← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 36944

شرح الأربعين النووية - العباد

عبد المحسن العباد

Полный текст (1 058 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

حكم الاجتماع للموالد من أجل الصلاة على النبي ﷺ السؤال إذا أنكرت على الذين يحتفلون بمولد النبي ﷺ فإنهم يقولون: إن لم يكن هذا من عمل النبي ﷺ ولا عمل الصحابة فإنه ليس هناك ضرر في كوننا نجتمع ونصلي ونسلم عليه، أليس هذا خيراً من أن نجلس أمام التلفزيون أو نستمع إلى الأغاني؟ الجواب لا يستمع إلى هذا ولا إلى ذلك.

стр. 597

نفع القرآن وشفاؤه لغير المؤمنين السؤال قوله سبحانه: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء:٨٢] مفهوم الآية أن الشفاء يكون للمؤمن فقط، مع أن الرقاة قد يرقون بالقرآن من هو من أهل البدع، أو وقع في الشرك، ومع ذلك تنفعه الرقية فما تعليقكم؟ الجواب الأصل أن نفع القرآن للمؤمنين؛ لأنهم الذين يؤمنون به ويصدقون، وهم الذين يستسلمون وينقادون، وكونه ينفعهم وينفع غيرهم من ناحية الرقية لا ينافي كونه شفاءً للمؤمنين.

стр. 598

المقصود بكون القرآن يأتي على هيئة يوم القيامة السؤال قوله ﷺ عن سورتي: البقرة وآل عمران: (تأتيان يوم القيامة كأنها غمامتان)، وكذلك إخباره أنه يؤتى بالقرآن يحاج عن صاحبه ثم يأخذ بيده فيدخله الجنة، فهل معناه أن القرآن يكون عيناً أم أن المقصود الثواب والأجر؟ الجواب المقصود العمل، فالعمل هو الذي يقلب عيناً، وهو القراءة، وهناك فرق بين القراءة والمقروء، فالمقروء هو كلام الله، والقراءة هي فعل العبد، وفعل العبد كسب له يثاب عليه، فكما أن الأعمال تقلب أعياناً وتوضع في الميزان فإن قراءة الإنسان هي من عمله، وهي التي تقلب، وليس نفس القرآن؛ لأن هناك قراءة ومقروءاً، وقد جاء في القرآن ذكر أن لفظ القرآن يراد به المقروء، ويراد به القراءة، فمما جاء في القرآن يقصد به المقروء قوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ﴾ [الإسراء:٨٢] فهذا المقصود به المقروء، ومما جاء يراد به القراءة قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء:٧٨] يعني: القراءة في الفجر، وكذلك قوله ﷺ : (زينوا القرآن بأصواتكم) يعني: زينوا القراءة. فبنص القرآن نفسه يأتي القرآن بمعنى القراءة ويأتي بمعنى المقروء، والقراءة التي هي فعل العبد وكسبه هي التي تأتي على هيئة غمامة تظل صاحبها يوم القيامة، وكذلك عمله من حيث قراءة القرآن هو الذي يأتي شافعاً له، وهو الذي ينفعه، وليس معنى ذلك أن القرآن نفسه يتحول وينقلب إلى عين، وإنما القراءة التي هي العمل هي التي تقلب إلى عين.

стр. 599

معنى لسان الميزان السؤال هل للميزان لسان يتكلم به؟ الجواب لا نعلم شيئاً يدل على ذلك، ومعلوم أن الميزان الذي له كفتان له لسان بينهما، بحيث إذا استوت الكفتان يستوي اللسان، وإذا مالت إحداهما مال إلى أحد الجهتين، فهذا هو الذي يطلقون عليه لسان الميزان. والميزان له كفتان، كما جاء في الحديث.

стр. 600

حكم البيع قبل حيازه المبيع السؤال إذا عرضت أرضاً في مكتب للعقار للبيع، ثم أتى لها مشترٍ وكلم صاحب المكتب فيها، فأخبره بأنها عرضت بمائتي ألف ريال، ثم وافق على الشراء، ولم يبق سوى الإفراغ، فدخل مشترٍ ثانٍ لشرائها فأخبره صاحب المكتب أن الأرض قد بيعت من هذا الشخص -وهو لا يزال في المكتب- فقال المشتري الثاني للأول: هل اشتريتها بهذا المبلغ؟ قال: نعم. قال له: خذ عشرة آلاف ريال زيادة ثم دعها لي. فهل هذه الصورة جائزة، أم أن هذه الزيادة تكون من حق صاحب الأرض الأول؟ الجواب ليس للإنسان أن يبيع إلا إذا ملك، فما دام أنه لم يملك فإنه لا يبيع، فهذا الذي اشترى وحصل التفاهم معه قبل أن يتم البيع وقبل أن يملكها وتنتقل إلى ملكه ليس له أن يبيعها.

стр. 601

حكم أخذ المال المجموع بطريق ما يسمى بالجمعية السؤال نحن جماعة نعمل في مؤسسة، ونجمع في آخر كل شهر مبلغاً من المال يأخذه كل مرة واحد، فما حكم الشرع في هذه العملية؟ الجواب هذه هي التي يسمونها الجمعية، وهي أن يتفق عشرة أشخاص -مثلاً- على أن يدفع كل واحدٍ منهم في كل شهر -مثلاً- مائة ريال أو ألف ريال، ثم في كل شهر يأخذ المبلغ واحد من هؤلاء العشرة حتى يأتي إلى تمام العشرة، وهذه من المسائل التي اختلف فيها أهل العلم في هذا الزمان، فمنهم من يجيزها ومنهم من يمنعها، ولا شك أن الاحتياط والسلامة للإنسان ألا يدخل فيها؛ لأن فيها شبهة، وهي أن كل إنسان يَقْرِض ليُقْرَضَ، وقد أجمع المسلمون على أن كل قرض جر نفعاً فهو ربا.

стр. 602

الراجح في الحكم على حديث: (الطهور شطر الإيمان) السؤال بعض أئمة الحديث ضعفوا الحديث الذي رواه مسلم: (الطهور شطر الإيمان) كـ الدارقطني وغيره، فهل هذا الحديث من الأحاديث المنتقدة على مسلم فيكون ضعيفاً؟ وما القول الراجح فيه؟ الجواب الحديث صحيح.

стр. 603

شرح الأربعين النووية [٢٤] لقد حرم الله تعالى الظلم على نفسه ونزه نفسه عنه، وحرمه على عباده، فالذي ينبغي للمسلم أن يبتعد عن الظلم؛ لأن عاقبته وخيمة، تصيب الظالم في الدنيا قبل الآخرة، والظلم ظلمات يوم القيامة.

стр. 604

شرح حديث: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي) يقول الإمام النووي ﵀ في الأربعين النووية: عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه ﵎ أنه قال: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا، يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم. يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم. يا عبادي! كلكم عارٍ إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم. يا عبادي! إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم. يا عبادي! إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفوني، ولن تبلغوا ضري فتضروني. يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً. يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً. يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم اجتمعوا في صعيد واحد وسألوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك من ملكي شيئاً إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر. يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه) رواه مسلم.

стр. 605

معنى الحديث القدسي وحقيقته حديث أبي ذر ﵁ عظيم اشتمل على عشر جمل، كل جملة منها مبدوءة بـ (يا عبادي)، وهو من الأحاديث القدسية، والحديث القدسي هو الذي يضيفه النبي ﷺ إلى ربه، وهو مشتمل على ضمائر التكلم التي ترجع إلى الله ، كما في قوله: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي) فإنه لا يقول أحد: يا عبادي إلا الله . وكذلك الحديث الذي فيه: (الصوم لي) فإن هذا فيه ضمير التكلم، وهو يرجع إلى الله ، وقال كذلك: (أنا عند حسن ظن عبدي بي) فكل ما كان من هذا القبيل فإنه يعتبر من الأحاديث القدسية؛ لأن المتكلم فيها هو الله، والضمائر ترجع إلى الله، ومثل هذا الكلام لا يقوله الرسول ﷺ ، فلا يقول: (يا عبادي) إلا الله ، والنبي ﷺ يضيف إلى ربه هذا الحديث القدسي، فيقول: قال الله كذا وكذا. أو يقال: قال الله فيما يرويه عنه نبيه ﷺ . فهذا هو الحديث القدسي.

стр. 606

وجه تحريم الله الظلم على نفسه ونفيه عنه يقول الله في هذا الحديث: (يا عبادي!) وهي أول هذه الجمل العشر (يا عبادي! إن حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا). فالله أخبر أنه حرم الظلم على نفسه، والظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، وقد حرم الله على نفسه الظلم، فلا يقع منه الظلم أبداً، وهو منزه عنه، ونفي الظلم عن الله هو من قبيل النفي الذي جاء في الكتاب والسنة، ومتضمن إثبات كمال ضد ذلك المنفي، فقد جاء في القرآن آيات عديدة فيها نفي الظلم عن الله ، كما قال الله : ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩] وقال : ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦] وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا﴾ [طه:١١٢]. كل هذه الآيات وأمثالها التي فيها نفي الظلم عن الله تدل على إثبات كمال ضد ذلك المنفي الذي هو الظلم، أي: يدل على إثبات كمال عدله ، وأن الله تعالى متصف بالعدل على التمام والكمال، وهكذا النفي في الكتاب والسنة عندما يأتي فهو نفي متضمن إثبات كمال، وليس كالنفي الذي يكون عند المتكلمين الذي يؤدي إلى نفي الموجود ويؤدي إلى أن الله تعالى لا وجود له، حيث يقولون: ليس بكذا وليس بكذا. وكل صفة تنفى عندهم عن الله، فيئول الأمر إلى أنه لا يبقى وجود لله ، والنفي في الكتاب والسنة إنما يأتي متضمناً إثبات كمال لله ، فقوله تعالى: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩] لبيان كمال عدله، وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ﴾ [فاطر:٤٤] لبيان كمال قوته، وقوله تعالى: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق:٣٨] لبيان كمال قدرته ، يعني: ما مسنا من تعب ولا نصب ولا إعياء. إذاً: فكل نفي جاء في الكتاب والسنة يدل على إثبات كمال ضده في حق الله ، وهو ضد ذلك المنفي، فنفي العجز يدل على إثبات كمال القوة وكمال القدرة، ونفي الظلم يدل على إثبات كمال العدل. فمنهج سلف هذه الأمة أنهم يثبتون لله ما أثبته لنفسه وأثبته له رسوله ﷺ ، وينفون عنه ما نفاه عن نفسه ونفاه عنه رسوله ﷺ ، وهذا النفي الذي ينفونه عنه وفقاً لما جاء في الكتاب والسنة يدل على إثبات كمال الله ، بخلاف أولئك الذين ينفون عن الله الصفات بحجة أنهم لو أثبتوا لكانوا مشبهين، وتصوروا أنه ليس هناك إثبات إلا مع التشبيه، ولهذا يقولون: ليس بكذا، وليس بكذا. وينفون عنه جميع الصفات، فيئول الأمر إلى أن يكون لا وجود له؛ لأنه لا يتصور وجود ذات مجردة من جميع الصفات. فالمتكلمون تصوروا أنه لا إثبات إلا مع تشبيه، ففروا من تشبيه بالموجودات حسب تصورهم الباطل، ووقعوا في تشبيه أسوأ منه، وهو التشبيه بالمعدومات، ولهذا يقول بعض أهل العلم: إن المعطل يعبد عدماً. يعني: لا وجود لمعبوده. وكما قال ابن عبد البر ﵀ في كتابه (التمهيد): إن الذين ينفون الصفات عن الله ويصفون المثبتة بأنهم مشبهة؛ لأنهم ما تصوروا إثباتاً إلا مع تشبيه. ثم يقول ابن عبد البر: وهم عند من أقر بها نافون للمعبود. أي أن المعطلة عند المقرين للصفات يعتبرون نافين للمعبود. ثم إن الذهبي ﵀ ذكر هذا النقل عن ابن عبد البر في كتابه (العلو للعلي الغفار)، وقال: صدق والله -أي: ابن عبد البر -، فإن الجهمية مثلهم كما قال حماد بن زيد: إن جماعة قالوا: في دارنا نخلة. فقيل: ألها خوص؟ فقالوا: لا، ألها عسب؟ قالوا: لا، ألها قنو؟ قالوا: لا، ألها ساق؟ قالوا: لا، قالوا: إذاً ما في داركم نخلة؛ لأنه إذا كانت جميع صفات النخل منفية عنها فلا وجود لهذه النخلة التي نفيت عنها جميع الصفات. فكذلك إذا نفيت الصفات عن الله فمعنى ذلك أنه لا وجود له، وعلى هذا فنهج المتكلمين إنما هو نقص وإضافة نقص إلى الله ، بل إضافة العدم إليه وأنه لا وجود له، وأما أهل السنة والجماعة فهم ينفون عن الله ما نفاه عن نفسه ونفاه عنه رسوله ﷺ ، وهذا النفي متضمن إثبات كمال الله . فقوله تعالى في الحديث: (إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً) أي: أنه حرم على نفسه الظلم، ومنع الظلم عن نفسه؛ وذلك لكمال عدله . قوله: (وجعلته بينكم محرماً) أي: كما حرمه الله على نفسه فلا يقع منه أبداً فإنه حرمه على عباده، ولكن منهم من يحصل منه الظلم، سواء ظلم نفسه، وذلك بأن يأتي بأمور منكرة تعود مضرتها عليه ويكون ظالماً لنفسه، أو يظلم غيره، سواءٌ أكان ظلمه في نفسه بقتله أو بقطع عضو منه، أم كان في عرضه أم في ماله. فيكون الظلم قاصراً على الإنسان ويكون متعدياً إلى غيره، فيظلم الإنسان نفسه، وذلك بتركه للأوامر ووقوعه في المعاصي، وكذلك أيضاً يظلم غيره بأن يلحق به الأذى والضرر، فيكون ظالماً لنفسه وظالماً لغيره. ثم قال: (فلا تظالموا) يعني: فلا تتظالموا، بل عليكم أن تبتعدوا عن الظلم وأن تتركوا الظلم، وأن تكونوا على السداد وعلى العدل، وأن تحذروا من الظلم. هذه هي الجملة الأولى من الجمل العشر التي اشتمل عليها حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه.

стр. 607

حاجة العباد إلى هداية الله تعالى الجملة الثانية قوله: (يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم). الله هو الذي يتفضل بالهداية على من شاء من عباده، ومن خذله الله فإنه لا يحصل له إلا الضلال، ومعلوم أن كل إنسان يقدم على ما ينفعه ويقدم على ما يضره بمشيئته وإرادته، فالمهتدي يقدم على ما فيه هدايته بمشيئته وإرادته، والضال يقدم على ما فيه ضلاله بمشيئته وإرادته، وهذا الذي حصل من هذا المهتدي وهذا الضال مطابق لما قدره الله تعالى وشاءه، ولا يخرج شيء عن مشيئته ، وكل ما يقع في الوجود من خير وشر وهداية وضلال فإنما هو بمشيئة الله ثم بمشيئة العباد التابعة لمشيئة الله ، أي: أن العباد لهم إرادة ومشيئة، ويقدمون على ما ينفعهم وعلى ما يضرهم، ولكن إقدامهم على ما ينفهم وما يضرهم لا يخرج عن مشيئة الله وإرادته، ولا يقع في ملك الله شيء ما شاءه الله ولا أراده، فلا يقع في ملكه إلا ما قد شاءه وأراده، كما قال الله : ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير:٢٨] فأثبت أن لهم مشيئة، وأن الإنسان يشاء أن يستقيم ويشاء أن ينحرف. ثم قال بعد ذلك: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٩]، يعني: إنكم لا تشاءون شيئاً ولا يقع منكم شيء إلا وقد شاءه الله ، ولا يقع من العباد شيء لم يشأه الله تعالى، كما تقول القدرية: إن العباد يخلقون أفعالهم. بل الله هو الخالق لكل شيء، خالق العباد، وخالق أفعال العباد، وخالق الذوات، وخالق الصفات ، فكل ما يقع في الوجود فهو من خلقه وإيجاده، وقد وقع بمشيئته وإرادته. فمن حصل له الضلال الذي هو ضد الهدى فقد حصل بمشيئة العبد وإرادته، والله قد كتب ذلك وقدر ذلك، ومن حصلت له الهداية فقد حصلت بمشيئته وإرادته، والله تعالى قدر ذلك، فهو المتفضل بالهداية أولاً وآخراً، هو الذي تفضل بها حيث هيأ الأسباب ووفق لحصولها ووجودها، فالفضل لله أولاً وآخراً في كل هداية. وأما الضلال فإنه يقع من العباد بمشيئتهم وإرادتهم، والله قدر ذلك وقضاه، وهو خذلان لذلك الذي حصل منه، والهداية التي حصلت للعبد هي بفضل من الله وإحسان. يقول الحافظ ابن رجب: قد يظن بعض الناس أن في هذا الحديث معارضة مع الحديث القدسي الذي يقول الله فيه: (خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين) فالله خلق الناس مفطورين على الإسلام، ولكن هناك من يصرف عن هذه الفطرة، وهناك من يثبت على هذه الفطرة، فمن الناس من يأتي مؤيداً ومثبتاً لهذه الفطرة، وهو الذي يكون مهتدياً وينشئ أولاده على الهداية، ومنهم من يكون منحرفاً فيحرف أولاده عن هذه الفطرة، وذلك بصرفهم عنها، كما قال ﷺ : (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)، ومعنى ذلك أن هذه الفطرة التي فطر الله تعالى الناس عليها من الناس من يأتي مثبتاً لها، وهو الذي كان على هدى وسداد، فيكون عوناً لأولاده على الهداية، ومنهم من يكون منحرفاً عن هذه الفطرة، فيسعى إلى حرف وصرف أولاده عنها، فينقلهم من هذه الفطرة إلى أن يكونوا يهوداً أو نصارى أو مجوساً، أو إلى غير ذلك من ملل الكفر المختلفة. والضلال يراد به عدم العلم أيضاً، فكما أنه يراد به الغواية وحصول الغواية فإنه يراد به عدم العلم، والله خلق الناس وأخرجهم من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئاً، ثم علمهم وأعطاهم العلم، وما جاء في القرآن من قول الله : ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى:٧] فمعنى ذلك أنه كان غير عالمٍ بهذا الوحي الذي أوحى الله تعالى إليه وهذا العلم الذي أعطاه الله إياه، فكان قبل ذلك غير عالمٍ به، هذا هو المقصود بالضلال الذي كان موجوداً فهداه الله إلى هذا الوحي والنور وأعطاه إياه، كما قال الله : ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ﴾ [الشورى:٥٢] يعني: ما كان عنده هذا الشيء، ثم أعطاه الله إياه. فإذاً: عرفنا أنه يأتي الضلال بمعنى الغواية ويأتي بمعنى الجهل وعدم العلم، ثم إن الله يعطي العلم ويوفق من شاء لأن يعطيه العلم، والضلال الذي أضيف إلى النبي ﷺ هو عدم العلم بهذه الأمور التي علمه الله تعالى إياها وهذا الوحي الذي أوح الله تعالى به إليه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه. وفي قوله: (يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته) بيان أن الله يتفضل على من شاء بالهداية، ولهذا قال: (إلا من هديته) ومن هداه الله فقد هداه بفضله وإحسانه وتفضله عليه بهذه الهداية. لقد أمر سبحانه بطلب الهداية فقال: (فاستهدوني)، أي: اطلبوا مني الهداية. وفي هذا أمر بطلب الهداية، وأن الإنسان يسأل الله الهداية، وقد جاء في سورة الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] وحاجة الناس إلى الهداية أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب؛ لأن الطعام والشراب حاجتهم إليهما ليحيا الإنسان هذه الحياة الدنيا، وأما الهداية فهي التي تنبني عليها الحياة الآخرة المستمرة الدائمة. فالهداية هي التي بها الحياة الباقية في النعيم، وأما الحياة الدنيوية فغذاؤها وقوامها هو الطعام والشراب، وبذلك تكون الحياة، وبدونهما يحصل الموت ولا تحصل الحياة، وأما الحياة الباقية فغذاؤها إنما هو بالهداية إلى الصراط المستقيم. وطلب الهداية إلى الصراط المستقيم يتضمن شيئين: الأول: الثبات على ما قد حصل من الهداية. الثاني: طلب المزيد من الهداية، فيطلب الإنسان من ربه بقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] أن يثبته على ما حصل له من الهداية، وأن يزيده هدًى إلى هداه.

стр. 608

فقر العباد إلى الله تعالى في طعامهم وشرابهم الجملة الثالثة: (يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم). العباد مفتقرون إلى الله وهو غني عنهم، وحاجتهم إليه وفقرهم إليه دائم مؤبد، لا يستغنون عن الله طرفة عين، وهم بحاجة إليه في جميع أمور دينهم ودنياهم، وهم محتاجون إلى فضله وإحسانه وكرمه وجوده، وقد أخبر الله في هذا الحديث بأن كل إنسان جائع، وأن الله تعالى هو الذي يرزق وهو الذي يطعم، وأن العبد عليه أن يسأل الله وأن يطلب منه أن يطعمه، ومع سؤاله عليه أن يأخذ بالأسباب التي يكون بها تحصيل الرزق، فلا يسأل الله الطعام والرزق دون أن يبذل أسباباً، بل عليه أن يبذل الأسباب ويستعين بمسبب الأسباب، ويعول على الله في تحصيل المراد، فإنه لا بد من أمرين: لا بد من فعل السبب، ولا بد من التعويل على من بيده كل شيء وهو الله ؛ لأن السبب قد يوجد ويتخلف المُسَبَّب، ولكن إذا وجد السبب ووجد توفيق الله ومشيئته وإرادته لحصول ذلك المراد الذي يسأله العبد فإنه يتحقق هذا المسئول مع الأخذ بالأسباب التي تؤدي إليه، ولهذا جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً) فبين ﷺ في هذا الحديث أن الله تعالى هو الذي يرزق الطير، وأن تلك الطيور لا تجلس في أوكارها تنتظر شيئاً يؤتى به إليها فيها دون أن تبرحها، وإنما تخرج من أوكارها تبحث عن الرزق، والله تعالى هو الذي يرزقها، فهي تأخذ بالأسباب فتغدوا خماصاً، أي: تخرج من أوكارها في الصباح خالية البطون، وتروح في آخر النهار بطاناً، يعني: ممتلئة البطون. فالإنسان يأخذ بالسبب ويستعين بالله على تحصيل المراد وتحقيق المراد، ولهذا جاء في حديث أبي هريرة الذي في صحيح مسلم: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير) ثم قال: (احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز)، فجمع بين الأمرين فقال: (احرص على ما ينفعك) أي: ببذل الأسباب. (واستعن بالله)، أي: لا تعتمد على الأسباب وتكون الأسباب عندك هي كل شيء، بل هناك شيء وراء الأسباب وهو توفيق الله وحصول التوفيق منه، فبذلك تنفع الأسباب، ولكن الإنسان لا يترك الأسباب ويهملها ويقول: سأجلس في بيتي وأغلق علي بابي، وإذا كان الله قدر لي رزقاً فإنه سيأتي من يطرق علي الباب ويعطيني إياه، هذا غلط. فقوله: (كلكم جائع إلا من أطعمته) يبين أن الله تعالى هو الذي يرزق، وهو الرزاق ذو القوة المتين ، كما قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود:٦].

стр. 609

افتقاد العباد إلى الله تعالى في كسوة أجسادهم الجملة الرابعة: قوله: (يا عبادي! كلكم عارٍ إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم). لما ذكر في الجملة الأولى ما يتعلق بالغذاء الذي يكون للجسم ويصل إلى باطن الجسم لينتفع منه الجسم أتى بعد ذلك بذكر الشيء الذي يواري الجسم ويستر الجسم وهو الكسوة، فقال: (يا عبادي! كلكم عارٍ إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم) أي: اطلبوا مني تحصيل هذا الشيء الذي به كُسْوَتكُم، وهذا الذي به ستر عوراتكم ومواراة أجسادكم، فكل ذلك داخل في ملك الله ، فاسألوا الله من فضله واسألوه أن يكسوكم. وهذا فيه أن الإنسان مفتقر إلى الله في جميع شئونه من أمور دينه ودنياه، مفتقر إليه في أمور دينه في طلب الهداية، وحاجته إلى الهداية فوق كل حاجة، وهو في أمور دنياه في حاجة إلى الله ، ولا يستغني عنه في الرزق من المطعم والمشرب والكسوة التي يواري بها جسده، والتي يغطي بها جسده ويستر بها عورته.

стр. 610

تقصير العباد وحاجتهم إلى مغفرة الله تعالى الجملة الخامسة: (يا عبادي! إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم). العباد مأمورون ومنهيون، أي: مكلفون بأوامر ونواه، ومطلوب منهم امتثال الأوامر واجتناب النواهي، ويحصل منهم التقصير، ويحصل منهم النقص، ويحصل منهم الخطأ في ليلهم ونهارهم، في سرهم وعلانيتهم، وطريق السلامة من هذا الخطأ ومن الذنب إذا وقع ومن المصيبة إذا حلت بالإنسان في الدين بالذنوب والمعاصي أن يرجع إلى الله ويسأله المغفرة، ويتوب إلى الله ويستغفره، والله يحب من عباده أن يدعوه، وأن يستغفروه، وأن يسألوه، (والدعاء هو العبادة)، كما قال ذلك رسول الله ﷺ ، فالإنسان يسأله قضاء الحاجات، وكشف الكربات، ومغفرة الذنوب، ولا يستغني العبد عن ربه طرفة عين. فهنا يقول جل وعلا: (إنكم تخطئون بالليل والنهار) وهذا شأن العباد، كما في حديث: (كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون) كما جاء ذلك عن رسول الله ﷺ . قوله: (وأنا أغفر الذنوب جميعاً) أي: كل الذنوب يغفرها الله تعالى إذا تيب منها، وأعظم الذنوب وأشدها وهو أظلم الظلم وأبطل الباطل الشرك بالله ، والله تعالى يغفره لمن تاب، كما قال الله : ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال:٣٨] فأعظم الذنوب إذا تيب منه فالله تعالى يتوب على من تاب، وكذلك الذنوب التي هي دونه، فمن تاب منها يتوب الله عليه، والتوبة تجب ما قبلها، والله أمر عند وجود الذنوب وعند حصولها أن يكون الإنسان مستغفراً سائلاً الله أن يغفر له ما قد حصل منه من الذنوب والمعاصي.

стр. 611

مردُّ نفع الطاعة وضرر المعصية الجملة السادسة قوله تعالى: (يا عبادي! إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني، ولن تبلغوا ضري فتضروني). الله غني عن العالمين، وكل الخلق مفتقر إليه ومحتاج إليه، وعبادة العباد لا تنفع الله ، ومعاصيهم لا تضره، بل طاعاتهم تنفعهم ومعاصيهم تضرهم، والله لا يبلغ العباد نفعه فينفعوه، ولا يبلغون ضره فيضروه، بل هو النافع الضار ، فلا يصل إليه نفع من العباد، وهو غني عنهم وعن أعمالهم، وكذلك لا يصل إليه ضرر منهم، وإنما ضررهم يعود على أنفسهم، كما أن نفعهم يعود إليهم.

стр. 612

كمال غنى الله تعالى عن العباد الجملة السابعة قوله: (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً). الله قسم الناس إلى فريقين: فريق في الجنة، وفريق في السعير، وهذا هو الذي شاءه الله ، وهذا هو الذي قدره الله، فلابد من أن يوجد، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ولكن لو أن الناس كلهم من أولهم إلى آخرهم كانوا مهتدين، وكانوا على أتقى قلب رجل من الناس ما زاد ذلك في ملك الله شيئاً، وكذلك العكس، فلو كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملك الله شيئاً، فهو دال على كمال غناه، وعلى كمال ملكه، وأن وجود التقوى من جميع الخلق لا يزيد في ملك الله شيئاً، ووجود الفجور والمعاصي من جميع الخلق لا ينقص من ملك الله شيئاً.

стр. 613

حاجات العباد وموقعها من ملك الله ﷻ الجملة التاسعة: (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيدٍ واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر). أي: لو أن الخلق كلهم من أولهم إلى آخرهم سأل كل إنسان منهم بغيته وحاجته وتحقق ذلك له لم ينقص ذلك من ملك الله شيئاً أصلاً، إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، والمخيط إذا أدخل البحر لا ينقص شيئاً، ومن المعلوم أن المخيط وهو الإبرة لو غمس في البحر ثم أخرج فالبلل الذي فيه لا يعتبر شيئاً بجانب هذا البحر في رأي العين، ولا يعتبر شيئاً في الوزن فكل ما أعطي الخلق من أولهم إلى آخرهم يساوي البلل الذي في الإبرة من هذا البحر.

стр. 614

مآل أعمال العباد خيرها وشرها الجملة العاشرة: (يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه). العباد مأمورون ومنهيون، وأعمالهم محصاة عليهم ومدونة ومسجلة ومكتوبة، تكتبها الحفظة ويكتبها الكتبة الذين يكتبون أعمال العباد، كما قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨] أي: الملائكة الذين يكتبون الحسنات والسيئات، ثم يجد العباد هذا الذي عملوه أمامهم قد أحصي، فالخير مُحصى والشر محصى، والأعمال الصالحة محصاة والأعمال السيئة محصاة، ولا يظلم ربك أحداً، فلا يُنقَصُ أحد من حسناته، ولا يضاف لأحدٍ سيئاتٌ أخرى لم يفعلها، ولا يحمل سيئاتٍ من سيئات غيره، كما قال الله : ((فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا)) يعني: لا يخاف هضماً من الحسنات ونقصاً في الحسنات، ولا ظلماً بزيادة السيئات، بل الذي عمله يجده، إن خير فخيراً وإن شر فشراً، كما قال الله : ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨]. ويقول الله : ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران:٣٠] يعني: كل شيء أمام الإنسان، وقال تعالى: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩]. إذاً: فكل ما يحصل من العباد من الأعمال فإنهم يجدونه أمامهم إن خير فخيراً وإن شر فشراً، فمن وفق لعمل الخير فإنه يجد ثوابه أمامه، ويجد جزاءه أمامه، فهو الذي تفضل بالتوفيق للعمل الصالح، وهو الذي تفضل بالجزاء الحسن على ذلك العمل الصالح، فله الفضل أولاً وآخراً، له الفضل في التوفيق لدخول الجنة، وله الفضل في التوفيق للأعمال الموصلة إلى الجنة، ومن لم يحصل منه العمل الصالح الذي يؤدي به إلى الجنة ويؤدي به إلى السلامة فلا يلومن إلا نفسه؛ لأنه هو الذي جنى على نفسه، وهو الذي فرط، وهو الذي أهمل نفسه، ويجد ما قدم من الشر أمامه، كما أن الذي وفق يجد ما قدم من الخير أمامه، فلا يُنقَصُ من حسنات المحسن شيء، ولا يضاف إلى المسيء سيئات أخرى ولا يحمل سيئات غيره، ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر:١٨]. هذا هو حديث أبي ذر، الحديث القدسي العظيم المشتمل على تلك الجمل العشر، وقد رواه مسلم ﵀، وهو أحد خمسة أحاديث متوالية، من الحديث الحادي والعشرين إلى الحديث الخامس والعشرين- كلها من أفراد مسلم، والله تعالى أعلم.

стр. 615

الأسئلة

стр. 616

الجمع بين قوله ﷻ : (إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني) وقوله: (يؤذيني ابن آدم) السؤال في الحديث: (يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني) ففيه بيان أن العباد لا يضرون الله ﵎، فكيف يجمع بينه وبين الحديث الآخر: (يؤذيني ابن آدم) الجواب صدور الأذى يحصل، ولكن لا يبلغ الله ، ولا يصل إلى الله ، ولكنه باعتبار صدوره منهم يعتبر أذى منهم، ولكنه لا ينال الله الضرر بسبب ذلك.

стр. 617

حكم القول بأن ابن آدم لا يضر الله ولا يؤذي الله السؤال هل يمكن أن يقال: إن ابن آدم لا يضر ولا يؤذي الله؟ الجواب نعم، لكن بكون الضرر لا يصل إلى الله، وكون الأذى لا يصل إلى الله، ولكن كونه يحصل منه الشيء الذي يغضب الله ويسخطه، وأن هذا شيء يصدر من العباد فذلك إيذاء لله باعتبار صدوره، لا باعتبار وصوله إليه وتضرره به ﷻ .

стр. 618

معنى حديث: (لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه) ودرجته السؤال يقول ابن رجب: وخرج أبو داود وابن ماجه من حديث أبي سنان سعيد بن سنان، عن وهب بن خالد الحمصي، عن ابن الديلمي أنه سمع أبي بن كعب يقول: (لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم) وأنه أتى ابن مسعود فقال له مثل ذلك، ثم أتى زيد بن ثابت فحدثه عن النبي ﷺ بمثل ذلك، وفي هذا الحديث نظر، فـ وهب بن خالد ليس بذلك المشهور بالعلم، وقد يحمل على أنه لو أراد تعذيبهم لَقَدَّر ما يعذبهم عليه، فيكون غير ظالم لهم حينئذٍ، فما تعليقكم على هذا؟ الجواب صح هذا الحديث عن بعض أهل العلم، ومعناه: لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم فهذه النعم التي أنعم الله تعالى بها على العباد، كالسمع والبصر، والأخذ والإعطاء، والمشي وما إلى ذلك هي نعم، فلو أن الله آخذهم عليها ولم يتجاوز عنهم ما سلموا من العذاب وما سلموا من الجزاء؛ لحصول التقصير منهم ولحصول النقص منهم، فلهذا لو عذبهم لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولكنه يتجاوز عن سيئاتهم وعن أخطائهم وعن تقصيرهم، كما قال: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠].

стр. 619

حكم القول بأن إيجاد الخلق على الوجه الموجود خير من غيره السؤال هنا كلام لـ ابن رجب عند جملة: (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً)، حيث قال: ومن الناس من قال: إن إيجاده لخلقه على هذا الوجه الموجود هو خير من وجوده على غيره، وما فيه من الشر فهو شر إضافي نسبي بالنسبة إلى بعض الأشياء دون بعض، وليس شراً مطلقاً بحيث يكون عدمه خير من وجوده من كل وجه، بل وجوده خير من عدمه، قال: وهذا معنى قوله تعالى: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ [آل عمران:٢٦] ومعنى قول النبي ﷺ : (والشر ليس إليك) يعني: الشر المحض الذي عدمه خير من وجوده ليس موجوداً في ملكه، فإن الله تعالى أوجد خلقه على ما تقتضيه حكمته وعدله، وخص قوماً من خلقه بالفضل وترك آخرين منهم بالعدل؛ لما له في ذلك من الحكمة البالغة. قال ابن رجب: وهذا فيه نظر، وهو يخالف ما في هذا الحديث من أن جميع الخلق لو كانوا على صفة أكمل خلقه من البر والتقوى لم يزد ذلك في ملكه شيئاً، ولا قدر جناح بعوضة، ولو كانوا على صفة أنقص خلقه من الفجور لم ينقص ذلك من ملكه شيئاً، فدل على أن ملكه كامل على أي وجه كان، لا يزداد ولا يكمل بالطاعات، ولا ينقص بالمعاصي ولا يؤثر فيه شيئاً. فهل الصواب مع القائل أم مع ابن رجب؟ الجواب النظر في الكلام الأول الذي فيه أنه ليس هناك شيء خير مما كان ونحو ذلك. وأما قوله: (والشر ليس إليك) فيعني: أن الله لم يخلق شراً محضاً لا يترتب عليه خير بوجه من الوجوه، بل إنه ما من شر يخلو من مصلحة أو فائدة، أما أن يكون شراً محضاً لا خير فيه بوجه من الوجوه فهذا الذي نفاه النبي ﷺ عن الله بقوله: (والشر ليس إليك)، والله خالق كل شي، خالق الخير وخالق الشر، فالشر من خلقه، والخير من خلقه، ولكن الشر الذي نفي عنه هو الشر الذي لا خير فيه بوجه من الوجوه، ولا يترتب عليه مصلحة، فهذا معناه صحيح ليس فيه إشكال، ولكن لعل الحافظ ابن رجب يقصد الكلام الذي جاء في صدر السؤال، وهو قوله: إن إيجاده لخلقه على هذا الوجه الموجود أكمل من إيجاده على غيره. فهذا فيه نظر لا شك. والله قال: ﴿فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام:١٤٩] فلو شاء لجعل الناس كلهم مهتدين، ولكنه تعالى شاء أن يبتلى العباد وأن يمتحنوا وأن يؤمروا وأن ينهوا وأن يتبين أولياء الله من أعداء الله، فلعل المقصود بذلك هو الأول. ولعله يوضحه قوله: وما فيه من الشر فهو شر إضافي نسبي بالنسبة إلى بعض الأشياء دون بعض، وليس شراً مطلقاً بحيث يكون عدمه خيراً من وجوده من كل وجه.

стр. 620

حكم من مات ولم يسمع بالإسلام السؤال في بعض أماكن بلادي أناس ما سمعوا عن الإسلام كلمة، وهم على الكفر، فما حكم هؤلاء إذا جاءهم الموت؟ الجواب لا أدري كيف يكون في بلادك أناس ما سمعوا عن الإسلام؟! مع أن هذه الوسائل التي يسرها الله في هذا الزمان منتشرة وعامة وموجودة، ويصل فيها كل خير وكل شر، كل خير يصل إلى الناس عن طريقها، وكل شر يصل إلى الناس عن طريقها، فكيف لا يصل الإسلام وذكر الإسلام إليهم وهذه الوسائل الموجودة المنتشرة في هذا الزمان جعلت العالم كله كأنه في بيت واحد أو في قرية واحدة؟! نعم يمكن أن يكون بعض الناس ليست لهم صلة بالعالم، ولا لهم صلة بهذه الوسائل، فيمكن أن يكونوا في أمكان بعيدة أو في غابات وما إلى ذلك، والذي لم تبلغه الرسالة ولم يبلغه الدين يكون حكمه حكم المجانين، وحكم الناس الذين يمتحنون يوم القيامة، وعلى ضوء ذلك الامتحان يتبين من يكون سعيداً ومن يكون شقياً، كما ذكر ذلك العلماء، وكما ذكروا ما ورد في ذلك عند تفسير قول الله : ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥].

стр. 621

مدى صحة وجود الأدب مع الله في قوله: (ومن وجد غير ذلك) السؤال قوله: (ومن وجد غير ذلك) هل فيه أدب مع الله تعالى من باب قوله: (والشر ليس إليك)؟ الجواب الذي في حديث أبي ذر ليس فيه إضافة إلى الله تعالى، فلفظ الحديث: (من وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه)؛ فليس في اللفظ إضافة الخير إلى الله حتى يقال: فيه الأدب الذي ذكره الله عن الجن في قوله: ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن:١٠]، ففي هذه الآية ما أضيف الشر إلى الله ، والخير أضيف إلى الله ، فقال عنهم حين ذكر الشرُّ: ((وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ)) فذكر مبنياً لما لم يسمّ فاعله. والخير ذكر مبنياً للمعلوم. وأما لفظ: (غير ذلك) فليس من هذا الباب، ولا يشكل إن قال: ومن وجد شراً، لكن لما كان ليس هناك إلا خير وشر ذكر الخير وكنى عن غيره بقوله: (غير ذلك).

стр. 622

دلالة الأمر بالحمد في قوله: (فمن وجد خيراً فليحمد الله) السؤال قوله: (فمن وجد خيراً فليحمد الله) هل هذا الحمد الذي أمر به في حق من وجد خيراً في الدنيا، أم في الآخرة؟ الجواب كل ذلك وارد ومقصور، فالخير يوجد في الدنيا وثوابه يوجد في الدنيا ويوجد في الآخرة، وفي الدعاء الذي في القرآن: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١]، فحسنة الدنيا وحسنة الآخرة هي الثواب من الله يحصل في الدنيا ويحصل في الآخرة، والعقوبة تحصل في الدنيا وتحصل في الآخرة، فمن وجد خيراً في الدنيا فليحمد الله وليزد في الإحسان، وفي الآخرة كذلك يحمد الله على ما أنعم عليه حتى وصل إلى ما وصل إليه، وكذلك أيضاً من وجد غير ذلك في الدنيا فلا يلم إلا نفسه، وعليه أن يسعى لتدارك التقصير وتدارك الخلل حيث حصل له عقوبة في الدنيا وضرر في الدنيا بما أصابه من المصائب وذلك بسبب ذنوبه، كما قال الله : ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠]، وفي الآخرة يندم حيث لا ينفعه الندم، وأما في الدنيا فإنه إذا ندم فهناك فسحة لأن يتدارك.

стр. 623

الجمع بين الحكم على الإنسان بالظلم مع تحريم الظلم السؤال كيف نفهم تحريم الظلم الذي ورد في الحديث مع قوله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:٧٢]، كما أن شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: إن الأصل في بني آدم الظلم والجهل؟ الجواب الظلم كما هو معلوم محرم، ومن الناس من يحصل منه الظلم ويكون ظلوماً وجهولاً. وأما مقولة شيخ الإسلام فيعني بها أنه غالباً لا يسلم من الظلم أحد، سواء ظلمهم لأنفسهم أو لغيرهم. وأما كونه أصلاً كما قال فلا أدري هل هذا أصل عام في جميع الناس أنهم ظلومون؟! فلا أعرف وجهه.

стр. 624

المراد بخلق العبد فعله عند القدرية السؤال تقول القدرية: إن العبد خالق لأفعاله. فهل يقصدون بأفعال العباد خيرها وشرها أم الشر فقط؟ الجواب منهم من قال: الخير والشر. ومنهم من قال: الشر فقط.

стр. 625

حكم أخذ العلم عن علماء الضلال السؤال في بلادنا لا يوجد علماء يوجهون الناس التوجيه الصحيح، وإنما يوجد في الغالب علماء الضلال مثل: الصوفية، فالإنسان عندما ينشأ في هذا المجتمع ويدرس على هؤلاء كيف يكون الحكم عليه، وهل يعذر بالجهل؟ الجواب إذا كان هؤلاء المدرسون يضلون ويخرجون الناس عن الفطرة التي فطرهم الله عليها إلى الانحراف عنها فلا يدرسن أحد عندهم، ولكن يمكنه أن يحصل على الأشرطة وعلى الكتب والرسائل المفيدة السليمة ويشتغل بها، وبحمد الله ففي هذه الزمن تيسر الحصول على العلم بشكل ما حصل مثله فيما مضى، وذلك لوجود هذا التسهيل للكلمات والدروس والمحاضرات والندوات، ويكون الإنسان كأنه موجود بين هؤلاء الذين صدرت منهم المحاضرات باقتنائه لهذه الأشرطة وسماعه إياها، فإن ذلك يفيده، ويمكنه من أن يستفيد وأن يتعلم، وإذا تيسر له أيضاً أن يتصل بالهاتف أو يكتب الرسائل لأهل العلم ويستفيد منهم فذلك أمر طيب، وإذا كان أولئك الذين يحصل منهم التدريس ليسوا على استقامة وإنما هم من أهل البدع والضلال فلا يدرس عندهم لئلا يضلوه، ولئلا يقع فيما وقعوا فيه فيبتلى بما ابتلوا به.

стр. 626

اجتهاد السلف في العبادة السؤال يقول ابن رجب: وقد كان السلف الصالح يجتهدون في الأعمال الصالحة حذراً من لوم النفس عند انقطاع الأعمال على التقصير، وفي الترمذي عن أبي هريرة مرفوعاً: (ما من ميت يموت إلا ندم، إن كان محسناً ندم على ألا يكون ازداد، وإن كان مسيئاً ندم ألا يكون استعتب) وقيل لـ مسروق: لو قصرت عن بعض ما تصنع من الاجتهاد؟ فقال: والله لو أتاني آتٍ فأخبرني ألا يعذبني لاجتهدت في العبادة. قيل: كيف ذاك؟ قال: حتى تعذرني نفسي إن دخلت النار ألا ألومها، أما بلغك قول الله تعالى: ﴿وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة:٢] فما تعليقكم على هذا؟ الجواب سلف هذه الأمة رحمة الله عليهم كان كثير منهم يجتهدون في العبادة، ويعتبرون أنفسهم مقصرين، فهم مع اشتغالهم بالعبادة لا يعتبرون أنفسهم قد قدموا شيئاً، بل يهضمون جانبهم ويعتبرون أنهم مقصرون، كما قال الله : ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون:٦٠] فمع عنايتهم بالعبادة ومع اشتغالهم بالعبادة يعتبرون أنفسهم مقصرة، وقد جاء في ترجمة منصور بن زاذان أنه قيل: لو قيل لـ منصور بن زاذان: إن ملك الموت بالباب ما أمكنه أن يزيد شيئاً من الأعمال. لأنه كان دائماً على الصلة بالله في عبادته له . فإذاً: ما جاء من آثار عن السلف من جهة اهتمامهم بالعبادة وخوفهم من عدم القبول واعتبار أنفسهم مقصرين كان ذلك هو ديدنهم وشأنهم رحمة الله تعالى عليهم.

стр. 627

توجيه حول أحداث التفجيرات الواقعة في الرياض السؤال ما قولكم في الفتن والتفجيرات التي تحدث في الرياض وتتكرر، وهل هناك من توجيه؟ الجواب لا شك أن هذا من إغواء الشيطان لبعض الناس الذين فتنوا بإيذاء الناس وإلحاق الأضرار بهم، بحيث يهلكون أنفسهم ويهلكون غيرهم، فيكونون قد جمعوا بين جنايتين: جناية على أنفسهم، حيث تسببوا في إهلاكها وقتلها، والله حرم قتل النفس، وجناية أخرى على غيرهم، حيث تسببوا في هلاكهم، وقد قتل أُناس بغير حق شرعي، وقد بين ﷺ في خطبته يوم النحر فقال: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا) فلا شك أن هذا من الإجرام، ولا شك أن هذا من الاستسلام للشيطان والانقياد له، بحيث يجني الإنسان على نفسه ويجني على غيره، ويلحق الضرر بنفسه وبغيره. فهؤلاء الذين يفجرون بأنفسهم ويتسببون في إتلاف الآخرين وإهلاكهم وإتلاف الممتلكات لا شك أنهم جمعوا بين مصائب متعددة، وبين بلاء متنوع لا يقتصر عليهم، بل هم ذهبوا نتيجة له، وغيرهم ذهبوا نتيجة له، وسيلقى كلٌّ ما قدم من الأعمال السيئة التي يفعلها في هذه الحياة، وسيجد أمامه الجزاء على ذلك والعقوبة على ذلك، والعاقل يجب عليه أن يحرص على مصلحته ومصلحة غيره، وعلى منفعته ومنفعة غيره، فلا يحصل منه إخلال بهذه المصالح وبهذه المنافع، بحيث يبدل ذلك بإساءة إليه وإلى غيره، ولا شك أن هؤلاء فعلوا أفعالاً في غاية الإجرام وغاية الضرر، فقتلوا الآمنين، سواءٌ أكانوا من الساكنين في تلك الأماكن أم من المارين في تلك الأماكن، ولا شك أن هذا في منتهى الإجرام وفي منتهى الخبث، ونسأل الله أن يكفي المسلمين شر الأشرار، وأن يهدي من ضل ويخرجه من الظلمات إلى النور؛ إنه سميع مجيب.

стр. 628

درجة حديث: (كل بني آدم سيد) والجمع بينه وبين النهي عن وصف المنافق بأنه سيد السؤال قال السبكي في طبقات الشافعية في الجزء الثاني في صفحة (٢٦) في ترجمة أحمد بن عمرو بن السرح: وكان من جملة العلماء، شرح موطأ مالك، وتفرد عن ابن وهب بحديث، فقال: حدثنا ابن وهب عن عمرو بن الحارث، عن أبي يونس، عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (كل بني آدم سيد، والرجل سيد أهله، والمرأة سيدة بيتها) وقال: هذا حديث صحيح غريب. انتهى من الطبقات. فما مدى صحة هذا الحديث؟ وما رأيكم في هذه المسألة؟ ثم لو صح -كما قال السبكي - فما الجمع بينه، وبين النهي عن إطلاق لفظ السيد، كما في حديث: (لا تقل للمنافق: سيد)؛ لأنه في ذلك الحديث جعل كل بني آدم سيداً؟ الجواب أبو يونس ما أعرفه، والباقون معروفون، وكلهم ثقات، ولكن لو صح الحديث فالمقصود بالسيد الذي هو سيد قومه كما هو معلوم، فالأشرار رأسهم منهم، والأخيار رأسهم منهم، والسؤدد هنا لو صح الحديث المقصود به تقدم المرء على غيره، فيكون مرجعاً في الخير ومرجعاً في الشر، لكن التقدم في الشرع أمر محبوب وأمر مرغوب وأمر ممدوح. ولا يستقيم ما جاء في هذا الحديث إلا أن يعتبر تقدماً، وكون الإنسان رأساً في شر أو رأساً في خير، فيكون مقدم الخبثاء من جنسهم، ومقدم الأخيار من جنسهم، ولكن لا يعني ذلك أن كل متقدم يكون محموداً؛ لأن هناك تقدماً مذموماً وتقدماً محموداً، وذلك راجع إلى حال المتقدم، ولما كتب رسول الله ﷺ إلى هرقل قال: (عظيم الروم)، يعني: أنه مقدم وكبير فيهم.

стр. 629

تبرع العامل بإعطاء أصحابه كتباً موقوفة للتوزيع السؤال أعمل في مكان لتوزيع الكتب الموقوفة، وأحياناً يأتي بعض الإخوة الذين أعرفهم فأعطيهم دون علم الإدارة، علماً أن الكتب توزع للجميع؟ الجواب ذلك راجع إلى الطريقة التي رسمت له، فهل رسم له أن يوزع على الفئة الفلانية؟ إن كان مطلوباً منه أن يوزع على جهة معينة فلا يعط غيرهم، وإن كان الأمر مطلقاً أعطى من يعرف ومن لا يعرف، ممن يكون أهلاً لذلك.

стр. 630

شرح الأربعين النووية [٢٥] لقد تفضل الله تعالى على عباده ففتح لهم أبواب القرب باليسير من الأعمال، فجعل في أقوال اللسان أذكاراً يحصل بها الأجر الكثير ويتصدق بها العبد عن جسده، كما جعل مثل ذلك في الإصلاح بين المتخاصمين، وإعانة الرجل في دابته، والمشي إلى الصلاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحسن الخلق، بل حصر النبي ﷺ البر كله في حسن الخلق، وذلك لما له عند الله تعالى من المكانة والأهمية.

стр. 631

شرح حديث: (ذهب أهل الدثور بالأجور) يقول الإمام النووي ﵀ في الأربعين النووية: عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه: (أن أناساً من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا للنبي ﷺ : ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم، قال رسول الله ﷺ : أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون؟ إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة. قالوا: يا رسول الله! أياتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟! قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر) رواه مسلم.

стр. 632

الصدقات المقصور نفعها على المتصدق هذا الحديث يدل على أن أصحاب رسول الله ﷺ حريصون على كل خير وعلى التنافس في الخيرات، ومن كان منهم فقيراً فإنه يحب أن ينافس من كان غنياً في الخير، ولهذا شكا فقراؤهم إلى النبي ﷺ أنهم لا يستطيعون أن يفعلوا مثلما فعل الأغنياء؛ لأنهم متفقون مع الأغنياء في أنهم يصلون جميعاً ويصومون جميعاً، ولكن الأغنياء يزيدون عليهم بأنهم يتصدقون، وقد فهموا أن الصدقة إنما تكون بالمال، ولا شك أن الصدقة بالمال هي الأساس وهي الأصل، فأخبرهم النبي ﷺ بأن الصدقة تكون في غير المال أيضاً، وأن الإنسان إذا عجز عن الصدقة بالمال فيمكنه أن يأتي بشيء يقدر عليه ويكون له صدقة، فقال ﵊: (أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون؟) يعني: من أمور أخرى تقدرون عليها، وليس من الذي لا تقدرون عليه وهو الصدقة بالمال، فبين لهم ﷺ أن الأذكار والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كل ذلك يعتبر من الصدقات، فقال ﵊: (إن بكل تسبيحة صدقة) أي: كون الإنسان يقول: سبحان الله له بذلك صدقة، وهي صدقة على نفسه؛ لأنها صدقة قاصرة ليست متعدية؛ لأنه كلام وذكر يقوله بنفسه، فنفعه قاصر وليس متعدياً. قال: (وكل تكبيرة صدقة) أي: كونه يقول: الله أكبر. قوله: (وكل تحميدة صدقة) أي: كونه يقول: الحمد لله. قوله: (وكل تهليلة صدقة) أي: كونه يقول: لا إله إلا الله. فهذه الكلمات الأربع كل واحدة منها إذا أتى بها الإنسان فإن بكل واحدة منها صدقة منه على نفسه. فبين ﷺ أن الصدقة تكون في غير المال، وأنها تكون بالذكر.

стр. 633

الصدقات المتعدي نفعها ذكر بعد ذلك ما كان نفعه متعدياً، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالآمر والناهي متصدق على نفسه وعلى غيره، فهو متصدق على نفسه؛ بكونه عمل صالحاً وفعل أمراً معروفاً ونهى عن منكر وأرشد إلى خير، ونافعٌ غيره؛ لأن ذلك تعاون مع غيره على البر والتقوى، وذلك بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيكون الإنسان قد أحسن إلى غيره وعدى ذلك النفع إلى غيره بأن أمره بالمعروف ونهاه عن المنكر، فينتفع المدعو، ويكون للداعي مثل أجر المدعو، وفي نفس الوقت يكون الداعي حين دعا غيره مأجوراً على دعوته ومأجوراً على أمره ونهيه. فالنبي ﷺ ذكر أنواعاً من الصدقات يقدر عليها الفقراء، ولا يختص بها الأغنياء أو غيرهم، وإنما هي عامة لكل أحد، فكلٌّ يستطيع أن يأتي بها. وبعض ذلك الذي ذكره ﷺ نفعه قاصر، وهو التسبيح والتكبير والتحميد والتهليل، وبعضه نفعه متعد، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

стр. 634

وجه كون قضاء الوطر في الحلال صدقة ثم ذكر بعد ذلك أمراً من الأمور التي للنفوس فيها حظ ووطر وهو قضاء الشهوة، والإنسان فيها يستفيد ويفيد، يحصن نفسه ويحصن غيره، ويعف نفسه ويعف غيره، وينال هذه الشهوة وهذه اللذة ومع ذلك يكون له فيها أجر، فدل على أن الأمور المباحة التي للنفوس فيها حظوظ وفيها قضاء الشهوة والوطر، إذا احتسبها الإنسان عند الله وقصد بها إعفاف نفسه وإعفاف غيره، وإحصان فرجه وإحصان غيره، والإحسان إلى نفسه والإحسان إلى غيره، فإنه يكون بذلك محصلاً للأجر. الصحابة ﵃: (يا رسول الله! أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟!) قالوا ذلك؛ لأن هذا أمر يتعلق بأمور للنفس فيها حظ، فأرادوا الاستثبات في ذلك والتحقق، وهم عالمون وقاطعون بأن كل ما يقوله الرسول ﷺ حق، ولكن هذا من باب الاستثبات والاطمئنان، فالنبي ﷺ قاس هذه المسألة على مسألة تقابلها، وهي قضاء الشهوة في أمر محرم، فإنه إذا قضاها في أمر محرم أثم، فإذا قضاها في أمر مشروع وأمر مباح فإنه يكون له في ذلك أجر. وهذا فيه إثبات القياس؛ لأن النبي ﷺ قاس كون الإنسان يأتي شهوته في أمر حلال على قضاء الشهوة في أمر حرام، وأنه إذا قضاها في أمر حرام فإنه يأثم ويستحق العقوبة، فكذلك إذا أتى بها في أمر مباح وأمر مشروع فإنه يكون قد أحسن، وهو مستحق للأجر والثواب على ذلك من الله ، وهذا يسمى قياس العكس؛ لأن المسألة المقيسة معاكسة للمسألة المقيس عليها، فالمقيس عليها هي فعل أمر حرام فيه قضاء شهوة يكون فيه إثم، ويقابل ذلك قضاء الشهوة في أمر مباح، فيكون في هذا أجر كما أن في ذلك وزراً. قال ﵊: (أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر). فالحديث دل على أن أصحاب الرسول ﷺ هم السباقون إلى الخير وهم الحريصون على كل خير، وهم الذين كانوا يتنافسون في الخيرات ويتقربون إلى الله بالأعمال الصالحات، ومن كان عاجزاً عن شيء فإنه يجب أن يلحق بمن كان قادراً عليه، ولهذا سألوا النبي ﷺ عن هذا الاختلاف الذي بينهم وبين غيرهم فأرشدهم النبي ﷺ إلى ما يقدرون عليه، وأن الله تعالى يثيبهم على هذه الصدقات المتنوعة التي بعضها نفعه قاصر وبعضها نفعه متعدٍ، وأن كل ذلك صدقة منهم على أنفسهم فيما إذا كان النفع قاصراً، وصدقة منهم على أنفسهم وعلى غيرهم إذا كان النفع متعدياً.

стр. 635

شرح حديث: (كل سلامى من الناس عليه صدقة) قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (كل سلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين اثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة) رواه البخاري ومسلم. قوله ﷺ : (كل سلامى من الناس عليه صدقة) أي: أن كل يوم تطلع فيه الشمس فإن على مفاصل الإنسان كلها صدقة في كل يوم، والسلامى جاء في صحيح مسلم من حديث عائشة أنها المفاصل، وجاء فيه: أنها ثلاثمائة وستون مفصلاً، وهذه المفاصل يكون عليها في كل يوم صدقة، وهذه الصدقة التي تكون من هذه المفاصل هي تحركها في العبادة، واشتغالها بالعبادة، فبين ﷺ أن مفاصل الإنسان التي هي ثلاثمائة وستون مفصلاً عليها في كل يوم تطلع فيه الشمس صدقة، فليس ذلك في العمر أو في الشهر أو في الأسبوع، بل في كل يوم، ثم إن النبي ﷺ ذكر أمثلة مما تكون به الصدقة، وهذا من قبيل التمثيل وليس من قبيل الحصر؛ لأن كل عمل صالح يتقرب به الإنسان إلى الله فهو صدقة، فمن ذلك ما يكون قاصراً كالذكر والدعاء والصلاة والصيام، ومنه ما يكون متعدياًً كالصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإماطة الأذى عن الطريق وغير ذلك من كل ما هو متعد نفعه إلى الآخرين، فإن الإنسان يتصدق على نفسه وعلى غيره.
следующие страницы →