← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 36944

شرح الأربعين النووية - العباد

عبد المحسن العباد

Полный текст (1 058 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

حكم المسح على الجورب المشقوق السؤال هل يُوجد ما يدل على أن الصحابة ﵃ كانوا يمسحون على الجوارب أو على الخفاف وفيها شيء من الشقوق؟ الجواب جاء عن عدد من أصحاب الرسول ﷺ أنهم كانوا يمسحون على الجوارب، ولا شك أنها لا تسلم، لكن الشأن في الشقوق؛ لأنها قد تكون يسيرة وقد تكون فاحشة كبيرة بحيث يكون وجود الجورب كعدمه، فهناك فرق بين الشقوق اليسيرة وبين الشقوق الكبيرة التي يكون أكثر الرجل فيها بادياً.

стр. 737

كيفية إدراك فضل صيام الأيام الفاضلة لمن كان يصوم يوماً ويفطر يوماً السؤال إذا كان الرجل يصوم يوماً ويفطر يوماً فقد يحصل أنه لا يوافق صيامه بعض الأيام الفاضلة كيوم عاشوراء أو يوم عرفة أو يومي الإثنين والخميس، فكيف يصنع؟ الجواب أن يجمع يومين ويؤخر يومين، ولا بأس بذلك.

стр. 738

الحكم على حديث (رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر) السؤال ما مدى صحة حديث: (رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر: جهاد النفس)؟ الجواب الجهاد كما هو معلوم هو جهاد الكفار، وجهاد النفس هو وسيلة له، ولا أعرف أن الحديث ثابت عن النبي ﷺ .

стр. 739

حكم أخذ المال من مقترضه بفائدة ربوية السؤال امرأة متوفى عنها زوجها، وكان لها إخوة أكبر منها اقترضوا من البنك بفائدة ربوية، ثم قام أحدهم فأعطاها جزءاً من هذا المال مساعدة لها ولأولادها، فهل لها أن تستخدم هذا المال، مع العلم أنها موظفة؟ ثم إنها تقول: لا أستطيع أن أرده؛ لأن ذلك يغضب أخي، ولها دين على أخيها فرده إليها من هذا القرض، فما الحكم؟ الجواب إذا كانت محتاجة إليه فلا بأس بذلك؛ لأن القرض -كما هو معلوم- يكون الأصل أنه حلال، وإنما المحرم هو الزيادة التي تكون بسبب القرض، ولكن كونها تتنزه عن هذا إذا كانت موظفة وعندها شيء تستغني به فلا شك أنه أولى. وينبغي لها أن تحرص على هداية أخيها وعلى سلامته، فتعتذر وتقول: إن فعلك هذا غير سائغ، ولهذا لا أحب أن أشارك في هذا، فتبين له بلطف ولين، وتحرص على أن يسلم، فليست القضية في كونها تأخذ أو لا تأخذ، بل أهم شيء أن تخلص أخاها وأن تحرص على تخليصه من الوقوع في الأمر المحرم الذي هو الربا. وأما رده الدين إليها من ذلك القرض فقبولها له ليس به بأس.

стр. 740

عمامة طالب العلم في بلد لا يتعمم أهلها السؤال في بلدي الرجال لا يلبسون شيئاً على رءوسهم، إلا الصوفية يلبسون العمائم والقلنسوة، فهل الأفضل لطالب العلم أن يلبس أو يترك رأسه مكشوفاً؟ الجواب يلبس، ولكن لا يلبس لباساً يماثل لباس المبتدعة.

стр. 741

حكم كشف الرأس في الصلاة السؤال ما حكم كشف الرأس في الصلاة؟ الجواب الأولى عدمه؛ ما دام الإنسان يعتبر أن تغطية الرأس هيئة كاملة وأنها هي الهيئة المثلى، وإذا كشف وصلى فلا شيء عليه.

стр. 742

من تتزوج المرأة في الجنة السؤال تعددت الأحاديث في بيان أن أهل الجنة لهم الحور العين، لكن إذا كانت المرأة لا تريد زوجها وتريد غيره في الجنة فكيف يكون الحال؟ الجواب المرأة في الجنة لها ما لا يخطر على بالها من النعيم ومن الخير، ثم من أين لنا أن نعرف أن المرأة لا تريد زوجها؟ فهذا الكلام افتراض باطل؛ لأنه إذا كان بينهم شيء في الدنيا من الغل فإنه ينزع يوم القيامة من قلوبهم.

стр. 743

معنى صلاة الفاتح وحكم التعبد بها السؤال أرجو من فضيلتكم تفسير صلاة الفاتح، حيث يكثر عندنا فعلها، وهل يجوز التعبد بها؟ الشيخ: صلاة الفاتح صلاة مبالغ فيها، حيث يزعمون أنها خير وأفضل من القرآن، والإنسان لا يجوز أن يتعبد بها ولا بأي شيء مبتدع، بل يتعبد بالصلوات المشروعة الثابتة في صحيح البخاري وصحيح مسلم وغيرهما.

стр. 744

شرح الأربعين النووية [٢٨] يقف المرء في دين الله تعالى أمام أمور أربعة: أولها الفرائض فيأتي بها كما أمر الله تعالى، وثانيها الحدود فلا يتجاوزها ولا يتعداها، وثالثها المحرمات فيجتنبها ولا ينتهكها، ورابعها المسكوت عنها، فلا يتكلف البحث والسؤال عنها، فإن الله تعالى ما سكت عنها نسياناً، بل رحمة بعباده.

стр. 745

شرح حديث (إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها) يقول الإمام النووي رحمه الله تعالى: [عن أبي ثعلبة الخشني جرثوم بن ناشر ﵁، عن النبي ﷺ قال: (إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدوداً فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها) حديث حسن رواه الدارقطني وغيره]. هذا الحديث في إسناده مكحول، وهو يروي عن أبي ثعلبة ولم يسمع منه، ولو سمع منه فهو مدلس، وقد روى بالعنعنة. فالحديث فيه انقطاع، ولكن جاء في معناه أحاديث، كما ذكر ذلك الحافظ ابن رجب ﵀، مثل حديث: (الحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه الله، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته). وكذلك بعضه جاءت أحاديث تشهد له، ومنها حديث: (ذروني ما تركتكم؛ فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم). وعلى هذا فيكون المعنى الذي جاء في الحديث -وإن كان الإسناد منقطعاً بين مكحول وبين أبي ثعلبة - قد جاء ما يشهد له وما يدل عليه. الحديث مشتمل على أربع جمل:

стр. 746

الفرائض ومعناها الجملة الأولى: قوله: [(إن الله فرض الفرائض فلا تضيعوها)] والفرائض هي التي فرضها الله وأوجبها، فوجوبها حتم لازم، مثل الصلوات الخمس والزكاة وصيام رمضان وحج بيت الله الحرام التي هي أركان الإسلام، فهي واجبة لازمة، وعلى المسلمين أن لا يضيعوها، بل عليهم أن يأتوا بها ويحرصوا عليها ويبتعدوا عن إضاعتها. فالفرائض التي فرضها الله وجوبها واضح وفرضها لازم يتعين على كل مسلم أن يأتي بها وأن يحذر من تضييعها، أي: التهاون بها وعدم الإتيان بها على التمام والكمال، بل عليه أن يحرص على أن يأتي بها على وجه يكون به مؤدياً للفرض والواجب.

стр. 747

الوقوف عند حدود الله الجملة الثانية: قوله: [(وحد حدوداً فلا تعتدوها)] أي: أن الله جعل للناس أموراً مشروعة منها ما هو واجب، ومنها ما هو مستحب، ومنها ما هو مباح، فعلى الناس أن يتقيدوا بها وأن يأخذوا بها، وأن لا يتجاوزها إلى الحرام، بل يكتفوا بما أحل الله عما حرم الله، ولا يتجاوزوا ذلك إلى غيره، بل يكون عملهم مبنياً على الإتيان بما شرعه الله ، سواء أكان واجباً أم مستحباً أم مباحاً، فلا تتعدى ولا تتجاوز الحدود التي شرعها الله. فقوله: [(فلا تعتدوها)] يعني: لا تتجاوزوها ولا تتعدوها، بل اقتصروا عليها وقفوا عندها ولا تتجاوزوها إلى غيرها، وهذا يتعلق بما هو مشروع ومطلوب، فإنه لا يتعدى ولا يتجاوز. وقد يأتي ذكر الحدود ويكون النهي عن قربانها ويكون المقصود بذلك المحرمات، كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة:١٨٧] فالحدود هنا محرمة؛ لأنها لا تُقرب لحرمتها، وأما إذا كانت مباحة ومشروعة فإنها لا تتجاوز، بل يوقف عندها ويستغنى بالحلال عن الحرام، ويكتفى بما أباح الله عما حرم الله.

стр. 748

الانتهاء عند انتهاك المحرمات الجملة الثالثة: قوله: [(وحرم أشياء فلا تنتهكوها)]. أي: جاء الدليل من الكتاب والسنة على تحريمها، كالخمر والميسر والزنا والربا وغير ذلك، كل هذه المحرمات لا ينتهكها الإنسان، أي: لا يقع فيها ولا يتجه إليها، بل يكون في منأىً بعيداً عنها، كما قال رسول الله ﷺ : (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه) فكل ما نهى الله وحرمه فإنه لا يجوز فعله ولا الإقدام عليه، بل يجب الحذر منه والابتعاد عنه وعدم قربانه. فقوله: [(وحرم أشياء فلا تنتهكوها)] يقابل قوله: [(أن الله فرض فرائض فلا تضيعوها)] أي: أوجب واجبات يتعين على الإنسان الإتيان بها، وهنا حرم محرمات فلا يجوز الإقدام عليها ولا يجوز الوقوع فيها.

стр. 749

حكم المسكوت عنه في الشرع الجملة الرابعة: قوله: [(وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها)] أي: أنه سكت عنها فلم يحرمها ولم يحللها، وإنما هي عفو، فالشيء الذي لم يأت ما يدل على تحريمه فالإنسان يأتي به ويفعله ولا يبحث عنه. وهذا البحث والسؤال قد يكونان في زمن النبوة، وهذا الذي تترتب عليه مضرة، بأن يوجب شيء لا يستطاع، أو يحرم شيءٌ بسببه، كما جاء في قصة الرجل الذي سمع النبي ﷺ يقول: (إن الله كتب عليكم الحج فحجوا. قال: يا رسول الله! أفي كل عام؟ فسكت الرسول ﷺ فأعاد السؤال، فقال: لو قلت: نعم لوجبت، ولو وجبت ما استطعتم، ذروني ما تركتكم؛ فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم، واختلافهم على أنبيائهم). فالله أوجب الحج، ووجوبه في كل عام لا شك أنه في غاية المشقة، فدلالة اللفظ بمجرده تدل على أنه مرة واحدة؛ لأنه لا يستطاع أن يحج الناس جميعاً في كل سنة، ولهذا قال النبي ﷺ : (لو قلت: نعم لوجبت، ولو وجبت ما استطعتم، ذروني ما تركتكم) أي: لا تسألوني مثل هذه الأسئلة التي فيها مشقة وتعسير وتشديد على الناس. وكذلك كونه يسأل عن شيء فيحرم من أجل مسألته، وقد جاء في الحديث: (إن أعظم الناس جرماً من سأل عن شيء فحرم من أجل مسألته). أما السؤال بعد زمنه ﷺ فكالأسئلة التي فيها تنطع وتكلف والناس في غنى عنها وليسوا بحاجة إليها، فلا ينبغي أن يسألوا مثل هذه الأسئلة ولا يبحثوا عنها، وإنما عليهم الانكفاف والإعراض وعدم الاشتغال بها، وعليهم الاشتغال بما يعود عليهم بالخير أما أن يشتغلوا ويعنوا بتفريع المسائل والتعمق فيها والسؤال عن أشياء ليس للإنسان أن يسأل عنها فهذا مما لا يفيد. فعلى الإنسان أن يقف عند الحرام ويجتنبه، وأما الحلال عله أن يأتي به ويقدم عليه، وما سُكِتَ عنه فإنه لا يشغل نفسه به، وما كان من أشياء ليس فيها تحريم ولا تحليل فيرجع في ذلك إلى الأصل، فما كان الأصل فيه الحل فإنه يبقى على ذلك الأصل، وما كان الأصل فيه التحريم فإنه يبقى على ذلك الأصل، ولا يُشتغل بالتكلف والتعمق في المسائل التي لا يفيد التعمق فيها، وقد جاء ما يدل على المنع من ذلك، كما في حديث: (هلك المتنطعون). وعلى هذا فهذا الحديث مشتمل على هذه الأربع الجمل: جملة تتعلق بالفرائض الواضحة المتعينة، وجملة تتعلق بما هو مشروع وسائغ، سواء أكان واجباً أم مستحباً أم مباحاً، وأنه يقتصر عليه ولا يتجاوز به الحد بحيث يتعدى، بل يوقف عنده، وجملة تتعلق بالحرام الواضح، فعلى الإنسان أن يتركه ولا يقع فيه، وجملة تتعلق بما كان مسكوتاً عنه، فإنه مما عفا الله عنه، والإنسان له أن يأخذ به؛ فإنه مما أباحه الله وأحله، ولكن لا يشغل نفسه بأمور لا ينفعه الاشتغال بها، كالتعمق والتكلف والسؤال عن أمور ليس له أن يسأل عنها، ولا يمكنه أن يصل فيها إلى جواب، وإنما عليه أن يكف عن ذلك، وأن لا يقدم عليه. هذه هي الجمل الأربع التي اشتمل عليها حديث أبي ثعلبة الخشني جرثوم بن ناشر ﵁.

стр. 750

شرح حديث (ازهد في الدنيا يحبك الله) يقول الإمام النووي رحمه الله تعالى: [عن أبي العباس سهل بن سعد الساعدي رضي الله تعالى عنه قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس. فقال: (ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس). هذا الحديث سأل فيه سائلٌ رسول الله ﷺ عن أمر إذا فعله يكتسب به محبة الله مع محبة الناس، فالرسول ﷺ أرشده إلى أن يزهد في الدنيا ليحصل محبة الله، وأن يزهد فيما عند الناس ليحصل محبة الناس. والحديث يدل على حرص أصحاب رسول الله ﵊ على الخير، ومعرفة أمور دينهم، وحرصهم على معرفة ما يجلب لهم محبة الله الذي محبته لهم فيها خيرهم وسعادتهم، ومحبة الناس التي يكون فيها السلامة من شرهم، ويكون فيها حصول ما يناسب بينه وبينهم من أمور لا يلحقه فيها ضرر، ولا يلحقه فيها مشقة، ولا يلحقه منهم ذم، بل يسلم من شرهم ويظفر بخيرهم. فالحديث يدل على حرص الصحابة ﵃ وأرضاهم على الخير، وعلى ما يجلب لهم محبة الله ومحبة الناس. والنبي ﷺ قد أوتي جوامع الكلم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فأتى بهذا الجواب المختصر الوجيه الذي فيه أن الإنسان يزهد في الدنيا فيكون ذلك سبباً في محبة الله إياه، ويزهد فيما عند الناس فيكون ذلك سبباً في محبة الناس له.

стр. 751

معنى الزهد في الدنيا الزهد في الدنيا من أحسن ما فسر به ما ذكره الحافظ ابن رجب عن أبي سليمان الداراني أنه قال: أن يترك ما يشغله عن الله . فهذا هو الزهد المحمود، أي: يترك كل ما يشغله عن الله ، وذلك فيما يتعلق بأمور الدنيا مطلقاً، فكل شيء يشغله عن الله فإنه يزهد فيه ويتركه ليحصل بذلك على ما يعود عليه بالخير وبالمنفعة. قال الحافظ ابن رجب ﵀ بعدما نقل هذا الكلام عن أبي سليمان الداراني قال: إنه حسن، وإنه يجمع ما قيل في الزهد من العبارات المتنوعة والعبارات المختلفة؛ لأنها ترجع إلى هذا المعنى، وهي كون الإنسان يترك ما يشغله عن الله . ومعلوم أن تحصيل الدنيا، وتحصيل الكفاف، وتحصيل العيش في هذه الحياة الدنيا مطلوب، وكذلك تحصيل ما يكون سبباً في نفعه لنفسه ونفعه لغيره مطلوب، لكن لا يكون ذلك مبنياً على الانشغال بالدنيا وجمعها وتحصيلها عما يعود على الإنسان بالخير، بل يكون على وجه لا يحصل به الانشغال عن الله ، فهذا هو الزهد الممدوح المحمود.

стр. 752

أثر غنى القلب والنفس في المواقف من المعلوم أن الإنسان إذا كان غني القلب والنفس فإن دنياه بيده لا في قلبه، سواء أكانت قليلةً أم كثيرة. أما إذا كانت نفسه ليست غنية فإن المال الكثير بيده لا يقنعه ولا يرضى به، ويسعى للمزيد منه، ويكون مشغولاً ومهموماً ومنشغلاً بالدنيا عن الآخرة. وأما إذا لم تشغله الدنيا عن الآخرة، وكانت الدنيا وتحصيلها من أسباب سعادته نفعه؛ فإن ذلك يكون محموداً، فقد جاء في الحديث أن ناساً من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا للنبي ﷺ : (يا رسول الله! ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم). فالأموال إذا حصلت لهم دون أن ينشغلوا بها عن الله بل كانت تحصل وتصرف بطرق مشروعة فإن ذلك يكون محموداً مفيداً، المهم أن لا يشغله ذلك عن الله . فإذا كانت الأموال تصرف في طاعة الله وفيما يعود على صاحبها وعلى المسلمين بالخير فهذا أمر محمود، ولهذا كان من أصحاب رسول الله ﷺ من عندهم المال والدنيا ولكنها ما شغلتهم عن الآخرة، بل كانوا منشغلين بالآخرة ويصرفون دنياهم وما أعطاهم الله من الدنيا فيما يعود عليهم بالخير. ويدل على ذلك قصة عثمان بن عفان ﵁ وبذله في سبيل الله، وإنفاقه للأموال في سبيل الله، ففي غزوة تبوك -وسميت العسرة- كان الناس في شدة ومشقة، وكان الفقراء يأتون إلى رسول الله ﷺ ويطلبون منه أن يحملهم فيقول: (لا أجد ما أحملكم عليه) فيرجعون وهم يبكون حزناً على ما فاتهم من الجهاد مع رسول الله ﷺ ، مع أنهم معذورون، ولهذا جاء عن النبي ﷺ أنه في طريق تبوك قال: (إن بالمدينة لرجالاً ما سرتم مسيراً، ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم، حبسهم العذر) فهم مع المجاهدين بقلوبهم وإن كانت أجسادهم باقية في المدينة، فلقد تعلقوا بالجهاد وليس عندهم القدرة التي تمكنهم من ذلك. فـ عثمان ﵁ قدم يومها ثلاثمائة بعير عليها أحلاسها وأقتابها ومتاعها في سبيل الله ، فهذا المال الكثير ما شغله عن الآخرة، بل صرفه فيما يتعلق بأمور الآخرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه. فالغنى هو غنى النفس، فإذا كانت النفس غنية فأي شيء يكون في اليد فهو كثير، وإذا كانت النفس فقيرة فالكثير في اليد لا يعتبر شيئاً ولا يقنع به صاحبه، وقد قال الرسول ﷺ : (لو كان لابن آدم واد من ذهب لتمنى ثانياً، ولو كان له واديان لتمنى ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب)

стр. 753

معنى الزهد فيما عند الناس قال ﷺ : (وازهد فيما عند الناس يحبك الناس). فالناس حريصون على ما بأيديهم وحريصون على الدنيا، والإنسان الذي يستغني عنهم يكون محبوباً عندهم، أما من الذي يشغل نفسه بما عندهم ويشغلهم فلا يعجبهم ولا يحبون ذلك منه، بل المحبوب عندهم من يستغني عنهم، وأما من يشغلهم ويتطلع إلى ما عندهم، ويتشوف إليه أو يطلبه ويلح فيه فهذا لا يعجبهم ولا يريدونه. فالنبي ﷺ أرشد إلى أن الناس يعجبهم الذي يستغني عما عندهم من المال؛ لأنهم حريصون على دنياهم، ومن يريد أن يشاركهم أو يكون له معهم نصيب أو يطلب منهم شيئاً فإن هذا غير محبوب عندهم، ولهذا فإن الشيء الذي يحبه الناس من الإنسان هو أن يستغني عما في أيديهم، وأن لا يشغل نفسه بتحصيل شيء مما في أيديهم. فالنبي ﷺ أجاب بهذا الجواب الوجيز المختصر الذي هو من جوامع كلمه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهو قوله: (ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس).

стр. 754

إثبات صفة المحبة لله تعالى وفي الحديث دليل على أن من صفات الله المحبة؛ لأنه قال: (ازهد في الدنيا يحبك الله) فالله تعالى يحب المؤمنين، ويحب المتقين، ومن صفاته المحبة، وصفاته -كما هو معلوم- تثبت على ما يليق بالله من غير اشتغال بتكييف أو تشبيه أو تعطيل أو تأويل أو تحريف بل على حد قول الله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] فتثبت الأسماء والصفات لله على ما يليق بكماله وجلاله دون أن يكون الله تعالى في شيء منها مشابهاً لخلقه، ودون أن يكون المخلوقون مشابهين لله في شيء من صفاتهم، بل صفات الله تعالى تليق بجلاله وكماله، وصفات المخلوقين تليق بضعفهم وافتقارهم. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

стр. 755

الأسئلة

стр. 756

الحكم على حديث (ازهد في الدنيا) السؤال حديث: (ازهد في الدنيا) ضعفه بعض أهل العلم، فهل لهم وجه في تضعيفه؟ الجواب الحديث له شواهد، وقد ذكرها الشيخ الألباني ﵀ في السلسلة الصحيحة برقم (٩٤٤).

стр. 757

الفرق بين الأمور المشتبهة والأمور المسكوت عنها السؤال ما الفرق بين الأمور المتشابهة والأمور المسكوت عنها؟ الجواب الأمور المتشابهة هي التي تكون محتملة للحرمة. وأما الأمور المسكوت عنها فمثلما جاء في قصة الرجل الذي سأل عن الحج، فإن الحكم هو وجوبه مرة واحدة، والسؤال عن وجوبه في كل عام من التكلف، وهو غير صحيح وغير لائق. فالمشتبه هو الذي يكون محتملاً للتحريم، فليس هو من الحرام البين ولا من الحلال البين، وإنما هو مشتبه، وهو الذي قال عنه الرسول ﷺ : (فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى). وأما المسكوت عنه فيرجع إلى أصله، فحيث يكون الأصل فيه الحل فإنه يكون حلالاً.

стр. 758

أصل الأشياء من حيث الإباحة والحظر السؤال هل الأصل في الأشياء الإباحة أو الحظر؟ الجواب هناك أشياء الأصل فيها الإباحة، مثل المأكولات والمطعومات، فالأصل في ذلك الحل إلا ما جاء فيه التحريم؛ لأن الله تعالى خلق للناس ما في الأرض، فيكون الأصل هو الحل، حتى يأتي شيء ينقل عن ذلك الأصل إلى التحريم.

стр. 759

حكم ترك اتخاذ المركب الحسن مع القدرة عليه السؤال هل ترك الإنسان أن اتخاذه مركباً حسناً وهو قادر عليه يعتبر زهداً؟ الجواب إذا كان في ذلك المركب إسراف ومباهاة فلا شك أن تركه زهد؛ لأن حصول المقصود بدون الشيء الذي فيه مباهاة وشهرة وصرف الأموال الطائلة يغني عما فوقه، والمهم أن يكون جيداً مفيداً. أما الشيء الذي فيه مغالاة ومباهاة وشهرة فهذا لا شك أنّ تركه زهد، مثل بعض السيارات التي في سعرها غلاء فاحش، وقد تأتي بقيمة عدد كثير من السيارات، فسيارة واحدة منها يساوي ثمنها ثمن عدد من السيارات، فلا شك أن هذا فيه شيء من الإسراف.

стр. 760

معنى قوله ﷺ : (لو قلت نعم لوجبت) السؤال هل معنى قول النبي ﷺ : (لو قلت: نعم لوجبت)، أنه كان له خيار في الإجابة بـ (نعم) أو (لا)؟ الجواب معلوم أنه ﷺ لا يقول: (نعم) إلا بوحي، فقوله: (لو قلت: نعم) يعني: بوحي من الله، وأن الله تعالى أوجب ذلك. وحينئذٍ فإنه يتعين عليهم ذلك ولا يستطيعونه، والله تعالى لا يكلف نفساً إلا وسعها. وإيجاب الحج في كل سنة لا شك أن فيه مشقة عظيمة مشقة من ناحية تكراره، ومشقة من ناحية اجتماعهم في ذلك المكان.

стр. 761

معنى الزهد السؤال هل الزاهد هو الذي يترك كل شيء لا يحتاج إليه؟ الجواب الزهد أحسن ما قيل فيه: أنَّه ترك الإنسان ما يشغل عن الله .

стр. 762

مثال ترك ما يشغل عن الله ﷻ السؤال ما هو مثال ترك ما يشغل عن الله ؟ الجواب مثاله: الاشتغال بالدنيا، والحرص على جلبها، والافتتان بها، بحيث ينشغل بماله وبجمعه عن الله وعن عبادته، كأن ينشغل بالدنيا عن الصلاة، بحيث يتأخر عن الصلاة أو يتكاسل عن أدائها بسبب اشتغاله بالدنيا، فإن هذا مما يشغله عن الله .

стр. 763

القرض الحسن وعلاقته بالزهد فيما عند الناس السؤال إذا أخذت القرض الحسن من أخ لك على أن ترد له هذا المال، فهل ينافي هذا العمل الزهد فيما بأيدي الناس؟ الجواب معلوم أن من الناس من يكون فيه خير، وقد يعرض على غيره أن يقرضه، فإذا كان المرء محتاجاً فالناس لا يستغني بعضهم عن بعض، وحينئذٍ يعطى له ذلك. وأما إذا كان غير محتاج، أو كان القرض ليس مما هو ضروري وإنما يراد به الدخول في مشاريع قد يربح فيها وقد يخسر، فعلى الإنسان ألا يشغل نفسه بهذه الأمور، وإنما عليه أن يسعى لتحصيل الكفاف، ولا يشغل نفسه بأمور أخرى ترهقه وتحمله ديوناً فتكون ذمته مشغولة بحقوق الناس. والاقتراض عند الحاجة جائز ولا بأس به، والحديث لا يدل على المنع وإنما يدل على حب الناس لمن يزهد فيما بأيديهم.

стр. 764

الفرق بين زهد السلف وزهد الصوفية السؤال ما الفرق بين زهد السلف وزهد الصوفية؟ الجواب زهد السلف -كما هو معلوم- مبني على الاشتغال بعبادة الله على وجه مشروع، وأما الصوفية فإنهم يشتغلون بالعبادة على وجه غير مشروع.

стр. 765

حكم الزهد السؤال هل الزهد واجب أم مستحب؟ الجواب القدر الذي الناس بحاجة إليه -سواء أكان كفافاً أم أكثر من الكفاف- مما لا يشغل عن الآخرة أمر مطلوب، ومعلوم أن الزهد ليس بواجب، ولو كان واجباً لأثم الناس، وإنما هو خلق كريم وصفة حميدة.

стр. 766

الفرق بين الزهد والورع السؤال ما الفرق بين الزهد والورع؟ الجواب الورع يتعلق بالذي فيه شبهة، فالتورع يكون عن أمور مشتبهة. وأما الزهد فليس كذلك، بل قد يكون في أمور واضحة الحل، ولكن يزهد فيها لكونها تشغل عن الله وعن طاعته، فتركها يكون حينئذٍ محموداً. فالورع يتعلق بترك المشتبهات، وأما الزهد فيكون في أمور واضحة جلية الانشغال بها قد يؤثر على عبادة الإنسان لربه فيزهد فيها.

стр. 767

الجمع بين محبة الزهد ومحبة التجمل والتزين السؤال كيف نجمع بين كون الإنسان يزهد في الدنيا وبين ما جاء في الحديث: (إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده) وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى:١١]؟ الجواب الإنسان إذا رزقه الله وأعطاه من المال ما أعطاه فإنه يظهر نعمة الله عليه، ولا يكن غير مظهر لها مع تمكنه من ذلك.

стр. 768

معنى النهي عن اتخاذ المساجد طرقاً السؤال قال ﷺ : (لا تتخذوا المساجد طرقاً إلا لذكر أو صلاة) فما معنى هذا؟ الجواب معناه: أنَّ دخولها يكون للذكر أو الصلاة، وليس للإنسان أن يتخذها طريقاً ذاهباً وآيباً، لكن قد جاء في القرآن: ﴿وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء:٤٣]. وقد جاء في الحديث في بيان أشراط الساعة: (أن يمر الرجل في المسجد لا يصلي فيه ركعتين)، والمرور هنا يفيد أنه عابر سبيل.

стр. 769

حكم إعطاء الزكاة للابن الفقير السؤال هل يجوز للأم أن تعطي زكاة الفطر لولدها المتزوج، مع العلم أن ابنها لا يعمل وليس له معونة؟ الجواب الزكاة لا تعطى للفروع ولا للأصول، وأما زكاة الفطر فيبدو أنه لا بأس بإعطائه إياها؛ لأن المقصود هو الإغناء عن السؤال في ذلك اليوم، فإذا كان فقيراً وليس عنده شيء في ذلك اليوم فإنه يعطى من صدقة الفطر، ولكن إذا كان عندها مال غير زكاة الفطر فلتعطه من مالها، ولا تعطه من الزكاة، وإن لم يكن عندها إلا هذا الصاع الزائد عن قوتها فإعطاؤها إياه لا بأس به؛ لأن المقصود به الإغناء في ذلك اليوم.

стр. 770

حكم من أنكر ثبوت صدقة الفطر ولم يخرجها السؤال رجل رفض أن يخرج زكاة الفطر، وقال: إنها لا تثبت عن النبي ﷺ . فما هو الواجب نحوه؟ الجواب أما قضية ثبوتها فهي ثابتة عن رسول الله ﷺ بالأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول ﷺ ، والواجب أن يعلم ويبين له الحديث، وإذا لم يؤدها بعد ذلك فإنها تؤخذ منه قهراً مثل الزكاة المفروضة.

стр. 771

حكم استدانة الزوجة لإخراج الزكاة السؤال هل يجوز للزوجة أن تستدين وتخرج الزكاة؟ الجواب الزوجة إذا كان عندها مال فإنها تخرج من نفس المال، وإذا كان عندها حلي فإنها تخرج من نفس الحلي، وإذا لم يكن لها مال فليس عليها أن تستدين لتزكي؛ لأن من ليس له مال فليس عليه زكاة.

стр. 772

حكم منع الرجل زوجته من إخراج زكاة الفطر بدعوى أنها لم تثبت السؤال امرأة يمنعها زوجها من إخراج زكاة الفطر ويقول: إنها لم تثبت. فماذا تعمل المرأة؟ الجواب القائل بأنها لم تثبت هو من أجهل الناس، وهل له أن يُثبت وينفي بمحض هواه؟! إن القول بعدم ثبوت زكاة الفطر لم يقل به أحد، ومن لم يبلغه دليل ثبوتها فهو معذور. أما من بلغه الحديث عن رسول الله ﷺ فيها فليس له أن يتخلف عن الأخذ به.

стр. 773

اشتقاق صفات الله تعالى من أفعاله السؤال ذكرتم أن في حديث سهل بن سعد (ازهد في الدنيا يحبك الله) دليلاً على إثبات صفة المحبة، مع أنه لم يرد في الحديث النص على الصفة، وإنما جاء ذكر الفعل، والقاعدة أن الفعل لا يشتق منه الصفة؟ الجواب الصفات كثيراً ما تأتي مأخوذة من الأفعال، مثل: ﴿يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢] و ﴿﵃﴾ [المائدة:١١٩] وهكذا، فكثير من الصفات مأخوذ من الأفعال.

стр. 774

المراد بقوله تعالى: (ثم تاب الله عليهم ليتوبوا) السؤال ما المراد بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة:١١٨] هل المراد به التوفيق من الله للتوبة؟ الجواب معناه: وفقهم الله تعالى للتوبة وتاب عليهم.

стр. 775

ما يقوله من سمع المترضي على الصحابة الكرام السؤال إذا ترضى أحد على أحد من الصحابة فسمعه سامع، فهل يؤمن السامع على هذا الترضي أم يقول هو أيضاً: ﵁؟ وهل صيغة الترضي دعاء أم خبر؟ الجواب يقول: ﵁. وهذه الجملة هي دعاء، ومثلها ﵀ و (غفر له).
следующие страницы →