← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 36944

شرح الأربعين النووية - العباد

عبد المحسن العباد

Полный текст (1 058 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

وجه ترك ذكر خلافة الحسن رضي الله تعالى عنه في الخلافة الراشدة السؤال قال بعض العلماء: إن الحسن بن علي ولي الخلافة بعد أبيه، واستمر فيها ستة أشهر، ثم تنازل لـ معاوية ﵁، فلا تتم الخلافة الراشدة ثلاثين سنة إلا إذا انضمت إليها تلك الستة أشهر, فإذا كان كذلك فلماذا يقال: الخلفاء الأربعة ولا يقال: الخلفاء الخمسة؟ ولماذا لا يذكر الحسن بن علي من الخلفاء الراشدين؟ الجواب المعروف عند أهل السنة أن الخلفاء الراشدين هم الأربعة الذين مدتهم طويلة، وأما الحسن ﵁ فإن مدته وجيزة وما استقر له الأمر وما استتب.

стр. 702

حكم تقسيم البدعة إلى محرمة ومكروهة السؤال تقسيم البدعة إلى بدعة محرمة وبدعة مكروهة كراهة تنزيهية هل له وجه؟ الجواب البدعة كلها ضلال, ولكنها متفاوتة ولا شك، فبعضها أشد وأسوأ، ولكن كلها موصوفة بأنها محرمة وأنها ضلالة, فما يقال: إنها مكروهة كراهة تنزيه فقط، فليس هناك بدعة يقال فيها: إنها مكروهة كراهة تنزيه! بل كل بدعة ضلالة، وكل بدعة محرمة، وإنما كراهة التنزيه تكون في النواهي، فالنهي إما أن يكون للتحريم وإما أن يكون للتنزيه، وأما البدع فكلها ضلال، وهي متفاوتة بعضها قريب وبعضها بعيد، فمن أهل البدع من يكون أقرب إلى أهل السنة من غيره، فمنهم من يكون بعيداً ومنهم من يكون قريباً، فالذي يثبت بعض الصفات -مثلاً- أقرب من الذي ينفي جميع الصفات.

стр. 703

الفرق بين الراشد والمهتدي والغاوي والضال السؤال ما الفرق بين الراشد والمهتدي والغاوي والضال؟ الجواب الراشد ضد الغاوي والمهتدي ضد الضال، وكل منهما وصفان محمودان، أعني: الرشد والهداية، وما أعلم فرقاً دقيقاً بينهما، فوصف الهدى ليس وصفاً مستقلاً أتى بشيء جديد، وإنما هو موضح ومبين لمعنى الرشد. لكن الخلفاء الراشدين فيهم الوصفان، فيهم الرشد وفيهم الهداية, وليس معناه أن المهتدي غير الراشد، فوصف الهداية وصف موضح ومبين، وليس وصفاً مبايناً للرشد, بل هو كما قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: المهتدي وصف كاشف. ومعناه أنه موضح وما أتى بشيء جديد مخالف أو مغاير للرشد.

стр. 704

حكم تنظيم المخيمات الدعوية التي تحتوي على الأناشيد والمسرحيات السؤال هل تنظيم المخيمات الدعوية التي تضم المسابقات العلمية والأناشيد والمسرحيات والرياضة بدعة، مع أن القصد هو احتواء الشباب ومحاولة التأثير فيهم وصرفهم عن المنكرات؟ الشيخ: الأمور في الغالب هي على حسب مقاصد الناس الذين يقومون بهذه الأعمال، ولكن ينبغي أن يربط الناس بالمساجد، ويحرص على جلبهم إلى المساجد، وليس إبعادهم عن المساجد، وعمل مخيمات لهم قد يحصل لهم بسببها ضرر، هذا هو الأولى، فالتربية تكون في المساجد ليكون الناس على صلة بالمساجد وعلى اشتغال بالعلم, وأما تلك المخيمات فهي على حسب ما يقام فيها، لكن ربط الناس بالمساجد أولى من ربطهم بالمخيمات.

стр. 705

حال زيادة: (كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار) السؤال ما صحة زيادة (كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار)؟ الجواب هذه جاءت في حديث آخر وليس في هذا الحديث، أعني زيادة (وكل ضلالة في النار)، جاءت في حديث خطبة الجمعة.

стр. 706

حكم السمع والطاعة للأمير الكافر والفاسق السؤال هل يلزم السمع والطاعة للأمير أو الرئيس وإن كان كافراً؟ وهل يبايع إن غلب واستقر له الأمر واستتب له الأمن؟ الجواب لا يبايع الكافر، وإذا تغلب يجوز الخروج عليه إذا قدر على ذلك، وفي حال عدم القدرة فإن الناس يسمعون ويطيعون بالمعروف، ولا يسمعون ويطيعون في أمر منكر محرم، ولكنهم إذا وجدوا فرصة للتخلص منه فإنه مطلوب منهم أن يتخلصوا منه إذا لم يترتب على خروجهم عليه أو على قيامهم بذلك ما هو أنكر وما هو أعظم ضرراً، وذلك كأن يقضى على هؤلاء لضعفهم، فإن هذا لا يأتي بمصلحة ولا يأتي بفائدة. أما المبايعة فلا يبايع الكافر، ولكنه إذا تغلب وقهر الناس وأمر الناس بما هو معروف سمع له، وإذا أمر الناس بما هو معصية فلا يسمع له، وإذا أمكنهم التخلص منه فإنهم يتخلصون منه, بخلاف المسلم الذي يكون عنده فسق فلا يجوز الخروج عليه ولو كان فاسقاً ولو كان جائراً.

стр. 707

معنى الواو في قوله: (وسنة الخلفاء الراشدين) السؤال هل العطف بالواو في قوله: (وسنة الخلفاء الراشدين) يقتضي المغايرة أو لا يقتضيها؟ الجواب الواو عاطفة لا تقتضي المغايرة، ومعلوم أن سنتهم من سنة الرسول ﷺ ، ولكن إذا جاء منهم شيء لم يكن في زمنه ﷺ مثل الذي حصل من عثمان فإنه يعتبر سنة.

стр. 708

الرد على من قال بضعف حديث العرباض بن سارية السؤال ما الرد على من يضعف حديث العرباض بن سارية باعتبار أنه لم يروه إلا العرباض بن سارية، وهي موعظة عامة، والعرباض كان من الأعراب ولم يصحب النبي ﷺ كثيراً؟ الجواب الحديث لا يلزم في روايته أن يأتي عن جمع كثير, بل يكفي أن يرويه شخص واحد, ولا يقدح فيه كون راويه صحابياً واحداً أتى به؛ فمن حدث عن رسول الله ﷺ بشيء سمعه وهو من أصحابه فإنه يعول عليه، سواء كان قد حضر غيره أم لم يحضر غيره، فالمهم أنه سمع هذه السنة عن الرسول ﷺ ، فلا يقدح فيه كون غيره ما حدث به.

стр. 709

شرح الأربعين النووية [٢٧] إن النجاة من النار والفوز بدخول الجنة لأمر عظيم لا يكون إلا لمن وفقه الله تعالى، وقد جعل الله تعالى لعباده سبباً في الحصول عليه، وهو الإيمان والعمل الصالح، وأول ما يجب فعله من الأعمال الصالحة هو عبادة الله تعالى وحده وترك الشرك به، ثم أداء أركان الإسلام، وإذا أراد العبد كمال الدرجات فليحرص على الاستزادة من نوافل الخيرات، وليعلم أن في لسانه خطراً عليه كبيراً، ومن ثم فليحرص على كفه عما لا ينفعه.

стр. 710

شرح حديث معاذ في السؤال عما يدخل الجنة ويباعد عن النار يقول الإمام النووي رحمه الله تعالى: [عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه قال: (قلت: يا رسول الله! دلني على عمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار. قال: لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه: تعبد الله لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت. ثم قال: ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جُنّة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل من جوف الليل. ثم تلا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة:١٦] حتى بلغ: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧]. ثم قال: ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد. ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا رسول الله. قال: فأخذ بلسانه وقال: كف عليك هذا. قلت: يا نبي الله! وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس في النار على وجوههم -أو قال: على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم؟) رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح].

стр. 711

حرص الصحابة على الخير وبيان طلب الصالحين للجنة وخوفهم من النار هذا حديث عظيم جامع مشتمل على أمور عظيمة من وصايا الرسول الكريم ﷺ لـ معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه. وسؤال معاذ لرسول الله ﷺ أن يدله على عمل يقربه من الجنة ويباعده من النار يدلنا على حرص الصحابة على معرفة الحق وعلى معرفة ما يقربهم إلى الله وما يحصلون به الثواب من الله ، فهم الحريصون على كل خير والسباقون إلى كل خير رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. قوله: [(دلني على عمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار)] فيه إثبات الجنة والنار، وأنهما موجودتان، وهما باقيتان لا تفنيان ولا تبيدان، وفيه -أيضاً- أن عبادة الله لتحصيل الجنة والسلامة من النار شأن سلف هذه الأمة من أصحاب رسول الله ﷺ ، وليس كما يقول بعض الصوفية: ما عبدت الله رغبة في جنته ولا خوفاً من ناره، وإنما شوقاً إليه! فإن أصحاب رسول الله ﷺ -وهم خير الناس، وأفضل الناس- يسألون الله الجنة ويعوذون به من النار، ويبحثون عن الأعمال التي توصل إلى الجنة والأعمال التي بها يتخلصون من النار ويبتعدون عنها. والله قد أخبر عن خليله إبراهيم ﵊ أنه قال: ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ [الشعراء:٨٥].

стр. 712

العمل سبب لدخول الجنة ثم إن فيه دليلاً على أن الأعمال من أسباب دخول الجنة؛ لأنه قال: [(دلني على عمل يقربني من الجنة ويباعدني من النار)] فالأعمال هي أسباب في دخول الجنة، فقد قال الله : ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف:٧٢]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأحقاف:١٤]. وقال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٦ - ١٧]. فبين أن الأعمال سبب في دخول الجنة، وقد جاء في الصحيحين عن النبي ﵊ أنه قال: (لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل)، ففي الآيات الكريمات التي ذكرت دلالة على أن الأعمال سبب في دخول الجنة، وأن الإنسان يدخل بعمله الجنة، والحديث يدل على أن الإنسان لا يدخل بعمله الجنة، فكيف يجمع بين ما جاء في الآيات وما جاء في الحديث؟ والجواب هو أن يقال: إن الباء التي في الحديث غير الباء التي في الآيات؛ لأن الباء في الآيات للسببية، والله جعل الأعمال سبباً في دخول الجنة، والباء التي في الحديث هي باء المعاوضة، فقوله: (لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله) أي: بأن تكون الجنة عوضاً عن عمله، فيستحق الجنة بمجرد عمله دون أن يكون وراء ذلك فضل الله ورحمته، فهذا لا يكون، بل الفضل لله في دخول الجنة. ومعلوم أن الإنسان عندما يعمل عملاً عند غيره في هذه الحياة الدنيا فإنه يستحق الأجرة في مقابل عمله عوضاً، وليس للذي يدفع العوض منة وفضل على الأجير الذي أعطي أجرته؛ لأن الأجرة في مقابل العمل، فهذا عَمِل وهذا أعطى في مقابل العمل. أما دخول الجنة فالأعمال -وإن كانت سبباً في دخولها- إلا أن ذلك بفضل الله ، ولا يقال: إن القضية هي عمل وجد فكانت الجنة عوضاً عنه! بل الفضل لله أولاً وآخراً، فهو الذي تفضل بالتوفيق للعمل الصالح الذي يوصل إلى الجنة، وتفضل بالجزاء والثواب الذي هو الجنة، فرجع الأمر إلى فضل الله في تحصيل السبب ثم حصول المسبب. وعلى هذا تكون الآيات والحديث لا اختلاف بينها، وإنما هي متفقة، بحيث تحمل الباء في الآيات على السببية، وأن الله تعالى جعل الأعمال أسباباً في دخول الجنة، والباء التي نُفي فيها دخول الإنسان بعمله الجنة إنما هي باء المعاوضة، فدخول المرء الجنة ليس معاوضة له على عمله، بل الأعمال سبب في دخول الجنة، وليست القضية قضية معاوضة كما هو مشاهد ومعاين في الذين يعملون أعمالاً في الدنيا ويحصلون على أجورهم من المستأجرين، فإن تلك الأجور ليس فيها فضل ولا منة، وإنما فيها معاوضة، فالأعمال -كما سبق- وإن كانت سبباً في دخول الجنة إلا أن الله تعالى هو الذي تفضل بها، فتفضل بالسبب وتفضل بالمسبب.

стр. 713

عظم شأن دخول الجنة والنجاة من النار قوله: [(لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه)] في هذا بيان عظم شأن السؤال والمسئول عنه، وأنه شيء عظيم، وليس بالأمر الهين، ومع عظمته وصعوبته ومشقته فإن الله تعالى يجعله يسيراً على من وفقه الله؛ إذ الأعمال التي يكون بها دخول الجنة والسلامة من النار التي دل الرسول ﷺ عليها فيها مشقة وفيها تعب وفيها نصب، والمرء بحاجة إلى الصبر على طاعة الله؛ لأن تلك التكاليف وتلك الأمور التي هي موصلة إلى الجنة تحتاج إلى صبر، فيصبر على الطاعات ولو شقت على النفوس؛ لأن العاقبة حميدة، والنبي ﷺ قال: (حفت الجنة بالمكاره) فالطريق إلى الجنة فيه صعوبة وفيه مشقة، ويحتاج إلى صبر وإلى جلد وإلى احتساب، وليس هو بالأمر الهين، ولكنه يكون يسيراًَ على من يسره الله عليه. وفي هذا -أيضاً- دليل على أن الإنسان ينبغي له أن يحرص على الأعمال الصالحة، وأن من استعان بالله وعول على الله وجد واجتهد وأخذ بالأسباب الموصلة إلى المقصود والمطلوب فإن ذلك يكون بتيسير الله وتوفيقه لتحصيل ذلك المطلوب. وأيضاً فيه تشجيع على مثل هذا السؤال، وبيان أهميته، وأن شأنه عظيم، وأن السؤال عن مثل هذا من أهم المهمات؛ لأنه سؤال عن عمل الإنسان في هذه الحياة؛ إذ إن هذه الحياة دار العمل والآخرة دار الجزاء، وليس فيها إلا جنة أو نار، ودخول الجنة إنما يكون بما يحصل في الدنيا للعبد من توفيق الله للأعمال الصالحة التي توصل إلى الجنة وتباعد من النار.

стр. 714

بيان العمل الموصل إلى الجنة ثم بين ما يوصل إلى الجنة في قوله ﷺ : (تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت) وهذه أركان الإسلام الخمسة التي بينت في حديث جبريل، حيث قال: (أخبرني عن الإسلام قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً)، وكذلك في حديث عبد الله بن عمر: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان)، فهذه الأشياء الخمسة التي جاءت في هذا الحديث هي التي جاءت في حديث جبريل وفي حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما.

стр. 715

من أسباب دخول الجنة الإخلاص والمتابعة فقوله: (تعبد الله) أي: تفرد الله بالعبادة وتخصه وحده بها. والله قد خلق الخلق لعبادته، وقد أُمروا ونهوا، وبين لهم التوحيد، وبين لهم الشرك، وبين لهم طريق الخير وطريق الشر، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:٨ - ١٠] يعني: طريق الخير وطريق الشر. وقد حصل تبيين ذلك بما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . وعبادة الله يجب أن تكون خالصة له، وأن تكون موافقة لسنته ﷺ ، وعلى هذا فتكون الشهادة بأن محمداً رسول الله ﷺ داخلة في عبادة الله؛ لأن عبادة الله لا تعتبر ولا تكون مجدية ونافعة إلا إذا توافر فيها الشرطان: أن تكون خالصة لله، وأن تكون مطابقة لسنة رسول الله ﷺ . فإذاً: لابد -مع شهادة أن لا إله إلا الله- من شهادة أن محمداً رسول الله، وهما شهادتان متلازمتان لا تنفك إحداهما عن الأخرى، فحين بعث رسول الله ﵊ وجب على كل إنسي وجني أن يدخل في هذا الدين، وإلا فإن النار مثواه كما قال الرسول ﷺ : (والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بالذي جئت به إلا كان من أصحاب النار)، ويقول بعض العلماء: كنت إذا سمعت الحديث عن رسول الله ﷺ تأملته فأجد معناه في القرآن. قال: ولما سمعت هذا الحديث تأملته ووجدت معناه في قول الله : ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود:١٧] أي أن هذه الآية مثلها قوله ﷺ : (لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بالذي جئت به إلا كان من أصحاب النار). وعلى هذا فعبادة الله لابد فيها من شرطين: إخلاص العمل لله، والمتابعة لرسول الله ﷺ ، فإذا توافر هذان الشرطان نفع العمل ونفعت العبادة، وإن اختل أحدهما فإن العمل مردود على صاحبه، ولا عبرة به حينئذٍ ولا قيمة له.

стр. 716

من أسباب دخول الجنة إقامة الصلاة ثم ذكر بعد ذلك: الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وذكرها مرتبة على حسب أهميتها، فأهم هذه الأركان بعد الشهادتين: الصلاة، والتي هي عمود الإسلام، كما في الحديث الذي بين أيدينا، وهي تنهى عن الفحشاء والمنكر، وهي من آخر ما أوصى به الرسول ﷺ ، وهي آخر ما يُفقد في هذه الحياة، وأول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة، وغير ذلك من المزايا الكثيرة المتعددة التي تتعلق بالصلاة. فقُدّمت الصلاة؛ لأنها أهم من غيرها، حيث إنها صلة وثيقة بين العبد وربه، وتكرر في اليوم والليلة خمس مرات، بخلاف الأعمال الأخرى، فإن منها ما يكون واجباً في السنة كالزكاة والصيام، ومنها ما يكون واجباً في العمر كالحج، وأما الصلاة فهي في اليوم والليلة خمس مرات، ولهذا فإذا صاحب المرء إنساناً فإنه يستطيع أن يعرف أنّه من أهل الاستقامة أو من أهل الضلال خلال أربعٍ وعشرين ساعة، وذلك بكونه يصلي أو لا يصلي، فإن كان من المصلين فهذه علامة الخير، وإن كان من غير المصلين فهذه علامة السوء، فقدمت الصلاة في الحديث لأهميتها؛ ولأنها صلة وثيقة بين العبد وبين ربه؛ ولأنها تتكرر في اليوم والليلة خمس مرات.

стр. 717

من أسباب دخول الجنة أداء الزكاة ثم جاء بعد ذلك ذكر الزكاة التي تكون في السنة مرة واحدة في الغالب، فإذا استوى الثمر وجاء حصاد الزرع، أو حال الحول على النقود أو على التجارة أو على بهيمة الأنعام فيجب إخراج الزكاة. وقدمت الزكاة على الصيام؛ لأنها متعدية النفع؛ فالمزكي يستفيد منها بحصول الأجر ونماء المال، والفقير الذي تُدفع إليه الزكاة يستفيد منها بسدّ حاجته. والزكاة قرينة الصلاة في كتاب الله وفي سنة رسول الله ﷺ ، وكثيراً ما يأتي الجمع بين الصلاة والزكاة في الآية أو الحديث، كما قال الله : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ) [الحج:٤١]، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة:٥]، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١١].

стр. 718

من أسباب دخول الجنة الصيام والحج ثم جاء الصيام بعد ذلك؛ لأنه يتكرر في السنة، ويكون شهراً، وأخر الحج؛ لأنه لا يجب في العمر إلا مرة واحدة. فهذه الأركان جاءت مرتبة وفقاً لأهميتها. ثم إنّ هذه الأمور التي قدمت هي أهم الفرائض، والله قد جعل أحب ما يتقرب العبد به إليه هو الفرائض، كما جاء في الحديث القدسي: (وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه). فقوله: (تعبد الله) أي أن من أسباب دخول الجنة عبادة الله تعالى، وهي فرائض ونوافل، فالفرائض ذكرت منها الأركان الخمسة التي هي: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، والصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وهذه أمور واجبة لازمة.

стр. 719

أبواب نوافل الخير الموصلة إلى الرضوان ثم بعد ذلك ذكر أموراً مستحبة ونوافل وقرباً يكون فيها زيادة في الثواب وكمال في الإيمان، فقال ﵊ بعد ذلك: (ألا أدلك على أبواب الخير) أي: الطرق والمداخل التي يصل الإنسان بها إلى الخير. والمقصود بذلك: النوافل؛ لأنه ذكر أمثلة للفرائض أولاً ثم ذكر أمثلة للنوافل ثانياً، فذكر ثلاثة أشياء: الصوم، والصدقة، وقيام الليل. فهذه الأمور الثلاثة هي من أفضل أبواب الخير التي أرشد إليها رسول الله ﷺ . وقوله: (ألا أدلك) هذا استفهام، فقبل أن يذكر أبواب الخير مهّد لها بهذا الاستفهام حتى يتهيأ المخاطب -وهو معاذ ﵁ لمعرفة ما يلقى عليه ليحفظه ويعيه ويستوعبه، بحيث لا يفوته منه شيء، فهذا الأسلوب وهذه الطريقة فيها لفت نظر المخاطب بتنبيهه إلى العناية والاهتمام لما سيلقى عليه بحيث يعيه ويستوعبه.

стр. 720

من أبواب الخير: صوم التطوع قوله ﷺ : (الصوم جنة) المقصود بذلك صوم التطوع؛ إذ إن صوم رمضان قد ذكر سابقاً ضمن الواجبات؛ وهذه الأمور التي ستذكر إنما هي من باب التطوع، وليست من باب الفرض. ثم ذكر النوافل التي بها زيادة الإيمان وزيادة الكمال وزيادة الأجر والثواب عند الله ، فقال: (الصوم جُنَّة) والجُنَّة: هي الوقاية التي يُتقى بها ما يُحذر ويُخاف، ولهذا يقال للترس الذي يتقى به السهام: جُنَّة. فالصوم جُنة في الدنيا من المعاصي وفي الآخرة من النار. ويدل للأول -وهو أن الصوم جنة في الدنيا- قوله ﷺ في الحديث المتفق على صحته عن عبد الله بن مسعود ﵁: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغضّ للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء). أي: أن من قدر على الزواج فليتزوج وليقض وطره، ومن عجز ولم يتمكن من ذلك لعدم القدرة المالية التي توصله إليه فإن عليه أن يكثر من الصوم؛ لأن الصوم يضعف شهوته ويُوهن قوّته، فيسلم بذلك من الوقوع في الفاحشة واقتراف الأمر المحرم، فإن الصوم يكبح جماح النفس، ويقمع شدة الشهوة؛ لأنه يكون فيه إضعاف للنفس، بخلاف الإفطار، فإنه يكون فيه النشاط وفيه الأكل والشرب والاستمتاع، فهو الذي يجعل الإنسان فيه هذه الشهوة، والصوم يضعفها، فأرشد ﵊ إلى ما يكون به السلامة من الوقوع في الفاحشة والوقوع في الأمر المحرم، فإذا لم يستطع الإنسان أن يقضي شهوته بطريق الحلال فإن عليه أن يصوم حتى لا يقع في الأمر المحرم؛ لأن الصوم يضعف شهوته، فلا يكون عنده الاندفاع والرغبة التي تجعله يقدم على تفريغها وعلى حصولها بطريق محرمة. وأما الوقاية التي يحدثها الصوم في الآخرة: فهي السلامة من النار في الآخرة، وقد جاء في الحديث الصحيح: (من صام يوماً في سيبل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً). فصوم التطوع يكون جُنّة من المعاصي وجُنّة من النار.

стр. 721

من أبواب الخير: الصدقة والإحسان إلى الناس ثم قال ﷺ : (والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار). والصدقة: هي الإحسان إلى الناس -بالمال أو بغيره- وإيصال النفع إليهم، وسدّ عوزهم وفقرهم. وهي من أسباب إطفاء الخطايا، أي: زوالها وذهابها، ولا شك في أن الصغائر تذهب بفعل الطاعات، وأما الكبائر فإنها تذهب مع التوبة، أما مع الإصرار عليها فلا، وإذا كان الإنسان يتصدق وهو مصرّ على الكبائر فلا يقال: إن الصدقة تمحو كبائره التي هو مصر عليها، وإنما تمحو الصغائر، وأما الكبائر فتمحوها التوبة، فإذا تصدق وهو تائب من جميع الذنوب فإن الصدقة تطفئ تلك الخطايا كما يطفئ الماء النار، أي أنها تقضي عليها وتستأصلها، كما أن الماء إذا صُبّ على النار فإنه يخمدها ويطفئها، وهذا معروف بالمشاهدة والمعاينة، وكذلك المعاصي تطفئها الصدقة، والتي هي القربة التي يتقرب بها إلى الله بسدّ عوز المعوزين وقضاء حاجات الفقراء والمساكين. وفي ذلك تشبيه الأمور المعنوية بالأمور الحسية في تقريب ذلك إلى الأذهان وإلى الأفهام؛ لأن المشاهَد أن الماء إذا صُبّ على النار قضى عليها وأنهاها، فكذلك الصدقة إذا جاءت فإنها تقضي على المعاصي، ولكن الكبائر تُمحى بالتوبة منها.

стр. 722

من أبواب الخير: قيام الليل ثم قال ﷺ : (وصلاة الرجل من جوف الليل). يعني: أنه من أبواب الخير؛ لأن الرسول ﷺ ذكر أبواباً ثلاثة من أبواب الخير: الصوم، والصدقة، وقيام الليل، فالصدقة نفعها متعد، والصوم وقيام الليل نفعهما قاصر لا يتعدى. وقيام الليل هو أفضل الصلاة بعد الفريضة، كما جاء عن النبي ﷺ : (أفضل الصلاة بعد الفريضة: قيام الليل)، وهو أفضل التطوع الذي يتطوع به من الصلوات، كما ثبت ذلك عن رسول الله ﷺ ، ثم تلا قول الله : ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٦ - ١٧] تلا هاتين الآيتين المشتملتين على بيان هذا العمل الصالح، وأن أولياء الله الذين يحصل منهم هذا العمل الصالح يرغبون ويرهبون، وجزاؤهم الجنة بسبب أعمالهم التي عملوها وقدموها في هذه الحياة. ومما ينبغي أن ينبه عليه: أن الإنسان إذا وعظ أو ذكّر فمرت به آية فعليه أن يأتي بها كما كان يُحدّث، ولا يتحول من كونه يخاطب الناس إلى كونه يقرأ القرآن ويصير كأنه قارئ تالٍ؛ فإن مقام الاستدلال غير مقام التلاوة، فبعض الناس تجده يخاطب الناس، فإذا مرت به آية تحول إلى كونه قارئاً، فالذي يسمعه يظن أنه قارئ، وليس محدثاً ولا مذكراً ولا خطيباً، وإنما يظنه قارئاً للقرآن. فمقام الاستدلال غير مقام القراءة. وقوله: (وصلاة الرجل من جوف الليل) ذِكْر الرجل هنا لا مفهوم له، بل المرأة كذلك، وإنما ذكر الرجل؛ لأن أن الغالب أن الخطاب مع الرجال، وإلا فإن الأصل التساوي بين الرجال والنساء في الأحكام، ولا يصار إلى الفرق بينهما إلا إذا وجد ما يدل على أن هذا الحكم خاص بالرجال دون النساء أو العكس، كما يأتي في بعض الأحاديث بيان التفريق بين الرجال والنساء في بعض الأحكام، مثل مسألة الغسل من بول الرضيع الذي لم يأكل الطعام، فإنه يكون فيه النضح من بول الغلام والغسل من بول الجارية، وكذلك الجنازة إذا كانت رجلاً يكون الإمام عند رأسه، وإذا كانت امرأة يكون في وسطها، فهذه من الأمور التي يحصل فيها التفريق بين الرجال والنساء، وكذلك فيها يتعلق بالعقيقة والدية والشهادة والميراث والعتق، وهي خمسة أمور تكون النساء فيها على النصف من الرجال. فالأصل هو التساوي بين الرجال والنساء في الأحكام، وعلى هذا فإن قوله في الحديث: (وصلاة الرجل) لا مفهوم فيه لذكر الرجل، بل مثله المرأة.

стр. 723

بيان رأس الأمر وعموده وذروة سنامه ثم قال ﷺ : (ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ قلت: بلى. قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد) وهذا مثل الذي قبله، فالاستفهام فيه تنبيه المخاطب إلى الاستعداد والتهيؤ لما سيلقى عليه. وقوله: (رأس الأمر الإسلام) الأمر: هو الدين الذي جاء به محمد ﷺ ، وهو الشأن، وهو أعظم الشئون. وقوله: (وعموده الصلاة) يدلنا على عظم شأن الصلاة؛ لأنها عمود الإسلام، ومعلوم أن الأعمدة يقوم عليها البنيان، وتقوم عليها الخيام، وإذا نُزع عمود الخيمة سقطت على الأرض، وإذا كُسرت أعمدة البنيان هبطت العمارة المكونة من طوابق كثيرة بعضها على بعض حتى تكون أقل مما يساوي طابقاً واحداً لما اختلت الأعمدة، وهذا يبين لنا أن الصلاة شأنها عظيم؛ لأنها هي العمود الذي يقوم عليه الإسلام. ثم قال: (وذروة سنامه الجهاد)، السَّنام: هو أعلى الشيء، وسنام البعير: أعلاه، والذروة: أعلى السنام؛ لأن السنام أعلى شيء، وأعلى شيء في السنام هو الذروة، وأطلق على الجهاد أنه ذروة سنام الإسلام؛ لأن فيه علو الإسلام وظهوره وقوة المسلمين وتفوقهم على الكفار وغلبتهم لهم، حيث يكونون غالبين للكفار، فيهابهم الكفار ويخشونهم، فإما أن يدخلوا في الدين وإما أن يدخلوا تحت حكم الإسلام ويدفعوا الجزية، ولكن يكونون تحت ولاية المسلمين، ويكون ذلك سبباً في هدايتهم؛ لأنهم يشاهدون أحكام الإسلام، ويشاهدون تطبيق الإسلام من المسلمين، فيكون في ذلك القدوة الحسنة والأسوة الطيبة لهم. وإنما يكون ظهور الإسلام وقوته وتفوق المسلمين على أعدائهم الكافرين بقوة الإيمان وقوة اليقين الذي به يفتحون العباد والبلاد، كما كان شأن سلف هذه الأمة الذين كان عددهم قليلاً بالنسبة لأعداد أعدائهم، ومع ذلك فقد نصرهم الله بقوة إيمانهم ويقينهم وثباتهم وإخلاصهم لله . ولا يحصل جهاد الأعداء إلا إذا حصلت مجاهدة النفس، فالمسلم إذا لم يجاهد نفسه فإنه لا يستطيع أن يجاهد غيره، وجهاد النفس هو أهم شيء؛ لأن الإنسان إذا لم يكن عنده قوة إيمان ومجاهدة للنفس لا يكون عنده صبر، ولا يكون عنده جَلَد، ولا تكون عنده رغبة، ولا يكون عنده حرص على مجاهدة الكفار، فمجاهدة النفس هي الأساس الذي تقوم عليه قوة المجاهدين والمقاتلين للكفار، ولهذا تفوق أصحاب رسول الله ﷺ وسلف هذه الأمة على أعدائهم مع قلة عدد المسلمين وقلة عتادهم وكثرة أعداد الكفار وكثرة عتادهم بقوة الإيمان وقوة البصيرة وقوة الدين، هذا هو الذي مكنهم من التغلب على أعدائهم، فإن الفئة القليلة تغلب الفئة الكثيرة بإذن الله، وذلك بقوة الإيمان وقوة اليقين، فالجهاد أولاً جهاد النفس، ثم جهاد المنافقين وجهاد الكفار، كما قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:٧٣].

стр. 724

خطورة شأن اللسان ثم قال ﷺ : (ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت: بلى. فأخذ بلسانه وقال: كف عليك هذا). وهذا يبين لنا خطورة شأن اللسان، وأن أمره خطير، وأنه ليس بالأمر الهيّن، وأنه هو الذي يوقع الإنسان في المهالك ويتسبب في العطب، ولهذا لما قال النبي ﷺ ذلك لـ معاذ قال له معاذ: وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال ﵊: (ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس في النار على وجوههم -أو قال: على مناخرهم-)] وهو شك من الراوي في كونه ذكر الوجوه أو المناخر-: (إلا حصائد ألسنتهم). يعني: جزاء وعقوبة ما يحصل من الألسنة من الكلام السيء في هذه الحياة الدنيا، فهذا هو الذي يوصلهم إلى النار، وهو الذي يوقعهم فيها؛ لأن الناس في هذه الحياة الدنيا يزرعون، فالحياة الدنيا هي دار الزرع ودار العمل، والآخرة دار الحصاد، فالناس يحصدون ويحصلون أجر ما قدموا، إن قدموا خيراً وجدوه، وإن قدموا شراً وجدوه، كما قال الله : ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨]، وجاء في الحديث القدسي: (يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه). وفي هذا بيان عظم شأن اللسان، وأن أمره ليس بالأمر الهين، بل شأنه خطير، وقال النبي ﷺ : (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراًَ أو ليصمت) وفي الحديث المتفق على صحته: (من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة)، والذي بين اللحيين هو اللسان والذي بين الرجلين هو الفرج.

стр. 725

مآل دعاء النبي ﷺ على أحد أصحابه قوله ﷺ : (ثكلتك أمك يا معاذ) يعني: فقدتك حتى صارت ثكلى! وليس الدعاء مُراداً هنا، وإنما المراد هو الاهتمام بما يخاطب به، بل إنه جاء عن النبي ﵊ أنّه سأل ربه أن يجعل كل دعوة دعا بها على أحد ليس أهلاً لها طُهراً وزكاءً وقربة من الله لذلك المدعو عليه، فتكون الصيغة دعاءً عليه وهي دعاءٌ له. فقد ثبت في صحيح مسلم عن أنس بن مالك ﵁ أن أمه أم سليم رضي الله تعالى عنها كان لها يتيمة، فأرسلتها إلى النبي ﷺ في حاجة، وكان النبي ﷺ رآها وهي صغيرة جداً ثم رآها قد كبرت، فقال: أنت هي كبرت، لا كبرت سنك. فرجعت تلك اليتيمة تبكي، فلما جاءت إلى أم سليم تبكي قالت: إن الرسول دعا علي وقال: كذا وكذا، فجاءت أم سليم مسرعة إلى رسول الله ﷺ ، فقال: (ما لك يا أم سليم، قالت: إنك دعوت على يتيمتي. فقال: أما علمت -يا أم سليم - أنني اشترطت على ربي أن كل من دعوت عليه دعوة ليس هو لها بأهل أن يجعل الله له زكاءً وطُهراً). ثم إن الإمام مسلماً رحمة الله عليه من حسن ترتيبه ومن حسن دقته في كتابه الصحيح لما ذكر هذا الحديث أورد بعده حديث ابن عباس الذي قال فيه النبي ﷺ لـ معاوية: (لا أشبع الله بطنك) بعدما ذكر الحديث الذي فيه هذا الشرط؛ ليدل على أنه دعاء له وليس دعاء عليه، وذلك أن ابن عباس روى أن النبي ﷺ أرسله إلى معاوية فرجع فأخبره أنه وجده يأكل، ثم أمره أن يذهب مرة أخرى، فرجع فأخبره أنه وجده يأكل، فقال ﷺ : (لا أشبع الله بطنك) فصار دعاء له بناءً على ذلك الحديث الذي رواه أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، فصار منقبة لـ معاوية وفضلاً له، وليس فيه ذم لـ معاوية كما يحرص على ذكره من يعادون أصحاب رسول الله ﷺ ، ويزعمون أن هذا من مثالبه، وأنه دعاء عليه. فهذا الحديث العظيم مشتمل على هذه الوصايا العظيمة النافعة الجامعة ممن أعطي جوامع الكلم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

стр. 726

الأسئلة

стр. 727

حكم قول المرء لأخيه: (ثكلتك أمك) ونحو ذلك السؤال هل يكون قول: (ثكلتك أمك) أو: (تربت يداك أو يمينك) من خصائص النبي ﷺ ، فلا يجوز لغيره أن يقوله؟ الجواب الذي ينبغي هو ألا يقال مثل هذا الكلام، وإنما يؤتى بالكلام الطيب والكلام المناسب، أما الرسول ﷺ فإن هذا الذي حصل منه -كما هو معلوم- يكون دعاءً لصاحبه وليس دعاء عليه.

стр. 728

حكم ترتيل الآيات عند الاستدلال بها في المواعظ ونحوها السؤال إذا كانت الآيات لا ترتل عند الاستدلال بها في المواعظ ونحوها، فكيف بما نسمعه في بعض الأشرطة، حيث نجد أن المحاضر يقول الشيء ثم يكون الاستدلال من الآيات بصوت قارئ غير المحاضر، وذلك كثير في التسجيلات، فما حكم أن يكون الاستدلال بالآيات بغير صوت صاحب المحاضرة؟ الجواب هذا ليس بجيد، أعني كون الإنسان يرتل الآيات حال الوعظ ونحوه، بل الإلقاء في الاستدلال يكون مثل غيره، ويستخدم هذه الطريقة كثير من الدعاة والوعاظ، ويقصدون بذلك ترقيق قلوب السامعين وشد الانتباه، وهذا المقصود لا يراعى، بل يراعى الصدق والإخلاص والإتيان بالكلام المؤثر الذي يكون صحيحاً، بحيث لا يكون فيه أحاديث ضعيفة أو موضوعة، وإنما يكون بآيات من كتاب الله، وأحاديث من أحاديث رسول ﷺ الصحيحة، وكذلك من كلام العلماء وكلام سلف هذه الأمة الذي فيه تأثير على القلوب. وقد يقال: قد جاء في الحديث أن النبي ﷺ كان يقرأ سورة (ق) يوم الجمعة على المنبر! ونقول: إن تلك قراءة قرآن، حيث كان يقرأها على المنبر، أما كلامنا فهو في الاستدلال، أي: كون الإنسان يتكلم ثم يأتي بدليل من الكتاب العزيز ويقرؤه بترتيل، فيتحول من كونه مذكراً متكلماً إلى كونه قارئاً، أو يسأل عن الدليل على شيءٍ فيذهب يرتل الآية. وقول الراوي عن النبي ﷺ : (ثم تلا) لا يشعر أن قراءته كانت متلوة مرتلة، وإنما يدل على كونه ﷺ ألقاها عليهم.

стр. 729

حكم البسملة والاستعاذة للآية المستدل بها السؤال إذا كان المتحدث أو المتكلم يريد الاستدلال بالآية، فهل يستعيذ أو يبسمل إذا كان ذلك في أول السورة؟ الجواب إذا كانت الآيات كثيرة فلا بأس بذلك، وأما إذا كان يأتي بآية، ثم يأتي بآية، ثم يأتي بآية، فلا يأتي بالاستعاذة.

стр. 730

الاجتماع على المأدبة بعد صيام الأيام البيض السؤال هناك مجموعة يجتمعون كل شهر في منزل أحدهم على مأدبة، ويكون ذلك غالباًَ بعد صيام الأيام البيض، فقال لهم أحد الدعاة: إن عملكم هذا بدعة. فهل هذا صحيح؟ الجواب لا ينبغي مثل ذلك، فإنه يمكن للإنسان أن يعبد الله ولا يجتمع مع غيره ويتكلف ذلك.

стр. 731

من صلت الفجر فهي في ذمة الله تعالى السؤال ورد في حديث: (من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله)، فهذا بالنسبة للرجل، فماذا بالنسبة للمرأة؟ الجواب إذا صلت المرأة في بيتها وقامت بما هو واجب عليها فلا شك أنها تحصل على ما يحصل عليه الرجل؛ لأنها معذورة، فالمرأة إذا فعلت ذلك في مصلاها أو في بيتها فإنه -إن شاء الله- يرجى أن تحصل الفضل الذي يحصله الرجل.

стр. 732

المراد بسبيل الله السؤال في الحديث: (من صام يوماً في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً) فما المراد بقوله: (في سبيل الله)؟ الجواب الظاهر أنه الجهاد في سبيل الله، ولهذا أورد هذا الحديث في كتاب الجهاد، وأصل سبيل الله يراد به معنى خاص ويراد به معنى عام؛ لأن كل طرق الخير هي في سبيل الله، ويطلق (سبيل الله) على الجهاد في سبيل الله، ولهذا فسبيل الله المذكور مع أصناف الزكاة الثمانية المقصود به الجهاد؛ لأن جميع الأصناف المذكورة هي في سبيل الله ما عدا العاملين عليها؛ لأن هؤلاء يأخذون أجورهم.

стр. 733

ترتيب الأعمال في النصوص ودلالته السؤال يذكر أن ترتيب الصلاة والزكاة بحسب الأهمية، وقدمت الصلاة لأهميتها، لكن بعض أهل العلم يقولون في قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:١١]: إنه أخر الدين لأهميته. فما الضابط في معرفة أن المقدم أو المؤخر هو الأهم؟ الجواب لا شك أن الأركان الخمسة جاءت مرتبة في حديث جبريل، وجاءت مرتبة في حديث ابن عمر، وجاءت مرتبة في غيرهما، وبالنظر يعلم أن الصلاة لها أهمية عظمى، حيث تصلي في اليوم والليلة خمس مرات، وهي الفاصلة بين المسلمين والكفار، وهي آخر ما ينقض من عرى الإسلام، وأول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة، وهي عمود الإسلام، ثم تليها الزكاة؛ لأنها متعدية النفع، ثم يليها الصوم؛ لأنه قاصر النفع، وكل من الزكاة والصيام يأتي في السنة مرة، والحج جاء آخراً؛ لأنه لا يجب إلا مرة واحدة في العمر.

стр. 734

حكم إعارة آلات التصوير السؤال هل آثم إذا أعرتُ أحداً آلة تصوير، سواء أكانت فوتوغرافية أم كاميرا فيديو؟ الجواب آلات التصوير إذا كان يستعملها المرء فيما هو مباح فلا بأس بذلك، وإذا أعارها لمن يستعملها في المباح فلا بأس.

стр. 735

أثر وقوف الطفل دون السابعة في وسط صف الصلاة السؤال هل الطفل دون السابعة يقطع الصف إذا كان يصلي مع الناس؟ الجواب إذا كان ليس من المصلين ولا يعقل الصلاة فلا شك أن وجوده كعدمه، ولهذا لا ينبغي أن يكون في الصف وهو لا يعقل الصلاة.

стр. 736

حكم المسح على الجورب المشقوق السؤال هل يُوجد ما يدل على أن الصحابة ﵃ كانوا يمسحون على الجوارب أو على الخفاف وفيها شيء من الشقوق؟ الجواب جاء عن عدد من أصحاب الرسول ﷺ أنهم كانوا يمسحون على الجوارب، ولا شك أنها لا تسلم، لكن الشأن في الشقوق؛ لأنها قد تكون يسيرة وقد تكون فاحشة كبيرة بحيث يكون وجود الجورب كعدمه، فهناك فرق بين الشقوق اليسيرة وبين الشقوق الكبيرة التي يكون أكثر الرجل فيها بادياً.

стр. 737

كيفية إدراك فضل صيام الأيام الفاضلة لمن كان يصوم يوماً ويفطر يوماً السؤال إذا كان الرجل يصوم يوماً ويفطر يوماً فقد يحصل أنه لا يوافق صيامه بعض الأيام الفاضلة كيوم عاشوراء أو يوم عرفة أو يومي الإثنين والخميس، فكيف يصنع؟ الجواب أن يجمع يومين ويؤخر يومين، ولا بأس بذلك.

стр. 738

الحكم على حديث (رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر) السؤال ما مدى صحة حديث: (رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر: جهاد النفس)؟ الجواب الجهاد كما هو معلوم هو جهاد الكفار، وجهاد النفس هو وسيلة له، ولا أعرف أن الحديث ثابت عن النبي ﷺ .

стр. 739

حكم أخذ المال من مقترضه بفائدة ربوية السؤال امرأة متوفى عنها زوجها، وكان لها إخوة أكبر منها اقترضوا من البنك بفائدة ربوية، ثم قام أحدهم فأعطاها جزءاً من هذا المال مساعدة لها ولأولادها، فهل لها أن تستخدم هذا المال، مع العلم أنها موظفة؟ ثم إنها تقول: لا أستطيع أن أرده؛ لأن ذلك يغضب أخي، ولها دين على أخيها فرده إليها من هذا القرض، فما الحكم؟ الجواب إذا كانت محتاجة إليه فلا بأس بذلك؛ لأن القرض -كما هو معلوم- يكون الأصل أنه حلال، وإنما المحرم هو الزيادة التي تكون بسبب القرض، ولكن كونها تتنزه عن هذا إذا كانت موظفة وعندها شيء تستغني به فلا شك أنه أولى. وينبغي لها أن تحرص على هداية أخيها وعلى سلامته، فتعتذر وتقول: إن فعلك هذا غير سائغ، ولهذا لا أحب أن أشارك في هذا، فتبين له بلطف ولين، وتحرص على أن يسلم، فليست القضية في كونها تأخذ أو لا تأخذ، بل أهم شيء أن تخلص أخاها وأن تحرص على تخليصه من الوقوع في الأمر المحرم الذي هو الربا. وأما رده الدين إليها من ذلك القرض فقبولها له ليس به بأس.

стр. 740

عمامة طالب العلم في بلد لا يتعمم أهلها السؤال في بلدي الرجال لا يلبسون شيئاً على رءوسهم، إلا الصوفية يلبسون العمائم والقلنسوة، فهل الأفضل لطالب العلم أن يلبس أو يترك رأسه مكشوفاً؟ الجواب يلبس، ولكن لا يلبس لباساً يماثل لباس المبتدعة.
следующие страницы →