Полный текст (761 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
شرح ألفية ابن مالك [١]
علم النحو من العلوم الضرورية للمحافظة على اللغة العربية، ومن أحسن المنظومات المؤلفة فيه ألفية ابن مالك ﵀، فإنها جمعت مقاصد النحو وبينت مسائله، فمن تعلمها وأتقنها بلغ الغاية في هذا العلم.
стр. 2
مقدمة في فوائد علم النحو ونشأته
قال محمد هو ابن مالك أحمد ربي الله خير مالك مصلياً على النبي المصطفى وآله المستكملين الشرفا وأستعين الله في ألفيه مقاصد النحو بها محويه تقرب الأقصى بلفظ موجز وتبسط البذل بوعد منجز وتقتضي رضا بغير سخط فائقة ألفية ابن معط وهو بسبق حائز تفضيلا مستوجب ثنائي الجميلا والله يقضي بهبات وافره لي وله في درجات الآخره
стр. 3
أهمية علم النحو
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
نبدأ هذه الجلسات في النحو بألفية ابن مالك، وهي وإن كانت منتهى الطلب في النحو، لكن نظراً إلى أنكم والحمد لله قد أخذتم من النحو شيئاً كثيراً جعلناها هي المبتدأ.
والحقيقة أن علم النحو مهم جداً لما فيه من الفوائد الكثيرة.
فمن فوائده تقويم اللسان وتقويم البنان، أي: تقويم اللسان عند النطق، وتقويم البنان عند الكتابة.
والنطق وإن كان الناس يتخاطبون فيما بينهم باللغة العامية فيعذرون؛ لأنك لو أردت أن تخاطب العامي باللغة العربية الفصحى لقال: هذا رجل أعجمي! لأنه لا يفهم اللغة العربية الفصحى إلا من ندر، لكن الكتابة التي يكون بالنحو تقويمها هي المهمة بالنسبة لطلبة العلم؛ لأن بعض الطلبة يكتب ما يكتب من الجواب على الأسئلة أو البحوث فتجد عنده من اللحن ما تكاد تقول: إنه في أول الدراسة، مع أنه قد يأخذ الشهادة العالية بعد شهر أو شهرين، وهذه محنة لما نعيشها اليوم.
وبعض الطلبة إذا تكلم في الحديث أو تكلم في الفقه أو في التفسير وجدت كلامه جيداً، لكن عندما يكتب تجد عنده أخطاء، ربما يقول: باضت الدجاجةَ البيضةُ، فيجعل الدجاجة بيضة للبيضة، وتجد أشياء غريبة.
لهذا أرى أنه يتعين على الطلبة الآن أن يتعلموا النحو وأن يمرنوا ألسنتهم وأقلامهم عليه حتى لا تسوء سمعتهم بين الناس.
ومن فوائد علم النحو: أنه يعين على فهم الكتاب والسنة؛ لأنه يعرف به الفاعل من المفعول به، ويعين على فهم المعنى، فكم من آية اختلف المعنى بإعرابها، فمثلاً قال تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة:٦] أو (وأرجلِكم) فيختلف المعنى باختلاف الإعراب.
﴿اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ﴾ [النساء:١] أو (والأرحامِ) فيختلف المعنى، فأنت إذا فهمت النحو أعانك على فهم المعنى، حتى تُنَزِّل الآيات والأحاديث على المراد بها.
ومن فوائد علم النحو: إحياء اللغة العربية الفصحى، ولاشك أن إحياء اللغة العربية الفصحى وانتشارها بين الناس يؤدي إلى أن يسهل فهم الكتاب والسنة على كثير من الناس.
وبهذا نعلم أن من قام بنشر اللغة غير العربية بين العامة فقد جنى على نفسه وعلى لغته وعلى من علمه تلك اللغة، نسمع أن من سفهائنا من يعلم صبيانه بدلاً من أن يقول: إذا دخلت على بيت أو على جماعة فقل: السلام عليكم، وإذا أردت أن تنصرف فقل: السلام عليكم؛ يقول: إذا دخلت فقل: باي باي! أو إذا انصرفت فقل: باي باي! سبحان الله! عندك لغة عربية ودعاء بالسلام فتجعل هذا الشيء بدلاً منه؟! فلهذا أقول: إن تعلم اللغة العربية يؤدي إلى سهولة التخاطب بها، والتخاطب بها يعين الإنسان على معرفة الكتاب والسنة.
стр. 4
نشأة علم النحو
وعلم النحو إنما احتاج الناس إليه حين بدأ اللسان يختلف، ويقال: إن أول من ابتكره أبو الأسود الدؤلي في زمن علي بن أبي طالب ﵁، وذلك حينما دخل على ابنته وهي مضطجعة على فراشها تنظر إلى السماء وإلى المصابيح في الدجى، فقالت: يا أبت، ما أحسنُ السماء؟ فأجابها: نجومها.
لأن قولها: ما أحسنُ السماء، يعني: أي شيء أحسن في السماء؟ فقال: نجومها، وهي لا تريد هذا، إنما تريد أن تتعجب من حسن السماء، فقالت: لست أريد هذا، إنما أريد أن أتعجب من حسنها.
قال: يا بنية! افتحي فاك فقولي: ما أحسنَ السماءَ! لأنها إذا قالت: ما أحسنَ السماء! صارت الجملة جملة تعجب، وهذا هو المراد.
فذهب أبو الأسود الدؤلي إلى علي بن أبي طالب ﵁ وأخبره الخبر، وكأنه يقول: أدرك الناس لا يفسد لسانهم، فوضع له شيئاً من القواعد وقال له: انح هذا المنحى، فسمي علم النحو.
وعلم النحو وعلم الصرف صنوان يكمل أحدهما الآخر، لكن الناس إلى علم النحو أحوج منهم إلى علم الصرف؛ لأن علم النحو هو الذي تتغير به الكلمات كثيراً، وعلم الصرف تبقى الكلمة على ما هي عليه في اللغة لا تتغير سواء كانت فاعلاً أو مفعولاً أو مجروراً، لكن علم النحو هو الذي يكثر فيه التغيير، ولهذا كانت حاجة الناس إليه أعظم من حاجتهم إلى علم الصرف.
стр. 5
مدرسة الكوفة ومدرسة البصرة والأرجح منهما
وقد كان هذا العلم علماً مستقلاً، وكما نعلم أن الشيء أول ما يخرج يكون ضعيفاً، ثم انتشر بين العلماء وصار له أئمة ومشايخ وأتباع، وصار فيه مناظرات ومجادلات كثيرة، وانقسم العلماء فيه إلى قسمين: علماء الكوفة وزعيمهم الكسائي، وعلماء البصرة وزعيمهم سيبويه، ولكل منهم نظرات في علم النحو، وغالب ما يذهب إليه البصريون التقعيد والحفاظ على القواعد، وأما الكوفيون فهم يتساهلون في هذا الباب، وأنا إلى رأيهم أميل مني إلى رأي البصريين.
فأقول: القاعدة عندي: إذا اختلف الكوفيون والبصريون في مسألة فاتبع الأسهل فإنه أسهل، أي: ليس فيه تعقيد؛ لأن هذا ليس أمراً شرعياً يثبت بالأدلة الشرعية حتى ننظر ونتعب، فمادام هذا جائزاً عند جماعة من العلماء فلنتبعه، وتتبع الرخص في هذا الباب جائز ولا حرج فيه؛ لأن تتبع الرخص في هذا الباب أسهل، وسيمر بنا إن شاء الله تعالى مسائل كثيرة نجد أن البصريين فيها متشددون وأن الكوفيين متساهلون.
وإذا رأيتم أن نقرأ المقدمة -لأن فيها فائدة- فهو حسن.
стр. 6
التعريف بابن مالك وألفيته
стр. 7
الحياة العلمية في عصر ابن مالك
[بسم الله الرحمن الرحيم.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ﵌، وبعد.
مقدمة: الحالة العلمية في عصر ابن مالك.
يمتاز عصر ابن مالك بكثرة ما ألف فيه من كتب في مختلف العلوم والفنون، ويرجع ذلك إلى ما كان يغدقه الملوك على العلماء من المال، وإلى ما كان للعلماء من المنزلة الرفيعة والتوقير لدى السلاطين والحكام، وإلى ما كان من رغبة بعض هؤلاء الملوك في إنشاء الخزانات الخاصة وحمل العلماء على تأليف الكتب برسمها.
هذا إلى كثرة إنشاء المدارس وإقبال الطلاب عليها، هذه الحالة التي جعلت العلماء ينكبون على التأليف والتدوين حتى كان ما ألفوه أعظم ثروة علمية للغة والدين والآداب.
ولعل كثرة إنشاء المدارس وإقبال الطلاب عليها وتخصيص المدرسين لها؛ لعل ذلك كان سبباً في أن يصبح التعليم صناعة خاصة تحمل العلماء على التفكير في تسهيل العلم على طلابه، وتيسير السبيل عليهم للإحاطة بشوارده، ولعله كان سبباً في أَنْ أكثرَ العلماءُ من نظم العلوم المختلفة، بل من نظم المنظومات المختلفة في العلم الواحد، فإنه من الثابت أن النظم أسرع في الحفظ وأبقى في الذهن من النثر.
وإذا علمت أن ابن مالك أندلسي المولد والنشأة، وأن أهل الأندلس إذ ذاك أشد أهل الأرض حباً للعلم وتفانياً في تحصيله وتوقيراً لأهله، وأن ابن مالك ميال بطبعه إلى النظم فلم يكن يعاني في قوله مشقة، ولا يصادفه في إنشائه عنت؛ إذا عرفت ذلك أمكنك أن تدرك السر فيما وصل إليه ابن مالك من العلم والفضل].
стр. 8
ترجمة ابن مالك ناظم الألفية
[هو الإمام أبو عبد الله محمد جمال الدين بن عبد الله بن مالك الطائي نسباً الجياني منشأً الدمشقي إقامة ووفاة الشافعي النحوي.
ولد ﵀ سنة (٦٠٠هـ) بجيان إحدى مدن الأندلس، ثم رحل إلى دمشق واستزاد فيها من العلم، وأقام بها مدة يصنف ويشتغل بالتعليم حتى أدركته منيته لاثنتي عشرة خلت من شعبان سنة (٦٧٢هـ.
стр. 9
مشايخ ابن مالك
[مشايخه: ابتدأ ابن مالك حياته بالأندلس، فأخذ عن شيوخه ما أخذ، وكانت دمشق مركزاً علمياً يحج وتضرب إليه آباط الإبل].
قوله: (يحج) يعني: يقصد، فالحج هنا يراد به المعنى اللغوي.
[فسمت بـ ابن مالك همته إلى ورود منابعها الصافية، فرحل إليها وأخذ عن أئمتها، وكان من مشايخه فيها وفي الأندلس مكرم وأبو صادق الحسن بن صباح، وأبو الحسن السخاوي.
وممن أخذ عنهم العربية بجيان: أبو المظفر ثابت بن محمد بن يوسف بن خياط الكلاعي من أهل لبلبة، وقرأ كتاب سيبويه على أبي عبد الله بن مالك المرشاني.
ومن مشايخه أيضاً: ابن يعيش شارح المفصل، وتلميذه ابن عمران، وتلميذه ابن عمرون، ويقال إنه جلس عند أبي علي الشلوبين بضعة عشر يوماً، ونقل التبريزي في أواخر شرح الحاجبية أنه جلس في حلقة ابن الحاجب واستفاد منه، وأخذ القراءة عن أبي العداس أحمد بن نوار وأتقنها حتى صار إماماً فيها، وصنف فيها قصيدة دالية مرموزة في قدر الشاطبية.
стр. 10
تلاميذ ابن مالك
[تلاميذه: وتخرج به جماعة منهم الإمام النووي، وروى عنه ولده بدر الدين محمد وشمس الدين بن جعوان، وشمس الدين بن أبي الفتاح، وابن العطار، وزين الدين أبو بكر المزي، والشيخ أبو الحسين اليويني شيخ المؤرخ الذهبي، وأبو عبد الله الصيرفي، وقاضي القضاة بدر الدين بن جماعة، وشهاب الدين بن غانم وناصر الدين بن شافع، وخلق سواهم.
وروى عنه الألفية شهاب الدين محمود، ورواها الصفدي خليل عن شهاب الدين محمود قراءة، ورواها إجازة عن ناصر الدين شافع بن عبد الظاهر، وعن شهاب الدين بن غانم بالإجازة عنهما عنه].
стр. 11
أخلاق ابن مالك
[أخلاقه: كان على جانب عظيم من الدين والعبادة وكثرة النوافل وحسن السمت، وكمال العقل والعفة.
ومن مظاهر إخلاصه لله في عمله ما قيل من أنه كان يخرج على باب مدرسته ويقول: هل من راغب في علم الحديث أو التفسير أو كذا أو كذا، قد أخلصتها من ذمتي، فإذ لم يجد قال: خرجت من آفة الكتمان.
وكان سليم الخلال رزيناً حيياً وقوراً، جم التواضع على كثرة علمه، شغوفاً بالإفادة شديد الحرص على العلم والتعليم.
كان إماماً فذاً في علوم العربية، فقد صرف همته إلى إتقان لسان العرب حتى بلغ فيه الغاية وأربى على المتقدمين، وكان إليه المنتهى في اللغة، وكان في النحو والتصريف البحر الزاخر والطود الشامخ حتى كانت شهرته على الخصوص بهما، وجل تأليفه فيهما.
ومن رسوخ قدمه في النحو أنه كان يقول عن ابن الحاجب وهو أحد أئمة العربية: إنه أخذ نحوه عن صاحب المفصل وصاحب المفصل نحوي صغير.
وإذا علمت أنه يقول هذا في حق الزمخشري وهو إمام عصره في اللغة والنحو والبيان والتفسير والحديث، وكانت تشد إليه الرحال في كل فن منها؛ إذا علمت هذا علمت مقدار علم ابن مالك وفضله.
وكان في الحديث واسع الاطلاع، وكان أكثر ما يستشهد بالقرآن، فإذ لم يكن فيه شاهد عدل إلى الحديث، وإن لم يكن فيه شاهد عدل إلى أشعار العرب، وقد اعترف له فضلاء زمانه بالتقدم والفضل، فكان إماماً في العادلية، وكان إذا صلى فيها يشيعه قاضي القضاة شمس الدين بن خلكان إلى بيته تعظيماً له].
стр. 12
مؤلفات ابن مالك
[مؤلفاته: ألف ابن مالك كتباً كثيرة: منها: ألفية ابن مالك، وسماها الخلاصة، وإنما اشتهرت بالألفية لأنها ألف بيت، جمع فيها مقاصد العربية من نحو وصرف.
ثانياً: تسهيل الفوائد وتمهيد المقاصد.
وهو مختصر كتاب له اسمه: كتاب الفوائد في النحو.
ثالثاً: لامية الأفعال، أو كتاب المفتاح في أبنية الأفعال، ويقال لها لامية ابن مالك.
رابعاً: الكافية الشافية، وهي أرجوزة في النحو في ألفين وسبعمائة وسبعة وخمسين بيتاً، ومنها لخص ألفيته هذه.
خامساً: عدة الحافظ وعمدة اللافظ في النحو.
سادساً: سبك المنظوم وفك المختوم في النحو.
سابعاً: إيجاز التعريف في علم التصريف.
ثامناً: شواهد التوضيح وتصحيح مشكلات الجامع الصحيح.
تاسعاً: كتاب العروض.
عاشراً: تحفة المودود في المقصور والممدود.
وهي قصيدة همزية جمع فيها الألفاظ التي آخرها ألف تشتبه أن تكون مقصورة أو ممدوة.
الحادي عشر: الألفاظ المختلفة، مجموع مترادفات.
الثاني عشر: الاعتضاد في الفرق بين الصاد والضاد، قصيدة مشروحة.
الثالث عشر: الإعلام بمثلث الكلام.
أرجوزة في نحو ثلاثة آلاف بيت، ذكر فيها الألفاظ التي لكل منها ثلاثة معان باختلاف حركاتها، ورتب تلك الألفاظ على الأبجدية، فهي كالمعجم للمثلثات].
стр. 13
الكلام على الألفية
[الألفية: تقدم ابن مالك في عمل ألفية نحوية ابن معط، ثم جاء ابن مالك فنظم ألفيته هذه، وفيها يقول: فائقة ألفية ابن معط.
وتمتاز ألفية ابن مالك عن ألفية ابن معط بأنها من بحر واحد هو كامل الرجز، وتلك من السريع والرجز، وأنها أكثر أحكاماً منها.
وللجلال السيوطي ألفية زاد فيها على هذه كثيراً، وقال في أولها: فائقة ألفية ابن مالك].
لكن السيوطي ﵀ يقول: فائقة ألفية ابن مالك لكونها واضحة المسالك وليست أوضح من ألفية ابن مالك، فهي لا تكاد يفهم منها شيء.
وللأجهوري المالكي ألفية زاد فيها على السيوطي وقال: فائقة ألفية السيوطي.
والذي نستطيع أن نقوله: إن ألفية ابن مالك هي التي كتب لها البقاء وعم الانتفاع بها، فهي مراد لكل مريد للعربية، وهي التي تناولها كثير من العلماء بالشرح والتبسيط والتوضيح.
стр. 14
شراح الألفية
[شراح الألفية: حازت ألفية ابن مالك عناية الكثيرين من أئمة النحو، فتناولوها بالشرح والتفسير، ومن شراحها المؤلف وابنه بدر الدين محمد وبرهان الدين إبراهيم الأبناسي الهاشمي، وبهاء الدين بن عقيل، والشيخ عبد الله الأودكاوي وبدر الدين الحسن المصري المعروف بـ ابن أم قاسم، ونور الدين أبو الحسن الأشمورني، والمختار بن بونه، وزين الدين عبد الرحمن المعروف بـ العيني، وأبو زيد عبد الرحمن المكودي، وأبو محمد القاسم الرعيني الأندلسي، وشمس الدين أبو عبد الله الهواري الأندلسي وغيرهم].
وأكثر شروحها ذيوعاً وانتشاراً شرح ابن عقيل وشرح الأشموني.
أما أوضح المسالك فليس بشرح؛ لأنه لا يذكر الأبيات ويشرحها.
قرأنا المقدمة، وكان مما مر علينا أن من تلاميذ ابن مالك النووي ﵀، وقد ذكر بعض العلماء أن قول ابن مالك في باب المبتدأ والخبر: (ورجل من الكرام عندنا) يقصد به النووي، وذكر النووي ﵀ في باب صفة الصلاة عند الكلام على حكم الكلام في الصلاة؛ ذكر ابن مالك ووصفه بأنه: (شيخنا الذي انتهت إليه في عصرنا الإمامة في اللغة العربية) فأثنى عليه كثيراً، وهذه شهادة من النووي ﵀ لـ ابن مالك.
стр. 15
تعريف علم النحو وحكم تعلمه
يقول: (قال محمد هو ابن مالك إلى آخره).
أولاً: لابد أن نعرف علم النحو، وهو: علم يعرف به أحوال أواخر الكلم من حيث الإعراب والبناء.
وحكم تعلمه: أنه فرض كفاية.
وهو مهم ولاسيما في عصرنا هذا، حيث إن الكثير من الطلبة لا يفهمون عن الإعراب شيئاً.
وعلم النحو سهل صعب، فهو في ابتدائه صعب، لكن الإنسان إذا فهم قواعده صار سهلاً ويسيراً عليه، ولهذا يقال: إن النحو سهل لكن بابه حديد، إذا دخلت من هذا الباب فلن يبقى أمامك شيء يشق عليك، لكن ادخل الباب ولا تيأس فهو سهل.
ثم إنه مما يسهل النحو أن الإنسان يجد التمارين فيه في كل ما ينطق به، فكل كلمة أو جملة تقولها أو تسمعها أو تقرؤها فهي تمرين على النحو، فهو لا يحتاج إلى تكلف أمثلة وصعوبة، ولهذا لا يكون صعباً على من أراده بجد.
стр. 16
شرح مقدمة الألفية
стр. 17
من هو ابن مالك
[قال محمد هو ابن مالك أحمد ربي الله خير مالك] (قال محمد) القول لابد له من قائل ومقول، فالقائل هنا صرح به المؤلف: (قال محمد)، والمقول هو الألفية كلها، ولهذا نقول في الإعراب: قال: فعل ماض.
ومحمد: فاعل، وجملة (أحمد ربي إلى آخر الكتاب وهو قوله: وآله الغرام الكرام البرره وصحبه المنتخبين الخيره).
كل هذه جملة واحدة تعتبر مقول القول في محل نصب.
وقوله: (هو ابن مالك) الجملة تفسير أو في محل نصب على الحال، أي: مبيناً أنه ابن مالك، ومالك هو اسم جده، لكنه اشتهر به، واسم أبيه عبد الله، ويجوز للإنسان أن ينتسب إلى من اشتهر به مع العلم بأبيه الأدنى، كما قال النبي ﵊ في غزوة ثقيف (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب) لأن عبد المطلب أشهر من ابنه عبد الله، فهنا ابن مالك اشتهر بهذا الاسم محمد بن مالك وإلا فهو محمد بن عبد الله.
стр. 18
معنى الحمدلة
قوله: (أحمد ربي الله خير مالك): أحمد: فعل مضارع يدل على التجدد؛ لأن الحمد فعل يحدثه الإنسان بلسانه.
والحمد: هو وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم.
فقولنا: (وصف المحمود بالكمال) خرج به الذم الذي هو مقابل المدح.
وقولنا: (مع المحبة والتعظيم) خرج به المدح؛ لأن المدح قد يقترن به حب التعظيم وقد لا يقترن به، فمن مدح ملكاً من الملوك لينال منه جائزة فإن هذا لا يكون حمداً إلا إذا كان في قلب المادح حب وتعظيم لهذا الملك، أما إذا كان يحب أن يقضم الملك بنواجذه لكن اضطر إلى مدحه ليأخذ من جائزته فهذا لا يسمى حمداً، وإنما يسمى مدحاً.
وقد ذكر ابن القيم ﵀ في كتابه بدائع الفوائد -الذي هو اسم على مسمى (بدائع)، فهو يبحث في ما يعن له في خاطره من غير ترتيب، لكنه يبحث أحياناً بحوثاً لا تكاد تجدها في غيره- بحث عن الفرق بين الحمد والمدح بحثاً عظيماً، وقال: كان شيخنا إذا تكلم في هذا الباب أتى بالعجب العجاب.
وشيخه هو ابن تيمية، ولكنه كما قيل: تألق البرق نجدياً فقلت له إليك عني فإني عنك مشغول أي أنه ﵀ مشغول عن مباحث النحو وما يتعلق به بأمور أهم؛ بمجادلة الفلاسفة والمتكلمين والمنطقيين وغيرهم.
وقد جرى بينه وبين أبي حيان الإمام المشهور في النحو في مصر مناظرة في مسائل نحوية، وكان أبو حيان يعظمه ويجله وقال فيه قصيدة عصماء منها: قام ابن تيمية في نصر شرعتنا مقام سيد تيم إذ عصت مضر وسيد تيم هو أبو بكر ﵁، وعصيان مضر كان في الردة.
ولما قدم شيخ الإسلام إلى مصر وجرت بينه وبين أبي حيان مناظرة في النحو، واحتج أبو حيان على شيخ الإسلام بما في كتاب سيبويه، وقال: إن ما ذكرته مخالف لما في الكتاب.
فقال: أي كتاب؟ قال: كتاب سيبويه.
قال: وهل سيبويه نبي النحو حتى يجب علينا اتباعه، لقد غلط سيبويه في كتابه في أكثر من ثمانين موضعاً لا تعرفها لا أنت ولا سيبويه! فحمي الرجل وغضب وهجاه بقصيدة؛ لأنه تكلم عليه هذا الكلام.
فالمهم على كل حال أن الحمد هو: وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم.
(أحمد ربي الله): لم يقل أحمد الله ربي، بل بدأ بالربوبية؛ لأن المقام مقام استعانة، والربوبية تتعلق بالاستعانة أكثر من الألوهية، فالألوهية للعبادة، والاستعانة بالربوبية أكثر، ولهذا قال: (أحمد ربي).
وقوله: (الله) هذا عطف بيان يبين من ربه، وهو الله.
والرب في الأصل: المتصرف في الشيء، ولهذا يقال لمالك الدابة: رب الدابة، ولمالك الدار: رب الدار.
لكن الرب الذي هو الله نقول في تفسيره: هو الخالق المالك المدبر، والملك المطلق لا يكون إلا لله، والخلق المطلق لا يكون إلا لله، والتدبير المطلق لا يكون إلا لله، فما أضيف إلى المخلوق من خلق فليس خلقاً حقيقة وإنما هو تغيير، ففي الحديث: (يقال للمصورين أحيوا ما خلقتم) وهم لم يخلقوا شيئاً، وإنما حولوا الشيء إلى شيء آخر، وأما الإيجاد فلا يكون إلا لله.
كذلك الملك الحقيقي لله، والملك المضاف للمخلوق ليس ملكاً مطلقاً، بل هو ملك قاصر في شموله، وقاصر في تصريفه.
قاصر في شموله؛ لأن المالك من الخلق لا يملك إلا ما تحت يده، وما عند غيره فليس له، وكذلك قاصر في تصريفه، إذ إن المالك لا يملك التصرف على ما يريد في كل شيء، بل على حسب ما شرعه الله .
والله هو المألوه، أي: المعبود حباً وتعظيماً.
وقوله: (خير مالك) هذه من متعلقات الربوبية، يعني أنه خير من ملك، حتى فيما يصيب العبد من المصائب والنكبات فهي خير، كما قال النبي ﵊: (عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير، إن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن)!
стр. 19
شرح الصلاة على النبي وآله
قوله: (مصلياً على النبي المصطفى): مصلياً: حال من فاعل (أَحمدُ)، يعني: أحمد الله حال كوني مصلياً على النبي، أي سائلاً الله أن يصلي عليه.
وصلاة الله على نبيه هي: ثناؤه عليه في الملأ الأعلى.
وليست الصلاة من الله هي الرحمة كما زعمه بعض العلماء، بل الصلاة أخص من الرحمة، والدليل على التباين بينهما قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة:١٥٧]، والأصل في العطف المغايرة.
ولو كانت الصلاة هي الرحمة لجاز أن نصلي على كل واحد كما جاز أن نترحم على كل واحد، ومعروف أن الصلاة على غير الأنبياء لا تجوز إلا تبعاً أو لسبب.
فالصلاة تبعاً كما في قوله: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد.
والصلاة لسبب كما في قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:١٠٣]، وأما أن تتخذ شعاراً لشخص معين سوى الأنبياء فإن ذلك لا يجوز.
وقوله: (على النبي): النبي: قيل إنه من النبيء بالهمز، لكنه سهل، وجعلت الهمزة ياء وأدغمت في الياء الأولى، وإنه مأخوذ من النبأ وهو الخبر؛ لأن النبي منبَّأ منبِّئ فهو منبأ من قبل الله، ومنبئ للخلق عن الله.
وقيل: إن النبي ليس فيه تسهيل، وإنه مأخوذ من النبوة وهي الارتفاع، وذلك لارتفاع رتبة النبي.
والصحيح أنه مأخوذ من هذا ومن هذا، فهو لفظ مشترك بين المعنيين، والوصفان صالحان للنبي، فهو ﵊ منبئ ومنبأ وعالي الرتبة.
وقوله: (المصطفى): يعني المختار، أي المختار من الأنبياء؛ لأن الأنبياء مختارون من المؤمنين، والأنبياء أنفسهم منهم من اختاره الله مثل أولي العزم الخمسة: محمد ﷺ ، وإبراهيم، وموسى، ونوح، وعيسى، وهم مذكورون في كتاب الله في موضعين: في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب:٧]، وفي قوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى:١٣] فهو ﷺ من المصطفين.
والمصطفى تصريفها في الأصل: أن الطاء أصلها تاء (المصتفى)، لكن القاعدة في اللغة العربية أنه إذا اجتمعت التاء والصاد قلبت التاء طاء، وهو مأخوذ من الصفوة.
قوله: (وآله المستكملين الشُرفا): ويجوز: (الشَرفا).
فإن قلنا (الشُرفا) صارت صفة لآل، وإن قلنا (الشَرفا) صارت مفعولاً به للمستكملين، أي: الذين استكملوا الشرف.
(وآله) هنا أتباعه على دينه؛ لأن الآل على القول الراجح إن قرنت بالأتباع فالمراد بها المؤمنون من قرابته، وإن أفردت فالمراد بها أتباعه على دينه.
ففي قوله: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، المراد أتباعه على دينه.
وفي قول القائل: اللهم صل على محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه، المراد المؤمنون من قرابته، هذا هو الصحيح، ولا يتم المعنى إلا بذلك، وأما من حمل الآل على الأتباع مطلقاً أو على المؤمنين من أقاربه مطلقاً ففي قوله نظر.
وقوله: (المستكملين الشرفا) يعني الذين أكملوا الشرف في أخلاقهم وفي عباداتهم وفي معاملاتهم، فإن الشرف والسيادة يكون لأتباع النبي ﷺ ، وإذا كانوا من قرابته نالوا شرفين: شرف الإيمان وشرف النسب والقرابة من رسول الله ﷺ .
стр. 20
شرح استعانة المؤلف بالله تعالى
ثم قال: (وأستعين الله في ألفيه) هنا أظهر في موضع الإضمار ولم يقل: وأستعينه في ألفية؛ لأن باب الدعاء ينبغي فيه البسط.
ثم إنه لما طال الفصل بين قوله: (أحمد ربي) و (أستعين الله) حسن أن يظهر في موضع الإضمار.
وثم شيء ثالث، وهو أنه لما قال: (مصلياً على النبي) لو قال: (وأستعينه) لتوهم الواهم أنه يستعين بالنبي ﷺ .
فلهذه الأسباب الثلاثة أظهر ﵀ وقال: (أستعين الله)، ولم يقل: أستعينه.
ومعنى أستعين: أطلب العون، كقول القائل: أستغفر الله، أي أطلب المغفرة.
وما ذهب إليه المؤلف ﵀ من بدء العمل بهذه الألفية مع استعانة الله مطابق تمام المطابقة لقول النبي ﷺ : (احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز) فالمؤلف بهمته العليا نظم الألفية فحرص على ما ينفعه، ولكنه لم يقتصر على ذلك بل قال: (وأستعين الله في ألفيه)، ومن استعان بالله متلجئاً إليه صادقاً في قصده فإن الله تعالى يعينه، وإذا كان الله قد أمر بمعونة من استعانك وأنت مخلوق، فإعانته من استعان به من باب أولى، ولكن اصدق الله أنك تستعينه حقيقة، فإن أكثرنا -نسأل الله أن يعاملنا بعفوه- يعتمد على ما أعطاه الله من القوة وينسى الله، وربما يتكلم بكلام يدل على إعجابه بنفسه والعياذ بالله، فيقول: فعلت وفعلت وفعلت إلى آخره، لكن المؤمن حقاً هو الذي يحرص على ما ينفعه ويقوم بما يستطيع، لكن مع الاستعانة بالله .
وقوله: (وأستعين الله في ألفية) أي: في نظمها، وهي نسبة إلى الألف، وهذه المنظومة لا تزيد على ألف بيت إلا ببيتين فقط، والكسر عند العرب مغتفر، على أنك إذا تأملت وجدت أنها لم تزد في الحقيقة؛ لأنه استشهد في ضمنها ببيت لغيره فيسقط، وتكون ألفاً وواحداً.
والبيت الأول وهو افتتاح الألفية: (قال محمد هو ابن مالك) فلم يكن من مقول القول، فيصدق عليها أنها ألف بيت لا تزيد ولا تنقص.
والخطب في هذا سهل، أعني أنا لو فرضنا أنها ألف وخمسة أو ألف وعشرة فإن الكسر عند العرب إما أن يجبر وإما أن يلغى.
стр. 21
ثناء ابن مالك ﵀ على ألفيته
стр. 22
الصفات التي جمعتها الألفية
قوله: (مقاصد النحو بها محويه): المقاصد: جمع مقصود، يعني أن المقصود من النحو قد حوته هذه الألفية.
ومعنى محوية: مجموعة.
ثم بين أن هذه الألفية مع شمولها وجمعها لمقاصد النحو سهلة فقال: [تقرب الأقصى بلفظ موجز وتبسط البذل بوعد منجز] (الأقصى) يحتاج إلى مسافة طويلة، لكنها تقربه بلفظ قصير؛ لأن الموجز القصير، فهي تجمع لك شتات النحو البعيدة بلفظ قصير.
وقوله: (وتبسط البذل): يعني تبذل بذلاً موسعاً؛ لأن البسط بمعنى التوسيع، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الرعد:٢٦] أي يضيق، فهي تبسط البذل، أي: توسع العطاء.
قوله: (بوعد منجز): يعني تعد بالعطاء ثم تنجزه بدون تأخير.
فجمعت بين أربع صفات: الأولى: تقريب الأقصى، أي البعيد.
والثانية: أن لفظها موجز ليس بكثير يمل منه الإنسان، فليس مما يقرأ ويقرأ ولا يحصل منه إلا فائدة قليلة.
الثالثة: أنها تبسط البذل، يعني: توسعه، والبذل هو العطاء، فهي توسع العطاء.
والرابعة: أنها تنجز ما وعدت.
ولا يخفى ما في هذا البيت من الاستعارة، حيث صور هذه الألفية بحي ذي إدراك وعطاء وبسط ووعد، وإلا فالألفية كلمات منظومة، لكن هذا يسميه علماء البلاغة استعارة، وهو كأن تستعير صفة الحي ذي الشعور والإرادة إلى جماد لا شعور له ولا إرادة.
قال ابن مالك رحمه الله تعالى: (وتقتضي رضا بغير سخط): أي: تستلزم رضاً بغير سخط، والمراد أنها تقتضي من القارئ رضاً بما يجد فيها من العلم.
وقوله: (بغير سخط) هذا من باب بيان أن هذا الرضا كامل لا يدخله سخط؛ لأن الرضا قد يطلق وإن كان فيه شيء من السخط، فإذا قال: (بغير سخط) تبين أنه رضا تام ليس فيه سخط.
стр. 23
تفضيل ابن مالك ألفيته على ألفية ابن معط وثناؤه عليه
قوله: (فائقة ألفية ابن معط): أي: فائقة ألفية ابن معط في أنها أكثر جمعاً للمسائل، وفي أنها على بحر واحد بخلاف ألفية ابن معط، وأيضاً هي أجمع منها وأسلس في اللفظ وأشد اتفاقاً، حيث إنها على بحر واحد بخلاف ألفية ابن معط؛ ولكن ابن مالك ﵀ لما عنده من العدل بيَّن ما لـ ابن معط من الفضل، فقال: (وهو بسبق حائز تفضيلا).
قوله: (وهو) أي ابن معط.
(بسبق): الباء للسببية، أي: بسبب سبقه لنظم ألفية في النحو، وليس المراد بسبب سبقه بالزمن؛ لأن السابق بالزمن قد يكون له فضل وقد لا يكون.
(حائز تفضيلا): أي مدرك للتفضيل بسبب سبقه لنظم ألفية في النحو، ووجه ذلك أنه لما سبق إلى هذا فتح الباب للناس ليسيروا على منواله، فكان له فضل القدوة والأسوة.
(مستوجب ثنائي الجميلا): أي مستحق للثناء الجميل.
وقوله: (ثنائي الجميلا) هل الجميل صفة كاشفة أو هي صفة مقيدة؟ ينبني الجواب على الخلاف بين العلماء: هل الثناء لا يكون إلا في الخير؟ فإن كان الثناء لا يكون إلا في الخير كان قوله (الجميلا) صفة كاشفة، وإن كان الثناء يكون في الخير والشر فإنها صفة مقيدة، والصحيح أنه يكون في هذا وفي هذا، كما في الجنازة التي مرت فأثنوا عليها شراً فقال النبي ﷺ : (وجبت)، فالثناء يكون بالخير ويكون بالشر حسب ما يضاف إليه، وبناء على هذا يكون قوله (الجميلا) صفة مقيدة.
على أنه يمكن أن نقول: حتى وإن كان الثناء لا يكون إلا في الخير فإن الجميل صفة مقيدة؛ لأن مطلق الثناء في الخير قد يكون جميلاً وقد يكون دون ذلك.
إذاً: مستوجب الثناء أنه سبق إلى نظم الألفية وفتح الباب للناس، ومن دل على خير فهو كفاعله، وفي الحديث: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة).
стр. 24
دعاء ابن مالك لنفسه ولابن معط
ثم قال المؤلف ﵀: [والله يقضي بهبات وافره لي وله في درجات الآخره] (يقضي): أي يحكم؛ لأن القضاء يكون بمعنى الحكم، والجملة هنا خبرية لفظاً إنشائية معنى؛ لأن المراد بها الدعاء، يعني: أسأل الله أن يقضي بهبات وافرة.
والهبات: جمع هبة وهي العطية والمنحة.
والوافرة: الكثيرة.
وقوله: (بهبات وافرة) قد يقول قائل: لماذا وصف الهبات وهي جمع بوافرة وهي مفرد؟ والجواب عن ذلك أن نقول: إنه إذا كان الجمع لما لا يعقل فإنه يجوز أن يوصف بالمفرد، وهذا في جمع الكثرة كثير، ولكنه في جمع القلة قليل، و (هبات) من جمع القلة؛ لأن الجمع السالم من مذكر أو مؤنث يعتبر من جمع القلة، وجمع القلة له أوزان معينة وجمع الكثرة له أوزان معينة.
جمع القلة أوزانه أربعة، قال ابن مالك فيها: أفعلة أفعل ثم فعله ثم أفعال جموع قله إذاً: جموع القلة هي: الجموع السالمة مثل المسلمون والمسلمات، والثاني: جموع التكسير الدالة على القلة.
قوله: (لي وله في درجات الآخره): بدأ بنفسه لقول النبي ﷺ : (ابدأ بنفسك) والبداءة بالنفس هي الأولى في الدعاء.
وقوله: (في درجات الآخرة) يعني يوم القيامة، وهو بالنسبة لـ ابن معط حيث إنه قد مات لا تمكن الهبات إلا في الآخرة، لكن بالنسبة لـ ابن مالك وهو موجود يمكن أن تكون هبات في الدنيا وهبات في الآخرة، لكنه ﵀ اختار أن تكون الهبات في الآخرة؛ لأنها هي الباقية.
أورد بعض الناس على هذا البيت لـ ابن مالك إيرادين: الإيراد الأول: أنه وصف الهبات وهي جمع بوافرة، والأفصح فيها المطابقة، أي أن يقال: بهبات وافرات.
الثاني: قوله: (لي وله).
قالوا: خص نفسه وابن معط بالدعاء، فلم يدع لجميع المسلمين.
والجواب عن الأول: أنه وصفها بما يوصف به جمع الكثرة جبراً لنقصها.
والجواب عن الثاني: أنه لا مانع من أن يدعو الإنسان لنفسه ولغيره ممن يرى تخصيصه، أو يدعو بالعموم.
نعم.
لو قال: (لي وله ولا تقض بالهبات لغيرنا) لكان هذا خطأ، أما تخصيص الإنسان نفسه بالدعاء أو من شاء من الناس فإنه لا يلام عليه ولا يذم، ولكن المحشين دائماً ينقشون، فقالوا: لو قال: والله يقضي بالرضا والرحمه لي وله ولجميع الأمه لكان أحسن! على كل حال: الأصل أن ابن مالك لا اعتراض عليه في هذا، فلا نرى أنه معترض عليه، وتخصيص الإنسان نفسه أو غيره بالدعاء لا بأس به، وقد جاءت السنة بالتخصيص للنفس كثيراً وبتخصيص الغير كثيراً أيضاً، مثل: (اللهم اغفر لـ أبي سلمة وارفع درجته في المهديين)، وفي الجلوس بين السجدتين: (رب اغفر لي وارحمني)، ولا حرج في هذا.
стр. 25
شرح ألفية ابن مالك [٢]
الكلام عند النحويين هو ما ركب من كلمتين فأكثر حقيقة أو حكماً، وهم يقسمون الكلام إلى اسم وفعل وحرف، فلا يخرج لفظ عربي عن هذه الثلاثة، وكل قسم منها له علامات يعرف بها.
стр. 26
الكلام وما يتألف منه
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كلامنا لفظ مفيد كاستقم واسم وفعل ثم حرف الكلم واحده كلمة والقول عم وكلمة بها كلام قد يؤم]
стр. 27
تعريف الكلام عند النحاة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الكلام وما يتألف منه] هذه ترجمة، وأصلها: هذا باب الكلام وما يتألف منه، ففيها محذوفان: المحذوف الأول: المبتدأ، والثاني: الخبر الذي هو المضاف، حذف وأقيم المضاف إليه مقامه، فصار: الكلام وما يتألف منه.
أي: ما يجتمع منه الكلام.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كلامنا لفظ مفيد كاستقم] قوله: (كلامنا): ابن مالك ﵀ من أئمة النحو، فإذا قال: (كلامنا) وأضاف الكلام إلى نفسه ومن كان على شاكلته صار المراد: (كلامنا نحن النحويين) احترازاً من الكلام في اللغة؛ لأن الكلام في اللغة أعم مما قاله ﵀.
الكلام في اللغة يطلق على ما تكلم به الإنسان من مفيد وغير مفيد؛ أما عند النحويين فهو كما سيأتي: لفظ مفيد.
لفظ: وهو ما ينطق به اللسان.
فخرج بهذا القيد الكتابة والإشارة والعلامات التي تفيد، والعقد بالأصابع، فإنها تفيد ما يفيده الكلام وليست كلاماً، وكذلك النصب.
الإشارة مثل أن أشير لشخص أن يذهب.
والكتابة معروفة، فالكتابة تفيد ما يفيده الكلام لكنها ليست لفظاً.
والعقد: في حديث صفة الصلاة أنه عقد في التشهد ثلاثاً وخمسين، يعني أن العرب تعقد بأصابعها عقوداً تدل على عدد معين.
وهذا أيضاً مفيد لاشك ويقوم مقام الكلام؛ لكنه ليس لفظاً فلا يكون كلاماً عند النحويين.
والنصب: العلامات، مثل علامات الطريق، بأن توضع علامات في الطريق من أحجار أو أخشاب منصوبة أو غيرها بدون أن يكتب عليها شيء، وكأنها تقول لك: الطريق من هنا، فهي قائمة مقام النطق لكنها ليست لفظاً فلا تكون كلاماً.
إذاً خرج بكلمة (لفظ) أربعة أشياء.
стр. 28
اشتراط الفائدة في تعريف الكلام
وقوله: (مفيد) ما معنى الفائدة؟ يقولون: هي أن يفيد الكلام فائدة يحسن السكوت عليها من قبل المتكلم ومن قبل المخاطب، بمعنى أن المخاطب لا يترقب شيئاً سوى ذلك.
فإذا قلت: أذن المؤذن، تمت الجملة، فلا تترقب شيئاً آخر.
إذاً هو لفظ مفيد.
وإذا قلت: (إن أذن المؤذن) فهنا لا يحسن أن تسكت، لأن المخاطب يترقب شيئاً يستفيد به، لأنك علقته بهذا الشرط، وسيكون في ذهنه كل الاحتمالات: إن أذن المؤذن قامت القيامة، إن أذن المؤذن خرج من المسجد، إن أذن المؤذن صار كذا وكذا.
إذاً: هل أفدته بهذا؟ والكلام هنا لما زاد نقص، فقد كان قولنا: (أذن المؤذن) تامّاً، فلما زدنا (إن) نقص، ويلغز بها فيقال: ما شيء إذا زدته نقص؟ نقول: هو الكلام المفيد إذا دخلت عليه أداة الشرط جعلته ناقصاً غير مفيد.
وقول المؤلف رحمه الله تعالى: (كلامنا لفظ مفيد) لم يذكر أن تكون الفائدة جديدة أو غير جديدة، بل أطلق.
فإذا كان مفيداً فسواء كانت الفائدة جديدة أو معلومة من قبل فإنه يكون كلاماً عند النحويين، فإذا قلت: السماء فوقنا، فهذا كلام؛ لأنه أفاد.
ويرى بعض النحويين أنه إذا لم يأت بفائدة جديدة فإنه ليس بكلام، ولكن الصحيح بلا شك أنه كلام، صحيح أن المخاطب لم يحصل الفائدة المطلوبة؛ لكنه كلام لو خاطبت به من لا يعلم لاستفاد فائدة جديدة.
وقوله: (كاستقم) الكاف هنا للتمثيل، يعني: مثاله استقم.
استقم: هذا لفظ مفيد؛ لكن كيف أفاد وهو كلمة واحدة؟ نقول: هو كلمة واحدة لكن في ضمنها كلمة أخرى؛ لأن قولك (استقم) أي أنت، ففيها ضمير مستتر وجوباً فهو في حكم الظاهر، وعليه فلا يحتاج أن يكون الكلام مركباً من كلمتين فأكثر تركيباً محسوساً، بل إذا ركب ولو تركيباً تقديرياً فإنه يعتبر كلاماً.
إذاً يشترط في الكلام أن يكون لفظاً، وخرج به أربعة أشياء: الإشارة، والكتابة، والعلامات، والعقد.
مفيداً: خرج به ما لا يفيد فإنه لا يسمى كلاماً.
والمراد بالفائدة ما يحسن السكوت عليها، سواء كانت متجددة أو غير متجددة، فإذا قلت: ربنا الله فهو كلام؛ لأنه مفيد.
نبينا محمد، كلام لأنه مفيد.
النار حارة؛ كلام لأنه مفيد وإن كانت الفائدة معلومة.
الماء جوهر سيال، كلام لأنه مفيد.
وإذا قلت: (إن قام محمد؟) فليس بكلام؛ لأن المخاطب يترقب إذا قام محمد ماذا يكون؟
стр. 29
تعريف الكلم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [واسم وفعل ثم حرف الكلم] الكلم سيأتي أن واحده كلمة، فالكلم جمع كلمة، والمراد به أن كلام الناس ينقسم إلى ثلاثة أقسام: اسم وفعل وحرف.
فبدأ بالاسم لأنه أشرف الأقسام الثلاثة، ثم ثنى بالفعل وعطفه بالواو دون ثم، إما لضيق النظم وضرورة الشعر، وإما لأن الاسم والفعل ليس بينهما كما بين الاسم والفعل وبين الحرف.
وأخر الحرف لقصوره؛ ولأنه لا يمكن أن يكون له معنى في نفسه، فمثلاً (من) حرف جر، لو تأتي بها وحدها ما استفدت منها شيئاً أبداً، لأنه لا يعرف معنى الحرف إلا بغيره.
أما الفعل فيعرف معناه بنفسه وإن كان ليس كلاماً، فلو قلت: قام، استفدت معنى القيام.
والاسم كذلك، فإذا قلت: (البيت) فله معنى معروف، لكن (من) وجميع الحروف لا يعرف معناها بنفسها، ولذا فالحرف متأخر رتبة.
إذا قال قائل: ما هو الدليل على أن الكلام ينقسم إلى ثلاثة أقسام؟ قلنا: التتبع والاستقراء، وذلك أن العلماء الذين اعتنوا باللغة العربية تتبعوا كلام العرب ووجدوه لا يخرج عن هذه الثلاثة: الاسم والفعل والحرف.
فإن قال قائل: ما تقولون في أسماء الأفعال، مثل: مه وصه وما أشبهه؛ هل تجعلونها قسماً رابعاً أو تجعلونها من الأقسام الثلاثة؟ نقول: هي من الأقسام الثلاثة، ولهذا نقول: اسم فعل، مثل (صه) بمعنى اسكت، كما تقول (محمد) تسمي به شخصاً، فأنا سميت اسكت بكلمة (صه)، ولهذا نقول: (اسم فعل) يعني اسماً دالاً على فعل كما يدل العلم على الشخص.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [واسم وفعل ثم حرف الكلم واحده كلمة].
يعني أن واحد الكلم الذي ينقسم إلى ثلاثة أقسام كلمة، وعلى هذا فهو اسم جنس جمعي أو اسم جمع.
واسم الجنس الجمعي هو الذي يفرق بينه وبين مفرده بالتاء، مثل شجرة وشجر، وبالياء مثل رومي وروم وإنس وإنسي.
стр. 30
تعريف القول
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والقول عم] كلمة (عم) تحتمل أن تكون فعلاً ماضياً، يعني أن القول عم الكلام والكلمة.
وتحتمل أن تكون اسم تفضيل، أي أن القول أعم من الكلمة وأعم من الكلم.
وتحتمل أن تكون اسم فاعل حذفت منه الألف تخفيفاً، والتقدير: والقول عام.
ولكن أحسن التقديرات أن نجعلها فعلاً ماضياً؛ لأنا إذا جعلناها فعلاً ماضياً لم نحتج إلى شيء، أما إذا قلنا إنها اسم تفضيل فمعناه أنه حذف منها شيء، وهو الهمزة، وإن جعلناها اسم فاعل فقد حذف منها شيء وهو الألف، وإذا جعلناها فعلاً ماضياً لم يحذف منها شيء وحصل المقصود بذلك.
إذاً القول يعم الكلام والكلمة، فالكلام وهو اللفظ المفيد يسمى قولاً، والكلمة تسمى قولاً.
إذا قلنا: قام محمد.
نسميه كلاماً ونسميه قولاً، ولا نسميه كلمة.
وإذا قلنا: محمد.
نسميه كلمة ونسميه قولاً، ولا نسميه كلاماً.
стр. 31
تعريف الكلمة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكلمة بها كلام قد يؤم] يؤم: بمعنى يقصد، يعني قد يراد بالكلمة الكلام.
والمعنى أن الكلمة التي هي قول مفرد قد يراد بها الكلام، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وهذا هو المراد بها في القرآن والسنة، يعني: كلما وجدت (كلمة) في القرآن أو في السنة فالمراد بها الكلام، وليس المراد بها القول المفرد.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠] الكلمة هنا يعني بها: (لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ).
وقال النبي ﵊: (أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل) إذاً قول ابن مالك: (قد يؤم) نقول: إن (قد) هنا للتحقيق وليست للتقليل، ويجوز أن نجعلها للتقليل باعتبار اصطلاح النحويين؛ لأن النحويين لا يريدون بالكلمة الكلام، إنما يريدون بالكلمة القول المفرد، فيجعلون مثل (قام محمد) كلمتين.
فعلى هذا نقول: إن (قد) في كلام ابن مالك إما للتحقيق وإما للتقليل، لكن للتحقيق باعتبار اللغة العربية، فإن اللغة العربية تعني بالكلمة الكلام، حتى لو كانت خطبة مؤلفة من ثلاث صفحات فهي في اللغة العربية كلمة.
أو للتقليل بناء على اصطلاح النحويين؛ لأن الكلام في اصطلاح النحويين لابد أن يتركب من كلمتين فأكثر.
стр. 32
علامات الاسم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [بالجر والتنوين والندا وأل ومسند للاسم تمييز حصل] يعني: حصل للاسم تمييز بهذه الأشياء الخمسة، يعني حصل له شيء يميزه عن الفعل والحرف، وهو واحد من هذه الخمسة: الجر والتنوين والنداء وأل والإسناد.
ومعنى كلام المؤلف أن كل كلمة مجرورة فهي اسم، وليس المعنى أن كل كلمة تجرها فهي اسم؛ لأنك لو قلت: كل كلمة تجرها فهي اسم لجاء شخص وقال: أنا أجر (ضرب) وأقول: ضربي.
لكن المعنى: كل كلمة مجرورة فهي اسم، فهي علامة تبين المعلوم، كما لو قلت: العرب علامتهم لبس العمامة، يعني معناه أنهم يتميزون عن غيرهم بذلك، فكلما وجدنا شخصاً ذا عمامة فهو عربي، وكذلك كلما وجدنا كلمة مجرورة فهي اسم.
وقول المؤلف: (بالجر) يشمل الجر بالحرف، والجر بالإضافة، والجر بالتبعية، وقد اجتمعت في البسملة: (بسم الله الرحمن الرحيم) فكلمة اسم مجرورة بالحرف (الباء)، ولفظ الجلالة مجرور بالإضافة، ولفظ الرحمن مجرور بالتبعية.
إذاً: الجر من علامات الاسم، فكل كلمة مجرورة فهي اسم، سواء جرت بالحرف، أو بالإضافة، أو بالتبعية.
قوله: (والتنوين): المعنى: كل كلمة منونة فهي اسم، فكلما وجدت كلمة منونة فاحكم بأنها اسم.
والتنوين: نون ساكنة تلحق أواخر الكلم لفظاً لا خطاً، فمثلاً: زيدٌ فيها نون ساكنة، لكنها غير مكتوبة.
وقال معلمونا ونحن في أول الطلب: التنوين ضمتان أو فتحتان أو كسرتان، وهذا التعريف صحيح وواضح.
لكن عند التعمق نقول: إن الضمتين والفتحتين والكسرتين علامة على التنوين وليست هي التنوين.
إذاً: كل كلمة فيها تنوين فهي اسم، واستثنى بعضهم تنوين الترنم والتنوين الغالي، ولكن لا حاجة إلى التطويل، نقول: المراد التنوين الذي يكون به الصرف، فهذا هو الذي يكون علامة الاسم.
قوله: (والندا): والنداء أيضاً من علامات الاسم، فكل كلمة مناداة فهي اسم.
ويمكن أن نقول: إن النداء علامة سواء كانت في التركيب أو في التقدير.
إذاً: كل كلمة يصح أن تناديها فهي اسم، وكل كلمة مصدرة بيا النداء فهي اسم، مثل: يا رجل! كذلك لو قلت: يا ضرب، تكون (ضرب) اسماً؛ لأننا ناديناها، وهذا يعني أن عندنا رجلاً اسمه ضرب.
وهناك اسم (يزيد) وأصله فعل مضارع، و (شمر) وأصله فعل ماض.
إذاً: كل كلمة صح أن تنادى فهي اسم، وكل كلمة صدرت بالنداء فهي اسم.
قوله: (وأل): أل أيضاً من علامات الأسماء، فكل كلمة فيها أل فهي اسم، مثل: المساجد، البيوت، الإبل، الجبال، الشمس، القمر.
وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الموصول أن من الأسماء الموصولة أل، وأنها ربما تكون صلتها فعلاً كقول الشاعر: ما أنت بالحكم الترضى حكومته ولا الأصيل ولا ذي الرأي والجدل فلفظ (الترضى) فيه أل، وهي اسم موصول؛ فالمراد إذاً في قول المؤلف: (وأل) ما سوى أل الموصولية؛ لأن أل الموصولية قد توصل بالفعل.
قوله: (ومسند) أي وإسناد، فهي مصدر ميمي وليست اسم مفعول.
قال ابن هشام ﵀: وهذه العلامة -أعني الإسناد- أحسن العلامات؛ لأن من الأسماء ما لا يقبل إلا هذه العلامة.
فكل ما يقبل العلامات الأربع السابقة يقبل هذه العلامة، وليس كل ما يقبل هذه العلامة يقبل العلامات السابقة، فهي إذاً أعم وأشمل، فكل كلمة يصح أن تسند إليها شيئاً اسم.
لو قال لك قائل: قمت، فالتاء اسم؛ لكنها لا تقبل العلامات السابقة، فهي لا تجر ولا تنون ولا تنادى ولا تحلى بأل.
إذاً ما الذي دلنا على أنها اسم؟ إسناد القيام إليها، فالإسناد إذاً هو أنفع العلامات وأحسنها، لدخوله على جميع الأسماء.
والخلاصة أن للأسماء خمس علامات كما ذكرها ابن مالك: الجر، والتنوين، والنداء، وأل، والإسناد، وأشملها وأعمها الإسناد.
ورد في القرآن: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ [يس:٢٦]، فدخلت يا النداء على (ليت) وليست باسم، لكنهم يقولون إن (يا) هنا ليست للنداء، ولكنها للتنبيه، وعلى القول بأنها للنداء يكون المنادى محذوفاً والتقدير: يا رب ليت قومي يعلمون.
الكاف في قول القائل مثلاً: إنك قائم، اسم؛ لأنه أسند إليه الخبر، والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاسِلا وَأَغْلالًا وَسَعِيرًا﴾ [الإنسان:٤]، عرفنا أن أغلالاً اسم بالتنوين، أي فالأصل أنها قابلة للتنوين لكن هنا مانع، مع أن هناك قراءة: (سلاسلاً وأغلالاً).
وإذا قلت: يا محمد؛ فالذي دل على اسميته النداء، لأنه ليس فيه أل، ولا تنوين ولا جر، ولا إسناد، وليس فيه إلا النداء.
стр. 33
علامات الفعل
ثم انتقل المؤلف رحمه الله تعالى إلى بيان علامات الفعل فقال: [بتا فعلت وأتت ويا افعلي ونون أقبلن فعل ينجلي] ذكر أربع علامات: قوله: (بتا فعلت) أي يتبين الفعل بتا فعلت، يعني أن كل كلمة اتصلت بها تاء الفاعل فهي فعل، طيب.
ومنها تا فعلتما، وتافعلتِ.
إذاً تاء الفاعل من علامات الفعل.
قوله: (وأتت) تاء أتت تاء تأنيث، إذاً فتاء التأنيث من علامات الفعل، فكل كلمة اتصلت بها تاء التأنيث فهي فعل، وليست اسماً ولا حرفاً.
قوله: (ويا افعلي) هذه ياء المخاطبة، يقول: افعلي، يخاطب امرأة يأمرها أن تفعل، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا﴾ [مريم:٢٦] إذاً: ياء المخاطبة من علامات الفعل.
قوله: (ونون أقبلن) وهي نون التوكيد، فكل كلمة تقبل نون التوكيد فهي فعل.
والمؤلف ﵀ خلط هنا علامات الأفعال ولم يفصل؛ لكنه سيفصل! فتبين أن علامات الأفعال التي ذكرها ابن مالك أربع: تاء الفاعل، وعبر عنها بقوله: (بتا فعلت)، وتاء التأنيث الساكنة، وعبر عنها بقوله: (وأتت)، وياء المخاطبة، وعبر عنها بقوله: (ويا افعلي)، ونون التوكيد، وعبر عنها بقوله: (ونون أقبلن).
стр. 34
علامات الحرف
ثم قال ﵀: [سواهما الحرف كهل وفي ولم] قوله: (سواهما): الضمير يعود على الاسم والفعل.
والحرف: هو الذي لا يقبل علامات الاسم ولا علامات الفعل، فإذا سئلنا: ما علامات الحرف؟ نقول: علامته أن لا يقبل علامات الاسم ولا علامات الفعل، ولهذا قال الحريري في ملحة الإعراب: والحرف ما ليست له علامه فقس على قولي تكن علامه أي أن الحرف ليست له علامة، فهو لا يقبل علامات الفعل ولا علامات الاسم.
فإذا قلت: قد قامت الصلاة، فـ (قد) حرف و (قام) فعل؛ لأنه قابل لتاء التأنيث الساكنة، و (الصلاة) اسم لأن فيها أل التعريفية.
стр. 35
تفصيل علامات الأفعال
стр. 36
علامة الفعل المضارع
ثم قال ﵀: [فعل مضارع يلي لم كيشم].
هنا شرع المؤلف في بيان العلامات الخاصة لكل نوع من أنواع الأفعال، وأنواع الأفعال الثلاثة: مضارع وماض وأمر.
وعلامة الفعل المضارع الخاصة به (لم)، فكل كلمة تقبل لم فهي فعل مضارع.
قوله: (فعل مضارع يلي لم كيشم).
في إعراب هذا الشطر إشكال؛ لأنه قال: (فعل) فبدأ بالنكرة، والمعروف أن البداءة بالنكرة لا تصلح؛ لأن المبتدأ لابد أن يكون معرفة لأنه محكوم عليه، والنكرة لا يحكم عليها.
و
الجواب
أن هذه نكرة وصفت، وإذا وصفت النكرة تخصصت.
وهنا نسأل: لماذا سمي المضارع مضارعاً؟ قالوا: إن المضارعة هي المشابهة، والفعل المضارع يشبه اسم الفاعل في حركاته، فمثلاً: (قائم) يشبه في حركاته (يقوم)، كذلك (يستغفر) يشبه (مستغفر)، فقالوا: إنه يشبه الاسم فلهذا سموه مضارعاً.
وقوله: (يلي لم كيشم) من الشم، وهو الحاسة المعروفة في الأنف، فإذا قلت: فلان يشم الريحان كانت (يشم) فعلاً مضارعاً.
يقوم: فعل مضارع لأنه يجوز أن تدخل عليه (لم) تقول: لم يقم.
يضرب: فعل مضارع، تقول: لم يضرب.
يفعل: فعل مضارع، تقول: لم يفعل، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة:٢٤].
стр. 37
علامة الفعل الماضي
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وماضي الأفعال بالتا مز] بالتا: جار ومجرور.
مز: فعل أمر، يعني: ميِّز ماضي الأفعال بالتاء، وعلى هذا المعنى نقول: إن (ماضي) مفعول مقدم لكلمة (مز)، يعني: ميز ماضي الأفعال بالتاء.
والذي مر علينا تاءان: تاء الفاعل وتاء التأنيث الساكنة، فأي التاءين يراد؟
الجواب
كلتاهما، فتاء الفاعل لا تدخل إلا على الماضي، وتاء التأنيث الساكنة لا تدخل إلا على الماضي، وعلى هذا فنقول: أل في قول ابن مالك (بالتا) للعهد الذكري، أي أنها تشير إلى تاء سبق ذكرها في قوله: (بتا فعلت وأتت) فالفعل الماضي يتميز عن المضارع والأمر بقبول التاء.
стр. 38
علامة فعل الأمر
ثم قال ﵀: [وسم بالنون فعل الأمر إن أمر فهم] (سم بالنون) يعني: اجعل النون سمة فعل الأمر، والسمة هي العلامة، لكن قيد فقال: (إن أمر فهم).
إذاً: فعل الأمر يتميز عن صاحبيه بقبول النون مع إفهام الأمر، وأل في قوله: (بالنون) للعهد الذكري، والنون السابقة هي (نون أقبلن) أي نون التوكيد.
يعني: فعلامة فعل الأمر قبول نون التوكيد لكن بشرط أن يفهم منه الأمر.
وإنما قال المؤلف: (إن أمر فهم) ليخرج بذلك المضارع؛ لأن المضارع يقبل نون التوكيد لكن لا يفهم منه الأمر.
ويكون القيد الأول (سم بالنون) يخرج الفعل الماضي؛ لأن الفعل الماضي لا يقبل نون التوكيد، و (إن أمر فهم) يخرج المضارع؛ لأن المضارع لا يفهم منه الأمر.
وبهذا تميزت الأفعال بعضها من بعض، حيث يتميز الفعل الماضي عن صاحبيه بقبول تاء الفاعل وتاء التأنيث، ويتميز المضارع عن صاحبيه بقبول لم، ويتميز فعل الأمر عن صاحبيه بقبول نون التوكيد مع دلالته على الأمر.
ونون التوكيد تدخل على المضارع، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر:٨].
فإذا قال قائل: أليس الفعل المضارع تدخل فيه النون مع الدلالة على الأمر فيما إذا اقترنت به لام الأمر، مثل أن تقول: لتفهمَنَّ أيها الطالب؟ ف
الجواب
بلى، لكن فهم الأمر ليس من الفعل بل هو من اللام، ومراد ابن مالك بقوله: (إن أمر فهم) أي إن فهم الأمر من نفس الكلمة لا من أمر خارج، والمضارع إذا فهم منه الأمر في قول القائل: لتفهمن، فإنما كانت الدلالة هنا باللام، لا من حيث صيغة الفعل.
стр. 39
الفرق بين فعل الأمر واسم الفعل
ثم قال: [والأمر إن لم يك للنون محل فيه هو اسم نحو صه وحيهل] أشار المؤلف بهذا البيت إلى أنه إذا كانت الكلمة تدل على معنى الفعل ولكن لا تقبل علامته فإننا نسميها اسم فعل، مثل: صه بمعنى اسكت، وأص بمعنى أسكت، ومه بمعنى كف، وحيهل بمعنى أقبل، و (حيَّ)، في قول المؤذن: حي على الصلاة اسم فعل أمر؛ لأنها بمعنى أقبل.
وهذا البيت ذكر فيه ابن مالك حكم ما دل على الأمر ولم يقبل علامته، فهو اسم فعل أمر، فهل نقول: وما دل على المضارع ولم يقبل علامته فهو اسم فعل مضارع، وما دل على الماضي ولم يقبل علامته فهو اسم فعل ماض؟
و
الجواب
نعم.
هو كذلك.
إذاً: هنا قاعدة: وهي أن ما دل على معنى الفعل ولم يقبل علامته فهو اسم لذلك الفعل.
فقوله تعالى: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون:٣٦]، هذا اسم فعل ماض؛ لأنها بمعنى بَعُدَ.
وكذلك: شتان ما بينهما، بمعنى بَعُد أيضاً فهذا اسم فعل ماض.
﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء:٢٣] اسم فعل مضارع بمعنى أتضجر.
بحث في كلمة صه ومه: يقول النحويون: إن أردت أن تسكته عن كل كلام فقل: صهٍ! حتى يسكت عن كل شيء، وإن أردت أن تسكته عن كلام معين فقل: صهِ بدون تنوين، وذلك لأنها إذا نونت صارت نكرة، وإذا لم تنون فهي معرفة فإذا سمعت شخصاً يتحدث بكلام ليس بجيد قلت: صهِ! بدون تنوين، أي: اسكت عن هذا الكلام المعين.
فإذا سمعت شخصاً يتحدث عند قوم نيام قلت له: صهٍ! يعني: اسكت عن كل كلام لئلا توقظ النيام.
خلاصة البحث الذي سبق: أن للفعل علامات وأن للحرف علامات، كما أن للاسم علامات، وأن علامات الأفعال تتنوع بحسب تنوع الأفعال.
فعلامة الفعل الماضي الخاصة به التاء، أعني تاء الفاعل وتاء التأنيث الساكنة.
وعلامة المضارع دخول لم.
وعلامة الأمر قبول نون التوكيد مع دلالته على الأمر.
стр. 40
علامات أخرى للأفعال وقاعدة أسماء الأفعال
هل هناك علامات أخرى للأفعال؟
الجواب
نعم، لها علامات، لكن ابن مالك ﵀ ذكر أنموذجاً من هذه العلامات يعرف بها الفعل، وإلا فهناك علامات أخرى.
مثلاً: (قد) من علامات الأفعال، لكنها تدخل على الماضي وعلى المضارع، ولا تدخل على الأمر.
السين وسوف من علامات الأفعال، ولكنها تختص بالمضارع.
فهذه علامات لها، لكن لا حرج على المؤلف إذا اقتصر على شيء منها.
لكن يبقى النظر في البيت الأخير: (والأمر إن لم يك للنون محل فيه هو اسم نحو صه وحيهل) فلو أنه ﵀ ذكر القاعدة العامة لكان أحسن، بحيث يقول: ما دل على الفعل ولم يقبل علامته فهو اسم لذلك الفعل، وهذا يشبه ما سبق من بعض المحشين حيث قال في قول ابن مالك: والله يقضي بهبات وافره لي وله في درجات الآخره أنه لو قال: والله يقضي بالرضا والرحمه لي وله ولجميع الأمه لكان أعم، مع أن ابن مالك ﵀ لا يعترض عليه ذلك كما سبق أن بينا.
следующие страницы →