← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 36954

شرح ألفية ابن مالك للعثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (761 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

أحوال همزة إن إذا كانت جواباً للقسم إذا ذكر الفعل ولم يقترن باللام جاز الوجهان: الكسر والفتح، تقول: حلفت إن زيداً قائم، وحلفت أن زيداً قائم، ويكون للفتح وجه؛ لأنه ذكر المتعلق، ويكون الموجب لفتح الهمزة محذوف وهو: على، حلفت على أن زيداً قائم. وإن اقترنت باللام وجب الكسر، فصار يجب الكسر بالقسم في موضعين: الأول: إذا لم يذكر فعل القسم، سواء ذكرت اللام أو لم تذكر. مثاله: والله إن زيداً قائم. الثاني: إذا ذكر فعل القسم وعلق باللام. مثاله: حلفت إن زيداً لقائم.

стр. 247

دخول لام الابتداء على خبر إن المكسورة قال المصنف رحمه الله تعالى: [وبعد ذات الكسر تصحب الخبر لام ابتداء نحو إني لوزر ولا يلي ذي اللام ما قد نفيا ولا من الأفعال ما كرضيا وقد يليها مع قد كإن ذا لقد سما على العدا مستحوذا] قوله: (بعد ذات الكسر) بعد: ظرف متعلق بتصحب. والخبر في قوله: (تصحب الخبر): مفعول تصحب. لام ابتداء: فاعل تصحب، وتقدير الكلام: وتصحب الخبر لام ابتداء بعد ذات الكسر. وذات الكسر في هذه الحروف الستة هي (إن)، فظاهر كلام المؤلف أن الخمسة الأحرف الباقية لا تصحب خبرها لام الابتداء، وهي: أن، وليت، وكأن، ولكن، ولعل، فلا تصحب لام الابتداء إلا خبر إن المكسورة نحو: إني لوزر، أي: إني لقوي، فإن هنا مكسورة، والياء اسمها، ووزر خبرها، واللام للابتداء. فإذا قال القائل: لماذا نسميها لام ابتداء وهي متطرفة في الخبر؟ قلنا: لأن الأصل أن تقع في المبتدأ، أي: في أول الجملة، ولكنها تأخرت لوجود إن، وذلك أن (إنَّ) للتوكيد واللام للتوكيد، قالوا: فلا ينبغي أن يجمع بين مؤكدين في أول الكلام، ولهذا يسمونها: اللام المزحلقة؛ لأنها زحلقت من أول الكلام إلى آخره، فلا يجوز أن تقول: لإني ذو وزر، ولا يجوز أن تقول: إن لزيداً قائمٌ، ويجوز أن تقول: إن زيداً لقائم، فمواضع اللام إذاً ثلاثة: قبل إن، وبعدها وقبل الاسم، وبعد الاسم وقبل الخبر، والموضع الجائز هو الثالث، ولهذا قال: تصحب الخبر لام ابتداء نحو: إني لوزر. إذاً: لا تصحب لام الابتداء إلا خبر إنَّ المكسورة، فلا يجوز أن تقول: ليت زيداً لقائم، ولا: لعل زيداً لقائم، ولا: ما قام زيدٌ لكن عمراً لقائم، ولا كأن زيداً لأسد؛ لأن المؤلف خص الجواز بذات الكسر.

стр. 248

متى يمتنع دخول لام الابتداء على خبر إن ثم قال: [ولا يلي ذي اللام ما قد نفيا ولا من الأفعال ما كرضيا] ذي: اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدم. ما: فاعل مؤخر، وهو اسم موصول. قد نفي: الجملة صلة الموصول. ومعنى ذلك: أن لام الابتداء التي تقع في خبر إن لا يليها ما نفي؛ لأن اللام للتوكيد، والنفي بخلاف ذلك، فلا يمكن أن يجمع بين الشيء ونقيضه أو ضده، فلا يصلح أن تقول: إن زيداً لما قام؛ لأنك حينئذٍ جمعت بين الإثبات والنفي، فلا يصح. وقال بعض النحويين: إنه يصح، ويكون هذا توكيداً للنفي لا توكيداً للإثبات. وقال بعضهم: إن الممنوع حرف النفي لا الاسم الدال على النفي، فيجوز: إن زيداً لغير فاهم، ولا يجوز: إن زيداً لما فهم؛ لأن (ما) مع اللام ظاهرة المنافاة، بخلاف (غير) وشبهها. لكن المشهور ما مشى عليه ابن مالك ﵀: أن كل ما دل على النفي فإنه لا يمكن أن يجتمع مع لام التوكيد. قوله: (ولا من الأفعال ما كرضيا)، أي: ولا يليها من الأفعال الذي مثل رضي. وقوله: (ما كرضي) يجوز أن نجعل الكاف هنا اسماً، ونقول: ما مثل رضي، وتكون في محل رفع والمبتدأ محذوف، والجملة صلة الموصول، أي: ما هو مثل رضي، ويجوز أن نجعلها حرف جر، ويكون المراد بقوله: (رضي) اللفظ، فتكون داخلة على الفعل باعتبار لفظه، ويكون الجار والمجرور خبراً لمبتدأ محذوف، أي: ما هو كرضي. وإذا نظرنا إلى (رضي) نجد أنه فعل، وأنه ماض، وأنه متصرف، وعليه نأخذ من هذا قاعدة: أن اللام لا تدخل على خبر إن إذا كان فعلاً ماضياً متصرفاً. فخرج بقولنا: (إذا كان فعلاً)، ما إذا كان اسماً وقد سبق. وخرج بقولنا: (ماضياً) ما إذا كان فعلاً مضارعاً، مثل: إن زيداً ليقوم، فهذا جائز. وخرج بقولنا: (متصرفاً) ما إذا كان غير متصرف، مثل: إن زيداً لعسى أن يفهم؛ لأن (عسى) هذه جامدة، فيجوز أن تقترن بها اللام. ثم قال: [وقد يليها مع قد كإن ذا لقد سما على العدا مستحوذا] قوله: (وقد يليها مع قد)، قد: للتقليل، والقاعدة: أن قد إذا دخلت على الماضي فهي للتحقيق، وإذا دخلت على المضارع فهي للتقليل، وقد يراد بها التحقيق، مثل قوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [النور:٦٤]، ومثل قوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ﴾ [الأحزاب:١٨]. ومعنى ذلك: أنه قد يلي هذه اللام الفعل الماضي المتصرف مع قد، وعلى هذا ففي قوله: (يليها) ضمير مستتر يعود على قوله: (ما كرضي). قوله: (كإن ذا لقد سما على العدا مستحوذا). كإن ذا: الكاف حرف جر. و (إن ذا لقد سما على العدا مستحوذا): مجرور بالكاف باعتبار اللفظ. أما إعراب هذا المثال فنقول: إن: حرف توكيد ينصب المبتدأ ويرفع الخبر. وذا: اسمها مبني على السكون في محل نصب؛ لأنه اسم إشارة. لقد: اللام للتوكيد، وقد: للتحقيق. سما: فعل ماض، وهو فعل ماض متصرف، لكن جاز دخول اللام عليه لأنه فصل بينه وبينها بقد، وفاعل سما مستتر جوازاً تقديره هو. على العدا: جار ومجرور متعلق بسما. مستحوذاً: حال من فاعل سما، والاستحواذ بمعنى السيطرة. والحاصل: أن ابن مالك ﵀ يقول: إنه يمتنع دخول لام التوكيد على خبر إن إذا كان منفياً، هذا الأول. والثاني: إذا كان فعلاً ماضياً متصرفاً لم يقترن بقد؛ لأنه قال: إنه قد يليها مع قد.

стр. 249

دخول اللام على غير خبر إن المكسورة قال المصنف رحمه الله تعالى: [وتصحب الواسط معمول الخبر والفصل واسماً حل قبله الخبر] قوله: (تصحب) الفاعل يعود على اللام. الواسط: مفعول به. معمول الخبر: صفة للواسط. والفصل: معطوف على الواسط. واسماً: كذلك معطوف عليه. حل: فعل ماض. قبله: قبل: ظرف متعلق بـ (حل)، وهو مضاف والهاء ضمير في محل جر مضاف إليه. الخبر: فاعل. ذكر المؤلف ﵀ أن اللام بالإضافة إلى صحبتها للخبر تصحب ثلاثة أشياء: الأول: معمول الخبر إذا كان متوسطاً بين الاسم والخبر، مثل: إن زيداً لطعامك آكلٌ. إن زيداً: إن واسمها. لطعامك: اللام للتوكيد، وطعام: مفعول مقدم لآكل الذي هو الخبر، وهو مضاف إلى الكاف. آكل: خبر إن مرفوع بها، وعلامة رفعه ضمة ظاهرة في آخره. هذا هو الواسط معمول الخبر. الثاني: وتصحب الفصل، ويريد بالفصل ما يعرف بضمير الفصل عند البصريين، أو بالعماد عند الكوفيين. وضمير الفصل اختلف النحويون: هل هو اسم أو حرف أو كلمة زائدة؟ والصحيح أنه حرف جاء على صورة الضمير، وليس باسم. واختلفوا أيضاً: هل له محل من الإعراب أم لا؟ والصحيح أنه لا محل له من الإعراب، كما في قوله تعالى: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ [الشعراء:٤٠]، فلو كان له محل من الإعراب لقال: (هم الغالبون) فدل هذا على أن الواو اسم (كان)، و (الغالبين) خبرها. ولضمير الفصل ثلاث فوائد: الفائدة الأولى: التوكيد؛ لأنه يؤكد الجملة، فإذا قلت مثلاً: زيدٌ هو الفاضل، فهو أوكد من قولك: زيدٌ فاضل. الفائدة الثانية: الحصر؛ بأن يكون هذا الحكم خاصاً بالمحكوم عليه، فأنت إذا قلت: زيد هو الفاضل، أي: لا غيره. الفائدة الثالثة: التمييز بين الصفة والخبر، وهذا هو سبب تسميته فصلاً؛ لأنه يفصل بين الخبر والصفة، ويظهر هذا في المثال، فإذا قلت: زيد الفاضل، فإن الفاضل هنا يحتمل أن تكون صفة، وننتظر الخبر، فيلزم أن تقول: زيدٌ الفاضل موجود، فإذا قلت: زيد هو الفاضل، تعين أن يكون الفاضل خبراً. فإذا وجد ضمير الفصل بين اسم إنَّ وخبرها فإن اللام تدخل عليه، تقول: إن زيداً لهو الفاضل، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ [آل عمران:٦٢]، ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ [النمل:١٦] والأمثلة في ذلك كثيرة. الثالث: قال: (واسماً حل قبله الخبر)، أي: وتصحب هذه اللام الاسم إذا حل قبله الخبر، ومن لازم حلول الخبر قبله أن يكون متأخراً، فكأنه قال: والاسم إذا تأخر عن الخبر فإن اللام تقترن به، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً﴾ [آل عمران:١٣] ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى﴾ [الزمر:٢١]، والأمثلة على هذا كثيرة. إذاً: لام التوكيد تصحب أموراً أربعة: الخبر، ومعموله المتوسط، وضمير الفصل، والاسم المتأخر، لكن لا تصحب الخبر إلا بشروط: الأول: أن يكون مثبتاً؛ لقوله: (ولا يلي ذي اللام ما قد نفيا). الثاني: ألا يكون فعلاً ماضياً متصرفاً، غير مقترن بقد، لقوله: (ولا من الأفعال ما كرضيا وقد يليها مع قد).

стр. 250

دخول ما الكافة على إن وأخواتها قال المصنف رحمه الله تعالى: [ووصل ما بذي الحروف مبطل إعمالها وقد يبقى العمل وجائز رفعك معطوفاً على منصوب إن بعد أن تستكملا وألحقت بإن لكن وأن من دون ليت ولعل وكأن] لما بين المؤلف ﵀ ما يتعلق بإن وأخواتها من العمل وهو نصب المبتدأ ورفع الخبر، ذكر أن هناك موانع تمنع من عمل إن وأخواتها، فقال: (ووصل ما بذي الحروف مبطل إعمالها وقد يبقى العمل). قوله: (وصل) مبتدأ، وهو مضاف إلى (ما). بذي الحروف: متعلق بوصل. مبطل: خبر وصل. إعمالها: يجوز فيه وجهان: النصب على تقدير أن (مبطل) منون، والجر على تقدير أنها مضافة. غير منونة، فتقول على الوجه الأول: مبطلٌ إعمالهَا، وعلى الوجه الثاني: مبطلُ إعمالهِا، ولكن الوجه الأول أولى، أي: أن تكون منصوبة ليكون اسم الفاعل بمنزلة الفعل، وكأنه قال: وصل ما بذي الحروف يبطل إعمالها. قوله: (وقد يبقى العمل) قد: للتقليل. يبقى: فعل مضارع مبني لما لم يسم فاعله. العمل: نائب فاعل. يقول ﵀: إن وصل (ما) -وهي حرف- بهذه الحروف يبطل عملها. وقد قلت: (وهي حرف) احترازاً من (ما) الموصولة، فإن (ما) الموصولة لا تبطل عملها؛ لأن (ما) الموصولة تكون هي الاسم، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ﴾ [الأنعام:١٣٤]، فما هنا لم تبطل عمل إن؛ لأنها اسم موصول بمعنى الذي، أي: إن الذي توعدونه لآت. مثال ذلك: تقول: إن زيداً قائم، فهي الآن عاملة، فإذا أدخلت عليها (ما) قلت: إنما زيدٌ قائم، فيجب أن تهملها، وأن يكون (زيد) بعد النصب مرفوعاً، وهنا هل يختلف المعنى فيما إذا اتصلت (ما) التي أبطلت العمل، كما اختلف الإعراب؟ الجواب نعم يختلف، فإذا قلت: إن زيداً قائم، لا يمنع أن يكون غيره قائماً أيضاً، لكن إذا قلت: إنما زيدٌ قائم، فقد حصرت زيداً في القيام فلم يقم غيره؛ لإن (إنما) أداة حصر، لكن هذا لا يتعين إلا إذا قلت: إنما زيدٌ القائم، فهنا يتعين انحصار القيام بزيد. وتقول: علمت أن زيداً قائمٌ، فإذا قلت: علمت أنما زيدٌ قائم، أبطلت عملها. وتقول: كأن زيداً فاهمٌ، فإذا قلت: كأنما زيدٌ فاهم، أبطلت عملها. وتقول: ليت الطالبَ حريص، فإذا قلت: ليتما الطالبُ حريصٌ أبطلت عملها. وتسمى (ما) كافة؛ لأنها كفت هذه الحروف عن العمل. والعلة في ذلك: أنه لا يمكن أن تسلط إن وأخواتها على ما بعد (ما) إذا اتصلت بها، ولهذا تسمى (ما) كافة. قوله: (وقد يبقى العمل). قد: للتقليل، أي: قد تدخل (ما) على هذه الحروف ويبقى عملها، لكنه قليل كما أشار إليه ابن مالك ﵀، وظاهر كلامه أنه قليل في جميع هذه الأدوات؛ لأنه قال: (بذي الحروف)، ثم قال: (وقد يبقى العمل)، فيكون بقاء العمل بعد دخول (ما) على هذه الحروف قليلاً في كل هذه الأدوات، لكن النحويين يقولون: إنه لم يسمع إلا في (ليت). أي: لم يسمع أن العمل يبقى مع (ما) إلا في ليت لا في غيرها، وعلى هذا فيكون التقليل في كلام ابن مالك باعتبار الأدوات لا باعتبار العمل، وأنت إذا نسبت (ليت) إلى هذه الأدوات صارت قليلة؛ لأنها واحد من ستة، فيكون التقليل في قوله: (قد يبقى العمل) باعتبار أعيان هذه الأدوات لا باعتبار العمل ووروده، وقد قلنا ذلك من أجل أن يوافق كلام غيره من النحويين ﵏. مثال ذلك في ليت: إذا أعملناها قلنا: ليتما زيداً قائمٌ، وإذا أهملناها قلنا: ليتما زيد قائم، فيجوز الوجهان، وقد روي بالوجهين قول الشاعر: قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا إلى حمامتنا أو نصفه فقد (فقد) بمعنى: فقط. فقد روي: قالت ألا ليتما هذا الحمامَ لنا، وروي: قالت ألا ليتما هذا الحمامُ لنا، فأعملت (ليتما) على الرواية الأولى، وأهملت على الرواية الثانية. والقائلة هي زرقاء اليمامة، يقولون: إنها امرأة كانت ذات بصر قوي جداً، فقد كانت ترى مسافة ثلاثة أيام على الراحلة، وذات يوم مر بها فريق من الحمام، فأدركت عدده، وقالت: إن عدده ست وستون حمامة، ومعلوم أن عدد ست وستين حمامة سوف يمضي الحمام بعيداً قبل تمام هذا العدد، ومع ذلك أدركته. قالوا: إن هذا الحمام ورد على ماء فيه شباك، فصيد بهذا الماء، وحسب فوجدوه كما قالت، وفي هذا يقول الشاعر: واحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت إلى حمام شراع وارد الثمد قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا إلى حمامتنا أو نصفه فقد فحسبوه فألفوه كما ذكرت تسعاً وتسعين لم تنقص ولم تزد وفي ذلك تقول زرقاء اليمامة: ليت الحمام ليه إلى حمامتيه ونصفه قديه تم الحمام ميه قولها: (قديه) أي: فقط، (تم الحمام ميه) أي: إذا أضيف إلى حمامتها، وهو ست وستون، ونصفه ثلاث وثلاثون، فإذا أضفنا ثلاثاً وثلاثين إلى ست وستين يصير المجموع تسعاً وتسعين، مع حمامتها يكون مائة، فالله أعلم. الشاهد من هذا: أن ليت إذا اتصلت بها ما الكافة فإنه يجوز فيها الإعمال والإهمال.

стр. 251

شرح ألفية ابن مالك [٢٦] إن وأخواتها حروف تنصب المبتدأ وترفع الخبر، فإذا عطف عليها فللمعطوف أحكام، وقد تخفف بعض هذه الحروف فتختلف فيها بعض الأحكام.

стр. 252

حكم العطف على إن وأخواتها

стр. 253

جواز رفع المعطوف على إن واسمها وخبرها قال المصنف رحمه الله تعالى: [وجائز رفعك معطوفاً على منصوب إن بعد أن تستكملا] قوله: [وجائز رفعك]. جائز: خبر مقدم. رفعك: مبتدأ مؤخر. هذا الإعراب هو الصحيح؛ لأنه يشترط في استغناء اسم الفاعل بمرفوعه أن يعتمد على استفهام أو نفي، لكن يجوز على ضعف أن يكون (جائز) مبتدأ و (رفع) خبراً؛ لقول ابن مالك في الألفية: (وقد يجوز نحو فائز أولو الرشد) قوله: (معطوفاً): مفعول به، والعامل هو المصدر في قوله (رفعك). على منصوب إن: متعلق بـ (معطوفاً). بعد أن تستكملا: متعلق بـ (رفع) أي: يجوز رفع المعطوف على منصوب (إن) إذا استكملت الاسم والخبر. يقول ﵀: (وجائز رفعك) أي: جائز لغة إذا عطفت على إنَّ واسمها وخبرها أن ترفع المعطوف. وقوله: (جائز رفعك) يدل على أن الأصل فيه المنع، وكلمة (جائز) لا تعني أنه الأولى، بل الأولى هو النصب. مثال ذلك: إن زيداً قائمٌ وعمرو، يجوز في (عمرو) وجهان: الوجه الأول: النصب (وعمراً)، والوجه الثاني: الرفع (وعمرو)، فعلى النصب يكون معطوفاً على اسم إنَّ، والمعطوف على المنصوب منصوب، ولا إشكال في ذلك. وعلى الرفع قيل: إنه معطوف على إنَّ واسمها؛ لأن محلهما المبتدأ. وقيل: إنه معطوف على محل اسم إنَّ؛ لأن محله في الأصل الرفع؛ لأن أصله مبتدأ. وقيل: إنه مبتدأ وخبره محذوف، والتقدير: وعمرو قائم، فيكون العطف هنا عطف جملة على جملة. وقوله: (بعد أن تستكملا) يفهم منه أنك إذا عطفت على منصوب إنَّ قبل الاستكمال فإن الرفع لا يجوز، مثاله: إن زيداً وعمراً في المسجد، فلا يجوز أن تقول: إن زيداً وعمرو في المسجد؛ لأنها لم تستكمل معموليها، فيجب أن تقول: (وعمراً) معطوف على اسم إنَّ وهو زيد، والمعطوف على المنصوب منصوب. وتقول: إن زيداً وعمراً قائمان، ولا تقل: إن زيداً وعمرو قائمان؛ وذلك لأنها لم تستكمل معموليها. فأفادنا المؤلف ﵀ في هذا البيت أن من خصائص (إنِّ): أنه يجوز إذا عطفت على اسمها بعد استكمال معموليها أن تجعل المعطوف مرفوعاً أو منصوباً.

стр. 254

حكم المعطوف على أخوات إن قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وألحقت بإنَّ لكنّ وأنّ من دون ليتَ ولعلّ وكأنّ] قوله: (وألحقت) ألحق: فعل ماضٍ منبي لما لم يسم فاعله، والذي ألحق (لكنَّ وأنّ) هم العرب، فإن العرب هم الذين يعتمد عليهم. بإن: جار ومجرور متعلق بألحقت. لكنَّ: نائب فاعل، وهو حرف، ولكنه صار نائباً للفاعل لأن المقصود لفظه. وأنّ: معطوفة على (لكنَّ). (من دون ليت ولعل وكأن) أي: سوى (ليت ولعل وكأن)، فقوله (من دوه) بمعنى الاستثناء، فليت ولعل وكأن لا تلحق بإن في جواز الرفع، بل يجب النصب. مثال (أن): علمت أن زيداً قائمٌ وعمراً، ولك أن تقول: علمت أن زيداً قائمٌ وعمرٌو برفع (عمرو). مثال (لكن): لكن عمراً قائم وبكراً، ولك أن تقول: لكن عمراً قائمٌ وبكرٌ برفع (بكر). إذاً: يجوز في المعطوف على اسم إنّ وأنّ ولكنَّ وخبرها الوجهان: الرفع والنصب، فصارت هذه الأدوات الست تنقسم إلى قسمين في جواز رفع المعطوف على اسمها بعد استكمال الخبر: ثلاث منها يجوز فيها الرفع والنصب، وهي: إنَّ وأنَّ ولكنَّ. وثلاث منها لا يجوز، وهي: ليت ولعل وكأنَّ. ووجه عدم جواز رفع المعطوف على اسم هذه الثلاث وخبرها: أنه يختلف المعنى اختلافاً عظيماً، فمثلاً: ليت زيداً قائمٌ وعمرٌو، فعندما رفعنا (عمرو) جعلناه مبتدأ، وحينئذ لم يبق فيه معنى التمني، أي: تمني أنه قائم؛ لأنك إذا جعلته مبتدأ قطعته عما سبق، فلا يدخله التمني. كذلك نقول في لعل: لعل زيداً قائمٌ وعمرٌو، بالرفع: إنه لا يصح؛ لأنك لو فعلت هكذا لم يتبين لنا أنه داخل في الرجاء الذي تعلق بزيد. وكذلك: كأن زيداً أسدٌ وعمرٌو، لا يستقيم؛ لأننا لا ندري هل المراد: كأن زيداً أسد وعمرو قطٌّ، أم وعمرو أسد. إذاً: يجب أن نقول: ليت زيداً قائمٌ وعمراً، وكأن زيداً أسدٌ وعمراً، ولعل زيداً ناجح وعمراً، بنصب (عمرو) لا برفعها. أما قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [المائدة:٦٩]، فقالوا: إنه يتعين أن يكون الخبر محذوفاً بعد قوله: ((وَالصَّابِئُونَ))، والتقدير: والصابئون كذلك، أو والصابئون من آمن منهم بالله واليوم الآخر، ويكون (كذلك) مقدراً بعد قوله: ((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى)). ويمكن أن يحمل على ظاهره ونقول: إن الرفع هنا بناء على العطف على محل إنَّ واسمها، وجملة ((مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ)) -وهي جملة شرطية- خبر إنَّ. قال محمد محيي الدين عبد الحميد في تعلقيه على شرح ابن عقيل: (وقد ورد في القرآن الكريم آيتان ظاهرهما كظاهر هذين البيتين: الأولى: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ﴾ [المائدة:٦٩]، والثانية: قراءة بعضهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ﴾ [الأحزاب:٥٦] برفع (ملائكته). وقد اختلف النجاة في تخريج ذلك: فذهب الكسائي إلى أن الاسم المرفوع معطوف على اسم إنَّ باعتباره مبتدأً قبل دخول إنَّ. وذهب الجمهور من البصريين إلى أن هذا الاسم المرفوع مبتدأ خبره محذوف، أو خبره المذكور فيما بعد، وخبر إنَّ هو المحذوف، وجملة المبتدأ وخبره معطوفة على جملة إنَّ واسمها وخبرها. وذهب المحقق الرضي إلى أن جملة المبتدأ والخبر حينئذ لا محل لها معترضة بين اسم إنَّ وخبرها، وهو حسن؛ لما يلزم على جعلها معطوفة على جملة إنَّ واسمها وخبرها من تقديم المعطوف على بعض المعطوف عليه؛ لأن خبر إنَّ متأخر في اللفظ أو في التقدير على جملة المبتدأ والخبر، وخبر إنَّ جزء من الجملة المعطوف عليها. وكل هذا للدلالة على القواعد، نحن نقول: (الصابئون) معطوفة على محل اسم إنَّ، أو على محل إنَّ واسمها؛ لأن أصلهما الرفع، أما أن نقول: (وَالصَّابِئُونَ) خبرها: (مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ)، وخبر (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى) محذوف، فهذا يعني أننا حذفنا شيئاً قبل أن نعرف تقديره، وإذا جلعنا (من آمن بالله واليوم الآخر) خبراً لقوله: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى) وخبر (وَالصَّابِئُونَ) محذوف، فإن الكلام يكون ركيكاً؛ لأن تقدير الكلام سيكون حينئذ: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) من آمن بالله واليوم الآخر)، وهذا كلام ركيك ينزه عنه القرآن، لكن إذا قلنا: (وَالصَّابِئُونَ) معطوفة على محل اسم إنَّ، زال الإشكال، وهذا ما فعله الكسائي إمام أهل الكوفة. وقد قلنا: إن طريقنا فيما يختلف فيه النحويون أن نتبع الأسهل.

стр. 255

إعمال إن المخففة وإهمالها قال المصنف رحمه الله تعالى: [وخففت إنّ فقل العملُ وتلزم اللام إذا ما تهمل وربما استغني عنها إن بدا ما ناطق أراده معتمدا] قوله: (وخففت): خفف: فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفعل مبني لما لم يسم فاعله. إنَّ: نائب فاعل باعتبار لفظها. فقل العمل: الفاء عاطفة وهي مفرعة على ما سبق، أو سببية. العمل: (أل) للعهد الذهني، أي: فقل عملها، فأل هنا نائبة مناب الضمير، والعمل: فاعل. وتلزم اللام: اللام هنا يحتمل أن تكون (أل) التي للجنس، ويحتمل أن تكون للعهد، فإن قلنا: إنها للعهد، فاللام هنا لام الابتداء التي تدخل على خبر إنَّ، وإن قلنا: إنها للجنس، فاللام هنا لام جديدة استجلبت للفرق بين إنْ النافية وإنْ المخففة، وعلى كل حال فاللام فاعل. إذا: شرطية. ما: زائدة. تهمل: فعل مضارع مبني لما لم يسم فاعله، ونائب الفاعل مستتر يعود على إن. وقد قلنا: إن (ما) زائدة؛ لأنها وقعت بعد إذا، وقد قيل: يا طالباً خذ فائدة بعد إذا ما زائدة يقول ﵀: (وخففت إن) الذي خففها هم العرب لا النحويون؛ لأن النحويين لا يمكن أن يتصرفوا في اللغة العربية، بل يحللون اللغة العربية ولكن لا يتصرفون فيها، فالمخفف هم العرب. (فقل العمل) أي: قل عملها، أي: وكثر إهمالها، فإذا قلَّ العمل كثر الإهمال، فنستفيد من ذلك: أنه إذا خففت (إنَّ) جاز فيها وجهان: الإعمال وهو الأقل، والإهمال وهو الأكثر. فإن أعملت فالأمر ظاهر، تقول: إنْ زيداً قائمٌ، كقولك: إنَّ زيداً قائمٌ، وفي الإهمال تقول: إنْ زيدٌ قائمٌ. يقول المؤلف: (وتلزم اللام إذا ما تهمل) فيجب أن تقول: إنْ زيدٌ لقائم، أما إذا أعملت فلا تلزم؛ وذلك لأن لزوم اللام من أجل الفرق بينها وبين (إنْ) النافية، فإذا أعملت زال اللبس. فإذا قلت مثلاً: إن زيدٌ قائمٌ، لم يدر هل المقصود إثبات قيامه أو نفيه، لكن إذا قلت: إن زيداً قائمٌ، أُثبِتَ القيام وزال الإشكال. ففي المثال الأول يجب أن تأتي باللام فتقول: إن زيد لقائمٌ، لأجل أن تفرق بين (إنْ) النافية و (إنْ) المخففة، ووجه ذلك: أن النافية لا تأتي معها اللام؛ لأن اللام للتوكيد، و (إنْ) النافية للنفي، فلا يمكن أن تأتي اللام المؤكدة مع النفي. إذاً: أفادنا المؤلف ﵀ أن (إنَّ) إذا خففت جاز إعمالها وإهمالها؛ لأنه قال: (فقلَّ العمل)، وأفادنا في الشطر الثاني: أنها إذا أهملت وجب اقتران خبرها باللام، وتسمى: اللام الفارقة؛ لأنها تفرق بين (إنْ) النافية و (إنْ) المخففة. ثم هل اللام الفارقة هي لام الابتداء أم لام فارقة جديدة؟ خلاف لا يهمنا؛ لأن هذا الخلاف ليس تحته شيء. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وربما استغني عنها إن بدا ما ناطق أراده معتمداً] قوله: (ربما) يحتمل أن تكون للتكثير، ويحتمل أن تكون للتقليل. استغني عنها: أي: عن اللام، واستغني: فعل ماض مبني لما لم يسم فاعله. عنها: جار ومجرور في محل نائب الفاعل. إن بدا: إن: شرطية، وبدا: فعل الشرط بمعنى: ظهر. ما: فاعل بدا. ناطق: مبتدأ. أراده: الجملة خبر المبتدأ. معتمداً: حال من فاعل أراده، وجملة المبتدأ والخبر صلة الموصول. والمعنى: ربما استغني عن اللام فلم تأت مع الإهمال إذا اتضح المعنى؛ لكن بأي شيء يتضح المعنى؟ يتضح المعنى بالقرينة، مثال ذلك قول الشاعر: ونحن أباة الضيم من آل مالك وإنْ مالك كانت كرام المعادن (أباة) جمع أبيّ، وهو الممتنع، يعني: أنا من الممتنعين الذين لا يرضون بالضيم. الشاهد: قوله: (وإنْ مالك كانت كرام المعادن)، (إنْ) هذه مخففة من الثقيلة، وهي مهملة، وليس في خبرها اللام، فكيف لم يأت في خبرها اللام مع أنها مهملة؟ نقول: لأن المعنى واضح، ولو جعلنا (إنْ) بمعنى (ما) النافية، لكان هناك تناقض بين أول الكلام وآخره، ففي البداية يفتخر بأنه من آل مالك، ثم يقول: وما مالك كانت كرام المعادن! فلا يمكن هذا؛ إذ كيف يفتخر بأنه من آل مالك ثم يقدح في مالك، ويقول: إنها ليست كريمة المعادن؟! إذاً: يتعين أنَّ (إنْ) هنا مخففة من الثقيلة. ولو قال قائل: إنْ موسى فاهم، فنقول: هذا لا يجوز، حتى ولو أعملت؛ لأن الفتحة لا تظهر على موسى، فيكون قول ابن مالك: (إذا ما تهمل) مقيداً بما إذا كانت تظهر علامة الإعراب على الاسم، أما إذا كانت لا تظهر فإنه لا يتبين، حتى ولو أعملت لا يتبين، فلابد حينئذٍ من اللام. وكذلك أيضاً إذا كان اسمها مثنى ولزمنا فيه لغة من يلزمه الألف مطلقاً، فهذا لا بد من اللام لعدم الاتضاح. وكذلك إذا كان الاسم مبنياً فلا بد من اللام. والحقيقة أن هذه الصور وإن كان الذي يبدو للإنسان أن ابن مالك لم يذكرها لكنه ذكرها بقوله: [وربما استغني عنها إن بدا ما ناطق أراده معتمدا]. ومعلوم أن ما لا تظهر عليه الحركات لا يدرى ما أراده الناطق، وكذلك إذا كان مبنياً، وكذلك إذا كان إعرابه لا يختلف فيه المرفوع والمنصوب، فلابد أن يقترن الخبر باللام حتى يتضح المعنى، إلا إذا وجدت قرينة كافية. والخلاصة: أن العرب يخففون إنَّ التي للتوكيد، وحينئذٍ يجوز إعمالها وإهمالها، والأكثر الإهمال، وإذا أهملت فيجب اقتران خبرها باللام ما لم يظهر المعنى، فإن ظهر المعنى بقرينة حالية أو لفظية جاز حذف اللام، والقرينة الحالية المعنوية كقول القائل: نحن أباة الضيم من آل مالك وإن مالك كانت كرام المعادن والقرينة اللفظية يمكن أن نمثل لها بقولنا: إنْ موسى قائم وعمراً، فهذه قرينة لفظية، وكذلك قول الشاعر: إنِ الحق لا يخفى على ذي بصيرة. فـ (إنْ) هنا مخففة ولابد؛ لأنه لا يصح أن نقول: ما الحق لا يخفى على ذي بصيرة؛ لأن (لا) نافية و (ما) نافية، ولا يجتمع نافيان على حكم واحد للتضاد، ولهذا يعتبر العلماء هذه قرينة لفظية، بخلاف ما إذا قلت: إنِ الحق؛ لأن (إنْ) المخففة من الثقيلة للإثبات، والمعنى: إنَّ الحق لا يخفى على ذي بصيرة.

стр. 256

دخول إن المخففة على الفعل قال المصنف رحمه الله تعالى: [والفعل إن لم يك ناسخاً فلا تلفيه غالباً بإن ذي موصلا] من المعلوم أن إنّ وأخواتها ست أدوات، منها المشدد ومنها المخفف، فالمشدد: إنَّ، وأنَّ، ولعلَّ، ولكنَّ، وكأنَّ، والمخفف ليتَ فقط. وقد تكلمنا فيما سبق على حكم (إنَّ) إذا خففت إلى (إنْ)، والآن سيتكلم المؤلف على باقي الحروف التي تخفف. قوله: (والفعل إن لم يك ناسخاً فلا). الفعل: مبتدأ وخبره جملة الشرط: (إن لم يك ناسخاً فلا تلفيه غالباً بإن ذي موصلاً). إن: شرطية. لم: حرف جزم. يك: فعل مضارع مجزوم بلم؛ لأنها المباشرة، والجلمة في محل جزم فعل الشرط. ناسخاً: خبر يكن. فلا تلفيه غالباً: أي: لا تجده غالباً، ومعلوم أن (لا): نافية. تلفيه: تلفي: فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره أنت، والهاء مفعول أول. غالباً: منصوب بنزع الخافض، أي: في الغالب. بإن ذي: المشار إليه هي (إنْ) المخففة، والباء: حرف جر، وإن مجرور بالباء باعتبار اللفظ. وذي: صفة لإن، والجار والمجرور متعلق بموصلاً. موصلاً: مفعول ثان لـ (تلفي)، أي: فلا تلفيه موصلاً في الغالب. معلوم أنّ َ (إنْ) المخففة إذا كانت داخلة على جملة اسمية فقد سبق الكلام أنها تعمل وتهمل، والإهمال أكثر، وأنه إذا أهملت ولم يتضح المعنى وجب اقتران خبرها باللام، والجملة الفعلية هل تتصل بإنْ المخففة؟ فصل المؤلف رحمه الله تعالى، والحاصل: أن (إنْ) لا يليها الفعل إلا إذا كان ناسخاً، مثل: كاد، وكان، ووجد، وما أشبهها، قال الله ﵎: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ﴾ [الإسراء:٧٦]، الفعل الناسخ (كاد). وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران:١٦٤]. و (كان) فعل ناسخ. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف:١٠٢]، (وجد) فعل ناسخ. وغير الناسخ لا يلي (إنْ) في الغالب، وقد يليها في غير الغالب، ومنه قول الشاعر: شلت يمينك إنْ قتلت لمسلماً حلت عليك عقوبة المتعمد والمعنى: شلت يمينك إنك قتلت مسلماً، وهذا قليل، والأكثر ألا يليها إلا فعل ناسخ. ويخفف دخولها على الفعل غير الناسخ -كما في هذا البيت- وجود اللام: (إن قتلت لمسلماً)؛ لأنه لو قال: إن قتلت مسلماً؛ لأوهم أن تكون (إنْ) نافية أو شرطية، لكن إذا قال: إن قتلت لمسلماً، فيتعين أن تكون (إنْ) هنا مخففة من الثقيلة. ونقول في إعرابها: إنْ: مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، والتقدير: إنْه. قتلت: فعل وفاعل، والجملة خبر (إنْ). لمسلماً: اللام فارقة، مسلماً: مفعول لقتلت. ومثاله أيضاً: إنْ يزينك لنفسك، وإنْ يشينك لهيه، فإنْ هنا مخففة، والدليل دخول اللام، والفعل هنا غير ناسخ.

стр. 257

الكلام على أن المخففة من الثقيلة

стр. 258

حذف اسم أن المخففة قال المصنف رحمه الله تعالى: [وإن تخفف أنّ فاسمها استكنّ والخبرَ اجعل جملة من بعد أنْ] هذا هو الحرف الثاني مما يخفف من هذه الحروف الستة. قوله: (إن تخفف) إنْ: شرطية، تخفف: فعل الشرط، وهو مبني لما لم يسم فاعله. أنّ: نائب فاعل، وهو حرف لكن المقصود اللفظ. فاسمها: الفاء رابطة للجواب، واسم: مبتدأ، وهو مضاف إلى الهاء. استكن: بمعنى: اختفى، وهو فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو، والجملة الفعلية خبر المبتدأ، والجملة من اسمها وخبرها في محل جزم جواب الشرط. قوله: (والخبر اجعل جملة من بعد أن): الخبر: مفعول أول مقدم لـ (اجعل)، وفاعل (اجعل) مستتر وجوباً تقديره أنت. جملة: مفعول ثان، أي: اجعل الخبر جملة من بعد أن. ومعنى البيت: أن (أنّ) تخفف، والمخفف لها هم العرب، وفي حال التخفيف يقول: (اسمها استكن)، وهذه عبارة فيها تساهل؛ لأن ظاهرها أن الاسم مستتر في أنَّ، وهذا غلط؛ لأن (أنَّ) حرف لا تتحمل الضمير، هذا من وجه، ومن وجه آخر: أن اسم (أنَّ) منصوب ولا يوجد ضمير مستتر وهو منصوب في الدنيا كلها، إنما الذي يستتر هو الضمير المرفوع، وذلك لقوة اتصاله، فصار في كلامه ﵀ نظر من وجهين: الوجه الأول: أنه لا استتار في الحرف. والثاني: لا استتار لضمير منصوب، إنما الاستتار للضمير المرفوع، أما المنصوب فيحذف. وحينئذ نقول: مراد ابن مالك ﵀ بقوله: (استكن) أي: حذف، وجعله مستكناً لأنه محذوف لم يظهر فكأنه مستتر، وإلا فإننا نعلم -والعلم عند الله- أن ابن مالك لا يخفى عليه أن الحروف ليست محلاً لاستتار الضمائر فيها، ونعلم أيضاً أنه يعلم أن الذي يستتر إنما هو ضمير الرفع. إذاً: ما الذي أوجب لـ ابن مالك أن يعبر بكلمة (استكن) مع هذا الاحتمال؟ نقول: ضرورة الشعر، والحريري ﵀ وصف الشعر بأنه صلف فقال: وجائز في صنعة الشعر الصلف أن يصرف الشاعر ما لا ينصرف وهذا صحيح، حتى إن بعض العلماء يقول: يجوز في ضرورة الشعر أن يرفع المنصوب وينصب المرفوع، وكذلك ينصب المجرور ويرفع. قوله: (والخبر اجعل جملة) لما بين أن اسم (أنّ) إن خففت يحذف، فماذا يكون حكم خبرها؟ قال: والخبر يكون جملة، فلا يكون مفرداً أبداً، لكن قد يكون خبرها مفرداً إذا لم يحذف اسمها، ومنه قول الشاعر: لقد علم الضيف والمرملون إذا اغبر أفق وهبت شمالا بأَنْك ربيع وغيث مريع وأنْك هناك تكون الثمالا ففي هذين البيتين خفف (أنّ) وجاء بها مرتين مع اسمها، وخبرها في المرة الأولى مفرد، وهو قوله: (ربيع)، وخبرها في المرة الثانية جملة، وهو قوله: (تكون الثمالا). إذاً: تخفف أنّ، والمخفف لها هم العرب، وإذا خففت وجب حذف اسمها، ولا يذكر إلا نادراً، ويجب أن يكون خبرها جملة، ولا يكون مفرداً إلا قليلاً، ولاسيما إذا ذكر الاسم؛ لأنه إذا ذكر الاسم صارت تشبه المشددة في أنه يكون لها خبر مفرد.

стр. 259

الفصل بين أن المخففة وخبرها قال المصنف رحمه الله تعالى: [وإن يكن فعلاً ولم يكن دعا ولم يكن تصريفه ممتنعا فالأحسن الفصل بقد أو نفيٍ او تنفيسٍ او لو وقيل ذكر لو] قوله: (وإن يكن فعلاً ولم يكن دعا): (وإن يكن) أي: الخبر. (فعلاً) خبر يكن التي استتر اسمها. (ولم يكن دعا) أي: لم يكن الفعل دعاء، ولم: حرف جازم. ويكن: فعل مضارع مجزوم بلم، واسمها مستتر جوازاً تقديره هو. دعا: خبر يكن، وأصلها مهموز (دعاء)، لكن حذفت الهمزة من أجل الروي. قوله: (ولم يكن تصريفه ممتنعاً:) يكن: فعل مضارع مجزوم بلم. تصريفه: اسم يكن. ممتنعاً: خبرها. ومعنى البيت: (إن يكن الخبر فعلاً) وفي هذه العبارة تجوز؛ لأن الفعل لا يكون خبراً، وإنما يكون الخبر جملة فعلية، ففي كلامه ﵀ تجوز وتسامح، ويدل لذلك أنه قال قبل هذا البيت (والخبر اجعل جملة)، ومعلوم أن الفعل نفسه ليس بجملة، ففي العبارة تجوز وتسامح. وقوله: (إن يكن فعلاً ولم يكن دعا) خرج به ما إذا كان فعلاً ولكنه دعاء. وقوله: (ولم يكن تصريفه ممتنعا) يريد بذلك أنه لم يكن جامداً. فعندنا ثلاث محترزات: أن يكون فعلاً. وأن يكون خبراً لا دعاءً. وأن يكون متصرفاً لا جامداً. فإذا كان كذلك قال: فالأحسن الفصل بقد إلخ. فعلم من كلام المؤلف أنه إذا كان خبر (أنْ) فعلاً دعائياً فإنه لا يجب الفصل بما سيذكره، ومثلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ [النور:٩] على قراءة (أنْ غضِبَ الله عليها) فهنا (غضِب) جملة دعائية، ولهذا لم يفصل بينها وبين (أنْ) بواحد من الفواصل التالية. وقوله: (ولم يكن تصريفه ممتنعا) احترازاً مما إذا كان جامداً لا يمكن أن يتصرف، فإنه في هذه الحال لا يجب الفصل بواحد من الفواصل، ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٩]، ﴿وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ [الأعراف:١٨٥] فهنا (ليس) و (عسى) فعلان جامدان، ولهذا لم يفصل بين (أنْ) وبين هذا الفعل بواحد من الفواصل التالية. وقوله: (فالأحسن الفصل) الفاء: هذه واقعة في جواب الشرط المصدر بإن (وإن يكن فعلاً فالأحسن) والأحسن: مبتدأ، والفصل: خبر المبتدأ. ويجوز العكس، أي: يجوز أن يكون (الفصل) مبتدأ مؤخراً، َ و (الأحسن) خبراً مقدماً، ولكن الأحسن أن نجعل (الأحسن) مبتدأ و (الفصل) خبر المبتدأ؛ لئلا نفصل بين المتعلِّق والمتعلَّق بفاصل أجنبي. بقد: جار ومجرور متعلق بالفصل. أو نفي: معطوف عليه. أو تنفيس: كذلك. أو لو: كذلك. (وقليل ذكر لو) قليل: خبر مقدم. ذكر: مبتدأ مؤخر، أي: ذكر (لو) قليل عند العلماء، أي: أنه قل من ذكرها من النحويين، فقوله: (وقليل ذكر لو) أي: أن أكثر النحويين لم يذكروا الفصل بـ (لو)، مع أنه ثابت في القرآن، كقوله تعالى: ((وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ)) [الجن:١٦]. وقوله: (فالأحسن الفصل)، علم من تعبيره بالأحسن أن هذا ليس بواجب، وقيل: بل يجب الفصل، وهذا قول ابن هشام ﵀، لأنه لم يرد إلا مفصولاً، وإذا لم يرد إلا مفصولاً كان مقتضاه أن اللغة العربية توجب الفصل، وما شذ فهو نادر. أمثلة: قوله: (بقد) مثل أن تقول: علمت أنْ قد قام زيد، لو قلت: علمت أنْ قام زيد، فهو عند ابن مالك جائز لكنه خلاف الأحسن. (أو نفي)، مثل قوله تعالى: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [المائدة:٧١] فهنا فصل بلا النافية. الثالث: قال: (أو تنفيس) يريد بالتنفيس شيئين: السين وسوف، فمثال السين: قوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ [المزمل:٢٠]. ومثال (سوف) قول الشاعر: واعلم فعلم المرء ينفعه أنْ سوف يأتي كل ما قدرا الشاهد فيه قوله: أنْ سوف يأتي. (أو لو) أي: أو تفصل بلو، كقوله تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن:١٦] فأن هنا مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، وجملة (لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا) خبرها. إذاً: أفادنا المؤلف ﵀ أنّ (أنْ) تأتي مخففة، وإذا أتت على هذا الوجه وجب أن يكون اسمها محذوفاً، ويسمى ضمير الشأن، ويكون خبرها جملة. ثم إن كان جملة اسمية أو فعلية دعائية أو فعلية جامدة لم يجب الفصل، بل ولا يستحسن الفصل بين أنْ وخبرها بشيء من الفواصل. وإن كان جملة فعلية فعلها متصرف وليست دعائية، فإن الأحسن على رأي ابن مالك أن يفصل بواحد من أمور أربعة: قد، أو النفي، أو التنفيس، أو لو، ويجوز على كلام ابن مالك ألا يفصل، لكنه خلاف الأحسن. فإذا قيل: علمت أن يأتي زيد من السفر، فإن هذا خلاف الأحسن، والأحسن أن يقال: علمت أن سيأتي، أو: أن سوف يأتي. ولو قيل: علمت أنْ سافر زيد، فهو صحيح لكنه خلاف الأحسن، والأحسن أن نقول: علمت أن قد سافر وددت أن لو سافر زيد وهكذا.

стр. 260

الكلام على كأن المخففة قال المصنف رحمه الله تعالى: [وخففت كأنّ أيضاً فنوي منصوبها وثابتاً أيضاً روي] قوله: (خففت): فعل ماض مبني لما لم يسم فاعله، والتاء للتأنيث. كأن: نائب الفاعل. أيضاً: مصدر عامله محذوف، تقديره: آض، أي: رجع، فيكون (أيضاً) بمعنى (رجوعاً)، ومعنى الكلام إذا جاءت أيضاً فيه: أي: رجوعاً إلى ما سبق، والمعنى هنا: (وخففت كأن أيضاً)، أي: كما خففت إنّ وخففت أنّ. فروي: الفاء حرف عطف، وروي: فعل ماض مبني لما لم يسم فاعله. منصوبها: منصوب: نائب الفاعل، وهو مضاف إلى الهاء. وثابتاً: الواو حرف عطف، وثابتاً: حال مقدمة من نائب الفاعل في روي. أيضاً: نقول في إعرابها كما قلنا في أختها السابقة. وروي: فعل ماض مبني لما لم يسم فاعله، ونائب الفاعل مستتر تقديره هو. ومعنى البيت: أن (كأنّ) خففت، وإذا جاءت مخففة فإن اسمها يكون محذوفاً وهو ضمير الشأن، وخبرها يكون جملة. ولم يذكر المؤلف ﵀ لخبرها شيئاً من الشروط، وكأنه يأتي جملة بدون شرط ولا قيد، قال الله ﵎: ﴿فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ﴾ [يونس:٢٤]. (كأنْ): حرف تشبيه مخففة من الثقيلة تنصب المبتدأ وترفع الخبر، واسمها ضمير الشأن محذوف، وجملة: (لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ) خبرها. وقوله: (وثابتاً أيضاً روي) معناه: أنه قد روي عن العرب بقاء اسمها وعدم حذفه، ومنه قول الشاعر: وصدر مشرق اللون كأن ثدييه حقان الشاهد قوله: (كأنْ ثدييه)، فإن (ثدييه) هنا منصوبة. وروي: (كأنْ ثدياه)، وعلى هذه الرواية: تكون (كأنْ) مهملة، إلا على لغة من يلزم المثنى الألف مطلقاً، فيكون فيه احتمال، لكن اللغة المشهورة عند العرب أن المثنى ينصب بالياء.

стр. 261

تخفيف لكن إذا خففت (لكنّ) فإنها تكون مجرد حرف عطف، وتكون مهملة، مثل: ما قام زيد لكن عمرو؛ فلكن: حرف عطف.

стр. 262

شرح ألفية ابن مالك [٢٧] لا النافية للجنس تعمل عمل إن، فتنصب المبتدأ وترفع الخبر، ولكن لعملها شروط ذكرها النحويون، وكذلك تكثر أحكامها إذا تكررت، أو نعت اسمها، أو عطف عليه، أو دخل عليها حرف استفهام.

стр. 263

لا التي لنفي الجنس قال المصنف رحمه الله تعالى: [لا التي لنفي الجنس: عمل إنَّ اجعل للا في نكره مفردة جاءتك أو مكرره فانصب بها مضافاً أو مضارعه وبعد ذاك الخبر اذكر رافعه] هذا من حسن ترتيب المؤلف ﵀؛ لأنه لما ذكر الأفعال الناسخة وهي كان وأخواتها؛ ذكر بعدها الحروف الناسخة التي تعمل عمل كان وأخواتها، وهي: ما وإن ولا ولات المشبهات بليس. ولما ذكر الحروف الناسخة التي تعمل على نصب الاسم ورفع الخبر؛ ذكر بعدها الحروف التي تعمل هذا العمل، وإن كانت تختلف عنها بعض الشيء. يقول ﵀: (لا التي لنفي الجنس)، أي: لنفي جنس مدخولها، وتكون في ذلك نصاً في العموم؛ لأنك إذا قلت: لا رجلَ في البيت، فالمعنى: لا يوجد هذا الجنس في البيت، لا واحد ولا اثنان ولا أكثر، فتنفي الجنس، ولهذا قالوا: إنها نص في العموم، بخلاف ما إذا قلت: لا رجلٌ في البيت، فإنه ليس نصاً في العموم، إذ يحتمل أن المعنى: لا رجلٌ واحد في البيت، أما إذا قلت: لا رجلَ في البيت، فلا يمكن أن تقول: بل رجلان، أما إذا قلت: لا رجلٌ في البيت، فيصح أن تقول: بل رجلان. فـ (لا) إذاً لنفي الجنس، أي: لنفي جنس مدخولها الشامل للواحد والمتعدد. أما عملها فقال: (عمل إنّ اجعل للا في نكرة). عمل: مفعول مقدم لاجعل، وهو مضاف إلى إنّ باعتبار لفظها. للا: جار ومجرور متعلق باجعل. في نكرة: جار ومجرور أيضاً متعلق باجعل، والتقدير: اجعل عمل إنَّ للا في النكرة. والمعنى: أن لا النافية للجنس تعمل عمل إنَّّ في النكرات خاصة، ولا تعمل في المعارف، ولهذا قالوا: إن قول القائل: لا إله إلا الله، لا يمكن أن نجعل لفظ الجلالة خبر (لا)؛ لأن (لا) لا تعمل إلا في النكرات، لكن نجعله بدلاً من خبر (لا) المحذوف، والتقدير: لا إله حق إلا الله. قوله: (مفردة جاءتك أو مكررة). مفردة: حال من فاعل جاءتك المستتر. أو مكرره: معطوف على مفردة. والمعنى: سواء جاءتك (لا) مفردة -والمراد بالإفراد هنا ما لم تكرر- أو جاءتك مكررة، ونفهم أن المراد بالمفردة ما لم يتكرر من قوله: أو مكررة؛ لأن هذه قسيم لها، فأفادنا ﵀ بأن (لا) تعمل في النكرات، وأنها تعمل مفردة وتعمل مكررة، وسيأتي إن شاء الله حكم عملها إذا كانت مكررة.

стр. 264

عمل (لا) التي لنفي الجنس قال: (فانصب بها مضافاً أو مضارعه وبعد ذاك الخبر اذكر رافعه) قوله: (انصب) فعل أمر، والفاء في قوله: (فانصب) للتفريق، أي: فبعد أن عرفت أنها تعمل عمل (إنَّ) فانصب بها. مضافاً: مفعول انصب. أو مضارعه: مضارع: معطوف على (مضافاً)، وهو مضاف والهاء مضاف إليه. وبعد ذاك: بعد: ظرف مضاف إلى ذا، والكاف حرف خطاب. الخبر: مفعول (اذكر) مقدم، والظرف في قوله بعد ذاك متعلق باذكر. رافعه: حال، أي: حال كونها رافعة له، وليست الهاء ضميراً، بل هي تاء التأنيث، وتقدير الكلام: واذكر الخبر بعد الاسم حال كون (لا) رافعة له. والمراد بقوله: (أو مضارعه) أي: مشابه المضاف، ومشابه المضاف ما تعلق به شيء من تمام معناه، بمعنى: أن ما بعده يكون متعلقاً به من حيث المعنى، كما يتعلق المضاف إليه بالمضاف، ولهذا سمي: مشابهاً للمضاف. مثال المضاف: لا غلامَ رجلِ قائمٌ. ومثال المشبه بالمضاف: لا قبيحاً فعلهُ محمود، فـ (قبيحاً) غير مضاف، لكنه تعلق به شيء من تمام معناه وهو (فعل)؛ لأن (فعل) فاعل قبيح، ومحمود: خبر لا. وقد يكون المتعلق منصوباً، كقولك: لا راكباً سيارةً موجود، وقولهم: لا طالعاً جبلاً حاضر، فالمتعلق هنا منصوب. وقد يكون مجروراً، مثل: لا مطالعاً للكتابِ حاضر، فإن (للكتاب) جار ومجرور متعلق بـ (مطالعاً). إذاً: معنى قوله: (أو مضارعه) أي: مشابهه، ونعرف المشابه بأنه ما تعلق به شيء من تمام معناه، فيكون له به تعلق: إما بالرفع، وإما بالنصب، وإما بالجر. قال ابن عقيل: [أي: مشابهاً للمضاف، والمراد به: كل اسم له تعلق بما بعده إما بعمل وإما بعطف]. فقوله: (وإما بالعطف)، مثل أن تسمي رجلاً: ثلاثة وعشرين، فتقول: قام ثلاثة وعشرون، ورأيت ثلاثة وعشرين، ومررت بثلاثة وعشرين، فإذا أدخلت (لا) قلت: لا ثلاثةً وعشرين حاضر، فتعطف عشرين على ثلاثة؛ لأنه لا يتم معناها إلا بالعطف، ولو قلت: لا ثلاثة، لما عرف أنه اسم، فإذا قلت: لا ثلاثةً وعشرين، عرف أنه اسم، إذاً لا بد من ذكر العشرين. وقوله: (وبعد ذاك الخبر اذكر رافعه) يدل على أنه لا بد من الترتيب بين اسم (لا) وخبرها، فيذكر الخبر بعد الاسم، ولا يذكر الخبر قبل الاسم، فلا يصح أن تقول: لا في البيت رجل، بل لا بد من الترتيب. وقوله: (رافعه) يدل على أن (لا) النافية للجنس تعمل في المبتدأ والخبر كما تعمل إن وأخواتها، وأن رفع اسمها ليس رفعاً مبنياً على الأصل، بل هو رفع جديد، حدث بدخول لا. والخلاصة: أن (لا) النافية للجنس تعمل عمل إنَّ، ثم إن كان اسمها مضافاً أو مشابهاً للمضاف وجب نصبه، وإذا وجب نصبه صار منوناً، نحو: لا قبيحاً فعله محمود، لا راكباً سيارةً موجود، لا مطالعاً في الكتاب حاضر.

стр. 265

حكم المعطوف على اسم لا إذا تكررت قال المصنف رحمه الله تعالى: [وركب المفرد فاتحاً كلا حول ولا قوة والثانِ اجعلا مرفوعاً أو منصوباً أو مركباً وإن رفعت أولاً لا تنصبا] قوله: (وركب المفرد فاتحاً) المراد بالمفرد هنا ما ليس مضافاً ولا شبيهاً بالمضاف، وبهذا نعرف أن للنحويين اصطلاحاً في كل باب بحسبه، فالمفرد في باب الإعراب: ما ليس مثنى ولا جمعاً، والمفرد في باب المبتدأ والخبر ما ليس جملة ولا شبه جملة، والمفرد هنا: ما ليس مضافاً ولا شبيهاً بالمضاف. يقول: (ركب المفرد فاتحاً) ركب: فعل أمر. المفرد: مفعول لركب. فاتحاً: حال من فاعل ركب، أي حال كونك فاتحاً. (كلا حول ولا قوة) أي: كهذا المثال، ولهذا نعرب هذه الجملة فنقول: الكاف: حرف جر. لا حول ولا قوة: اسم مجرور بالكاف، لأن المقصود: كهذا المثال، فالمقصود لفظها. قوله: (ركب المفرد فاتحاً) أي: ركبه مع لا كما تركب (عشر) مع العدد قبلها، فتقول: ثلاثة عشر، وتقول: لا رجل، فالكلمتان مركب بعضهما ببعض كما ركب العدد العشري مع العدد الفردي، وكيف تعرب؟ نقول: لا رجل في البيت. لا: نافية للجنس. رجل: اسمها مبني على الفتح في محل نصب، ولا يجوز أن نقول: لا رجلاً في البيت؛ لأنه يجب أن يبنى على الفتح، ولذلك يقول: (ركب المفرد فاتحاً كلا حول ولا قوة)، والخبر: إلا بالله، ولنقتصر على المثال الأول: (لا حول إلا بالله)، فنقول: لا: نافية للجنس. حول: اسمها مبني على الفتح في محل نصب بها. إلا: أداة حصر. بالله: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر لا. وهل يبنى خبرها كاسمها؟ لا، بل خبرها معرب غير مبني، ولهذا تقول: لا رجل قائمٌ، ولا تقل: لا رجل قائمُ، بل تنونه لأنه معرب. قوله: (والثاني اجعلا). الثاني: مفعول مقدم لـ (اجعلا)، والألف في قوله: (اجعلا)، يجوز أن تكون للإطلاق ويجوز أن تكون بدلاً عن نون التوكيد. فإن كانت للإطلاق فلا إشكال، ولكنها في الواقع بدل عن نون التوكيد، والدليل لذلك: أن الفعل معها مبني على الفتح، فإن (اجعل) فعل أمر مبني على الفتح، فيتعين أن تكون الألف هنا عوضاً عن نون التوكيد الخفيفة؛ لأن نون التوكيد الخفيفة يجوز أن نبدلها بألف، كقوله تعالى: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ [العلق:١٥]. وقوله: (مرفوعاً أو منصوباً أو مركباً): مرفوعاً: مفعول ثان لاجعل، والتقدير: اجعل الثاني مرفوعاً أو منصوباً أو مركباً. أفاد المؤلف ﵀ أنك إذا قلت: لا حولَ ولا قوة؛ فإنك تبني الأول على الفتح مركباً مع لا. وأن الثاني يجوز لك فيه ثلاثة أوجه: أن تجعله مرفوعاً، أو منصوباً، أو مركباً؛ فتقول في الرفع: لا حولَ ولا قوةٌ، وفي النصب: لا حولَ ولا قوةً، وفي التركيب: لا حولَ ولا قوةَ. إذاً: نقول في إعراب الأول (لا حول): حول: اسم لا مبني على الفتح، وسبب بنائه التركيب مع لا. والثاني: (ولا قوة) يجوز في (قوة) ثلاثة أوجه: الرفع، والنصب، والتركيب. ووجه الرفع: أنه معطوف على محل لا واسمها؛ أو على محل اسمها، لأن اسمها في الأصل كان مبتدأ. ووجه النصب: أنه معطوف على محل اسم (لا) لفظاً؛ لأننا قلنا في (لا حول): حول: اسمها مبني على الفتح في محل نصب، فإذا نصبت (ولا قوةً) صارت معطوفة على محل اسم (لا) لفظاً. ووجه التركيب: أنه يكون مستقلاً، أي يركب مع (لا) الثانية، وصار العطف هنا ليس عطف مفرد على مفرد، ولكنه عطف جملة على جملة، أي: أننا عطفنا (ولا قوة) كلها على جملة (لا حول)، فنقول في الإعراب: الواو: حرف عطف. لا: نافية للجنس. قوة: اسمها مبني على الفتح في محل نصب، والعطف هنا عطف جملة على جملة. إذاً: إذا بنينا الأول على الفتح جاز في الثاني ثلاثة أوجه. وإذا رفعنا الأول فلا ننصب الثاني؛ لعدم وجود السبب، فإذا قلنا: (لا حولٌ) فإن سبب الرفع إلغاء عمل (لا) فنقول: لا: نافية لا تعمل. وحولٌ: مبتدأ. فيمتنع نصب الثاني، ويبقى الرفع والبناء على الفتح؛ فنقول: لا حولٌ ولا قوةٌ إلا بالله، فتكون (لا) ملغاة في الأولى وفي الثانية. ونقول: لا حولٌ ولا قوةَ، فتكون (لا) ملغاة في الأولى وعاملة في الثانية. ولا تقل: لا حولٌ ولا قوةً؛ لأن أصل جواز النصب -فيما إذا بني الأول على الفتح- العطف على المحل لفظاً، وهنا وقع اسم (لا) مرفوعاً، فلا يمكن أن تعطف عليه منصوباً. فخلاصة الكلام: يجوز لك في الأول وجهان: الإعمال والإهمال. ففي حال الإعمال يكون مبيناً على الفتح، وفي حال الإهمال يكون مرفوعاً. وإذا أعملت الأول جاز لك في الثاني ثلاثة أوجه: الرفع، والنصب، والتركيب. وإذا أهملت الأول فيجوز في الذي بعده وجهان فقط: الرفع والبناء، ولا يجوز النصب لعدم وجود مقتضيه. وقوله: (وركب المفرد فاتحاً) المراد بالمفرد هنا ما ليس مضافاً ولا شبيهاً بالمضاف، فيشمل المثنى، ويشمل جمع المذكر والمؤنث السالمين، وإذا كان كذلك فيكون في قول ابن مالك: (فاتحاً) قصور؛ إذ إن المركب ينصب بالفتحة، وينصب بالياء، وينصب بالكسرة، وكلامه لا يشمل كل هذا، ولهذا عبر بعضهم بقوله: إنه يبنى على ما ينصب به، وقال بعضهم: لو أن ابن مالك قال: [وركب المفرد كالنصب كلا حول ولا قوة] لكان أشمل، تقول: لا رجل في البيت، ولا رجلين في البيت، ولا مسلمين في البيت، فهنا لم يبن على الفتح، بل بني على ما ينصب به وهو الياء. كذلك نقول: لا مسلماتٍ في البيت، فبنيناه على الكسرة، لكن نقول في جمع المؤنث السالم خاصة: يجوز أن تبنيه على الفتح أيضاً فتقول: لا مسلماتَ في البيت.

стр. 266

نعت اسم لا النافية للجنس قال المصنف رحمه الله تعالى: [ومفرداً نعتاً لمبني يلي فافتح أو انصبن أو ارفع تعدل] قوله: (مفرداً): مفعول مقدم لقوله فافتح. نعتاً: صفة لمفرد. لمبني: جار ومجرور متعلق بيلي. فافتح: الفاء زائدة لتحسين اللفظ، وأصل الكلام: (ومفرداً نعتاً لمبني يلي افتح). افتح: فعل أمر، ومعناه: ابنه على الفتح، وقد سبق أن الأولى أن يقال: (يبنى على ما ينصب به). أو انصبن: أو: للتخيير، انصبن: معطوف على افتح. أو ارفع: أو: أيضاً للتخيير، ارفع: معطوف على افتح. تعدل: فعل مضارع مجزوم على أنه جواب لفعل الأمر وهو قوله: (افتح) وما عطف عليه. وقد اختلف المعربون في مثل هذا التركيب: هل يكون هذا مجزوماً على أنه جواب الأمر، أو مجزوماً على أنه جواب لشرط محذوف والتقدير: إن تفعل تعدل؟ ولدينا قاعدة مهمة وهي: أنه إذا دار الكلام بين الحذف وعدمه فالأصل عدم الحذف، إذاً نقول: الأولى أن نقول: إنها جواب للأمر في قوله: (افتح) وما عطف عليه. ومعنى البيت: إذا ولي المبني نعت مفرد جاز لك فيه ثلاثة أوجه: الفتح والنصب والرفع. مثاله: لا رجل ظريف في البيت. رجل: مبني. وظريف: نعت مفرد وقد ولي المنعوت ولم يفصل بينهما بفاصل، إذاً: انطبق على كلام المؤلف: النعت مفرد، والمنعوت مبني، ولا فاصل بين النعت والمنعوت، وحينئذ يجوز لك في النعت ثلاثة أوجه: فتقول: لا رجلَ ظريفَ في البيت، ولا رجلَ ظريفاً في البيت، ولا رجلَ ظريفٌ في البيت. أما الفتح: لا رجلَ ظريفَ في البيت، فوجهه: أنه مركب مع اسم لا كما ركب اسمها معها. وأما وجه النصب: لا رجلَ ظريفاً: فلأنه تابع لمحل اسم لا، لأننا نقول في إعراب (لا رجلَ): رجل مبني على الفتح في محل نصب، فهو نعت تبع اسم (لا) في محله. وأما الرفع: لا رجلَ ظريفٌ؛ فهو نعت روعي به محل (لا) واسمها؛ لأن محلهما الرفع. ونحن عندما نتكلم عن هذه الأوجه في هذه المسألة وفيما قبلها نتبع النحويين في ذلك، والشواهد على هذه التفصيلات قليلة في اللغة العربية، لكن يقولون: إذا تعذر النقل جاز القياس، وجاز الاجتهاد، وإلا لو تدبرت كلام العرب لوجدت الشواهد على هذا قليلة جداً، لكنهم يقيسون على قواعد أصلوها. والخلاصة: إذا نعت اسم (لا) جاز في النعت ثلاثة أوجه بشرط أن يكون المنعوت مبنياً، والنعت مفرداً، وألا يفصل بينه وبين المنعوت بفاصل، وإذا اختل شرط من هذه الشروط فيقول ابن مالك: [وغير ما يلي وغير المفرد لا تبن وانصبه أو الرفع اقصد] غير: مفعول مقدم لـ (تبن) في قوله: (لا تبن)، وهو مضاف إلى (ما) الموصولة. يلي: فعل مضارع وهو صلة الموصول، والفاعل ضمير مستتر، والعائد محذوف والتقدير ما يليه. وغير المفرد، غير: معطوف على (غير) الأولى، وهو مضاف إلى المفرد. لا: ناهية. تبن: فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وعلامة جزمه حذف الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر وجوباً تقديره أنت. وانصبه: الواو حرف عطف، انصب: فعل أمر، والهاء: ضمير مفعول به، والفاعل مستتر وجوباً تقديره أنت. أو الرفع اقصد: أو: للتنويع، الرفع: مفعول مقدم لقوله (اقصد). اقصد: فعل أمر مبني على السكون، وحرك بالكسر من أجل الروي. قوله: (غير ما يلي) أي: إذا فصل بين النعت والمنعوت بفاصل فإنه يمتنع البناء، ويبقى النصب والرفع، ولماذا يمتنع البناء؟ لأن البناء من أجل التركيب مع (لا) واسمها، وإذا فصل بينهما الفاصل تعذر التركيب، مثل أن تقول: لا رجلَ في البيت ظريف، فظريف هنا نعت لرجل، وهو مفرد، والمنعوت مبني، فهذان شرطان، ولم يبق إلا شرط واحد وهو: عدم الفصل بينهما، وهذا الشرط مفقود؛ فيمتنع البناء لأنه وجد الفصل، فماذا يجوز في النعت؟ يقول: (لا تبن وانصبه أو الرفع اقصد) أي: أنه يجوز النصب والرفع، فأقول: لا رجلَ في البيت ظريفٌ، ولا رجلَ في البيت ظريفاً. كذلك لا رجلَ حامل كتاب حاضر، يجوز في (حامل) الرفع والنصب، ولا يجوز البناء؛ لأنه ليس بمفرد، إذ هو مضاف، ولهذا قال: (وغير المفرد لا تبن وانصبه أو الرفع اقصد). مثال آخر: لا رجلَ طالع جبلاً حاضر، يجوز في (طالع) الرفع والنصب. أما: لا رجلَ طالعَ جبلٍ حاضرٌ، فليس فيه إلا وجه واحد وهو النصب؛ لأنه مضاف فهو منصوب، لكن لو قلت: لا رجلَ طالعَ جبلاً حاضر، فهذا لا يصح، أما: لا رجلَ طالعَ جبلٍ، فهذا صحيح؛ لأنه منصوب وليس مبنياً؛ لأنه لا يمكن أن يبنى وهو مضاف، فهذا داخل تحت قوله: (وغير المفردلا تبن). إذاً: لا رجل طالعَ جبلٍ حاضرٌ، العبارة صحيحة. و: لا رجلَ طالعاً جبلاً حاضرٌ، صحيحة. و: لا رجلَ طالعَ جبلاً حاضرٌ، غير صحيحة؛ لأن النعت هنا لا يبنى؛ لأنه غير مفرد.

стр. 267

العطف على اسم لا إذا لم تتكرر قال المصنف رحمه الله تعالى: [والعطف إن لم تتكرر لا احكما له بما للنعت ذي الفصل انتمى] قوله: (العطف): مبتدأ. احكم: الجملة من الفعل والفاعل خبر العطف، أي: والعطف احكم له. وجملة (إن لم تتكرر) جملة اعتراضية. له: الجار والمجرور متعلق بقوله: (احكما)، والألف في قوله: (احكما) يجوز أن تكون للإطلاق، ويجوز أن تكون للتوكيد، وأصلها (احكمن) كما قال ابن مالك: (وأبدلنها بعد فتح ألفا وقفاً كما تقول في قفن قفا) أي: نون التوكيد الخفيفة. وقوله: (بما للنعت) ما: اسم موصول. للنعت: جار ومجرور متعلق بمحذوف صلة الموصول، ويجوز أن تكون (للنعت) متعلقة بـ (انتمى)، أي: بما انتمى للنعت ذي الفصل، وهو أولى من أن نقول: إنه متعلق بمحذوف؛ لأنه إذا دار الأمر بين الحذف وعدمه فالأخذ بعدمه أولى. يقول ابن مالك ﵀: إذا عطفت على (لا) واسمها فإما أن تتكرر لا وإما ألا تتكرر، فإن تكررت (لا) فقد سبق الحكم في قوله: (لا حول ولا قوة إلا بالله) وسبق أنها إذا تكررت جاز في الأول وجهان وفي الثاني ثلاثة أوجه، فيجوز في الأول: الرفع والبناء، ويجوز في الثاني: الرفع والنصب والبناء، إلا إذا رفع الأول فلا تنصب الثاني، وهذا قد سبق الكلام عليه. لكن إذا حصل العطف ولم تتكرر (لا) مثل أن تقول: لا كريم وجبان في البيت، فيقول المؤلف: احكم له بما للنعت ذي الفصل. والنعت المفصول يجوز فيه الرفع والنصب؛ لقوله: [وغير ما يلي وغير المفرد لا تبن وانصبه أو الرفع اقصد] فعلى هذا تقول: لا كريمَ وجباناً، ولا تقل: لا كريم وجبانَ، بالفتح، والعلة واضحة؛ لأنه إذا جاء واو العطف امتنع التركيب لوجود الفاصل بحرف العطف، والعطف يقتضي المغايرة، فلم يبق عندنا إلا النصب والرفع، فتقول: لا كريمَ وجباناً في البيت، أو: لا كريمَ وجبانٌ في البيت. أما على النصب فهو معطوف على محل اسم (لا)، وأما على الرفع فهو معطوف على محل (لا) واسمها؛ لأن محلهما الرفع على الابتداء. والخلاصة أن نقول: إذا عطف على اسم (لا) فلذلك حالان: الحال الأولى: مع تكرار (لا)، والحال الثانية: مع عدم التكرار. فأما مع التكرار فقد سبق بيان الأوجه فيه، وأما مع عدم التكرار فيمتنع منه شيء واحد وهو البناء فقط، ويجوز النصب والرفع، لكن اسم (لا) مبني على الفتح؛ لأن الكلام الآن على المعطوف، وأما اسم (لا) فهو مفرد، والمفرد معروف أنه يبنى على الفتح تركيباً مع (لا)، ولا تهمل (لا) في هذه الحال، لأنها إنما تهمل مع التكرار، وحينئذ نقول: لا كريم وجباناً في البيت، أو: لا كريمَ وجبانٌ في البيت. أما: لا كريماً وجباناً في البيت، فهو خطأ، وكذلك: لا كريمٌ وجبانٌ في البيت؛ خطأ.

стр. 268

حكم لا النافية للجنس مع همزة الاستفهام قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأعط (لا) مع همزة استفهام ما تستحق دون الاستفهام] أعط: فعل أمر. لا: مفعول أول؛ لأن (أعطى) من أخوات كسا. مع: ظرف مكان لكنه بني على السكون، وهذا قليل، كما قال ابن مالك: (ومَعَ مَعْ فيها قليل). وقوله: (مع همزة استفهام) أي: مع الهمزة التي للاستفهام. (ما تستحق دون الاستفهام) ما: مفعول ثان لأعط، وهي اسم موصول مبني على السكون في محل نصب. تستحق: صلة الموصول. دون: ظرف، وهو مضاف، والاستفهام: مضاف إليه. يقول ﵀: إذا دخلت همزة الاستفهام على (لا) النافية للجنس فإن عملها باق لا يبطل، فإذا قلت: لا رجلَ في البيت، وأدخلت الهمزة عليها فقلت: ألا رجلَ في البيت؟ فأنت الآن تستفهم وتسأل المخاطب كأنك تقول له: أتقول: لا رجلَ في البيت؟ فالاستفهام هنا عائد إلى النفي، أي: هل تنفي أن يكون في البيت رجل؟ أما إذا كان الاستفهام للتمني فظاهر كلام المؤلف ﵀ أنه يبنى الاسم معها. وقال بعض النحويين: إذا كان الاستفهام للتمني فإنها لا تكون كالمجردة من الاستفهام، وضربوا لذلك مثلاً بقول القائل: ألا ماءً بارداً، فهنا لا يريد الاستفهام عن النفي، ولكنه يريد التمني، فكأنه يقول: أتمنى ماءً بارداً، فيجعلون (ألا) هنا مركبة من الهمزة و (لا)، ويجعلونها نائبة مناب الفعل، وماءً: مفعول به.

стр. 269

حكم حذف خبر (لا) النافية للجنس قال المصنف رحمه الله تعالى: [وشاع في ذا الباب إسقاط الخبر إذا المراد مع سقوطه ظهر] شاع: فعل ماض. في ذا الباب: جار ومجرور متعلق بشاع. إسقاط: فاعل. الخبر: مضاف إليه. إذا: شرطية. المراد: في إعرابه ثلاثة أقوال: القول الأول: إنه فاعل مقدم، وفعله: (ظهر). القول الثاني: إنه مبتدأ وخبره: (ظهر). القول الثالث: إنه فاعل لفعل محذوف يفسره ما بعده وهو (ظهر). والقول الأخير قول البصريين، والأول قول الكوفيين، وهو -حسب القاعدة- الراجح. فعلى القول بأن (المراد) مبتدأ يكون فيه دليل على جواز إضافة (إذا) إلى الجمل الاسمية. وعلى القول بأن (المراد) فاعل للفعل المذكور بعده يكون فيه دليل على جواز تقدم الفاعل، وهذا هو الذي نختار، وهو الأيسر، وله أمثلة في القرآن، كقوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾ [الانشقاق:١]، كيف تعرب (السماء) على رأي البصريين: فاعل لفعل محذوف، والتقدير: إذا انشقت السماء، وعلى أحد قولي الكوفيين: السماء: مبتدأ، وانشق: فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل مستتر، وجملة (انشقت) خبر المبتدأ، وعلى الوجه الثاني لهم يقولون: السماء: فاعل مقدم، وانشق: فعل ماض، والتاء للتأنيث. وجواب الشرط في قوله: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ * وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ * وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾ [الانشقاق:١ - ٤]، أي: فالأمر عظيم. ولو قيل بأن الأصح من هذه الأقوال أن ما يلي (إذا) هو المبتدأ وما بعده خبر للمبتدأ لكان أوجه؛ لأن هذا يستلزم أن تكون الجملة مؤكدة؛ إذ إن المبتدأ صار في جملة الخبر فاعلاً، فكأنه أسند الفعل إلى فاعله مرتين فيكون هذا أبلغ. قوله: (وشاع) أي: كثر وانتشر (في ذا الباب) يعني: باب (لا) النافية للجنس (إسقاط الخبر) هذا فاعل شاع، أي: أنه كثر إسقاط الخبر في باب (لا) النافية للجنس؛ لكن بشرط: (إذا المراد مع سقوطه ظهر) يعني: إذا ظهر المراد مع سقوطه. مثال ذلك أن يقال: هل في البيت من رجل؟ فتقول: لا رجل. أي: في البيت. وكما يقول من يعود المريض: لا بأس، أي: لا بأس عليه. وكما يقول المفتي لمن سأله: لا حرج، أي: عليك، كقول النبي ﵊ وقد سئل في التقديم والتأخير في مناسك الحج يوم العيد فقال: (لا حرج)، أي: لا حرج عليك. وعلم من قوله: (إذا المراد مع سقوطه ظهر): أنه إذا لم يظهر المعنى فإنه لا يجوز الحذف، كأن تقول: لا رجل، وتسكت، فإنه لا يعلم هل المقصود: لا رجل موجود، أو لا رجل في البيت، أو لا رجل مريض، أو لا رجل صحيح، فإذا كنا لا نعلم ما هو المحذوف امتنع الحذف. وهذه المسألة مأخوذة من قاعدة سبقت لنا في باب المبتدأ والخبر في قول ابن مالك: (وحذف ما يعلم جائز). فتلك قاعدة عامة في كل شيء: كل ما يعلم فحذفه جائز، وكل ما لا يعلم فحذفه ممتنع؛ لأن المراد بالكلام بيان المعنى، فإذا لم يعلم فإنه يمتنع الحذف. وبهذا انتهى الكلام على لا النافية للجنس.

стр. 270

الفرق بين لا النافية للجنس ولا النافية للوحدة هناك فرق بين (لا) النافية للجنس و (لا) النافية للوحدة في العمل وفي المعنى: أما في العمل: فإن (لا) النافية للوحدة تعمل عمل ليس. وأما في المعنى فإن (لا) النافية للجنس تنفي الجنس أصلاً، وليست تنفي واحداً من الجنس، وأما (لا) الأخرى فإنها تنفي واحداً من الجنس، ولهذا تقول: لا رجلٌ في البيت بل رجلان، ويستقيم الكلام، وتقول: لا رجلَ في البيت ولا امرأة، فهذه نافية للجنس.

стр. 271

شرح ألفية ابن مالك [٢٨] من نواسخ المبتدأ والخبر (ظن وأخواتها) وهي تنصب المبتدأ والخبر على أنهما مفعولان لها، وهي تعمل متصرفة إلا (هب وتعلم)، كما أنه قد يرد على أفعال هذا الباب الإلغاء عن العمل لفظاً ومحلاً، وقد يرد عليها التعليق لفظاً، وللتعليق والإلغاء مواضع لا تجوز فيها ومواضع قد تجب فيها.

стр. 272

ظن وأخواتها قال المصنف رحمه الله تعالى: [ظن وأخواتها: انصب بفعل القلب جزءي ابتدا أعني رأى خال علمت وجدا ظن حسبت وزعمت مع عد حجا درى وجعل اللّذ كاعتقد وهب تعلّم والتي كصيرا أيضاً بها انصب مبتداً وخبرا] فرغ المؤلف ﵀ في ألفيته من ذكر النواسخ المتقابلة، وهي: كان وأخواتها، وإن وأخواتها، فإن كان وأخواتها ترفع المبتدأ وتنصب الخبر، وإن وأخواتها تنصب المبتدأ وترفع الخبر، فالنسخ فيهما متضاد، ثم أتى بالقسم الثالث من النواسخ، وهو الذي ينسخ المبتدأ والخبر فينصبهما، وليس عندنا قسم رابع يرفع المبتدأ والخبر؛ لأنه إذا بقي المبتدأ والخبر على الرفع لم يكن هناك ناسخ. قال المؤلف: (ظن وأخواتها)، أخواتها يعني: مشاركاتها في العمل، كما قيل: كان وأخواتها وإن وأخواتها. قال ﵀: (انصب بفعل القلب جزئي ابتداء أعني رأى خال علمت وجدا) انصب: فعل أمر، والفاعل مستتر وجوباً تقديره أنت. جزءي: مفعول انصب. بفعل القلب: متعلق بانصب. أعني: أي: أقصد وأريد. رأى خال علمت وجدا ظن حسبت: كل هذه معطوفات بإسقاط حرف العطف. قوله: (انصب بفعل القلب): أفعال القلوب كثيرة منها: المحبة، والكراهة، والبغض، والعداوة، والخوف، والرجاء، وغير ذلك، وليس مراده بفعل القلب هنا جميع أفعال القلوب؛ لأنه قال: (أعني رأى)، وهذا هو فائدة قوله: (أعني رأى) أي: أنه ليس كل فعل قلبي ينصب المبتدأ والخبر؛ بل هي أفعال خاصة. وقوله: (جزءي ابتدا) فيه تجوز؛ لأن الابتداء أمر معنوي، والمبتدأ والخبر أمر لفظي، والمراد بقوله: (جزءي ابتداء) أي: جزءي جملة ذات ابتداء، وهي: المبتدأ والخبر. قوله: (أعني رأى) أي: من أفعال القلوب التي سأذكرها: رأى، ومثاله قول الشاعر: رأيت الله أكبر كل شيء محاولةً وأكثرهم جنودا ومنه قوله تعالى: ﴿وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج:٧]، (نراه) أي: نعلمه قريباً، والمقصود يوم القيامة. وتطلق (رأى) على معنى آخر غير فعل القلب وهو الرؤية بالبصر، فتنصب مفعولاً واحداً، تقول: رأيت زيداً، أي: بعيني، وتطلق: رأيت زيداً بمعنى: ضربته على رئته، والمقصود من (رأى) هنا القلبية. قوله: (خال) هو أيضاً من أفعال القلوب، تقول: خلتُ الطالبَ فاهماً، وهي بمعنى: ظن، ومضارع خال يخال، كخاف يخاف. (علمت) أيضاً تنصب مفعولين، وهي بمعنى: اعتقدت، فهو علم يقين، وليس علم عرفان، كما سيأتي بأن علم العرفان إنما ينصب مفعولاً واحداً. مثال ذلك: علمت زيداً كريماً، أي: اعتقدته وعلمته علماً يقينياً أنه كريم. (وجد) أيضاً تنصب مفعولين، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف:٢٢]، ويحتمل أن تكون في الآية ليست من الوجدان القلبي، بل من: وجد الشيء يجده. وأوضح منه قوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ [ص:٤٤]، أي: إنا علمناه صابراً ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:٣٠]. (ظن) أيضاً من أفعال القلوب، كقولك: ظننت زيداً قائماً، وقد يطلق الظن على الرجحان وهو الأكثر، وقد يطلق على اليقين كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:٤٦]. وتطلق بمعنى التهمة كقولك: ظننت زيداً، أي: اتهمته، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ [التكوير:٢٤] أي: بمتهم. (حسبت): أيضاً من أفعال القلوب، وهي للرجحان غالباً، وتطلق بمعنى العلم، كقول الشاعر: حسبت التقى والجود خير تجارة. أي: علمتها خير تجارة. (زعمت) زعم بمعنى: اعتقد الشيء على خلاف ما هو عليه، وهي من أفعال القلوب الدالة على الظن، ومنه قول الشاعر: زعمتني شيخاً ولست بشيخ إنما الشيخ من يدب دبيبا (معَ عدْ) أي: معَ عدَّ، لكنه خففها لأجل وزن البيت، تقول: عددت محمداً رفيقاً، أي: اعتقدت في قلبي أنه رفيق، ومنه قول الشاعر: فلا تعدد المولى شريكك في الغنى ولكنما المولى شريكك في العدم أي: لا تحسب المولى -وهو الصديق والناصر- من يشاركك إذا كنت غنياً فقط، فإن هذا ليس بمولى؛ لأنه إنما ينفع نفسه. قال: (حجا) بمعنى: علم، كقول الشاعر: قد كنت أحجو أبا عمرو أخاً ثقةً حتى ألمت بنا يوماً ملمات أي: فإذا هو ليس بأخي ثقة، فهو في وقت الرخاء أخو ثقة، لكن لما ألمت به الملمات لم يكن أخا ثقة. (درى): أيضاً تنصب مفعولين، وهي من أفعال القلوب، تقول: دريت زيداً عالماً، أي: علمته عالماً، ومنه قول الشاعر: دريتَ الوفيَّ العهدَ يا عرو فاغتبط فإن اغتباطاً بالوفاء حميد وقوله: (وجعل اللذ كاعتقد)، اللذ: لغة في (الذي)، ولكنها تحذف الياء في بعض اللغات. وقوله: (اللذ كاعتقد) احترازاً من (جعل) التي بمعنى (صير)، والتي بمعنى (خلق)، فالتي بمعنى (صير) ليست من أفعال القلوب، ولكنها من أفعال التصيير، والتي بمعنى (خلق) لا تنصب إلا مفعولاً واحداً، مثالها قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام:١]، أي: خلقها وأوجدها، ومثال (جعل) التصييرية: قولك: جعلت القطن فراشاً، أي: صيرته، وجعلت العهن غزلاً، أي: صيرته، وما أشبه ذلك. المهم أن قوله: (جعل اللذ كاعتقد) فيه احتراز من (جعل) التصييرية، و (جعل) التي بمعنى خلق وأوجد. ومثال (جعل) التي كاعتقد: قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف:١٩]، فجعل هنا لا تصلح بمعنى الخلق، ولا تصلح بمعنى التصيير، وإنما هي بمعنى الاعتقاد، أي: اعتقدوا الملائكة إناثاً. (وهبْ)، أي: التي بمعنى: قدَّرْ، أي: قدر في قلبك كذا وكذا، وأما (هب) التي هي فعل أمر من (وهبَ يهبُ)، فتقول: هبْ زيداً ثوباً، فهذه من باب (كسا)، لكن إذا قلت: هبني صديقاً، فهذه هي المرادة من كلام المؤلف، وهي بمعنى: قدرني في قلبك صديقاً لك، ومنه قول الشاعر: فقلت أجرني أبا مالك وإلا فهبني امرأً هالكا وتأتي كثيراً في كلام العلماء موصولة بأن، مثل: هب أن الأمر كذا وكذا، فقيل: إن هذا من لحن العلماء، وممن ذهب إليه الحريري فقد قال: وهذا لحن، فإذا قلت: هبْ أن هذا كائن، فقل: هبْ هذا كائناً. ولكن أُورد على هذا القول ما يذكر عن عمر ﵁ في قصة الحمارية أنهم قالوا له: هب أن أبانا كان حماراً، ولم يقولوا: هب أبانا حماراً. وعلى كل حال فقد شائع في كلام الفقهاء ﵏ أن تقترن بأن فيقال: هب أن الأمر كذا، لكن لو أردنا أن نأتي بالأفصح لقلنا: هب الأمر كذا، فنكون سلكنا الأصلح واختصرنا الكلام بحذف أَنْ. (تعلَّم) ليس المراد بذلك طلب العلم، بل المراد: اعلم، تقول: تعلَّم الله قادراً، أي: اعلم أن الله قادر، ومنه قول الشاعر: تعلَّم شفاء النفس قهر عدوها فبالغ بلطف في التحيل والمكر فمعنى قوله: (تعلّم شفاء النفس قهر عدوها): اعلم بأن شفاء النفس قهر عدوها. إذاً: الأدوات التي مر ذكرها هي: رأى، خال، علم، وجد، ظن، حسب، زعم، عدَّ، حجا، درى، جعل، هبْ، تعلّم. فهذه ثلاث عشرة كلمة كلها من أفعال القلوب، لكن بالنسبة لمعانيها فمنها ما يفيد العلم، ومنها ما يفيد الظن، والذي يفيد الظن قد يفيد العلم أيضاً، والذي يفيد العلم قد يفيد الظن أيضاً، لكن يكون أرجح في الظن، أو أرجح في العلم، فتكون الأقسام أربعة: ما يفيد العلم يقيناً. وما يفيد الظن. وما يفيد الظن في الأصل، وقد يفيد العلم في الفرع. والعكس. قال ﵀: (والتي كصيرا أيضاً بها انصب مبتداً وخبرا) التي: مبتدأ. كصيرا: جار ومجرور، لكن (صيرا) فعل قصد لفظه، فلهذا دخلت عليه الكاف، أي: والتي كهذا الفعل، والجار والمجرور متعلق بمحذوف صلة الموصول. أيضاً: مصدر حذف منه العامل وجوباً، وهو من (آض) إذا رجع. بها: جار ومجرور متعلق بـ (انصب). انصب: فعل أمر، وفاعله مستتر وجوباً تقديره أنت. مبتداً: مفعول به. وخبراً: معطوف عليه، والجملة خبر التي. يقول المؤلف ﵀: والأفعال التي بمعنى (صيَّر) انصب بها مبتدأً وخبراً، فتنصب مفعولين عمدتين أصلهما المبتدأ والخبر. مثال ذلك: صيرت الحديد باباً، أي: حولته وجعلته. وتقول: اتخذت فلاناً صديقاً، أي: صيرت. وتقول أيضاً: رددت البياض سواداً، أي: صيرت. ومنه قول الشاعر: فرد شعورهن السود بيضاً ورد وجوههن البيض سودا الشاهد: قوله: (فرد شعورهن السود بيضاً) أي: صيرها بيضاً، (ورد وجوههن البيض سوداً) أي صيرها سوداً. ومنه قوله تعالى: ((واتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا))، فهذه الأفعال قد نصبت مبتدأً وخبراً. إذاً: كل فعل بمعنى (صير) دخل على مبتدأ وخبر فإنه ينصبه كظن وأخواتها، بل هو من أخوات ظن.

стр. 273

التعليق والإلغاء في عمل ظن قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وخص بالتعليق والإلغاء ما من قبل هب والأمر هب قد ألزما كذا تعلّم ولغير الماضِ من سواهما اجعل كل ما له زكن] قوله: (وخص): يجوز أن يكون فعل أمر، ويجوز أن يكون فعلاً ماضياً مبنياً لما لم يسم فاعله؛ لأن (خص) صالحة للصيغتين، كما تقول: (رد)، فهي صالحة لفعل الأمر، وصالحة للماضي الذي لم يسم فاعله. وإذا جعلنا (خص) فعل أمر، فالفاعل ضمير مستتر تقديره أنت، أما إذا جعلنا (خص) فعلاً ماضياً مبنياً لما لم يسم فاعله فنائب الفاعل قوله: (ما من قبل هب)، وعلى التقدير الأول تكون (ما) مفعولاً به. وقوله: (خص بالتعليق والإلغاء): الفرق بين التعليق والإلغاء: أن التعليق هو إبطال العمل لفظاً لا محلاً. وأما الإلغاء فهو أن يلغى العمل بهذه الأدوات لفظاً ومحلاً. ولهذا إذا جاء التعليق تقول: والجملة من كذا وكذا في محل نصب سدت مسد مفعولي ظن، فعلقت الأداة عن عملها باللفظ، لكنها عملت محلاً. أما الإلغاء فتلغيها بالكلية. فإذا قلت: ظننت أن النجمَ طالعٌ، فهذا تعليق. وإذا قلت: ظننت النجمُ طالعٌ، فهذا إلغاء. قوله: (ما من قبل هب): الذي قبل (هب) هو: رأى، خال، علم، وجد، ظن، حسب، زعم، عدَّ، حجا، درى، جعل، فهذه إحدى عشرة أداة يجوز فيها التعليق والإلغاء، وأما الذي بعد (هبْ) فلا يجوز فيه تعليق ولا إلغاء. إذاً: جميع أفعال التصيير لا يدخلها الإلغاء ولا التعليق؛ لأنها داخلة في مفهوم قوله: (ما من قبل هب).

стр. 274

تصريف ظن وأخواتها ثم ذكر المؤلف خصائص أخرى فقال: (والأمر هبْ قد ألزما كذا تعلم). هبْ: من أفعال القلوب لكنها ملازمة للأمر، أي: لا ترد إلا بصيغة الأمر، فلا ترد بصيغة المضارع ولا بصيغة الماضي، بل هي دائماً بصيغة الأمر. وقوله: (والأمرَ) مفعول مقدم لـ (ألزم). هبْ: مبتدأ. قد: حرف تحقيق. ألزم: فعل ماض مبني لما لم يسم فاعله، والجملة خبر (هب)، ونائب الفاعل هو في محل المفعول الأول، وتقدير الكلام على ترتيبه الطبيعي: وهبْ قد ألُزم الأمر، أي: أن (هب) لازم للأمر، فلا يأتي مضارعاً، ولا يأتي ماضياً، ولا يأتي اسم فاعل، ولا اسم مفعول، ولا غيرها من المشتقات. قوله: (كذا تعلَّم) أي: قد أُلزم الأمر، فلا يأتي مضارعاً، ولا يأتي ماضياً، ولا اسم فاعل، ولا اسم مفعول، ولا مصدراً. فصار عندنا أداتان لازمتان للأمر هما: هبْ، وتعلَّم. ثم قال: (ولغير الماضِ من سواهما اجعل كل ما له زكن) أي: لغير الماضي من سوى هبْ وتعلّم. وقوله: (ولغير الماضي) متعلق بـ (اجعل). كل: مفعول أول لـ (اجعل) و (اجعل) التي معنا من أفعال التصيير، يعني: صير ما سواهما لغير الماضي. وقوله: (لغير الماضي) السابق: مفعول ثان. ما: موصولة. له: جار ومجرور. زكن: فعل ماض مبني لما لم يسم فاعله، وله: متعلق به، والجملة صلة الموصول، وزكن بمعنى: علم. وقد أفادنا المؤلف ﵀ بهذا أن جميع أفعال القلوب وأفعال التصيير كلها تتصرف إلى المضارع والأمر واسم الفاعل واسم المفعول وغير ذلك، إلا صيغتان، وهما: هبْ وتعلَّم، فتقول في ظن: ظننت، وأظنُّ، وظُن، وأنا ظان، وزيد مظنون، وهكذا جميع الأفعال القلبية والتصييرية تتصرف إلا هبْ وتعلَّم، وما تصرف إليه فله حكم الماضي.

стр. 275

متى يجوز الإلغاء لعمل ظن وأخواتها قال المصنف رحمه الله تعالى: [وجوز الإلغاء لا في الابتدا وانوِ ضمير الشأن أو لام ابتدا في موهمِ إلغاء ما تقدما والتزم التعليق قبل نفي ما] لما ذكر ﵀ الأدوات التي يجوز فيها الإلغاء والتعليق، بين حكم الإلغاء وحكم التعليق، وما موضع الإلغاء وما موضع التعليق. قوله: وجوز: فعل أمر. الإلغاء: مفعول به. لا: نافية. في الابتداء: جار ومجرور متعلق بمحذوف تقديره: لا تجوزه في الابتداء، ويجوز أن يكون متعلقاً بيجوز. يقول ﵀: إنه يجوز الإلغاء، وهو إبطال العمل لفظاً ومحلاً، لكن استثنى ﵀ الابتداء فقال: (لا في الابتداء) أي: فلا تجوز الإلغاء، فإذا قال قائل: وهل هناك شيء غير الابتداء؟ قلنا: نعم، الأداة إما أن تكون في أول الجملة، أو في وسطها، أو في آخرها، فإذا وقعت الأداة في الابتداء فلا تجوز الإلغاء، مثل أن تقول: ظننت زيدٌ قائمٌ، فهذا ممنوع؛ لأن الأداة وقعت في الابتداء. وإن وقعت في الوسط جاز الوجهان: الإلغاء والإعمال، فتقول: زيداً ظننتُ قائماً، وتقول: زيدٌ ظننت قائمٌ. وإن وقعت الأداة في الأخير فكذلك يجوز الإلغاء، فتقول: زيدٌ قائمٌ ظننت، فصارت الأحوال ثلاثة: الحالة الأولى: أن تتقدم الأداة فيمتنع الإلغاء. الحالة الثانية: أن تتوسط الأداة فيجوز الوجهان على السواء. الحالة الثالثة: أن تتأخر الأداة فيجوز الوجهان والإلغاء أرجح؛ لضعفها بالتأخر. وقال الكوفيون: يجوز الإلغاء وإن كانت الأداة سابقة، فإذا قلت: ظننت زيدٌ قائمٌ، فهو جائز عند الكوفيين، ولا مانع منه عندهم، وقد ورد هذا في كلام العرب، وما كان أسهل فهو أرجح. وعلى هذا: فإذا قرأ أحد منكم الآن علي كتاباً وقال: وإن ظنّ المطرَ غزيراً فليحمد الله، فقال: وإن ظنّ المطرُ غزيرٌ فليحمد الله، فنقول: إذاً أنت كوفي، أما البصري فلا يجوز هذا، بل يقول: إذا كانت الأداة هي الأولى فلا يجوز الإلغاء. وأما ما ورد من كلام العرب ما يدل على الإلغاء مع تقدم الأداة فقد قال البصريون: إنه يؤول، ولا بأس بالتحريف في هذا الموضع، من أجل أن نصحح القاعدة. يقول ابن مالك: (وانو ضمير الشأن أو لام ابتدا في موهم إلغاء ما تقدما) (انو) بمعنى: قدر، والمعنى: إذا وجد من كلام العرب ما يقتضي إلغاءها مع التقدم فانو ضمير الشأن. مثاله قول الشاعر: كذاك أدبت حتى صار من خلقي أني وجدت ملاك الشيمة الأدبُ والأصل أن تقول: أني وجدت ملاكَ الشيمة الأدبا، لكنه عربي يقول: أني وجدتُ ملاكُ الشيمةِ الأدبُ، قالوا: إذاً لا نستطيع أن نقول للعربي: أخطأت؛ لأن العرب في النحو في منزلة الدليل في الأحكام الشرعية، فإذا جاء كلام العرب مخالفاً لعقولنا وما أصلناه وجب أن نحرف ونؤول، فنقول: نقدر أحد أمرين: إما ضمير الشأن، وإما لام الابتداء. فإذا قدرنا ضمير الشأن فإن الفعل عامل، فنقول: وجدت: فعل وفاعل، ومفعوله الأول ضمير الشأن محذوف، والتقدير: وجدته، أي: الحال والشأن. ملاك: مبتدأ. الأدب: خبر، والجملة من المبتدأ والخبر في محل نصب مفعول ثان. وإذا نوينا لام الابتداء صارت الأداة عاملة في المحل دون اللفظ، فنقول: أني وجدت لملاكُ الشيمة الأدبُ: وجدت: فعل وفاعل تنصب مفعولين. لملاك: اللام لام ابتداء. وملاك: مبتدأ. الأدب: خبر، واللام علقت عمل وجد، والجملة في محل نصب سدت مسد مفعولي وجد. لكن أصحابنا ذوي اليسر والسهولة -وهم الكوفيون- قالوا: لا بأس أن تلغى ولو تقدمت، فيجوز أن تقول: ظننت زيدٌ قائمٌ، وظننت: فعل وفاعل، والمقصود من ذلك: نسبة الظن إلى مدلول الخبر فقط، ولا حاجة أن نسلطه على الجملة، وأنا أقول: ظننت: فعل وفاعل، وزيد: مبتدأ، وقائم: خبر المبتدأ، ولا حاجة لإضمار لام الابتداء ولا لإضمار ضمير الشأن. وهذا أسهل وأيسر وليس ببعيد، كما لو سألك سائل فقال: أظننت زيداً قائماً؟ فقلت: ظننت، والمقصود: نسبة الظن إلى مدلول الخبر فقط. وقولهم هو الراجح عندنا، والقاعدة عندنا: أن كل قول أسهل فهو أرجح، أما عن كونه هو الصواب أو غير الصواب فهذا أمر آخر، لكن هو أرجح؛ لأنه لا يحتاج إلى تقدير ولا إلى أي عمل.

стр. 276

مواضع التعليق في عمل ظن وأخواتها قال رحمه الله تعالى: [والتزم التعليق قبل نفي ما وإن ولا لام ابتداء أو قسم كذا والاستفهام ذا له الختم] قوله: (والتزم التعليق) ذكرنا أن التعليق هو إبطال العمل لفظاً لا محلاً، وقوله: (التزم): فعل أمر، وفي الإلغاء قال: (جوز الإلغاء) وهذا هو الفرق الثاني بين التعليق والإلغاء. فبينهما فرق في حد ذاتهما، وبينهما فرق في عملهما، فالتعليق واجب، والإلغاء جائز. قوله: (التزم): فعل أمر. التعليق: مفعول به. قبل نفي: ظرف ومضاف إليه، وهو متعلق بالتزم، ونفي: مضاف، وما: مضاف إليه مبني على السكون في محل جر. وإن: الواو حرف عطف، إن: معطوفة على ما، أي: وقبل نفي إن. و (لا): معطوفة على ما، أي: وقبل نفي لا، فعلى هذا تكون (إن) معطوفة على (ما)، و (لا) معطوفة على (ما). لام ابتداء، لامُ: مبتدأ، وابتداء: مضاف إليه. أو قسم: معطوفة على (ابتداء)، أي: أو لام القسم. أي: إن لام الابتداء ولام القسم يجب فيهما التعليق. (الاستفهام): مبتدأ أول. ذا: مبتدأ ثان. له: جار ومجرور متعلق بانحتم. انحتم: جملة هي خبر المبتدأ الثاني، والجملة من المبتدأ والخبر خبر المبتدأ الأول. يقول المؤلف: التزم التعليق -وهو إبطال العمل لفظاً لا محلاً- قبل هذه الأمور وهي: نفي ما، ونفي إن، ونفي لا، ولام الابتداء، ولام القسم، والاستفهام. فالتعليق لازم في ستة مواضع: الموضع الأول: قبل نفي ما: أي: إذا اتصلت ما النافية بجزءي المبتدأ والخبر وجب التعليق، مثاله قوله تعالى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء:٦٥]). علمت: علم: فعل ماض تنصب مفعولين، المفعول الأول هو المبتدأ، والمفعول الثاني هو الخبر، والتاء فاعل. ما: نافية. هؤلاء: اسم (ما) لأنها حجازية. ينطقون: الجملة خبر (ما). ومعلوم أن جملة (ما هؤلاء ينطقون) جملة خبرية، لكن العامل تسلط عليها محلاً لا لفظاً، فنقول: جملة (ما هؤلاء ينطقون) في محل نصب سدت مسد مفعولي علم. مثال آخر: ظننت ما زيد قائم، أي: ظننت انتفاء قيام زيد. ظننت: فعل وفاعل. ما: نافية. زيد: مبتدأ. قائم: خبره. والجملة في محل نصب سدت مسد مفعولي ظن. الموضع الثاني: قبل نفي إن: كقوله تعالى: ﴿وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٥٢] أي: تظنون ما لبثتم إلا قليلاً، ومعلوم أن (تظنون) متصرف من (ظن)، فهو ينصب مفعولين، ولكن هذا الفعل معلَّق لدخول (إنْ) على جزءي الجملة الخبرية. الموضع الثالث: قبل نفي لا: تقول: علمت لا زيدٌ قائمٌ ولا عمروٌ، أو: لا زيدٌ قائمٌ ولا قاعدٌ. علمت: فعل وفاعل. لا: نافية. زيد: مبتدأ. قائم: خبر المبتدأ. ولا عمروٌ: الواو حرف عطف، ولا: نافية. وعمروٌ: مبتدأ، والخبر محذوف، والتقدير ولا عمرٌو قائم، وإن شئت فقل: إنه معطوف على (لا زيدٌ). والجملة في محل نصب سد مسد مفعولى علم. الموضع الرابع: لام الابتداء: أي: إذا اقترنت الجملة الخبرية الواقعة في سياق هذه الأفعال بلام الابتداء، فإن لام الابتداء توجب تعليق الفعل، تقول: علمت لزيدٌ منطلقٌ، ولا يصح أن تقول: علمت لزيداً منطلقاً. علمت: فعل وفاعل. لزيد: اللام لام الابتداء، وزيدٌ: مبتدأ. منطلقٌ: خبره، والجملة في محل نصب سدت مسد مفعولي علم. الموضع الخامس: لام القسم: كقول الشاعر: ولقد علمت لتأتين منيتي إن المنايا لا تطيش سهامها الشاهد: قوله: (لتأتين)، ولهذا لا يمكن أن نقول: إن جملة (تأتين) في محل نصب، أي: على أنها مفعول وأن الفعل سلط عليها، بل نقول: الجملة من الفعل والفاعل سدت مسد مفعولي ظن؛ لأنك لو قلت: إن الجملة في محل نصب احتجت إلى المفعول الثاني، ولكنه لا نحتاج إليه؛ لأن العمل الآن علق. الموضع السادس: الاستفهام: أيضاً إذا وقعت الجملة التي بعد هذه الأفعال استفهاماً فإنها تعلق، تقول: علمت أين زيد. علمت: فعل وفاعل. أين: اسم استفهام، وهي خبر مقدم. زيد: مبتدأ مؤخر، والجملة في محل نصب سدت مسد مفعولي علم. وكذلك لو قلت: علمت أزيدٌ عندك أم عمروٌ، فنقول: الهمزة: للاستفهام. زيد: مبتدأ. عندك: الظرف خبر. أم: حرف عطف. عمروٌ: معطوف على زيد، والجملة في محل نصب سدت مسد مفعولي علم. ومعنى الجملة: علمت أي الرجلين عندك.

стр. 277

شرح ألفية ابن مالك [٢٩] قد يأتي العِلْمُ بمعنى المعرفةِ والظنُّ بمعنى التهمةِ فحينئذ يتعديان إلى مفعول واحد، وأما (رأى) الحلمية فإنها تنصب مفعولين، وإذا دخلت الهمزة على (رأى وعلم) عدتهما إلى ثلاثة مفاعيل، ويشبههما في ذلك بعض الأفعال.

стр. 278

الكلام على (علم) بمعنى (عرف) و (ظن) بمعنى (اتهم) و (رأى) بمعنى (حلم) قال المصنف رحمه الله تعالى: [لعلم عرفان وظن تهمه تعدية لواحد لمتزمه ولرأى الرؤيا انم ما لعلما طالب مفعولين من قبل انتمى] قوله: (تعدية): مبتدأ، وهو نكرة، وسَوغَ الابتداء به وهو نكرة تأخيره. وقوله: (لعلم عرفان): هذا هو الخبر مقدماً. وقوله: (لواحد ملتزمه): أي: أنه يلتزم أن يتعدى لواحد لا لاثنين، بخلاف العلم الذي بمعنى الظن كما سبق. يقول ﵀: (لعلم عرفان) أي: العلم الذي بمعنى المعرفة ينصب مفعولاً واحداً، مثال ذلك: تقول: علمت زيداً، بمعنى: عرفت، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل:٧٨] أي: لا تعرفون شيئاً، ولهذا لم تنصب إلا مفعولاً واحداً. وبكلام ابن مالك ﵀ عرفنا أن العلم يأتي بمعنى المعرفة، وهو كذلك، لكن المعرفة تختص بالمحسوسات، وتكون بعد جهل، وتصلح للظن واليقين، ولهذا قال العلماء في العقيدة: لا يجوز أن يوصف الله بأنه عارف، ويجوز أن يوصف بأنه عالم؛ وذلك للفروق الثلاثة التي ذكرناها. فإن قال قائل: كيف تقول: إنه لا يجوز أن يوصف الله بأنه عارف مع أنه جاء في الحديث الصحيح: (تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة)؟ ف الجواب أن المعرفة هنا بمعنى العناية، أي: يعتني بك؛ وذلك لأنها لو كانت المعرفة هنا بمعنى العلم لكان الله يعلمه، سواء تعرف إليه أم لم يتعرف. وكذلك (ظن تهمه) أي: الظن الذي بمعنى التهمة، تقول: ظننت زيداً، أي: اتهمت، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ [التكوير:٢٤] أي: بمتهم. وبهذا نعرف أن (علم) تأتي بمعنى (عرف) فلا تنصب إلا مفعولاً واحداً، وأن (ظن) تأتي بمعنى (اتهم) فلا تنصب إلا مفعولاً واحداً. قال: (ولرأى الرؤيا انم ما لعلما طالب مفعولين من قبل انتمى) قوله: (لرأى الرؤيا) متعلق بقوله: (انم) أي: انصب. وقوله: (طالبَ مفعولين) حال من علم. قوله: (من قبلُ انتمى) أي: انتسب من قبل؛ لأنه ذكر علم العرفان، فاحتاج أن يقيد ما هنا بقوله: (من قبل) أي: (علم) الذي بمعنى الظن أو بمعنى اليقين، فهذه تنصب مفعولين، وكذلك (رأى) التي من الرؤيا في المنام تنصب مفعولين، قال الله تعالى في سورة يوسف: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف:٤]. وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ﴾ [يوسف:٤٣]، وتقول: رأيت في المنام رجلاً يأكل تمراً، هذه أيضاً حلمية. قوله: (طالب مفعولين من قبل انتمى) أي: أنها تنصب مفعولين أحدهما المبتدأ والخبر؛ لأنه أحالنا على المفعولين اللذين تنصبهما علم اليقينية والظنية.

стр. 279

حذف مفعولي ظن وأخواتها أو أحدهما قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولا تجز هنا بلا دليل سقوط مفعولين أو مفعول] قوله: (لا تجز هنا) أي: في باب ظن وأخواتها. لا: ناهية، ولهذا جزم الفعل بعدها. تجز: فعل مضارع مجزوم بالسكون، وأصله (تجيز) لكن حذفت الياء لالتقاء الساكنين، والقاعدة فيما إذا التقى ساكنان ما أشار إليه في الكافية حيث قال: إن ساكنان التقيا اكسر ما سبق وإن يكن ليناً فحذفه استحق فهنا، الزاي ساكنة للجزم والياء ساكنة فاحذف الياء؛ لأنها حرف لين. سقوط: مفعول به لتجز. وهو مضاف. مفعولين: مضاف إليه. أو مفعول: معطوف. يقول ﵀: لا تجز حذف المفعول الواحد أو المفعولين في باب ظن وأخواتها إلا بدليل، وهذا الحكم في الحقيقة فرد من أفراد القاعدة العامة وهي: (وحذف ما يعلم جائز). فإذا دل الدليل على الحذف جاز، كما إذا قال لك قائل: من ظننته قائماً؟ فقلت: ظننت زيداً، فحذفت المفعول الثاني (قائماً) فهو جائز. وكذلك إذا قال لك: ماذا تظن زيداً؟ فقلت: أظن قائماً، أي: أظن زيداً قائماً. وكذلك لو قال لك قائل: ماذا تعلم عن زيد أقائماً هو أم قاعداً؟ فتقول: أظن قائماً. فهنا حذف مفعول واحد. ومثال حذف المفعولين: لو قال: أتظن زيداً قائماً؟ فتقول: أظن، أي: أظن زيداً قائماً. والخلاصة: أنه يجوز حذف أحد المفعولين وحذف كلا المفعولين، كل ذلك بعد وجود الدليل، فإن لم يوجد دليل فإنه لا يجوز الحذف؛ لأنه إذا حذف بدون دليل حصل في الكلام التباس، ولم يفد الفائدة المطلوبة.

стр. 280

استعمال القول بمعنى الظن قال المصنف رحمه الله تعالى: [وكتظن اجعل تقول إن ولي مستفهماً به ولم ينفصل بغير ظرف او كظرف او عمل وإن ببعض ذي فصلت يحتمل وأُجري القول كظن مطلقا عند سليم نحو قل ذا مشفقا] يقول ﵀: (وكتظن اجعل تقول) أصل هذه المادة (تقول): أنها لا تنصب، وإنما يأتي مقولها جملة، ولهذا تكسر همزة (إنَّ) بعدها، كما قال تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم:٣٠] وتقول: قلت: زيدٌ قائم، ولا تقل: قلت: زيداً قائماً، فما دام المراد بها القول فإنها لا تنصب المفعولين، بل تنصب الجملة على أنها مقول القول، لكن قد تأتي بمعنى الظن، فإذا جاءت بمعنى الظن عملت عمل ظن، كما قال المؤلف: (وكتظن اجعل تقول). قوله: (كتظن): مفعول ثان مقدم لـ (اجعل). اجعل: فعل أمر ينصب مفعولين. تقول: المفعول الأول، والتقدير: اجعل تقول كتظن. (إن ولي مستفهماً به) إن: شرطية. ولي: فعل الشرط، وجواب الشرط قيل: إنه لا حاجة للجواب في مثل هذا الترتيب، وقيل: إن الجواب محذوف دل عليه ما قبله، أي: إن ولي مستفهماً به فاجعله كتقول. قوله: (ولم ينفصل بغير ظرف او كظرف او عمل): أي: لم ينفصل عما بعده بغير ظرف أو كظرف، فإن انفصل بظرف أو ما يشبه الظرف -وهو الجار والمجرور- فإن ذلك لا يؤثر؛ لأنهم يتوسعون في الظرف والجار والمجرور ما لا يتوسعون في غيرهما. (أو عمل) أي: عمل للمفعول الثاني فإنه لا يضر. قوله: (وإن ببعض ذي فصلت يحتمل) أي: فيبقى على عمله. وقوله: (إن ببعض ذي فصلت) الجملة هذه شرطية، وفعل الشرط (فصلت)، وجواب الشرط: (يحتمل). إذاً: قد تستعمل (تقول) كـ (تظن) ولكن بشروط: أولاً: أن يكون الفعل مضارعاً (تقول). ثانياً: أن يكون مضارعاً للمخاطب. ثالثاً: أن يقع بعد استفهام، فإن لم يقع بعد استفهام فإنه لا يعمل عمل (تظن). رابعاً: أن يكون متصلاً، أي: أن يكون المفعول متصلاً بـ (تقول)، فإن كان منفصلاً نظرنا: فإن كان بعمل أو ظرف أو جار ومجرور لم يبطل العمل، وإن كان بغيرها فإنه يبطل العمل. مثال ذلك: أتقول زيداً منطلقاً؟ بمعنى: أتظن زيداً منطلقاً؟ ولو أردت القول لكان صواب العبارة: أتقول زيدٌ منطلقٌ، لكنك تريد أن تسأله: هل يظن هذا أو لا؟ أمثلة للتوضيح: لو قيل: أتقول طعامَك زيداً آكلاً؟ فالعبارة صحيحة؛ لأن الفصل بين (تقول) ومفعوليها كان بمعمول للمفعول الثاني، والمؤلف يقول: (أو عمل) فإنه يحتمل ولا يبطل العمل، وعلى هذا فتقول: أتقول طعامَك زيداً آكلاً؟ أي: أتظن زيداً آكلاً طعامك؟ فالعبارة هنا سليمة؛ لأننا فصلنا بالعمل، والعمل ليس أجنبياً من العامل، فلهذا ساغ الفصل به. ولو قلت: أتقول في المسجد زيداً نائماً؟ فالعبارة صحيحة؛ لأن الفاصل جار ومجرور. ولو قلت: أتقول عندك عمراً جالساً؟ فالعبارة صحيحة؛ لأن الفاصل ظرف. ولو قلت: أتقول قدم زيدٌ عمراً قائماً؟ فلا يصح؛ لأن الفاصل أجنبي وليس بظرف ولا جار ومجرور. قوله: (إن ولي مستفهماً به ولم ينفصل)، نحن قلنا: من الشروط ألا ينفصل عن العامل، وكذلك الفصل بين الاستفهام والفعل: فلو قلت: أطعامَك تقول زيداً آكلاً، فالعبارة صحيحة؛ لأنه فصل بالمعمول. ولو قلت: أعندك تقول زيداً جالساً؟ فالعبارة صحيحة؛ لأنه فصل بظرف. ولو قلت: أفي البيت تقول زيداً جالساً؟ فالعبارة صحيحة؛ لأنه فصل بجار ومجرور. قال ﵀: (أجري القول كظن مطلقاً عند سليم نحو قل ذا مشفقا) قوله: (أجري القول كظن مطلقاً) أي: بدون شرط، فلا يشترط أن يتقدمه استفهام، ولا أن يكون بلفظ المضارع للمخاطب، بل بأي لفظ كان، فتقول: قلت زيداً منطلقاً، أي: ظننت، وتقول: قل ذا مشفقاً، أي: ظن ذا مشفقاً، وهذا في لغة سُليم. فهل نقول هنا: إننا نختار الأيسر الذي هو لغة سليم كما لو اختلف النحويون في مسألة فالقاعدة عندنا في باب النحو: أن نختار الأسهل، فهل هذه مثلها؟ نقول: ليست مثلها؛ لأن هذه لغة ولغة، فلغة سليم مستقلة ولغة البقية مستقلة، فلا يجوز أن نختار هذا على هذا، إلا إذا أردنا أن نختار لغة سليم فهذا لا بأس به، لكن من حيث النظر سنختار لغة الأكثر ونقول: إن القول لا يجرى كظن إلا بالشروط التي ذكرها المؤلف.

стр. 281

الكلام على أعلم وأرى

стр. 282

تعدية (علم ورأى) بالهمزة إلى ثلاثة مفاعيل قال المصنف رحمه الله تعالى: [أعلم وأرى: إلى ثلاثة رأى وعلما عدوا إذا صارا أرى وأعلما وما لمفعولي علمت مطلقا للثان والثالث أيضاً حققا وإن تعديا لواحد بلا همز فلاثنين به توصلا والثان منهما كثاني اثني كسا فهو به في كل حكم ذو ائتسا وكأرى السابق نبا أخبرا حدث أنبأ كذاك خبرا] قوله: (أعلم وأرى)، هذا عنوان باب، وهو في الحقيقة كالفصل لما سبق؛ لأنه متعلق به تعلقاً مباشراً، و (أعلم) أصلها: عَلِم، دخلت عليها همزة التعدية فصارت (أعلم)، تقول: علم زيدٌ عمراً قائماً، أي: علم زيد أن عمراً قائم، فإذا أدخلت عليها الهمزة قلت: أعلمَ الرجلُ زيداً عمراً قائماً، فـ (زيد) كان في الأول مرفوعاً، وصار الآن منصوباً لدخول همزة التعدية، ولهذا قال: (إلى ثلاثة رأى وعلما عدوا إذا صارا أرى وأعلما) قوله: (إلى ثلاثة): جار ومجرور متعلق بـ (عدوا). رأى: مفعول (عدوا)، فإذا قال قائل: كيف تكون مفعولاً وهي فعل؟ قلنا المقصود اللفظ. وعلما: الواو حرف عطف، علما: معطوف على ما قبله. (إذا صارا) أي: رأى وعلم (أرى وأعلما)، فإذا صارا أرى وأعلما تعديا إلى ثلاثة. وقوله: (عدوا) يحتمل أن يكون المراد النحويين، ويحتمل أن يكون المراد العرب، والأولى هنا العرب؛ لأن الحديث عن لسانهم. مثاله: علم زيدٌ عمراً قائماً، نقول في الإعراب: علم: فعل ماض. زيدٌ: فاعل. عمراً: مفعول أول. قائماً: مفعول ثان. وإذا قلنا: أعلمت زيداً عمراً قائماً، تعدت إلى ثلاثة مفاعيل، فصار الفاعل أولاً مفعولاً من أجل التعدية. وأرى كذلك، تقول: رأى زيدٌ عمراً قائماً، أي: علمه، وليس المقصود أبصره بعينه، كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج:٦ - ٧]. فإذا أردت أن أعديه إلى ثلاثة أقول: أريت زيداً عمراً قائماً، أي: أعلمته، فنجد الآن أنها تعدت إلى ثلاثة مفاعيل.

стр. 283

ما ثبت لمفعولي (علم) يثبت للثاني والثالث من مفاعيل أعلم وأرى وحكم هذه المفاعيل الثلاثة بينه ﵀ بقوله: (وما لمفعولي علمت مطلقا للثان والثالث أيضاً حققا) ما: مبتدأ لأنها اسم موصول، والتقدير والذي لمفعولي علمت مطلقاً. وجملة (حققا) خبر لاسم الموصول (ما)، أي: أن ما ثبت لمفعولي (علم) في جميع الأحوال يثبت للمفعول الثاني والثالث لـ (أرى وأعلم). وقد سبق أن لها أحكاماً منها: الإلغاء والتعليق، فيثبت هنا للثاني والثالث كما ثبت لمفعولي (علم). أما الأول فلا يثبت له أحكام مفعولي ظن وأخواتها، وذلك لأن الأول ليس عمدة بخلاف الثاني والثالث فإن أصلهما المبتدأ والخبر.

стр. 284

ما يتعدى لواحد من الأفعال يتعدى لاثنين بالهمزة ويثبت لثانيهما ما يثبت للثاني من مفعولي كسا قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وإن تعديا لواحد بلا همز فلاثنين به توصلا) قوله: (إن تعديا) الضمير يعود على (علم ورأى). (لواحد بلا همز) وذلك كعلم التي بمعنى (عرف)، تقول: علمت زيداً أي: عرفته، فهنا تعدى لواحد، فإذا تعديا لواحد فدخلت عليهما الهمزة تعديا لاثنين؛ لأن هذه الهمزة تسمى همزة التعدية، حيث إنها تعدي الفعل إلى ما لم يتعد إليه من قبل. تقول: رأى زيدٌ عمراً، هذه الرؤية بصرية، وهي تنصب مفعولاً واحداً، فإذا قلت: أريت زيداً عمراً، أي: جعلته ينظر إليه، نصبت مفعولين؛ لأنها كانت قبل الهمزة تنصب مفعولاً واحداً، فعندما دخلت عليها الهمزة نصبت مفعولين. يقول ﵀: (والثان منهما كثاني اثني كسا فهو به كل حكم ذو ائتسا). قوله: (والثان منهما) أي: الثاني من المفعولين فيما إذا تعديا إليه بالهمز، (كثاني اثني كسا)، وثاني اثني (كسا) ليس عمدة ويجوز حذفه بكسرة، ولهذا قال: (فهو به في كل حكم ذو ائتسا). والفعل (كسا) ينصب مفعولين، لكن ليس أصلهما المبتدأ والخبر، ولهذا لا يصح أن يخبر بالثاني عن الأول، مثاله: كسوت زيداً جبةً، فهنا نصبت مفعولين، لكن هذين المفعولين ليسا بعمدة، ولهذا لو حذفت الثاني فقلت: كسوت زيداً، لصح، ولو حذفت الأول فقلت: كسوت جبة، لصح الكلام، ولو حذفتهما جميعاً فقلت: اليوم كسوت، لصح أيضاً؛ لأنهما ليسا بعمدة. وعلامة ما يكونان عمدة: أن يصح الخبر بالثاني عن الأول، ومن المعلوم أنه لا يصح أن تخبر عن زيد بالجبة، فلا تقل: زيد جبة. قوله: (فهو به في كل حكم ذو ائتسا) هذا الشطر تكميل لمضمون الشطر الأول؛ إذ إن الأول يغني عنه، فلو قال: والثاني منهما كثاني اثني كسا، لكان العموم يقتضي أن يكون مساوياً له في كل حكم، لكنه أكد ذلك في قوله: (فهو به في كل حكم ذو ائتسا).

стр. 285

الأفعال التي تعمل عمل (أرى) قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وكأرى السابق نبا أخبرا حدث أنبأ كذاك خبرا) ذكر المؤلف خمسة أفعال كأرى، وهي: نبّأ، أخبر، حدث، أنبأ، خبَّر. وقوله: (كأرى السابق) أي: الذي يتعدى إلى ثلاثة مفاعيل، فتقول: أخبرت زيداً عمراً قائماً، فهنا نصبت ثلاثة: الأول فضلة، والثاني والثالث عمدة. وتقول: حدثت زيداً عمراً قادماً، الأول فضلة والثاني والثالث عمدة. وتقول: أنبأت زيداً عمراً مجتهداً، خبرت زيداً عمراً فاهماً، ونبأ مثل أنبأ، فهذه الأفعال الخمسة تنصب ثلاثة مفاعيل: الأول منها فضلة والثاني والثالث عمدة. ولو قلت: أخبرت زيداً، دون أن تريد أنك أخبرته بشيء، فلا تنصب ثلاثة مفاعيل، وكذلك: رأيت زيداً، لا تنصب ثلاثة مفاعيل، فهي كما سبق في رأى. يقول في الشرح: وهذه الخمسة لا تتعدى إلى ثلاثة مفاعيل مصرحاً بها وإلا وهي مبنية للمفعول، كقوله: نبئت زرعة والسفاهة كاسمها يهدي إلي غرائب الأشعار نكمل الإعراب: قوله: (وإن تعديا لواحد): هذه جملة شرطية. تعديا: فعل الشرط، وجواب الشرط: (فلاثنين به توصلا)، والجواب كلمة (توصل)؛ لأن قوله: (لاثنين) متعلق بتوصل. قوله: (بلا همز) بلا جارٌ ومجرور، ومعلوم أن الباء حرف جر، و (لا) حرف، وحرف الجر لا يدخل إلا على اسم، فقال بعضهم: إن (لا) هنا بمعنى (غير)، أي: بغير همز، ونقلت حركة إعرابها لما بعدها لتعذر ظهور الحركة عليها، وعليه فنقول: الباء حرف جر، ولا: اسم بمعنى (غير) مجرور بالباء، ونقلت حركة إعرابه إلى ما بعده لتعذر ظهور الحركة عليه. وقوله: (والثان منهما كثاني اثني كسا): الثاني: مبتدأ، والخبر: كثاني. اثني كسا: اثني: مضاف، وكسا: مضاف إليه. وقوله: (فهو به في كل حكم ذو ائتسا) نقول: الجملة خبرية، فالضمير (هو) مبتدأ، (ذو ائتسا) خبر المبتدأ. قوله: (وكأرى السابق نبا أخبرا). كأرى: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم. السابق: صفة له. نبا: مبتدأ، وأعربناه بأنه مبتدأ مع أنه فعل لأن المقصود لفظه. أخبرا: معطوف على (نبأ) بحذف حرف العطف من أجل النظم. حدث أنبأ: مثلها معطوفة لكن بحذف حرف العطف لأجل النظم. كذاك: خبر مقدم. خبرا: مبتدأ مؤخر، والمقصود لفظه.
следующие страницы →