حُسْنُ السَّمْتِ
فِي الصَّمْتِ
تأليف
الإمام جلال الدين عبد الرحمن السيوطي
اخْتَصَرَ فِيهِ كِتَابَ الصَّمْتِ
للإمام
أبي بكر عبد الله مُحمَّد بن عُبَيد بن سفيان القُرَشي
المعروف بابن أبي الدنيا
وزاد عليه
تحقيق ودراسة
دكتور
أحمد محمد سليمان
العلم والإيمان للنشر والتوزيع
стр. 2
إهداء
إلى روح أبي في مثواه
اللهم اغفر له خطاياه
اللهم أعطه كتابه بيمينه
اللهم لا تخزه يوم العرض عليك
آمين آمين
стр. 3
المقدمة
إن الحمد لله , نحمده , ونستعينه , ونستغفره , ونعوذ بالله من شرور أنفسنا , ومن سيئات أعمالنا , من يهده الله فلا مضل له , ومن يضلل فلا هادي له , وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له , وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: ١٠٢)
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء: ١)
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ (الأحزاب: ٧٠ - ٧١)
وبعد: الحمد لله الذي أحسن خَلْقََنا , وعدَّل خُلُقنا , ونوَّر بصائرنا , الحمد لله على نعمه المتعددة , ومننه المتجددة , نحمدك يا ربنا غير مستكثري الحمد ولا كافِّين نحمدك على نعمة اللسان فبه نشكرك , وبه نحمدك , وبه نقرأ كلامك فتُشفى صدورنا وتُروى عقولنا , ولخطر جُرم هذا اللسان نرجو منك الإعانة على ألا نستبيح به عرض أحد ولا ننهش به لحم إخواننا , ولا نتكلم إلا بما يُرضيك عنَّا, أنت ولي ذلك والقادر عليه.
واعلم أيها الإنسان أن مغبة الإفراط في ذنوب اللسان تؤول بك إلى النار , فخف من لسانك وارق به عن فتات الكلام , ولا تتكلم إلا إذا نُدِبت إلى الكلام , ولا تتكلم إلا فيما يعنيك , ولا تتكلم إلا بما لابد لك منه , فمن خاف سلم , واعلم أن باللسان قد تكفر
стр. 4
وباللسان قد تؤمن , فاحترز من اللسان , واعلم أن أول فريسة يفترسها اللسان صاحبه فلا تكن في غفلة عن هذا وضع خطر اللسان نصب عينيك.
واحذر أن تكون قتيل لسانك , فقتيل اللسان ليس شهيدًا , فلو قتلك لسانك فعقوبتك النار إلا أن يرحمك الله , فلا تكن ممن سينكبون على مناخرهم يوم القيامة.
واعلم أن اللسان زارع لسيئاتك وحسناتك , فإما أن تحصد به نار جهنم وأعوذ بالله لي ولك منها , وإما أن تحصد به نعيم الدنيا والآخرة ونسأل الله هذا.
ونصيحتي لك أخي إذا هممت بكلام ترى فيه معصية لله , أو نهش لحم أخيك , أو غير ذلك من آفات اللسان , أن تبدل هذا الكلام بذكر الله وتسبيحه , فالكلام وإن كان في بعض الأحيان ضروري , فالسكوت في كثير من الأحيان أفضل من الكلام , ولو كنت فصيحا فهذه نعمة , فلا تستخدم نعم الله عليك في غير طاعته , أَيَمُنُّ عليك بنعمه فتستبيحها في معصية من وهبك إياها؟! ولو كنت حقًّا فصيحا فعليك أن تعلم أن من الفصاحة قلة الكلام , فالعاقل الفطن من أغلق فمه وألجمه بلجام , فيا أخي لا تطلق العنان للسانك فتندم أشد الندم يوم عرضك على خالقك.
واعلم أن للسان آفات ومحاسن , فاتق آفاته وتنعم في محاسنه , فآفاته كالكذب والنميمة , والغيبة , وذكر الناس بالباطل , ورمي المحصنات الغافلات, وسب المسلم ولعنه والجدال والمراء , وغير ذلك مما يوقعك في معصية الله , فاتق هذه الآفات , ومن محاسن اللسان ذكر الله وتسبيحه , ودعوة الناس إلى الإسلام وحث المجاهدين على الحرب , وقراءة القرآن والجهر به , فعليك أن تنعم بهذه المحاسن.
ويا أخي حسن السمت في الصمت لا يعني ألا تتكلم أبدًا , بل أن تتبع قواعد الكلام وتسير على نهج نبيك ﷺ والصحابة ﵃ والسلف الصالح في الكلام.
стр. 5
وقواعد الكلام كثيرة , منها على سبيل المثال لا الحصر: ألا تتكلم إلا فيما يعنيك وتترك ما لا يعنيك , ولا تتكلم إلا عندما تٌستدعى إلى الكلام ولا تجيب إلا عندما تسأل , ولا تجيب إلا عن علم , فالسلف الصالح كانوا يميلون إلى السكوت لا إلى الكلام , بل منهم من كان يغضب عندما يسأله شخص عن مسألة هو - أي المسئول - على علم بها , أما ما نراه اليوم من لغط الكلام وكثرته على علم وبدون علم وتعدى الناس اليوم وجرأتهم على كتاب الله وسنة نبيه , فهم يفتون في الدين بغير علم ويكذبون على رسول الله وينسبون إليه أقوالًا وأحاديث وفتاوى لم تثبت عنه , فليتبوءوا مقاعدهم من النار.
كان السلف الصالح يخافون من الكلام والفتوى وهم على علم , ونحن نتكلم من غير علم - رحمنا الله وغفر لنا - ألا تعلم أنه إن كان السكوت في بعض الأحيان من الأشياء التي تندم عليها , فإن ندمك على الكلام سيكون أكبر وأعظم , بل إنك قد لا تندم على سكوتك وتندم على كلامك في كثير من الأحيان وجُلها.
أما بالنسبة لطالب العلم فإن عليه أن يميل إلى السكوت أكثر من العامة , وعليه أن يتحلى بآداب الصمت وحسن السمت أكثر من غيره , " فأدب العلم أكثر من العلم" (١) أي أن تعلم السمت الصالح في العلم أفضل من تعلم العلم نفسه , فالسلف كانوا يتعلمون من شيوخهم هديهم قبل أن يأخذوا عنهم علمهم , فكانوا إذا أتوا الرجل ليأخذوا العلم عنه نظروا إلى صلاته وسمته وهيئته ثم يأخذون عنه فعن الأعمش ﵁ ... قال: " كانوا يتعلمون من الفقيه كل شيء حتى لباسه ونعليه " (٢)
стр. 6
وعلى المتعلم بعد أن يصير عالمًا أن يٌرى حسن السمت في كل حياته وأن يتحلي به ففي شعب الإيمان " قد كان الرجل يطلب العلم فلا يلبث أن يٌرى ذلك في تخشعه وهديه ولسانه وبصره ويده " (١).
وخير من اهتدينا بهديه وسمته ودله ومشيه وحركاته ونومه وكل أفعاله نبينا ﷺ , وكانت السيدة فاطمة ﵂ وأرضاها - أقرب الناس من سمت النبي ﷺ , كما قالت السيدة عائشة أم المؤمنين ﵂ (٢).
من هنا ترجع أهمية هذا الكتاب الذي يحث فيه ابن أبي الدنيا على التحلي بالصمت وقام السيوطي ﵀ باختصاره وأضاف كثيرًا من الأحاديث والأبيات الشعرية إليه لتكتمل الفائدة , فقمت بإخراج هذا الكتاب مرة أخرى وبشكل جديد معتمدًا فيه على نسختين مخطوطتين , بعد أن أخرجه نجم عبد الحمن خلف عام ١٩٨٧ م وطبعته دار المأمون للتراث بدمشق , أما كتاب الصمت فقد حقق أكثر من مرة تحت اسم ... " الصمت وحفظ اللسان " تحقيق وتعليق محمد أحمد عاشور طبعته دار الاعتصام سنة ١٤٠٦ هـ , في ٣٦٥ ص.
ومرة تحت اسم " الصمت وآداب اللسان " دراسة وتحقيق نجم عبد الرحمن خلف طبعته دار الغرب الإسلامي سنة ١٤٠٦ هـ بيروت في ٧٥٤ ص.
وأخرى قام بتحقيقه أبو إسحاق الحويني , وطبعته: دار الكتاب العربي ١٤١٠هـ , تحت اسم "الصمت وآداب اللسان " , واعتمدت في مقابلة " حسن السمت في الصمت " بكتاب " الصمت على طبعة مؤسسة الكتب الثقافية ١٤١٤هـ - ١٩٩٣م بتحقيق: محمد عبد القادر عطا.
стр. 7
الدراسة
стр. 8
ارتكزت هذه الدراسة على عدة ركائز أساسية:
أولا: تناولت في دراستي لهذا الكتاب - بإذن الله وعونه - الحديث عن معنى السمت وكيف تكون حَسَن السمت؟ ,ومن تَحَلَّى بالسمت الحسن من الصحابة والسلف الصالح وفضيلة التحلي بالسمت الحسن والفائدة من التزامنا حسن السمت , وكيف أن الله أثنى على من حَسُنَ سمته , وذكرت ما ورد عن النبي ﷺ في حسن السمت , وكذا آراء العلماء في ذلك أيضًا , ومن اقترب سمته وهديه بالنبي ﷺ .
ثم قمت بالحديث عن منهج السيوطي في كتبه عامة , ثم في هذا الكتاب مدار التحقيق.
*وترجمت للإمامين ابن أبي الدنيا والسيوطي.
وقمت بالحديث عن الكتاب ونسبته للمصنف ووضحت رموز النسخ الخطية.
هذا ما يتعلق بالدراسة , أما عن المنهج المتبع في تحقيق المخطوطتين:
(١) -قمت بمقابلة النسخ الخطية معتمدًا على مطبوعة دار الكتب العلمية في " ب " ... و "ت" , والتي بدورها اعتمدت على مطبوعة " دار المأمون " , وفي فروق " ل" و "ط" اعتمدت على مطبوعة دار الكتب العلمية , وفي فروق " م١ " و "م٢ " اعتمدت على نسختين خطيتين الاولى التي بدار الكتب المصرية " م١ " تحت رقم (٥٣٠ مجاميع) والثانية " م٢ " وهي نسخة المكتبة الأزهرية برقم (٣٣٤ , ١٠١٣٥).
فصار تحقيقي لهذا الكتاب على ستة نسخ خطية ومطبوعتين.
وعن العمل في هامش التحقيق:
قمت بتخريج الأحاديث.
стр. 9
(١) وضعت ترجمة مختصرة لجل الأعلام الموجودة في الكتاب , موضحًا المصادر التي تكلمت عنهم والتي وردت فيها أخبارهم.
(٢) قمت بالتعليق على بعض الفوائد في الكتاب.
(٣) صححت الأخطاء التي وردت في الأحاديث والآثار معتمدا في ذلك على المصادر التي نقل عنها السيوطي.
(٤) طابقت بين متن الكتاب وكتاب الصمت لابن أبي الدنيا باعتباره الأصل الذي اعتمد عليه السيوطي.
(٥) كما قمت بتوضيح ما زاده السيوطي على كتاب الصمت.
(٦) وما يخص عملي في الأبيات الشعرية قمت بذكر المصادر التي وردت فيها ناسبًا إياها إلى قائليها , أما الأبيات التي لم أقف على قائليها تركتها دون ذكر قائلها , كما صححت الأخطاء الواقعة في هذه الأبيات من قبل الناسخ أو من قبل السيوطي نفسه.
(٧) قمت بوضع فهرسة شاملة للكتاب من آيات قرآنية إلى أحاديث نبوية وآثار إلى أعلام مرتبة ترتيبًا هجائيًّا إلى الكتب التي وردت في المتن نفسه ثم قمت بعمل فهارس للأبيات الشعرية كل حسب قافيته , ثم قمت بعمل فهارس الموضوعات.
وأرجو من الله تعالى أن ينفعنا وإياكم بهذا الكتاب وغيره من الكتب , وأرجو ممن يقرأ هذا الكتاب أن يدعو لوالدي بالجنة ﵀.
стр. 10
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
والصلاة والسلام على الهادي الأمين , المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد بن عبد الله , بعثه الله هاديًا ومبشرًا ونذيرا , وداعيًا إلى الله وسراجًا منيرا , ونسأل الله منزل الغيث , مخرج اللبن من الفرث , موزع للناس الإرث , واهب الإناث والذكور , جاعل من شاء عقيمًا أن يرحمنا ويجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
وبعد:
بدايةً أريد أن أوضح معنى حسن السمت كما ورد في كتب اللغة حتى يتيسر لنا أن نعرف مغزى الكتاب من عنوانه , كما أريد أن أوضح ثناء الله على من يتحلى بحسن السمت من الناس , وكيف وصف الله تعالى نبيه محمدًا بأنه حسن السمت , ووٌصف نبي الله يوسف بحسن السمت كما ورد في بعض كتب التفاسير وكذلك توضيح معنى الصمت
يقول ابن منظور: " السَّمْتُ: حُسْنُ النَّحْو في مَذْهَبِ الدِّينِ، والفعلُ سَمَتَ يَسْمُتُ سَمْتاً، وإِنه لحَسَنُ السَّمْت أَي حَسَنُ القَصْدِ والمَذْهَب في دينه ودنْياه" (١).
يقول الصاحب ابن عباد في معنى السمت: " السمْتُ: فِعْلُ الخَيْرِ وحُسْنُ النَحْوِ، سَمَتَ يَسْمُت ويَسْمِتُ سَمْتاً. وهو - أيضاً -: السيْرُ بالحَدْسِ والظَّنِّ. وسَمَتَ الطرِيْقَ: لَزِمَه. وتَسَمتَه: تَعَمدَه. والتسْمِيْتُ: ذِكْرُ اللهِ على الشيءِ. وسَمتَ لهم شيئاً: أي بَينَ. وفي الحَدِيث: "سَموا وسَمتُوا" أي ادْعُوا وصَلُّوا. وسَمَت الحَق: قَصَدْته (٢).
يقول الزمخشري: " خذ في هذا السمت وهو النحو والطريق، وما أحسن سمته، وقد سمت نحوه يسمت سمتاً.
стр. 11
قال:
خواضع بالركبان خوضاً عيونها ... وهن إلى البيت العتيق سوامت
وسامته مسامتة. وتسمته: تعمده وقصد نحوه " (١)
يقول الجوهري: " السَمْتُ: الطريق. وسَمَتَ يَسْمُت بالضم، أي قصد. والسَمْتُ: هيئة أهل الخير؛ يقال: ما أحسن سَمْتَه، أي هَدْيه. والسَمْتُ: السير بالظنّ والحدس. وقال:
ليس بها رِيعٌ لِسَمْت السامت وتَسَمَّتَهُ، أي قَصَدَهُ " (٢)
هذا ما ورد في كتب اللغة من معنى للسمت أما ما ورد في الكتب التي وضحت غريب الحديث وبينت ما اشتبه علينا من ألفاظ , " يقول الهروي أن السمت له معنيين: ألا وأن أولهما: أن يكون الإنسان حسن الهيئة في مذهب دينه , وليس بأن يكون حسن الهيئة في جمال شكله وحسن زينته , فحسن السمت أن يكون له هيئة أهل الخير ومنظرهم والمعنى الآخر أن السمت يعني الطريق , يقال: الزم هذا السمت , فمعنى السمت أن تلتزم طريقة أهل الإسلام وهيئتهم " (٣)
* هذا وقد أثنى الله ﵎ على السمت الحسن وعلى أهله في غيرما آية , يقول تعالى:
﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦)﴾ (الأعراف: ٢٦).
стр. 12
روى الطبري في تفسيره عن ابن عباس ﵄ بعد أن ذكر معانٍ كثيرة لمعنى قوله تعالى: " وَلِبَاسُ ٣ ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾.
" وقال آخرون: بل ذلك هو السمت الحسن. ذكر من قال ذلك: حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة , قال: حدثنا عبد الله بن داود , عن محمد بن موسى , عن الزباء بن عمرو, عن ابن عباس: وَلِباسُ التّقْوَى قال: السمت الحسن في الوجه " (١)
وروى القرطبي _ ﵀ _هذا القول أيضًا عن ابن عباس:" وقال ابن عباس: "لباس التقوى" هو العمل الصالح. وعنه أيضا: السمت الحسن في الوجه ".
فالسمت الحسن من التقوى وخشية الله فاللهم ألبسنا لباس التقوى في الدنيا واجعله سببًا من أسباب السعادة لنا في الآخرة , اللهم آمين آمين.
ووصف الله نبيه محمد ﷺ ومن معه من الصحابة بأنهم أشداء أقوياء على الكفار رحماء مع بعضهم بعضا , ووصفهم بأنهم يكثرون الركوع والسجود لله , كما وصف نبيه ووصف من معه بأنهم ممن حسُن سمتهم يقول تعالى:
﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ (سورة الفتح: ٢٩)
стр. 13
* قال الطبري في تفسيره: " وقال ابن عباس ومجاهد: السيما في الدنيا وهو السمت الحسن " (١).
* ونقل ابن كثير هذا القول عن ابن عباس أيضًا قال:
" قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄: سيماهم في وجوههم يعني السمت الحسن " (٢).
* كما وصف الله نبيه يوسف بحسن السمت كما ورد عن ابن كثير في تفسيره للآية (٣٦) من سورة يوسف , يقول تعالى:
﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣٦)﴾.
* يقول ابن كثير في تفسيره: " قال السدي: كان سبب حبس الملك إياهما أنه توهم أنهما تمالاَ على سمه في طعامه وشرابه , وكان يوسف ﵇ قد اشتهر في السجن بالجود والأمانة , وصدق الحديث , وحسن السمت , وكثرة العبادة , صلوات الله عليه وسلامه " (٣).
فحسن السمت صفة لازمة للأنبياء وصفة لازمة لمن اصطفاهم الله لهم ليؤازروهم في نشر دعوتهم فقد اشتهر الصحابة رضوان الله عليهم بحسن السمت وكان ابن أم عبد وهو عبد الله بن مسعود أقرب هؤلاء الصحابة من النبي سمتًا ودلًا كما وردت بعض
стр. 14
الأحاديث النبوية والتي فيها ذكر لحسن السمت وكيف أنه من علامات النبوة وجزءًا من أجزائها، فعن عبد الله ابن عباس ﵁ _ أنه قال:
" القصد والتؤدة , وحسن السمت , جزء من خمسة وعشرين جزءًا من النبوة " (١).
يقول هشام الأندلسي في شرحه لألفاظ هذا الحديث:
" قوله: إنه كان يقول القصد والتؤدة؛ والقصد: العدل في الأمر والتوسط فيه يقال: قصد يقصد , واقتصد يقتصد , قال تعالى " واقصد في مشيك " قال عبد الرحمن بن حسان:
على الحكم المأتي يومًا إذا قضى ... قضيّته أن لا يجور ويقصد
والتؤدة: الرفق , اتّأد: رفق.
- قوله: " وحسن السمت " السمت: الهيئة " (٢).
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابه فتح الباري: (التؤدة والاقتصاد وحسن السمت جزء من ستة وعشرين جزءًا من النبوة أي النبوة مجموع خصال مبلغ أجزائها ذلك وهذه الثلاثة جزء منها، وعلى مقتضى ذلك يكون كل جزء من الستة والعشرين ثلاثة أشياء، فإذا ضربنا ثلاثة في ستة وعشرين انتهت إلى ثمانية وسبعين فيصح لنا أن عدد خصال النبوة من حيث آحادها ثمانية وسبعون , قال - يقصد القرطبي في كتابه المفهم -: ويصح أن يسمى كل اثنين منها جزءًا فيكون العدد بهذا الاعتبار تسعة وثلاثين، ويصح أن يسمى كل أربعة منها جزءًا فتكون تسعة عشر جزءًا ونصف جزء،
стр. 15
فيكون اختلاف الروايات في العدد بحسب اختلاف اعتبار الأجزاء ولا يلزم منه اضطراب , قال: وهذا أشبه ما وقع لي في ذلك مع أنه لم ينشرح به الصدر ولا اطمأنت إليه النفس , قلت: وتمامه أن يقول في الثمانية والسبعين بالنسبة لرواية السبعين ألغي فيها الكسر وفي التسعة والثلاثين بالنسبة لرواية الأربعين جبر الكسر ولا تحتاج إلى العدد الأخير لما فيه من ذكر النصف , وما عدا ذلك من الأعداد قد أشار إلى أنه يعتبر بحسب ما يقدر من الخصال , ثم قال: وقد ظهر لي وجه آخر وهو أن النبوة معناها أن الله يطلع من يشاء من خلقه على ما يشاء من أحكامه ووحيه إما بالمكالمة , وإما بواسطة الملك, وإما بإلقاء في القلب بغير واسطة لكن هذا المعنى المسمى بالنبوة لا يخص الله به إلا من خصه بصفات كمال نوعه من المعارف والعلوم والفضائل والآداب مع تنزهه عن النقائص أطلق على تلك الخصال نبوة , كما في حديث التؤدة والاقتصاد أي تلك الخصال من خصال الأنبياء والأنبياء مع ذلك متفاضلون فيها كما قال تعالى:
﴿ ... وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ ... ﴾ (الإسراء من الآية ٥٥)
ومع ذلك فالصدق أعظم أوصافهم يقظة ومنامًا فمن تأسى بهم في الصدق حصل من رؤياه على الصدق , ثم لما كانوا في مقاماتهم متفاوتين كان أتباعهم من الصالحين كذلك وكان أقل خصال الأنبياء ما إذا اعتبر كان ستة وعشرين جزءًا وأكثرها ما يبلغ سبعين وبين العددين مراتب مختلفة بحسب ما اختلفت ألفاظ الروايات , وعلى هذا فمن كان من غير الأنبياء في صلاحه وصدقه على رتبة تناسب حال نبي من الأنبياء كانت رؤياه جزءًا من نبوة ذلك النبي ولما كانت كمالاتهم متفاوتة كانت نسبة أجزاء منامات الصادقين متفاوتة على ما فصلناه , قال: وبهذا يندفع الاضطراب إن شاء الله) (١).
стр. 16
وروى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ , قال: قال رسول الله ﷺ :
" خصلتان لا تجتمعان في منافق: حسن سمت، ولا فقه في الدين " (١).
*ووصف كثيٌر جدًّا من السلف وكثير من العلماء بحسن السمت , وذكر ذلك المترجمون والمؤرخون , وألزموا أنفسهم بذكر حسن سمتهم إن وُصِفُوا بذلك.
عبد الله بن مسعود:
ممن وصف بحسن السمت من أصحاب النبي ﷺ عبد الله بن مسعود كما ذكرت آنفًا.
فعن عبد الرحمن بن يزيد ﵀ قال: " سألنا حذيفةَ عن رجل قريب السَّمْتِ والهَدي والدَّلِّ من رسولِ الله ﷺ حتى نأخذَ عنه؟ فقال: ما أعرف أحدًا أقربَ سَمْتا وهَدْيا ودَلاّ بالنبيِّ ﷺ من ابنِ أمِّ عبد " يقصد عبد الله بن مسعود " (٢)
ويقول ابن حجر العسقلاني: " ما أعلم أحدًا أقرب سمتًا , أي: خشوعًا , وهديًا أي: طريقة ودلاً أي: سيرة وحالة وهيئة , وكأنه مأخوذ مما يدل ظاهر حاله على حسن ... فعاله " (٣).
стр. 17
ومما ورد عن النبي في فضائل ابن مسعود:
(عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِىِّ ﷺ فَقَالَ " إِنِّى لاَ أَدْرِى مَا قَدْرُ بَقَائِى فِيكُمْ فَاقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِى وَأَشَارَ إِلَى أَبِى بَكْرٍ وَعُمَرَ وَاهْتَدُوا بِهَدْىِ عَمَّارٍ وَمَا حَدَّثَكُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ فَصَدِّقُوهُ " (١).
وعبد الله بن مسعود هو ابن غافل بن حبيب من قبيلة مضر وكان سادس ستة في الإسلام وقد أرسله عمر بن الخطاب إلى الكوفة ليعلم الناس أمور دينهم , وأمرهم باتباعه وطاعته وقد شهد عبد الله بدرًا.
* السيدة فاطمة ﵂:
والسيدة فاطمة - سيدة نساء المؤمنين - كانت كذلك قريبة الشبه برسول الله ﷺ في سمته ودله وهديه , وكانت ﵍ تشبهه في مشيته , ففي الصحيحين عن مسروق عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ إِنَّا كُنَّا أَزْوَاجَ النَّبِىِّ ﷺ عِنْدَهُ جَمِيعًا، لَمْ تُغَادَرْ مِنَّا وَاحِدَةٌ، فَأَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ ﵍ تَمْشِى، لاَ وَاللَّهِ مَا تَخْفَى مِشْيَتُهَا مِنْ مِشْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا رَآهَا رَحَّبَ قَالَ " مَرْحَبًا بِابْنَتِى " .......... " (٢).
стр. 18
وروي بطريق آخر عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ:
" مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشْبَهَ سَمْتًا وَدَلاًّ وَهَدْيًا بِرَسُولِ اللَّهِ فِى قِيَامِهَا وَقُعُودِهَا مِنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ......... " (١) ١).
* وممن وُصِفَ بحسن السمت من غير الصحابة كثير أذكر بعضًا منهم مما وردت تراجمهم في كتب السير والتراجم.
* يقول الصفدي في " أعيان العصر وأعوان النصر " في ترجمته لأحمد ابن عثمان بن مفرج:
" كان حسن السمت كثير المروءة دينًا عفيفًا ".
وأيضًا في ترجمته لعبد الله بن حسن , يقول:
" وكان خيّرًا وقورًا , ساكنًا صبورًا حسن السمت لا يرى في حالة عوج ولا أمت ".
* وفي وفيات الأعيان , يقول ابن خلكان في ترجمته لشرف الدين بن منعة:
" كان إمامًا كبيرًا فاضلًا عاقلًا حسن السمت جميل المنظر " (٢).
* وفي فوات الوفيات يقول ابن شاكر الكتبي عن أبي الفضل بن النطروني:
" وكان فقيهًا مالكيًا أديبًا حسن الشيبة حسن السمت " (٣).
стр. 19
* وفي المغرب في حلي المغرب يقول ابن سعيد المغربي عن أبي عبد الله الإلبيري: ... " وكان حسن السمت جميل المذهب في قضائه " (١).
* ويقول العماد الأصفهاني في خريدته عن جمال الدين أبو العباس أحمد ابن خذداذ: " حسن السمت متكلف للصمت وضئ الوجه ".
* وفي نهاية الأرب يقول النويري عن ابن جامع:
" وكان حسن السمت كثير الصلاة ".
* فحسن السمت من الأشياء التي مدح بها الناس بعضهم بعضًا , فهي كما ذكرنا على لسان نبينا ﷺ إحدى خصال النبوة , وهي لا تجتمع مع التقوى في منافق , فالمنافق من الممكن أن يكون حسن السمت , ولكنه لا يستطيع أن يكون تقيًا لذا أقول إن حسن السمت ليس معناه حسن المظهر الخارجي إنما المعنى الحقيقي له: التقى والعفاف في الدين، والسير على طريق ونهج الإسلام.
وفي الحقيقة التمسك بالسمت الحسن ومكارم الأخلاق وعرى الإسلام من الأمور التي تميزنا عن غيرنا من أصحاب الديانات الأخرى , فكما قال الشنقيطي في تفسيره لقوله تعالى في سورة بني إسرائيل:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥)﴾ (الأنفال الآية ٤٥).
فأمره في هذه الآية الكريمة بذكر الله كثيرًا عند التحام القتال يدل على ذلك أيضاً دلالة واضحة. فالكفار خَيَّلوا لضعاف العقول أن النسبة بين التقدم والتمسك بالدين،
стр. 20
والسمت الحسن والأخلاق الكريمة ـ تباين مقابلة كتباين النقيضين كالعدم والوجود، والنفي والإثبات. أو الضدين " (١).
* حث العلماء على التزام الصمت والتحلي بحسن السمت:
وقد حث كثير من العلماء على حسن السمت , والتزام الصمت فإن ذلك من الآداب التي يجب أن يتحلى بها المسلم عامة وطالب العلم خاصة، فمن العلماء الذين حثوا على ذلك ابن عبد البر ﵀ في كتابه " جامع بيان العلم وفضله " يقول:
" وأحسن ما رأيت في آداب التعلم والتفقه من النظم ما ينسب إلى اللؤلؤ من الرجز وبعضهم ينسبه إلى المأمون , وقد رأيت إيراد ما ذكر من ذلك لحسنه , ولما رجوت من النفع به لمن طالع كتابي هذا نفعنا الله وإياه به , قال:
فالتمس العلم وأجمل في الطلب ... والعلم لا يحسن إلا بالأدب
والأدب النافع حسن السمت ... وفي كثير القول بعض المقت
فكن لحسن السمت ما حييتا ... مقارفًا تحمد ما بقيتا
وإن بدت بين الناس مسألة ... معروفة في العلم أو مفتعلة
فلا تكن إلى الجواب سابقًا ... حتى ترى غيرك فيها ناطقًا
فكم رأيت من عجول سابق ... من غير فهم بالخطأ ناطق
أزرى به ذلك في المجالس ... عند ذوي الألباب والتنافس
والصمت فاعلم بك حقًا أزين ... إن لم يكن عندك علم متقن
وقل إذا أعياك ذاك الأمر ... مالي بما تسأل عنه خبر
فذاك شطر العلم عند العلما ... كذاك ما زالت تقول الحكما
стр. 21
والصمت فاعلم بك حقا أزين ... إن لم يكن عندك علم متقن
إياك والعجب بفضل رأيكا ... واحذر جواب القول من خطائكا
كم من جواب أعقب الندامة ... فاغتنم الصمت مع السلامة " (١)
ومن جميل ما قيل من أبيات في حسن السمت والتزام الصمت وفضله , وما يضيفهما من وقار وهيبة على المتحلي بهما , تلك الأبيات التي انتقيتها حتى تثري وتؤكد على ما ذكرت من فضيلة حسن السمت والصمت نفعني الله وإياكم بهذه الأبيات وجعلنا من متخذي السمت الجميل سمة لنا , وممن يؤثرون الصمت على كثرة الكلام دون فائدة ودون علم آمين آمين , يقول الشاعر عبد اللطيف بن علي فتح الله (٢) مفتخرًا بأن حسن السمت من الصفات التي تحلى بها كل فرد في عائلته , وذيوع ذلك بين الناس , يقول:
حسن السمت شاع فينا ... مثل مسك وعنبر ثم عود
* ويقول أيضًا خليل مطران مادحًا حسن السمت:
السجية في كل نبيل مرآتها الهندام
*ويقول الشافعي ﵀ مرجحًا الصمت عن الجاهل والأحمق عن الدخول معهم في مشادة كلامية، وقديمًا قالوا: إذا أنت ناظرت العالم غلبته وإن ناظرت الجاهل غلبك ليس بعلمه وإنما بجهله , أما العالم فمناظرته ستعتمد على المنطق والعلم فمن السهل إن كنت على حق أن تقنعه بما تعلم يقول الشافعي:
قالوا سكت وقد خوصمت قلت لهم ... إن الجواب لباب الشر مفتاح
والصمت عن جاهل أو أحمق شرف ... وفيه أيضًا لصون العرض إصلاح
أما ترى الأُُسُد تُخْشَى وهي صامتة؟ ... والكلب يخسى (٣) لعمري وهو نبَّاح
стр. 22
فالشافعي ﵀ يقصد إن الصمت عن الجاهل يصون عرض وكرامة الإنسان ولا يوقعه في شماتة الشامتين , ولا يوقعه في براثن التعلق بأخطائه والتي ينتظرها الناس الطامعين في النيل منه , وشبه الشافعي السكوت عن الجاهل كالأسد الساكت فسكوته هذا يخيف الناس ويرعبهم , أما من يتكلم مع الجاهل فهو كالكلب الذي يرجمه الناس بالحجارة عندما ينبح , فيالروعة وجمال التشبيه الشافعي , وشبه الشافعي سكوته بالتجارة الرابحة , وألزم نفسه به , فهو أكثر المتاجر ربحًا - للعالم بالطبع - يقول:
وجدت سكوتي متجرًا فلزمته ... إذا لم أجد ربحًا فلست بخاسر
وما الصمت إلا في الرجال متاجر ... وتاجره يعلو على كل تاجر
* ويحذر الشافعي الناس من حصائد ألسنتهم كما حذرنا النبي من ذلك عندما حذر معاذ ﵁ من شر اللسان وقال إنه يكب الناس على مناخيرهم يوم القيامة في النار يقول الشافعي:
احفظ لسانك أيها الإنسان ... لا يلدغنك إنه ثعبان
كم في المقابر من قتيل لسانه ... كانت تهاب لقاءه الأقران
* وحسن السمت والتزام الصمت فيما لا ينفع من الأخلاق التي يجب أن يتحلى بها من يحفظ كتاب الله , فهو نبراس للآخرين فيجب أن يكون قدوة حسنة لغيره , والتزام الصمت لا يعني عدم الإجابة أو الرد على من يسألني في مسألة أنا أعلم بها , بل التزام الصمت عندما يكون جواب تلك المسألة ليس عندي , في هذه الحالة يجب التزام الصمت وأما عن حسن السمت لحامل القرآن فيعني الاهتمام بالمظهر الخارجي وكذلك الداخلي فيجب أن يكون حسن السمت أمام الله وأمام الناس , وكذلك التحلي بحسن السمت في
стр. 23
مشيته ومأكله ومشربه وكلامه وكل معاملاته مع الناس وفي ذلك يقول الآجري في كتابه "أخلاق حملة القرآن ":
" فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَاً لِقَلْبِهِ، يُعَمِّرَ بِهِ مَا خَرَبَ مِنْ قَلْبِهِ، وَيَتَأَدَّبَ بِآدَابِ الْقُرْآنِ، وَيَتَخَلَّقَ بِأَخْلاقٍ شَرِيفَةٍ، تَبِينُ بِهِ عَنْ سَائِرِ النَّاسِ مِمَّنْ لا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ.
فَأَوَّلُ مَا يَنْبَغِي لَهُ: أَنْ يَسْتَعْمِلَ تَقْوَى اللهِ فِي السِّرِ وَالْعَلانِيَةِ، بِاسْتِعْمَالِ الْوَرَعِ فِي مَطْعَمِهِ، وَمَشْرَبِهِ، وَمَلْبَسِهِ، وَمَكْسَبِهِ، وَيَكُونَ بَصِيرَاً بِزَمَانِهِ وَفَسَادِ أَهْلِهِ، فَهُوَ يَحْذَرُهُمْ عَلَى دِينِهِ، مُقْبِلاً عَلَى شَأْنِهِ، مَهْمُومَاً بِإِصَلاحِ مَا فَسَدَ مِنْ أَمْرِهِ، حَافِظَاً لِلِسَانِهِ، مُمَيِّزَاً لِكَلامِهِ إِنْ تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ بِعِلْمٍ، إِذَا رَأَى الْكَلامَ صَوَابَاً، وَإِذَا سَكَتَ سَكَتَ بِعِلْمٍ، إِذَا كَانَ السُّكُوتُ صَوَابَاً، قَلِيلَ الْخَوْضِ فِيمَا لا يَعْنِيهِ، يَخَافُ مِنْ لِسَانِهِ أَشَدَّ مِمَّا يَخَافُ مِنْ عَدُوهِ، يَحْبِسُ لِسَانَهُ كَحَبْسِهِ لِعَدُوهِ، لِيَأْمَنَ مِنْ شَرِّهِ وَسُوءِ عَاقِبَتِهِ، قَلِيلَ الضَّحِكِ فِيمَا يَضْحَكُ فِيهِ النَّاسُ، لِسُوءِ عَاقِبَةِ الضَّحِكِ، إِنْ سُرَّ بِشَيءٍ مِمَّا يُوَافِقُ الْحَقَّ تَبَسَّمَ، يَكْرَهُ الْمِزَاحَ خَوْفَاً مِنْ اللَّعِبِ، فَإِنْ مَزَحَ قَالَ حَقَّاً، بَاسِطَ الْوَجْهِ، طَيِّبَ الْكَلامِ.
لا يَمْدَحُ نَفْسَهُ بِمَا فِيهِ، فَكَيْفَ بِمَا لَيْسَ فِيهِ، يَحْذَرُ مِنْ نَفْسَهُ أَنْ تَغْلِبَهُ عَلَى مَا تَهْوَى مِمَّا يُسْخِطُ مَوْلاهُ. لا يَغْتَابُ أَحَدَاً، وَلا يَحْقِرُ أَحَدَاً، وَلا يَسُبُّ أَحَدَاً، وَلا يَشْمَتُ بِمُصِيبَةٍ، وَلا يَبْغِي عَلَى أَحَدٍ، وَلا يَحْسِدُهُ، وَلا يُسِيءُ الظَّنَّ بِأَحَدٍ إِلا بِمَنْ يَسْتَحِقُ، يَحْسِدُ بِعِلْمٍ، وَيَظُنُ بِعِلْمٍ، وَيَتَكَلَّمُ بِمَا فِي الإِنْسَانِ مِنْ عَيْبٍ بِعِلْمٍ، وَيَسْكُتُ عَنْ حَقِيقِةِ مَا فِيهِ بِعِلْمٍ) (١) ا. هـ
* هناك مسألة هامة في موضوع حسن السمت هذا ألا وهي: هل حسن السمت من الممكن أن نتعلمه؟ , والإجابة: بالطبع نعم من السهل أن تكون حسن السمت , فاتباعك لكلام النبي وهديه وسننه في الطعام والشراب وركوب الدابة والسفر والجماع والتعامل مع
стр. 24
الناس واللباس والكلام والمظهر الخارجي , كل هذا سيؤدي بك إلى أن تكون حسن السمت ... وكذلك فاتباع العلماء وملازمتهم والقرب منهم يجعلك تلتقط أشياء كثيرة تؤدي بك في النهاية إلى أن تكون ممن حسُن سمتهم , ولعلك في التزامك لأبيك - إن كان ممن اشتهر بحسن السمت - ما يضفي عليك حلة جمال السمت ويلبسك عباءته , من ذلك التزام الصحابة مثلًا لنبيهم ﷺ , فكانوا ينظرون لكل أفعاله ويقلدوها، بل وسكناته أيضًا , ولعل التزامك بحسن المظهر يدفعك إلى تحسين ما بداخلك , لذا حث العلماء على التحلي بالزي الإسلامي كارتداء الجلباب والسروال , واستعمال السواك والتطيب وإعفاء اللحية وهي من أهم الأشياء التي تضفي على صاحبها حسن السمت وقام العلامة الشنقيطي في تفسيره لقوله تعالى:
﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤)﴾ (طه: ٩٤) , يقول:
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن هارون قاله لأخيه موسى ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي ... ﴾ وذلك يدل على أنه لشدة غضبه أراد أن يمسك برأسه ولحيته وقد بين تعالى في "الأعراف" أنه أخذ برأسه يجره إليه , وذلك في قوله: ﴿ ... أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ ... ﴾ ,
وقوله: ﴿ ... وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ من بقية كلام هارون.
أي: خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل، وأن تقول لي لم ترقب قولي أي لم تعمل بوصيتي وتمتثل لأمري. تنبيه:
هذه الآية الكريمة بضميمة آية "الأنعام" إليها تدل على لزوم إعفاء اللحية، فهي دليل قرآني على إعفاء اللحية وعدم حلقها , وآية الأنعام المذكورة هي قوله تعالى: ﴿ ... وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ ... ﴾.
стр. 25
ثم إنه تعالى قال بعد أن عد الأنبياء الكرام المذكورين: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ... ﴾ , فدل ذلك على أن هارون من الأنبياء الذين أمر نبينا ﷺ بالاقتداء بهم، وأمره ﷺ بذلك أمر لنا لأن أمر القدوة أمر لاتباعه كما بينا إيضاحه بالأدلة القرآنية في هذا الكتاب المبارك في سورة "المائدة" , وقد قدمنا هناك: أنه ثبت في صحيح البخاري: أن مجاهدًا سأل ابن عباس: من أين أخذت السجدة في "ص" قال: أو ما تقرأ ﴿ ... وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ ... ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ... ﴾ فسجدها داود فسجدها رسول الله ﷺ , فإذا علمت بذلك أن هارون من الأنبياء الذين أمر نبينا ﷺ بالاقتداء بهم في سورة "الأنعام"، وعلمت أن أمره أمر لنا لأن لنا فيه الأسوة الحسنة، وعلمت أن هارون كان موفرًا شعر لحيته بدليل قوله لأخيه: ﴿ ... لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ... ﴾ لأنه لو كان حالقاً لما أراد أخوه الأخذ بلحيته ـ تبين لك من ذلك بإيضاح: أن إعفاء اللحية من السمت الذي أُمرنا به في القرآن العظيم، وأنه كان سمت الرسل الكرام صلوات الله وسلامه عليهم , والعجب من الذين مضخت ضمائرهم، واضمحل ذوقهم، حتى صاروا يفرون من صفات الذكورية وشرف الرجولة، إلى خنوثة الأنوثة، ويمثلون بوجوههم بحلق أذقانهم، ويتشبهون بالنساء حيث يحاولون القضاء على أعظم الفوارق الحسية بين الذكر والأنثى وهو اللحية , وقد كان ﷺ كثيف اللحية، وهو أجمل الخلق وأحسنهم صورة , والرجال الذين أخذوا كنوز كسرى وقيصر، ودانت لهم مشارق الأرض ومغاربها: ليس فيهم حالق.
стр. 26
نرجو الله أن يرينا وإخواننا المؤمنين الحق حقًا، ويرزقنا اتباعه، والباطل باطلً ويرزقنا ... اجتنابه " (١).
* وحب النبي ﷺ لابد وأن يتبعه العمل بما جاء , يقول محقق كتاب حقوق آل البيت لشيخ الإسلام ابن تيمية:
" وكان اجتماعه بهم, واقتداؤهم به في العمل عاملا رئيسيًّا في تحويل حبهم النفسي إلى حب عقلي وجداني بلغ قمته في قول الأنصار: " والله يا رسول الله لو استعرضت بنا هذا البحر لخضناه معك". وكانت عهودهم معه تنص على: أن يحموه مما يحمون به أنفسهم وأهليهم ... وبذلوا دماءهم تعبيرًا صادقًا عن حب الله ورسوله , وطاعة الله ورسوله ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ... ﴾ (٢) عبّروا عن حبهم بالعمل على مقتضى سنته ومقتضى القرآن لا يحيدون ولا يكسلون , وعلموا: أن الحب هو الموافقة في القول والعمل والسمت والحلية وداسوا في سبيل العمل كل زينة وكل بهرج تهواه النفس بخداعها وضلالها ومحاولتها الحيدة بصاحبها عن المنهاج السوي (٣).
* فالعمل والمظهر هما وجهان لعملة واحدة وهي حسن السمت , وهما مقترنان لا يفترقان أبدًا , يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عن كيفية أن تقتضي الصراط المستقيم:
" الصراط المستقيم: أمور باطنة، وأمور ظاهرة، وبينهما مناسبة ,ثم إن الصراط المستقيم هو أمور باطنة في القلب: من اعتقادات، وإرادات، وغير ذلك، وأمور ظاهرة: من أقوال، أو أفعال قد تكون عبادات، وقد تكون أيضاً عادات في الطعام واللباس، والنكاح والمسكن والاجتماع والافتراق، والسفر والإقامة، والركوب وغير ذلك؛ وهذه الأمور الباطنة
стр. 27
والظاهرة بينهما ارتباط ومناسبة، فإن ما يقوم بالقلب من الشعور والحال يوجب أمورًا ظاهرة، وما يقوم بالظاهر من سائر الأعمال يوجب للقلب شعورًا وأحوالاً.
الأمر بمخالفة المغضوب عليهم والضالين في الهدي الظاهر لأمور منها: إن المشاركة في الظاهر تورث تناسبًا بين المتشابهين يقود إلى الموافقة في الأخلاق والأعمال وقد بعث الله محمدًا ﷺ بالحكمة التي هي سنته، وهي الشرعة والمنهاج الذي شرعه له فكان من هذه الحكمة أن شرع له من الأعمال والأقوال ما يباين سبيل المغضوب عليهم والضالين، فأمر بمخالفتهم في الهدي الظاهر، وإن لم يظهر لكثير من الخلق في ذلك مفسدة لأمور منها:
* أن المشاركة في الهدي الظاهر تورث تناسبًا وتشاكلًا بين المتشابهين، يقود إلى موافقة ما في الأخلاق والأعمال، وهذا أمر محسوس، فإن اللابس ثياب أهل العلم يجد من نفسه نوع انضمام إليهم، واللابس لثياب الجند المقاتلة - مثلاً - يجد من نفسه نوع تخلق بأخلاقهم ويصير طبعه متقاضيًا لذلك، إلا أن يمنعه مانع.
* أن المخالفة في الهدي الظاهر توجب المفارقة وترك موجبات الغضب.
ومنها:-
* أن المخالفة في الهدي الظاهر توجب مباينة ومفارقة توجب الانقطاع عن موجبات الغضب، وأسباب الضلال والانعطاف على أهل الهدى، والرضوان، وتحقق ما قطع الله من الموالاة بين جنده المفلحين وأعدائه الخاسرين " (١).
* قلت: واعلم أخي الحبيب أن التمسك بالسمت الحسن أي سمت النبي وسمت أصحابه والتابعين لهم هو الذي سينقذك في زمن زادت فيه الفواحش والمنكرات , وعمت
стр. 28
فيه الرذيلة، بل وأصبحت أيسر من كوب الماء , فالرذيلة صارت في كل بيت , صارت أقرب إلينا من حبل الوريد , ولن ينجو منها إلا المتمسك بالسمت الصالح سمت السلف , فها هو عبد الله بن مسعود يقول:
" أنا من غير الدجال أخوف عليكم من الدجال أمور تكون من كبرائكم فأيما رجل ... أو امرأة أدرك ذلك الزمان فالسمت الأول فالسمت الأول " (١).
منهج السيوطي .
للإمام المحدث الفقيه الحافظ المفسر المؤرخ النحوي الأديب العالم الموسوعي الجليل العلامة جلال الدين السيوطي صاحب التصانيف الكثيرة والمؤلفات العديدة منهج التزم به في جٌل كتبه , ألا وهو التحقق في كل كلمة يكتبها أو ينقلها عن غيره , فالسيوطي قد عاش في عصر سادته الفوضى وساده الظلم الاجتماعي والحروب , هذا ما يتعلق بالحياتين السياسية والاجتماعية , أما ما يتعلق بالحياة العلمية فهي على النقيض تمامًا فقد ازدهرت في شتى العلوم والمعارف , كما كان قبل ذلك في العصر العباسي الثاني والذي انتشر فيه الفساد والحروب وازدهرت الحياة العلمية , ففي كثير من الأحيان يؤدي الفساد السياسي والاجتماعي إلى ازدهار الحياة العلمية , ففي الفترة العباسية المتدهورة ظهر المتنبي وأبو فراس الحمداني وابن نباتة السعدي وغيرهم من الشعراء الذين شٌهد لهم بالنبوغ الشعري, كما ظهر في هذا العصر الفضل بن العميد والصاحب بن عباد وأبو حيان وغيرهم وفي عصر السيوطي ظهر العديد من العلماء أصحاب الفضل في ازدهار العلم ليس في عصرهم فقط بل امتد فضلهم حتى الآن , من هؤلاء العلماء العالم الجليل محمد بن يعقوب الفيروزأبادي صاحب " القاموس المحيط " , والقلقشندي أبو العباس صاحب أشهر
стр. 29
موسوعة أدبية تاريخية وهو كتابه " صبح الأعشى في صناعة الإنشا " , وكذلك إمام الأئمة الحبر ابن حجر العسقلاني. الذي توفى بعد مولد السيوطي بست سنوات صاحب أفضل كتب الرجال التي اعتمد عليها الناس إلى يومنا هذا , فمن منا لا يعرف كتاب " تهذيب التهذيب " و " لسان الميزان " و " الإصابة " , ومن منا لا يعرف أفضل الشروح لصحيح البخاري وهو كتابه " فتح الباري في شرح صحيح البخاري , ومن العلماء الأجلاء أيضًا الذين عاشوا في هذا العصر ابن تغري بردي صاحب " النجوم الزاهرة في أخبار مصر والقاهرة " , وكذلك السخاوي عبد الرحمن صاحب " الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع".
فعصر عاش فيه السيوطي كهذا العصر المؤجج بالعلماء الأفذاذ والمحدثين الفقهاء أوجب عليه الدقة في كل ما يكتب , خاصة وإن عرفنا أنه كان هناك من العلماء من يتصيد له الأخطاء والسقطات وهما معاصريه السخاوي وتلميذه الذي صار على نهجه في خصومته للسيوطي وهو القسطلاني أحمد بن محمد , وتلميذه الآخر ابن الكركي إبراهيم بن ... عبد الرحمن وكانا شديدي الخصام للسيوطي ﵏.
وابن الكركي هذا خصه السيوطي برسائل مثل " طرز العمامة في التفرقة بين المقامة والقمامة " , و " الجواب الزكي عن قمامة ابن الكركي " , و " الصارم الهندي في عنق ابن الكركي ".
ومن عموم منهجه أنه عندما يكتب في علم من العلوم يكتب في شتى موضوعاته غير تارك موضوع واحد منها , فمثلًا مؤلفاته في علوم القرآن نجدها اشتملت على التفسير ... (تفسير الجلالين) الذي أكمل فيه تفسير جلال الدين المحلي الذي توفي قبل أن يتمه والتفسير بالمأثور (الدر المنثور في التفسير بالمأثور) , والتفسير بمعرفة أسباب النزول (الدر المنثور في أسباب النزول) , و (الإكليل في استنباط التنزيل) , وتناول ما وقع في القرآن
стр. 30
من متشابه (متشابه القرآن) , و (معترك الأقران في مشترك القرآن) , وألّف في مبهمات القرآن (مفحمات الأقران في مبهمات القرآن) , بل وتطرق إلى طبقات المفسرين (طبقات المفسرين).
وكذلك في علوم الحديث النبوي نجده فعل فيها مثل ما فعله مع علوم القرآن فقام بشرح كتب السنة , وانتقى منها , وتكلم عن رجال الحديث , وألف مؤلفات خاصة بالأحاديث الموضوعة , ووضع ألفية في الحديث , وكما فعل في القرآن والحديث فعل في الفقه والنحو والأدب والتاريخ والتراجم والطبقات.
فالسيوطي قد التزم بمنهج علماء الحديث وهو التدقيق في التعامل مع كلام ... النبي ﷺ وكذلك الآثار الواردة عن الصحابة والسلف الصالح.
وفي الحقيقة أن السيوطي عندما يكتب في علوم التاريخ والطبقات والتفسير والأدب والفقه واللغة , إنما يريد أن يخدم الدين وهذا هو أكثر ما يميز منهج السيوطي في كتبه وهو خدمة الدين.
ومن أهم ما يميز صاحبنا ذكره أماكن استشهاداته وإرجاع نقوله إلى الأصل الذي نقل منه. أما عن كتابنا " حسن السمت في الصمت " فقد التزم السيوطي فيه الأمانة حيث ذكر أن هذا الكتاب هو اختصار لكتاب " الصمت " الذي ألفه ابن أبي الدنيا , ولم يكتفِ السيوطي باختصاره فقط بل أضاف عليه أحاديث كثيرة وأبيات شعرية تكاد تفوق عدد ما نقله من كتاب الصمت , وفي الحقيقة اختصار السيوطي لهذا الكتاب لم يخل بمضمونه ولم يذهب برونق الكتاب , بل أضاف إليه رونقًا على رونقه , وفائدة على فائدته.
стр. 31
ترجمة الإمام: ابن أبي الدنيا (١)
اسمه ونسبه:
عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس القرشي، مولاهم البغدادي المؤدب صاحب التصانيف السائرة، من موالي بني أمية.
مولده:
ولد سنة ثمان ومائتين، وكان يؤدب غير واحد من أولاد الخلفاء كذا قال ابن الخطيب في تاريخه.
وروى ابن أبي الدنيا عن كثير منهم: ـ
إبراهيم بن دينار البغدادي، إبراهيم بن زياد، أيوب بن محمد الصالحي، بشر بن آدم البصري , أحمد بن عيسى المصري، إبراهيم بن عبد الله الهروي، زهير بن حرب، عباد ابن موسى الختلي، عبد الله بن عون، عبد العزيز بن بحر الخلال، القاسم بن عبد الجبار محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، وأبيه محمد بن عبيد بن سفيان القرشي، يوسف ابن موسى القطان، ويونس بن عبد الرحيم العسقلاني وغيرهم كثير.
стр. 32
وروى عنه: ـ
ابن ماجه في التفسير، إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد الختلي، أحمد بن محمد بن الجراح الحارث بن محمد بن أبي أسامة، أبو العلي الحسن بن محمد بن موسى بن إسحاق بن موسى الأنصاري، أبو عبد الله خلف بن محمد بن سفيان بن زياد بن عبد الله ابن مالك بن دينار، ومحمد بن يحيى بن سليمان المروزي وغيرهم كثير.
آراء العلماء فيه وثناؤهم عليه: ـ
قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: " كتبت عنه مع أبي، وسٌئل أبي عنه، فقال: صدوق".
وعن عبد المؤمن بن خلف النسفي: " سألت أبا علي صالح بن محمد عن ابن أبي الدنيا، فقال: صدوق , وكان يختلف معنا إلا أنه كان يسمع من إنسان يقال له: محمد بن إسحاق بلخي وكان يضع للكلام إسناداً وكان كذاباً، يروي أحاديث من ذات نفسه مناكير ".
وعن أبي القاسم الأزهري: " بلغني عن القاضي أبي الحسين بن أبي عمر محمد بن يوسف قال: بكرت إلى إسماعيل بن إسحاق القاضي، يوم مات ابن أبي الدنيا، فقلت له: أعز الله القاضي، فقال: رحم الله أبا بكر، مات معه علم كثير يا غلام، امض إلى يوسف حتى يصلي عليه , فحضر يوسف بن يعقوب، فصلى عليه في الشونيزية ودفن فيها".
قال أحمد بن كامل: " كان ابن أبن الدنيا مؤدب المعتضد ".
стр. 33
مصنفاته: ـ
مصنفات ابن أبي الدنيا في الزهد والرقائق وغيرها كثير منها:
القناعة، التوكل، اليقين، التوبة، الشكر، الموت، القبور، العزلة، الأخلاق ... الأحزان أخبار قريش، أخبار الأعراب، الجوع، دلائل النبوة، ذم الدنيا، ذم الشهوات ذم البخل، الزهد، الشكر، الشيب، الصمت، الصدقة، صفة النبي ﷺ صفة النار صفة الجنة عقوبة الأنبياء، الفتوى، الفرج بعد الشدة، القبور، القناعة، كرامات الأولياء المطر المنامات، مقتل الزبير، مقتل الحسين، المناسك، مكارم الأخلاق محاسبة النفس، الهم، الحزن، الهدايا، الورع، الوقف والابتداء، الوجل، اليقين.
وفاته: ـ
توفى ﵀ في سنة ثمان ومائتين هجرية.
سمت بأسماء الكتب التي تم نشرها لابن أبي الدنيا مرتبة هجائيًّا:
الإخلاص والنية:
حققه وعلق عليه إياد خالد الطباع _ دبي - مركز جمعة الماجد , سنة ١٤١٣هـ.
الإخوان:
تحقيق وتعليق محمد عبد الرحمن طوالبة؛ إشراف ومراجعة نجم عبد الرحمن خلف طبعته له دار الاعتصام سنة ١٤٠٨ هـ.
الإشراف في منازل الأشراف:
تحقيق وتعليق مجدي السيد إبراهيم طبعته له مكتبة القرآن - القاهرة , سنة ١٤١٠هـ وهناك طبعة أخرى للكتاب , تحقيق وتعليق نجم عبد الرحمن خلف طبعته له مكتبة الرشد سنة ١٤٠٠ هـ.
стр. 34
إصلاح المال:
تحقيق ودراسة مصطفى مفلح طبعته له دار الوفاء - القاهرة سنة ١٤١٠هـ
الاعتبار وأعقاب السرور والأحزان:
تقديم وتحقيق وتعليق نجم عبد الرحمن خلف طبعته له دار البشير - عمّان سنة ١٤١٣هـ.
التهجد وقيام الليل:
قٌدّم كرسالة ماجستير بتحقيق ودراسة مصلح بن جزاء بن فدغوش الحارثي، أشرف عليها عبد العزيز بن راجي الصاعدي - المدينة المنورة: الجامعة الإسلامية سنة ١٤١٢ هـ.
التواضع والخمول:
تحقيق وتعليق لطفي محمد الصغير , وأشرف عليه نجم عبد الرحمن خلف طبعته له دار الاعتصام - القاهرة سنة ١٤٠٨ هـ.
التوبة:
تحقيق مجدي السيد إبراهيم طبعته له مكتبة القرآن - القاهرة سنة ١٤١١هـ
التوكل على الله:
تحقيق وتعليق جاسم الفهيد الدوسري طبعته دار الأرقم - الكويت سنة ١٤٠٤ هـ.
وطبعته طبعة أخرى مكتبة القرآن - القاهرة تحقيق وتعليق مجدي السيد إبراهيم سنة ١٤٠٦ هـ.
حسن الظن بالله :
تحقيق مخلص محمد طبعته له دار طيبة - الرياض سنة ١٤٠٨ هـ.
وطبعته مكتبة القرآن - القاهرة سنة ١٤٠٨ هـ بتحقيق وتعليق مجدي السيد إبراهيم.
стр. 35
الحلم:
تحقيق وتعليق مجدي السيد إبراهيم طبعته له مكتبة القرآن - القاهرة سنة١٤٠٦هـ
ذم البغي:
تقديم وتحقيق وتعليق نجم عبد الرحمن خلف طبعته له دار الراية - الرياض ... سنة ١٤٠٩ هـ.
ذم الدنيا:
تحقيق وتعليق مجدي السيد إبراهيم طبعته له مكتبة الساعي- الرياض ... سنة ١٤٠٨ هـ.
ذم الغيبة والنميمة:
تحقيق وتعليق نجم عبد الرحمن خلف طبعته له دار الاعتصام - القاهرة ... سنة ١٣٩٠هـ.
ذم المسكر:
تقديم وتحقيق وتعليق نجم عبد الرحمن خلف طبعته له دار الراية - الرياض ... سنة ١٤٠٩ هـ.
ذم الملاهي:
دراسة وتحقيق محمد عبد القادر عطا - القاهرة طبعته له دار الاعتصام ... سنة ١٤٠١٧ هـ.
الرضا عن الله بقضائه:
تحقيق ضياء الحسن السلفي طبعته له الدار السلفية بومباي سنة ١٤١٠ هـ.
стр. 36
الرقة والبكاء:
تحقيق محمد خير رمضان يوسف طبعته دار الصميعي - الرياض سنة ١٤١٦هـ
الشكر لله :
راجعه وخرج أحاديثه عبد القادر الأرناؤوط طبعته له دار ابن كثير سنة ١٤٠٧ هـ.
صفة النار:
تحقيق محمد خير رمضان يوسف طبعته دار ابن حزم سنة ١٤١٧ هـ
الصمت وحفظ اللسان:
وهو الكتاب الذي لخصه السيوطي تحت اسم " حسن السمت في الصمت " طبع مرتين مرة بتحقيق وتعليق محمد أحمد عاشور وطبعته له دار الاعتصام طبعتين , الثانية منهما مزيدة ومنقحة , الأولى سنة ١٤٠٦ هـ , والثانية سنة ١٤٠٨ هـ؛ والمرة الثانية الذي حقق فيها حققه نجم عبد الرحمن خلف بعنوان " الصمت وآداب اللسان " طبعته له دار الغرب الإسلامي - بيروت سنة ١٤٠٦ هـ.
العقل وفضله:
طبع هذا الكتاب ثلاث مرات , الأولى بواسطة محمد بن زاهد الكوثري الذي عرّف الكتاب وترجم لمؤلفه وصححه وطبعته مكتبة نشر الثقافة الإسلامية.؛ والمرة الثانية بتحقيق وتعليق لطفي محمد الصغير , تخت إشراف نجم عبد الرحمن خلف وطبعته دار الراية - الرياض سنة ١٤٠٨ هـ؛ والمرة الثالثة بتحقيق وتعليق مجدي السيد إبراهيم طبعته مكتبة القرآن وكان معه كتاب اليقين لابن أبي الدنيا أيضًا سنة ١٤٠٨ هـ.
العمر والشيب:
تحقيق وتعليق نجم عبد الرحمن خلف طبعته مكتبة الرشد - الرياض ١٤١٢ هـ.
стр. 37
العيال:
تقديم وتحقيق وتعليق نجم عبد الرحمن خلف طبعته دار ابن القيم سنة ١٤١٠ هـ
الغيبة والنميمة:
تحقيق وتعليق عمرو علي عمر طبعته الدار السلفية بومباي سنة ١٤٠٦ هـ.
الفرج بعد الشدة:
تخريج وتعليق أبي حذيفة عبيد الله بن عالية طبعته دار الريان للتراث - القاهرة سنة ١٤٠٨ هـ.
قصر الأمل:
تحقيق وتعليق محمد خير رمضان يوسف طبعته دار ابن حزم- بيروت ١٤١٥هـ
قضاء الحوائج:
تحقيق وتعليق مجدي السيد إبراهيم طبعته مكتبة القرآن - القاهرة ١٤٠٦ هـ.
القناعة والتعفف:
تحقيق وتعليق مجدي السيد إبراهيم طبعته مكتبة القرآن - القاهرة ١٤٠٩ هـ.
مجابو الدعوة:
تحقيق وتعليق مجدي السيد إبراهيم طبعته مكتبة السباعي-الرياض١٤٠٧ هـ محاسبة النفس:
تحقيق وتعليق مجدي السيد إبراهيم طبعته مكتبة السباعي - الرياض ١٤٠٧ هـ.
مكارم الأخلاق:
تحقيق وتقديم وشرح جميز أبلمي - فيسبادن توزيع فرانز شتاينر - ألمانيا سنة ١٣٩٣ هـ وحقق مرة أخرى بتحقيق وتعليق مجدي السيد إبراهيم طبعته مكتبة القرآن - القاهرة سنة ١٤١٠ هـ.
стр. 38
مكائد الشيطان:
تحقيق وتعليق مجدي السيد إبراهيم طبعته مكتبة القرآن -القاهرة ١٤١١ هـ.
من عاش بعد الموت:
تحقيق عبد الله محمد الدرويش طبعته عالم الكتب - بيروت سنة ١٤٠٦هـ. وهناك طبعة أخرى بتحقيق ودراسة وتعليق مصطفى عاشور - القاهرة طبعته مكتبة القرآن ١٤٠٩ هـ.
المنامات:
تحقيق وتعليق مجدي السيد إبراهيم طبعته مكتبة القرآن - القاهرة ١٤٠٩ هـ.
الهم والحزن:
تحقيق مجدي فتحي السيد طبعته دار السلام - القاهرة ١٤١٢ هـ.
الهواتف:
تحقيق وتعليق مجدي السيد إبراهيم طبعته مكتبة القرآن - القاهرة ١٤٠٨ هـ.
اليقين:
تحقيق أبي هاجر محمد السعيد بن بسيوني زغلول طبعته دار الكتب العلمية - بيروت سنة ١٤٠٧ هـ؛ وهناك طبعة أخرى وتحقيق وتعليق مجدي السيد إبراهيم طبعته مكتبة القرآن - القاهرة سنة ١٤٠٨ هـ طبع مع كتاب " العقل وفضله ".
стр. 39
ترجمة جلال الدين السيوطي
هو عبد الرحمن بن الكمال أبي بكر بن محمد بن سابق الدين بن الفخر عثمان ابن ناظر الدين محمد بن سيف الدين خضر بن نجم الدين أبي الصلاح أيوب بن ناصر الدين محمد بن الشيخ همام الدين الهمام الحضيري الأسيوطي " (١).
هذا اسمه كما ذكر هو في كتابه حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة والحضيري نسبة إلى محلة بغداد في الجانب الشرقي وتعرف بسوق حضير، والأسيوطي نسبة إلى أسيوط وهى مدينة غرب النيل بصعيد مصر وكذلك نٌسب فقيل: السيوطي , فذكر بعضهم السيوطي والبعض الآخر الأسيوطي.
مولده: -
ولد في ليلة الأحد من مستهل رجب سنة تسع وأربعين وثمان مئة (٨٤٩ هـ).
نشأته:
نشأ السيوطي يتيمًا , حفظ القرآن وهو في سن ثماني سنوات وحباه الله بذكاء وسرعة تفكير وسرعة تعلم مما جعله إماماً من أئمة الدين في عصره، فتعلم النحو والفقه والفرائض. كيف لا؟!! وقد نشأ السيوطي في بيت علم , فجده الأعلى كما يقول هو في ترجمته لنفسه: " همام الدين " كان من أهل الحقيقة ومن مشايخ الطريقة " , أما من دونه " كانوا من أهل الوجاهة والرياسة , منهم من ولي الحكم ببلده , ومنهم من ولي
стр. 40
الحسبة بها , ومنهم من كان تاجرًا في صحبة الأمير شيخون وبنى مدرسة بأسيوط ووقف عليها أوقافًا ".
أما والده فيقول عنه في كتابه " التحدث بنعمة الله " (١): " والدي هو الإمام العلامة ذو الفنون الفقيه الفرض الحاسب الأصولي الجدلي النحوي التصريفي البياني البديعي المنشئ المترسل البارع كمال الدين أبو المناقب ..... ".
ويقول عن مصنفات والده في نفس الكتاب: " وللوالد تعاليق وفوائد ضاعت، ولم أقف عليها , ومما رأيته من تعاليقه حواش على " شرح الألفية " لابن المصنف وصل فيها إلى الإضافة , وهى الآن في خزانة سلطان العصر قانصوه الغوري , وحاشية على " العضد " ورسالة في إعراب قول " المنهاج " , توفى أبوه بذات الحبن وقت أذان العشاء لليلة الاثنين من صفر سنة خمسة وخمسين وثمانمائة , وكان أبوه يختم القرآن في كل أسبوع مرة.
شيوخه: ـ
شيوخ السيوطي بلغت ست مئة شيخ ذكر ذلك تلميذه الشعراني في طبقاته الصغرى, أما أسماء شيوخه إجازة وسماعاً بلغوا إحدى وخمسين نفسًا ولعل أبرز شيوخه كما ذكر هو في كتابه حسن المحاضرة عندما ترجم لنفسه: ـ
(١) - تقي الدين الشمني الحنفي المتوفي سنة (٨٧٢ هـ):
لازمه أربع سنوات وكتب له تقريظًا على شرح ألفية ابن مالك وعلى جمع الجوامع.
(٢) - محيي الدين الكافيجي المتوفي سنة (٨٧٩ هـ):
لزمه أربع عشرة سنة وأخذ عنه علوم التفسير والأصول والعربية والمعاني وغير ذلك