Полный текст (761 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
شرح ألفية ابن مالك [٢٠]
هناك عوامل تدخل على المبتدأ والخبر فتنسخهما أو أحدهما، ومن ذلك كان وأخواتها، فإنها ترفع المبتدأ وتنصب الخبر، لكن بعضها يشترط فيه تقدم نفي أو شبهه وبعضها لا يشترط فيه ذلك، كما أن بعضها تتصرف وبعضها لا تتصرف.
стр. 212
كان وأخواتها
стр. 213
عمل كان
قال ابن مالك ﵀: (كان وأخواتها).
تكلمنا عن المبتدأ وذكرنا أن باب الابتداء هو أول الأبواب التي يبحث فيها عن الجمل، وكل ما سبقه يبحث فيه عن المفردات.
إذاً أول بحث في الجمل هو: باب الابتداء، والمبتدأ والخبر مرفوعان، ويدخل عليهما ثلاثة أصناف من العوامل: فمن هذه العوامل ما يغير الخبر دون المبتدأ، ومنها ما يغير المبتدأ دون الخبر، ومنها ما يغيرهما جميعاً.
ويسمى هذا التغيير نسخاً، وهو معنى مطابق؛ لأن النسخ رفع الشيء، فمثلاً: كان وأخواتها إذا دخلت على المبتدأ والخبر نسخت الخبر من الرفع إلى النصب، فبدلاً من أن تقول: زيد قائم، تقول: كان زيد قائماً.
وإن وأخواتها بالعكس، تنسخ لفظ المبتدأ دون الخبر، فإذا قلت: (زيد قائم)، ثم أدخلت إن على هذه الجملة قلت: (إن زيداً قائم) فتجد زيداً تغير من الرفع إلى النصب.
وظن وأخواتها تنسخ الجزءين، فإذا قلت: زيد قائم، ثم قلت: ظننت زيداً قائماً وجدت أنها نسخت الجزءين وأن الجزءين أصبحا منصوبين بعد أن كانا مرفوعين.
وبدأ المؤلف بكان وأخواتها، لأنها لا تنسخ إلا أحد الجزءين، وقدمها على إن وأخواتها؛ لأن إن وأخواتها حروف وكان وأخواتها أفعال، والأفعال أولى بالتقديم من الحروف؛ لأنها تدل على معنى في ذاتها، بينما الحروف تدل على معنىً في غيرها.
وأيضاً كان وأخواتها، لا يتغير الجزء الأول من المبتدأ والخبر بخلاف إن وأخواتها، ومعلوم أن الذي يبقي على الجزء الأول المجاور له أولى بالتقديم من الذي يبقي على الجزء الثاني دون الجزء الأول.
وأخر ظن وأخواتها؛ لأنها تغير الجزءين جميعاً.
أما عمل كان وأخواتها فهو رفع المبتدأ ونصب الخبر، والمراد (بالأخوات) هنا النظائر التي تشبهها في العمل.
قال: [ترفع كان المبتدأ اسماً والخبر تنصبه ككان سيداً عمر] ترفع كان المبتدأ مثاله: ﴿كان الله غفورًا رحيمًا﴾ [النساء:٩٦].
وإن شئت مثلت بمثال المؤلف وإن كان فيه تقديم وتأخير فتقول: كان عمر سيداً، فعمر هنا مرفوع بكان، ولو قال قائل: لماذا لا نجعله مرفوعاً بالابتداء؟ قلنا: لا يمكن أن نقول ذلك، لأنه الآن ليس مبتدأً، فلا يصح أن نقول: إنه مرفوع بالابتداء وقبله عامل.
لكن قولنا: عمر سيد، هذا ليس قبله عامل؛ فلهذا نقول: عمر مرفوع بالابتداء، وسيد: مرفوع بالخبر.
وعلى هذا فيكون المبتدأ مرفوعاً بكان؛ فعمر في (كان عمر سيداً) اسم كان مرفوع بها، وعلامة رفعه ضمة ظاهرة في آخره.
وقوله: (والخبر تنصبه) يعني أن كان تنصب الخبر، وكونها تنصب الخبر واضح، لأن الخبر كان مرفوعاً فغيرته إلى النصب، ويسمى خبراً لها، فتقول: كان عمر سيداً، (سيداً) خبر كان منصوب بها وعلامة نصبه فتحة ظاهرة في آخره.
واعلم أن (كان) الداخلة على المبتدأ والخبر في باب أسماء الله وصفاته لا تدل على الزمان، وإنما فيها تأكيد اتصاف الله بهذا الوصف، فقوله تعالى: ﴿وكان الله غفورًا رحيمًا﴾ [النساء:٩٦]، كان: فعل ماض لكن لا تدل على زمن مضى؛ لأنك لو قلت: إنها تدل على زمن مضى لكانت المغفرة والرحمة الآن غير موجودة، ولكنها تدل على أن هذا الشيء كائن لا محالة، فيكون فيها توكيد اتصاف الله بخبرها.
لكن لو قلت: كان زيد قائماً؛ فلا نقول: إن كان مسلوبة الزمان لأن من الممكن أنه كان قائماً وهو الآن قاعد.
وقوله: (كان سيداً عمر) يحتاج المؤلف إلى تقديم الخبر من أجل روي البيت، والترتيب الأصلي أن يقال: كان عمر سيداً، و (عمر) هنا ابن الخطاب ﵁، و (سيداً) من السادات وليس هو السيد المطلق؛ لأن سيد الخلق محمد ﷺ ، وسيد هذه الأمة بعده أبو بكر ﵁، وسيد الأمة بعد أبي بكر عمر، وسيدها بعد عمر عثمان، وسيدها بعد عثمان علي بن أبي طالب، وسيدها بعد علي الحسن بن علي بن أبي طالب؛ لأنه ﵁ أحق بالخلافة، وقد قال النبي ﵊ (إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين من المسلمين).
الشاهد أن عمر سيد من السادات ونعم السيد عمر ﵁ فإن الله تعالى فتح على يديه فتوحات كثيرةً عظيمة، وانتشر في عهده العدل، وصلحت الأمة حتى كان عهده مضرب المثل في العدل والاطمئنان والحزم وعدم الغفلة، فلذلك استحق أن يكون سيداً ﵁.
أفادنا المؤلف ﵀ أن عمل كان هو رفع المبتدأ اسماً لها ونصب الخبر خبراً لها، وأفادنا أن الضمة التي كانت على المبتدأ بعد دخول كان ليست من أجل الابتداء ولكن من أجل دخول كان.
قال: (ككان ظل) هذا تركيب عجيب غريب؛ قد يقول القائل: قد ذكر أن حروف الجر لا تدخل إلا على الأسماء، وهنا دخلت الكاف على (كان) وهي فعل، فكيف المخرج؟ نقول: لأنه أريد لفظها، ومتى أريد اللفظ جاز دخول حرف الجر سواء كان المدخول عليه فعلاً، أو جملة فعلية، أو جملة اسمية.
وأما (ظل) فهي مبتدأ.
(وككان) خبر مقدم، وظل وما عطف عليه مبتدأ مؤخر.
وظل هنا بالظاء أخت الطاء وتسمى الظاء المشالة؛ لأنها شيلت بالألف، وظل بمعنى صار.
وهناك ضل بالضاد من الضلال وليست من هذا الباب، فإذا قلت: ضل الرجل تائهاً، فالرجل: فاعل، وتائهاً: حال، ولا نقول: إنه من باب أخوات كان، ولا تدل على ما تدل عليه ظل؛ لأن ظل تدل على الصيرورة وعلى نوع من الاستمرار، ومثالها قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ [النحل:٥٨]، أي: صار واستمر إلى حين ما مسوداً.
و (بات) من البيتوتة؛ وهي النوم في الليل، هذا هو الأصل، وتطلق على مجرد البيتوتة فتقول: بات الرجل نائماً، وتقول: بات الرجل ساهراً، وكلاهما صحيح، وبات ترفع الاسم وتنصب الخبر.
و (أضحى) من الضحى: وهو ارتفاع النهار، فإذا قلت: أضحى الرجل صائماً؛ فالمعنى صار صائماً، لكنك خصصته في زمن معين وهو الضحى.
و (أمسى) مثلها أيضاً، فتقول: أمسى الرجل جائعاً، يعني: صار في المساء جائعاً.
و (صار) من الصيرورة لا من الصير؛ لأن صار تأتي من الصير، وتأتي من الصيرورة يعني: الانقلاب من حال إلى حال، والمراد هنا الصيرورة، فتقول: صار الخزف إبريقاً، وصار الصديق عدواً، وصار العدو صديقاً، وصار الراكب راجلاً، وصار الراجل راكباً، وهلم جرا.
وأما من الصير الذي بمعنى الضم فليست من هذا الباب، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ [البقرة:٢٦٠]، أي: ضمهن إليك.
و (ليس) فعل يدل على النفي، وقد قال بعض النحويين: إنها ليست فعلاً بل هي حرف؛ لأنها تشبه الحرف في عدم التصرف؛ فتكون حرفاً.
لكن الصواب أنها فعل ولا شك، والدليل قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ [النساء:١٨]، فدخلت عليها تاء التأنيث، وهذا يدل على أنها فعل ماضٍ.
(وزال) التي مضارعها يزال -لا التي مضارعها يزول، ولا التي مضارعها يزيل- تعمل عمل كان، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [هود:١١٨]، فيزالون: فعل ماض ناقص ترفع الاسم وتنصب الخبر، واسمها هنا ضمير مبني على السكون في محل رفع، و (مختلفين) خبرها.
أما زال التي مضارعها (يزول) فإنها لا تعمل عمل كان بل هي تامة، تقول: زالت الشمس، والمضارع: تزول الشمس.
كذلك زال التي مضارعها (يزيل) فإنها ليست من أخوات كان، وهي بمعنى تميز، تقول: زال مالك عن ماله، يعني: ميزه.
و (برح) أصل برح مأخوذة من البراح وهو السعة، لكنها تفيد الاستمرار إذا كانت من أخوات كان.
و (فتئ) بمعنى عمل هذا الشيء وما أشبه ذلك، لكنها تكون للاستمرار.
(انفك) يعني: تخلص من الشيء، لكنها إذا كانت من أخوات كان لا تكون بهذا المعنى كما سيأتي أيضاً؛ ولهذا قال المؤلف ﵀: [وهذي الأربعة لشبه نفي أو لنفي متبعه] فقوله: (هذي) اسم الإشارة يعود إلى أقرب مذكور، وهي: زال، وبرح، وفتئ، وأنفك.
فهذه الأربعة لا تكون من أخوات كان إلا إذا اقترنت بنفي، أو شبه نفي، وهو النهي، ولا فرق بين أن يكون النفي بما أو لا أو غير أو ما أشبه ذلك.
فالمهم أن تكون مقترنة بما يفيد النفي أو شبهه.
قال الله تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [هود:١١٨]، فهنا سبقت بحرف النفي لا.
كذلك أيضاً قال تعالى: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾ [يوسف:٨٥]، فالنفي هنا محذوف، وأصلها تالله لا تفتأ تذكر يوسف؛ يعني لا تزال تذكر يوسف حتى تكون حرضاً.
لكن النفي يحذف من (تفتأ) إذا سبقها قسم، وكانت فعلاً مضارعاً، وأداة النفي لا، فإذا تمت الثلاثة فإنه يحذف النفي.
وبعضهم نظم هذا فقال: ويحذف ناف مع شروط ثلاثة إذا كان لا قبل المضارع في القسم وهذه الشروط متحققة في الآية: فحرف النفي لا، وقبلها قسم، والفعل مضارع.
وبرح: قال الله في قصة موسى والخضر: ﴿لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ [الكهف:٦٠]، أي: لا أبرح سائراً، فالخبر محذوف.
والرابع انفك، تقول: ما انفك البرد شديداً يعني: لم يزل البرد شديداً.
قال المؤلف: (وهذي الأربعة لشبه نفي أو نفي متبعة) والسبب في تقديم المؤلف شبه النفي على النفي مع أن الأصل أن المشبه به أقوى من المشبه؛ قيل: لضرورة النظم وهذا هو الظاهر.
وبعض المحشين يقول: قدم شبه النفي جبراً لنقصه؛ يعني أن شبه النفي أنقص من النفي فقدمه جبراً لنقصه.
لكن النظم ربما يقول قائل: يمكن أن ينجبر البيت بغير هذا، فيقول مثلاً: وهذه الأربعة لنفي أو لشبه نفي متبعة.
ويقال لهذه الأفعال الأربعة: أفعال الاستمرار؛ لأنها تدل عليه.
ثم قال: [ومثل كان دام مسبوقاً بما كأعط ما دمت مصيباً درهماً] دام مثل كان، وهو
стр. 214
(شرح ألفية ابن مالك [٢١]) للشيخ: (محمد بن صالح العثيمين)
(عدد القراء ٢١٨)
عناصر الموضوع
١
توسط خبر كان وأخواتها
стр. 215
شرح ألفية ابن مالك [٢٢]
ما ولا ولات حروف نفي كليس، وقد جعل لها بعض العرب عمل ليس في رفع المبتدأ ونصب الخبر، ولكنها تعمل هذا العمل بشروط.
стр. 216
فصل: في ما ولات وإن المشبهات بليس
стр. 217
شروط إعمال ما عمل ليس
قال: [إعمال ليس أعملت ما دون إن مع بقا النفي وترتيب زكن] إعمال: مصدر مبين للنوع، وعامله (أعملت) وهو مضاف إلى (ليس).
أعملت: فعل ماض مبني للمجهول.
ما: نائب فاعل لأعمل.
وتقدير الكلام: أعملت ما إعمال ليس، والذي عمل هذا الإعمال هم العرب.
وابن مالك ﵀ لم يصغ هذا الفعل صيغة المجمع عليه، فقال: (أعملت) يعني: أعملها ناس، فالذي أعملها الحجازيون دون التميميين، فالتميميون أهملوها؛ لأن الأصل عندهم أن الحروف لا تعمل إلا الحرف المختص؛ ولهذا فإن (هل) حرف استفهام لا يعمل؛ لأنها مشتركة بين الأسماء والأفعال.
لكن (إلى) و (من) و (على) و (لم) و (إن الشرطية) تعمل؛ لأن (لم وإن) مختصة بالأفعال، و (إلى وعلى) مختصة بالأسماء، وهذه القاعدة أغلبية وليست مطردة في كل حال.
فإذاً: الذين أعملوا (ما) إعمال (ليس) هم الحجازيون، وبلغتهم جاء القرآن، قال الله ﵎: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف:٣١].
وبنو تميم قبل توحيد القرآن على حرف واحد يقرءون: (ما هذا بشرٌ) أما بعد توحيده فيجب أن يقرأ بما وحده عليه الصحابة.
وهنا بيت أديب يقول فيه: ومهفهف الأعطاف قلت له انتسب فأجاب: ما قتل المحب حرام فهذا الحبيب ينتمي إلى قبيلة تميم؛ لأنه قال: ما قتل المحب حرامُ، ولو كان حجازياً لقال: ما قتل المحب حراماً.
لكن يشترط لإعمال (ما) عمل ليس أن تكون غير مقترنة بإن؛ ولهذا قال ابن مالك: (دون إن).
فإن اقترنت بإن لم تعمل، والمراد بإن هنا إن الزائدة، ومن ذلك قول الشاعر: بني غُدَانَةَ مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ وَلا صَرِيفٌ ولكِنْ أَنْتُمُ الخَزَفُ الخزف من الطين، والذهب معروف، والصريف الفضة، فيقول: أنتم ما لكم أصل، إذ معدنكم رديء لأنه من الخزف، ولا يريد أن يبين للناس أن أصل بني آدم من طين.
وهنا لم تعمل ما؛ لأنها اقترنت بإن الزائدة.
ولو قلت: ما زيد قائماً، صح.
وإن قلت: ما إن زيد قائماً، فهذا خطأ؛ لأنها اقترنت بها إن الزائدة، وإذا اقترنت بها إن الزائدة بطل عملها.
الشرط الثاني: قوله: (مع بقا النفي وترتيب زكن).
(مع) ظرف مكان منصوب على الظرفية، وربما قيل فيه: معْ، لكنه قليل، كما قال ابن مالك: ومعَ معْ فيها قليل ونُقل فتح وكسر لسكون يتصل لكن هنا لا يجوز (معْ)؛ لأنه ينكسر البيت، فيقال: معَ بقا النفي، و (بقا) أصلها: بقاء، بالهمزة ولكن حذفت الهمزة لاستقامة ميزان النظم.
وقوله: (وترتيب) يعني: ومع ترتيب زكن.
هذان شرطان: الشرط الأول: أن يبقى النفي، فإن انتقض النفي فإنها لا تعمل، مثاله: ما زيد إلا قائم، فلا يجوز أن تقول: ما زيد إلا قائماً؛ لأن النفي انتقض.
وقيل: تعمل وإن انتقض النفي.
فتقول: ما زيد إلا قائماً، لكن هذا القول ضعيف؛ لأن القرآن يدل على أنه إذا انتقض نفيها بطل عملها، قال الله تعالى: ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [المؤمنون:٢٤] فرفع (بشر) لأنه انتقض النفي بإلا، وعلى هذا نعرب الآية فنقول: (ما) نافية ملغاة، و (هذا) مبتدأ، و (إلا) أداة حصر، و (بشر) خبر المبتدأ.
وإذا قلت: ما ما زيد قائم، أو ما ما زيد قائماً، فلا بد من التفصيل: إذا كانت ما الأولى نافية والثانية نافية، فهنا يتعين الرفع؛ لأن النفي انتقض؛ لأن نفي النفي إثبات، فقولنا: ما ما زيد قائم، يعني: ليس الأمر انتفاء قيام زيد.
وإن جعلنا (ما) الثانية توكيداً للأولى غير مستقلة عملت؛ لأن النفي باق بل أكد، كما لو قلت: ما زيد قائماً ما زيد قائماً، هنا كررها في الجملة كلها، فإذا كررت ما وحدها فهو توكيد.
ولكن هل إذا عبرت ابتداء فقلت: ما ما زيد قائماً، هل هذا صحيح؟ نقول: لا.
هذا خلاف الأصل؛ لأن الأصل في الكلام التأسيس لا التأكيد، وإذا كان الأصل في الكلام التأسيس صار النفي هنا منفياً فينتقض، لكن لو فرض أنه وجد في لغة العرب: (ما ما زيد قائماً) هكذا بالنصب، فنقول: أراد المتكلم أن ما الثانية توكيد.
الشرط الثالث قوله: (وترتيب زكن).
أي: وترتيب بين الاسم والخبر، يعني: ألا يتقدم خبرها على اسمها، بل ولا عليها أيضاً، لا بد أن يقع الاسم ثم الخبر، فلو قلت: ما قائماً زيد، فالحكم خطأ، يجب أن أقول: ما قائم زيد.
وإذا قلت: ما عندك زيد، فهذا صحيح، لكن (ما) هنا ملغاة؛ لأن ابن مالك يقول: لا بد من الترتيب، فإذا قلت: ما عندك زيد، فقد قدمت الخبر فتقول: (زيد) مبتدأ مؤخر، ولا تقل: (زيد) اسم ما؛ لأن الترتيب اختلف.
стр. 218
حكم تقدم معمول خبر ما الحجازية
ثم قال: [وسبق حرف جر أو ظرف كما بي أنت معنياً أجاز العلما].
(سبق) مفعول مقدم، وعامله قوله: (أجاز).
و (العلما) فاعل، والتقدير: وأجاز العلماء سبق حرف جر أو ظرف.
ثم مثل المؤلف بمثال يحدد مراده، فقال: (كما بي أنت معنياً)، فالذي تقدم الآن هو معمول الخبر؛ لأن (ما) نافية، و (بي) جار ومجرور متعلق بمعنياً، والترتيب الأصلي لهذه الجملة: ما أنت معنياً بي، فقدم معمول الخبر على الاسم.
وابن مالك يقول: (أجاز العلما) وظاهر كلامه أن هذا إجماع، وليس كذلك، بل فيه خلاف.
مثال الظرف: ما عندك زيد مقيماً، فعند ظرف متعلق بـ (مقيماً).
فيجوز أن يتقدم معمول الخبر على الاسم، ولا يجوز أن يتقدم الخبر على الاسم، وهذا عجيب، إذ كيف يجوز أن يتقدم فرعه وهو لا يجوز، هذا خلاف الأصل.
والواقع أنه إذا جاز تقدم الفرع جاز تقدم الأصل، لكن يقولون: إنه يغتفر في الظروف والمجرورات ما لا يغتفر في غيرها، وهذا منتقض أيضاً في قولنا: ما عندك زيد، حيث قالوا: لا يصح أن يكون (عند) في محل نصب.
وعلم من قوله: (وسبق حرف جر أو ظرف) أنه لو سبق معمول الخبر، وليس بظرف ولا جار ومجرور فإنه لا يصلح، فلو قلت: ما طعامَك زيد آكلاً، فإنه لا يجوز، إلا إذا أهملتها فقلت: ما طعامَك زيد آكل.
وقول ابن مالك: (أجاز العلما)، ظاهره الإجماع.
ولكن المسألة فيها خلاف أيضاً، فمن العلماء من قال: يجوز أن تقول: ما طعامَك زيد آكلاً، واستدل بالقياس، فقال: إنه إذا جاز تقديم المعمول جاز تقديم العامل، وأنتم أيها النحويون استدللتم على جواز تقديم خبر (ليس) عليها بتقدم معمول الخبر عليها.
فنقول هنا أيضاً: تقديم معمول الخبر يؤذن بجواز تقديم الخبر؛ لأنه معموله وفرعه؛ ولهذا كان الصحيح الجواز، وأنه لا فرق بين أن تقول: ما بي أنت معنياً، وأن تقول: ما طعامك زيد آكلاً، فكلاهما جائز.
بقي أن يقال: هل يجوز أن يتقدم الخبر على ما، فأقول: قائماً ما زيد؟ ف
الجواب
لا، لأنه قد سبق أن ما النافية في كان وأخواتها لا يجوز تقدم الخبر عليها، هذا مع أن الفعل العامل أقوى من الحرف العامل، فكيف إذا كان العامل حرفاً؟! وبهذا يتبين أن المسألة لها صور: طعامَك ما زيد آكلاً، وما طعامَك زيد آكلاً، على قولين، وكلام ابن مالك يدل على المنع.
وما زيد آكلاً طعامَك، صحيح قولاً واحداً.
وما زيد طعامَك آكلاً، يجوز؛ لأنه لم يتقدم على الاسم، إنما تقدم على الخبر، أي: صار متوسطاً بين الاسم والخبر.
وما آكلاً طعامك زيد، لا يصح.
إذاً: قوله: (وترتيب زكن) معناه أنه لا يجوز أن تقول: ما طعامك آكلاً زيد، ولا ما آكلاً طعامك زيد؛ لأنه لا بد من الترتيب بين الاسم والخبر، وفيه الخلاف، وإذا كان فيه خلاف فالصحيح التسهيل: (ما خير النبي ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً).
ويرد هنا سؤال وهو: لماذا قال المؤلف: (إعمال ليس أعملت ما)، ولم يقل: إعمال كان، مع أن كان هي الأصل؟ والجواب أن نقول: إن هذه الحروف أشبهت ليس في النفي بخلاف كان؛ لأن كان للإثبات، فلهذا قال: المشبهات بليس، إشارة إلى أن هذه الحروف ألحقت بليس لمشاركتها إياها في النفي.
стр. 219
رفع المعطوف بلكن أو ببل على خبر ما المنصوب
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ورفع معطوف بلكن أو ببل من بعد منصوب بما الزم حيث حل] (رفع) مفعول مقدم والعامل فيه (الزم)، و (رفع) مضاف و (معطوف) مضاف إليه.
(بلكن أو ببل) متعلقان بالمعطوف.
(من بعد منصوب) جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بمعطوف.
(بما) جار ومجرور متعلق بمنصوب.
(الزم) فعل أمر، والفاعل مستتر وجوباً تقديره أنت.
(حيث) ظرف مكان مبني على الضم في محل نصب.
(حل) فعل ماضٍ، وفاعله مستتر، وحيث مضاف والجملة مضاف إليه.
ومعنى البيت: الزم رفع معطوف بلكن أو ببل إذا جاءت بعد منصوب بما، مثاله: ما زيدٌ قائماً بل قاعدٌ، ولا يصلح أن تقول (بل قاعداً)؛ لأن النفي انتقض، فإنك إذا قلت: (ما زيدٌ قائماً) فقد نفيت قيامه، فإذا قلت: (بل قاعد) أثبت قعوده، فانتقض النفي فوجب الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: بل هو قائم.
وكذلك: ما زيدٌ قائماً لكن قاعد، ولا يجوز أن تقول: لكن قاعداً؛ لما ذكرنا.
ونعرب (لكن قاعد) فنقول: (قاعد) خبر المبتدأ المحذوف والتقدير: لكن هو قاعد.
فإن عطفت بغير لكن أو ببل، فإنه يبقى منصوباً، فتقول: ما زيدٌ قائماً ولا قاعداً؛ لأن النفي باق.
ومثله: ما زيدٌ أكلاً ولا شارباً.
وجميع حروف العطف كالواو فإذا عطفت بالواو أو غيرها من الحروف ماعدا (بل ولكن)، فإن المعطوف يكون منصوباً.
وأما بلكن أو ببل فإن المعطوف يكون مرفوعاً على أنه خبر مبتدأ محذوف.
стр. 220
جر خبر ما وليس ولا وكان المنفية بالباء الزائدة
يقول: [وبعد ما وليس جر البا الخبر وبعد لا ونفي كان قد يجر] هذه مسألة ثانية تتعلق بالعطف يقول: (بعد ما وليس جر البا الخبر).
بعد: ظرف، وهو مضاف إلى (ما).
وليس: معطوف على (ما)، يعني: بعد ما وبعد ليس، والظرف متعلق بجر.
(جر: فعل ماض.
البا: فاعل حذفت منه الهمزة تخفيفاً، أو من أجل مراعاة الوزن.
الخبر: مفعول به لجر.
و (بعد لا) يعني: لا النافية، و (نفي كان) يعني: كان المنفية (قد يجر) أي: قد يجر الخبر بالباء.
ومعنى البيت: أنه ورد جر الباء للخبر إذا كان خبراً لما أو خبراً لليس، وكذلك إذا كان خبراً للا، أو خبراً لكان المنفية فهذه أربع مواضع تدخل فيها الباء على الخبر وتجره لكن لفظاً لا محلاً.
تقول: ما زيدٌ بقائم، فتجر الخبر بالباء، ولا ينصب الخبر لفظاً فلا تقول: بقائماً، لأن العامل -وهو الباء- عامل ظاهر، فيجب أن يعمل في مجروره ظاهراً، بخلاف الخبر فليس عامله ظاهراً، ولهذا نقول: إنه معرب بحسب هذا العامل الذي دخل عليه ظاهراً.
إذاً: ما زيدٌ بقائم: (ما) نافية تعمل عمل ليس.
و (زيد) اسمها.
و (الباء) حرف جر زائد.
و (قائم) خبر (ما) منصوب بها، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد.
وفي قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ﴾ [الزمر:٣٧]: الهمزة للاستفهام التقريري.
و (ليس) فعل ماضٍ ناقص يرفع الاسم وينصب الخبر، والاسم الكريم اسم ليس.
و (الباء) حرف جر زائد.
و (عزيز) خبر ليس منصوب بها، وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد.
إذاً: تدخل الباء الزائدة على خبر (ما)، وعلى خبر (ليس) وتجره لفظاً؛ لكن إعرابه محلاً يكون خبراً لليس، أو خبراً لما.
وقوله: (وبعد لا ونفي كان قد يجر) أي: كذلك قد يجر بعد (لا)، وبعد (نفي كان).
فلا النافية أيضاً يجر خبرها بالباء الزائدة فتقول: لا أحد بمغن عن الإنسان شيئاً سوى الله.
وقول المؤلف: هنا (بعد لا ونفي كان) الظاهر أن مراده (لا) النافية للجنس، وكذلك (لا) التي من أخوات ما الحجازية؛ لأنه أطلق (وبعد لا ونفي كان قد يجر).
ومنه قول الشاعر: فكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة بمغن فتيلا عن سواد بن قارب الشاهد قوله: لا ذو شفاعة بمغن فتيلا.
أما بعد نفي كان، فيقول الشاعر: وإن مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل فالباء هنا حرف جر زائد دخلت على خبر كان المنفية؛ (لم أكن بأعجلهم).
والفرق بين (لا) النافية للجنس، و (لا) النافية يظهر بالتمثيل؛ فإذا قلنا: لا رجلٌ قائماً، لنا أن نقول: بل رجلان؛ فهذه لا نافية للوحدة أو للاثنين فهي مقيدة.
أما إذا قلنا: لا رجل قائم؛ فيعني أنه لا يوجد أحد من جنس الرجال.
стр. 221
شروط إعمال لا ولات عمل ليس
قال المؤلف: [في النكرات أعملت كليس لا وقد تلي لات وإن ذا العملا] (في النكرات) جار ومجرور متعلق بأعملت.
(أعملت): فعل ماضي مبني للمجهول.
(كليس): الكاف حرف جر، لكنها اسم في الواقع بمعنى (مثل)، والكاف يجوز أن نستعملها اسماً كما قال ابن مالك: [شبه بكاف وبها التعليل قد يعني وزائدا لتوكيد ورد واستعمل اسماً] يعني: يكون اسماً مثل: (مثل).
وعلى كل حال يكون التقدير هنا: أعملت لا مثل ليس.
(لا) نائب فاعل، يعني: أن (لا) أعملت في النكرات كإعمال ليس، وإذا كانت (الكاف) بمعنى (مثل) صارت مفعولاً مطلقاً، أي: في محل نصب.
وقد: للتقليل؛ لأنها دخلت على الفعل المضارع.
(وتلي) فعل مضارع.
(لات) فاعل.
(وإن) معطوف على (لات).
(ذا) اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب.
(العملا) بدل من (ذا) أي: هذا العمل.
في هذا البيت ذكر المؤلف ﵀ ثلاث أدوات، وهي: لا، ولات، وإن.
لكن لا بد فيها من شروط: اشترط في عمل (لا) أن تكون في النكرات، يعني: فلا تعمل في المعارف، ومنه قول الشاعر: تعز فلا شيء على الأرض باقيا ولا وزر مما قضى الله واقيا الشاهد قوله: (فلا شيء على الأرض باقياً) فـ (شيء) نكرة، و (باقياً) نكرة، و (وزر) نكرة أيضاً، وكذلك (واقياً)، فهذا البيت جمع شاهدين: ففي الشطر الأول شاهد، وفي الشطر الثاني شاهد.
وقوله: (في النكرات) يفهم منه أنها لا تعمل في غير النكرات، بل تهمل، فلو قلت: لا زيدٌ قائماً، لا يصح؛ لأنها لا تعمل إلا في النكرات.
ومثله: لا الرجال قائمين، لا تصح.
ولكن أورد على هذا الشرط قول الشاعر: وحلت سواد القلب لا أنا باغيا سواها ولا عن حبها متراخيا وجه الاعتراض: أنها عملت في معرفه؛ لأن (أنا) ضمير.
أجابوا: بأن هذا شاذ.
وأجاب آخرون: بأن هذا قليل.
وعلى هذا فيكون إعمالها في النكرات أكثر من أعمالها في المعارف، ولكنها تعمل في المعارف على وجه قليل، ومنه أيضاً قول الشاعر: إذا الجود لم يرزق خلاصاً من الأذى فلا الحمد مكسوباً ولا المال باقيا والمعنى: أن الإنسان الجواد إذا لم يكن جوده خالصاً من أن يؤذي الشخص من جاد عليه، فإنه لا الحمد مكسوباً ولا المال باقياً؛ لأن ماله أنفذه، ولا يحمد؛ فيكون خسراناً حساً ومعنى.
والشاهد: قوله: (فلا الحمد مكسوباً، ولا المال باقياً) حيث عملت لا في (الحمد، والمال) وهما معرفتان، لكنه قليل.
قوله: (وقد تلي لات وإن ذا العملا).
يعني: قد تأخذ (لات) و (إن) عمل ليس.
فهاتان أداتان، و (لات) هي في الحقيقة (لا)؛ لكن زيد عليها تاء التأنيث.
ولكن قد يقول قائل: تاء التأنيث تكون ساكنة فلماذا كانت هنا متحركة؟ نقول: لأنها اتصلت بحرف، وإذا اتصلت بحرف تكون مفتوحة، كما يقال: ثُمَّتَ في تأنيث (ثم).
وعلة أخرى: أن ما قبلها ألف ساكنة؛ فلزم أن تحرك بالفتح.
وعليه تقول في (لات): (لا) نافية، و (التاء) للتأنيث.
و (إن) كذلك أيضاً تعمل عمل ليس، فترفع الاسم وتنصب الخبر، ومن ذلك قول الشاعر: إن المرء ميتاً بانقضاء حياته ولكن بأن يُبغى عليه فيخذلا (المرء) اسمها و (ميتاً) خبرها.
يقول: المرء لا يموت بانقضاء حياته، فالحياة ستنقضي إن عاجلاً أو آجلاً، ولكن بأن يبغى عليه فيخذلا، فهذا هو الموت حقيقة؛ أن يبغي عليك باغٍ، ويخذلك قريب، والشاهد قوله: (إن المرء ميتا) أي: ما المرء ميتا بانقضاء حياته.
لكن هل هنالك فرق بين ميَّتٍ وميْتُ؟ قالوا: إن ميتَّاً من ينتظر الموت ولم يمت بعد، وميْتاً من مات، واستدلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠].
واستدلوا للثاني بقوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام:١٢٢]، وبقوله تعالى: ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ [ق:١١].
وهذا في الغالب، أعني أن الميت بالتشديد لمن ينتظر الموت، والميْت بالسكون لمن وقع به الموت.
وإعراب الشاهد في البيت كما يلي: (إن) نافية تعمل عمل ليس ترفع الاسم وتنصب الخبر.
(المرء) اسمها مرفوع بها وعلامة رفعه الضمة الظاهرة.
(ميتاً) خبرها منصوب بها وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة في آخره.
قال: [وما للات في سوى حين عمل وحذف ذي الرفع فشا والعكس قل] هذا الشرط يختص بلات، وهو أنها لا تعمل إلا في حين.
وهل المراد بالحين الوقت أو لفظ (حين)؟ قيل: المراد لفظ (حين).
وقيل: المراد الوقت، يعني ما دل على الحين، وهذا أصح.
وإعراب هذا الشطر كما يلي: (ما) نافية.
و (للات) جار ومجرور خبر مقدم.
(في سوى) جار مجرور متعلق بعمل، و (سوى) مضاف، و (حين) مضاف إليه.
و (عمل) مبتدأ مؤخر مرفوع بالابتداء، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع منها مراعاة حرف الروي، وأصلها (عملٌ).
ولكن قد يقول قائل: بل علامة رفعة ضمة ظاهرة في آخره، لكنه سكن من أجل الوقف، كما تقول: قام زيدْ.
والأول أظهر؛ لأن (عمل) لو حركت ووصلت بما بعدها فقلت: وما للات في سوى حين عملٌ وحذف ذي الرفع فشا والعكس قلْ لا يستقيم؛ إذاً: فسكونها هذا ليس من أجل الوقف ولكن من أجل مراعاة الروي، فتكون مرفوعة بضمة مقدرة على آخرها منع من ظهورها مراعاة الروي.
وقال: (وحذف ذي الرفع فشا والعكس قل).
حذف مبتدأ، وهو مضاف إلى (ذي)، وذي مضافة إلى (الرفع).
(فشا) فعل ماض، وفاعله مستتر جوازاً تقديره (هو)، والجملة خبر (حذف).
والمعنى: كثر حذف ذي الرفع، و (العكس) وهو حذف ذي النصب (قل).
إذاً: لات تتميز بأنها لا تعمل إلا في حين، ولا بد من حذف أحد معموليتها: إما الاسم وهو الأكثر، وإما الخبر وهو الأقل.
مثال ذلك قوله تبارك تعالى: ﴿فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ [ص:٣].
(لا) نافية ترفع الاسم وتنصب الخبر، و (التاء) تاء التأنيث، واسمها محذوف، ولا نقول: مستتر؛ لأن (لا) حرف، والحرف لا يتحمل الضمير، والضمير اسم وهو أقوى من الحرف.
والتقدير: ولات الحين حين مناص؛ يعني: ليس ذلك الوقت حين مفر.
وقد قلنا: إن المراد بالحين الوقت وهو الأصح، واستشهد لذالك بقول الشاعر: ندم البغاة ولات ساعة مندم والبغي مرتع مبتغيه وخيم البغاة: جمع باغ.
ولات ساعة مندم: أي ليست الساعة ساعة مندم.
فنلاحظ الآن أن (لات) عملت في لفظ غير لفظ حين، لكنه يدل على الحين والوقت، فعليه يكون المراد بقوله: (في سوى حين عمل) الوقت.
وقوله: (والبغي مرتع مبتغيه وخيم)، هذا الشطر يكتب بماء الذهب، ومعناه: أن مرتع طالب البغي وخيم؛ لأن المصارع تأتي دائماً على البغاة، فما أقرب مصرع الباغي! وقول المؤلف: (العكس قل) العكس هو حذف الخبر وبقاء الاسم.
فلو قال الشاعر: ندم البغاة ولات ساعة مندم لقلنا: (الساعة) الاسم والخبر محذوف
стр. 222
شرح ألفية ابن مالك [٢٣]
كاد وأخواتها أفعال تعمل عمل كان وأخواتها، فترفع الاسم وتنصب الخبر، وهي تختلف من حيث اقتران خبرها بـ (أن)، وتختلف في المعنى الذي تدل عليه كل أداة منها، وتختلف من حيث التصرف.
стр. 223
أفعال المقاربة
قال المؤلف ﵀: [أفعال المقاربة].
أفعال: جمع فعل، والمقاربة: ضد المباعدة، وهذا باب جمعت فيه الأفعال الدالة على المقاربة، وهذا في الغالب؛ لأن أفعال هذا الباب بعضها للمقاربة، وبعضها للرجاء، والبعض للشروع كما يتبين -إن شاء الله- من الشرح.
وتعمل أفعال المقاربة عمل كان، أي: ترفع الاسم وتنصب الخبر.
وكان على ابن مالك ﵀ أن يبدأ بأفعال المقاربة قبل (ما وأخواتها)؛ لأن أفعال المقاربة إلى كان وأخواتها أقرب شبهاً من (ما وأخواتها)؛ إذ إن ما وأخواتها حروف، وهذه أفعال.
فإن قال قائل: لعل ابن مالك أخرها عن (ما وأخواتها) لأن لها شروطاً ولا تعمل إلا في مواضع معينه.
قلنا: وأيضاً (ما وأخواتها) لها شروط؛ فلهذا كان الذي يبدو أنه لو كانت أفعال المقاربة بعد (كان وأخواتها) لكان أنسب.
стр. 224
الغالب في خبر كاد وعسى أن يكون مضارعاً
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ككان كاد عسى لكن ندر غير مضارع لهذين خبر] (ككان) جار ومجرور خبر مقدم.
(كاد) مبتدأ مؤخر.
لكن كيف أعربنا (كاد) مبتدأ مؤخراً، وأعربنا (كان) مجروراً؟
الجواب
لأن المراد لفظهما، وإذا كان المراد اللفظ ربما تكون الجملة كلها مجرورة.
إذاً: متى قصد اللفظ فإنه لا يهم أن يكون فعلاً، أو حرفاً، أو اسماً، أو جملة اسمية، أو جملة فعلية.
وقوله: (عسى) معطوف على (كاد)؛ فهي في محل رفع.
(لكن) حرف استدراك، وهي للعطف، بخلاف (لكنَّ) فإنها عاملة.
(ندر) أي: قَلَّ.
(غير) فاعل ندر، وهو مضاف إلى (مضارع).
(لهذين) جار مجرور متعلق بغير.
(خبر) فاعل ندر، يعني: قل أن يكون خبر غير مضارع لهذين الفعلين، وهما (كاد -وعسى).
يعني نقول: كاد زيدٌ قام، عسى زيدٌ قام، فهذا نادر، لأن الخبر إنما يكون فعلاً مضارعاً.
وكاد زيدٌ قام، وكاد زيد قم؛ هذا من النادر إن صح هذا التركيب.
قوله: (لكن ندر) استدراك هنا؛ لأنه قال: (ككان كاد) وظاهر هذا التشبيه أنهما يشبهان (كان) من جميع الوجوه؛ ولذلك استدرك.
فإن (كان) لا يتقيد خبرها بشيء؛ بل يكون اسماً، وظرفاً، وجار ومجروراً، ويكون فعلاً مضارعاً، ويكون فعلاً ماضياً.
أما هاتان الأداتان، فيقول: (ندر غير مضارع لهذين خبر).
مثال (كاد) قوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة:٧١]، فالخبر (يفعلون)، وهو فعل مضارع.
ومثال (عسى) قوله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢١٦] فالخبر (تكرهوا)، وهو فعل مضارع.
لكن لو قلت: كاد زيدٌ قائماً، فهذا يكون من النادر لكنه ورد عن العرب.
عسى زيدٌ قائماً، كذلك نادر، لكنه ورد عن العرب.
لما ذكر أن (كاد وعسى) اشتركا في أن خبرهما يكون فعلاً مضارعاً، وأنه يندر ألا يكون فعلاً مضارعاً، ذكر اختلافهما من حيث اقتران (أن) بالخبر وعدمها، فقال: [وكونه بدون أن بعد عسى نزر وكاد الأمر فيه عكسا] (كون) مبتدأ -وخبره (نزر) - وهو مصدر (كان)، فيعمل عملها، واسم المصدر هو الضمير (الهاء) في قوله: (وكونه) فهو مصدر مضاف إلى اسمه.
و (بدون) جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر (كون)، و (بدون) مضاف، و (أن) مضاف إليه، وصحت الإضافة إليه مع أنه حرف؛ لأنه المقصود بذلك اللفظ.
(بعد) ظرف متعلق بمحذوف، والتقدير: كونه بدون أن بعد عسى واقعاً، ويكون المحذوف حالاً، و (بعد) مضاف، و (عسى) مضاف إليه، وصحت الإضافة إليه وهو فعل لأن المقصود لفظه.
و (نزر) خبر كونه.
(وكاد) مبتدأ.
(الأمر) مبتدأ ثان.
(عكسا) خبر المبتدأ الثاني، والمبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر المبتدأ الأول، والرابط: الضمير (فيه).
والمعنى: كاد عكس الأمر فيه؛ فالأكثر في خبره تجرده من (أن).
وخلاصة الأمر: أن (كاد وعسى) خالفتا (كان) في أن خبرهما يكون فعلاً مضارعاً، ويندر ما سواه، واتفقتا في أن الخبر يكون مضارعاً، واختلفتا في أن الأكثر في (عسى) اقتران الخبر بأن، وفي (كاد) العكس.
وفي القرآن: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة:٧١]، ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور:٤٠] فنجد أن الخبر مجرد من (أن).
وفي قول الله تعالى: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢١٦]، نجد أن الخبر مقترن بأن، والقرآن أبلغ الكلام.
وظاهر كلام المؤلف ﵀: أنه يجوز أن يقترن الخبر بأن مع كاد، ويجوز حذف أن مع عسى، ومثاله قول الشاعر: عسى الكرب الذي أمسيت فيه يكون وراءه فرج قريب فالخبر (يكون)، والأفصح الكثير: أن يكون.
وفي كاد: كادت النفس أن تفيض عليه.
فهنا اقترن الخبر بأن، والأكثر أن يقال: كادت النفس تفيض عليه.
ونرجع إلى الإعراب: ففي قوله تعالى: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة:٧١]: (كاد) فعل ماضٍ ناسخ يعمل عمل كان، وواو الجماعة اسمه ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع.
(يفعلون) فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والجملة من الفعل والفاعل خبر كاد.
وقوله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا﴾ [البقرة:٢١٦]: (عسى) فعل ماضٍ ناسخ يعمل عمل كان، فيرفع الاسم وينصب الخبر، واسمها ضمير الشأن مستتر، والتقدير: عسى الشأن كراهتكم شيئاً.
(أن) حرف مصدري.
(تكرهوا) فعل مضارع منصوب بأن، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعل.
(شيئاً) مفعول به لتكرهوا، وأن وما دخلت عليه في تأويل مصدر خبر عسى، والتقدير: عسى الشأن كراهتكم شيئاً وهو خيرٌ لكم.
والفرق بين (كاد) و (عسى) في المعنى أن (كاد) للمقاربة، وأما (عسى) فهي للترجي.
فإذا قلت: كاد الطالب يفهمُ، فالمعنى أنه قارب.
وإن كان في الطلبة من هو أبعد فهماً من هذا الطالب فأقول: عسى الطالب أن يفهم.
وبين العبارتين فرق اشتهر عند بعض النحويين وهو: أن إثبات (كاد) نفي وأن نفيها إثبات، فإذا قلت: كاد زيدٌ يفعلُ؛ فتدل الجملة على أنه لم يفعل.
وأن الله تعالى قال: (لم يكد يراها)؛ وهو قد رآها، وفي قوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة:٧١]، فيكون نفيها إثباتاً.
ولكن الصحيح أنها كغيرها من الأفعال، فإثباتها إثبات، ونفيها نفي، ولا يمكن أن يكون نفيها إثباتاً إلا بقرينه، والقرائن لها أحوال، وهذا الذي رجحه ابن هشام ﵀ في المغني، فمثلاً إذا قلت: كاد الطالب يفهم فكاد تدل على أنه قارب الفهم.
إذاً: إثباتها إثبات.
وقوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة:٧١]، قالوا: إنهم ذبحوها، والله يقول: (ما كادوا يفعلون)، وهم قد فعلوا، نقول: لا يفهم أنهم فعلوا من قوله تعالى: (وما كادوا يفعلون)، إنما فهمناه من قوله: (فذبحوها)، وقوله تعالى: (وما كادوا يفعلون) على ما هو عليه يعني: ما قرب أن يفعلوا لكن بعد الأخذ والرد فعلوا.
إذاً: فقوله: (وما كادوا يفعلون) تشنيع عليهم، يعني: أنهم فعلوا بعد أن كادوا لم يفعلوا.
وأما قوله تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور:٤٠]، فعلى زعمهم أنه رآها، ولكن الآية لا تدل على هذا فالبحر لجي عميق، ويغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب، فهو ظلمات بعضها فوق بعض، فلا يقارب أن يرى يده.
إذاً: فنفيها نفي، وهذا هو الواقع، لكن لما كان الإنسان إذا قال (ما كاد يفعل) ظن أن (كاد) مسلطة على الفعل، والفعل لم يحصل، يعني: ظن هذا القائل بأن نفيها إثباتها وإثباتها نفي، حين ظن أن كلمة (كاد) مسلطة على الفعل، فقال: إن الفعل لم يقع، فنقول: إن كان ليست مسلطة على الفعل، بل أصل (كاد) بمعنى قرب، وليست بمعنى فعل، وإذا كانت بمعنى قرب فقولي: كاد يفعل، مثبت، أي: قرب أن يفعل، وإذا قلت: لم يكد يفعل، فمعناه: أنه لم يقرب من الفعل.
ومثلها: علمته ثم علمته ثم علمته ولم يكد يفهم، أي: ما فهم، لم يقرب من الفهم.
والراجح عندي كلام ابن هشام، وأنها كغيرها من الأفعال، نفيها نفي وإثباتها إثبات، إلا إذا دلت القرينة، والقرائن لها أحوال.
(وعسى) للترجي، تقول: عسى محمد أن يفهم، وقد تأتي لغير الترجي، ومن ذلك إذا جاءت في كلام الله كقوله تعالى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ [النساء:٩٨ - ٩٩]، فالله تعالى لا يترجى، لأن كل شيء بأمره؛ ولهذا قال ابن عباس ﵄: (عسى من الله واجبة)، أي: أنها للتحقيق، لكن ما الحكمة أنها جاءت بصيغة الترجي؟ لئلا يهلك الإنسان الأمل، فكأن المعنى: لو تاب الإنسان أو كان معذوراً عسى الله أن يعفو عنه، فلئلا يهلكك الأمل فتعتمد على إنجاز الله لك ما وعدك به.
فصارت (عسى) للترجي إلا إذا جاءت في كلام الله فإنها تكون للتحقيق، لقول ابن عباس ﵄ وهو من أئمة اللغة بلا شك: (عسى من الله واجبة).
стр. 225
وجوب اقتران خبر حرى واخلولق بأن
[وكعسى حرى ولكن جعلا خبرها حتماً بأن متصلا وألزموا اخلولق أن مثل حرى وبعد أوشك انتفا أنْ نزرا] قوله: (وكعسى حرى)، أي: في المعنى، و (عسى) سبق أنها من أفعال الرجاء، وعلى هذا فتكون (حرى) من أفعال الرجاء، فتقول: حرى زيدٌ أن يقوم، أي: عسى زيدٌ أن يقوم.
ولكن هناك فرق بينهما ذكره بقوله: (ولكن جعلا خبرها حتماً بأن متصلا).
قوله: (وكعسى حرى) الواو: حرف عطف، كعسى: جار ومجرور خبر مقدم.
حرى: مبتدأ مؤخر، وهو فعل لكن يراد به لفظه.
ولكن: الواو: حرف عطف، لكن: حرف استدراك، وهي هنا ليست عاطفة، فإن العطف بالواو، ولكنها مفيدة للاستدراك، فإن لم يكن معها حرف عطف صارت للاستدراك والعطف، كما لو قلت: ما زيدٌ قائماً لكن قاعداً، فتكون لكن: هنا حرف عطف جملة على جملة، أما إذا جاءت الواو معها فهي حرف استدراك فقط.
جعلا: فعل ماض، والألف للإطلاق، وهو مبني لما لم يسم فاعله.
خبرها: نائب الفاعل، وهو مضاف إلى (ها).
حتماً: مفعول مطلق، أي: جعل جعلاً حتماً، أي: لازماً.
بأن: جار ومجرور متعلق بمتصلاً.
ومتصلاً: مفعول ثان لجعل، ومفعولها الأول هو نائب الفاعل (خبرها)؛ لأن نائب الفاعل يقوم مقام المفعول الأول.
يقول المؤلف: إن حرى كعسى في الدلالة على الرجاء، لكن تخالفها في أنه يجب أن تتصل (أنْ) بخبر حرى، وفي (عسى) الأكثر أن يتصل، لكنه ليس بواجب.
إذاً: الفرق بينهما: أن (عسى) يكثر اقتران خبرها بأن، وأما (حرى) فيجب اقتران خبرها بأن.
يقول: (وألزموا اخلولق أنْ مثل حرى) الظاهر أن المراد بذلك العرب، أي: ألزموا حسب لغتهم اخلولق (أنْ) مثل حرى.
قوله: (ألزموا): فعل وفاعل، ألزم: فعل ماض، والواو: ضمير مبني على السكون في محل رفع فاعل.
اخلولق: مفعول أول لألزموا، وهو مراد لفظه، أي: ألزموا هذه الكلمة.
أنْ: مفعول ثان لألزموا، وهو أيضاً مراد لفظه.
مثل حرى: إما أن تكون مفعولاً مطلقاً أي: إلزاماً مثل حرى، أو تكون حالاً، أي: حال كونها مثل حرى، ومثل: مضاف و (حرى) مضاف إليه بإرادة اللفظ.
(وبعد أوشك انتفا أن نزرا): انتفاء: مبتدأ، وهو مضاف إلى أن.
وبعد: ظرف مكان منصوب على الظرفية بالفتحة الظاهرة، وهو مضاف إلى أوشك، ومتعلق بقوله: (نزر) أي: قل، وتقدير البيت: وانتفاء أنْ قل بعد أوشك.
يقول ﵀: إن العرب ألزموا اخلولق (أنْ) كما ألزموا حرى، أي: أنه يجب في خبر اخلولق أن يقترن بأن، فتقول: اخلولقت السماء أن تمطر، ولا يصح أن تقول: اخلولقت السماء تمطر.
والإعراب: اخلولق: فعل ماض، والتاء للتأنيث، واخلولق: يرفع الاسم وينصب الخبر.
والسماء: اسمها مرفوع بها وعلامة رفعه ضمة ظاهرة في آخره.
أن: حرف مصدر ينصب الفعل المضارع.
تمطر: فعل مضارع منصوب بأن وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة في آخره، وهو خبر اخلولق، أي: اخلولقت السماء إمطارها؛ لأن (أن) تقدر وما بعدها بمصدر.
إذاً: تشترك اخلولق وحرى في لزوم (أنْ) في خبرهما، وفي معناهما، لأنهما بمعنى الرجاء، فهي مثلها في المعنى وفي العمل.
стр. 226
اقتران خبر أوشك بأن
قوله: (وبعد أوشك انتفا أن نزرا): أي: أن خلو خبر (أوشك) من (أنْ) قليل، فتقول مثلاً: توشك السماء أن تمطر، هذا هو الكثير، وتقول: أوشكت السماء تمطر، ولكنه قليل، وعليه قول الشاعر: يوشك من فر من منيته في بعض غراته يوافقها ولم يقل: أن يوافقها.
لكن الشاعر الآخر يقول: ولو سئل الناس التراب لأوشكوا إذا قيل هاتوا أن يملوا ويمنعوا فهنا اقتران خبرها بأن، وهو الغالب.
стр. 227
تجرد خبر كرب من أن
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ومثل كاد في الأصح كربا وترك أن مع ذي الشروع وجبا كأنشأ السائق يحدو وطفق كذا جعلت وأخذت وعلق (ومثل كاد) مثل: مبتدأ، وهو مضاف إلى (كاد) باعتبار اللفظ.
في الأصح: جار ومجرور.
(كربا) خبر المبتدأ (مثل)، ويجوز أن تقول: كربا: مبتدأ، ومثل: خبر: فإن كنت تريد أن تخبر أن (كرب) مثل (كاد) فتكون (كرب) هي المبتدأ و (مثل) خبراً.
وإن كنت تريد أن تخبر عن مماثل (كاد) فإن (مثل) تكون مبتدأ و (كرب) خبراً، لكن المتبادر أنك تريد أن تخبر أن (كرب) مثل (كاد)، وعلى هذا تكون (كرب) مبتدأ مؤخراً و (مثل) خبراً مقدماً.
(في الأصح) جار ومجرور متعلق بمحذوف حال، أي: حال كونه في الأصح من أقوال النحويين.
(وترك أن): ترك: مبتدأ، وهو مضاف إلى أن.
مع: ظرف مكان، وهو مضاف إلى ذي، و (ذي) مضاف إلى الشروع.
وجبا: فعل ماض، والجملة خبر المبتدأ، والظرف (مع ذي الشروع) متعلق بقوله: (وجب) أي: ووجب ترك أن مع ذي الشروع، أي: مع أفعال الشروع، وسيذكرها المؤلف هنا.
يقول المؤلف: مثل كاد في الأصح كرب، وكرب الأكثر فيها حذف أن من خبرها، ومنه قول الشاعر: كرب القلب من جواه يذوب حين قال الوشاة هند غضوب فقوله: (مثل كاد في الأصح كربا) أي: أنها تكون خالية من أن، تقول: كربت السماء تصفى، بمعنى: قاربت؛ لأن (كاد وأوشك وكرب) التي فيها الكاف كلها تكون للمقاربة.
стр. 228
امتناع اقتران خبر ما دل على الشروع بأن
قوله: (وترك أن مع ذي الشروع وجبا): أي: يجب ترك (أن) مع ذي الشروع، وهذا عكس الذي يجب أن يقترن خبره بأن مثل: حرى واخلولق، فصارت هذه الأدوات بالنسبة لاقتران خبرها بأن تنقسم إلى أربعة أقسام: ما يمتنع اقترانه، وما يجب اقترانه، وما يكثر اقترانه، وما يكثر خلوه من أن، هذا ما تفيده كلمات ابن مالك ﵀.
يقول: [كأنشأ السائق يحدو وطفق كذا جعلت وأخذت وعلق] لما أشار إلى ذات الشروع بدأ يبينها فقال: (كأنشأ السائق يحدو) أي: ذلك مثل قولك: أنشأ السائق، إذاً: كأنشأ السائق يحدو: الكاف: حرف جر، وأنشأ السائق يحدو: مجرور بالكاف؛ لأنه كأنه قال: كهذا المثال.
إذاً: أفعال الشروع هي: (أنشأ)، و (طفق) مثل: طفق يفعل كذا، أي: شرع.
و (جعل)، تقول: جعل يخطب، جعل يقول، جعل يتوضأ، جعل يأكل، جعل يشرب، وما أشبه ذلك.
و (أخذ) تقول: أخذت أتكلم، أو أخذ يتكلم، أو ما أشبه ذلك.
و (علق) أيضاً من أفعال الشروع، وبعض العلماء أنكرها، لكنها واردة عند العرب، تقول: علق يفعل، بمعنى: أنشأ يفعل.
ومن ذلك أيضاً: (شرع)، تقول: شرع يفعل كذا.
إذاً: كل ما دل على الشروع، أو قصد به الشروع فهو من أفعال الشروع، ونقول: كلما وجدنا كلمة تدل على الشروع فهي تعمل هذا العمل، إلا أن يمنع من التركيب ما تقتضيه اللغة، فإذا كان التركيب لا يصح لغة فإننا لا نقبل، وإلا فكل لفظ يدل على الشروع فإنه داخل في ذلك.
إذاً: لو أن قائلاً قال: أنشأ السائق أن يحدو، فإن هذا خطأ؛ لأنه يقول: (ترك أنْ مع ذي الشروع وجبا).
стр. 229
تصرف كاد وأخواتها
قال المصنف رحمه الله تعالى: [واستعملوا مضارعاً لأوشكا وكاد لا غير وزادوا موشكا] بدأ المؤلف ﵀ في بيان هذه الأفعال هل هي متصرفة أو لابد أن تكون بلفظ الماضي؟ بين ذلك فقال: (واستعملوا مضارعاً لأوشكا) الفاعل في قوله: (استعملوا) هو العرب، وهو فعل وفاعل.
مضارعاً: مفعول به لاستعملوا.
لأوشكا: جار ومجرور متعلق باستعملوا، أي: استعملوا لأوشك فعلاً مضارعاً.
(وكاد): الواو: حرف عطف.
وكاد: معطوفة على أوشك، إذاً لهذين الفعلين فقط (لكاد وأوشك).
(لا غير): لا: حرف عطف.
وغير: معطوفة على (أوشك)، وعليه فيكون المعنى: لا لغيرهما، أي: لغير أوشك وكاد.
فنفهم إذاً أن (أوشك وكاد) يستعمل منهما المضارع، مثال ذلك في (كاد) قوله تعالى: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ [البقرة:٢٠]، والماضي: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة:٧١].
ومثال الماضي من أوشك: ولو سئل الناس التراب لأوشكوا إذا قيل هاتوا أن يملوا ويمنعوا الشاهد: (لأوشكوا) فهو فعل ماض.
ومثال المضارع: يوشك من فر من منيته في بعض غراته يوافقها على أنه يحتمل أن مراد ابن مالك: لا غير للمضارع، فلا يستعمل الأمر، مثل أن تقول: أوشِكْ أن تفعل كذا وكذا، فلا يصح هذا؛ لأنه لم يأت ذلك في اللغة العربية.
قوله: (وزادوا موشكاً) (زادوا) أي: العرب، و (موشك) اسم فاعل من أوشك، إذاً (أوشك) يستعمل منها الماضي والمضارع واسم الفاعل، ومن ذلك قول الشاعر: فموشكة أرضنا أن تعود خلاف الأنيس وحوشاً يبابا أي: خالية ما فيها أحد.
أما (كاد) فظاهر كلام ابن مالك هنا أنه لا يستعمل منها اسم فاعل؛ لأنه قال: (زادوا موشكاً)، لكنه صرح في أصل الألفية -وهي الكافية- أنه يستعمل اسم الفاعل من أوشك ومن كاد، وعلى هذا فيقال: اسم الفاعل من كاد: كائد، تقول: كاد يكيد فهو كائد، كباع يبيع فهو بائع.
стр. 230
استعمال بعض أخوات كاد تامة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [بعد عسى اخلولق أوشك قد يرد غنى بأن يفعل عن ثان فقد وجردن عسى أو ارفع مضمراً بها إذا اسم قبلها قد ذكرا والفتح والكسر أجز في السين من نحو عسيت وانتقا الفتح زكن] سبق الكلام على تقسيم أفعال المقاربة من حيث المعنى، ومن حيث اقترانها بأن، ومن حيث تصرفها، وهنا ذكر تقسيماً آخر فقال: (بعد عسى اخلولق أوشك قد يرد).
بعد: ظرف مكان متعلق بـ (يرد)، وهو مضاف إلى (عسى).
اخلولق: معطوفة على (عسى) بإسقاط حرف العطف للضرورة.
أوشك: كذلك معطوفة على عسى بإسقاط حرف العطف للضرورة.
قد يرد: قد: هنا داخلة على فعل مضارع فتفيد التقليل، والفعل بعدها مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها مراعاة الروي، وإلا فالأصل أنها: قد يردُ.
غنى: فاعل (يرد).
بأن يفعل: الباء: حرف جر، وأن يفعل: مجرورة بالباء؛ لأنه مراد لفظها، فهي مجرورة بالكسرة المقدرة على آخرها منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة الحكاية.
عن ثان: جار ومجرور متعلق بـ (غنى)، أي: استغناء عن ثان فقد، والثاني هو الخبر، أي: استغنى بـ (أن يفعل) عن الخبر ويكون في محل رفع فاعل.
أفاد المؤلف أن هذه الأفعال تنقسم من حيث التمام والنقص إلى قسمين: قسم لا يستعمل إلا ناقصاً، وقسم يستعمل تاماً: فالذي يستعمل تاماً ثلاث أدوات: عسى، واخلولق، وأوشك، فعسى واخلولق من حيث المعنى متفقة تفيد الرجاء، وأوشك للمقاربة.
قوله: (قد يرد غنى بأن للفعل)، أي: قد تستغني هذه الأفعال الثلاثة بـ (أن يفعل) عن الخبر، وعلى هذا تكون تامة، وقيل: إنها لا تكون تامة، وتكون أن وما بعدها سدت مسد الاسم والخبر، كما يكون ذلك في التعليق في أفعال القلوب كما سيأتي إن شاء الله.
والخلاف قريب من اللفظي في الواقع، إلا في بعض الأحوال فإنه يتبين الخلاف كما سيذكره في البيت الذي يأتي، مثال ذلك: تقول: عسى أن يقوم زيد، فهنا نقول: عسى: فعل ماض، وهو من أفعال الرجاء.
أن يقوم: أن: حرف مصدر ينصب الفعل المضارع، يقوم: فعل مضارع منصوب بأن.
زيد: فاعل أن يقوم، وأن وما دخلت عليه في محل رفع فاعل عسى، هذا إذا قلنا: إنها تامة.
ويرى بعض العلماء أنها ناقصة، وأن (أن يقوم) سد مسد الاسم والخبر، والخلاف لفظي إلا في بعض الأحيان، فمثلاً إذا قلت: عسى أن يقوم زيد، فهنا لا يظهر أثر للخلاف؛ لأن التركيب سيكون هكذا: عسى أن يقوم زيد.
لكن لو قلت: عسى أن يقوم الزيدان، فإذا قلنا: إنها تامة وأنْ وما دخلت عليه في محل رفع فاعل فالتركيب هكذا: عسى أن يقوم الزيدان.
وإذا قلنا: إنها ناقصة، فهنا يمكن أن نجعل الفعل خبراً مقدماً، والزيدان مبتدأ مؤخراً ونقول: في التركيب: عسى أن يقوما الزيدان، فتكون (الزيدان) اسمها مؤخراً، و (أن يقوما) خبرها.
ولكن هل هذا وارد عن العرب؟ هو على لغة أكلوني البراغيث وارد لا شك، يقولون: عسى أن يقوما الزيدان، وعسى أن يقوموا الزيدون، لكن على اللغة الفصحى لا ندري هل هذا التركيب وارد أو لا؟ لكن لو ورد فإنه يخرج على هذه اللغة، أي: على أن ما بعد الفعل اسم مؤخر، والفعل والفاعل في محل نصب خبر مقدم.
مثال آخر: عسى أن تقوم هند، نقول: عسى: فعل ماض.
أن: حرف مصدري.
تقوم: فعل مضارع منصوب بأن.
هند: فاعل تقوم، وأن وما دخلت عليه في محل رفع فاعل، هذا إن قلنا بأنها تامة.
وإن قلنا بأنها ناقصة نقول: أن وما دخلت عليه سدت مسد الاسم والخبر.
стр. 231
حكم عسى إذا تقدمها الاسم
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وجردن عسى أو ارفع مضمرا بها إذا اسم قبلها قد ذكرا] جردن: فعل أمر مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد، وهل نقول: في محل جزم أو نقول: مبني على الفتح فقط؟ المشهور عند البصريين أنه مبني على الفتح فقط، ولا نقول: في محل جزم، وأما من قال: إن فعل الأمر مجزوم بلام الأمر المحذوفة والتقدير: لتجرد، فهذا يكون مبنياً على الفتح في محل جزم، لكن الصحيح والمشهور أنه مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد.
عسى: مفعول جرد باعتبار اللفظ.
(أو ارفع مضمراً)، أو: للتخيير، ارفع: فعل أمر، مضمراً: مفعول به.
بها: جار ومجرور متعلق بارفع.
(إذا اسم قبلها قد ذكرا): إذا: شرطية، واسم قيل: نائب فاعل لقوله: (ذكر)، وقيل: نائب فاعل لفعل محذوف يفسره (ذُكر)، وقيل: مبتدأ.
فالأقوال إذاً: ثلاثة، والأسهل أن نقول: مبتدأ؛ لأنه إذا قلنا مبتدأ لم يحصل تقديم ولا تأخير ولا تقدير، وإذا قلنا: إنه نائب فاعل لفعل محذوف كان هناك تقدير، وإذا قلنا: نائب فاعل لـ (يذكر) ولكنه مقدم كان هناك تقديم وتأخير.
يقول المؤلف ﵀: إذا سبق عسى اسم فلك في استعمالها وجهان: الوجه الأول: أن ترفع بها ضميراً.
الوجه الثاني: أن تجردها من الضمير.
مثال ذلك: زيد عسى أن يقوم.
فزيد: مبتدأ.
وعسى: فعل ماض وفاعلها مستتر جوازاً تقديره هو.
أو إن شئت فقل: أن: مصدر، يقوم: الفعل المضارع منصوب بالمصدر، وأن وما دخلت عليه في تأويل مصدر فاعل؛ لأنه يقول: إما أن تجردها من الضمير فتكون أن وما بعدها فاعلاً، وإما أن ترفع بها ضميراً فتكون أن وما دخلت عليه خبراً.
ويظهر ذلك أيضاً في المثال إذا كان الفاعل غير مفرد مذكر، مثاله: هند عسى أن تقوم.
فعلى إضمار الفاعل نقول: هند عست أن تقوم؛ لأن الفعل إذا كان فيه ضمير عائد إلى المؤنث وجب التقدير، فنقول: هند عست أن تقوم.
وعلى عدم إضمار الفاعل نقول: هند عسى أن تقوم، ونجعل (أن تقوم) هي الفاعل، وتكون تامة، أو على القول الثاني تكون أن وما دخلت عليه سدت مسد الاسم والخبر.
مثال آخر: الرجلان عسى أن يقوما؛ نقول على تقدير المضمر: عسيا أن يقوما، وعلى عدم الإضمار: عسى أن يقوما.
والرجال عسى أن يقوموا؛ على إثبات المضمر نقول: عسوا أن يقوموا، وعلى حذفه: عسى أن يقوموا، ولهذا قال: (وجردن عسى أو ارفع مضمرا بها إذا اسم قبلها قد ذكرا)
стр. 232
جواز الفتح والكسر في سين (عسيت)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [والفتح والكسر أجز في السين من نحو عسيت وانتقا الفتح زكن].
الفتح: مفعول مقدم لأجز.
والكسر: معطوف عليه.
أجز: فعل أمر مبني على السكون، والفاعل مستتر وجوباً تقديره أنت.
في السين: جار ومجرور متعلق بأجز.
من نحو عسيت، أي: من (عسى) إذا أسندت إلى ضمير التاء؛ ونحو مضاف، وعسيت: مضاف إليه باعتبار اللفظ.
وانتقا: مبتدأ مرفوع بضمة على الهمزة المحذوفة لضرورة النظم، وهو مضاف إلى الفتح.
زكن: فعل ونائب فاعل، وهو خبر المبتدأ الذي هو (انتقا).
وخلاصة البيت: أنه يجوز في عسى إذا أضيفت إلى ضمير رفع متحرك كسر السين وفتح السين، والفتح أرجح، قال الله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد:٢٢]، وتقول: عسَيت أن أقوم، ويجوز: عسِيت أن أقوم.
ففي السين من (عسى) إذا أضيفت إلى تاء الفاعل وجهان: الكسر والفتح، والفتح أولى؛ لأنه قال: (وانتقا الفتح زكن).
стр. 233
شرح ألفية ابن مالك [٢٤]
إن وأخواتها حروف ناسخة تنصب المبتدأ وترفع الخبر، فهي تعمل عكس عمل كان وأخواتها، ويجب الترتيب بين اسمها وخبرها، ولا يجوز تقدم الخبر إلا الظرف والجار والمجرور، وهمزة إن تفتح في مواضع وتكسر في مواضع.
стр. 234
إن وأخواتها
стр. 235
عمل إن وأخواتها
قال المصنف رحمه الله تعالى: [إن وأخواتها: لإنَّ أنَّ ليتَ لكنَّ لعلّ كأن عكس ما لكان من عمل كإن زيداً عالمٌ بأني كفء ولكن ابنه ذو ضغن وراع ذا الترتيب إلا في الذي كليت فيها أو هنا غير البذي].
نواسخ المبتدأ والخبر تنقسم من حيث العمل إلى ثلاثة أقسام: ما ينسخ المبتدأ والخبر جميعاً، وما يرفع المبتدأ وينصب الخبر، وما ينصب المبتدأ ويرفع الخبر.
وهذا من حيث العمل، لا من حيث الأداة هل هي فعل أو اسم أو حرف.
فكان وأخواتها سبق أنها ترفع المبتدأ وتنصب الخبر.
وليس ارتفاع المبتدأ بقاءه على ما كان عليه، بل هو رفع مجدد بكان.
وإن وأخواتها تنصب المبتدأ وترفع الخبر، والرفع الذي في الخبر ليس هو الرفع الأول الذي كان قبل دخول إن، بل هو رفع مجدد، فإن بعض الناس قد يقول في إعراب (كان زيد قائماً): زيد: مرفوع بالابتداء، فنقول: لا، زيد مرفوع بكان، فالرفع الذي حصل له رفع مجدد.
وكذلك (إن زيداً قائمٌ) قد يقول بعض الناس: قائم: مرفوع على أنه خبر المبتدأ، فنقول: لا، بل هو مرفوع على أنه خبر إن، فـ (إن) أحدثت له رفعاً مجدداً؛ ولهذا قال المصنف في كان وأخواتها: (ترفع كان المبتدأ اسماً والخبر تنصبه).
قوله: (إن وأخواتها)، أي: أخواتها اللاتي يعملن عملها، وهي ستة حروف ذكرها في قوله: (لإن أن ليت لكن لعل كأن عكس ما لكان من عمل).
قوله: لإنّ: جار ومجرور، فحرف الجر هنا قد دخل على إن، ودخول حرف الجر على كلمة يدل على أنها اسم، مع أن (إنَّ) حرف، فكيف ذلك؟ نقول: لأن المقصود بها اللفظ، فكأن المؤلف قال: لهذا اللفظ.
أنّ: معطوفة على إنَّ لكن بإسقاط حرف العطف للضرورة.
ليت: كذلك معطوفة على إنَّ بإسقاط حرف العطف للضرورة.
لكن: كذلك معطوفة على إنَّ بإسقاط حرف العطف للضرورة.
لعل: مثلها.
كأن: مثلها.
عكس: مبتدأ، وخبره الجار والمجرور المتقدم.
عكس ما لكان من عمل: أي عكس الذي لكان من العمل.
لكان: اللام حرف جر، وكان اسم مجرور باللام وعلامة جره كسرة مقدرة على آخره منع من ظهورها الحكاية؛ لأن المقصود هو اللفظ.
стр. 236
إن وأخواتها تعمل عكس عمل كان وأخواتها
قوله: (عكس ما لكان من عمل)، فإذا كانت كان ترفع المبتدأ وتنصب الخبر، فـ (إن وأخواتها) تنصب المبتدأ وترفع الخبر.
والحمد لله الذي يسر لنا علماء تتبعوا اللغة العربية واستقرءوها واستخرجوا هذه الحروف التي تعمل هذا العمل، فحفظوا للعربية كيانها وإلا لضاعت اللغة العربية، ولو لم تؤلف هذه الكتب فمن يدري أن (إنَّ) تنصب وترفع؟! لكن العلماء جزاهم الله خيراً تتبعوا حتى حصروا هذه الأشياء.
مثاله: قال: (كإن زيداً عالمٌ بأني كفؤ).
كإن: الكاف حرف جر، وإن زيداً عالمٌ بأني كفء: اسم مجرور؛ لأن المقصود: كهذه الجملة، وهو مجرور بالكاف وعلامة جره كسرة مقدرة على آخره منع من ظهورها الحكاية.
وإذا أردنا أن نعرب هذا المثال على قطع صلته بالكاف قلنا: إن حرف توكيد ونصب ورفع ينصب المبتدأ ويرفع الخبر، وقد قلنا: ورفع؛ لأنه إما أن تقول: حرف توكيد ونصب (ورفع)، وإما أن تقول: حرف توكيد ينصب المبتدأ ويرفع الخبر، وهذا أحسن.
زيداً: اسمها منصوب بها وعلامة نصبه فتحة ظاهرة في آخره.
عالم: خبرها مرفوع بها وعلامة رفعه ضمة ظاهرة في آخره.
بأني: الباء حرف جر، وأن: ينصب المبتدأ ويرفع الخبر، والياء اسمها مبني على السكون في محل نصب.
كفء: خبر أن مرفوع بها وعلامة رفعه ضمة ظاهرة في آخره، والجار والمجرور متعلق بعالم.
إذاً: زيد عالم بأنه كفء، لكن المشكل ابنه، يقول: (ولكن ابنه ذو ضغن) أي: ذو حقد عليه، فالأب عالم وحاكم بأنه كفء، ولكن ابنه ذو ضغن، كأن رجلاً خطب من شخص ابنته، فأجاب الأب، فأجاب الأب؛ لأنه يعلم أن الخاطب كفء، ولكن الابن في قلبه حقد فأراد أن يفسد الموضوع، وأفسد على الأب رأيه ففسدت المسألة.
يقول ابن مالك: (كإن زيداً عالم بأني كفء ولكن ابنه ذو ضغن) لكنَّ: إحدى أخوات إن، ونقول في إعرابها: لكنَّ: للاستدراك؛ لأنها استدراك على ما سبق، وهي تنصب المبتدأ وترفع الخبر.
وابنه: اسمها منصوب بها وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة في آخره، وابن: مضاف، والهاء: مضاف إليه مبني على الضم في محل جر.
ذو: خبر لكن مرفوع بها وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، وذو: مضاف، وضغن: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة.
وبهذا نكون قد عرفنا الحكم والمثال، فالحكم: أن (إنَّ) وأخواتها تنصب المبتدأ وترفع الخبر، والمثال الأول: إن زيداً عالم بأني كفء، والمثال الثاني: ولكن ابنه ذو ضغن.
стр. 237
حكم الترتيب بين اسم إن وخبرها
انتقل المؤلف إلى الترتيب بين اسم إن وخبرها، وقد عرفنا أنه لا يجب الترتيب بين اسم كان وخبرها، قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء:٩٦]، وقال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧]، لكن إنَّ وأخواتها يجب أن يتقدم الاسم ويتأخر الخبر، ولهذا قال: [وراع ذا الترتيب إلا في الذي كليت فيها أو هنا غير البذي] راع: فعل أمر، والأمر يقتضي الوجوب، وهو مبني على حذف الياء والكسرة قبلها دليل عليها، والأصل (راعي).
ذا الترتيب: ذا: اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب، والترتيب: بدل من ذا.
قوله: (إلا في الذي كليت فيها أو هنا غير البذي).
ذكر مثالين: الأول: ليت فيها غير البذي، فقدم الخبر على الاسم؛ لأن الخبر جار ومجرور.
والثاني: ليت هنا غير البذي، فقدم الخبر على الاسم؛ لأنه ظرف.
إذاً: يجب في إن وأخواتها أن يتقدم الاسم على الخبر؛ إلا إذا كان الخبر ظرفاً أو جاراً ومجروراًَ فإنه يجوز أن يتقدم.
فإن قال قائل: ما الفرق بين كان وإن؟ قلنا: لأن كان فعل، فهي أقوى في العمل من إن وأخواتها، وعمل الأفعال أقوى من عمل الحروف بلا شك، ولهذا إذا أُبعد اسم (إنَّ) عنها بطل عملها، فوجب أن يليها من أجل أن تقوى على العمل، بخلاف كان وأخواتها فإنها أفعال، والأفعال هي الأصل في الأعمال؛ فلهذا قويت على أن تعمل في اسمها ولو كان مؤخراً عنها.
لكن الظرف والجار والمجرور أمره سهل وهو مرن، فاجعله في الأول أو في الآخر، كل ذلك جائز، فإذا كان الخبر ظرفاً أو جار ومجروراً فإنه يجوز أن يتقدم ولا يجب، فلك أن تقول: إن زيداً عندك، ولك أن تقول: إن عندك زيداً، وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً﴾ [آل عمران:١٣] قدم الخبر لأنه جار ومجرور، وقوله: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا﴾ [المزمل:١٢] قدم الخبر لأنه ظرف.
إذاً: يجب الترتيب بين اسم إن وخبرها؛ لقول ابن مالك: وراع ذا الترتيب، إلا إذا كان ظرفاً أو جاراً ومجروراً فإنه يجوز تقديمه.
وهل يجوز أن يتقدم الخبر على الأداة؟ لا يجوز، ولو كان ظرفاً أو جاراً ومجروراً، فلا يجوز: فيها إن زيداً، ولا: هنا إن زيداً؛ وذلك لأن العمل في الحروف ضعيف، فهي لا تقوى على أن تعمل فيما تقدمها.
يقول الشاعر: كأني من أخبار إنَّ ولم يجز له أحد في النحو أن يتقدما وهذا قد يكون متشائماً وقد يكون متواضعاً، حسب القرائن؛ لأنه ربما يكون في مجلس من المجالس فيقال له: تقدم يا فلان في صدر المجلس، فيقول: لا أتقدم: كأني من أخبار إنَّ ولم يجز له أحد في النحو أن يتقدما فهذا يكون متواضعاً، وقد يكون متشائماً، وهذا هو الظاهر، لكن الظاهر تغيره بحسب القرائن، لكن هل هذا البيت على إطلاقه في قوله: (ولم يجز له أحد في النحو أن يتقدما)؟ نقول: يستثنى الظرف والجار والمجرور.
والمؤلف ﵀ أتى بالمثال مستغنياً به عن الحكم، وهذا يعد من الاختصار، وهو من قدرة الرجل، فيأتي بالمثال ليؤخذ منه الحكم، لكن أكمل منه أن يؤتى بالحكم ثم يعقب بالمثال.
стр. 238
حكم تقديم خبر إن على اسمها في نحو إن في الدار صاحبها
ويجب تقديم خبر إنَّ على اسمها في نحو: إن في الدار صاحبها، وذلك لأن الضمير في (صاحبها) يعود على الدار، فلو قدم فقيل: إن صاحبها في الدار، لعاد الضمير على متأخر لفظاً ورتبة، وهذا لا يجوز.
وبيان ذلك: أن خبر إنَّ يتأخر عن اسمها، فهو متأخر رتبة، وهو متأخر أيضاً لفظاً؛ لأننا قدمنا (في الدار) فإذا قلنا: إن صاحبها في الدار، صار الخبر الذي هو (في الدار) متأخراً لفظاً ورتبة، فيكون الضمير عائداً على متأخر لفظاً ورتبة، وهذا لا يجوز.
وكذلك لا يجوز أن يعود الضمير على متأخر لفظاً لا رتبة.
أما قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ﴾ [البقرة:١٢٤]، فالضمير عائد على متقدم لفظاً لا رتبة، فيجوز عود الضمير على متقدم لفظاً لا رتبة.
وعليه فالقاعدة هي: أنه لا يجوز أن يعود الضمير على متأخر لفظاً ورتبة، إلا أنهم استثنوا بعض المسائل، مثل: ربه رجلاً وما أشبه ذلك.
стр. 239
فتح همزة إن وكسرها
стр. 240
مواضع فتح همزة إن
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وهمز إنَّ افتح لسد مصدر مسدها وفي سوى ذاك اكسر فاكسر في الابتدا وفي بدء صله وحيث إن ليمين مكمله أو حكيت بالقول أو حلت محل حال كزرته وإني ذو أمل وكسروا من بعد فعل علقا باللام كاعلم إنه لذو تقى] قوله: (وهمز إن افتح) همز: مفعول مقدم لـ (افتح).
وقوله: (لسد مصدر): جار ومجرور متعلق بـ (افتح)، واللام للتعليل فهي بمعنى إذا.
وقوله: (مسدها) مسد مصدر ميمي لـ (سد) المصدر الأول؛ ولهذا كان منصوباً.
قوله: (وفي سوى ذاك اكسر)، (في سوى): متعلقة بـ (اكسر) وهي مضافة إلى (ذاك).
يقول ﵀: افتح همز إنَّ إذا سد مسدها المصدر، أي: إذا حل محلها المصدر، وفيما عدا ذلك اكسرها.
فإذا قال قائل: ما هو ضابط فتح همزة إنَّ؟ ف
الجواب
أن يحل محلها المصدر، أو أن يسد مسدها المصدر.
مثاله: يعجبني أنك فاهم، إذا حولنا (أنك فاهم) إلى مصدر قلنا: يعجبني فهمك.
كذلك: علمت أنك فاهم، إذا حولناها إلى مصدر قلنا: علمت فهمك، فالمثال الأول وقعت فاعلاً، والمثال الثاني وقعت مفعولاً به.
كذلك: علمت بأنك فاهم، إذا حولناها إلى مصدر قلنا: علمت بفهمك.
فصار هذا الضابط مطرداً، أي: كلما حل محلها المصدر، سواء كان فاعلاً أو مفعولاً به أو مجروراً فإنها تكون مفتوحة، والذي في القرآن كله ينطبق على هذا، وكذلك في كلام العرب.
стр. 241
مواضع كسر همزة إن
قوله: (وفي سوى ذاك اكسر)، ذاك: المشار إليه هو قوله: (لسد مصدر مسدها).
قوله: (فاكسر في الابتداء) هذا تفصيل بعد تعميم، أي: إذا وقعت في ابتداء الكلام -أي في صدر جملتها- فاكسرها، فتقول مثلاً: إني قائم، ولا يجوز أن تقول: أني قائم.
فإن قال قائل: ما تقولون في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون:٦٠] فهنا جملة (أنهم) لا صلة لها بما قبلها، فلماذا فتحت مع أنها في ابتداء جملتها؟ ف
الجواب
أن هذه على تقدير اللام، أي: لأنهم إلى ربهم راجعون؛ ولهذا نقول: إن هذه الجملة تعليلية، أي: سبب وجود وجل قلوبهم هو أنهم يؤمنون بأنهم راجعون إلى الله، ولا يدرون ماذا يلقون الله به؛ فلذلك تجدهم يعملون الأعمال الصالحة وقلوبهم خائفة، أي: خائفة من أن يرد عليهم عملهم.
إذاًَ: كلما وقعت إن في ابتداء الجملة فإنها تكسر، تقول: إن زيداً قائم، ولا يصح أن تقول: أن زيداً قائم؛ لأنها وقعت في الابتداء، هذا هو الموضع الأول.
الموضع الثاني: قال: (وفي بدء صلة).
أي: إذا وقعت (إن) في بدء الجملة التي تقع صلة للموصول فإنها تكسر، ووجه ذلك أنها واقعة في الحقيقة في ابتداء الجملة؛ لأن الجملة بعد الموصول تابعة له مستقلة.
فهي تابعة بمعنى أنها هي التي تصله وتبين معناه، لكنها مستقلة؛ فلهذا تكسر، تقول: يعجبني الذي إنه فاهم، وقال الله ﵎: (وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ [القصص:٧٦]، ما: بمعنى الذي، أي: آتيناه الذي إن مفاتحه لتنوء بالعصبة.
الموضع الثالث: قال: (وحيث إن ليمين مكملة).
أي: إذا وقعت (إنَّ) جواباً لقسم؛ لأن الذي يكمل اليمين هو الجواب، فإذا وقعت إن جواباً للقسم وجب كسرها، قال الله ﵎: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ﴾ [التوبة:٥٦] لكن هذه فيها اللام.
وتقول: والله إن زيداً قائم، ولو قلت: والله أن زيداً قائم، لما صح كلامك.
وتقول: حلفت بالله إن زيداً قائم، فكسرت لأنها جواب القسم، أي: المقسم عليه.
الموضع الرابع: قال: (أو حكيت بالقول).
أي: إذا كانت (إن) مقولاً للقول فإنها تكسر، مثل قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم:٣٠].
وتقول: قال فلان إن فلاناً فيه نوم، الشاهد: إن فلاناً فيه نوم؛ لأنها مقول القول.
إذاً كلما وقعت (إنَّ) مقولاً للقول فإنها تكسر، فلا يصح أن يقال: قال فلانٌ أن فلاناً قائم، بلا يقال: قال فلان إن فلاناً قائم؛ لأنها مقول القول.
الموضع الخامس: قال: (أو حلت محل حال).
أي: إذا حلت (إنَّ) هي وجملتها محل حال فإنه يجب كسرها؛ لأن حقيقة الأمر حينئذ أنها وقعت في الابتداء.
قال: (كزرته وإني ذو أمل)، زرته: فعل وفاعل، (وإني ذو أمل) حال من التاء في (زرته)، والجملة الواقعة حالاً هي جملة مبتدأة في الواقع كأنها مستقلة؛ ولهذا وجب فيها كسر إنَّ.
إذاً: تكسر همزة إنَّ في خمسة مواضع: الأول: الابتداء.
الثاني: بدء الصلة.
الثالث: إذا كانت جواباً للقسم.
الرابع: إذا حكيت بالقول.
الخامس: إذا حلت محل حال.
هذه مواضع خمسة تكسر فيها همزة إن، ولو قلت: الضابط في كسرها ألا يحل محلها المصدر؛ لأنه قال: (تفتح إذا حل محلها المصدر) لكان صحيحاً؛ لكن هذه المواضع عبارة عن تبيين لمجمل.
وقد تكسر في غير هذه المواضع أيضاً، ما دام الضابط عندنا أنها إذا لم يحل محلها المصدر فهي مكسورة، فقد يوجد غير هذه المواضع في اللغة العربية، فالخمسة هذه من باب تفصيل المجمل.
стр. 242
كسر همزة إن إذا جاءت بعد فعل معلق باللام
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وكسروا من بعد فعل علقا باللام كاعلم إنه لذو تقى] قوله: (وكسروا) أي: العرب؛ لأن العرب هم الذين ينطقون ويحكمون على النطق بأنه مفتوح أو مكسور أو مضموم.
قوله: (من بعد فعل علقا باللام)، مع أن الفعل إذا وقعت (إنَّ) مفعولاً له يجب فيها أن تفتح همزتها، فإذا علق الفعل باللام وجب كسر الهمزة؛ لأنه متى وجدت اللام في خبرها أو اسمها وجب كسرها بكل حال.
مثاله: (اعلم إنه لذو تقى)، ولولا وجود اللام في قوله: (لذو) لوجب أن يقال: اعلم أنه ذو تقى، قال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩]، لكن لما علق الفعل باللام كسرت الهمزة، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون:١].
والحاصل: أنه إذا وقعت إنَّ مفعولاً للفعل، ولكن علق عمل الفعل باللام وجب أن تكسر همزتها، ولولا اللام لوجب الفتح، فإن هذه اللام تمنع الفتح، كـ (اعلم إنه لذو تقى).
ويمكن أن نجعل هذا موضعاً سادساً؛ وهو: أن تأتي بعد فعل معلق باللام، فيجب فيها الكسر.
فإذا قال قائل: ما وجه وجوب الكسر مع أن الفعل مسلط عليها؟ قلنا: وجه وجوب الكسر أن اللام لا يتأتى معها فتح الهمزة، وإذا حولناها إلى مصدر فإننا نفقد التوكيد الذي دلت عليه اللام، فلهذا كسروها.
стр. 243
إعراب أبيات مواضع كسر همزة إن
قوله: (فاكسر في الابتداء وفي بدء صله)، في الابتداء: جار ومجرور متعلق باكسر.
وفي بدء صلة: معطوفة بإعادة حرف الجر، وإن شئت فقل: بإعادة العامل، أي: واكسر في بدء صلة.
وحيث: الواو حرف عطف، وحيث: ظرف مكان معطوف على قوله: في الابتداء، أي: واكسر حيث وهو مضاف إلى (إن) مراداً بها اللفظ.
ليمين مكملة: ليمين: متعلقة بمكملة، ومكملة: يجوز أن تكون منصوبة على أنها حال من إنَّ، ولا يصح أن تكون مجرورة، وقد ذكرت في الأول أن حيث مضافة إلى (إنَّ) باعتبار اللفظ، وهذا أحد القولين في النحو: أنه يجوز أن تضاف (حيث) إلى المفرد، ولكن المشهور أن (حيث) لا تضاف إلا إلى الجمل، وبناء على هذا المشهور نقول: إن: مبتدأ، ومكملة: خبره، ولكن غالب عبارات الفقهاء ﵏ إضافة حيث إلى ما بعدها، خلاف المشهور في اللغة العربية، وقد جاء ذلك في اللغة العربية، كما قال الشاعر: ألم تر حيث سهيلٍ طالعا نجماً يضيء كالشهاب لامعا فأضاف (حيث) إلى (سهيل)، فلذلك نقول: إن المشهور في إعراب الشطر الثاني: أن (حيث) معطوفة على قوله: في الابتداء، وأن (إنّ) مبتدأ، و (مكملة) خبر المبتدأ، و (ليمين) متعلقة بمكملة.
قوله: (أو حكيت بالقول): حكي: فعل ماض مبني للمجهول، وبالقول: متعلق به.
(أو حلت محل حال): هذه معطوفة على قوله: حكيت، أو على قوله: إن ليمين مكملة.
والظاهر أنها معطوفة على قوله: إن ليمين مكملة، والمعنى: وحيث حكيت بالقول، أو حيث حلت محل حال.
ومحل: يحتمل أن تكون ظرف مكان، أي: في محل، ويحتمل أن تكون مصدراً ميمياً، أي: حلت حلول حال، والمعنى لا يختلف على كلا التقديرين.
وقوله: (كزرته وإني ذو أمل) الكاف حرف جر، و (زرته وإني ذو أمل): مجرور بالكاف، والتقدير: كهذا المثال، ولهذا دخلت الكاف على الجملة.
قوله: (وكسروا من بعد فعل علق باللام).
من بعد فعل: متعلق بكسروا، وكسروا: فعل وفاعل.
وعلق: الجملة صفة لفعل؛ لأنه نكرة، والقاعدة عند المعربين: أن الجمل الواقعة بعد النكرات صفات، وبعد المعارف أحوال.
باللام: متعلق بعلق.
قوله: (كاعلم إنه لذو تقى) الكاف: حرف جر.
واعلم إنه لذو تقى: اسم مجرور بالكاف وعلامة جره كسرة مقدرة على آخره منع من ظهورها الحكاية.
وأما قوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾ [آل عمران:٣٩]، ففيها قراءتان: (إن الله) (وأن الله)، فأما على قراءة الفتح فهي على تقدير الباء، أي: نادته بأن الله، وأما على كسرها فعلى الأصل أنها مقول للقول.
стр. 244
شرح ألفية ابن مالك [٢٥]
(إن) هي أم الباب في الحروف الناصبة للمبتدأ الرافعة للخبر، وقد تفتح همزتها وقد تكسر، وقد بين العلماء مواضع وجوب فتحها ووجوب كسرها وجواز ذلك.
стр. 245
مواضع جواز فتح همزة إن وكسرها
قال المصنف رحمه الله تعالى: [بعد إذا فجاءة أو قسم لا لام بعده بوجهين نمي مع تلو فا الجزا وذا يطرد في نحو خير القول إني أحمد] هذا قسم ثالث: وهو أنه يجوز في همزة إن الفتح والكسر، بمعنى: أنك إذا كسرت لا تغلط، وإذا فتحت لا تغلط، وقد ذكر المصنف في هذين البيتين مواضع جواز الفتح والكسر: الأول: إذا وقعت بعد إذا الفجائية فإنه يجوز فيها الكسر ويجوز فيها الفتح، وإذا الفجائية: هي الدالة على مفاجأة ما بعدها لما قبلها، أي: أن ما بعدها أتى مفاجأة، كقولك: (حضرت فإذا الأسد) أي: ففاجأني الأسد، فإذا جاءت إن بعد إذا الفجائية جاز فيها وجهان: الكسر على أنها جملة استئنافية، بمعنى: أنها جملة مستقلة لا علاقة لها بما سبق، والفتح على أنها جملة مصدرية تؤكد ما بعدها بمصدر.
مثاله: قول الشاعر: وكنت أُرى زيداً كما قيل سيداً إذا أنه عبد القفا واللهازم أو: وكنت أَرى زيداً، يجوز فيها الوجهان.
ومعنى البيت: كنت أرى زيداً سيداً كما قيل فيه -وعلى ضم همزة أُرى أي: أظنه- ولكن خاب ظني فيه إذا أنه عبد القفا واللهازم، أي: فاجأني الأمر فوجدت أن الرجل عبد القفا واللهازم.
فهنا همزة (أنه) يجوز فيها وجهان: الفتح على أنها مؤولة بمصدر والخبر محذوف، أي: إذا عبوديته حاصلة؛ مثلاً.
ويجوز الكسر على أنها جملة استئنافية، وحينئذ لا حاجة إلى التقدير؛ لأن الجملة الاستئنافية لا تؤول فيها (إن) بمصدر، فلا تحتاج إلى مبتدأ ولا إلى خبر، والجملة (إنه عبد القفا واللهازم) تامة، لا تحتاج إلى تقدير شيء محذوف.
إذاً: نقول: إذا وقعت (إن) بعد إذا الفجائية فلك في همزتها وجهان: الأول: الفتح على أنها تسد مسد المصدر، ويجب في هذه الحال أن يقدر الخبر محذوفاً.
والثاني: الكسر على أنها جملة مستأنفة، وحينئذ لا حاجة إلى تقدير خبر؛ لأن الجملة تامة.
الثاني: قال: (أو قسم لا لام بعده).
إذا وقعت في قسم ليس بعده لام فإنه يجوز فيها الوجهان، لكن هذا إذا ذكر فعل القسم، مثل: حلفت بالله إنك فاهم، فيجوز أن نقول: حلفت بالله أنك فاهم، وحلفت بالله إنك فاهم، فعلى الكسر تكون جملة استئنافية، وعلى الفتح تكون مؤولة بمصدر والخبر لابد أن يكون محذوفاً.
أو نقول: لا حاجة للخبر؛ لأننا نقدرها مجرورة بحرف الجر المحذوف؛ لأن حرف الجر يطرد حذفه مع أنْ وأنَّ، قال الشاعر: أو تحلفي بربك العلي أني أبو ذيالك الصبي فيجوز في (أن) الفتح ويجوز الكسر.
فعلى الكسر نقول: إن الجملة مستأنفة، أي: تحلفي، إني أبو ذيالك الصبي.
وعلى الفتح نقول: الجملة في موضع الاسم المفرد الذي حذف منه حرف الجر، والتقدير: أو تحلفي بربك العلي بأني أبو ذيالك الصبي؛ لأن حذف حرف الجر مع أنَّ وأنْ يطرد، كما ذكر ابن مالك في الألفية.
إذاً: يجوز في (إن) إذا وقعت جواباً لقسم ذكر فيه الفعل وجهان: الوجه الأول: فتح الهمزة.
والثاني: كسرها.
فعلى الكسر تكون الجملة استئنافية، وعلى الفتح تكون الجملة في محل نصب بنزع الخافض، ويقدر الخافض مناسباً للمقام.
فإن وجدت اللام في هذه الجملة تعين الكسر، مثل قوله تعالى: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ﴾ [التوبة:٥٦]، فهنا يتعين الكسر لوجود اللام، وإذا وجدت اللام صار الفعل معلقاً بها، وقد سبق أن العرب يكسرون من بعد الفعل المعلق باللام.
الموضع الثالث: قال: (مع تلو فا الجزا) أي: إذا وقعت أن بعد الفاء الرابطة للجواب فإنه يجوز فيها الوجهان: الكسر والفتح، فعلى الكسر تكون جملة استئنافية، وعلى الفتح تكون جملة مؤولة بمصدر ويكون الخبر محذوفاً، مثل قوله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ﴾ [الأنعام:٥٤]، فهنا (أن) وقعت في جواب الشرط المقرون بالفاء، فيجوز في همزتها الفتح والكسر: (فأنه) و (فإنه).
ونأتي بمثال من عندنا لنتمكن من التصرف فيه: إذا زارني زيدٌ فإنه صادق في المودة.
يجوز: فأنه صادق، ويجوز: فإنه صادق، فعلى الفتح نقول: الفاء رابطة للجواب، وأن واسمها وخبرها في تأويل مصدر أي: فصدقه، والخبر على هذا محذوف والتقدير: فصدقه ثابت.
أما إذا جعلناها مكسورة فنقول: الفاء رابطة للجواب، وإن: حرف توكيد ينصب المبتدأ ويرفع الخبر، والهاء اسمها، وصادق خبرها، ولا نحتاج إلى تقدير.
الموضع الرابع: قال: (وذا يطرد في نحو خير القول إني أحمد).
ذا: المشار إليه جواز الفتح والكسر.
والمعنى: أنه يجوز الوجهان أيضاً في نحو هذه الجملة: (خير القول إني أحمد)، فيجوز في همزة إن الفتح على أنها في تأويل مصدر، والخبر محذوف، أي: خير القول حمد الله.
والكسر على أنها جملة استئنافية، أي: خير القول أن أقول: إني أحمد الله، فوجه الكسر أن جملة: إني أحمد الله، وقعت خبراً للمبتدأ، ولم تحتج إلى رابط؛ لأنها في معنى المبتدأ، وقد قال ابن مالك فيما سبق: وإن تكن إياه معنى اكتفى بها كنطقي الله حسبي وكفى والقاعدة في هذا: إذا وقعت إن خبراً عن قول، وخبرها قول، وفاعل القولين واحد؛ جاز الوجهان.
والكسر أشد توكيداً في كون الإنسان يحمد الله.
قوله: (بعد إذا فجاءة أو قسم).
بعد: ظرف متعلق بقوله: نمي، وبعد مضاف وإذا: مضاف إليه، وإذا مضاف وفجاءة: مضاف إليه.
أو قسم: معطوف على إذا، والمعنى: أو بعد قسم.
لا لام بعده: لا: نافية للجنس، ولام: اسمها، وبعده: الظرف متعلق بمحذوف خبر لا النافية للجنس، والجملة في موضع صفة لقسم.
بوجهين: جار ومجرور متعلق بنمي.
نمي: فعل ماض مبني لما لم يسم فاعله، وهذا أحسن من قولنا: للمجهول؛ لأنه قد يكون معلوماً، ولكن أخفاه المتكلم، ولهذا فعبارة الآجرومية جيدة، حيث قال: باب ما لم يسم فاعله.
ونمي بمعنى: ذكر، أي: بعد إذا فجاءة أو قسم لا لام بعده ذكر بوجهين، أي: وجهين في همزة إن: الفتح والكسر.
قوله: (مع تلو فا الجزاء): مع: ظرف، والظاهر أنها ساكنة من أجل استقامة البيت، أما إذا لم يكن هناك ضرورة فالفتح أكثر؛ لقول ابن مالك في الألفية: ومَعَ معْ فيها قليل وهذا الظرف متعلق بمحذوف، والتقدير: وذلك مع تلو فاء الجزاء، أي: يجوز الوجهان مع إن التي تتلو فاء الجزاء.
وقوله: (وذا يطرد)، ذا: مبتدأ، وهو اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع.
يطرد: فعل مضارع، والجملة خبر ذا.
وقوله: (في نحو خير القول)، في نحو: متعلق بـ (يطرد)، وهو مضاف و (خير القول إني أحمد)، الجملة كلها مضاف إليه، والتقدير: في نحو هذا المثال.
стр. 246
أحوال همزة إن إذا كانت جواباً للقسم
إذا ذكر الفعل ولم يقترن باللام جاز الوجهان: الكسر والفتح، تقول: حلفت إن زيداً قائم، وحلفت أن زيداً قائم، ويكون للفتح وجه؛ لأنه ذكر المتعلق، ويكون الموجب لفتح الهمزة محذوف وهو: على، حلفت على أن زيداً قائم.
وإن اقترنت باللام وجب الكسر، فصار يجب الكسر بالقسم في موضعين: الأول: إذا لم يذكر فعل القسم، سواء ذكرت اللام أو لم تذكر.
مثاله: والله إن زيداً قائم.
الثاني: إذا ذكر فعل القسم وعلق باللام.
مثاله: حلفت إن زيداً لقائم.
стр. 247
دخول لام الابتداء على خبر إن المكسورة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وبعد ذات الكسر تصحب الخبر لام ابتداء نحو إني لوزر ولا يلي ذي اللام ما قد نفيا ولا من الأفعال ما كرضيا وقد يليها مع قد كإن ذا لقد سما على العدا مستحوذا] قوله: (بعد ذات الكسر) بعد: ظرف متعلق بتصحب.
والخبر في قوله: (تصحب الخبر): مفعول تصحب.
لام ابتداء: فاعل تصحب، وتقدير الكلام: وتصحب الخبر لام ابتداء بعد ذات الكسر.
وذات الكسر في هذه الحروف الستة هي (إن)، فظاهر كلام المؤلف أن الخمسة الأحرف الباقية لا تصحب خبرها لام الابتداء، وهي: أن، وليت، وكأن، ولكن، ولعل، فلا تصحب لام الابتداء إلا خبر إن المكسورة نحو: إني لوزر، أي: إني لقوي، فإن هنا مكسورة، والياء اسمها، ووزر خبرها، واللام للابتداء.
فإذا قال القائل: لماذا نسميها لام ابتداء وهي متطرفة في الخبر؟ قلنا: لأن الأصل أن تقع في المبتدأ، أي: في أول الجملة، ولكنها تأخرت لوجود إن، وذلك أن (إنَّ) للتوكيد واللام للتوكيد، قالوا: فلا ينبغي أن يجمع بين مؤكدين في أول الكلام، ولهذا يسمونها: اللام المزحلقة؛ لأنها زحلقت من أول الكلام إلى آخره، فلا يجوز أن تقول: لإني ذو وزر، ولا يجوز أن تقول: إن لزيداً قائمٌ، ويجوز أن تقول: إن زيداً لقائم، فمواضع اللام إذاً ثلاثة: قبل إن، وبعدها وقبل الاسم، وبعد الاسم وقبل الخبر، والموضع الجائز هو الثالث، ولهذا قال: تصحب الخبر لام ابتداء نحو: إني لوزر.
إذاً: لا تصحب لام الابتداء إلا خبر إنَّ المكسورة، فلا يجوز أن تقول: ليت زيداً لقائم، ولا: لعل زيداً لقائم، ولا: ما قام زيدٌ لكن عمراً لقائم، ولا كأن زيداً لأسد؛ لأن المؤلف خص الجواز بذات الكسر.
стр. 248
متى يمتنع دخول لام الابتداء على خبر إن
ثم قال: [ولا يلي ذي اللام ما قد نفيا ولا من الأفعال ما كرضيا] ذي: اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدم.
ما: فاعل مؤخر، وهو اسم موصول.
قد نفي: الجملة صلة الموصول.
ومعنى ذلك: أن لام الابتداء التي تقع في خبر إن لا يليها ما نفي؛ لأن اللام للتوكيد، والنفي بخلاف ذلك، فلا يمكن أن يجمع بين الشيء ونقيضه أو ضده، فلا يصلح أن تقول: إن زيداً لما قام؛ لأنك حينئذٍ جمعت بين الإثبات والنفي، فلا يصح.
وقال بعض النحويين: إنه يصح، ويكون هذا توكيداً للنفي لا توكيداً للإثبات.
وقال بعضهم: إن الممنوع حرف النفي لا الاسم الدال على النفي، فيجوز: إن زيداً لغير فاهم، ولا يجوز: إن زيداً لما فهم؛ لأن (ما) مع اللام ظاهرة المنافاة، بخلاف (غير) وشبهها.
لكن المشهور ما مشى عليه ابن مالك ﵀: أن كل ما دل على النفي فإنه لا يمكن أن يجتمع مع لام التوكيد.
قوله: (ولا من الأفعال ما كرضيا)، أي: ولا يليها من الأفعال الذي مثل رضي.
وقوله: (ما كرضي) يجوز أن نجعل الكاف هنا اسماً، ونقول: ما مثل رضي، وتكون في محل رفع والمبتدأ محذوف، والجملة صلة الموصول، أي: ما هو مثل رضي، ويجوز أن نجعلها حرف جر، ويكون المراد بقوله: (رضي) اللفظ، فتكون داخلة على الفعل باعتبار لفظه، ويكون الجار والمجرور خبراً لمبتدأ محذوف، أي: ما هو كرضي.
وإذا نظرنا إلى (رضي) نجد أنه فعل، وأنه ماض، وأنه متصرف، وعليه نأخذ من هذا قاعدة: أن اللام لا تدخل على خبر إن إذا كان فعلاً ماضياً متصرفاً.
فخرج بقولنا: (إذا كان فعلاً)، ما إذا كان اسماً وقد سبق.
وخرج بقولنا: (ماضياً) ما إذا كان فعلاً مضارعاً، مثل: إن زيداً ليقوم، فهذا جائز.
وخرج بقولنا: (متصرفاً) ما إذا كان غير متصرف، مثل: إن زيداً لعسى أن يفهم؛ لأن (عسى) هذه جامدة، فيجوز أن تقترن بها اللام.
ثم قال: [وقد يليها مع قد كإن ذا لقد سما على العدا مستحوذا] قوله: (وقد يليها مع قد)، قد: للتقليل، والقاعدة: أن قد إذا دخلت على الماضي فهي للتحقيق، وإذا دخلت على المضارع فهي للتقليل، وقد يراد بها التحقيق، مثل قوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [النور:٦٤]، ومثل قوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ﴾ [الأحزاب:١٨].
ومعنى ذلك: أنه قد يلي هذه اللام الفعل الماضي المتصرف مع قد، وعلى هذا ففي قوله: (يليها) ضمير مستتر يعود على قوله: (ما كرضي).
قوله: (كإن ذا لقد سما على العدا مستحوذا).
كإن ذا: الكاف حرف جر.
و (إن ذا لقد سما على العدا مستحوذا): مجرور بالكاف باعتبار اللفظ.
أما إعراب هذا المثال فنقول: إن: حرف توكيد ينصب المبتدأ ويرفع الخبر.
وذا: اسمها مبني على السكون في محل نصب؛ لأنه اسم إشارة.
لقد: اللام للتوكيد، وقد: للتحقيق.
سما: فعل ماض، وهو فعل ماض متصرف، لكن جاز دخول اللام عليه لأنه فصل بينه وبينها بقد، وفاعل سما مستتر جوازاً تقديره هو.
على العدا: جار ومجرور متعلق بسما.
مستحوذاً: حال من فاعل سما، والاستحواذ بمعنى السيطرة.
والحاصل: أن ابن مالك ﵀ يقول: إنه يمتنع دخول لام التوكيد على خبر إن إذا كان منفياً، هذا الأول.
والثاني: إذا كان فعلاً ماضياً متصرفاً لم يقترن بقد؛ لأنه قال: إنه قد يليها مع قد.
стр. 249
دخول اللام على غير خبر إن المكسورة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وتصحب الواسط معمول الخبر والفصل واسماً حل قبله الخبر] قوله: (تصحب) الفاعل يعود على اللام.
الواسط: مفعول به.
معمول الخبر: صفة للواسط.
والفصل: معطوف على الواسط.
واسماً: كذلك معطوف عليه.
حل: فعل ماض.
قبله: قبل: ظرف متعلق بـ (حل)، وهو مضاف والهاء ضمير في محل جر مضاف إليه.
الخبر: فاعل.
ذكر المؤلف ﵀ أن اللام بالإضافة إلى صحبتها للخبر تصحب ثلاثة أشياء: الأول: معمول الخبر إذا كان متوسطاً بين الاسم والخبر، مثل: إن زيداً لطعامك آكلٌ.
إن زيداً: إن واسمها.
لطعامك: اللام للتوكيد، وطعام: مفعول مقدم لآكل الذي هو الخبر، وهو مضاف إلى الكاف.
آكل: خبر إن مرفوع بها، وعلامة رفعه ضمة ظاهرة في آخره.
هذا هو الواسط معمول الخبر.
الثاني: وتصحب الفصل، ويريد بالفصل ما يعرف بضمير الفصل عند البصريين، أو بالعماد عند الكوفيين.
وضمير الفصل اختلف النحويون: هل هو اسم أو حرف أو كلمة زائدة؟ والصحيح أنه حرف جاء على صورة الضمير، وليس باسم.
واختلفوا أيضاً: هل له محل من الإعراب أم لا؟ والصحيح أنه لا محل له من الإعراب، كما في قوله تعالى: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ [الشعراء:٤٠]، فلو كان له محل من الإعراب لقال: (هم الغالبون) فدل هذا على أن الواو اسم (كان)، و (الغالبين) خبرها.
ولضمير الفصل ثلاث فوائد: الفائدة الأولى: التوكيد؛ لأنه يؤكد الجملة، فإذا قلت مثلاً: زيدٌ هو الفاضل، فهو أوكد من قولك: زيدٌ فاضل.
الفائدة الثانية: الحصر؛ بأن يكون هذا الحكم خاصاً بالمحكوم عليه، فأنت إذا قلت: زيد هو الفاضل، أي: لا غيره.
الفائدة الثالثة: التمييز بين الصفة والخبر، وهذا هو سبب تسميته فصلاً؛ لأنه يفصل بين الخبر والصفة، ويظهر هذا في المثال، فإذا قلت: زيد الفاضل، فإن الفاضل هنا يحتمل أن تكون صفة، وننتظر الخبر، فيلزم أن تقول: زيدٌ الفاضل موجود، فإذا قلت: زيد هو الفاضل، تعين أن يكون الفاضل خبراً.
فإذا وجد ضمير الفصل بين اسم إنَّ وخبرها فإن اللام تدخل عليه، تقول: إن زيداً لهو الفاضل، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ [آل عمران:٦٢]، ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ [النمل:١٦] والأمثلة في ذلك كثيرة.
الثالث: قال: (واسماً حل قبله الخبر)، أي: وتصحب هذه اللام الاسم إذا حل قبله الخبر، ومن لازم حلول الخبر قبله أن يكون متأخراً، فكأنه قال: والاسم إذا تأخر عن الخبر فإن اللام تقترن به، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً﴾ [آل عمران:١٣] ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى﴾ [الزمر:٢١]، والأمثلة على هذا كثيرة.
إذاً: لام التوكيد تصحب أموراً أربعة: الخبر، ومعموله المتوسط، وضمير الفصل، والاسم المتأخر، لكن لا تصحب الخبر إلا بشروط: الأول: أن يكون مثبتاً؛ لقوله: (ولا يلي ذي اللام ما قد نفيا).
الثاني: ألا يكون فعلاً ماضياً متصرفاً، غير مقترن بقد، لقوله: (ولا من الأفعال ما كرضيا وقد يليها مع قد).
стр. 250
دخول ما الكافة على إن وأخواتها
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ووصل ما بذي الحروف مبطل إعمالها وقد يبقى العمل وجائز رفعك معطوفاً على منصوب إن بعد أن تستكملا وألحقت بإن لكن وأن من دون ليت ولعل وكأن] لما بين المؤلف ﵀ ما يتعلق بإن وأخواتها من العمل وهو نصب المبتدأ ورفع الخبر، ذكر أن هناك موانع تمنع من عمل إن وأخواتها، فقال: (ووصل ما بذي الحروف مبطل إعمالها وقد يبقى العمل).
قوله: (وصل) مبتدأ، وهو مضاف إلى (ما).
بذي الحروف: متعلق بوصل.
مبطل: خبر وصل.
إعمالها: يجوز فيه وجهان: النصب على تقدير أن (مبطل) منون، والجر على تقدير أنها مضافة.
غير منونة، فتقول على الوجه الأول: مبطلٌ إعمالهَا، وعلى الوجه الثاني: مبطلُ إعمالهِا، ولكن الوجه الأول أولى، أي: أن تكون منصوبة ليكون اسم الفاعل بمنزلة الفعل، وكأنه قال: وصل ما بذي الحروف يبطل إعمالها.
قوله: (وقد يبقى العمل) قد: للتقليل.
يبقى: فعل مضارع مبني لما لم يسم فاعله.
العمل: نائب فاعل.
يقول ﵀: إن وصل (ما) -وهي حرف- بهذه الحروف يبطل عملها.
وقد قلت: (وهي حرف) احترازاً من (ما) الموصولة، فإن (ما) الموصولة لا تبطل عملها؛ لأن (ما) الموصولة تكون هي الاسم، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ﴾ [الأنعام:١٣٤]، فما هنا لم تبطل عمل إن؛ لأنها اسم موصول بمعنى الذي، أي: إن الذي توعدونه لآت.
مثال ذلك: تقول: إن زيداً قائم، فهي الآن عاملة، فإذا أدخلت عليها (ما) قلت: إنما زيدٌ قائم، فيجب أن تهملها، وأن يكون (زيد) بعد النصب مرفوعاً، وهنا هل يختلف المعنى فيما إذا اتصلت (ما) التي أبطلت العمل، كما اختلف الإعراب؟
الجواب
نعم يختلف، فإذا قلت: إن زيداً قائم، لا يمنع أن يكون غيره قائماً أيضاً، لكن إذا قلت: إنما زيدٌ قائم، فقد حصرت زيداً في القيام فلم يقم غيره؛ لإن (إنما) أداة حصر، لكن هذا لا يتعين إلا إذا قلت: إنما زيدٌ القائم، فهنا يتعين انحصار القيام بزيد.
وتقول: علمت أن زيداً قائمٌ، فإذا قلت: علمت أنما زيدٌ قائم، أبطلت عملها.
وتقول: كأن زيداً فاهمٌ، فإذا قلت: كأنما زيدٌ فاهم، أبطلت عملها.
وتقول: ليت الطالبَ حريص، فإذا قلت: ليتما الطالبُ حريصٌ أبطلت عملها.
وتسمى (ما) كافة؛ لأنها كفت هذه الحروف عن العمل.
والعلة في ذلك: أنه لا يمكن أن تسلط إن وأخواتها على ما بعد (ما) إذا اتصلت بها، ولهذا تسمى (ما) كافة.
قوله: (وقد يبقى العمل).
قد: للتقليل، أي: قد تدخل (ما) على هذه الحروف ويبقى عملها، لكنه قليل كما أشار إليه ابن مالك ﵀، وظاهر كلامه أنه قليل في جميع هذه الأدوات؛ لأنه قال: (بذي الحروف)، ثم قال: (وقد يبقى العمل)، فيكون بقاء العمل بعد دخول (ما) على هذه الحروف قليلاً في كل هذه الأدوات، لكن النحويين يقولون: إنه لم يسمع إلا في (ليت).
أي: لم يسمع أن العمل يبقى مع (ما) إلا في ليت لا في غيرها، وعلى هذا فيكون التقليل في كلام ابن مالك باعتبار الأدوات لا باعتبار العمل، وأنت إذا نسبت (ليت) إلى هذه الأدوات صارت قليلة؛ لأنها واحد من ستة، فيكون التقليل في قوله: (قد يبقى العمل) باعتبار أعيان هذه الأدوات لا باعتبار العمل ووروده، وقد قلنا ذلك من أجل أن يوافق كلام غيره من النحويين ﵏.
مثال ذلك في ليت: إذا أعملناها قلنا: ليتما زيداً قائمٌ، وإذا أهملناها قلنا: ليتما زيد قائم، فيجوز الوجهان، وقد روي بالوجهين قول الشاعر: قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا إلى حمامتنا أو نصفه فقد (فقد) بمعنى: فقط.
فقد روي: قالت ألا ليتما هذا الحمامَ لنا، وروي: قالت ألا ليتما هذا الحمامُ لنا، فأعملت (ليتما) على الرواية الأولى، وأهملت على الرواية الثانية.
والقائلة هي زرقاء اليمامة، يقولون: إنها امرأة كانت ذات بصر قوي جداً، فقد كانت ترى مسافة ثلاثة أيام على الراحلة، وذات يوم مر بها فريق من الحمام، فأدركت عدده، وقالت: إن عدده ست وستون حمامة، ومعلوم أن عدد ست وستين حمامة سوف يمضي الحمام بعيداً قبل تمام هذا العدد، ومع ذلك أدركته.
قالوا: إن هذا الحمام ورد على ماء فيه شباك، فصيد بهذا الماء، وحسب فوجدوه كما قالت، وفي هذا يقول الشاعر: واحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت إلى حمام شراع وارد الثمد قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا إلى حمامتنا أو نصفه فقد فحسبوه فألفوه كما ذكرت تسعاً وتسعين لم تنقص ولم تزد وفي ذلك تقول زرقاء اليمامة: ليت الحمام ليه إلى حمامتيه ونصفه قديه تم الحمام ميه قولها: (قديه) أي: فقط، (تم الحمام ميه) أي: إذا أضيف إلى حمامتها، وهو ست وستون، ونصفه ثلاث وثلاثون، فإذا أضفنا ثلاثاً وثلاثين إلى ست وستين يصير المجموع تسعاً وتسعين، مع حمامتها يكون مائة، فالله أعلم.
الشاهد من هذا: أن ليت إذا اتصلت بها ما الكافة فإنه يجوز فيها الإعمال والإهمال.
следующие страницы →