← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 36944

شرح الأربعين النووية - العباد

عبد المحسن العباد

Полный текст (1 058 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

أنواع الإحسان ثم إن الإحسان قد يكون لازماً للإنسان لا يتعداه إلى غيره، وذلك بأن يحسن في عمله، وقد يكون متعدياً إلى غيره، وذلك بأن يحسن إلى غيره، وكل ذلك يدخل تحت الإحسان، وعلى الإنسان في عمله -سواءٌ أكان في العبادات البدنية، أم العبادات المالية المتعدية إلى غيره- أن يفعل ذلك وهو يرجو ثواب الله ويخشى عقابه . والإحسان يكون بعدة وجوه: يكون بالمال، ويكون بالجاه، ويكون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويكون بالدلالة على الخير، كل ذلك من الإحسان المتعدي، فيكون النفع للفاعل ولغيره؛ لأنه أحسن إلى نفسه وأحسن إلى غيره.

стр. 142

علم الساعة ومرده إلى الله تعالى ثم سأل جبريل رسول الله ﷺ عن الساعة، فقال: (أخبرني عن الساعة؟ فقال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل)، وفي هذا بيان أن علم الساعة مما اختص الله تعالى به. وقد جاء في القرآن ما يدل على أن علم الساعة من خصائص الله ، وجاء -أيضاً- أنها من جملة الخمسة الأمور التي هي من الغيب الذي لا يعلمه إلا هو ، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله ، فقد أخفاها عن الناس ولم يعلمهم بها، حتى الرسول ﷺ لا يعلم متى تقوم الساعة في أي سنة، ولا في أي شهر، ولا في أي يوم من الشهر، لكن جاء في السنة أن الساعة تقوم يوم الجمعة، وعلى هذا فالساعة لا تقوم في الأيام الأخرى غير يوم الجمعة، فلا تقوم يوم السبت أو الأحد أو الأيام الأخرى، وإنما تقوم في يوم الجمعة فقط كما جاءت بذلك السنة عن رسول الله ﵊، وأما في أي سنة، وفي أي شهر، وفي أي جمعة من الشهر فهذا لا يعلمه إلا الله . وكان جواب الرسول ﷺ لجبريل أن قال له: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل) أي أن الخلق استوى علمهم فيها، وهو أنهم لا يعلمون وقت قيامها، ولم يقل النبي ﷺ : لست أعلم بها منك. وإنما قال: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل)، وهذا كلام عام يشمل الرسول ﷺ وجبريل ﵇، ويشمل غيرهما. ثم سأل جبريل النبي ﵉ فقال: (فأخبرني عن أماراتها؟ فقال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان).

стр. 143

أشراط الساعة وللساعة أشراط، فبعض أشراطها تكون قريبة من قيامها، وبعض الأشراط تكون قبل ذلك، وهذه الأشراط التي قبل ذلك منها ما قد مضى، ومنها ما لم يأت، وكل هذا قبل أن تأتي العلامات الكبرى التي تكون بين يديها، مثل طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة، وخروج يأجوج ومأجوج، ونزول عيسى بن مريم، وكذلك خروج المهدي، فهذه من الأشراط التي هي قريبة من قيام الساعة. وأما العلامات الأخرى فهناك علامات أخبر بها الرسول ﷺ ، ومنها ما قد مضى، ومن ذلك قوله ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من الحجاز تضيء لها أعناق الإبل ببصري)، وقد ذكر في كتب التاريخ أنه في سنة ستمائة وأربع وخمسين خرجت هذه النار، وحصل هذا الذي أخبر به الرسول ﷺ ، وكان ذلك قبل سقوط بغداد بسنتين على أيدي التتار، فقد كان سقوط بغداد على أيدي التتار سنة ستمائة وست وخمسين، ذكر ذلك ابن كثير وغيره. وهناك أمور أخرى أخبر عنها الرسول ﷺ لم تقع إلى الآن، كقوله في الحديث: (لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب، فيقتتل عليه الناس، فينجو من كل ألف رجل واحد، ويهلك تسعمائة وتسعة وتسعون). وهؤلاء المقتتلون يعلمون بأن النجاة تكون لواحد من ألف، وأن الهلاك سيكون حليف تسعمائة وتسعة وتسعين، ومع ذلك يقتتلون ويرجو كل واحد منهم أن يكون هو ذلك الفائز الناجي، وهذا من شدة الحرص على الدنيا في ذلك الوقت، وهذا الأمر لم يحصل حتى الآن، وأما تفسير بعض الناس لذلك الجبل من ذهب بالبترول الذي في العراق فهو كلام باطل؛ لأن الرسول ﷺ وصفه بأنه جبل من ذهب، والبترول ليس بذهب، فالذهب -كما هو معروف- معدن من المعادن، وهو مع الفضة يكونان العملة التي يتعامل بها الناس، والذهب هو أنفس هذين النوعين. وهذا كله قبل أن تأتي العلامات الكبرى التي تكون بين يدي الساعة. ونسمع بين الحين والآخر الناس يتحدثون عن خروج المهدي، وبعض هؤلاء المدّعين لذلك من المجانين وأشباه المجانين، فيزعم بعض الناس أنه المهدي، وهذا كله من الخطأ البين الواضح. وقد حصل هذا في أزمان مختلفة من التاريخ، وآخر شيء حصل ووقعت فيه فتنة هلاك وقتل ما كان في سنة ١٤٠٠هـ في الحرم المكي، وكل ذلك بسبب هذا السفه، وهو ادعاء المهدوية، فتكون هناك عواطف وحماسة مبنية على غير أساس، وقد يبنى ذلك على منامات ورؤى تحصل من الشيطان ليزج بهؤلاء إلى ما يكون فيه هلاكهم وهلاك أتباعهم. وأذكر أنه قبل أن تحصل الفتنة التي وقعت في الحرم في غرة محرم سنة ١٤٠٠هـ كان الناس يتحدثون قبل ذلك عن أن المهدي سيخرج، وأذكر أنه جاء إلي طالب لا أعرفه وأنا في مكتبة الدراسات العليا، وقال: إنهم يقولون: إن المهدي سيخرج. وكانوا يذكرون أن قحطان محمد بن عبد الله القحطاني هو المهدي، وأنه سيخرج. وهناك كتاب اسمه (كتاب المتألهين والمتنبئين والمتمهدين) فقلت: إنه سيضاف إلى هذا الكتاب إن خرج. ثم إنه خرج فصار ممن ذكر في هذا الكتاب، ويحصل بين وقت وآخر محاولة من بعض الناس إدعاء المهدوية، وكل هذا سفه من بعض العقول. وأذكر أنه مرة من المرات جاءني كتاب من رجل في لندن، وقال: إني المهدي، وإنني أرى أن علامات المهدي موجودة فيّ، فماذا تقترح علي؟ وبماذا تشير علي؟ فقلت له: لا يسمع أحد أبداً هذا الكلام منك حتى تموت؛ لأنك إن حدثت به أحداً فستتهم بضعف في عقلك، فأرى من الخير لك أن تترك هذا الأمر، وأن لا يخطر منك على بال، فكتبت له هذا الكتاب، ولا أدري ما حصل له، ولعله استفاد من هذا الإرشاد. فالحاصل أن الذي أخبر به الرسول ﷺ حق، ولكنه سيقع في الوقت الذي يشاء الله أن يقع فيه، وأما تلك الأمور التي تحصل بين حين وآخر ممن يدعي أنه المهدي، أو يدعى فيه أنه المهدي فكل هذه الأمور لا تأتي بخير، وإنما تأتي بالضرر، وتدل على سفه من حصلت منه، وتدل على قلة عقله وبصيرته. فالرسول الكريم ﷺ أخبر بأمور عديدة، والإنسان إذا قرأ الكتب التي رتبت على الحروف، كالجامع الصغير، أو صحيح الجامع الصغير فإنه يجد عدة أحاديث كلها مبدوءة بـ: (لا تقوم الساعة حتى يحصل كذا وكذا). فمن هذه الأمور ما حصل، ومنها مالم يحصل، والمسلم يصدق بكل ما صح عن رسول الله ﷺ ، لكن لا يجر ولا يسوق الأحاديث أو النصوص التي وردت إلى شيء لا يصلح أن تساق إليه، أو يفسرها بشيء وقع على أن اعتبار أن هذا هو ما أراده الرسول ﷺ ، وذلك كالمثال الذي ذكرته في قصة الكنز الذي في الفرات، وتفسيره بالبترول، فكل هذا من التخرص، وهو كلام على غير هدى وبصيرة. فالرسول ﷺ لما سأله جبريل عن أماراتها أخبره بأمارتين، أخبره بقوله ﷺ : (أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان)، وكان ﵊ يُسأل أسئلة متعددة عن الساعة، فكان أحياناً يجيب بشيء من أماراتها، وأحياناً يجيب بما هو أهم من السؤال عن الساعة. فمما سئل عنه وكان الجواب بلفت النظر إلى ما هو أهم من المسئول عنه ذلك الحديث الذي فيه: (أن رجلاً قال: يا رسول الله! متى الساعة؟ فقال له ﷺ : وماذا أعددت لها)، أي: أن الساعة قائمة، وكل آت قريب، ولكن ما الذي أعددته لنفسك إذا قامت الساعة؟ فالسائل صدقه في الجواب (فقال: أعددت لها حب الله ورسوله ﵊. فقال ﵊: المرء مع من أحب)، فصرفه عن السؤال، ولفت نظره إلى الأمر الذي ينبغي أن يشتغل به، وهو أن يستعد للساعة وللموت، فالإنسان لا يجد أمامه إلا ما قدم، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨]. وهذا من كمال بيانه ونصحه ﵊ لهذا السائل الذي سأله. ومن ذلك -أيضاً- أن النبي ﷺ كان جالساً بين أصحابه يحدثهم، فجاء رجل ووقف على الحلقة وقال: يا رسول الله! متى الساعة؟ فأعرض عنه الرسول ﷺ ، واستمر فيما هو فيه من تحديث أصحابه، فلما فرغ قال: (أين السائل عن الساعة؟ فقال: أنا يا رسول الله. فقال: إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة. قال: وكيف إضاعتها؟ قال: إذا وسَّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة). قال الحافظ ابن حجر وهو يتكلم على استمرار الرسول ﷺ في الكلام مع أصحابه، وإعراضه عن هذا السائل، وفي هذا دليل على أن أخذ العلم بالسبق. أي أن الذي كان الحديث معه أولى بالتحديث من شخص يأتي بعده ويقطع الحديث. وقد ذكر الحافظ ابن حجر في ترجمة ابن جرير الطبري في (لسان الميزان) أن ابن جرير الطبري ﵀ كان يجلس في مجلس العلم، فحضر مجلسه مرة من المرات ابنُ الوزير ابن الفرات، فتوقف الذي له الدور والنوبة هيبة من ابن الوزير، وظن أن ابن جرير سيقدم ابن الوزير، فقال له ابن جرير: إذا كانت النوبة لك فابدأ ولا تعبأ بدجلة ولا بالفرات. يعني بالفرات ابن الفرات، ومعنى ذلك أن صاحب السبق والأولية أولى من غيره. وهذا هو الذي يسمونه في هذا الزمن الطوابير، أي: أن يكون الناس بعضهم وراء بعض، فهذا موجود في الإسلام قبل أن يوجد في هذا الزمان عند المسلمين أو عند الكفار.

стр. 144

علامات الساعة فالرسول ﵊ كان يجيب في بعض الأوقات ببعض الأمارات كما أجاب في حديث جبريل فقال: (أن تلد الأمة ربتها)، وفُسِّر ذلك بأنه يكون عند كثرة الفتوح، وأن الأسياد يطئون الإماء، فإذا ولدت الأمة فإنها تكون أم ولد، وأحكام أمهات الأولاد معروفة، والقول الصحيح أنها لا تباع، وأنها تعتق بموت سيدها، ولهذا فإنهم كانوا يكرهون أن تلد الإماء؛ لأن الأمة إذا ولدت لم يتمكن سيدها من بيعها، فتضيع عليه ماليتها، ولذا فإنهم كانوا يعزلون عنهن عند الجماع. فمعنى (أن تلد الأمة ربتها)، هو أن تلد لسيدها ولداً يكون الولد بمنزلة أبيه، فكأنه بمنزلة سيدها. وهذه الأمارة والعلامة ليست مذمومة، فليست كل أمارات الساعة فيها ذم، فمنها ما هو مذموم، ومنها ما ليس مذموماً، فقوله ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من الحجاز) ليس فيه ذم، وهو أمر سيقع، ولا يعتبر من قبيل الأشياء المذمومة. ومن هذا الوجه -أيضاً- ما جاء من أن المسلمين يجاهدون الكفار، فتكثر الفتوحات ويكثر السبي، فهذا شيء جيد، ولا يعتبر مذموماً، وإنما الذم فيما يحصل من كون الولد يعامل أمه معاملة لا تليق، لذلك قال بعض أهل العلم: إن المقصود من الحديث السابق هو العقوق. وهذا الذي رجحه الحافظ ابن حجر في (فتح الباري)، فذهب إلى أن المراد أنه يكثر العقوق، فيكون الولد بمنزلة السيد، فلا يعامل أمه معاملة لطيفة، بل يكون بمنزلة الآمر الناهي، فتنعكس الأمور والأحوال، فيصير من هو أهل للاحترام والتوقير يسعى إلى أن يوقر من كان يجب عليه أن يوقره هو، فيكون على هذا التفسير مذموماً. فالحاصل أن هذه العلامة على التفسير السابق ليست مما يُذم، وقيل: إن المقصود من ذلك أن يكثر السبي، فيترتب عليه أن الولد يملك ثم يعتق، ثم بعد ذلك يشتري أمّه وهو لا يدري أنها أمّه، فيسيء إليها، ويكون سيداً لها، فيكون مذموماً على هذا التفسير. وقيل في معناه: إن الأمة تلد ابن سيدها، ثم يصير ذلك المولود ملكاً، فيكون رئيساً عليها وعلى غيرها ممن هو تحت ولايته. وقوله: (وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاه يتطاولون في البنيان)، أي أن الذين كانوا فقراء وعراة الأجسام وحفاة الأرجل، وكانوا لا يجدون من النعال واللباس ما يكفيهم تتغير بهم الأحوال، وتكثر الأموال، فينتقلون من الحالة التي كانوا عليها إلى أن يتطاولوا في البنيان ويتباهوا به، فكل واحد يريد أن يكون أطول من غيره، وهذا فيه ذم، فقد كان مقصودهم المباهاة والتطاول، وهاتان الخصلتان مذمومتان، والرسول ﷺ أجابه بهاتين الأمارتين والعلامتين من علامات الساعة. ثم قال عمر: (فلبث ملياً) وفي بعض الروايات (فلبثت ملياً، ثم قال: يا عمر! أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم)، وجاء في بعض الروايات أن الرسول ﷺ قال: (ردوا السائل. فذهبوا فلم يجدوه، فقال: هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم). وجاء في قصة عمر أنه كان بعد ثلاث، أي: بعد ثلاثة أيام، ويجمع بين هذا وبين ما جاء من أنه أخبره في الحال أن عمر لم يكن في ذلك المجلس بعد انصرافه وانتهائه، وإنما خرج ولقي النبي ﷺ ، فسأله النبي ﷺ بعد ثلاث عن الرجل الذي جاء وسأل هذه الأسئلة.

стр. 145

حكمة الرسول ﷺ في تقديم الأسئلة وتقديم السؤال بهذه الطريقة فيه تمكين للسؤال في وعي وذهن المسئول، ففي ذلك لفت لنظره، بخلاف ما لو قيل: إن السائل هو فلان. فإنه لا يكون له ذلك الوقع في نفس من وجّه إليه السؤال، فإذا جاء الجواب بعد ذلك فإنه يكون أوقع في نفسه، وأثبت في قلبه، وأمكن في استيعاب الشيء الذي يُخبَر به. وهذا من الأساليب التي كان رسول الله ﷺ يفعلها مع أصحابه ليمكنهم من استيعاب ما يصدر منه، ومثل ما جاء في قصة معاذ بن جبل لما كان راكباً خلف رسول الله ﷺ على حمار، فقال له: (يا معاذ! فقال له معاذ: لبيك -يا رسول الله- وسعديك. فقال: أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: إن حق العباد على الله أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق الله على العباد أن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً) فمهد للجواب بهذه الأسئلة وهذا الخطاب حتى يكون عند معاذ الحرص والاهتمام تتلقي ما يسمعه من رسول الله ﷺ ، وكذلك بالنسبة لـ عمر ﵁ هنا، فقد قال له: (أتدري من السائل؟ قال: الله ورسوله أعلم، فقال: هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم). وقوله: (قلت: الله ورسوله أعلم)، فيه دليل على أن الإنسان إذا لم يعلم فإنه يقول: الله أعلم. وأما في زمنه ﷺ فإنه كان إذا سألهم وكانوا لا يعلمون فإنهم يقولون: الله ورسوله أعلم. فيعطيهم الجواب، وأما بعد ذلك فليس لأي إنسان إذا سئل عن أي شيء لا يعلمه أن يقول: الله ورسوله أعلم. فقد يسأل عن قيام الساعة فيقال له: متى تقوم الساعة؟ فلا يصلح أن يقول: الله ورسوله أعلم. لأن الرسول صلى عليه وسلم لا يعلم متى قيام الساعة، فالذي يضاف إليه العلم على الإطلاق هو الله ، فهو الذي يعلم كل شيء، ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، كما قال الله : ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل:٦٥]، وأما الرسول ﷺ فإنه لا يعلم كل غيب، وقد أمر الله نبيه ﷺ أن يقول: ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ [الأنعام:٥٠]، فلا يعلم من الغيب إلا ما أطلعه الله عليه. ثم قال ﵊: (هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم)، فأضاف إليه التعليم؛ لأنه متسبب فيه وإن لم يكن مباشراً للتعليم، فالذي باشر التعليم هو رسول ﷺ ، فصار المتسبب في حكم المباشر. فسؤال الإنسان لا يكون دائماً عن الأشياء المجهولة فقط، بل قد يسأل عن الشيء يعلمه من أجل أن يسمع الناس جواب هذا السؤال، فهذا من الأمور المستحسنة، وليس هذا من الأمور التي لا تنبغي، بل هذا مما ينبغي؛ لأن فائدته أن يعلم غيره مثلما علم، ولهذا فقد أضاف الرسول ﷺ التعليم إلى جبريل -مع أنه إنما كان سائلاً- لكونه حصلت الفائدة للصحابة من جراء سؤاله. ولقد كان سؤال جبريل وإجابة الرسول ﷺ عن أمور كلية وقواعد عامة، وهذه هي أصول الدين، وأما تفاصيله وجزئياته فلا تنحصر، ولكن هذه هي الأمور الكلية والقواعد العامة، وذلك في تفسير الإسلام والإيمان والإحسان، مثل تفسير الإسلام بأنه شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت الحرام، وكذلك أيضاً تفسير الإيمان بأنه الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، والإحسان وبيان معناه، وكذلك السؤال عن الساعة، وبيان أنه لا يعلمها إلا الله، فلتقطع الآمال عن التفكير فيها والبحث عن وقتها؛ لأن ذلك لا يعلمه إلا الله ، وأماراتها وعلاماتها كثيرة، وقد أخبر النبي ﷺ عن شيء من علاماتها. وبذلك نكون قد انتهينا من الكلام على حديث جبريل الطويل من رواية عمر بن الخطاب رضي الله، وقد أخرجها مسلم في صحيحه، وفي الدرس القادم -إن شاء الله- سنتكلم على حديث: (بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان) والكلام عليه داخل في الكلام على حديث جبريل السابق؛ لأن هذه الأمور الخمسة هي التي اشتمل عليها جواب النبي ﷺ ، ولكننا أرجأنا الكلام عليها إلى الحديث الآتي؛ لأنه مشتمل عليها، ولم نجعل الكلام عليها ضمن هذا الحديث، فيعتبر الكلام على الحديث الآتي ضمن الكلام على حديث جبريل، والله تعالى أعلم.

стр. 146

الأسئلة

стр. 147

حكم من يقول: إن الأئمة يعلمون متى يموتون، وإنهم لا يموتون إلّا باختيارهم السؤال حديث جبريل يدل على أن الغيب لا يعلمه إلا الله ، فكيف بمن يقول: إن الأئمة ﵈-يعلمون متى يموتون، وإنهم لا يموتون إلا باختيار منهم، وإنهم إذا شاءوا أن يعلموا علموا، وإنهم يعلمون علم ما كان وما يكون، وإنه لا يخفى عليهم شيء؟ الجواب ليس هذا من كلام أهل السنة، بل هو من كلام الرافضة الذين يغلون في أئمتهم الاثني عشر، ويضيفون إليهم مثل هذا الكلام، والذي قال هذا الكلام هو الكليني صاحب (الكافي)، وهذا الكتاب (الكافي) يعتبر عند الرافضة مثل (صحيح البخاري) عند أهل السنة. وهذه الأمور التي يضيفونها إلى الأئمة الاثني عشر لا تضاف إلى الرسول ﷺ ، فهذا من باطلهم وانحرافهم وغلوهم وإسرافهم وتجاوزهم الحدود، حيث أتوا بمثل هذا الكلام الذي يضحك كل من يسمعه من سوء ما هم عليه من الباطل، فكيف يكون الأئمة بهذا الوصف وبهذه الهيئة والرسول ﷺ لا يجوز أن يوصف بشيء من ذلك؟! فأئمتهم يعلمون ما كان وما سيكون، يعلمون متى سيموتون، ولا يموتون إلا باختيارهم، والأئمة عندهم الكتب المنزلة على المرسلين كلها، ويعرفونها بلغاتها، فما هذا الهراء؟! وكذلك -أيضاً- عندهم أخطر وأسوأ ما يكون، حيث يقول: (باب أنه ليس شيء من الحق إلا ما خرج من الأئمة، وأن كل شيء لم يخرج من عندهم فهو باطل) فعلى قولهم هذا يعتبر صحيح البخاري وصحيح مسلم باطلان؛ لأنهما لم يخرجا من عند الأئمة الاثنى عشر، بل والقرآن لم يخرج من عند أئمتهم، فقد جمعه أبو بكر ثم عثمان، والمصحف الموجود الآن هو من جمْع عثمان ﵁، فهو لم يخرج من الأئمة الاثنى عشر. وهذا يبين لنا انحرافهم وبعدهم عن الحق والهدى، وأنهم من أسوأ فرق الضلال إن لم يكونوا أسوأها، وبعض الناس إذا ذكرنا لهم مثل هذه الاعتقادات الباطلة قالوا: هذا كلام أناس متقدمين، وأما الموجودون في هذا الزمان فليس عندهم مثل هذا الكلام. وأقول: بل عندهم مثل هذا الكلام أو أسوأ منه، فهذا هو الخميني -الذي هلك قبل سنوات- له كتاب اسمه (الحكومة الإسلامية)، يقول فيه في (ص٥٢): وإن من ضروريات مذهبنا أن لأئمتنا مقاماً لا يبلغه ملك مقرّب، ولا نبي مرسل. والضروريات معناها: البديهيات التي لا تقبل النظر والتفكير. ويقول أيضاً: إن الإمام -يعني: من الأئمة- له خلافة تكوينية تخضع لها جميع ذرات الكون. ويذكر -أيضاً- أن الأئمة محدقون بالعرش، وأنهم أنوار محدقة بالعرش، وأن جبريل قال: لو قربت أنملة لاحترقت. فيقصدون أن لهم كاناً ما وصله جبريل، فكل هذا من الإفك والكذب والباطل، والإنسان عندما يسمع مثل هذا الكلام فإنه يقول: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران:٨]. وأما فيما يتعلق بعلم الغيب فالرسول ﷺ -وهو رسول الله ﷺ لا يعلم الغيب على الإطلاق، فلا يعلم من الغيب إلا ما علمه الله إياه، يقول الله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن:٢٦ - ٢٧] أي أن ما أظهره الله من غيبه وأوصى به إلى رسله فإن الله تعالى يحفظه حتى يصل إلى ذلك الرسول، لكن ليس كل غيب يصل إلى الرسول ﷺ . ومن الأمور التي لا يعلمها رسول الله ﷺ وقت قيام الساعة، وقد أخبر الرسول ﷺ نفسه بذلك، وعلمها إنما هو عند الله تعالى، وهناك أمور وقعت وحصلت يتبين من خلالها أن الرسول ﷺ لا يعلم الغيب، فمن ذلك أمر عائشة ﵂ في قصة الإفك، فقد رُميت زوجته بالإفك، فتألم وتأثر وأصابه ما أصابه من الشدة، وكان يستشير أصحابه فيها، ويستشير في طلاقها، وكان يقول لها: (يا عائشة! إنْ كنت ألممت بذنب فتوبي إلى الله واستغفري)، وبقي خمسين يوماً أو قريباً من ذلك وهو على هذه الحال حتى نزل القرآن ببراءتها، فلو كان الرسول ﷺ يعلم الغيب فإنه بمجرد قول الناس: إنه حصل كذا سيقول: أنا أعلم الغيب، فلم يحصل شيء من هذا، فلا تتكلموا. فلم يقل الرسول ﷺ هذا، بل خفي عليه الأمر ولم يعلمه إلا بعد نزول الآيات من أول سورة النور، وعند ذلك عرف براءتها وسلامتها، وقبل ذلك ما كان يدري حقيقة الأمر. ومن ذلك أنهم كانوا في سفر ففقدت عائشة ﵂ عقداً لها، ولما أرادوا الرحيل ذكرت أنها فقدت عقدها، فأمر الرسول ﷺ بالبحث عن هذا العقد، وجلسوا يفتشون عنه حتى أصبحوا وليس معهم ماء يتوضئون به، فأنزل الله تعالى آيات التيمم، فتيمموا، وعندما ارتحلوا وجدوا العقد تحت الجمل الذي كانت تركب عليه عائشة، فلو كان ﵊ يعلم الغيب لعلم مكان ذلك العقد الضائع، ولم يبقوا ليلة كاملة يبحثون عن العقد، فهذا الأمر غاب عن الرسول ﷺ . ومن ذلك قوله ﷺ : (يذاد أناس من أصحابي عن الحوض فأقول يا ربّ! أصحابي! فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك)، فلو كان ﵊ يعلم الغيب لم تكن هناك حاجة إلى أن يقال له: (إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك)، وليس به حاجة إلى أن يقول: (أصحابي)، ولو كان يعلم الغيب لعرف السبب الذي طردوا من أجله. فعلم الغيب لا يكون إلا لله ، فلا يعلم الغيب على الإطلاق إلا هو ، وأما الملائكة والبشر والجن فلا يعلمون من الغيب إلا ما أطلعهم الله عليه، فقد أخبر الله تعالى عن الملائكة في أول سورة البقرة أنهم قالوا: ﴿سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة:٣٢]، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة:٣٣]. وأخبر الله تعالى عن الجن -كما في قصة موت سليمان ﵊ أنهم لا يعلمون الغيب، وأنهم لم يعلموا موته حتى دلتهم على ذلك دابة الأرض، قال الله : ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ [سبأ:١٤]، وقال الله حكاية عن الجن في سورة الجن: ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن:١٠]، وقال الله تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل:٦٥]، أي: أن كل ما في السموات من الجن والملائكة والبشر لا يعلمون الغيب على الإطلاق، وأن الذي يعلم ذلك هو الله . وهذا الاستثناء في هذه الآية منقطع، فليس معنى ذلك أنّ الله في السموات، بل هو فوق السموات على العرش، فالله تعالى هو خالق الخلق، ولا يحويه شيء من مخلوقاته، بل هو مباين للمخلوقات.

стр. 148

الجمع بين قولنا: إن الحدود جوابر وبين قوله تعالى: (لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم) السؤال إذا كانت الحدود زواجر وجوابر على الصحيح فكيف نوفق بين هذا القول وبين آية حد الحرابة، إذ فيها قوله تعالى: ﴿لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة:٣٣]؟ الجواب تحمل هذه الآية على أن هناك كفراً يقتضي العذاب في الدنيا والآخرة، وأما الحدود التي تكون مع الإيمان فمن أقيمت عليه في الدنيا فإنه لا يعذب في الآخرة.

стр. 149

أول علامات الساعة السؤال هل طلوع الشمس من مغربها يعتبر أول علامات الساعة الكبرى؟ الجواب ليس عندي علم بكونها أول شيء، فهناك علامات قبلها كما هو معلوم، مثل خروج المهدي، ومثل نزول عيسى ﵇، وخروج يأجوج ومأجوج، فكل هذه قبلها؛ لأن طلوع الشمس من مغربها إذا وقع: لا ينفع نفساً إيمانها حينئذٍ.

стр. 150

تدرّج الإنسان في مرتبة الإحسان السؤال هل يصح القول بأن الإنسان يعبد الله بالرجاء، فإن لم يكن كذلك فإنه يعبد الله بالخوف، فقوله ﷺ : (أن تعبد الله كأنك تراه) يدل على الرجاء، وقوله: (فإن لم تكن تراه فإنه يراك) يدل على الخوف؟ الجواب هذا قريب من الذي ذكرته، فالإنسان يعبد الله ويطلبه ويتقرب إليه بالأعمال الصالحة وكأنه واقف بين يديه، فإن لم يكن كذلك فليعلم بأن الله تعالى يراه، فليخفه وليخشه.

стр. 151

حكم ادعاء علم الساعة عن طريق الحساب الأبجدي السؤال ما حكم ادعاء علم الساعة بالحساب الأبجدي؟ الجواب علم الساعة -كما هو معلوم من كثير من النصوص- من خصائص الله ، فلا يمكن أن يتوصل أحد إلى ذلك، وكل من تكلم في ذلك فإنما يرجم بالغيب، وهو من الدخول فيما ليس له؛ لأن مثل ذلك لا يعرف إلا عن طريق الشرع، ولو كان أحد يعلم ذلك لعلمه الرسول ﷺ الذي هو خير البشر، فقد قال: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل).

стр. 152

حكم ارتفاع المباني والعمائر السؤال قوله ﷺ : (يتطاولون في البنيان)، هل في ذلك ذم لارتفاع المباني والعمائر؟ الجواب لا بأس بذلك عند الحاجة، ولكن المذموم هو التفاخر والتباهي، حين تجد كل واحد يريد أن يغلب الآخر وأن يتفوق عليه، فإذا وجد هذا المعنى فهو مذموم.

стр. 153

المراد بالساعة في حديث: (إذا وسِّد الأمر إلى غير أهله) السؤال جاء في الحديث: (إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة)، فبعض الناس يقول: إن المراد بالساعة هنا الهلاك، وليس اليوم الآخر. فهل هذا صحيح؟ الجواب إذا قربت نهاية الزمان -ومعلوم أن القرب نسبي، فليس كل قُرب معناه الوصول إلى النهاية- فإن ذلك من العلامات على ذم ما يحصل في ذلك الزمان، وهذا يدل على قرب الساعة، ويدل -أيضاً- على قرب ساعة أولئك الذين حصل منهم ذلك الشيء، فكل إنسان تقوم قيامته وساعته عندما يموت، لكن لا يقال: إن هذا لا علاقة له بقيام الساعة التي أخبر الرسول ﷺ عنها؛ لأن الأحاديث التي فيها قيام الساعة المراد بها نهاية الدنيا. ولاشك في أن مثل هذه الأمور تدل على فساد أهل ذلك الزمان، وأن هذه من الأمور التي تقرب من النهاية وإن كان القرب -كما هو معلوم- نسبياً، فليس كل قرب معناه النهاية، فهناك أمور كبار لابد من أن توجد قبل أن تقوم الساعة.

стр. 154

حكم تعليق مجسَّم للحجرة النبوية السؤال ما حكم تعليق مجسم للحجرة النبوية؟ وهل هذا يعتبر هذا من تعظيم القبور؟ الجواب إظهار ذلك وإبرازه غير سائغ، وكون الناس يقصدون هذا ويتعمدونه شيء مذموم.

стр. 155

الحكمة من طلب الرسول ﷺ من الصحابة ﵃ أن يردوا السائل مع علمه أنهم لن يجدوه السؤال ما الحكمة من طلب الرسول ﷺ من الصحابة أن يردوا السائل وهو يعلم أنه ملك وأنهم لن يروه؟ الجواب يحتمل أنه أراد أن يبين لهم أن السائل من الملائكة، فإذا اتبعوه لن يجدوه، وأما إذا كان من البشر فإنهم سيجدونه ويرونه، وأما اختفاؤه بسرعة فإنه يدل على أنه ليس من قبيل ما يعهدون.

стр. 156

معنى قوله تعالى: (الله نور السماوات والأرض) السؤال ما معنى قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النور:٣٥]، وهل فيه هذه الآية مجاز؟ الجواب ليس في القرآن مجاز، وهذا هو الذي حققه العلماء مثل شيخ الإسلام ابن تيمية وهناك رسالة اسمها: (منع جواز المجاز في المنزل للتحدي والإعجاز)، وهي لشيخنا محمد أمين الشنقيطي رحمة الله عليه، وكذلك ابن القيم في كتابه (الصواعق)، فإنه بحث هذه المسألة وأطال فيها، وبين فساد القول بالمجاز، وأن هذا كله من قبيل الحقيقة مع التفاوت في الحقيقة، فالحقيقة قد تأتي على أحوال: منها ما تكون فيه واضحة جلية، ومنها ما يكون استعمالها فيه قليل، وكل هذا من قبيل الحقيقة. وقد بحث ابن القيم ﵀ هذه المسألة في كتابه (الصواعق) وذكر عشرة أدلة اُدعِيَ فيها المجاز، وقد ردها من أوجه كثيرة، ومنها: ادعاء المجاز في هذه الآية التي هي قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النور:٣٥].

стр. 157

شرح الأربعين النووية [٩] أركان الإسلام الخمسة هي أول ما يطالب به المسلم، وهي تختلف من حيث الأهمية والتقديم، فأهميتها على حسب ترتيبها في حديث جبريل، فيجب على المسلم الاهتمام بها وأداؤها كما أمر الله تعالى ورسوله ﷺ .

стр. 158

شرح حديث: (بني الإسلام على خمس) يقول الإمام النووي ﵀: [عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان)، رواه البخاري ومسلم]. هذا الحديث هو الحديث الثالث من الأربعين التي اختارها الإمام النووي وأودعها في كتابه (الأربعين)، وقد أتى به بعد حديث جبريل الذي فيه سؤال جبريل النبي ﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان، وقد أجاب ﵊ جبريل بقوله: (الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً). والخمس الموجودة في حديث: (بني الإسلام على خمس)، هي نفس الخمس التي جاءت في حديث جبريل، وإيراد الإمام النووي ﵀ لهذا الحديث لا يعتبر من قبيل التكرار، وذلك لأن في حديث عبد الله بن عمر معنى زائداً على ما جاء في حديث جبريل؛ لأن حديث جبريل فيه تفسير الإسلام بذكر هذه الأمور الخمسة، وأما حديث ابن عمر ففيه بيان أهمية هذه الأمور الخمسة وعظيم شأنها، وأن الإسلام بني عليها. ففيه معنى زائد على ما جاء في حديث جبريل، فلا يقال إنه تكرار. وإنما فيه معنى زائد على ما جاء فيه.

стр. 159

عظم شأن أركان الإسلام وقوله ﷺ : (بني الإسلام على خمس) فيه بيان عظيم شأن هذه الأركان الخمسة في الإسلام، وأنها هي الأمور التي تعتبر الأصل والأساس، وغيرها وإن كان مطلوباً فإنه تابع لها، فذكر هذه الأسس الخمسة التي ينبني عليها دين الإسلام، وغيرها يكون تابعاً لها. وهذا فيه تشبيه الأمور المعنوية بالأمور الحسية؛ لأن ذلك أقرب إلى الأذهان، فإن الإنسان يتصور أهمية هذا المعنى كما يشاهد البنيان الذي يقوم على أعمدة، وإذا سقطت أعمدته أو اختلت أعمدته فإنه يسقط ويقع، فهذه الأمور الخمسة هي بمثابة الأركان وبمثابة العمد التي يقوم عليها البنيان. فهذا تنبيه على أن هذا الإسلام مبني على هذه الخمسة، وأنها شبيهة بالأعمدة التي يقوم عليها البيت، والتي يقوم عليها البناء، فإن ذلك يدل على أهميتها وعلى عظيم شأنها.

стр. 160

فائدة ذكر العدد في أول المعدود ثم إن ذكر الخمس في أول الحديث وذكر العدد فيه فائدة، وهي التنبه للمعدود، وذلك أنه عندما يأتي ذكر العدد في الأول يتهيأ السامع ويستعد لمعرفة المعدود، فلو سقط شيء أو نسي العاد شيئاً فمعنى ذلك أنه حصل عنده نقص، فيحتاج إلى البحث عنه لتحصيله وتداركه، بخلاف ما إذا أتي بالشيء من غير ذكر العدد، فإن ذلك لا يكون مثل ما مما إذا ذكر العدد. والنبي ﷺ كان يأتي بمعدودات ويشير إلى عددها قبل أن يأتي ذكرها، ومن ذلك ما يكون اثنين، ومنه ما يكون ثلاثة، ومنه ما يكون أربعة، ومنه ما يكون خمسة، ومنه ما يكون ستة، ومنه ما يكون سبعة، فيأتي بذكر العدد في الأول ثم يأتي بالمعدودات، وهذا فيه -كما قلت- تنبيه للسامع إلى أن يعي ويستوعب المعدودات التي ذكر له عددها. فهذه من الفوائد التي فيها تحفيز السامع على استيعاب المعدود ومطالبة نفسه بتحصيله، وأنه إذا فاته منه شيء فمعناه أنه حصل عنده نقص. وقد جاء في ذلك أحاديث كثيرة فيما يتعلق بمعدودين، كما جاء في آخر حديث في صحيح البخاري، وهو قوله ﷺ : (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم) يعني أنهما هاتان الكلمتان. فقد ذكر العدد أولاً، ثم ذكر المعدود آخراً، وكذلك جاء ذكر الثلاث في قوله ﷺ : (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان) الحديث، فذكر العدد ثلاثة، ثم ذكر المعدود بعد ذلك، وكذلك جاء ذكر أربع في قوله ﷺ : (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً) الحديث، وجاء: (حق المسلم على المسلم خمس) الحديث، وكذلك جاء ذكر غيرها من الأعداد. وهذا من المنهج والطريقة التي كان يسلكها رسول الله ﷺ لتعليم أصحابه، وفائدة ذلك -كما أشرت- هي تحفيز السامع إلى أن يستوعب الشيء الذي يلقى عليه، وأن يطالب نفسه بالعدد، فإذا فاته شيء منه فمعناه أنه نقص عليه العدد، وأنه لم يستوعب، ويحتاج إلى أن يبحث عما يكمل به العدد.

стр. 161

التلازم بين الشهادتين ثم إن الرسول ﷺ قال: (بني الإسلام على خمس)، ثم بدأها بالشهادتين، والشهادتان ركن واحد، وهما اثنان، ولكنهما متلازمان، فهاتان الشهادتان متلازمتان لا تنفك إحداهما عن الأخرى، ومن شهد أن لا إله إلا الله ولم يشهد أن محمداً رسول الله ﷺ في هذه الأمة فإن ذلك لا ينفعه، بل لابد من شهادة أن لا إله إلا الله ولابد من شهادة أن محمداً رسول الله ﵊. وهذا لازم لجميع الجن والإنس من حين بعثته صلوات الله وسلامه وبركاته عليه إلى قيام الساعة، فلابد من الجمع بين الشهادتين، ولو شهد المرء أنه لا إله إلا الله ولم يشهد أن محمداً رسول الله فإن ذلك لا ينفعه عند الله، بل لابد من الشهادتين؛ لأنهما متلازمتان لا تنفك إحداهما عن الأخرى، فالمتعين علىٍ كل من الإنس والجن من حين بعثته إلى قيام الساعة أن يأتوا بهاتين الشهادتين، ولو أتى أحد بشهادة أن لا إله إلا الله ولم يأت بشهادة أن محمد رسول الله فإن ذلك لا ينفعه، ولو قال: إنه تابع للأنبياء السابقين، كاليهود الذين يزعمون أنهم أتباع موسى، والنصارى الذين يزعمون أنهم أتباع عيسى، فإذا لم يؤمنوا بمحمد ﵊ بعد بعثته فإن إيمانهم الذي يزعمونه لا يعتبر، ولا يعتد به، كما جاء في الحديث الصحيح عن النبي ﵊ أنه قال: (والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بالذي جئت به إلا كان من أصحاب النار) أخرجه مسلم في صحيحه، وهذا الحديث يدل على أن اليهود والنصارى يعتبرون من أمة محمد ﵊ أمة الدعوة، أي أن الدعوة موجهة إليهم، بل هي موجهة إلى كل أنسي وجني من حين بعثته ﵊ إلى قيام الساعة. فإذاً: الشهادتان متلازمتان، لا تنفك إحداهما عن الأخرى، ولابد من الجمع بينهما، ولا يكفي الإنسان أن يشهد أن لا إله إلا الله دون أن يشهد أن محمداً رسول الله ﷺ .

стр. 162

شمول الشهادتين لجميع الدين ثم إن الرسول ﷺ فسر الإسلام أو بين أن الإسلام مبني على هذه الأسس، وفسره في حديث جبريل بهذه الأسس الخمسة، ويدخل في ذلك كل ما هو مطلوب من الإنسان، سواء ما يتعلق بالقلب، أو ما يتعلق بالجوارح، وذلك لأن هذه الأمور التي ذكرت -وهي الأمور الخمسة- هي أمور ظاهرة، ولكن الأمور الباطنة هي داخلة تحت شهادة أن محمداً رسول الله ﷺ ؛ لأن مقتضى الشهادة أن يصدق في كل خبر، وأن يطاع في كل أمر، وأن ينتهى عن كل ما نهي عنه، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع. فإذاً: دخل الدين كله من أوله إلى آخره في شهادة أن محمداً رسول الله ﷺ ، فكل ما يتعلق بالإيمان من الأمور الاعتقادية ومن الأمور القلبية فإنه داخل تحت شهادة أن محمد رسول الله؛ لأنه لابد من التصديق بكل خبر، فيدخل تحت هذه الشهادة كل ما يتعلق بالقلوب ويتعلق بالجوارح. فعلى هذا يكون الحديث شاملاً للأمور الاعتقادية والأمور العملية التي تظهر على الجوارح، فكل ما يقوم بالقلوب وما يقوم بالجوارح داخل تحت هذه الخمس، بل داخل تحت شهادة أن محمداً رسول الله ﷺ .

стр. 163

معنى الشهادتين ومقتضاهما شهادة أن لا إله إلا الله معناها: لا معبود بحق إلا الله. وهي تشتمل على ركنين: نفي، وإثبات، نفي في أولها، وإثبات خاص في آخرها، وهذا النفي هو نفي العبادة عن كل ما سوى الله، وهذا هو النفي العام، والإثبات الخاص إثباتها لله وحده لا شريك له. والمقصود من هذه الشهادة أو من هذه الكلمة: توحيد الإله الذي هو حق، وأما الآلهة التي غير حق فهي كثيرة، وهي موجودة، ولكن الذي ينفى بهذه الشهادة وبهذه الكلمة عن هذه الألهة الباطلة إنما هي الإلهية الحقة، وأما الإلهية الباطلة المدعاة فهي موجودة وكثيرة. ولهذا فإن الكفار الذين بعث فيهم الرسول ﷺ لما طلب منهم أن يفردوا الله بالعبادة قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥]، ومعنى ذلك أنهم يعتقدون أن هناك آلهة، وإنما الذي أنكروه هو كون الإله واحداً. وعلى هذا فإن الشهادة أو النفي الذي في كلمة الإخلاص وكلمة التوحيد هو نفي الإلهية الحقة، فهذه هي المنفية عن كل ما سوى الله. وأما الإلهية الباطلة فإنها موجودة، ولكن إذا أتي بـ (لا إله إلا الله) -ومعناها: لا معبود حق إلا الله- فمعنى ذلك أن الذي نفي هو الإلهية الحقة، وليس النفي لوجود الآلهة، بل الآلهة موجودة، ولكنها آلهة باطلة. فمقتضى شهادة أن لا إله إلا الله أن لا يعبد إلا الله وحده لا شريك له، ومقتضى شهادة أن محمد رسول الله ﷺ أن يصدق بكل ما جاء به، ويمتثل كل ما جاء به من الأوامر، وينتهى عن كل ما نهى عنه من النواهي، وأن لا يعبد الله إلا طبقاً لشريعته، وطبقاً لما جاء به صلوات الله وسلامه وبركاته عليه. وهذا هو مقتضى الشهادتين؛ لأن مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله أن لا يعبد إلا الله، ومقتضى شهادة أن محمد رسول الله أن لا يعبد الله إلا طبقاً لما شرع رسول الله ﵊، ووفقاً لما جاء به الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم. فلابد من تجريد الإخلاص لله وحده، فلا يعبد مع الله غيره، ولابد من تجريد المتابعة للرسول ﷺ ، فتكون المتابعة والاتباع والعمل فعلاً وتركاً طبقاً لما جاء عن رسول الله ﷺ ، كما قال الله : ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠]. والعمل الصالح هو ما كان خالصاً لله ومطابقاً لسنة رسول الله ﷺ ، فلو اختل الركنان أو الشرطان أو اختل أحدهما فإن العمل يكون مردوداً على صاحبه، فلو أتي بالإخلاص دون المتابعة فإن العمل مردود؛ لقوله ﷺ : (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد)، وفي رواية: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)، ومن أتى بالعبادة مطابقة للسنة ولكن أشرك مع الله تعالى فيها غيره فإنها تكون مردودة على صاحبها؛ لعدم الإخلاص، والله تعالى يقول: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣]، وفي الحديث القدسي: (يقول الله : أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه). إذاً: الركن الأول مؤلف من أمرين: الشهادة لله بالوحدانية والإلهية، والشهادة لنبيه محمد ﷺ بالرسالة، فلابد منهما، وكل عمل لابد من أن يكون مستنداً إليهما. فالشهادتان هما أساس في ذاتيهما، وهما أساس لبقية الأركان ولكل عمل يتقرب به إلى الله ، وإذا لم يكن العمل مبنياً على الشهادتين فإنه يكون مردوداً على صاحبه وغير مقبول، ولا ينفع صاحبه عند الله . فهما أس الأسس، وهما اللتان يبنى عليهما غيرهما من بقية الأركان، وكل الأعمال التي يتقرب بها إلى الله . وقد بدأ بهما في هذه الخمس لأنهما الأساس لغيرهما، كما أنه بدأ بالإيمان بالله في أركان الإيمان لأن الإيمان بالله هو الأساس، وكل شيء وراءه تابع له، وكذلك هنا بدأ بالشهادتين لأن كل شيء وراءهما تابع لهما.

стр. 164

أهمية الصلاة وبيان فضلها وعظمتها الصلاة هي أهم الأركان بعد الشهادتين، وهي التي يتميز بها في فترة وجيزة من يكون مطيعاً ومن يكون عاصياً، فإن الإنسان إذا رافق إنساناً أو عامل إنساناً أو خالط إنساناً يستطيع أن يكتشفه في خلال أربع وعشرين ساعة بأنه على الحق أو على الضلال، فإن رآه محافظاً على الصلاة وحريصاً على الصلاة فهي علامة خير، وإن رآه مضيعاً للصلاة فهي علامة شر، ويتبين ذلك في فترة وجيزة، بخلاف بقية الأركان، فإن بعضها لا يأتي في السنة إلا مرة واحدة، وبعضها لا يأتي في العمر إلا مرة واحدة. أما الصلاة فإنها تأتي في اليوم والليلة خمس مرات، ولهذا فإنها صلة وثيقة بين العبد وربه، وبها يكون الإنسان على صلة وثيقة بالله . ولأهميتها جاء ذكرها بعد الشهادتين، فهي أهم الأركان بعد الشهادتين، وقد جاءت نصوص كثيرة في الكتاب والسنة تدل على عظيم شأن الصلاة، فقد جاء أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، وجاء أن أهل النار أول ما يسألون عن الذي أوصلهم إلى سقر لجيبون بأنهم كانوا لا يصلون، وجاء أنها فرضت ورسول ﷺ في السماء ليلة المعراج، ولم تفرض عليه وهو في الأرض، وجاء أنها آخر ما يفقد من الدين في هذه الحياة، وجاء أنها أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة، وجاء أنها الحد الفاصل بين المسلم والكافر، وجاء أنها من آخر ما أوصى به رسول الله ﷺ في مرض موته، فإنه كان أوصى بالصلاة، وما ملكت الإيمان. فلأهميتها ولعظيم شأنها ولكونها مستمرة ولكون الإنسان بها يكون على صلة وثيقة بالله دائماً وأبداً قدمت على غيرها، وصار لها هذه الميزات وهذه الأمور التي جاءت في هذه الأحاديث التي أشرت إليها.

стр. 165

أهمية الزكاة وبيان فضلها ثم بعد ذلك يأتي ذكر الزكاة، والزكاة هي عبادة مالية تأتي في السنة مرة واحدة عند حولان الحول أو عند خروج الثمار ونضوجها، ولا تتكرر الزكاة، وإنما تجب في السنة مرة واحدة، ونفعها متعدٍ، ولهذا قدمت على الصيام، وجاءت بعد الصلاة. ويأتي كثيراً القرن بين الزكاة والصلاة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، كما قال الله : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥]، وقال سبحانه: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة:٥]، وقال: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١١]، وقال: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج:٤١]. فيقرن الله بين الصلاة والزكاة في آيات كثيرة من كتابه، وهذا يدلنا على أن شأنها عظيم، وأنها تلي الصلاة، وأنها متقدمة على بقية الأركان، وذلك لأن نفعها متعدٍ، حيث ينتفع صاحبها وينتفع غيره، فصاحبها ينتفع بالأجر والثواب، وغيره ينتفع بالمال الذي هو محتاج إليه لفقره ولعوزه ولقلة ذات يده، فيكون نفعها متعدياً إلى الآخرين، مع أنه يحصل للإنسان الثواب على ذلك.

стр. 166

فضل الصيام وسبب تقديمه على الحج ويلي الزكاة الصيام؛ لأنه نفع قاصر وعبادة بدنية ليست متعدية، والصيام يجب في السنة شهراً، ولهذا جاء الترتيب بتقديمه على الحج في الحديث على غير هذه الرواية التي أوردها المصنف، وهذه الرواية التي قدم فيها الحج على الصوم هي رواية البخاري، لكن الرواية التي جاءت في صحيح مسلم فيها بيان أن الصوم مقدم على الحج، وأن ابن عمر ﵁ نفسه لما أعاد الذي أسمعه الكلام وقدم الحج على الصوم قال: (لا، الصوم والحج، هكذا سمعت من رسول الله ﷺ . وعلى هذا فتكون هذه الرواية التي أوردها المصنف هنا والتي تابع فيها البخاري -وقد أوردها البخاري في أول صحيحه- من تقديم الحج من قبيل الرواية بالمعنى، ومن قبيل تصرف بعض الرواة، وإلا فإن اللفظ الذي سمعه ابن عمر من رسول الله ﷺ هو أن الصوم مقدم على الحج. والصوم أهم وأعظم من الحج من جهة أن الصوم يتكرر ويأتي كل سنة، ويكون شهراً كاملاً، وأما الحج فإنه لا يأتي في العمر إلا مرة واحدة، ولهذا جاء تقديمه على الحج كما جاء في حديث جبريل، وكما جاء حديث ابن عمر في الرواية الأخرى التي أخبر ابن عمر بأنه سمعها من رسول الله ﷺ بتقديم الصوم على الحج، كما جاء في حديث جبريل. وبذلك تكون هذه الأمور متتابعة على حسب أهميتها، أي: تقدم الشهادتان، ثم الصلاة، ثم الزكاة، ثم الصيام، ثم الحج. والإمام البخاري ﵀ أورد حديث ابن عمر هذا في أول كتاب الإيمان من صحيحه، فأول حديث عنده في كتاب الإيمان هو حديث ابن عمر، وأورده بهذه الرواية التي فيها تقديم الحج على الصوم، وبنى عليها البخاري ﵀ ترتيب كتابه، فإنه قدم كتاب الحج على كتاب الصوم، بناءً على هذا الحديث الذي أورده في أول كتاب الإيمان. ولكن الرواية الأخرى بينت أن ابن عمر قال: (هكذا سمعته من رسول الله ﷺ وذلك لما أعاد عليه الرجل الحديث الذي سمعه منه فذكر الحج وقدمه على الصيام، فقال: (لا، الصوم والحج، هكذا سمعته من رسول الله ﷺ . وعلى هذا يكون الترتيب مطابقاً للترتيب الذي جاء في حديث جبريل، وأن كل واحد أهم من الذي يليه وأعظم شأناً من الذي يليه، وإن كانت كلها أمور لازمة وواجبة. وقد جاء في صحيح مسلم أن ابن عمر ﵁ حدث بالحديث لمناسبة، وهي أنه سئل فقيل له: ألا تغزو؟ فروى الحديث وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (بني الإسلام على خمس) ليبين أن أركان الإسلام هي هذه الخمسة، وأن الجهاد ليس من الأركان. ومعلوم أن غير الأركان الخمسة تابع لها، وأن الإسلام ليس منحصراً فيها، ولكن ذكرت لأهميتها، ولتقدمها على غيرها، وأن غيرها تابع لها، والجهاد هو من أعظم وأفضل الأعمال التي يتقرب بها إلى الله ، ولكنه ليس من الأركان، وذلك لأن هذه الأمور لازمة لكل مكلف، وأما الجهاد فإنه فرض كفاية، ويكون في أوقات دون أوقات، بخلاف هذه الأمور، فإنها لازمة ومستقرة وثابتة في حق كل مكلف، ولهذا بين ابن عمر ﵁ أن الجهاد ليس من الأركان، وحدث بهذا الحديث الذي قال فيه النبي الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان).

стр. 167

تقديم الأهم على غيره عرفنا أن حديث ابن عمر ليس متعارضاً مع حديث جبريل، وعرفنا أن الترتيب الذي جاء في الحديث -لا سيما على الوجه الذي ذكره ابن عمر أنه سمعه من رسول الله ﷺ يدل على أنها مرتبة على حسب أهميتها، وفيه دليل على أنه يبدأ بالأهم فالأهم، كما جاء في هذا الحديث ترتيبها، وكما جاء -أيضاً- في وصية الرسول ﷺ لـ معاذ بن جبل، فإنه لما أراد أن يبعثه إلى اليمن قال له: (إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم)، فذكر هذه الأمور الثلاثة، ورتبها بادئاً بالأهم فالذي يليه في الأهمية. وهكذا جاء في حديث ابن عمر ﵁ ترتيبها على النحو الذي ذكر ابن عمر: أنه سمعه من رسول الله ﵊ عليه، وهكذا جاء ترتيبها في حديث جبريل: (أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت).

стр. 168

أنواع العبادات وهذه الأركان الأربعة بعد الشهادتين منها ما هو عبادة بدنية، وهو الصلاة والصيام، ومنها ما هو عبادة مالية، وهو الزكاة، ومنها ما هو عبادة مالية بدنية وهو الحج، فهو بدني لأن الإنسان يفعله بنفسه، وتجزئ فيه النيابة في حق من يجوز له أن يناب عنه، وهو -أيضاً- عبادة مالية؛ لأنه يحتاج فيه إلى مال، ويحتاج فيه إلى الزاد، ولهذا جاء في القرآن: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧]، وجاء في حديث جبريل: (وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً)، وذلك لأنه يحتاج إلى القوة البدنية، وذلك بأن يستطيع السفر، ويحتاج إلى القوة المالية، وهي كون الإنسان يملك الزاد والوسيلة التي توصله، إما بالملك وإما بالاستئجار.

стр. 169

اشتراط الاستطاعة في العبادات وذكر الاستطاعة مع الحج وإن كان كل عمل يؤتى به على قدر الاستطاعة، كما قال الله : ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] لأن الحج يحتاج فيه إلى استطاعة مالية واستطاعة بدنية، وذلك أمر واضح، بخلاف غيره، فإنه وإن كان الأمر مطلوباً فيه الاستطاعة إلا أن الاستطاعة في الحج أعظم من غيره، ولهذا قال: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧]؛ لأنه قد لا يستطاع إليه سبيلاً، بخلاف الصلاة، فالإنسان له أن يصلي على حسب قدرته، فإن استطاع أن يقوم قام، وإن لم يستطع صلى جالساً، والزكاة لا تجب إلا على من كان له مال، والصوم لا يجب إلا على من كان قادراً، وإذا كان له عذر طارئ كالمرض والسفر فإنه يفطر، ولكن يقضي، والحج هو الذي يحتاج إلى الكل، فهو الذي فيه المشقة، ولهذا قيل: إنه يجمع بين العبادة المالية والعبادة البدنية. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 170

شرح الأربعين النووية [١٠] الإسلام هو دين الله الذي ختم به الأديان، ولا يقبل الله من أحد ديناً سواه، ودين الإسلام مشتمل على أمور كثيرة، ولكن أهمها الأركان الخمسة، فإنها الأساس فيه، ولهذا شبه النبي ﷺ الإسلام بالبناء القائم عليها، فعلى المسلم أن يحرص على إقامتها والمحافظة عليها حتى يستقيم له دينه؛ ليجد الجزاء عند ربه جزيلاً.

стр. 171

مسائل في حديث ابن عمر: (بني الإسلام على خمس) عن ابن عمر ﵄ أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان) رواه البخاري ومسلم. قوله: (شهادة) يحتمل أن يكون خبراً لمبتدأ محذوف، والتقدير: هي شهادة. وهذا على الرفع، وعلى الكسر تكون بدلاً من قوله: (خمس). وهذا الحديث فيه عدة مسائل: أولاً: قوله: (بني الإسلام على خمس) فيه بيان عظم شأن هذه الخمس، وأن الإسلام مبني عليها، وهو تشبيه معنوي بالبناء الحسي، فكما أن البنيان الحسي لا يقوم إلا على أعمدته فكذلك الإسلام إنما يقوم على هذه الخمس، واقتصر على هذه الخمس لكونها الأساس لغيرها، وما سواها فإنه يكون تابعاً لها. ثانياً: أورد النووي هذا الحديث بعد حديث جبريل -وهو مشتمل على هذه الخمس- لما اشتمل عليه هذا الحديث من بيان أهمية هذه الخمس، وأنها الأساس الذي بني عليه الإسلام، ففيه معنىً زائد على ما جاء في حديث جبريل. ثالثاً: هذه الأركان الخمسة التي بني عليها الإسلام أولها الشهادتان، وهما أس الأسس، وبقية الأركان تابعة لها، فلا تنفع هذه الأركان وغيرها من الأعمال إذا لم تكن مبنية على هاتين الشهادتين، وهما متلازمتان، فلابد من شهادة أن محمداً رسول الله مع شهادة أن لا إله إلا الله. ومقتضى شهادة أن لا إله إلا الله: أن لا يعبد إلا الله، ومقتضى شهادة أن محمداً رسول الله أن تكون عبادة الله وفقاً لما جاء به رسول الله ﷺ ، وهذان أصلان لابد منهما في قبول أي عمل يعمله الإنسان. فلابد من تجريد الإخلاص لله وحده، ولابد من تجريد المتابعة لرسول الله ﷺ . رابعاً: قال ابن حجر في الفتح: فإن قيل: لم يذكر الإيمان بالأنبياء والملائكة وغير ذلك مما تضمنه سؤال جبريل ﵇! أجيب بأن المراد بالشهادة تصديق الرسول بما جاء به، فيستلزم جميع ما ذكر من المعتقدات. وقال الإسماعيلي ما محصله: هو من باب تسمية الشيء ببعضه، كما تقول: قرأت الحمد وتريد جميع الفاتحة، وكذا تقول: شهدت برسالة محمد وتريد جميع ما ذكر. والله أعلم. خامساً: أهم أركان الإسلام الخمسة بعد الشهادتين الصلاة، وقد وصفها رسول الله ﷺ بأنها عمود الإسلام، كما في وصيته ﷺ لـ معاذ بن جبل، وهو الحديث التاسع والعشرون من هذه الأربعين، وأخبر أنها آخر ما يفقد من الدين، وأول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة، وأن بها يحصل التمييز بين المسلم والكافر. وإقامتها تكون على حالتين: إحداهما: واجبة، وهي الإتيان بها على وجه مجزٍ أدي فيه الواجب. الثانية: مستحبة، وهي تكميلها وتتميمها بالإتيان بكل ما هو مستحب فيها. سادساً: الزكاة هي قرينة الصلاة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، كما في قول الله : ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة:٥]، وقوله: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١١]، وقوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥]. وهي عبادة مالية نفعها متعدٍ، وقد أوجبها الله في أموال الأغنياء على وجه ينفع الفقير ولا يضر الغني؛ لأنها شيء يسير من مال كثير. سابعاً: صوم رمضان عبادة بدنية، وهي سر بين العبد وبين ربه؛ لأن الصوم لا يطلع عليه إلا الله ؛ لأن من الناس من يكون في شهر رمضان مفطراً وغيره يظن أنه صائم، وقد يكون الإنسان صائماً في نفل وغيره يظن أنه مفطر؛ ولهذا ورد في الحديث الصحيح أن الإنسان يجازى على عمله الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله : (إلا الصوم فإنه له وأنا أجزي به)، أي: بغير حساب. والأعمال كلها لله ، كما قال الله : ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمسلمينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]. وإنما خص الصوم في هذا الحديث بأنه لله لما فيه من خفاء هذه العبادة، وأنه لا يطلع عليها إلا الله. ثامناً: حج بيت الله الحرام عبادة مالية بدنية، وقد أوجبها الله في العمر مرة واحدة، وبين النبي ﷺ فضلها، كما في قوله ﷺ : (من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه)، وقوله ﷺ : (رمضان إلى رمضان، والعمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة). تاسعاً: هذا الحديث بهذا اللفظ جاء فيه تقديم الحج على الصوم، وهو بهذا اللفظ أورده البخاري في أول كتاب الإيمان من صحيحه، وبنى عليه ترتيب كتابه الجامع الصحيح، فقدم كتاب الحج فيه على كتاب الصيام، وقد ورد الحديث في صحيح مسلم بتقديم الصيام على الحج وتقديم الحج على الصيام. وفي الطريق الأولى تصريح ابن عمر بأن الذي سمعه من رسول الله ﷺ تقديم الصوم على الحج، وعلى هذا يكون تقديم الحج على الصوم في بعض الروايات من قبيل تصرف بعض الرواة، فرواه بالمعنى، وسياقه في صحيح مسلم: عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: (بني الإسلام على خمسة: على أن يوحد الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، والحج. فقال رجل: الحج وصيام رمضان؟ قال: لا، صيام رمضان والحج، هكذا سمعته من رسول الله ﷺ . عاشراً: هذه الأركان الخمسة وردت في الحديث مرتبة حسب أهميتها، وبدئ فيها بالشهادتين اللتين هما أساس لكل عمل يتقرب به إلى الله ، ثم بالصلاة التي تكرر في اليوم والليلة خمس مرات، فهي صلة وثيقة بين العبد وبين ربه، ثم الزكاة التي تجب في المال إذا مضى عليه حول؛ لأن نفعها متعدٍ، ثم الصيام الذي يجب شهراً في السنة، وهو عبادة بدنية نفعها غير متعدٍ، ثم الحج الذي لا يجب في العمر إلا مرة واحدة. الحادي عشر: ورد في صحيح مسلم أن ابن عمر ﵄ حدث بهذا الحديث عندما سأله رجل فقال له: ألا تغزو؟ فساق الحديث، وفيه الإشارة إلى أن الجهاد ليس من أركان الإسلام، وذلك لأن هذه الخمس لازمة باستمرار لكل مكلف، بخلاف الجهاد، فإنه فرض كفاية، ولا يكون في كل وقت. الثاني عشر: مما يستفاد من الحديث: أولاً: بيان أهمية هذه الخمس؛ لكون الإسلام بني عليها. ثانياً: تشبيه الأمور المعنوية بالحسية لتقريرها في الأذهان. ثالثاً: البدء بالأهم فالأهم. رابعاً: أن الشهادتين أساس في ذاتيهما، وهما أساس لغيرهما، فلا يقبل عمل إلا إذا بني عليهما. خامساً: تقديم الصلاة على غيرها من الأعمال؛ لأنها صلة وثيقة بين العبد وبين ربه. سادساً: ذكر العدد أولاً ثم المعدود بعد ذلك مما يجعل السامع يستوعب ما يلقى عليه، ويعي ما يلقى عليه، وهو منهج سلكه الرسول ﷺ في إيضاحه وبيانه لأصحابه ﵃ وأرضاهم. والله تعالى أعلم.

стр. 172

الأسئلة

стр. 173

حكم تارك الصلاة السؤال تعرض الحافظ ابن رجب لقضية خروج المرء من دائرة الإسلام بترك هذه الأركان الخمسة أو ترك بعضها، وبعد أن ذكر القول الأول في ترك الصلاة قال: وذهب إلى هذا القول جماعة من السلف والخلف، وهو قول ابن المبارك وأحمد وإسحاق، وحكى إسحاق عليه إجماع أهل العلم، وقال محمد بن نصر المروزي: هو قول جمهور أهل الحديث. ثم قال: وذهب طائفة منهم إلى أن من ترك شيئاً من أركان الإسلام الخمسة عمداً أنه كافر بذلك، وروي ذلك عن سعيد بن جبير ونافع والحكم. ويقول الحافظ ابن رجب أيضاً: واعلم أن هذه الدعائم الخمسة بعضها مرتبط ببعض، وقد روي أنه لا يقبل بعضها بدون بعض، كما في مسند الإمام أحمد عن زياد بن نعيم الحضرمي قال: قال رسول الله ﷺ : (أربع فرضهن الله في الإسلام، فمن أتى بثلاث لم يغنين عنه شيئاً حتى يأتي بهن جميعاً: الصلاة، والزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت)، وهو مرسل، فما توجيه هذا؟ الجواب هذا غير واضح، إلا إذا كان المقصود به الجحود، أما إذا كان المقصود به عدم الجحود فإنه لا يعتبر كافراً، فإن الكفر إنما هو في الصلاة، كما جاء عن عبد الله بن شقيق العقيلي أنه قال: إنهم كانوا لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة. وأما بالنسبة للجحود فكل ما هو معلوم من دين الإسلام بالضرورة إذا جحده الإنسان فإنه يكفر، وكذلك إذا استحل أمراً معلوماً تحريمه من دين الإسلام بالضرورة فإنه يكفر. وعلى هذا فإن مجرد الترك ليس جحوداً، وعلى هذا فإنه لا يعتبر كفراً، ولهذا جاء في قصة الرجل الذي لا يؤدي الزكاة: (إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فيكوى بها جنبه وظهره، ويكون هذا شأنه حتى يقضي الله بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار). وكذلك صاحب الإبل وصاحب البقر والغنم الذي لا يؤدي زكاتها: (يبطح لها بقاع قرقر، فتطؤه بأظلافها، إذا مر عليه أخراها عاد عليه أولاها، حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار) فقوله: (إما إلى الجنة وإما إلى النار) يدل على أنه ليس بكافر؛ لأن الكافر لا سبيل له إلى الجنة، بل مصيره إلى النار، والذي له سبيل إلى الجنة هو الذي يكون مسلماً وليس بكافر. فهذا يدل على أن غير الصلاة إذا تركه العبد من غير جحود لا يكون كافراً، وأما الصلاة فهي التي فيها الخلاف، فمنهم من قال: إنه يكفر بتركها تكاسلاً. وهذا القول دلت عليه الأدلة، مثل قوله ﷺ : (بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة)، وقوله في الحديث الآخر: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر)، وكذلك الحديث في الأمراء الذي قال فيه النبي ﷺ : (إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان)، وفي الحديث الآخر قال: (لا ما صلوا). ففي قوله: (إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان) استثنى به الكفر البواح، وفي قوله: (لا، ما صلوا) استثنى الصلاة، فدل على أنهم إذا كانوا من المصلين فقد سلموا من الكفر، وأن من لم يصل فإنه يكون كافراً.

стр. 174

اشتراط النطق بالشهادتين باللغة العربية السؤال إذا أراد الآدمي أن يسلم وهو لا يعرف اللغة العربية فهل ينطق بالشهادتين بلغته؟ الجواب يُفَهَّمُ الشهادتين بلغته، وينطق بهما باللغة العربية، أي: يفهم المقصود من الشهادتين بلغته، ثم يطلب منه النطق بهاتين الشهادتين باللغة العربية.

стр. 175

المعنى الزائد في حديث ابن عمر في أركان الإسلام عن حديث جبريل في مراتب الدين السؤال ما هو المعنى الزائد في حديث ابن عمر عن حديث جبريل؟ الجواب ذكر البناء في الأول، وذلك في قوله: (بني الإسلام على خمس)، وأما حديث جبريل فليس فيه ذكر بناء، وإنما فسر الإسلام بأن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وإقام الصلاة إلخ، وأما قوله: (بني الإسلام على خمس) فهذا التعبير وهذا الأسلوب يدل على أهمية هذه الخمس، وأنها هي التي بني عليها الإسلام.

стр. 176

تقييد تفسير كلمة التوحيد بقول: (في الوجود) السؤال هناك من العلماء من قيد تفسير كلمة التوحيد بقوله: (لا معبود بحق في الوجود إلا الله) فما تعليقكم؟ الجواب كلمة الوجود تحصيل حاصل، وإنما المقصود أنه لا معبود بحق، ومن المعلوم أن كل شيء في الوجود موجود، فالله تعالى موجود، وغيره موجود.

стр. 177

بيان شرط العمل الذي ينفع صاحبه السؤال نقل عن شيخ الإسلام ﵀ أن المبتدع إذا كان عنده إخلاص في العمل الذي ابتدعه فإنه يؤجر على تلك النية، فما مدى صحة هذا الكلام؟ الجواب ما أدري، لكن من المعلوم أن العمل الذي ينفع صاحبه عند الله هو العمل الذي يكون مطابقاً لسنة رسول الله ﷺ ، وإذا كان مخالفاً للسنة فإنه داخل تحت قوله ﷺ : (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد).

стр. 178

أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر السؤال ذكر بعض أهل العلم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يعتبر الركن السادس، فما صحة ذلك؟ الجواب نعم ذكرهما بعض أهل العلم، وهذا يدل على أهميتهما، لكنه لم يرد شيء يدل على إضافتهما إلى الأركان، ولا شك في أهميتهما؛ لأن بهما قيام الدين.

стр. 179

حكم قتال مانع الزكاة السؤال إذا كان لا يخرج من الإسلام إلا من ترك الصلاة فكيف قاتل أبو بكر ﵁ من امتنع عن أداء الزكاة؟ الجواب أبو بكر ﵁ قاتلهم لأنهم امتنعوا عن أدائها، فهو قاتلهم من أجل أن يؤدوا هذا الواجب الذي لابد من إخراجه، لكن لو تمكن من أخذها منهم من غير قتال فإنها تجزئ، أي: أن الإنسان إذا امتنع وأخذت منه قهراً من غير قتال حصل المقصود، لكن هؤلاء امتنعوا، وقوتلوا على أنهم لم يدفعوها.

стр. 180

تقديم الشهادتين على الصلاة في حق من دخل في الإسلام السؤال هل يؤمر الكافر الذي يسلم بالصلاة مع الشهادتين، أو يؤمر بالشهادتين ثم يؤمر بالصلاة بعد ذلك عندما يتمكن التوحيد من قلبه؟ الجواب يؤمر بالشهادتين، وإذا جاء وقت الصلاة يؤمر بالصلاة، فيؤمر بالشهادتين لأنهما هما الأساس، وهما المدخل والمفتاح، وبعد ذلك إذا جاء وقت الصلاة يؤمر بالصلاة.
следующие страницы →