، فإنهم أثبتوا للعبد مشيئة، وأثبتوا للرب مشيئة عامة، وجعلوا مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله، كما قال الله : ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٨ - ٢٩].
فلا يقع في ملك الله ما لم يشأه الله، بخلاف القدرية القائلين: إن العباد يخلقون أفعالهم.
ولا يعاقب العباد على أشياء لا إرادة لهم فيها ولا مشيئة كما هو قول الجبرية.
وبهذا يجاب عن السؤال الذي يتكرر طرحه، وهو: هل العبد مسير أو مخير؟ فلا يقال: إنه مسير بإطلاق، ولا مخير بإطلاق، بل يقال: إنه مخير باعتبار أن له مشيئة وإرادة، وأن أعماله كسب له يثاب على حسنها ويعاقب على سيئها، وهو مسير باعتبار أنه لا يحصل منه شيء خارج عن مشيئة الله وإرادته وخلقه وإيجاده.
стр. 129
الهداية والإضلال من الله سبحانه
قوله: [يضل من يشاء فيخذله بعدله، ويهدي من يشاء فيوفقه بفضله، فكل ميسر بتيسيره إلى ما سبق من علمه وقدره من شقي أو سعيد].
أي أن هداية المهتدين وضلال الضالين كل ذلك حاصل بمشيئة الله وإرادته، وقد بين الله للعباد طريق السعادة وطرق الضلال، وأعطاهم عقولاً يميزون بها بين النافع والضار، فمن اختار طريق السعادة وسلكه انتهى به إلى السعادة، وقد حصل ذلك بمشيئة العبد وإرادته التابعة لمشيئة الله وإرادته، وذلك فضل من الله وإحسان، ومن اختار طريق الضلال وسلكه انتهى به إلى الشقاوة، وقد حصل ذلك بمشيئة العبد وإرادته التابعة لمشيئة الله وإرادته، وذلك عدل من الله سبحانه، قال الله : ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:٨ - ١٠]، أي: طريقي الخير والشر، وقال: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان:٣]، وقال: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف:١٧].
стр. 130
أقسام الهداية
الهداية هدايتان: هداية الدلالة والإرشاد، وهذه حاصلة لكل أحد، وهداية التوفيق، وهي حاصلة لمن شاء الله هدايته.
ومن أدلة الهداية الأولى قول الله لنبيه ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢] أي: إنك تدعو كل أحد إلى الصراط المستقيم.
ومن أدلة الهداية الثانية قول الله : ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦].
وقد جمع الله بين الهدايتين في قوله: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس:٢٥]، فقوله: ((وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلامِ)) أي: يدعو كل أحد فحذف المفعول لإرادة العموم، وهذه هي هداية الدلالة والإرشاد، وقوله: ((وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)) أظهر فيه المفعول لإفادة الخصوص، وهي هداية التوفيق.
стр. 131
مناظرة بين سني ومعتزلي
أورد شيخنا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ في كتابه (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) في سورة الشمس حكايتين توضحان فساد مذهب المعتزلة في باب القضاء والقدر، فقال: ولما تناظر أبو إسحاق الإسفرائيني مع عبد الجبار المعتزلي، قال عبد الجبار: سبحان من تنزه عن الفحشاء! وقصْده أن المعاصي كالسرقة والزنا بمشيئة العبد دون مشيئة الله؛ لأن الله أعلى وأجل من أن يشاء القبائح في زعمهم.
فقال أبو إسحاق: كلمةُ حق أريد بها باطل، ثم قال: سبحان من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء! فقال عبد الجبار: أتراه يخلقه ويعاقبني عليه؟! فقال أبو إسحاق: أتراك تفعله جبراً عليه؟ أي: أأنت الرب وهو العبد؟! فقال عبد الجبار: أرأيت إن دعاني إلى الهدى، وقضى عليّ بالردى، أتراه أحسن إلي أم أساء؟! فقال أبو إسحاق: إن كان الذي منعك منه ملكاً لك فقد أساء، وإن كان له فإن أعطاك ففضل، وإن منعك فعدل.
فبهت عبد الجبار، وقال الحاضرون: والله ما لهذا جواب.
وجاء أعرابي إلى عمرو بن عبيد وقال: ادع الله لي أن يرد علي حمارة سرقت مني.
فقال: اللهم! إن حمارته سرقت ولم تُرد سرقتها، فارددها عليه.
فقال الأعرابي: يا هذا! كفِّ عني دعاءك الخبيث؛ فإنه إن كانت سرقت ولم يرد سرقتها فقد يريد ردها فلا ترد! وبهذا ينتهي الكلام على القضاء والقدر.
والله تعالى أعلم.
стр. 132
الأسئلة
стр. 133
معنى حديث: (إذا ذكر القدر فأمسكوا)
السؤال
ما معنى حديث: (إذا ذُكر القدر فأمسكوا)، وهل يدل على عدم الخوض في مسائل القدر؟
الجواب
يدل هذا على عدم التعمق في مسائل القضاء والقدر، وأن الإنسان لا يسأل أسئلة لا يجوز له أن يسألها، فيقول: لماذا حصل لفلان كذا، ولماذا حصل لفلان كذا، ولماذا صارت السعادة لفلان والشقاوة لفلان.
فالإنسان ليس له أن يسأل عن مثل هذه الأمور، والمقصود هو التعمق، فهذا هو الذي ينهى عنه، وأما الكلام فيه وفقاً للنصوص من غير ارتكاب أمر محظور فهذا أمر مطلوب، ولا بأس به.
стр. 134
معنى حديث: (اللهم إني أعوذ بك من درك الشقاء وسوء القضاء
السؤال
ما معنى قوله ﷺ : (اللهم! إني أعوذ بك من درك الشقاء وسوء القضاء)؟
الجواب
معلوم أن كل خير مقدر، وأن كل شر مقدر، فهو يطلب السلامة من سوء القضاء، أي أنه يسأل الله الخير ويستعيذ به من الشر، وكلاهما مقدر.
стр. 135
الدعاء بلفظ: (اللهم إني أسألك أن تجعل كل قضاء قضيته لي خيراً)
السؤال
هل يجوز للإنسان أن يقول: اللهم! إني أسألك أن تجعل كل قضاء قضيته لي خيراً؟
الجواب
لا أدري هل ثبت مثل هذا الدعاء أم لا، فعلى الإنسان أن لا يقدم على شيء لم يرد، وليحرص على أن تكون أدعيته في حدود ما ورد، فإن ثبت هذا فيشرع الدعاء به.
стр. 136
الفرق بين القضاء والقدر
السؤال
هل هناك فرق بين كلمة (القضاء) وكلمة (القدر)؟
الجواب
بعض العلماء يقول: إن القضاء في الكليات والقدر في الجزئيات.
والذي يظهر أنه لا فرق بينهما، فإنه يؤتى بهما متعاطفتين وهما مترادفتان.
стр. 137
شرح الأربعين النووية [٨]
للدين مراتب، وأعلى مراتبه الإحسان، والإحسان نفسه مراتب، وله أنواع، وعلى المسلم أن يسعى لتحقيق كمال دينه ببلوغ أعلى مراتبه ليجد الجزاء عند الله تعالى.
стр. 138
درجة الإحسان
стр. 139
الإحسان أعلى درجات الدين
انتهى الكلام في شرح حديث جبريل إلى درجة الإحسان، وقد ذكر قبل ذلك درجة الإسلام والإيمان، فالدرجات ثلاث: أولها: درجة الإسلام، ثم تليها درجة الإيمان، ثم تليها درجة الإحسان.
وكل درجة أكمل من الدرجة التي قبلها، وكل درجة داخلة في التي قبلها، فكل مؤمن مسلم، وكل محسن مؤمن ومسلم؛ لأن درجة الإحسان هي درجة كمال، وأقل منها درجة الإيمان، وأقل منهما درجة الإسلام.
فالإنسان بمجرد دخوله في الإسلام وإتيانه بما يعصم به دمه من الدخول في الإسلام يقال له: مسلم.
ويلي ذلك درجة الإيمان.
ولهذا فكل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمناً، وقد جاء في القرآن في قصة الأعراب الذين ذكر قصتهم في سورة الحجرات قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤].
فالإيمان أكمل من الإسلام؛ لأن الإسلام يحصل لكل من دخل في الإسلام، وأما الإيمان فيكون لمن حصل منه شيء من الكمال في إسلامه، فهي درجة أعلى، وأعلى منها درجة الإحسان.
وكذلك الحديث الذي فيه قصة الجماعة الذين جاءوا -كما في حديث سعد بن أبي وقاص - أن جماعة أتوا إلى النبي ﷺ فأعطاهم إلا رجلاً، وكان ذلك الرجل أمثلهم عنده، فقال له سعد بن أبي وقاص: أعطيت الجماعة الفلانية وفيهم فلان لم تعطه وهو مؤمن.
فقال ﵊: (أو مسلم؟!) أي أنه يرشده إلى أن يقول الدرجة الدنيا، فكرر عليه سعد، والنبي ﷺ يقول له: (أو مسلم؟!) ثم ذكر أنه يعطي أقواماً يرجو تألفهم لما عندهم من الضعف، وأنه يترك أناساً لما عندهم من قوة الإيمان، فلا يعطيهم مثلما يعطي من كان إسلامهم يحتاج إلى أن يرسخ في قلوبهم وأن يؤلفوا على الإسلام وأن يتمكن الإيمان من قلوبهم.
والإحسان هو أكمل الدرجات الثلاث، وقد ذكر الله الإحسان في القرآن وأن جزاءه الإحسان فقال: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٦٠]، وقال: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الحسنى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] والحسنى هي الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله ، كما جاء ذلك مفسراً من رسول الله ﷺ في حديث صهيب الذي أخرجه مسلم في صحيحه.
وفي القرآن أن الحسنى إنما تكون للمحسنين، قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الحسنى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦].
وفي مقابل ذلك فإن السوأى للمسيئين، كما قال الله : ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى﴾ [الروم:١٠].
فقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الحسنى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] يقابله قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى﴾ [الروم:١٠]، والسوأى هي النار، والمراد أنهم أساءوا أعمالهم حتى أوصلتهم إلى النار، فكانوا من أهلها، والآية في حق الكفار؛ لأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويستهزئون بها.
стр. 140
مراتب الإحسان
لقد سأل جبريل ﵇ رسول الله ﷺ الأسئلة التي يريد من ورائها تعليم أصحاب رسول الله ﷺ هذه الأمور التي وصفها رسول الله ﷺ بأنها الدين، فقال في آخر الحديث: (هذا جبريك أتاكم يعلمكم دينكم).
وكان السؤال الثالث الذي سأله عنه قوله: (أخبرني عن الإحسان؟) فقال ﷺ : أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) فقوله: (أن تعبد الله كأنك تراه)، أي: أن تكون مقبلاً عليه بقلبك وقالبك، وأن تكون مستحضراً عظمة الله وكأنك واقف بين يديه سبحانه.
ومعلوم أن الإنسان إذا كان بهذه المنزلة والدرجة، ويدخل في العبادة بهذا الوصف وبهذه الهيئة التي يستشعر فيها أنه واقف بين يدي الله فلاشك في أنه سيحسن فيما يقوم في قلبه، وفيما يجري على لسانه، وفيما يقوم بجوارحه، بحيث تسير هذه الأمور والأحوال كلها على السداد وعلى الاستقامة؛ لأنه يعبد الله وكأنه بين يديه ، وينظر إلى الله وكأنه بين يديه، فهو مستحضر لعظمته وجلاله.
وقوله: (فإن لم تكن تراه فإنه يراك) أي: فإذا كان الإنسان لا يعبد الله بهذه الطريقة والهيئة التي تجعله وكأنه واقف بين يدي الله، فيحسن عمله ويتقنه ويؤديه على التمام والكمال لأنه واقف بين يدي الله فإن عليه أن يستشعر بأن الله تعالى يراه، وأن الله مطلع عليه، وأنه لا يخفى عليه خافية، وأنه سيثيبه إن أحسن، ويعاقبه إن أساء، فذلك يكون دافعاً له إلى الخوف والرهبة من الله، وعلى البعد من الوقوع في معاصي الله تعالى.
فالحالة الأولى هي الحالة التي يؤدي فيها الإنسان الأعمال على التمام والكمال وكأنه واقف بين يدي الله، فإن لم تكن فيه هذه الهيئة والصفة فإن عليه أن يستشعر أن الله مطلع عليه، وأنه لا يخفى عليه خافية، وأنه يحاسبه ويجازيه على ما يحصل منه، فتكون هاتان الجملتان الأولى منهما في مقام الترغيب، والثانية في مقام الترهيب.
стр. 141
أنواع الإحسان
ثم إن الإحسان قد يكون لازماً للإنسان لا يتعداه إلى غيره، وذلك بأن يحسن في عمله، وقد يكون متعدياً إلى غيره، وذلك بأن يحسن إلى غيره، وكل ذلك يدخل تحت الإحسان، وعلى الإنسان في عمله -سواءٌ أكان في العبادات البدنية، أم العبادات المالية المتعدية إلى غيره- أن يفعل ذلك وهو يرجو ثواب الله ويخشى عقابه .
والإحسان يكون بعدة وجوه: يكون بالمال، ويكون بالجاه، ويكون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويكون بالدلالة على الخير، كل ذلك من الإحسان المتعدي، فيكون النفع للفاعل ولغيره؛ لأنه أحسن إلى نفسه وأحسن إلى غيره.
стр. 142
علم الساعة ومرده إلى الله تعالى
ثم سأل جبريل رسول الله ﷺ عن الساعة، فقال: (أخبرني عن الساعة؟ فقال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل)، وفي هذا بيان أن علم الساعة مما اختص الله تعالى به.
وقد جاء في القرآن ما يدل على أن علم الساعة من خصائص الله ، وجاء -أيضاً- أنها من جملة الخمسة الأمور التي هي من الغيب الذي لا يعلمه إلا هو ، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله ، فقد أخفاها عن الناس ولم يعلمهم بها، حتى الرسول ﷺ لا يعلم متى تقوم الساعة في أي سنة، ولا في أي شهر، ولا في أي يوم من الشهر، لكن جاء في السنة أن الساعة تقوم يوم الجمعة، وعلى هذا فالساعة لا تقوم في الأيام الأخرى غير يوم الجمعة، فلا تقوم يوم السبت أو الأحد أو الأيام الأخرى، وإنما تقوم في يوم الجمعة فقط كما جاءت بذلك السنة عن رسول الله ﵊، وأما في أي سنة، وفي أي شهر، وفي أي جمعة من الشهر فهذا لا يعلمه إلا الله .
وكان جواب الرسول ﷺ لجبريل أن قال له: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل) أي أن الخلق استوى علمهم فيها، وهو أنهم لا يعلمون وقت قيامها، ولم يقل النبي ﷺ : لست أعلم بها منك.
وإنما قال: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل)، وهذا كلام عام يشمل الرسول ﷺ وجبريل ﵇، ويشمل غيرهما.
ثم سأل جبريل النبي ﵉ فقال: (فأخبرني عن أماراتها؟ فقال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان).
стр. 143
أشراط الساعة
وللساعة أشراط، فبعض أشراطها تكون قريبة من قيامها، وبعض الأشراط تكون قبل ذلك، وهذه الأشراط التي قبل ذلك منها ما قد مضى، ومنها ما لم يأت، وكل هذا قبل أن تأتي العلامات الكبرى التي تكون بين يديها، مثل طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة، وخروج يأجوج ومأجوج، ونزول عيسى بن مريم، وكذلك خروج المهدي، فهذه من الأشراط التي هي قريبة من قيام الساعة.
وأما العلامات الأخرى فهناك علامات أخبر بها الرسول ﷺ ، ومنها ما قد مضى، ومن ذلك قوله ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من الحجاز تضيء لها أعناق الإبل ببصري)، وقد ذكر في كتب التاريخ أنه في سنة ستمائة وأربع وخمسين خرجت هذه النار، وحصل هذا الذي أخبر به الرسول ﷺ ، وكان ذلك قبل سقوط بغداد بسنتين على أيدي التتار، فقد كان سقوط بغداد على أيدي التتار سنة ستمائة وست وخمسين، ذكر ذلك ابن كثير وغيره.
وهناك أمور أخرى أخبر عنها الرسول ﷺ لم تقع إلى الآن، كقوله في الحديث: (لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب، فيقتتل عليه الناس، فينجو من كل ألف رجل واحد، ويهلك تسعمائة وتسعة وتسعون).
وهؤلاء المقتتلون يعلمون بأن النجاة تكون لواحد من ألف، وأن الهلاك سيكون حليف تسعمائة وتسعة وتسعين، ومع ذلك يقتتلون ويرجو كل واحد منهم أن يكون هو ذلك الفائز الناجي، وهذا من شدة الحرص على الدنيا في ذلك الوقت، وهذا الأمر لم يحصل حتى الآن، وأما تفسير بعض الناس لذلك الجبل من ذهب بالبترول الذي في العراق فهو كلام باطل؛ لأن الرسول ﷺ وصفه بأنه جبل من ذهب، والبترول ليس بذهب، فالذهب -كما هو معروف- معدن من المعادن، وهو مع الفضة يكونان العملة التي يتعامل بها الناس، والذهب هو أنفس هذين النوعين.
وهذا كله قبل أن تأتي العلامات الكبرى التي تكون بين يدي الساعة.
ونسمع بين الحين والآخر الناس يتحدثون عن خروج المهدي، وبعض هؤلاء المدّعين لذلك من المجانين وأشباه المجانين، فيزعم بعض الناس أنه المهدي، وهذا كله من الخطأ البين الواضح.
وقد حصل هذا في أزمان مختلفة من التاريخ، وآخر شيء حصل ووقعت فيه فتنة هلاك وقتل ما كان في سنة ١٤٠٠هـ في الحرم المكي، وكل ذلك بسبب هذا السفه، وهو ادعاء المهدوية، فتكون هناك عواطف وحماسة مبنية على غير أساس، وقد يبنى ذلك على منامات ورؤى تحصل من الشيطان ليزج بهؤلاء إلى ما يكون فيه هلاكهم وهلاك أتباعهم.
وأذكر أنه قبل أن تحصل الفتنة التي وقعت في الحرم في غرة محرم سنة ١٤٠٠هـ كان الناس يتحدثون قبل ذلك عن أن المهدي سيخرج، وأذكر أنه جاء إلي طالب لا أعرفه وأنا في مكتبة الدراسات العليا، وقال: إنهم يقولون: إن المهدي سيخرج.
وكانوا يذكرون أن قحطان محمد بن عبد الله القحطاني هو المهدي، وأنه سيخرج.
وهناك كتاب اسمه (كتاب المتألهين والمتنبئين والمتمهدين) فقلت: إنه سيضاف إلى هذا الكتاب إن خرج.
ثم إنه خرج فصار ممن ذكر في هذا الكتاب، ويحصل بين وقت وآخر محاولة من بعض الناس إدعاء المهدوية، وكل هذا سفه من بعض العقول.
وأذكر أنه مرة من المرات جاءني كتاب من رجل في لندن، وقال: إني المهدي، وإنني أرى أن علامات المهدي موجودة فيّ، فماذا تقترح علي؟ وبماذا تشير علي؟ فقلت له: لا يسمع أحد أبداً هذا الكلام منك حتى تموت؛ لأنك إن حدثت به أحداً فستتهم بضعف في عقلك، فأرى من الخير لك أن تترك هذا الأمر، وأن لا يخطر منك على بال، فكتبت له هذا الكتاب، ولا أدري ما حصل له، ولعله استفاد من هذا الإرشاد.
فالحاصل أن الذي أخبر به الرسول ﷺ حق، ولكنه سيقع في الوقت الذي يشاء الله أن يقع فيه، وأما تلك الأمور التي تحصل بين حين وآخر ممن يدعي أنه المهدي، أو يدعى فيه أنه المهدي فكل هذه الأمور لا تأتي بخير، وإنما تأتي بالضرر، وتدل على سفه من حصلت منه، وتدل على قلة عقله وبصيرته.
فالرسول الكريم ﷺ أخبر بأمور عديدة، والإنسان إذا قرأ الكتب التي رتبت على الحروف، كالجامع الصغير، أو صحيح الجامع الصغير فإنه يجد عدة أحاديث كلها مبدوءة بـ: (لا تقوم الساعة حتى يحصل كذا وكذا).
فمن هذه الأمور ما حصل، ومنها مالم يحصل، والمسلم يصدق بكل ما صح عن رسول الله ﷺ ، لكن لا يجر ولا يسوق الأحاديث أو النصوص التي وردت إلى شيء لا يصلح أن تساق إليه، أو يفسرها بشيء وقع على أن اعتبار أن هذا هو ما أراده الرسول ﷺ ، وذلك كالمثال الذي ذكرته في قصة الكنز الذي في الفرات، وتفسيره بالبترول، فكل هذا من التخرص، وهو كلام على غير هدى وبصيرة.
فالرسول ﷺ لما سأله جبريل عن أماراتها أخبره بأمارتين، أخبره بقوله ﷺ : (أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان)، وكان ﵊ يُسأل أسئلة متعددة عن الساعة، فكان أحياناً يجيب بشيء من أماراتها، وأحياناً يجيب بما هو أهم من السؤال عن الساعة.
فمما سئل عنه وكان الجواب بلفت النظر إلى ما هو أهم من المسئول عنه ذلك الحديث الذي فيه: (أن رجلاً قال: يا رسول الله! متى الساعة؟ فقال له ﷺ : وماذا أعددت لها)، أي: أن الساعة قائمة، وكل آت قريب، ولكن ما الذي أعددته لنفسك إذا قامت الساعة؟ فالسائل صدقه في الجواب (فقال: أعددت لها حب الله ورسوله ﵊.
فقال ﵊: المرء مع من أحب)، فصرفه عن السؤال، ولفت نظره إلى الأمر الذي ينبغي أن يشتغل به، وهو أن يستعد للساعة وللموت، فالإنسان لا يجد أمامه إلا ما قدم، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨].
وهذا من كمال بيانه ونصحه ﵊ لهذا السائل الذي سأله.
ومن ذلك -أيضاً- أن النبي ﷺ كان جالساً بين أصحابه يحدثهم، فجاء رجل ووقف على الحلقة وقال: يا رسول الله! متى الساعة؟ فأعرض عنه الرسول ﷺ ، واستمر فيما هو فيه من تحديث أصحابه، فلما فرغ قال: (أين السائل عن الساعة؟ فقال: أنا يا رسول الله.
فقال: إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة.
قال: وكيف إضاعتها؟ قال: إذا وسَّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة).
قال الحافظ ابن حجر وهو يتكلم على استمرار الرسول ﷺ في الكلام مع أصحابه، وإعراضه عن هذا السائل، وفي هذا دليل على أن أخذ العلم بالسبق.
أي أن الذي كان الحديث معه أولى بالتحديث من شخص يأتي بعده ويقطع الحديث.
وقد ذكر الحافظ ابن حجر في ترجمة ابن جرير الطبري في (لسان الميزان) أن ابن جرير الطبري ﵀ كان يجلس في مجلس العلم، فحضر مجلسه مرة من المرات ابنُ الوزير ابن الفرات، فتوقف الذي له الدور والنوبة هيبة من ابن الوزير، وظن أن ابن جرير سيقدم ابن الوزير، فقال له ابن جرير: إذا كانت النوبة لك فابدأ ولا تعبأ بدجلة ولا بالفرات.
يعني بالفرات ابن الفرات، ومعنى ذلك أن صاحب السبق والأولية أولى من غيره.
وهذا هو الذي يسمونه في هذا الزمن الطوابير، أي: أن يكون الناس بعضهم وراء بعض، فهذا موجود في الإسلام قبل أن يوجد في هذا الزمان عند المسلمين أو عند الكفار.
стр. 144
علامات الساعة
فالرسول ﵊ كان يجيب في بعض الأوقات ببعض الأمارات كما أجاب في حديث جبريل فقال: (أن تلد الأمة ربتها)، وفُسِّر ذلك بأنه يكون عند كثرة الفتوح، وأن الأسياد يطئون الإماء، فإذا ولدت الأمة فإنها تكون أم ولد، وأحكام أمهات الأولاد معروفة، والقول الصحيح أنها لا تباع، وأنها تعتق بموت سيدها، ولهذا فإنهم كانوا يكرهون أن تلد الإماء؛ لأن الأمة إذا ولدت لم يتمكن سيدها من بيعها، فتضيع عليه ماليتها، ولذا فإنهم كانوا يعزلون عنهن عند الجماع.
فمعنى (أن تلد الأمة ربتها)، هو أن تلد لسيدها ولداً يكون الولد بمنزلة أبيه، فكأنه بمنزلة سيدها.
وهذه الأمارة والعلامة ليست مذمومة، فليست كل أمارات الساعة فيها ذم، فمنها ما هو مذموم، ومنها ما ليس مذموماً، فقوله ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من الحجاز) ليس فيه ذم، وهو أمر سيقع، ولا يعتبر من قبيل الأشياء المذمومة.
ومن هذا الوجه -أيضاً- ما جاء من أن المسلمين يجاهدون الكفار، فتكثر الفتوحات ويكثر السبي، فهذا شيء جيد، ولا يعتبر مذموماً، وإنما الذم فيما يحصل من كون الولد يعامل أمه معاملة لا تليق، لذلك قال بعض أهل العلم: إن المقصود من الحديث السابق هو العقوق.
وهذا الذي رجحه الحافظ ابن حجر في (فتح الباري)، فذهب إلى أن المراد أنه يكثر العقوق، فيكون الولد بمنزلة السيد، فلا يعامل أمه معاملة لطيفة، بل يكون بمنزلة الآمر الناهي، فتنعكس الأمور والأحوال، فيصير من هو أهل للاحترام والتوقير يسعى إلى أن يوقر من كان يجب عليه أن يوقره هو، فيكون على هذا التفسير مذموماً.
فالحاصل أن هذه العلامة على التفسير السابق ليست مما يُذم، وقيل: إن المقصود من ذلك أن يكثر السبي، فيترتب عليه أن الولد يملك ثم يعتق، ثم بعد ذلك يشتري أمّه وهو لا يدري أنها أمّه، فيسيء إليها، ويكون سيداً لها، فيكون مذموماً على هذا التفسير.
وقيل في معناه: إن الأمة تلد ابن سيدها، ثم يصير ذلك المولود ملكاً، فيكون رئيساً عليها وعلى غيرها ممن هو تحت ولايته.
وقوله: (وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاه يتطاولون في البنيان)، أي أن الذين كانوا فقراء وعراة الأجسام وحفاة الأرجل، وكانوا لا يجدون من النعال واللباس ما يكفيهم تتغير بهم الأحوال، وتكثر الأموال، فينتقلون من الحالة التي كانوا عليها إلى أن يتطاولوا في البنيان ويتباهوا به، فكل واحد يريد أن يكون أطول من غيره، وهذا فيه ذم، فقد كان مقصودهم المباهاة والتطاول، وهاتان الخصلتان مذمومتان، والرسول ﷺ أجابه بهاتين الأمارتين والعلامتين من علامات الساعة.
ثم قال عمر: (فلبث ملياً) وفي بعض الروايات (فلبثت ملياً، ثم قال: يا عمر! أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم.
قال: هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم)، وجاء في بعض الروايات أن الرسول ﷺ قال: (ردوا السائل.
فذهبوا فلم يجدوه، فقال: هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم).
وجاء في قصة عمر أنه كان بعد ثلاث، أي: بعد ثلاثة أيام، ويجمع بين هذا وبين ما جاء من أنه أخبره في الحال أن عمر لم يكن في ذلك المجلس بعد انصرافه وانتهائه، وإنما خرج ولقي النبي ﷺ ، فسأله النبي ﷺ بعد ثلاث عن الرجل الذي جاء وسأل هذه الأسئلة.
стр. 145
حكمة الرسول ﷺ في تقديم الأسئلة
وتقديم السؤال بهذه الطريقة فيه تمكين للسؤال في وعي وذهن المسئول، ففي ذلك لفت لنظره، بخلاف ما لو قيل: إن السائل هو فلان.
فإنه لا يكون له ذلك الوقع في نفس من وجّه إليه السؤال، فإذا جاء الجواب بعد ذلك فإنه يكون أوقع في نفسه، وأثبت في قلبه، وأمكن في استيعاب الشيء الذي يُخبَر به.
وهذا من الأساليب التي كان رسول الله ﷺ يفعلها مع أصحابه ليمكنهم من استيعاب ما يصدر منه، ومثل ما جاء في قصة معاذ بن جبل لما كان راكباً خلف رسول الله ﷺ على حمار، فقال له: (يا معاذ! فقال له معاذ: لبيك -يا رسول الله- وسعديك.
فقال: أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم.
قال: إن حق العباد على الله أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق الله على العباد أن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً) فمهد للجواب بهذه الأسئلة وهذا الخطاب حتى يكون عند معاذ الحرص والاهتمام تتلقي ما يسمعه من رسول الله ﷺ ، وكذلك بالنسبة لـ عمر ﵁ هنا، فقد قال له: (أتدري من السائل؟ قال: الله ورسوله أعلم، فقال: هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم).
وقوله: (قلت: الله ورسوله أعلم)، فيه دليل على أن الإنسان إذا لم يعلم فإنه يقول: الله أعلم.
وأما في زمنه ﷺ فإنه كان إذا سألهم وكانوا لا يعلمون فإنهم يقولون: الله ورسوله أعلم.
فيعطيهم الجواب، وأما بعد ذلك فليس لأي إنسان إذا سئل عن أي شيء لا يعلمه أن يقول: الله ورسوله أعلم.
فقد يسأل عن قيام الساعة فيقال له: متى تقوم الساعة؟ فلا يصلح أن يقول: الله ورسوله أعلم.
لأن الرسول صلى عليه وسلم لا يعلم متى قيام الساعة، فالذي يضاف إليه العلم على الإطلاق هو الله ، فهو الذي يعلم كل شيء، ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، كما قال الله : ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل:٦٥]، وأما الرسول ﷺ فإنه لا يعلم كل غيب، وقد أمر الله نبيه ﷺ أن يقول: ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ [الأنعام:٥٠]، فلا يعلم من الغيب إلا ما أطلعه الله عليه.
ثم قال ﵊: (هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم)، فأضاف إليه التعليم؛ لأنه متسبب فيه وإن لم يكن مباشراً للتعليم، فالذي باشر التعليم هو رسول ﷺ ، فصار المتسبب في حكم المباشر.
فسؤال الإنسان لا يكون دائماً عن الأشياء المجهولة فقط، بل قد يسأل عن الشيء يعلمه من أجل أن يسمع الناس جواب هذا السؤال، فهذا من الأمور المستحسنة، وليس هذا من الأمور التي لا تنبغي، بل هذا مما ينبغي؛ لأن فائدته أن يعلم غيره مثلما علم، ولهذا فقد أضاف الرسول ﷺ التعليم إلى جبريل -مع أنه إنما كان سائلاً- لكونه حصلت الفائدة للصحابة من جراء سؤاله.
ولقد كان سؤال جبريل وإجابة الرسول ﷺ عن أمور كلية وقواعد عامة، وهذه هي أصول الدين، وأما تفاصيله وجزئياته فلا تنحصر، ولكن هذه هي الأمور الكلية والقواعد العامة، وذلك في تفسير الإسلام والإيمان والإحسان، مثل تفسير الإسلام بأنه شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت الحرام، وكذلك أيضاً تفسير الإيمان بأنه الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، والإحسان وبيان معناه، وكذلك السؤال عن الساعة، وبيان أنه لا يعلمها إلا الله، فلتقطع الآمال عن التفكير فيها والبحث عن وقتها؛ لأن ذلك لا يعلمه إلا الله ، وأماراتها وعلاماتها كثيرة، وقد أخبر النبي ﷺ عن شيء من علاماتها.
وبذلك نكون قد انتهينا من الكلام على حديث جبريل الطويل من رواية عمر بن الخطاب رضي الله، وقد أخرجها مسلم في صحيحه، وفي الدرس القادم -إن شاء الله- سنتكلم على حديث: (بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان) والكلام عليه داخل في الكلام على حديث جبريل السابق؛ لأن هذه الأمور الخمسة هي التي اشتمل عليها جواب النبي ﷺ ، ولكننا أرجأنا الكلام عليها إلى الحديث الآتي؛ لأنه مشتمل عليها، ولم نجعل الكلام عليها ضمن هذا الحديث، فيعتبر الكلام على الحديث الآتي ضمن الكلام على حديث جبريل، والله تعالى أعلم.
следующие страницы →