Полный текст (761 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
الكلام على الضمائر
стр. 107
تعريف الضمير
ثم شرع المؤلف ﵀ ببيان تعريف كل من هذه الأقسام الستة، فقال في تعريف الضمير: [فما لذي غيبة او حضور كأنت وهو سم بالضمير] أي: ما دل على غيبة أو حضور كدلالة (أنت وهو) سمي بالضمير.
لو قال: (فما لذي غيبه او حضور) ولم يقيده بالمثال لكان التعريف غير مانع، لأنه لو قال: (ما دل على غيبة أو حضور) وأطلق لكانت كلمة (غائب) ضميراً، وكذلك كلمة (حاضر).
فقوله: (كأنت وهو) ليست مجرد مثال، بل هي مثال مقيد للتعريف، يعني: (ما دل على غيبة أو حضور كدلالة أنت وهو، وليس كل لفظ دل على حضور فهو ضمير، ولو كان كل لفظ دل على حضور فهو ضمير لكانت كلمة (حاضر) ضميراً وكلمة (غائب) ضميراً.
فالضمير (أنت) للمخاطب، والضمير (هو) للغائب.
وقوله: (حضور) يشمل المتكلم والمخاطب.
ومثل بأنت ولم يمثل بأنا الدال على المتكلم، لأنه أولى من المخاطب.
وهذا التعريف تعريف ذاتي، حده وبعضهم بتعريف آخر فقال: ما كُنِيَ به عن الظاهر اختصاراً.
قالوا: فإذا قلت: (أنا قائم) فأنا كناية عن محمد بن صالح بن عثيمين فجملة (أنا قائم) تغني عن قولي: محمد بن صالح بن عثيمين قائم، فكنيَ به عن الظاهر اختصاراً.
وإذا كنت أخاطب مثلاً: عبد الله بن عمر وهو أمامي، فإذا قلت (أنت فاهم) كنيت بأنت عن الظاهر وهو عبد الله بن عمر اختصاراً.
ومع كونه يدل على الظاهر اختصاراً فهو أدل على المقصود من الاسم الظاهر، فلو قلت للذي أمامي: عبد الله بن عمر قائم، لكان يحتمل أن يكون حاضراً وأن يكون غائباً، لكن قولي: أنت قائم، لا يحتمل أن يكون غائباً.
فصار لدينا تعريفان للضمير: الأول ما ذهب إليه ابن مالك ﵀ بأنه ما دل على الغيبة أو الحضور كدلالة أنت وهو.
والثاني: ما كنيَ به عن الظاهر اختصاراً.
وهذا وإن كان أقصر من تعريف المؤلف لكنه ليس فيه تبيين واضح، وقد لزم منه الدور، لأن (ما كنيَ به عن الظاهر) هو الضمير، فيكون قد عرف الضمير بالضمير، وهو نوع من الدور.
على كل حال ابن آجروم ﵀ ما عرف لا بهذا ولا بهذا، وإنما سرد الضمائر فقال: الضمائر هي كذا وكذا وكذا.
فعددها بأعيانها دون حدودها.
قوله: (كأنت وهو سم بالضمير).
سم: فعل أمر.
والضمير مأخوذ من الإضمار.
ويعجبني أنني كنت ذات مرة في المعهد العلمي مدرساً، وكنا نختبر الطلبة قبل أن يدخلوا في المعهد في القواعد وبعض المسائل من الفقه والتوحيد، فاختبرت طالباً فقلت له: (زيد قام) أين فاعل قام؟ ففكر قليلاً ثم قال: فاعل قام خفي.
فأتى بالمعنى لأن (خفي) بمعنى مستتر.
وكان الطالب ذكياً فعرفت أنه جاء بها من عنده؛ لكنه أصاب في المعنى، فأعطيته درجة كاملة.
قوله: (ما لذي غيبة): ما: اسم موصول بمعنى الذي، مبتدأ.
لذي غيبة: شبه جملة صلة الموصول.
وسم: الجملة في محل رفع خبر (ما).
والمعنى: الذي لغيبة أو حضور سمه بالضمير.
بالضمير: الباء هنا لا نقول إنها زائدة بل نقول إنها أصلية؛ لأن (سمى) يتعدى بنفسه كقوله تعالى ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ [آل عمران:٣٦]، ولم يقل: سميتها بمريم، ويصح أن تتعدى بالباء فتقول سميت ابني بعبد الله.
стр. 108
الضمائر المتصلة
ثم بين المؤلف أن الضمير ينقسم إلى أقسام من عدة أوجه: أولاً: من حيث الاتصال والانفصال، فينقسم الضمير إلى قسمين: متصل ومنفصل.
فالمتصل ما لا ينطق به منفصلاً مثل التاء من (ضربته) فلا يمكن أن تنطق بالتاء وحدها فتقول: تُ، ولا الكاف من (أكرمك).
فكل ما لا ينطق به منفرداً من الضمائر فهو ضمير متصل، وما صح أن ينطق به منفرداً فهو منفصل هذا هو الضابط.
وقد ضبطه المؤلف بما يقرب من هذا المعنى فقال: [وذو اتصال منه ما لا يبتدا].
هذا هو معنى قولنا: ما لا يصح أن ينطق به منفرداً فهو متصل.
ذو: مبتدأ.
اتصال: مضاف إليه.
منه: جار ومجرور.
ما: اسم موصول خبر المبتدأ، يعني أن الضمير المتصل هو الذي لا يصح الابتداء به، وسيمثل لذلك أيضاً.
قال: [ولا يلي إلا اختياراً أبداً].
يعني: ولا يأتي بعد (إلا) في حال الاختبار.
والمراد بحال الاختيار: الكلام المنثور، وعكسه الاضطرار وهو الشعر، فإن المتصل قد يلي إلا في حال الضرورة الشعرية.
إذا عرفنا ضابط المتصل بأنه ما لا يبتدأ به ولا يلي إلا في الاختيار، عرفنا أن المنفصل هو ما يصح الابتداء به، وما يلي إلا في الاختيار، لأن الأشياء تتبين بضدها.
قال: [كالياء والكاف من ابني أكرمك والياء والها من سليه ما ملك] الياء من ابني: ضمير متصل؛ لأنه لا يصلح الابتداء به، ولا يلي إلا في الاختيار.
والياء التي في ابني هي ياء المتكلم، إذاً: ياء المتكلم حيثما جاءت -منصوبة أو مجرورة- فإنها من الضمائر المتصلة.
والكاف من أكرمك: هي كاف المخاطب، وهي في هذا المثال منصوبة.
فكاف المخاطب حيثما جاءت فهي من الضمائر المتصلة، سواء جاءت منصوبة كما في المثال الذي ذكره المؤلف، أو جاءت مجرورة كما في قولك: مر بك غلامك، فإن الكاف هنا في محل جر، الأول بالحرف والثاني بالإضافة.
والكاف هنا لا فرق بين أن تكون للواحد كأكرمك، أو للاثنين كأكرمكما، أو لجماعة الذكور كأكرمكم، أو لجماعة الإناث كأكرمكن، فالكاف حيثما جاءت فهي ضمير متصل، والضمير فيها هو الكاف فقط، وما بعدها فهو علامة تثنية أو جمع ذكور أو جمع إناث.
قوله: (والياء والها) يعني: وكالياء والهاء (من سليه ما ملك).
الياء والهاء هنا ضميران لكن الياء في سليه غير الياء في ابني، فهي ابني ضمير متكلم، وفي سلي ضمير مخاطبة، فالياء الذي هو ضمير مخاطبة من الضمائر المتصلة، وهو في محل رفع، لأن ياء المخاطبة لا يمكن أن تأتي إلا مرفوعة.
والهاء في سليه في محل نصب مفعول به.
فاستفدنا أن ضمير المخاطبة يكون متصلاً، وأن هاء الغائب يكون متصلاً.
و (ما) في قوله (ما ملك) هي المفعول الثاني.
مثل المؤلف الآن بأربعة أمثلة: الأول: ياء المتكلم، والثاني: كاف المخاطب، والثالث: هاء الغائب، والرابع: ياء المخاطبة.
ياء المتكلم تكون منصوبة وتكون مجرورة، مثالها مجرورة: ابني، ومثالها منصوبة: أكرمني.
كاف المخاطب تكون منصوبة مثل: أكرمك، وتكون مجرورة مثل: مر بك، وكتابك، الأولى مجرورة بالحرف، والثانية مجرورة بالإضافة، وتكون للمفرد كأكرمكَ، وللمفردة كأكرمكِ، وللمثنى كأكرمكما، ولجماعة الذكور كأكرمكم، ولجماعة الإناث كأكرمكن.
الهاء تكون منصوبة وتكون مجرورة، مثالها منصوبة: سليه، ومثالها مجرورة: مر به، أو كتابه، وتكون للمفرد المذكر: مر به، وتكون للمفردة المؤنثة: مر بها، وتكون للمثنى مثل: مر بهما، ولجماعة الذكور: مر بهم، ولجماعة الإناث: مر بهن.
ياء المخاطبة لا تكون إلا مرفوعة: تقولين، أكرميه، سليه.
وقول المؤلف: (ولا يلي إلا اختياراً) أفادنا أنه قد يلي (إلا) في حالة الضرورة، مثل قول الشاعر: أعوذ برب العرش من فئة بغت علي فما لي عوض إلاه ناصر هنا الهاء ضمير متصل، جاءت بعد إلا للضرورة.
والضرورة الموجودة عن العرب يسلم بها، لأننا لا نستطيع أن نخضع العرب لقواعد النحو، لكن لو أردنا أن ننشئ شعراً من عندنا، فهل لنا أن نسلك هذا المسلك؟
الجواب
نعم، لنا أن نسلك؛ لأنه ليس أهل الجاهلية أولى منا، وإن كانوا هم أعرب منا، وهم أهل العروبة، لكن نقول: الذي أجازه لهم لعله يسمح لنا، ولكن لو جاءنا رجل بنظم كله ضرورة فلا نأخذ به.
стр. 109
اتحاد ضمائر الجر والنصب المتصلة
قال المؤلف ﵀: [وكل مضمر له البناء يجب].
هذا الشطر أتى به المؤلف توطئة لما بعده، لأن حكمه معروف من الباب الذي سبق، في قوله: [والاسم منه معرب ومبني لشبه من الحروف مدني] على كل حال الضمائر كلها مبنية، وهذه تريح طالب العلم الضعيف في النحو؛ لأنه ينسق الضمير ويجعل بنيته واحدة سواء كان مرفوعاً أو منصوباً أو مجروراً.
ثم منها ما يبنى على الضم، مثل نحن، ومنها ما يبنى على السكون مثل أنا، ومنها ما يبنى على الفتح مثل قمتَ، ومنها ما يبنى على الكسر مثل قمتِ للمرأة.
قال ﵀: [ولفظ ما جر كلفظ ما نصب].
معناه أن الضمير إذا كان يصلح للجر وللنصب، فإن اللفظ فيه واحد.
ياء المتكلم تصلح للنصب وللجر فتقول: أكرمني وتقول: مر بي.
وفي الهاء تقول: أكرمه، مبنية على الضم، وتقول: مر به، مبنية على الكسرة، إذاً خرمت القاعدة، لوجود الكسرة قبلها.
فالقاعدة يستثنى منها مالم يوجد ما يوجب المخالفة، فإن وجد ما يوجب المخالفة فإنه يتبع.
ثم قال ﵀: [للرفع والنصب وجر نا صلح كاعرف بنا فإننا نلنا المنح] نا: ضمير متصل، يصلح للرفع والنصب والجر بلفظ واحد لا يتغير.
كاعرف بنا: هذا الجر.
فإننا: النصب.
نلنا: الرفع.
وتقول: قلنا: هذا ضمير مرفوع، وتقول: أكرمَنا، ضمير منصوب، وتقول: مر بنا، ضمير مجرور.
إذاً (نا) ضمير متصل صالح للرفع والنصب والجر.
стр. 110
مجيء الألف والواو والنون للغائب وغيره
قال ﵀: [وألف والواو والنون لما غاب وغيره كقاما واعلما] الألف من ضمائر الرفع المتصلة.
يقول: إن الألف والواو والنون تصلح للغائب وغيره.
فالألف ضمير يكون للرفع خاصة، لكنها تكون للغائب وللمخاطب، فتقول: قاما، وتقول: قوما؛ الأول للغائب، والثاني للمخاطب، والمخاطب حاضر، فتكون للغائب والحاضر، ومن جهة الإعراب تكون للرفع فقط.
والواو من جهة الإعراب للرفع فقط، وتكون للغائب والمخاطب، قال الله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ [البقرة:٢٣٨]، فهي للمخاطبين.
وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ [الصافات:٣٥]، وهذه للغائب.
والنون تكون للرفع فقط، وللنسوة، تقول: النساء يقمن، وتكون للمخاطب وللغائب، فتقول في الغائب: النساء يقمن، وتخاطب النساء فتقول: قمن.
فالألف والواو والنون بالنسبة للإعراب لا تكون إلا على وجه واحد وهو الرفع، وبالنسبة للحضور والغيبة تكون للحاضر والغائب.
ثم مثل المؤلف فقال: (كقاما واعلما).
والخلاصة في الياء أنها تكون للمخاطبة مرفوعة: تقومين، وتكون للمتكلم منصوبة ومجرورة ولا تكون مرفوعة، وأيضاً الياء في أكرمني غير الياء في تقومين، لأن الياء في تقومين مرفوعة وفي أكرمني منصوبة.
стр. 111
الضمائر التي تستتر وجوباً
قال المؤلف ﵀: [ومن ضمير الرفع ما يستتر كافعل أوافق نغتبط إذ تشكر قوله: (ومن ضمير الرفع ما يستتر): من: للتبعيض، والجار والمجرور خبر مقدم.
وما: مبتدأ مؤخر.
والاستتار الاختفاء.
وقوله: (ومن ضمير الرفع إلى آخره)، يدل على أن المراد بكلام المؤلف ما يستتر وجوباً؛ لأن من المستتر ما يستتر تارة وجوباً وتارة جوازاً، مثاله: افعل: فعل أمر مبني على السكون، وفاعله مستتر وجوباً تقديره أنت.
وهنا إشكال في قوله: (كافعل)، كيف دخلت الكاف وهي من حروف الجر على الفعل، ونحن نقول: كل كلمة دخل عليها حرف الجر فهي اسم؛ لأن المراد بها لفظها، كأنه قال: كهذا اللفظ، أو أن الكاف داخلة على مقدر تقديره: كقولك افعل.
أوافق: فعل مضارع مجزوم على أنه جواب فعل الأمر، وفاعله مستتر وجوباً تقديره أنا.
وهذا هو الصحيح.
وقيل: أوافق: مجزوم لأنه جواب لشرط مقدر تقديره: إن تفعل أوافق، ولكن الصحيح أنه لا داعي لهذا التقدير، لأن التقدير يطيل الكلام.
نغتبط: هذا جواب آخر للأمر، وهو فعل مضارع مجزوم، وفاعله مستتر وجوباً تقديره نحن.
إذ تَشْكُر أو تُشْكَر: يجوز الوجهان، والمراد به المخاطب، فهو فعل مضارع مرفوع بضمة ظاهرة، وفاعله مستتر وجوباً تقديره أنت.
فإن قيل: لماذا كرر الضمير الذي تقديره أنت في قوله: (افعل) وفي قوله: (تشكر)؟ قلنا: كرره ليشمل ما كان فعل أمر وما كان فعلاً مضارعاً، مع أن (تشكر) أحياناً يكون ضميره مستتراً جوازاً، كما إذا كان يتحدث عن امرأة، فيقول: المرأة تشكر الله، فهنا نقول: تشكر فيه ضمير مستتر جوازاً تقديره هي.
ما هو الضابط للمستتر وجوباً والمستتر جوازاً؟ هناك ضابط يسير: وهو أن ما كان تقديره أنا أو نحن أو أنت، فهو مستتر وجوباً، وما كان تقديره هو أو هي فهو مستتر جوازاً.
إلا أن الأخير يستثنى منه بعض الضمائر التي تقدر بهو أو هي ويكون مستتراً وجوباً، كأفعال التفضيل مثل: ما أحسن زيداً! يقولون: إن تقدير الجملة: شيء عظيم أحسن زيداً، فأحسن فيه ضمير مستتر يعود على (ما) والتقدير: (هو) لكنه مستتر وجوباً، قالوا: لأن مثل هذا التركيب يجري مجرى المثل، والأمثال في لغة العرب تبقى على ما هي عليه ولا تتغير، حتى إنك تقول لرجل فوت الفرصة ثم أراد استدراكها: الصيف ضيعتِ اللبن! إذا ً نقول: ما كان تقديره أنا أو نحن أو أنت، فهو مستتر وجوباً، وما كان تقديره هو أو هي فهو مستتر جوازاً.
أما على رأي آخرين من العلماء فيقولون: ما صح أن يحل محله الظاهر فهو مستتر جوازاً، وما لا فمستتر وجوباً.
فمثلاً: فاعل (اسكن) لا يحل محله الظاهر، فلا تقول: اسكن زيد.
على أن زيداً فاعل.
فإن قال قائل: فقول الله: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة:٣٥] قلنا: أنت هنا ليست هي الفاعل، بل هي ضمير فصل، والفاعل مستتر وجوباً في اسكن.
стр. 112
ضمائر الرفع المنفصلة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وذو ارتفاع وانفصال أنا هو وأنت والفروع لا تشتبه] يجوز أن نقول: ذو: خبر مقدم، و (أنا هو وأنت) مبتدأ مؤخر، ويجوز العكس.
ذكر المؤلف ﵀ في هذا البيت ضمير الرفع المنفصل، فقال: (وذو ارتفاع وانفصال أنا)، للمتكلم، (هو) للغائب (أنت) للمخاطب، وهي ضمائر منفصلة بارزة.
(والفروع لا تشتبه) يعني: أنها واضحة: ففرع أنا: نحن.
وأنت فروعها أربعة: أنتِ أنتما أنتم أنتن.
وهو فروعها أربعة أيضاً: هي هما هم هن.
فتكون ضمائر الرفع المنفصلة اثني عشر ضميراً، أنا ونحن، وأنت وأنتِ وأنتما وأنتم وأنتن، وهو وهي وهما وهن وهم.
وهذه الضمائر التي للرفع تستعار أحياناً للجر، فتدخل عليها الكاف وتكون في محل جر، فتقول: أنا كأنت.
أنت: في محل جر، لكن على سبيل الاستعارة لا على سبيل الأصالة.
وكذلك ربما تستعار ضمائر الرفع المنفصلة للنصب، فتقول: ضربت زيداً وهي، بدلاً من وإياها.
لكن استعارتها للجر كثيرة واستعارتها للنصب قليلة، والأصل فيها أنها ضمائر للرفع.
стр. 113
ضمائر النصب المنفصلة
[وذو انتصاب في انفصال جعلا إياي والتفريع ليس مشكلا] ذو: مبتدأ.
وهنا يتعين أن تكون مبتدأ، ولا يصح أن تكون خبراً مقدماً؛ لأن الخبر هنا جملة، وهي قوله: (جعلا إياي)، وقوله: جعلا بالألف، وهي للإطلاق.
وإياي: قصد لفظه نائب فاعل.
لكن كيف نقول: إياي نائب فاعل وهي ضمير نصب؟ نقول: المراد بذلك لفظها، أي: جعل هذا اللفظ.
وهنا يرد
السؤال
لماذا قال في هذه الضمائر: (وذو انتصاب في انفصال)، وقال قبله: (وذو ارتفاع وانفصال)، مع أنه لو قال هنا: وذو انتصاب وانفصال، لاستقام البيت؟ لم يتبين لي سبب إلا اختلاف التعبير فقط، وقد يقال: إن هناك فرقاً، وهو أن الضمير في إياي وما تفرع منه هو كلمة (إيا) فقط، وأما ضمائر الرفع فالكلمة كلها ضمير.
لكن في النفس من هذا شيء، لأن ضمائر الرفع المنفصلة يقولون فيها: إن الضمير هو (أن) فقط، والتاء حرف خطاب، أما هو وهي فكلها ضمير، فالظاهر لي والله أعلم أن هذا لمجرد تغيير العبارة.
إذاً: ضمائر النصب المنفصلة إياي وفروعها.
يقول: (والتفريع ليس مشكلا) إياي يتفرع منها: إيانا، إياكَ، إياكِ، إياكما، إياكم، إياكن، إياه، إياها، إياهما، إياهم، إياهن، فالجميع اثنا عشر ضميراً.
قال الله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، وقال تعالى: ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت:٥٦]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ:٢٤].
стр. 114
شرح ألفية ابن مالك [١٠]
إذا أمكن الإتيان بالضمير المتصل لم يجز الإتيان بالمنفصل إلا في ضرورة الشعر، وقد يجوز الإتيان بالمنفصل مع إمكان المتصل في باب (سأل)، والخلاف قائم في كان وأخواتها وخال وأخواتها، وإذا اجتمعت الضمائر فلها أحكام من حيث الوصل والفصل، وكذلك إذا اتصلت ياء المتكلم بالحرف أو الفعل فهل تجب نون الوقاية.
стр. 115
تابع الكلام على الضمائر
стр. 116
امتناع مجيء الضمير المنفصل إذا أمكن الإتيان بالمتصل
انتقل المؤلف إلى حكم التبادل بين الضمائر المتصلة والضمائر المنفصلة، وهل يحل أحدها محل الآخر أو لا في قوله: [وفي اختيار لا يجيء المنفصل إذا تأتى أن يجيء المتصل] في اختيار: جار ومجرور متعلق بقوله: يجيء، يعني: ولا يجيء الضمير المنفصل في الاختيار إذا أمكن أن يجيء المتصل.
فقوله في (اختيار): ضده الاضطرار، والاضطرار هو ضرورة الشعر، وعلى هذا يكون معنى قوله: (وفي اختيار) أي في حال النثر لا يجيء المنفصل إذا أمكن أن يجيء المتصل: أولاً: لأن المتصل أخصر.
وثانياً: لأنه أبين في المعنى، فإذا قلت: ضربتك، فهو أبين من قولك: ضربت إياك؛ لأنه أخص، والأخص أدل على المقصود من الأعم.
فلا يجوز أن أقول: أكرمت إياك؛ لأنه يمكن أن نأتي بالمتصل، وإذا أمكن أن نأتي بالمتصل وجب.
وفهم من كلامه أنه إذا لم يمكن أن نأتي بالمتصل أتينا بالمنفصل، وهذا يرجع إلى قواعد النحو.
فمثلاً: في الابتداء لا يمكن أن نأتي بالمتصل؛ لأن الضمير المتصل لا يأتي إلا بعد عامل.
ومثاله قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة:٥].
ومن قولهم: إياك أعني واسمعي يا جارة! فإذا قال القائل: يمكن أن نأتي بالمتصل فنقول: أعنيك، ويستقيم الكلام! نقول: هذا صحيح، لكن إذا أتينا بالمتصل على هذه الصيغة فاتنا المقصود بالتقديم وهو الحصر.
ولو قلت: نبعدك يا ربنا، استقام الكلام، لكن يفوت ما أراده المتكلم وهو الحصر.
إذاً: ليس معنى الضرورة أنه لا يمكن النطق إلا كذلك، وإنما هي التي إذا ارتكبناها فات مقصود المتكلم، وليست كضرورة أكل الميتة.
فنقدم مقصود المتكلم ونرتكب الانفصال محل الاتصال، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾ [الممتحنة:١]، إياكم: ضمير منفصل، ولو كان في غير القرآن لقلنا: يخرجونكم والرسول، واستقام الكلام، لكن قال: (يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ) من أجل تقديم الرسول؛ لأن إخراج الرسول أعظم منكراً من إخراجهم، فبدأ بالأعظم نكارة.
لو قال القائل: لماذا لا يقال: يخرجون الرسول وكم؟ قلنا: الضمير المتصل لا بد أن يتصل بعامله، وهنا واو عطف، والعطف يقتضي انفصال المعطوف عن المعطوف عليه، ولا يمكن أن يلي الضمير المتصل حرفاً من حروف العطف؛ لأن حرف العطف يقتضي الفصل.
خلاصة البيت: متى أمكن أن يؤتى بضمير المتصل فإنه لا يجوز أن يؤتى بالضمير المنفصل.
стр. 117
حالات جواز مجيء الضمير المنفصل مع إمكان مجيء المتصل
ثم استثنى من هذه القاعدة ثلاث مسائل، فقال: [وصل أو افصل هاء سلنيه وما أشبهه في كنته الخلف انتمى كذلك خلتنيه واتصالا أختار غيري اختار الانفصالا] (أو) في قوله: (صل أو افصل) للتخيير، يعني: يجوز الوصل والفصل في الهاء من سلنيه، وما أشبه الهاء في سلنيه.
ولنعد إلى (سلنيه) حتى نعرف ما أشبهها: سلني بمعنى: اسألني عطاءً، وليس المعنى سلني عن خبر، بل السؤال هنا من سؤال العطية، وفعلها الماضي سأل، فإذا قلت: سألنيه، يجوز في الهاء الوصل والفصل؛ لأنه قال: (صل أو افصل هاء سلنيه وما أشبهه)، فتقول: سلنيه، وتقول: سلني إياه، ويجوز أن أقول: سألنيه، ويجوز أن أقول: سألني إياه.
والذي يشبه سلنيه: كل فعل ينصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر.
تقول: الثوب كسانيه، الثوب كساني إياه؛ لأن (كسا) من باب سأل، تنصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر.
وتقول: الدرهم أعطانيه، الدرهم أعطاني إياه.
والوصل أفضل، وأخذنا هذا من وجهين: الوجه الأول لفظي: وهو أن المؤلف قدم (صل) على (افصل) والتقديم يشعر بأنه أولى.
والثاني معنوي: وهو أن الأصل هو الاتصال.
وقوله: (في كنته الخلف انتمى كذاك خلتنيه).
انتمى: أي انتسب للنحويين.
والخلف: هو الخلاف.
في كنته: يعني في كان وأخواتها.
كذاك خلتنيه: أي خال وأخواتها.
فكان ترفع الاسم وتنصب الخبر، واسم كان الضمير (التاء) مبنياً على الضم في محل رفع، والهاء في محل نصب خبر.
الخلف: مبتدأ.
انتمى: الجملة خبر الخلف.
يقول: (كذاك خلتنيه): كذاك: الجار والمجرور خبر مقدم.
وخلتنيه: مبتدأ مؤخر، وهي جملة مكونة من فعل وفاعل ومفعوليه؛ لكن المراد اللفظ ولهذا قال المعربون للألفية: إن مقول القول في قول ابن مالك (قال محمد هو ابن مالك) كل الألفية كما تقدم.
واتصالا: مفعول به مقدم لـ (أختار).
ورجح الاتصال لأنه الأصل ولأنه أخصر، فاختياره وجيه، لكنه قال: (غيري اختار الانفصالا).
وغيره هم كل الناس، لكن هذا عموم يقصد به الخصوص، قالوا: إنه يريد سيبويه، ويجوز أن يراد بالعام فرد من أفراده، وفي القرآن: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران:١٧٣]، والمقصود بالناس أبو سفيان بن حرب فعلى رأي ابن مالك تقول: المجتهد كنته.
وعلى رأي سيبويه تقول: المجتهد كنت إياه.
وفي الحديث عنه ﵊ لما استأذنه عمر في قتل ابن صياد قال: (إن يكنه فلن تسلط عليه، وإلا يكنه فلا خير لك في قتله)، وابن مالك تابع لهذا الحديث.
стр. 118
حكم تقديم الأخص من الضمائر على غيره
يقول ﵀: [وقدم الأخص في اتصال وقدمن ما شئت في انفصال] عرفنا الضمير المتصل والضمير المنفصل، فإذا اجتمع ضميران فأيهما يقدم؟ يقول المؤلف: في حال الاتصال قدم الأخص، وفي حال الانفصال قدم ما شئت.
وحينئذ نحتاج إلى معرفة الأخص من غير الأخص: فأخص الضمائر ضمير المتكلم، لأنه لا يحتمل غيره، ومن بعده ضمير المخاطب؛ لأن المخاطب قد يكون واحداً وقد يكون متعدداً فهو أوسع من ضمير المتكلم، ثم ضمير الغائب.
فإذا اجتمعت ضمائر من جنس واحد -في رتبة واحدة- فإنه سيأتينا كلام المؤلف عليها، لكن إذا كانت مختلفة الرتب فإنه يجب أن نقدم الأخص في الاتصال.
مثال ذلك: إذا قلت: الدرهم أعطيتنيه ففيها ضميران كلاهما مفعول وهما الياء والهاء، فلا يجوز أن تقول: أعطيتهوي لأن ياء المتكلم أخص من ضمير الغائب.
فيجب أن تقدم الأخص في الاتصال ووجه الوجوب أن قولك: أعطيتهوي كلام ثقيل، وأعطيتنيه كلام خفيف، وكلما كان الكلام أخف على اللسان فهو أولى.
وكذلك: أعطيتكه؛ فالكاف ضمير المخاطب وهو أخص من الهاء التي هي ضمير الغائب، فيجب أن تقول: أعطيتكه، ولا يجوز أن تقول: أعطيتهوك؛ لأنك لو قلت: أعطيتهوك، لقدمت غير الأخص على الأخص في حال الاتصال.
أما في حال الانفصال فيقول: (وقدمن ما شئت في انفصال): أي: إذا كان الضمير منفصلاً فقدم الأخص أو غير الأخص، فأعطيتنيه إذا فصلت الضمير الأخص، وقلت: (أعطيته إياي) جاز، لأن الأخص كان ضميراً منفصلاً فيخف على اللسان، ولا شك أن قولك: أعطيته إياي خفيفة على اللسان.
стр. 119
وجوب الفصل عند اتحاد الرتبة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي اتحاد الرتبة الزم فصلا وقد يبيح الغيب فيه وصلا] يعني إذا كان الضميران في رتبة واحدة فإنه يجب الفصل لئلا يجتمع ضميران متصلان في كلمة واحدة، مثال ذلك: إذا قال العبد لسيده: ملكتني إياي، كلاهما ضمير المتكلم فيجب أن يفصل ويقول: ملكتني إياي، فلو قال: ملكتنيي، قلنا: هذا ممنوع، حتى لا يجتمع ضميران متصلان مع اتحاد الرتبة.
وكذلك أيضاً لو كانا لمخاطب، مثل أن يقول السيد لعبده: ملكتك إياك، أي ملكتك نفسك، فهنا لا يجوز أن يقول: ملكتكك؛ لأنه ثقيل.
وكذلك في الغائب، مثل: أعطيته إياه، ولا يجوز أن نقول: أعطيتهوه إلا على قوله: (وقد يبيح الغيب فيه وصلا) يعني قد يجتمع ضميران للغائب في رتبة واحدة ويكونان متصلين.
وخلاصة كلام المؤلف أنه إذا اجتمع ضميران متصلان في رتبتين مختلفتين فيجب تقديم الأخص، وإن كانا منفصلين جاز تأخير الأخص، وإذا كانا في رتبة واحدة وجب الفصل، ولم يجز الاتصال، إلا إذا كانا للغائب فقد يبيح الغيب فيه وصلا، فيقول أعطيته إياه وأعطيتهوه.
стр. 120
الكلام على نون الوقاية مع ياء المتكلم
стр. 121
وجوب نون الوقاية في الأفعال إذا اتصل بها ياء المتكلم
ثم قال المؤلف: [وقبل يا النفس مع الفعل التزم نون وقاية وليسي قد نظم].
انتقل المؤلف ﵀ إلى حكم اتصال الضمير بالفعل فقال: (وقبل يا النفس مع الفعل التزم نون وقاية) أي: التزم من قِبَلِ أهل اللغة العربية أنه إذا جاء ضمير المتكلم -وهو الياء- متصلاً بالفعل، فإنه يجب أن تقترن به نون الوقاية، مثال ذلك: أكرمني، ولا يجوز أن تقول: أكرمي.
وقول المؤلف: (مع الفعل) يشمل الماضي كما مثلنا، والمضارع كما لو قلت: فلان يكرمني، والأمر كما لو قلت: أكرمني، فيتعين الإتيان بنون الوقاية.
وسميت نون الوقاية لأنها تقي الفعل الكسر، لأن ياء المتكلم يكون ما قبلها مكسوراً، والفعل لا يكسر، فيؤتى بنون الوقاية ليكون الكسر في النون فتقول: أكرمني، لأنك لو نطقت الفعل بدون نون لكانت العبارة: أكرمي، يكرمي، أكرمي، وهذا لا يصح في الأفعال.
стр. 122
جواز مجيء (ليسي) في الشعر
قال: [وليسي قد نظم].
يعني أن (ليس) فعل من الأفعال، لكنها من الأفعال الجامدة، والجامدة عندهم هي التي لا تتصرف، مأخوذة من الجمود وهو الركود وعدم الانسياب، والمائع هو الذي ينساب ولا يركد.
فـ (ليس) فعل جامد لا يتصرف، فليس لها فعل مضارع ولا فعل أمر، ولكنها من الأفعال، فإذا اتصل بها ياء المتكلم، فهل يجب أن تقترن بها نون الوقاية؟ نقول: كلام المؤلف يدل على وجوب ذلك، لكنها قد جاءت في النظم غير مقرونة بنون الوقاية، ولهذا قال: (وليسي قد نظم)، يعني: جاء في الشعر (ليسي) بدون النون، وهو قول الشاعر: عددت قومي كعديد الطيس إذ ذهب القوم الكرام ليسي ولم يقل: ليسني أو ليس إياي، بل قال: ليسي، فأتى بالضمير المتصل بدون نون الوقاية، لكن هذا لضرورة الشعر، والشعر يجوز فيه ما لا يجوز في النثر، لأنه يجبر الشاعر على أن يرتكب ما لا يجوز من أجل الوزن، وأنشدتكم سابقاً قول صاحب الملحة: وجائز في صنعة الشعر الصلف أن يصرف الشاعر ما لا ينصرف فالشعر صلف يجبر صاحبه على أن يرتكب ما لا يجوز في النثر.
стр. 123
حكم نون الوقاية مع الحروف
قال المؤلف ﵀: [وليتني فشا وليتي ندرا].
انتقل المؤلف إلى نون الوقاية في الحروف، أي: هل تقترن نون الوقاية في الحروف إذا اتصلت بياء المتكلم؟
الجواب
من الحروف ما يقترن بنون الوقاية ومنها ما لا يقترن، فمثل: إلى، تقول: إلي، ولا تقول: إليني، على؛ تقول: عليَّ، ولا تقول: عليني.
وبعض الحروف تدخلها نون الوقاية، ولهذا قال المؤلف: (وليتني فشا)، فـ (ليت) هنا حرف دخلت عليها نون الوقاية بكثرة، قال الله تعالى في القرآن: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٧٣].
وقوله: (وليتي ندرا) يعني أنه يندر حذف نون الوقاية من ليت، ومعنى يندر: يَقِلّ، فتقول: ليتي قائم، بدل: ليتني قائم، وهل يُغلَّط من جاء بذلك وقال: ليتي قائم؟ الجواب: لا يغلط، لكن يقال: الأكثر ليتني وهو الأفصح أيضاً.
قال: (ومع لعل اعكس)، يعني ونون الوقاية مع لعل على العكس من ليت، فيكون الفاشي فيها حذف النون، والقليل إثبات النون.
قال الله ﵎: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠]، وقال عن فرعون: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ [غافر:٣٦ - ٣٧]، ولم يقل: لعلني، ومع ذلك لو قال قائل: لعلني قائم أو لعلني فاهم لم ينكر عليه، لأنه جائز لغة لكنه قليل.
(وكن مخيراً في الباقيات): كن مخيراً بين النون وعدمها في الباقيات من إن وأخواتها؛ فيجوز فيها على السواء إثبات النون وحذفها، فتقول: إني وإنني، قال الله تعالى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ﴾ [طه:١٤]، فأثبت النون.
وقال عن نوح إنه قال لقومه: ﴿إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [هود:٢٥]، وكذلك تقول: لكنني ولكني على السواء، وليس من ذلك قوله تعالى: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ [الكهف:٣٨] لأن أصلها: لكن أنا هو الله ربي، ولهذا كتبت بالألف.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [واضطراراً خففا مني وعني بعض من قد سلفا] اضطراراً: مفعول لأجله.
مني وعني: مفعول خفف باعتبار اللفظ، وإلا فالأصل أن العامل لا يتسلط على الحرف.
والمعنى: خفف هذا اللفظ (مني وعني) بعض من قد مضى من العرب في حال الضرورة وهي الشعر، لأنه يضطر الإنسان إلى شيء لا يريده، ومن ذلك قول الشاعر: أيها السائل عنهم وعني لست من قيس ولا قيس مني لو قال: أيها السائل عنهم وعنيَّ، لست من قيس ولا قيس منيَّ، لاختل البيت.
قال رحمه الله تعالى: [وفي لدنيََ لدني قلَّ] لدنيِّ أصله لدي، ويقال فيه: لدن، قال الله تعالى: ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل:٦]، فإذا اتصلت بها ياء المتكلم يقال: لدنيِّ بإثبات نون الوقاية ويقال: لدُنيِ، لكن هذا قليل، إلا أنه وارد عن العرب.
قال: [وفي قدني وقطني الحذف أيضاً قد يفي].
قدني: أي حسبي.
وقطني: أي حسبي.
الحذف أيضاً قد يفي: أي قد يكون جائزاً.
стр. 124
شرح ألفية ابن مالك [١١]
من أنواع المعارف العلم، وهو في الرتبة بعد الضمير، وينقسم إلى علم مرتجل وعلم منقول، وإلى مركب وغير مركب، والمركب أقسام، وكذلك منه علم شخصي وعلم جنسي.
стр. 125
العلم
стр. 126
تعريف العلم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [العلم].
العلم في المرتبة الثانية بعد الضمائر، إلا علماً على مسمى واحد، وهو الله ، فهذا أعرف المعارف بالاتفاق، فإذا قلت: الله ربي، الله ربنا، لا يمكن أن يتخيل الإنسان سوى الله ، فلهذا قالوا: إن العلم الذي هو اسم الله هو أعرف المعارف؛ لكن علم غيره يأتي في المرتبة الثانية، ولهذا أتى به المؤلف ﵀ بعد ذكر الضمير، فما هو العلم؟ الأصل في العلم: الشيء الظاهر البين كالجبال، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ﴾ [الشورى:٣٢]، أي كالجبال، ولكنه هنا غير المعنى الذي جاءت به اللغة العربية، إلا أنه يوافقه في أصل الاشتقاق والمعنى، فقال المؤلف: [اسم يعين المسمى مطلقا علمه].
يعني علم الاسم، فاسم: مبتدأ.
يعين المسمى: صفته.
علمه: خبر المبتدأ.
فعلم الأسماء هو الاسم الذي يعين مسماه تعييناً مطلقاً، ومعنى قوله: (مطلقاً) أي بدون حاجة إلى واسطة.
فخرج بذلك ما يعين مسماه بواسطة كاسم الإشارة مثلاً، فإنه يعين مسماه بواسطة الإشارة؛ لأن الأصل إذا قلت: هذا محمد، الأصل أني أشير إليه، ولهذا قيل: اسم إشارة.
وخرج به الاسم الموصول؛ لأنه يعين مسماه بالصلة، لو قلت: (جاء الذي) لم يتعين المسمى، فإذا قلت مثلاً: جاء الذي قام، تعين بصلته.
وخرج المضاف إلى المعرفة، فإنه يعين مدلوله بواسطة الإضافة.
وخرج الضمير لأنه يعين مسماه بواسطة الغيبة أو الحضور.
المهم أن الذي يعين مسماه مطلقاً هو العلم.
قال: [كجعفر وخرنقا وقرن وعدن ولاحق وشذقم وهيلة وواشق].
أكثر المؤلف ﵀ من الأمثلة، ولو أتى بمثال أو مثالين لكفى.
قوله: (لجعفر): اسم رجل.
قوله: (وخرنقا): اسم امرأة، لكنه غير مألوف عندنا ولا معروف، فإني ما سمعت بامرأة تسمى خرنقا.
قوله: (وقرن): اسم قبيلة ينتسب إليها أويس القرني الذي أخبر عنه النبي ﵊.
(وعدن): اسم بلد معروف.
(ولاحق): اسم فرس، كالعضباء والقصواء لناقتي رسول الله ﵌.
(وشذقم): اسم جمل.
(وهيلة): اسم شاة.
(وواشق): اسم كلب.
هذه كلها أمثلة مثل بها المؤلف لأشياء مألوفة، إما من بني آدم أو من الحيوانات، ولكن مع ذلك ربما توضع أعلام لأشياء غير مألوفة كما سيأتي في آخر الباب إن شاء الله تعالى.
стр. 127
أنواع العلم
ثم قال: [واسماً أتى وكنيةً ولقبا].
اسماً: حال مقدمة، يعني: وأتى العلم اسماً.
وكنية: معطوفة على (اسماً) يعني: وأتى كنية.
ولقباً: معطوفة على (اسماً) أي: وأتى لقباً.
فبين المؤلف في هذا الشطر من هذه الأرجوزة أن العلم ينقسم إلى ثلاثة أقسام: - اسم.
- وكنية.
- ولقب.
فالاسم: ما جعل علامة على المسمى بدون إشعار بمدح أو ذم، مثل: زيد، بكر، خالد، وغالب الأعلام أسماء.
واللقب: ما جعل علماً مشعراً بمدح أو ذم، مثل: قفة، اسم رجل، فإنه اسم مشعر بذم.
ويظهر لي أن القفة إناء توضع فيه الحاجات.
زين العابدين: لقب لأنه أشعر بمدح، فما وضع علماً مشعراً بمدح أو ذم فهو لقب.
الثالث كنية: وهي ما صدر بأب أو أم.
وبعضهم قال: أو عم أو خال، مثل: أبي بكر، أبي هريرة، أم الفضل، لزوجة العباس بن عبد المطلب.
وقد تكون الكنية كنيةً لقباً، إذا كني الشخص بما يدل على المدح، مثل: أبو الجود، فهو كنية باعتبار أنه صدر بأب، ولقب باعتبار أنه يشعر بمدح.
ومن ذلك أبو لهب فهذا لا شك أنه يشعر بذم فيكون كنية من وجه، ولقباً من وجه آخر.
وهل يمكن أن يجتمع الاسم واللقب؟
الجواب
لا، لأنه إذا اشعر بمدح أو ذم انتقل من الاسمية إلى اللقب.
стр. 128
الترتيب بين الاسم والكنية واللقب
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأخرن ذا إن سواه صحبا].
أخرن ذا: المشار إليه أقرب مذكور وهو اللقب، يعني: إذا اجتمعت هذه الثلاثة يجب تأخير اللقب عن أخويه الاسم والكنية فتقول مثلاً: جاء محمد زين العابدين، ولا تقول: جاء زين العابدين محمد على كلام المؤلف لأنه قال: (وأخرن ذا) وهذا فعل أمر، والأمر هنا للوجوب وليس أمر استحباب، ولكنهم استثنوا من ذلك ما إذا كان الإنسان مشهوراً بلقبه، فإنه يجوز تقديم اللقب مثل: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [النساء:١٧١]، فهنا قدم اللقب لأنه كان مشهوراً به.
وإنما يجب تأخير اللقب عن الاسم؛ لأن اللقب بمنزلة الصفة، والصفة لا تكون إلا بعد معرفة الموصوف، وحينئذٍ يلزم تقديم الاسم لنأتي باللقب ليكون كالوصف له، ولهذا إذا كان المسمى مشهوراً باللقب يجوز تقديمه، ومن ذلك الإمام أحمد والإمام الشافعي وما أشبه ذلك، فإنا نقول: قال الإمام أحمد ولا نقول: قال أحمد الإمام، فالأول هو المألوف لأنه اشتهر بهذا اللقب فقدم؛ ولكن لو قال قائل: أفلا يمكن أن نجعل الإمام صفة؟ قلنا: بلى، لكن الإمام إذا أطلق عند أصحابه فالمراد به إمام المذهب، ولهذا في كتب الشافعية إذا قال: قال الإمام فهو الشافعي، وفي كتب الحنابلة أحمد، وفي كتب الأحناف أبو حنيفة، وفي كتب المالكية مالك.
وظاهر قول المؤلف: (أخرن ذا إن سواه صحبا)، أنه يجب الترتيب بين الكنية واللقب، فتؤخر اللقب، فلا يجوز على كلام المؤلف: قال الصديق أبو بكر، بل يجب أن نقول: قال أبو بكر الصديق، ولكن في هذا نظر، والصحيح أنه لا ترتيب بين الكنية واللقب، لأن الكنية تشبه عطف البيان، فهي قريبة من معنى الصفة، فيجوز أن يتقدم اللقب ويجوز أن يتأخر، فقول المؤلف: (إن سواه صحبا) ليس على الإطلاق هكذا قال الشراح.
فعلى ترتيب المؤلف نبدأ بالاسم ثم الكنية ثم اللقب فنقول: قال عبد الله أبو بكر الصديق؛ لكن الواقع أن أبا بكر ﵁ قد اشتهر بـ الصديق، فبناءً على الاستثناء الذي ذكرنا يجوز أن نقول: قال الصديق أبو بكر عبد الله أو عبد الله أبو بكر؛ لأنه مشتهر به.
ونقول: قال عمر بن الخطاب الفاروق، وإذا اشتهر به قلنا: قال الفاروق عمر بن الخطاب ﵁، وهذا هو الذي عليه العمل.
стр. 129
حالات الاتباع والإضافة عند اجتماع الاسم واللقب
قال المؤلف: [وإن يكونا مفردين فأضف حتماً وإلا أتبع الذي ردف] إن يكونا: أي: الاسم واللقب، (مفردين) والمفرد هنا ما ليس بمضاف ولا شبيهاً به، وليس المراد بالمفرد ما يقابل المثنى والجمع، لأن المثنى والجمع لا يكونان علمين، وإذا قدر أنه جعل علماً صار ملحقاً بالجمع وصار له حكم المفرد من حيث المعنى وحكم الجمع من حيث الإعراب.
يقول: (وإن يكونا مفردين فأضف حتماً وإلا أتبع الذي ردف) إن يكونا مفردين، مثل: محمد الفاتح، محمد اسم، والفاتح لقب، يقول المؤلف: إنه تجب الإضافة فتقول جاء محمد الفاتح؛ ولكن هذا أيضاً فيه نظر، والصحيح أنه تجوز الإضافة ويجوز القطع ويكون الثاني وصفاً لا سيما إذا قدمنا الاسم على اللقب؛ لأنه يشبه الصفة والموصوف، فيجوز: محمدُ الفاتحِ بالإضافة، ويجوز: محمدٌ الفاتحُ بالتنوين.
أما جاء محمدٌ الفاتحُ فلا إشكال فيها من حيث المعنى، وإنما الإشكال إذا قلنا جاء محمدُ الفاتحِ، إذ كيف صح أن يضاف الشيء إلى نفسه؟ يقول: هذا على تأويل، فيؤول الاسم الأول بمسمى والثاني بالاسم، ويكون التقدير على هذا: جاء مسمى هذا الاسم.
فالحاصل أن معنى قول المؤلف ﵀: (وإن يكونا مفردين فأضف) أي: إذا كان الاسم واللقب مفردين، وإنما حملنا ذلك على الاسم واللقب لأن الكنية لا بد أن تكون مضافة، ولا يمكن أن تأتي مفردة، إذ إن الكنية ما صدر بأب وأم وابن وعم وخال وما أشبه ذلك.
وليس المراد بالمفرد هنا المفرد في باب الإعراب؛ لأن المفرد في باب الإعراب ما ليس مثنى ولا مجموعاً ولا ملحقاً بهما، والمفرد هنا ما ليس بمركب، فإذا كانا مفردين قال: (فأضف حتماً) يعني: وجب أن يضاف الأول إلى الثاني.
مثاله: جاء علي قفة، فقفة: لقب، وعلي: اسم، وعلي مفرد، وقفة مفرد، فيجب على كلام المؤلف أن أقول: جاء عليُّ قفةَ، فأضيف الأول إلى الثاني، ولكن الصحيح خلاف ذلك، وأن الإضافة هنا جائزة، وليست بواجبة، بل سيأتينا إن شاء الله في باب الإضافة أنه لا يضاف اسم لما به اتحد معنى.
قال ابن مالك: ولا يضاف اسم لما به اتحد معنى وأول موهماً إذا ورد فهنا لا نوجب أن يضاف الأول إلى الثاني، بل أعلى ما نقول: إنه يجوز إضافة الأول إلى الثاني؛ وذلك لأن الإضافة تقتضي شيئين: أحدهما المضاف، والثاني المضاف إليه، والأصل فيهما التغاير، فلا يضاف الشيء إلى نفسه.
فإذا أضفنا وقلنا: (جاء عليُّ قفةَ) فإنه يؤول، فيقال: جاء ملقب هذا الاسم أو مسمى هذا اللقب، وذلك حتى يستقيم المعنى.
قال: (وإلا أتبع الذي ردف) يعني: وإلا يكونا مفردين، فيشمل ما إذا كانا مركبين، أو كان الأول مركباً والثاني مفرداً، أو كان الأول مفرداً والثاني مركباً.
وقوله: (أتبع) فعل أمر يقتضي الإلزام.
وأيضاً قوله: (أتبع) لم يذكر فيه نوع التابع، ولكنه يعرب على أنه عطف بيان لما قبله، أو بدل منه.
وقوله: (الذي ردف) هو الثاني، يعني: أتبع الثاني الأول.
والصور الثلاث داخلة تحت قوله: (وإلا) لكن ينبغي أن تكون الصورة التي فيها إفراد الأول وتركيب الثاني كالصورة التي يكون فيها الاثنان مفردين في الحكم؛ وذلك لأنهما إذا كانا مركبين تعذر إضافة الأول إلى الثاني، وإذا كان الأول مركباً والثاني مفرداً تعذر إضافة الأول إلى الثاني، وإذا كان الأول مفرداً والثاني مركباً لم يتعذر إضافة الأول إلى الثاني، كما لا تتعذر إضافة الأول إلى الثاني فيما إذا كانا مفردين.
وعلى هذا فالقياس أنه إذا كان الأول مفرداً والثاني مركباً جاز الوجهان: الإضافة والإتباع، فإذا قلت: (جاء علي زين العابدين)، ففي هذا المثال جاء الأول مفرداً والثاني مركباً فيجوز على القياس أن تقول: (جاء عليُّ زينِ العابدين)، ويكون التقدير: جاء مسمى هذا اللقب؛ وذلك لأن إضافة الأول إذا كان مفرداً إلى الثاني جائزة ليس فيها محذور.
ولو قلت: (جاء عبد الله زين العابدين) لتعين الإتباع؛ لأن كلاً منهما مركب.
ولو قلت: (جاء عبد الله قفة) لتعين الإتباع أيضاً؛ لأن الأول تتعذر إضافته إلى الثاني، فصارت الصور أربعاً: أن يكونا مفردين.
وأن يكون الأول مفرداً والثاني مركباً.
وأن يكونا مركبين.
وأن يكون الأول مركباً والثاني مفرداً.
стр. 130
العلم المنقول والعلم المرتجل
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومنه منقول كفضل وأسد وذو ارتجال كسعاد وأدد] الإعراب: منه: خبر مقدم.
منقول: مبتدأ مؤخر.
وذو ارتجال: الواو حرف عطف، ذو: مبتدأ خبره محذوف؛ لأن هذا قسيم الأول، فإذا كان قسيماً له فإنه لا يصلح عطفه عليه؛ لأنه لو صح عطفه عليه لكان قريناً له، وله مثال في القرآن وهو قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود:١٠٥] فلا يجوز أن تجعل (سعيد) معطوفة على شقي؛ لأن الشقي يقابل السعيد، بل نقول: سعيد مبتدأ خبره محذوف، والتقدير: ومنهم سعيد، والمعنى هنا: ومنه ذو ارتجال.
والعطف هنا عطف جملة على جملة.
أفادنا المؤلف هنا أن العلم ينقسم إلى قسمين: قسم منقول، وقسم مرتجل.
فالمنقول معناه أنه منقول من شيء سابق كفضل، فأصله مصدر فَضَل يَفْضُل فَضْلاً، وأسد منقول من اسم جنس الحيوان المفترس المعروف، ويسمى به البشر، فيقال: أسد بن موسى.
ومن المنقول ما نقل عن اسم المفعول، مثل منصور ومسعود، وما نقل عن اسم الفاعل، مثل صالح وحامد، وما نقل عن اسم المبالغة، مثل حماد عباس.
والمرتجل: ما لم يسم به شيء قبله كسعاد اسم امرأة، وأدد اسم رجل.
أما نحو (عبد الله) فهو اسم مركب؛ لأنا نقول: (عبد) منقول من اسم جنس، و (الله) من علم سابق، لكن هذا لا يصح؛ لأن الاسم للجميع، فيكون هذا من باب المرتجل.
стр. 131
العلم المركب من جملة والمركب المزجي
قال المؤلف: [وجملة وما بمزج ركبا ذا إن بغير ويه تم أعربا].
(وجملة) الواو حرف عطف، جملة: مبتدأ خبره محذوف، والتقدير: ومنه جملة.
(وما بمزج ركبا) يعني: والذي ركب بمزج، أي بخلط، حيث تخلط الكلمتان حتى تكونا كلمة واحدة.
و (ما) هنا اسم موصول مبتدأ خبره محذوف.
(ذا) الإشارة تعود إلى أقرب مذكور وهو المركب تركيباً مزجياً، ومحلها من الإعراب مبتدأ.
وإن: شرطية، وفعل الشرط (تم).
وبغير ويه: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بتم.
أُعربا: فعل ماض مبني للمجهول، وهو جواب الشرط والتقدير: هذا إن تم بغير ويه أعرب، أي: وإن ختم بويه بني، كما هو المفهوم؛ لأن المفهوم يثبت له نقيض حكم المنطوق، فإذا كان المنطوق أنه إذا ختم بغير ويه يعرب فإن المفهوم أنه إذا ختم بويه يبنى.
قوله: (وجملة) يعني: من الأعلام ما يكون جملة، وهل الذي يكون جملة يعتبر منقولاً؟ نقول: نعم، هو منقول من جملة، والجملة قد تكون جملة فعلية، وقد تكون جملة اسمية، فمن الفعلية قولهم: شاب قرناها، أي: قرنا البقرة أو الشاة، وهو علم على رجل.
ومنه أيضاً تأبط شراً، فنقول: قام تأبط شراً، وضربت تأبط شراً، ومررت بتأبط شراً.
قيل: ومنه شمَّر اسم قبيلة، وأصل (شمر) فعل ماض، وخالف بعضهم: فقال: شمر ليس من باب الجملة؛ لأنه لم يذكر فيها المسند إليه وهو الفاعل، فلا يكون مركباً، وإنما المركب ما وجد فيه المسند والمسند إليه.
والمركب من جملة اسمية مثل: الشنفري، يقال أصله: الشن فرى.
وكذلك لو سميت شخصاً فقلت: الثغر باسم، تقول: جاء الثغر باسم، ضربت الثغر باسم، مررت بالثغر باسم.
والمركب من جملة يبقى محكياً بالجملة، أي: تبقى الجملة على ما هي عليه، ويقدر الإعراب على آخرها، فإذا قلت: جاء شاب قرناها، فإعرابه: جاء: فعل ماض.
شاب قرناها: فاعل مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها الحكاية؛ لأننا نحكي الجملة كما هي.
ضربت الثغر باسم: ضربت: فعل وفاعل.
الثغر باسم: مفعول به منصوب وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها الحكاية.
مررت بتأبط شراً: مررت: فعل وفاعل.
والباء: حرف جر.
تأبط شراً: اسم مجرور بكسرة مقدرة على آخره منع من ظهورها الحكاية.
قوله: (وما بمزج ركبا)، يعني: وما ركب تركيباً مزجياً مثل قولهم: بعلبك اسم مكان، وحضرموت اسم مكان أيضاً، ومعد يكرب اسم رجل.
فهذا المركب تركيباً مزجياً يعرب بالحركات على آخره، لكنه يعرب إعراب ما لا ينصرف، فتقول مثلاً: سكنت بعلبكَ، وهذه بعلبكُ، ومررت ببعلبكَ.
هذه بعلبك: هذه: مبتدأ.
بعلبك: خبر المبتدأ مرفوع بضمة ظاهرة في آخره.
وسكنت بعلبك؛ بعلبك: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
ومررت ببعلبك؛ بعلبك: اسم مجرور بالباء وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه اسم لا ينصرف، والمانع له من الصرف التركيب المزجي.
إذاً: المركب تركيباً مزجياً يعرب إعراب الاسم الذي لا ينصرف، فيعرب بحركات على آخره، إلا أنه يجر بالفتحة نيابة عن الكسرة.
قوله: (ذا) أي المركب تركيباً مزجياً إن تم بغير ويه أعرب كما سبق، فإن تم بويه فإن المشهور عندهم أن يكون مبنياً على الكسر؛ لأن أصل (ويه) اسم فعل، وأسماء الأفعال كلها مبنية، مثال ذلك: سيبويه، فهو اسم مركب تركيباً مزجياً، فتقول: هذا سيبويهِ، وأكرمت سيبويهِ، ومررت بسيبويهِ، بالبناء على الكسر.
ومن ذلك خالويه، اسم رجل مركب من (خال) ومن (ويه)، ومنه: نفطويه مركب من (نفط) و (ويه)، وهو من علماء النحو، ويقال: إن رجلاً قرأ علم النحو وعجز عنه، فدعا عليه قال: لا بارك الله في النحو ولا أهله إذ كان منسوباً إلى نفطويه أحرقه الله بنصف اسمه وجعل الباقي صراخاً عليه نصف اسمه (نفط)، والباقي (ويه).
стр. 132
خلاصة في بعض أقسام العلم
والحاصل أن التقسيمات التي ذكرها المؤلف هي أنه أولاً قسم العلم إلى منقول ومرتجل.
والمنقول يكون من مصدر، واسم جنس، واسم مفعول، واسم فاعل، وصيغة مبالغة، ومنه المنقول من الفعل مثل: شمر، ويزيد.
والقسم الثاني: المرتجل الذي لم يسم به قبل العلم، مثل سعاد وأدد، والظاهر أن زينب ومريم من ذلك.
ثم قسمه تقسيماً آخر إلى جملة وإلى مركب، وإن شئت فقل: إلى مركب تركيب جملة، ومركب تركيباً مزجياً، والمركب من جملة يكون من جملة اسمية ويكون من جملة فعلية، وكيفية إعرابه أن تبقي الجملة على ما هي عليه محكية وتقدر علامات الإعراب عليها تقديراً، وتقول: المانع من ظهورها الحكاية.
أما التركيب المزجي فذكر أنه ينقسم إلى قسمين: الأول ما ختم بويه، والثاني: ما لم يختم بها، فما ختم بويه فهو مبني على الكسر في جميع الحالات، وما لم يختم بها فهو معرب إلا أنه يجر بالفتحة نيابة عن الكسرة لأنه اسم لا ينصرف، والله أعلم.
والفائدة من التقسيم بالنسبة للمنقول والمرتجل، أن تعرف أنه منقول ومرتجل، وأيضاً بالنسبة للمنقول: إذا نقل من اسم الفاعل فقد يكون فيه فائدة بالنسبة لأسماء الله وأسماء الرسول، وهو أنه دال على المعنى الذي اشتق منه.
стр. 133
العلم المركب تركيباً إضافياً
قال المؤلف ﵀: [وشاع في الأعلام ذو الإضافة كعبد شمس وأبي قحافة] شاع: بمعنى كثر.
الأعلام: جمع علم.
ذو الإضافة: أي صاحب الإضافة، وهو المركب الإضافي (كـ عبد شمس وأبي قحافة).
وهذا الذي قاله المؤلف ﵀ واضح لكل أحد، ولا يحتاج إلى بيان، فعبد الله وعبد الرحمن وعبد شمس وأبو قحافة وما أشبه ذلك كثير؛ لكن هل مراد المؤلف أن يخبرنا بأن هذا موجود في الأعلام؟
الجواب
لا؛ بل مراده أن يبين أن العلم ذا الإضافة يكون إعرابه على الجزء الأول بحسب العوامل، وإعرابه على الجزء الثاني في أن يجر بالإضافة إن كان معرباً، ويبنى على الكسر إن كان مبنياً، هذا هو مراد المؤلف ﵀.
وقوله: (كـ عبد شمس) هو عبد شمس بن عبد مناف؛ لأن له أربعة أولاد: هاشم والمطلب ونوفل وعبد شمس، لكن بنو هاشم وبنو المطلب متناصرون فيما بينهم، ولهذا انضم بنو المطلب إلى بني هاشم حين حاصرت قريش بني هاشم في الشعب بسبب دعوة الرسول ﵊، وفي ذلك يقول أبو طالب في لاميته المشهورة التي قال عنها ابن كثير ﵀ إنها أبلغ من المعلقات السبع التي علقها العرب في الكعبة؛ قال فيها: جزى الله عنا عبد شمس ونوفلاً عقوبة شر عاجلاً غير آجل لأنهم بنو عمهم ومع ذلك صاروا مع قريش عليهم، وبنو المطلب وقفوا مع بني هاشم، لكن السؤال الآن: هل يجوز أن ننسب إلى عبد شمس من كان من ذريته بهذا التركيب فنقول: فلان من بني عبد شمس أو لا يجوز؟ الجواب: يجوز؛ لأن هذا من باب الخبر وليس من باب الإنشاء، وفرق بين الخبر والإنشاء، لكن لو كان عبد شمس عندنا لقلنا: غيَّر الاسم، أما وقد مات فلا يمكن التغيير، ويجوز النسب إليه، ولهذا كان الرسول ﵊ يرتجز يوم حنين ويقول: (أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب)، فينتسب إلى جده مع أنه يقال عنه: عبد المطلب.
وأبو قحافة: هو والد أبي بكر الصديق ﵁.
وهنا قال: (كـ عبد شمس وأبي قحافة)؛ لأن الأول الجزء الثاني منه معرب منصرف، والجزء الثاني في الثاني معرب غير منصرف.
стр. 134
العلم الجنسي والعلم الشخصي
стр. 135
معنى علم الجنس والفرق بينه وبين العلم الشخصي
قوله: [ووضعوا لبعض الأجناس علم كعلم الأشخاص لفظاً وهو عم] الضمير في قوله: (وضعوا) يعود على العرب؛ لأنهم هم أهل الكلام وأهل الصياغة، وليس عائداً على النحاة؛ لأن النحاة غالبهم مولدون لا يملكون أن يضعوا شيئاً في اللغة العربية، أي: وَضَع العربُ لبعض الأجناس علماً.
وهناك أجناس وأنواع وأشخاص؛ فالعلم الذي تكلمنا عليه أولاً هو العلم الشخصي، والذي يتكلم عليه المؤلف الآن هو العلم الجنسي، ومثال الجنس والنوع والشخص: أن الحَبَّ جنس، والبر نوع، فإذا كان عندي إناء فيه بر أقول: هذا البر شخص معين بذاته.
يقول: (ووضعوا لبعض الأجناس علم) أصلها: (علماً)، لكن حذفت الألف إما على لغة ربيعة الذين يقفون على المنصوب بدون ألف، وإما لضرورة الشعر.
قوله: (كعلم الأشخاص لفظاً وهو عم) أي كعلم الأشخاص في اللفظ، يعني: أنه في الأحكام اللفظية يعطى حكم العلم الشخصي، لكن في المعنى يعم.
ومعنى الأحكام اللفظية: أن كل ما يؤثر فيه العلم الشخصي يؤثر فيه العلم الجنسي.
فمن ذلك أن من موانع الصرف: العلمية والتأنيث اللفظي، فإذا جاءنا علم جنس فيه تاء التأنيث فإننا نمنعه من الصرف؛ لأن حكمه اللفظي كعلم الشخص.
وكذلك يصح مجيء الحال من علم الجنس كما يصح من علم الشخص.
كذلك يجوز الابتداء به كما يجوز الابتداء بعلم الشخص.
المهم أن جميع الأحكام اللفظية التي تثبت لعلم الشخص تثبت لعلم الجنس، لكنه في المعنى ليس كعلم الشخص؛ لأن علم الشخص يعين شخصاً بعينه، أما علم الجنس فهو نكرة؛ ولذلك قال: (وهو عم).
وأصلها: أعم، لكن حذفت الألف للتخفيف كخير وشر، أصلها أخير وأشر، فعم هنا اسم تفضيل حذفت منها الهمزة فصارت عم، ويجوز أن تكون (عم) هنا فعلاً ماضياً، أي: وهو عم الأفراد، بخلاف العلم الشخصي.
إذاً العلم الشخصي له حكمان: لفظي ومعنوي.
اللفظي: ما أشرنا إليه أولاً من الأحكام المتعلقة باللفظ كعدم الانصراف، وجواز الابتداء به، ومجيء الحال منه، وما أشبه ذلك.
المعنوي: أنه يدل على شيء معين.
والعلم الجنسي له حكمان: حكم لفظي كحكم علم الشخص تماماً.
وحكم معنوي: فهو من حيث المعنى كالنكرة؛ لأنه يعم جميع الأفراد، ولا يختص بفرد واحد.
стр. 136
العلم الجنسي في المحسوسات
قوله: (من ذاك) أي من علم الشخص (أم عريط للعقرب).
العقرب معروف، وكلمة (عقرب) اسم جنس، لكن (أم عريط) هذه علم جنس، فإذا قلت: لدغتني عقرب، فهذا اسم جنس.
وإذا سألك سائل وجدك تتلوى: ما الذي أصابك؟ فقلت: لدغتني أم عريط، فهذا علم جنس.
فإن قيل: أم عريط أي العقارب؟ قلنا: هذا علم للجنس عموماً، يعني: كأننا تخيلنا أن الجنس شخص قائم وضعنا له علماً هو أم عريط؛ لكن النكرة أو اسم الجنس عقرب، فلا نتخيل أن هناك مجموعة أو أن الجنس كله سميناه بهذا الاسم، بل عقرب معناه واحد من العقارب، هذا هو الفرق بين علم الجنس وبين اسم الجنس.
قال: (وهكذا ثعالة للثعلب).
الثعلب حيوان معروف بالمكر والخداع والروغان، إذا لحقته يتركك حتى تكون أشد ما تكون في الجري فإذا أدركته انحرف بسرعة، وإذا هو وراءك بمسافة بعيدة يروغ، فيسمى جنساً ثعالة، وكأن هذا الجنس شيء متشخص وضعنا له علماً هو ثعالة.
стр. 137
العلم الجنسي في المعقولات
قال المؤلف: [ومثله برة للمبره كذا فجار علم للفجره].
علم الجنس السابق للمحسوس كالحيوان مثلاً، وهذا الأخير الذي ذكر (ومثله برة) علم جنس للمعقول أي: للمعاني، فالمبرة مصدر ميمي، وهي كلمة مطلقة نكرة، لكن وضعوا لهذا المعنى علماً سموه برة، تقول مثلاً: شملتني برة زيد واسعة، وقلنا: (برة زيد واسعة)؛ لأن برة علم على هذا الجنس من المعنى، ولهذا جاء منها الحال، أو هذه برة رجل واسعة.
فالمهم أن علم الجنس يكون للمحسوسات ذات الأجسام ويكون أيضاً للمعقولات ذات المعاني.
وكذلك أيضاً (فجار) علم للفجرة، التي هي الفجور، كأن المعنى شيء قائم وضعنا له اسم (فجار) علماً عليه بدلاً من الفجرة.
وهذا النوع أعني علم الجنس في المعاني أغمض منه في ذوات الأجسام؛ لأن ذوات الأجسام واضحة بينة، لكن لا يكاد الإنسان يفرق بين الفجرة وفجار من حيث المعنى، إلا أن علماء النحو يستدلون لذلك؛ بأن فجار تجري عليها أحكام العلم اللفظية، ولو كانت غير علم لم تجر عليها الأحكام اللفظية للعلم، فهذا هو الذي جعلهم يجعلون مثل هذه الكلمات علماً لجنس المعنى.
على كل حال أهم ما عندنا هو: معرفة ما هو العلم؟ وما إعرابه؟ وما أنواعه؟ وهل يكون في المألوفات أو في المألوفات وغيرها؟ وكذلك أيضاً معرفة العلم الجنسي الحسي، والعلم الجنسي المعنوي، من أجل أن نعطي هذا العلم أحكام العلم الشخصي في اللفظ، والله أعلم.
стр. 138
شرح ألفية ابن مالك [١٢]
من المعارف أسماء الإشارة، وهي مبنية غير معربة، وتختلف دلالتها تذكيراً وتأنيثاً وإفراداً وتثنيةً وجمعاً، وقرباً وبعداً، ويشار إلى المكان بهنا ونحوها.
стр. 139
اسم الإشارة
стр. 140
ما تدل عليه أسماء الإشارة من تذكير وإفراد ونحوهما
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [اسم الإشارة بذا المفرد مذكر أشر بذي وذه تي تا على الأنثى اقتصر وذان تان للمثنى المرتفع وفي سواه ذين تين اذكر تطع وبأولى أشر لجمع مطلقاً والمد أولى ولدى البعد انطقا بالكاف حرفاً دون لام أو معه واللام إن قدمت ها ممتنعة وبهنا أو هاهنا أشر إلى داني المكان وبه الكاف صلا في البعد أو بثم فه أو هنا أو بهنالك انطقن أو هنا] اسم الإشارة هو أحد أنواع المعارف؛ لأن المعارف خمس: الضمير والعلم والإشارة واسم الموصول والمحلى بأل، والسادس هو ما أضيف إلى واحد من هذه الأنواع الخمسة.
واسم الإشارة يكون في المرتبة الثالثة في التعريف؛ لأن أعرف المعارف هو الضمير بعد اسم الله ويليه العلم، ويليه اسم الإشارة.
اسم الإشارة: هو ما دل على مشار إليه، والمشار إليه: هو المعين عن طريق الإشارة، فالعلم يعين المسمى عن طريق التسمية، وهذا عن طريق الإشارة، أقول لك: هذه النجفة مثلاً، فعينتها بالإشارة، فصارت النجفة التي فوق رأسي معرفة؛ لأنني عينتها بالإشارة.
ثم إن اسم الإشارة يختلف باختلاف المشار إليه، فقد يكون المشار إليه مفرداً مؤنثاً أو مذكراً، وقد يكون مثنى مؤنثاً أو مذكراً، وقد يكون جمعاً مؤنثاً أو مذكراً، فالأقسام ستة، وكل هذه الأقسام بينها المؤلف ﵀ فقال: (بذا لمفرد مذكر أشر).
بذا: متعلق بأشر، يعني: أشر بذا، أي: باللفظ (ذا) لمفرد مذكر، فيقال: هذا رجل، هذا قلم، هذا مسجد، هذا علم، هذا خير، وكل مفرد مذكر سواء من الأعيان والأوصاف، جماداً أو حيواناً أو غير ذلك فإنه يشار إليه بذا.
وتأتي هاء التنبيه مع ذا فيقال: هذا.
لكن ما هو اسم الإشارة إذا قلنا: هذا خير؟
الجواب
هو (ذا) فقط.
قال: (بذي وذه تي تا على الأنثى اقتصر) لا أدري لماذا كثروا اسم الإشارة للأنثى؛ لكن اسم الإشارة للمؤنث أربع كلمات: بذي؛ تقول: هذي هند.
وذه؛ تقول: هذه هند، هذه عائشة، وذه يقال فيها: ذه وذهِ وذهي، فتكون ساكنة، ومكسورة، وبإشباع.
وتي: اسم إشارة للمؤنث أيضاً، تقول: تلك المرأة ذات دين، فتشير إليها بتي.
أو تقول: تي امرأة دينة.
تا -بالألف بدلاً عن الياء- تقول: تا هند، يعني: هذه هند.
(على الأنثى اقتصر) يعني: ولا تشر لمذكر بهذه الألفاظ الأربعة.
أما المثنى المذكر والمؤنث فقال: (وذان تان للمثنى المرتفع) ذان للمذكر، وتان للمؤنث.
المثنى المذكر يشار إليه في حال الرفع بذان.
(وفي سواه ذين) أي: في سوى المرتفع، وهو المنصوب والمجرور، يقال فيه: ذين وتين.
مثاله: تقول: هذانِ رجلان.
وتقول: إن هذينِ الرجلين.
وتقول: مررت بهذين الرجلين.
لكن مع ذلك لا تقل: مرفوعة ومنصوبة ومجرورة، قل: مبنية في محل رفع، مبينة في محل نصب، مبنية في محل جر، قالوا: وهي تبنى على الألف في حال الرفع، وتبنى على الياء في حال النصب والجر، فتقول في إعراب هذان قائمان.
الهاء: للتنبيه.
وذان: مبتدأ مبني على الألف في محل رفع، والنون تشبه النون الواقعة عوضاً عن التنوين في الاسم المفرد.
ولا تقل هنا: إنها عوض عن التنوين في الاسم المفرد؛ لأن الاسم المفرد من اسم إشارة لا ينون.
وتقول في ذين: اسم إشارة مبني على الياء في محل نصب إن كان منصوباً، أو في محل جر إن كان مجروراً.
أما الأنثى فيقول: تان، تقول: هاتان امرأتان، وتقول: إن هاتين المرأتين، وتقول: مررت بهاتين المرأتين، مبنية على الياء في محل جر.
قال: (وبأولى أشر لجمع مطلقاً).
أولى أشر بها للجمع مطلقاً، ومعنى الإطلاق هنا أنها تشمل المذكر والمؤنث.
قال: (والمد أولى) أي المد أولى من القصر، وأفادنا أن (أولى) فيها لغتان: أولاءِ وأولى.
وأن (أولاءِ) أولى من (أولى)، فتقول مثلاً: هؤلاء قومٌ صالحون، وتقول: هؤلاءِ قومٌ مسلمون.
والمقصورة مبنية على السكون، والممدودة مبنية على الكسر، قال الله ﵎: ﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ﴾ [المطففين:٣٢] ولم تأت في القرآن إلا ممدودة؛ لأن القرآن أتى باللغة الفصحى.
وبهذا نعرف أن أسماء الإشارة تكون للمفرد المذكر، وللمفرد المؤنث، وللمثنى المذكر، وللمثنى المؤنث، وللجمع، وأن الجمع ليس له إلا لفظة واحدة، وفيها لغتان: القصر والمد، والمد أولى.
стр. 141
مراتب البعد في أسماء الإشارة
قال: (ولدى البعد انطقا بالكاف).
يعني: عند بُعد المشار إليه، سواء كان بُعْدُه حسياً أو معنوياً فإنه يؤتى بالكاف، فتقول: ذلك الكتاب، ذلك الرجل.
وقوله: (حرفاً) يبين أن الكاف هنا ليست ضميراً، ولكنها حرف، فإذا قلت: ذاك الرجل بعيد، تقول: ذا: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع، والكاف حرف خطاب لا محل له من الإعراب، ولا تقل: ذا: مضاف والكاف مضاف إليه.
قوله: (دون لام) يعني: يؤتى بالكاف بدون لام، (أو معه) أي: مع اللام.
فتقول: ذاك رجل، بدون لام.
وتقول: ذلك رجل، باللام.
يقول: (واللام إن قدمت ها ممتنعة) تمتنع اللام إذا قدمت ها التي تفيد التنبيه.
والهاء تأتي قبل اسم الإشارة، فإذا قدمت ها امتنعت اللام، فلا تقل: هاذلك الرجل قائم، بل تقول: ذلك الرجل قائم، أو تقول: هذاك الرجل قائم.
فالصور الثلاث: صورتان جائزتان، وصورة ممتنعة: هاذاك الرجل قائم، جائزة.
ذلك الرجل، جائزة.
هاذلك الرجل، لا تجوز؛ لأنك إذا أتيت باللام مع ها التنبيه فقد يلتبس علينا أن يكون ما بعد اللام خبراً.
قال بعض العلماء: المشار إليه إما أن يكون قريباً أو متوسطاً أو بعيداً: فإن كان قريباً لم تأت باللام ولا الكاف، فتقول: هذا رجل أو ذا رجل.
وإن كان بعيداً أتيت باللام والكاف، تقول: ذلك رجل.
وإن كان متوسطاً أتيت بالكاف فقط، فتقول: ذاك رجل.
ولكن ظاهر كلام ابن مالك ﵀: أن البعد مرتبة واحدة فقط، وأنه يؤتى فيه بالكاف وحدها، أو بالكاف واللام ما لم تسبق ها، فإن سبقت ها فإنه لا يجوز أن يؤتى باللام.
стр. 142
الكلام على كاف الخطاب اللاحقة لاسم الإشارة
بقي علينا أن نتكلم على الكاف، فهي للخطاب، ولكن هل يراعى فيها المخاطب أو تكون على صورة واحدة؟ فيها ثلاث لغات: اللغة الأولى وهي الأفصح والأكثر؛ أن يراعى فيها المخاطب، فإذا كنت تخاطب رجلاً فقل: ذلكَ، وإن كنت تخاطب أنثى فقل: ذلكِ، وإن كنت تخاطب مثنى فقل: ذلكما، وإن كنت تخاطب جماعة ذكور فقل: ذلكم، وإن كنت تخاطب جماعة نساء فقل: ذلكن.
وهذا هو الذي جاء في القرآن، قال الله ﵎ في خطاب المفرد المذكر -وهو كثير في القرآن-: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ [الإسراء:٣٩] يخاطب الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وفي قصة امرأة إبراهيم: ﴿قَالُوا كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [الذاريات:٣٠].
وفي قصة مريم: ﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ [مريم:٢١].
وفي المثنى: ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ [يوسف:٣٧].
وفي جمع المذكر: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ﴾ [يونس:٣٢].
وفي جمع المؤنث: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف:٣٢].
اللغة الثانية: أن تكون مفردة مفتوحة في خطاب المذكر، سواء كان واحداً أو اثنين أو جماعة، فتقول: ذلك الرجل، تخاطب واحداً، وتقول: ذلك الرجل، تخاطب جماعة، وتقول: ذلك الرجل، تخاطب اثنين.
وفي المؤنث بالكسر دائماً، سواء كانت المخاطبة واحدة أو اثنتين أو أكثر.
واللغة الثالثة: أنها بالإفراد والفتح دائماً.
стр. 143
أسماء الإشارة للمكان
قال: [وبهنا أو ههنا أشر إلى داني المكان وبه الكاف صلا في البعد أو بثم فه أو هَنَّا أو بهنالك انطقن أو هنا].
يعني: أن هنا أو هاهنا يشار بها إلى المكان القريب، فتقول: اجلس هنا، أو: اجلس هاهنا لمكان قريب، فللمكان القريب إشارتان: إحداهما: هنا، والثانية: هاهنا.
والبعيد؛ قال: (وبه الكاف صلا في البعد) إذا كان بعيداً وصل به الكاف، فتقول: اجلس هناك، يعني: بعيداً، اجلس هاهناك؛ يعني: بعيداً.
ثم إن البعد قد يكون بعداً حسياً، وقد يكون بعداً معنوياً حسب السياق، قال الله تعالى: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب:١١] هذا للبعيد؛ ولهذا قال: وبه الكاف صلا في البعد.
(أو بثم فه) فه يعني: انطق بثم للبعيد، ويقال: (اجلس ثم)، أي: في مكان بعيد، قال الله ﵎: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان:٢٠] ومن الخطأ الشائع بين الناس أن يضموا الثاء من ثم، فيقولون: (ومن ثمُ حصل كذا وكذا)، وهذا خطأ واضح، لأنها تصبح حرف عطف، وظرف المكان أن يقال: ثم.
(أو بثم فه) فه فعل أمر، مضارعه: يفوه، ماضيه: فاه، أي: تكلم.
(أو هنّا) يعني: أو قل في مكان يشار للبعيد: هنّا.
والفرق بين هنا وهنّا أن هنّا أكثر حروفاً من هنا، فإنها تزيد حرفاً واحداً وهو التضعيف في النون.
قال العلماء: وزيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، وهذا في الغالب، ومن غير الغالب: شجرة وشجر، فالأكثر مبنى: (شجرة)، والأكثر معنى: (شجر).
قال: (أو بهنالك انطقن أو هِنا) هنالك: بدل (هنا)، وهذه فيها اللام والكاف.
(أو هِنا) بكسر الهاء، فصارت (هنا) فيها لغتان: الفتح والكسر، وكلاهما للإشارة إلى المكان البعيد.
ومما سبق يتضح أن اسم الإشارة مبني، وسبق ذكره في كلام ابن مالك.
فقال: (والمعنوي في متى وفي هنا)، فهنا اسم إشارة.
ويبنى على الحركة المسموعة عند العرب، وإن كان آخره ياءً أو ألف فعلى السكون، فإذا قلت: هاذي هند، فهذي مبني على السكون، وإذا قلت: هذه هند، فعلى الكسر.
وإذا قلت: ذان قائمان، فعلى الألف.
وإذا قلت: مررت بذين، فعلى الياء.
وهؤلاء: مبني على الكسر.
وهنا: مبني على السكون.
ثم: مبني على الفتح.
إذاً: اسم الإشارة مبني على ما سمع عن العرب، وذلك لأن المبني لا يتغير باختلاف العوامل، وإنما يتغير باختلاف اللغات.
إذاً: (ذان وتان) مبنيان على الألف، والنون حرف جيء به لتزيين اللفظ، ولا يقال: إنه عوض عن التنوين في الاسم المفرد؛ لأن هذا الاسم غير معرب.
стр. 144
شرح ألفية ابن مالك [١٣]
الأسماء الموصولة من المعارف، وتنقسم إلى موصولات خاصة وموصولات عامة، وفيها لغات مختلفة، ولبعضها أحوال مختلفة قد تشتبه على الطالب إذا لم يهتم بها ويعمل ذهنه في تفهمها.
стр. 145
الاسم الموصول
следующие страницы →