Полный текст (761 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
أنواع المفعول المطلق
قال المصنف رحمه الله تعالى: [توكيداً او نوعاً يبين أو عدد كسرت سيرتين سير ذي رشد] قوله: (توكيداً): مفعول مقدم لقوله: (يبين)، يعني: يوضح.
أو نوعاً: معطوف على (توكيداً).
أو عدد: أو: حرف عطف، عدد: معطوف على توكيداً، أي: أو يبين عدداً.
وهنا قال المؤلف: عدد، والمعروف أنه إذا وقف على المنصوب يوقف عليه بالألف، فإما أن نقول: إنه سكن لأجل الروي، وإما أن نقول: إنه على لغة ربيعة الذين يقفون على المنصوب بالسكون.
إذاً: القاعدة العامة من هذا الشطر: أن المصدر يأتي لأغراض منها: التوكيد، ومنها: بيان النوع، ومنها: بيان العدد، وقد ضرب لذلك المؤلف فقال: (كسرت سيرتين) فهنا المصدر مبين للعدد، (سير ذي رشد) مبين للنوع؛ لأنه بين لنا أن سيره سير ذي رشد، ومعناه: حسن التصرف.
وتقول أيضاً: واجهته مواجهة المقصر، (مواجهة) مصدر مبين للنوع.
وثب وثوب الأسد، هذا أيضاً مبين للنوع.
والتوكيد مثل قولك: ضربت ضرباً، ومثل قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤].
وفائدة المبين للعدد أنه يبين العدد، والمبين للنوع فائدته وأنه يبين نوع المصدر، لكن ما فائدة المؤكد؟ إذا قلت: كلمته تكليماً، فما الفائدة من كلمة (تكليماً)؟ يقولون: فائدته: انتفاء احتمال المجاز، فقولك كلمته تكليماً، مثل ما لو قلت: كلمته أنا، أي: لا ريب.
إذاً: نستطيع من هذا أن نقول: من يقول: إن الله كلم موسى تكليماً، أي: جرحه بمخالب الحكمة، فكلامه ساقط؛ لأنه أكد الكلام بقوله: (تكليماً)، وهذا لا يكون إلا في الكلام المسموع حقيقة.
стр. 352
ما ينوب عن المصدر
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقد ينوب عنه ما عليه دل كجد كل الجد وافرح الجذل] قوله: (وقد ينوب عنه) أي: عن المصدر، وكلمة (قد) للتحقيق.
إذاً: قد ينوب عن المصدر ما دل عليه، مثل: جد كل الجد، أي: اجتهد كلّ الاجتهاد، كل: مفعول مطلق، والجد هو المصدر، لكن (كل) دلت عليه، فعلى هذا إذا أردنا أن نعرب نقول: جد: فعل أمر، وفاعله مستتر فيه وجوباً تقديره أنت.
كل: مفعول مطلق -ولا نقول: مصدر؛ لأن المصدر هو الجد- فكل مفعول مطلق منصوب على المفعولية المطلقة، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة في آخره، وكل مضاف والجد مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة في آخره.
قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ﴾ [الحاقة:٤٤]، (بعض) هنا يصلح أن تكون مفعولاً مطلقاً وأن تكون مفعولاً به؛ لأن الفعل واقع عليها، فإذا قلت: أكرمه بعض الإكرام، فإنها مفعول مطلق؛ لأنها أضيفت إلى المصدر.
وكذلك: تجلده أشد الجلد، أيضاً مفعول مطلق.
إذاً: كل ما كان منصوباً مضافاً إلى مصدر الفعل فهو مفعول مطلق.
قال: (وافرح الجذل) افرح: فعل أمر مبني على السكون، وفاعله مستتر وجوباً تقديره أنت.
الجذل: مصدر، لكنه ليس من لفظ الفعل، بل هو من معناه؛ لأن الجذل هو الفرح، ولو قال: افرح الفرح، لصار مصدراً، لكنه قال: افرح الجذل، فالجذل إذاً مصدر من معنى الفعل وليس من لفظه، فنعربها بأنها: مفعول مطلق، ولا نقول إنها مصدر.
ومثله أيضاً: قم وقوفاً، قم: فعل أمر، وقوفاً: مفعول مطلق، ولا نقول: مصدر؛ لأن (وقوفاً) ليست مصدراً لقم من لفظه، لكن هذا مصدر له من معناه.
ومثله: اجلس قعوداً، تقول: اجلس: فعل أمر، قعوداً: مفعول مطلق منصوب بالفتحة الظاهرة في آخره.
إذاً: القاعدة: أن ما أضيف إلى المصدر فهو نائب عنه، ويسمى مفعولاً مطلقاً، وما جاء بمعنى الفعل لا بلفظه فهو نائب عن المصدر، ويعرب بأنه مفعول مطلق.
стр. 353
إفراد المصدر وتثنيته وجمعه
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وما لتوكيد فوحد أبدا وثن واجمع غيره وأفردا] قوله: (وما لتوكيد) أي: المصدر الذي يراد به توكيد عامله يكون مفرداً، لا مثنى ولا جمعاً، مثل قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤] (تكليماً) هذه يقصد بها التوكيد.
فالذي يراد للتوكيد لا يجوز أن تثنيه ولا يجوز أن تجمعه؛ لأنك لو ثنيته أو جمعته فمعناه: أنك أردت أن تدل به على معنى آخر غير التوكيد، وهو العدد، إذا قلت: حضرت حضوراً، فالمقصود بالمصدر هنا التوكيد، فلا يمكن أن تثنيه ولا تجمعه؛ لأنك إن ثنيته أو جمعته صار دالاً على غير التوكيد، بل على العدد، ولهذا قال: (وثن واجمع غيره وأفردا) أي: غير الذي للتوكيد يجوز تثنيته وجمعه وإفراده، والذي لغير التوكيد هو المبين للعدد والنوع.
وكلام المؤلف يشمل أن ما أريد به العدد وما أريد به النوع فإنه يجوز أن يثنى ويجمع ويفرد، فتقول فيما يراد به النوع: سرت سيري زيد السريع والبطيء، وتقول مثلاً: نظرت إليه نظرتي غضب وسرور، فهذا مثنى وهو مبين للنوع، فواحدة من النظرات غضب، والأخرى سرور، وكذلك: سرت سيري زيد البطيء والسريع، واحد نوعه بطيء، والآخر نوعه السرعة.
وكذلك أيضاً ما قصد به العدد، مثل: ضربته ضربة، أي: واحدة، وضربتين، وثلاث ضربات، ومائة ضربة.
قوله: (وما لتوكيد فوحد أبداً): ما: مفعول مقدم لوحد، والفاء: هنا إما أن تكون عاطفة أو مزينة؛ لأنها أحياناً تدخل على الكلمة لتزيين اللفظ مثل قول: (فقط).
أبداً: يعني في جميع الأحوال.
(وثن واجمع غيره وأفردا) أي: غير ما للتوكيد وهو ما كان لبيان النوع وبيان العدد فإنه يجوز تثنيته وجمعه وإفراده.
стр. 354
حذف عامل المصدر
قال المصنف رحمه الله تعالى: [المفعول المطلق.
المصدر اسم ما سوى الزمان من مدلولي الفعل كأمن من أمن] المفاعيل إما مقيدة وإما مطلقة، فالمقيدة تكون مقيدة بالباء، وباللام وبـ (في) وبالواو، والمفاعيل خمسة مجموعة في هذا البيت: ضربت ضرباً أبا عمرو غداة أتى وجئت والنيل خوفاً من عقابك لي هنا يقول المؤلف: المفعول المطلق، أي: الذي لم يقيد، فما قيل: به، أو فيه، أو له.
والعنوان أعم من الأبيات من وجه وأخص من وجه؛ لأنه تكلم عن المصدر، فعندنا مصدر مفعول مطلق.
والمصدر أعم من المفعول المطلق من وجه، والمفعول المطلق أعم من المصدر من وجه آخر: فإذا قلت: وقوفك طويل، (وقوف) هذه مصدر، لكنها ليست مفعولاً مطلقاً، وكذلك: يعجبني قيامك، (قيام) مصدر، ولكنها فاعل.
أما: فرحت كل الفرح، فـ (كل) مفعول مطلق وليست بمصدر.
إذاً: المفعول المطلق والمصدر بينهما عموم وخصوص: فالمصدر أعم من وجه، والمفعول المطلق أعم من وجه.
والمفعول المطلق لا يكون إلا منصوباً، ولكن قد يكون مصدراً، وقد يكون نائباً لهذا المصدر، والمصدر قد يكون منصوباً، وقد يكون غير منصوب.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [المصدر اسم ما سوى الزمان من مدلولي الفعل كأمن من أمن] فإذا قلت: يجلس، فهذه لها مدلولان: فقد دلت على الحدث الذي هو الجلوس، وعلى زمن المستقبل، وعلى هذا فقس.
وقوله: (اسم ما سوى الزمان) ما سوى الزمان هو الحدث.
مثاله: (كأمن من أمن)، أمْن: هو المصدر، قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ﴾ [الأنعام:٨٢] فـ (الأمن) مصدر: أَمِن، لكنه هنا مرفوع؛ لأنا مبتدأ مؤخر.
والحاصل: أن المصدر هو الحدث الذي دل عليه الفعل، فهو اسم لأحد مدلولي الفعل وهو الحدث، هذا تفسير ابن مالك.
وبتفسير أوضح نقول: المصدر -كما قال صاحب الآجرومية- هو الذي يجيء ثالثاً في تصريف الفعل، تقول: قام يقوم قياماً، جلس يجلس جلوساً، صعد يصعد صعوداً، ونحو ذلك.
стр. 355
حكم حذف عامل المصدر المؤكد
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وحذف عامل المؤكد امتنع وفي سواه لدليل متسع] قوله: (حذف): مبتدأ، وخبره: (امتنع).
في سواه: جار ومجرور خبر مقدم.
متسع: مبتدأ مؤخر.
يقول المؤلف: إن المصدر المؤكد لا يجوز حذف عامله؛ لأننا نسميه مصدراً مؤكداً، فكيف يوجد المؤكِّد ولا يوجد المؤكَّد؛ لأنه لا تأكيد إلا بوجود مؤكَّد ومؤكِّد، فالذي قصد فيه التأكيد لا يمكن يحذف عامله؛ لأن المقصود بالتأكيد تقوية العامل، فإذا كان العامل غير موجود فأين التوكيد؟ تقول: ضربت زيداً ضرباً، فلو قلت مثلاً: زيداً ضرباً، لا يجوز؛ لأنه ما دمت تريد أن تؤكد العامل فإنه لا بد أن يوجد العامل حتى يحصل التوكيد، وإلا لحصلت المنافاة؛ إذ إن المحذوف لا وجود له حتى يقال: إنه مؤكَّد.
إذاً: القاعدة: أن المصدر الذي يراد به التأكيد لا يجوز حذف عامله.
قوله: (وفي سواه).
وهو المبين للنوع والعدد، فالمبين للنوع كما لو سألك سائل: كيف سرت؟ فتقول: سيراً بطيئاً، فإنه يجوز؛ لأن المقصود أن تبين النوع، فسواء ذكرت العامل أو حذفته؛ لأن حذفه هنا لدليل دل عليه، وهو قولنا: كيف سرت؟ ومثله: أيضاً: كيف كان سيرك؟ تقول: سير ذي رشد، أو سير إنسان أحمد، أي: سرت سير ذي رشد.
كذلك المبين للعدد، مثل: كم ضربت غلاماً؟ تقول: ضربتين، فهنا حذفنا العامل، وأصله: ضربته ضربتين، فهنا يجوز أن تحذف العامل، ولا حاجة لذكره؛ لأنه ليس المقصود من المصدر التوكيد بل بيان العدد.
فإذا كان المقصود بيان النوع أو بيان العدد فإنه يجوز أن يحذف العامل، ولكن لدليل، ولهذا قيده المؤلف فقال: (وفي سواه لدليل متسع)، أما إذا لم يدل عليه دليل فإنه لا يجوز أن يحذف.
إذاً: القاعدة في الشطر الأخير: يجوز حذف عامل المصدر الذي يراد به بيان النوع أو العدد لدليل.
ثم إن المؤلف بعد هذا البيت الذي فيه الاتساع والسهولة ذكر ستة أبيات كلها فيها وجوب حذف العامل.
стр. 356
حذف عامل المصدر إذا كان نائباً عن فعل الأمر
قال المصنف رحمه الله تعالى: [والحذف حتم مع آت بدلا من فعله كندلاً اللذ كاندلا] قوله: (الحذف): مبتدأ.
حتم: خبر المبتدأ، أي: واجب ولازم.
(مع آت بدلاً من فعله) أي: مع مصدر آت بدلاً من فعله.
بدلاً: حال من الضمير المستتر في (آت).
وقوله: (من فعله) أي: من عامله، ومعناه: إذا جعل المصدر نائباً عن الفعل فإنه يحذف الفعل؛ لأنه لا يجتمع النائب والمنوب عنه، والتصرف لا يكون إلا لواحد إما الوكيل أو الموكل، أما أن تجمع الوكيل والموكل فلا يمكن، فإذا ناب المصدر عن فعله فإنه يحذف وجوباً، ولكن لا ينوب المصدر عن فعله دائماً؛ بل في المثال المقيد: (كندلاً اللذ كاندلا).
وقوله: (كندلاً) الكاف: حرف جر، وندلاً: اسم مجرور بالكاف، وهو الآن منصوب، نقول: الآن لم يسلط الحرف على (ندلاً)، وإنما يجوز في إعرابه وجهان، الوجه الأول: أن تكون الكاف داخلة على مجرور مقدر، والتقدير: كقولك (ندلاً).
والثاني: أن تكون داخلة على الجملة، فهو يشير إلى بيت معروف، وهو قول الشاعر: يمرون بالدهنا خفافاً عيابهم ويرجعن من دارين بجر الحقائب على حين ألهى الناس جل أمورهم فندلاً زريق المال ندل الثعالب هذا شاعر يهجو لصوصاً يسرقون من الأحساء من دارين، فيمرون بالدهناء، والدهناء موضع معروف.
فيمرون خفافاً عيابهم ليس فيها شيء من المتاع، فإذا وصلوا إلى دارين وسرقوا من متاعها (يرجعن بجر الحقائب) أي: مملوءة، (على حين ألهى الناس جل أمورهم) فيأتون على حين غفلة من الناس.
(فندلاً زريق المال) الندل معناه: خطف الشيء بسرعة، يقول: ينادي صاحبه: اخطف خطفاً سريعاً، وكن خفيف اليد سريع الروغان كالثعلب.
فالمهم: أن قوله: (ندلاً) مصدر ناب عن الفعل، ولهذا يقول ابن مالك ﵀: (كندلاً اللذ كاندلا) اللذ: لغة في (الذي) أي: كندلاً الذي كاندلا، وكلمة (اندل): فعل أمر، أي: اخطف بسرعة، فإذا جاءت (ندلاً) بمعنى (اندل) وجب حذف عاملها؛ لأنها نابت مناب الفعل الذي هو فعل الأمر.
وعليه نقول في إعراب (فندلاً زريق المال ندل الثعالب): ندلاً: مصدر نائب مناب فعل الأمر منصوب بفعله المحذوف، والتقدير: اندل ندلاً.
زريق: منادى حذفت منه ياء النداء، والأصل: يا زريق، وزريق اسم رجل.
المال: مفعول (ندلاً) لأن (ندلاً) نابت مناب (اندل).
وندل: مصدر مبين للنوع.
إذاً: لو قال قائل: أنا أريد أن أقول: فاندل ندلاً زريق المال ندل الثعالب، نقول: لا يجوز.
ولو قلت: ضرباً المهمل، وأنا أريد أن آمر بأن تضربه، فلا يجوز أن أقول: اضرب ضرباً المهمل؛ لأن المصدر نائب عن فعل الأمر، ولا يجتمع النائب والمنوب عنه، أما إذا لم يكن فعل أمر مثل: ضربت ضرباً المهمل، فيجوز ذكر الفعل.
فالقاعدة إذاً: يجب حذف عامل المصدر إذا ناب عن فعل الأمر، فيشترط أن يكون فعل أمر، وقد أخذنا هذا من التمثيل بقوله: (كندلاً اللذ كاندلا)، فهذا أحد المواضع التي يجب فيها حذف عامل المصدر.
стр. 357
وجوب حذف عامل المصدر إذا جاء المصدر مفصلاً
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وما لتفصيل كإما منا عامله يحذف حيث عنا] قوله: (وما لتفصيل) ما: مبتدأ، أي: والذي، والمراد به المصدر الذي جاء مفصلاً.
وقوله: (عامله يحذف) عامل: مبتدأ ثان، ويحذف: خبر المبتدأ الثاني، والجملة من المبتدأ والخبر في محل رفع خبر المبتدأ الأول.
فعندنا الآن مبتدآن.
وقوله: (حيث عنا) أي: حيث عرض، تقول: عنَّ لي كذا، أي: عرض لي.
معنى البيت: إذا جاء المصدر مفصلاً فإنه يجب حذف عامله.
وقد جمع المؤلف ﵀ بين الحكم والمثال، فالمثال قوله: (كإما منا)، يشير إلى قوله تعالى: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد:٤]، التفصيل: ((فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً)) أي: إما تمنون مناً، وإما تفدون فداء.
وتقول مثلاً: إذا لقيت زيداً فإما ضرباً أو إكراماً، أي: إما أضربه ضرباً أو أكرمه إكراماً، فإن كان قد أهمل وفرط في الواجب فجزاؤه الضرب، وإن كان قد قام بالواجب فجزاؤه الإكرام.
وتقول مثلاً: سأغوص في البحر فإما غنماً وإما إفلاساً.
فيجب حذف عامله؛ لأنه للتفصيل.
إذاً: كلما وجد تفصيل في مصدر فإنه يجب حذف عامله.
стр. 358
وجوب حذف عامل المصدر إذا تكرر المصدر أو حصر وجاء نائباً عن فعل مستند إلى اسم عين
قال المصنف رحمه الله تعالى: [كذا مكرر وذو حصر ورد نائب فعل لاسم عين استند] قوله: (كذا مكرر) أي: كذا مصدر مكرر (وذو حصر ورد نائب فعل لاسم عين استند).
إذاً: عندنا أمور: الأول: (كذا مكرر).
الثاني: (وذو حصر ورد) أي: وردا جميعاً، وهنا كان على المؤلف أن يقول: وردا، لكن منعه من ذلك الروي، (ورد نائب فعل) أي: قام مقام هذا الفعل (لاسم عين استند) أي: استند هذا الفعل لاسم عين، أي: لشخص، وضد العين هو المعنى، أي: أنه إذا تقدم اسم معنى وجاء بعده مصدر نائب عن فعل مكرر أو محصور فإنه يجب حذف عامله.
مثاله: زيد سيراً سيراً.
فزيد: اسم عين، وسيراً سيراً مصدر مكرر عامله خبر لزيد، أي: استند إلى اسم عين، وأصله: زيد يسير سيراً، فلما كرر المصدر فإنه لو جمعنا بين المكرر وعامله صار في الكلام ثقل، فلهذا وجب حذف العامل، فنقول: زيد سيراً سيراً.
ومثله: زيد سيراً سيراً سيراً.
ومثله قولك لإنسان عنده كثرة في الكلام: أنت هذراً هذراً هذراً، أي: تتكلم كلاماً كثيراً.
فعلى كل حال: إذا جاء مصدر مكرر نائب عن فعل مخبر به عن اسم عين، فإنه يتعين حذف العامل.
وقوله: (اسم عين) لو أنه استند إلى اسم معنى، كما لو قلت: شأنك ضرباً ضرباً، أي: شأنك تضرب ضرباً ضرباً، فهنا يجوز أن تذكر الفعل؛ لأنه ليس خبراً عن اسم عين؛ إذ إن الشأن معنى من المعاني أو حال من الأحوال، فلا يجب حذفه.
الأمر الثاني قال: (وذو حصر) من المعلوم أن الحصر يكون بطرق، أشهرها وأكثرها: النفي والإثبات، و (إنما)، وكذلك إذا تقدم ما حقه التأخير فهو دال على الحصر، ومنها: إذا اقترن بضمير فصل فهو دال على الحصر.
تقول مثلاً: ما زيد إلا سيراً، والتقدير: إلا يسير سيراً.
ما زيد إلا انطلاقاً، أي: إلا ينطلق انطلاقاً، فهنا الحصر بالنفي والإثبات.
وتقول في (إنما): إنما زيد مشياً، أي: يمشي مشياً، فهنا حصر بـ (إنما).
إذاً: هذا البيت معناه: أنه إذا جاء المصدر نائباً عن فعل مخبر به عن اسم عين وهو مكرر أو محصور فيه، فإنه يتعين حذف عامله.
стр. 359
وجوب حذف عامل المصدر المؤكد لنفسه والمؤكد لغيره
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ومنه ما يدعونه مؤكدا لنفسه أو غيره فالمبتدا نحو له علي ألف عرفا والثان كابني أنت حقاً صرفا] قوله: (ومنه) أي: من المصادر التي يجب حذف عاملها (ما يدعونه مؤكداً لنفسه أو) مؤكداً (لغيره)، وهو ما وقع بعد جملة يؤكدها.
فإن كانت الجملة لا تحتمل سواه سمي مؤكداً لنفسه، وإن كانت الجملة تحتمله وغيره سمي مؤكداً لغيره، وهذا معنى قوله: (ما يدعونه مؤكداً لنفسه أو غيره).
فالمؤكد هو الذي يأتي بعد جملة هي بمعناه، ثم إن كانت لا تحتمل غيره سمي مؤكداً لنفسه؛ لأنه مؤكد للجملة قبله، وهي نفس المصدر، وإن كانت تحتمله وغيره صار مؤكداً لغيره، ومعنى أنه مؤكد لغيره: أنه مانع غيره أن تكون الجملة بمعناه.
وقد ضرب المؤلف لكل واحد مثالاً فقال: (نحو له علي ألف عرفاً) فقوله: (عرفاً) اسم مصدر بمعنى: اعترافاً، أي: له علي ألف اعترافاً.
وهذا اعتراف صريح واضح، وعليه نقول: (عرفاً) مصدر مؤكد لنفسه؛ لأنه مؤكد لجملة بمعناه لا تحتمل غيره، والفعل محذوف، والتقدير: أعترف بذلك اعترافاً، وقد حذفنا الفعل لأن الجملة بمعناه، فالفعل هو: (أعترف)، والجملة: (له علي ألف).
ولهذا نقول: لقد حذف العامل الذي هو ناصب المصدر لأن الجملة بمعناه تماماً، فلا حاجة إلى ذكره.
إعراب المثال: له: جار ومجرور خبر مقدم.
علي: جار ومجرور في موضع نصب على الحال من (ألف)، و (ألف) نكرة، ولو تأخرت (علي) عن (ألف) لصارت نعتاً لها: له ألف علي، لكن إذا تقدم النعت على النكرة جعل حالاً.
ألف: مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة.
عرفاً: مفعول مطلق منصوب على المفعولية المطلقة، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره، وهو مؤكَّد للجملة السابقة، وعامله محذوف وجوباً.
قوله: (والثان كابني أنت حقاً صرفاً) هذا مثال للمؤكد لغيره.
قوله: (ابني أنت) يمكن أن يكون ابنه حقيقة ويمكن أن يكون ابنه غير حقيقة، أي: أنت بمنزلة ابني، فقال له: ابني، من باب الاحترام والتكريم، فلما قال: (حقاً) أكد أنه ابنه حقيقة، لكن هل الجملة التي قبله بمعناه؟ ليست بمعناه؛ لأنها تحتمل أنه ابنه حقاً، أو ابنه مجازاً؛ ولهذا يسمون هذا المصدر: مؤكداً لغيره، وتقدير الكلام: أحق ذلك حقاً، وحقاً: مصدر عامله محذوف وجوباً تقديره: أحق، أي: أثبت ذلك إثباتاً.
وإعراب المثال: ابني: خبر مقدم.
أنت: مبتدأ مؤخر، ولو كان الكلام لإنسان يسأل: هل أنا ابنك؟ فقال: ابني أنت، لقلنا: ابني: مبتدأ، وأنت: خبر، ونحن الآن لا نريد تعيين من هو ولده؛ بل نريد أن نخبر عن هذا الرجل المخاطب أنه ابنه حقاً، فعلى هذا يكون (ابني): خبراً مقدماً، و (أنت) مبتدأ مؤخراً.
وفي إعراب: (أنت) رأيان: الأول: أن: مبتدأ مؤخر، والتاء حرف خطاب، والثاني: إعرابها كلها مبتدأ.
حقاً: مصدر عامله محذوف وجوباً، منصوب على المصدرية وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة في آخره.
صرفاً: هذا تأكيد آخر، والصرف: الذي لا يختلط بشيء، فمعناه: أنك ابني حقاً خالصاً.
стр. 360
وجوب حذف عامل المصدر إذا قصد به التشبيه بعد جملة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [كذاك ذو التشبيه بعد جمله كلي بكاً بكاء ذات عضله] قوله: (ذو) بمعنى صاحب، وهو مبتدأ خبره قوله: (كذاك).
(كذاك ذو التشبيه) أي: كذلك المصدر الدال على التشبيه بعد جملة، مثاله: (لي بكاً) الجملة الآن تامة، وهذا البكاء ليس بكاء صغير ولا كبير، بل: بكاء ذات عضلة، إذاً: بكاء: مصدر، والتقدير: أبكي بكاء ذات عضلة، وما معنى عضلة؟ قيل: إن العضلة الداهية، وقيل: العضلة منعها من الزواج، فالتي منعت من الزواج تبكي على فراق محبوب، والتي أصيبت بداهية تبكي على حصول مكروه، وهذا أعظم.
إذاً: نقول: بكاء: مصدر يراد به التشبيه، وعامله محذوف وجوباً، والتقدير: أبكي بكاء مثل بكاء ذات عضلة.
وكلمة (بكاء) هل هي مقصورة أو ممدودة؟ يقولون: البكاء بدون صوت يقال له: بكا، فهو مقصور، ومع الصوت يقال: بكاء، بالمد، قال الشاعر: بكت عيني وحق لها بكاها وما يغني البكاء ولا العويل ففي الأول قال: وحق لها بكاها؛ لأن بكاء العين بدون صوت، وفي الثاني قال: وما يغني البكاء ولا العويل، وهو البكاء بالصوت؛ لأنه قال: ولا العويل.
فيكون ابن مالك ﵀ أراد بقوله: (لي بكاً) بكاء العين، ولكن قوله: (بكاء ذات عضلة) المراد البكاء المصحوب بالصوت.
إذاً: القاعدة: يجب حذف عامل المصدر إذا أريد به التشبيه بعد جملة مشتملة على فاعل المصدر في المعنى.
стр. 361
المفعول له
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [المفعول له ينصب مفعولاً له المصدر إن أبان تعليلاً كجد شكراً ودن وهو بما يعمل فيه متحد وقتا وفاعلا وإن شَرْط فُقِد فاجرره بالحرف وليس يمتنع مع الشروط كلزهد ذا قنع وقل أن يصحبها المجرد والعكس في مصحوب أل وأنشدوا لا أقعد الجبن عن الهيجاء ولو توالت زمر الأعداء] ذكرنا أن المفاعيل خمسة: مفعول مطلق، وبه، وله، وفيه، ومعه.
ومُثلت بهذا البيت: ضربتُ ضرباً أبا عمروٍ غداة أتى وسرت والنيل خوفاً من عقابك لي والمفعول له هو أحد المفاعيل الخمسة، ويقال: المفعول له، ويقال: المفعول لأجله، ويقال: المفعول من أجله، يعني: أن عبارات النحويين اختلفت فيه.
فقائل يقول: مفعول له.
وبعضهم يقول: مفعول من أجله.
وبعضهم يقول: مفعول لأجله، والمعنى واحد.
والمفعول من أجله هو المصدر المنصوب المبين لعلة الفعل.
مثاله: قمتُ إجلالاً لك.
(إجلالاً) مصدر فعله أَجَلَّ يُجِلُّ إجلالاً.
وهذا المصدر يبين علة الفعل، فالسبب في فعل القيام هو الإجلال لك.
وعلة الفعل هي سبب الفعل، فمثلاً قوله تعالى: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الأعراف:٥٦].
خوفاً: مصدر مبين لعلة الفعل، أي: ادعوه للخوف والطمع.
فمقام الخوف: أن تتعوذوا بالله مما تخافون، ومقام الطمع أن تسألوا الله تعالى ما تطمعون به.
وشروط المفعول لأجله: الشرط الأول: أن يكون مصدراً: فغير المصدر لا يمكن أن يكون مفعولاً لأجله أو مفعولاً له.
الشرط الثاني: إن أبان تعليلاً، وخرج به ما لا يبين العلة؛ فإنه لا يسمى مفعولاً له وإن كان مصدراً.
كذلك أيضاً: (وهو بما يعمل فيه متحد) هذا شرط ثالث ورابع، فالذي يعمل فيه هو الفعل.
فيشترط أن يتحدا وقتاً وفاعلاً، يعني: يشترط أن يكون هذا المصدر متحداً مع الفعل في الوقت والفاعل، بمعنى: أن يقع الفعل والمصدر في وقت واحد، ويكون الفاعل من الفعل هو الذي تلبس بهذا المصدر.
مثاله المنطبق عليه الشروط: جُد شكراً.
جد: فعل أمر من الجود، يعني: صر جواداً، أي: كريماً.
شكراً: هذا مصدر، فعله: شكر يشكر شكراً، وهذا المصدر مبين لعلة الفعل.
أي: جُد حال كونه بك شكراً، إذاً: هو مبيِّن لعلة الفعل، والفاعل الذي جاد شكراً واحد، والوقت واحد.
أي أن الشكر مقارن للجود، وفاعل الشكر هو فاعل الجود.
ومعنى (جُد شكراً) جد لأجل الشكر، أي: لأجل أن تشكر الله ، وليس لأجل أن تُشكر؛ لأنه لو كان المعنى جُد لتشكر، لما صح، إذ إن الشاكر غير الجائد فيكون الفاعل مختلفاً.
ونحن لولا أن ابن مالك قال: (وقتاً وفاعلاً) كنا سنقول: يجوز أن يكون المعنى جُد لتُشكر، لكن ابن مالك نفسه يقول: (وهو بما يعمل فيه متحد وقتاً وفاعلاً).
قوله: (ودن) هي من دان يدين، أو من الدين، يعني جُد وأعط الدين، فالجود مثلاً بالهبة والدين بالقرض، أي: دن بقرض، يعني: أعط الناس ديناً، فكأن ابن مالك أمرنا بالإحسان إما على سبيل الهبة والتبرع، وإما على سبيل القرض، لكن الاحتمال الأول أظهر، أعني أن (دن) من الدِّين وليست من الدَّين، يعني: جُد شكراً ودن شكراً، فكأنه أمرك أن تدين بطاعة الله شكراً له، وتجود بمالك أيضاً شكراً لله على ما أعطاك، وهذا المعنى أحسن.
وقوله: ينصب: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع.
مفعولاً: حالاً من المصدر الذي هو نائب فاعل، أي: ينصب المصدر حال كونه مفعولاً له.
ومثال ما اختل فيه شرط: أن تقول: أقومُ الآن إجلالاً لك غداً، فاختلف الوقت.
وكذلك إذا قلت: أُكرِمكَ شكراً لي.
أكرمك: الفاعل أنا.
شكراً لي: الشاكر هو المُكرَم، فاختلف الفاعل فلا يجوز.
وهذا الشرط الأخير: (وهو بما يعمل فيه متحد وقتاً وفاعلاً) فيه خلاف بين النحويين، فـ سيبويه وكثير من النحويين إن لم يكن أكثرهم يقول: ليس بشرط.
وسيبويه هو إمام مدرسة البصرة.
ولو اختاره من دون سيبويه لقلنا إن الصواب معه؛ لأنه أسهل، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الروم:٢٤]، يعني: لتخافوا وتطمعوا، فنقول: هو مفعول لأجله، وفاعل (يري) هو الله، والخائف والطامع هو المخلوق، فاختلف الفاعل.
إذاً: نصب المصدر هنا مفعولاً له مع أن الفاعل مختلف.
وهذا واضح ليس فيه أدنى تكلف، لكن يقولون: إن حجة النحوي كنافقاء اليربوع؛ إن حجرته من الباب خرج من النافذة، فالذي يقول لا بد من اتفاق الفاعل يقول في الآية: (خوفاً وطمعاً): إن خوفاً بمعنى: إخافة، وطمعاً بمعنى: إطماع، أي: يريكم ليخيفكم ويطمعكم، وحينئذ يتفق الفاعل.
أو يقول: خوفاً وطمعاً مصدر في موضع الحال من الكاف في قوله: (ليريكم)، أي: يريكم حال كونكم خائفين وطامعين، وحينئذ يبقى الشرط قائماً.
ولكننا نقول: هاتوا دليلاً على اشتراط هذا؟ ولا يوجد دليل على الاشتراط، لو كان هناك دليل على الاشتراط لقلنا: نعم، يمكن تخريج الآية على ما ذكرتم، لكن ما دام لا يوجد دليل وعندنا شاهد ظاهره عدم اشتراطه فإن الأولى عدم الاشتراط، وهذا إن شاء الله هو الصحيح.
إنما الشرط الأساسي هو: أن يكون مصدراً مبيناً لعلة الفعل، ولهذا قلنا: مفعول له، واللام للتعليل، أو مفعول من أجله، أو مفعول لأجله.
إعراب: (وهو بما يعمل فيه متحد وقتاً وفاعلاً): وهو: مبتدأ، ومتحد: خبر المبتدأ، يعني: وهو متحدٌ بما يعمل فيه.
وقتاً: ظرف، يعني في الوقت.
وفاعلاً: منصوب بالخافض، يعني: وفي الفاعل.
وقوله: (وإن شرط فقد).
إن: شرطية.
شرط: فيه ثلاثة إعرابات: الأول: فاعل لفعل محذوف.
الثاني: فاعل مقدم للفعل المذكور.
الثالث: مبتدأ خبره الفعل المذكور.
فالبصريون يقولون: شرطٌ: فاعل لفعل محذوف.
والكوفيون يقولون: فاعل مقدم للفعل الموجود، والتقدير: وإن فُقِد شرط.
وآخرون من النحويين يقولون: شرط: مبتدأ، وفُقد: خبر المبتدأ.
قوله: (فاجرره بالحرف)، وفي نسخة: فاجرره باللام، والمقصود بالحرف حرف التعليل، والدليل على أن المؤلف يريد حرف التعليل قوله: (إن أبان تعليلاً) واللام ومن وفي، تأتي للتعليل، وكذلك (على) تأتي للتعليل.
المهم كل ما ذكر بأنه من حروف التعليل إذا فُقد شرط فإن المصدر يُجر به، فإذا قلت مثلاً: أكرمتك شكراً لي: فقد فقد شرطاً على رأي المؤلف وهو اتحاد الفاعل، فعلى هذا أجره باللام فأقول: أكرمتك للشكر لي.
قوله: (وليس يمتنع مع الشروط).
أي: لا يمتنع أن تجره بالحرف ولو تمت الشروط، فبهذا عرفنا أن المفعول من أجله لا يتعين نصبه؛ لأنه يجوز أن يجر باللام، مثاله: (كلزهد ذا قنع) أصل التركيب: هذا قنع زهداً، ولذلك نعربه فنقول: ذا: مبتدأ.
قنع: فعل ماض، والجملة خبر المبتدأ.
زهداً: مفعولٌ من أجله منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، لكن يجوز أن ندخل عليه اللام ونقول: لزهد ذا قنع.
فالشروط تامة في قوله: (هذا قنع زهداً) فالزاهد هو القانع، ووقت الزهد وقت القنوع، ومع ذلك يجوز أن تجره فتقول: قنع هذا للزهد.
فالمؤلف إذاً يبين لنا أنه إذا اختل الشرط وجب جره بالحرف، وإذا تمت الشروط جاز جره بالحرف وجاز نصبه، وأيهما أكثر النصب أو الجر؟ قال: (وقَل أن يصحبها المجرد والعكس في مصحوب أل) وفي النسخة الثانية: وقل أن يصحبه المجرد، وعليها يتضح المعنى، لأن الضمير يعود على الحرف، أي: أن المجرد من أل قل أن يصحب الحرف، فتقول: قنع هذا زهداً، وقل أن يقال: قنع هذا لزهد.
قوله: (والعكس في مصحوب أل).
أي: يكثر اقتران الحرف مع أل، مثل: قنع هذا للزهد، ويجوز: قنع هذا الزهدَ، لكنه قليل.
والحاصل أنه إذا لم تتم الشروط فلابد من أن يجر بالحرف، سواء كان المصدر مجرداً من أل أم غير مجرد، وإذا تمت الشروط جاز فيه وجهان وهما: النصب، والجر بحرف التعليل، لكن أيهما أكثر؟ النصب أكثر إن كان المصدر مجرداً من أل: (قنع هذا زهداً)، والجر أكثر إن كان المصدر مقترناً بأل، ويقل النصب حينئذ، ومن هذا القليل ما ذكره ابن مالك بقوله: (وأنشدوا لا أقعد الجبن عن الهيجاء ولو توالت زمر الأعداء وكان الأصل أن يقول: لا أقعد من الجبن، فيجره بالحرف، ولكن يصح: لا أقعد الجبنَ عن الهيجاء ولو توالت زمر الأعداء وهذا البيت لا يعتبر من الألفية كما ذكرنا في المقدمة.
стр. 362
شرح ألفية ابن مالك [٣٦]
من المفاعيل المفعول فيه، وهو الظرف، وهو إما ظرف مكان أو ظرف زمان، ومنه لازم ومنه متصرف، وقد ينوب عنه المصدر.
ومن المفاعيل المفعول معه، وهو المنصوب بعد واو تفيد معنى المصاحبة، ويكون منصوباً بالفعل وشبهه، وقد يجب النصب على المعية، وقد يجوز العطف، وقد يترجح أحدهما.
стр. 363
المفعول فيه
стр. 364
تعريف المفعول فيه
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [المفعول فيه وهو المسمى ظرفاً الظرف وقت أو مكان ضمنا في باطراد كهنا امكث أزمنا فانصبه بالواقع فيه مظهرا كان وإلا فانوه مقدرا وكل وقت قابل ذاك وما يقبله المكان إلا مبهما نحو الجهات والمقادير وما صيغ من الفعل كمرمى من رمى وشرط كون ذا مقيساً أن يقع ظرفا لما في أصله معه اجتمع].
والمفاعيل خمسة كما ذكرنا من منظومة الشبراوي، وأنشدنا منها بيتين، هما: منه المفاعيل خمس مطلق وبه له وفيه معه وهو للمثَلِ ضربت ضرباً أبا عمروٍ غداة أتى وسرت والنيل خوفاً من عقابك لي وهذا باب المفعول فيه، قال: (وهو المسمى ظرفاً) أي: يسميه النحويون ظرفاً، والظرف: هو ما كان وعاءً للشيء، وكل إنسان فهو في ظرف زمان ومكان، أما الزمان فظاهر، وأما المكان فأنت في البيت أو في المسجد أو في السوق، أو في غيره.
يقول المؤلف: (الظرف وقت أو مكان).
وقت: هذا ظرف الزمان.
أو مكان: هذا ظرف المكان، فإذا قلت: جلستُ ساعة عندكَ، فظرف الزمان هو (ساعة) وظرف المكان (عندك).
والألف في (ضمنا) للإطلاق؛ لأنه قال: (وقت أو مكان)، لو قال: وقت ومكان، لكانت الألف للتثنية، لكن عندما قال (أو) فمعناه: أنهما لا يجتمعان.
ومعنى (ضّمِّن في): دل على معنى (في).
وقوله: (باطراد) فيه احتراز مما تضمنها بقرينة في مكان دون مكان، فإن بعض الكلمات قد تتضمنها في مكان دون مكان، مثل: سكنتُ الدارَ، فالدار تضمنت هنا معنى (في)، أي: سكنتُ في الدار، لكن ليس ذلك باطراد؛ لأنك تقول: بنيتُ الدار، فلم تتضمن معنى (في).
إذاً: الدار لا نعربها ظرفاً؛ لأنها لا تتضمن معنى (في) باطراد، والذي ينصب مفعولاً فيه هو الذي يتضمن معنى (في) باطراد، أي: في جميع الأمكنة.
ثم ضرب المؤلف مثلاً للنوعين فقال: (كهنا امكث أزمنا) هنا: ظرف.
وأزمناً: ظرف.
وكلمة (هنا) ظرف مكان مبني على السكون في محل نصب.
ولم نقل "منصوب" لأنه اسم إشارة، واسم الإشارة مبني كما سبق.
وقوله: (أزمناً) جمع زمان، وهو ظرف زمان منصوب على الظرفية، وعلامة نصبة فتحة ظاهرة في آخره.
والمؤلف ﵀ أتى بمثال واحد يشتمل على شاهدين: شاهد على ظرف المكان وشاهد على ظرف الزمان.
تقول مثلاً: سرتُ يوماً ميلاً.
فيوماً: ظرف زمان.
وميلاً: ظرف مكان.
قوله: (فانصبه بالواقع فيه) انصبه: الضمير يعود على الظرف.
والواقع فيه هو الفعل أو ما جرى مجراه، فتقول: مكثتُ عندك ساعة.
الواقع في الظرف هو المكث.
وتقول: أنا ماكثٌ عندك ساعة، (ماكث) ليست فعلاً لكنها جارية مجرى الفعل.
فقوله: (بالواقع فيه) أي: في الذي وقع فيه سواء كان فعلاً أو كان قائماً مقام الفعل، وهو اسم الفاعل واسم المفعول.
стр. 365
الناصب للظرف
قال المؤلف: (فانصبه بالواقع فيه مظهراً كان وإلا فانوه مقدرا) (مظهراً كان) يعني: إن كان ظاهراً فذاك، وإلا فينوى مقدراً، مثال المظهر كما مثل المؤلف: (هنا امكث) العامل الواقع فيه (امكث) وهو ظاهر بين.
وإذا سئلت: كم مكثت في هذا المكان؟ فتقول: ساعة! أي: مكثت ساعة، فهنا الواقع فيه غير مظهر؛ ولهذا قال: (فانوه مقدراً).
стр. 366
ما يكون ظرفاً من الأمكنة والأزمنة
قال رحمه الله تعالى: (وكل وقت قابل ذاك وما يقبله المكان إلا مبهما) المراد بالوقت هنا: الزمان، فكل زمان قابل أن يكون مفعولاً فيه، والزمان مثل: ساعة، دقيقة، ثانية، يوماً، أسبوعاً، شهراً، سنة، حيناً، عصراً، وما أشبه ذلك.
القاعدة: الزمان كله قابل أن يكون مفعولاً فيه؛ لأنه ما من شيء إلا وهو في زمان، تقول: انتظرني ثانية، وإعرابها: ثانية: ظرف زمان منصوب على الظرفية.
واعلم أن الساعة في اللغة العربية غيرها في العُرف، عندنا الساعة في العرف جزء من أربعة وعشرين جزءاً من اليوم والليلة؛ لكنها في اللغة العربية تطلق على الزمن قل أو كثر.
قوله: (وما يقبله المكان إلا مبهما).
أي أن المكان المُعيَّن مثل: حُجرة وغرفة بيت وما أشبهها لا يكون مفعولاً فيه، بخلاف ما إذا كان المكان مبهماً.
والمبهم غير المحدود، وهو الذي ليس له شيء يحده، قال: (نحو الجهات) أي: الجهات الست: يمين وشمال وأمام وخلف وفوق وتحت.
فهذه الجهات كلها ظروف مكان.
تقول: جلست أمامك، جلست خلفك، جلست يمينك، جلست شمالك أو يسارك.
صعدت فوق السطح، نمتُ تحت الشجرة.
إذاً: الجهات الست كلها ظروف مكان.
قال: (والمقادير)، والمقادير هي مقادير المسافة، مثل: الميل والفرسخ والبريد.
وفي الوقت الحاضر مثل الكيلو.
تقول مثلاً: سرت ميلين، إعرابها: سرتُ: فعل وفاعل.
ميلين: ظرف مكان منصوب على الظرفية وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة.
وتقول: سرتُ فرسخاً: سرت: تقدم إعرابها.
فرسخاً: ظرف منصوب على الظرفية وعلامة نصبه فتحة ظاهرة في آخره.
قال: (وما صيغ من الفعل) يعني: ظرف المكان يكون مصوغاً من الفعل.
قال: (كمرمىً من رمى).
هذه يسمونها ظرف مكان، وتأتي ظرف زمان، تقول: رميت مرمى زيدٍ، مثل: جلست مكان زيد.
تقول: رميتُ: فعل وفاعل.
ومرمى: ظرف مكان منصوب على الظرفية وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها التعذر.
والظرف المبهم هو الذي لا يدل على شيء محدد معين، بخلاف المحدد معين مثل البيت والمسجد وما أشبه ذلك، فالمكان المحدد لا ينصب على الظرفية، ولهذا لا تقول: جلستُ المسجدَ، أما: دخلتُ المسجد فهو جائز في اللغة العربية؛ لكن اختلف فيه النحويون: فبعضهم يقول: هو منصوب على الظرفية توسعاً.
وبعضهم يقول: منصوب بنزع الخافض، والتقدير: دخلتُ في المسجد.
وبعضهم يقول: منصوب على التشبيه بالمفعول به، مثل قولهم في (خلق الله السماواتِ): إن السماوات منصوب على التشبيه بالمفعول به.
стр. 367
المقيس من ظروف المكان
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وشرط كون ذا مقيساً أن يقع ظرفاً لما في أصله معه اجتمع) شرط: مبتدأ.
وهو مضاف، وكون: مضاف إليه.
وكون مضاف، وذا: مضاف إليه، والإشارة في قوله: ذا تعود إلى (ما صيغ من الفعل)؛ لأن الإشارة تعود إلى أقرب مذكور.
ومقيساً: خبر كون منصوب، واسمه (ذا) المضاف إليه؛ لأن (كون) له اسم وخبر كما يقول ابن مالك: (وغير ماض مثله قد عملا إن كان غير الماضي منه استعملا) وقوله: (أن يقع).
أن: حرف مصدري.
يقع: فعل مضارع منصوب بأن، وهو مؤول بمصدر والتقدير: وقوعه، وهو خبر (شرط) يعني: شرط كون ما صيغ من الفعل مقيساً أن يقع ظرفاً لما في أصله معه اجتمع، أي: لما اجتمع معه في الأصل، وذلك مثل: مرمى إذا صار منصوباً لرمى، كقولك: رميت مرمى زيد، لكن إذا قلت: جلستُ منه مرمى البندق، فليس مقيساً؛ لأنه لم يجتمع معه بأصله، إذ إن الفعل: جلس، والظرف: مرمى.
والمقيس معناه: أنه يمكنك أن تنطق بمثله.
وغير المقيس معناه: لا يمكنك أن تأتي بمثله، وإنما يقتصر فيه على ما جاء عن العرب فقط.
والحاصل: أن شرط كون ما صيغ من الفعل ظرفاً أن يكون مطابقاً لعامله في مادته.
والخلاصة: أن ظرف المكان ينحصر في الجهات والمقادير وما صيغ من الفعل العامل فيه موافقاً له في المادة.
стр. 368
الظرف المتصرف وغير المتصرف
ثم انتقل المؤلف إلى أمر آخر، وهو أن بعض الظروف يكون متصرفاً وبعضها يكون غير متصرف، فما هو الضابط؟ قال: (وما يرى ظرفاً وغير ظرف فذاك ذو تصرف في العرف وغير ذي التصرف الذي لزم ظرفية أو شبهها من الكلم) أفادنا المؤلف ﵀ في هذه الأبيات: أن الظرف ينقسم إلى قسمين: متصرف وغير متصرف، فما هو المتصرف؟ قال: (وما يرى ظرفاً وغير ظرف فذاك ذو تصرف في العرف).
إذا كانت الكلمة تارة تأتي ظرفاً وتارة تأتي غير ظرف فإن هذا يسمى ظرفاً متصرفاً، مثل كلمة (يوم)، قال تعالى: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم:٤١].
فهي في الآية ظرف؛ لأنها منصوبة على تقدير (في)، أي: في يوم يقوم الحساب.
وقال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا﴾ [النبأ:١٧]؟ فيوم في الآيتين ليست ظرفاً.
كذلك كلمة (مكان) تقول: جلستُ مكانك، فهي ظرف، لأنها على تقدير (في)، أي: جلست في مكانك.
وتقول مثلاً: إن هذا المكان مريحٌ.
فليست بظرف.
إذاً: ينقسم الظرف إلى قسمين سواء كان مكانياً أو زمانياً: متصرف وغير متصرف، فما كان يأتي لغير الظرفية فهو متصرف.
قال المؤلف ﵀: (وغير ذي التصرف الذي لزم) غير: مبتدأ.
والذي: خبره.
يعني: غير الظرف المتصرف هو الظرف اللازم، وهو الذي لا يأتي إلا ظرفاً أو مختصاً بحال معينة كالجر.
فمثلاً كلمة (عند) ظرف لازم، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ [الأعراف:٢٠٦]، وقال تعالى: ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم:١٤].
فهذا ظرف غير متصرف، لأنه لا يأتي إلا منصوباً على الظرفية أو مجروراً بمن، مثل ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور:٦١]، وهو معنى قول المؤلف: (أو شبهها) يعني: لزم الظرفية، أو لزم شبه الظرفية وهو الجر بحرف من حروف الجر.
وكلمة (فوق) ظرف لازم؛ لكنه قد يخرج عن الظرفية كما جاء في الحديث: (وفوقُه عرش الرحمن)، الفوق في الحديث بضم القاف، وليس ظرفاً؛ فكأنه يقول: هذا الفوق هو عرش الرحمن.
تحت: ظرف غير متصرف؛ لأنها لا تستعمل إلا منصوبة على الظرفية أو مجرورة بمن: ﴿تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ﴾ [التوبة:١٠٠] هذه منصوبة على الظرفية، ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [آل عمران:١٥]، هذه مجرورة بمن.
ومن اللحن قول بعض الناس: نظرتُ إلى تحت قدمهِ.
فهذا ليس بصحيح، لأن (تحت) لا تجر بإلى في اللغة العربية.
نعم لو قال: نظرت إلى مكانٍ تحت قدمه، لصح.
والخلاصة من هذا البحث أن الظروف تنقسم إلى قسمين: متصرفة وغير متصرفة.
فما كان ملازماً للظرفية أو شبهها فهو غير متصرف، وما كان يكون ظرفاً ومبتدأ ومفعولاً به وفاعلاً ومجروراً بأي حرف فهذا متصرف.
стр. 369
نيابة المصدر عن الظرف
قال: (وقد ينوب عن مكان مصدر وذاك في ظرف الزمان يكثر) يعني: أن المصادر قد تنوب عن ظرف المكان، مثل: جلست قرب زيد، نقول: أصل (قرب) مصدر قرب يقرب قرباً، لكنها نابت مناب الظرف، فكأنك قلت: جلست مكاناً قرب مكانه، فعندما حذفت الظرف وأتيت بالمصدر صار المصدر نائباً منابه.
وقوله: (وذاك في ظرف الزمان يكثر).
أي: كون المصدر ينوب عن الظرف يكثر في ظرف الزمان، تقول: آتيك طلوع الشمس.
طلوع: مصدر طلع تطلع طلوعاً، لكنها نائبة مناب ظرف الزمان، فكأنك قلت: آتيك وقت طلوع الشمس.
القاعدة من هذا البيت: ينوب المصدر مناب الظرف زمانياً كان أو مكانياً، لكنه بالنسبة لظرف الزمان أكثر منه بالنسبة لظرف المكان.
وقول المؤلف: (قد ينوب) ظاهره التقليل مع كونه قياسياً، وظاهر كلام الشارح أنه سماعي فلا يمكن أن تقيسه، بل لا بد أن يكون قد ورد عن العرب؛ ولكن الظاهر أن ما هو ظاهر المتن أولى: وهو أنه قد ينوب لكنه قليل سماعاً وقياساً، فلا مانع من أن تأتي بمصدر نائب مناب الظرف وإن لم يُسمع في اللغة العربية، ما دام المعنى واضحاً.
стр. 370
المفعول معه
стр. 371
تعريف المفعول معه
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [المفعول معه ينصب تالي الواو مفعولاً معه في نحو سيري والطريق مسرعة بما من الفعل وشبهه سبق ذا النصب لا بالواو في القول الأحق وبعد ما استفهام او كيف نصب بفعل كون مضمر بعض العرب والعطف إن يمكن بلا ضعف أحق والنصب مختار لدى ضعف النسق والنصب إن لم يجز العطف يجب أو اعتقد إضمار عامل تصب].
المفعول معه: كلمة (معه) تفيد المصاحبة، فمعنى المفعول معه: المفعول من أجل المصاحبة، والمفعول معه هو اسم منصوب يأتي بعد واو المعية المسبوقة بفعل أو ما في معناه.
مثلاً: سار محمدٌ والطريق، معنى (والطريق) مع الطريق، ولا يجوز أن تكون الواو هنا عاطفة؛ لأن الطريق لا تسير.
ومثال آخر: استوى الماءُ والخشبة، أي: مع الخشبة، إذ لا يمكن أن يكون المعنى: استوى الماء واستوت الخشبة.
فاتضح أن المفعول معه يأتي بعد واو هي نص في المعية مسبوقة بفعل أو معناه ولا يمكن أن تكون عاطفة، ولهذا قال المؤلف مبيناً حده بحكم: (ينصب تالي الواو مفعولاً معه) ينصب: فعل مضارع مبني للمجهول.
تالي: نائب فاعل، وهو مضاف، والواو مضاف إليه.
مفعولاً: حال من تالي، يعني: حال كونه مفعولاً منه.
في نحو: أي: في شبه.
سيري والطريق: الخطاب لامرأة، وهو فعل أمر.
والواو واو المعية، ولا يمكن أن تكون عاطفة.
تقول: مشيتُ وزيداً.
فمشيت: فعل وفاعل.
والواو للمعية.
وزيداً: مفعول معه منصوب على المعية، وعلامة نصبه فتحة ظاهرة في آخره.
ويجوز أن نقول: مشيتُ وزيدٌ؛ لكنه ضعيف؛ لأن ابن مالك يقول: وإن على ضمير رفع متصل عطفت فافصل بالضمير المنفصل أو فاصل ما وبلا فصل يرد في النظم فاشياً وضعفه اعتقد الأمثلة كثيرة، وضابط المفعول معه: أن تكون الواو بمعنى مع.
стр. 372
العامل في المفعول معه
قال المؤلف: (بما من الفعل وشبهه سبق ذا النصب لا بالواو في القول الأحق) بما من الفعل: الجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم، والمبتدأ الذي هذا خبره هو قوله: (ذا النصب).
(ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
النصب: صفة.
وتقدير البيت: هذا النصب بما سبق من الفعل وشبهه.
وقوله: ما في (بما): اسم موصول وصلتها قوله: (سبق).
ومن الفعل: جار ومجرور متعلق بسبق.
ففيه تقديم وتأخير كثير: أولاً: تقديم الخبر.
ثانياً: تقديم متعلق الصلة (من الفعل وشبهه) لأنه متعلق بـ (سبق).
إذاً التقدير: هذا النصب بما سبق من الفعل وشبهه.
وكأن سائلاً سأل ابن مالك: نحن نصبنا الاسم بعد واو المعية، فما الذي نصبه؟ فقال: الذي نصبه ما سبق من الفعل وشبهه.
مثال النصب بما سبق من الفعل: سرت والطريق ومثال النصب بما سبق من شبه الفعل: أنا سائرٌ والطريق.
هذا شبه فعل؛ لأنه اسم فاعل.
أنا مُسيَّرٌ والطريقَ.
شبه فعل؛ لأنه اسم مفعول.
يعجبني سيري والطريقَ.
هذا مصدر وهو شبه الفعل أيضاً.
إذاً: الناصب للاسم الواقع بعد واو المعية هو ما سبقها من الفعل وشبهه.
وفهم من قول المؤلف: (بما سبق) أن العامل لا بد أن يسبق واو المعية، فلو قلت: والطريقَ سرتُ، لم يصح.
لا بد أن يتقدم الفعل، فلا يجوز: والطريق سار محمد.
ويجوز: سار والطريق محمدٌ؛ لأن الفعل سبق.
وقول المؤلف: (لا بالواو) يعني: الاسم الواقع بعد الواو المنصوب ليس منصوباً بالواو.
قوله: (في القول الأحق) أفادنا المؤلف أن المسألة فيها قولان للنحويين: بعضهم يقول: سرتُ والطريقَ.
سرت: فعل وفاعل.
والواو: واو المعية.
الطريق: مفعول معه منصوب بالواو، والمؤلف يقول: منصوب بالفعل.
لكن قال: (في القول الأحق) يعني الأثبت والأقوى، والسبب أن الواو هنا مختصة بهذا الاسم وكل شيء مختص وليس كالجزء من الكلمة فإنه لا يعمل.
والحقيقة أن هذا التعليل لو عكس لكان أولى؛ لأن كل حرف مختص وليس كالجزء من الكلمة فهو عامل، وهذا معروف وله قاعدة منفردة، لكن هم يقولون إنها قاعدة أغلبية.
فمثلاً: (في) تعمل لأنها مختصة بالاسم وليست كالجزء منه.
(هل) لا تعمل لأنها غير مختصة، بل تدخل على الاسم فيقال: (هل محمد في البيت)، وعلى الفعل: (هل قام محمد).
السين: (سيقول السفهاء) مختصة بالفعل ولكنها لا تعمل؛ لأنها كالجزء منه.
هكذا يعلل النحويون، وأنا رأيي في كون الأداة تعمل أو لا تعمل أنه راجع إلى لغة العرب، وهم الحكم في هذا الأمر.
وهنا في ناصب المفعول معه نقول: في ذلك رأيان لأهل العلم: منهم من يقول: منصوب بالواو.
ومنهم من يقول: منصوب بما سبقه من الفعل وشبهه.
وقد قلت لكم سابقاً إننا نختار في النحو ما هو أصلح، وعلى هذا فمن أعرب وقال: إن الناصب ما سبق من الفعل وشبهه، قلنا له: هذا صحيح، ومن قال إنه الواو قلنا: إنه صحيح، ولسنا في ذلك نعطل نصاً ولا ننسخه!
стр. 373
العامل في المفعول معه بعد ما وكيف الاستفهاميتين
قال المؤلف: [وبعد ما استفهام او كيف نصب بفعل كون مضمر بعض العرب] كأنه قيل للمؤلف: أنت تقول إنه لابد أن يتقدم الفعل أو شبهه وأنه هو الناصب، ووجدنا أن العرب يقولون: كيف أنت وقصعة من ثريد؟ ويقولون: ما أنت وزيداً؟ فما هو الجواب؟
و
الجواب
أن النصب بفعل كون مضمر.
يعني أننا نقدر فعل كون وهو (كان أو تكون) أو ما أشبه ذلك، فالتقدير: كيف تكون أنت وقصعةً من ثريد؟ ما تكون أنت وزيداً؟ وبعضهم يقول: نقدر (تصنع) أي: ما تصنع أنت وزيداً؟ فبعد: ظرف منصوب على الظرفية، والعامل فيه (نصب)، ما استفهام: ما: مضاف، واستفهام: مضاف إليه.
وإنما قال: (بعد ما استفهام) للتخصيص؛ لأن (ما) تكون استفهامية، وتكون شرطية، وتكون نكرة موصوفة، وتكون غير ذلك، فلها عشر معان نظمها بعضهم فقال: محامل ما عشر إذا رمت عدها فحافظ على بيت سليم من الشعر ستفهم شرط الوصل فاعجب لنكرها بكف ونفي زيد تعظيم مصدر هذه معاني ما، ولهذا احتاج أنه يقول: (بعد ما استفهام).
ولم يقل: (كيف استفهام) لأنها لا ترد إلا استفهامية.
قوله: (بفعل كون مضمر) أي: محذوف.
(بعض العرب) فاعل نصب، يعني: أن بعض العرب نصب المفعول معه بعد الواو التي لم تسبق بفعل أو شبهه، ولكنه بعد ما أو كيف، ويقدر لذلك فعل مناسب، والمؤلف يقول: إنه يقدر فعل مشتق من الكون، وهو: "يكون أو تكون أو كن"، ولكن الأصح كما قاله أهل الحواشي: أن نقدر الفعل المناسب، على أنه يمكن أن نجعل "كون" في كلام المؤلف ليست هي التي اشتق منها كان، وأن المراد بالكون الحدث، يعني: بفعل حدث ويقدر بما يناسب المقام.
القواعد المستفادة من هذه الأبيات: القاعدة الأولى: أن المفعول معه اسم منصوب تال لواو بمعنى مع مسبوقة بفعل أو شبهه.
القاعدة الثانية: هل الناصب لهذا الاسم الواو أو ما سبقها من فعل أو شبهه؟ في ذلك قولان للعلماء، والذي يرجحه ابن مالك أنه منصوب بالفعل السابق أو شبهه.
القاعدة الثالثة: يجوز أن ينصب بعد واو المعية إذا سبقت بما الاستفهامية أو كيف كما ورد ذلك عن بعض العرب، وعلى هذا فيجب أن نقدر فعلاً مناسباً للمقام.
стр. 374
تقديم العطف على المعية والعكس
قال المؤلف ﵀: [والعطف إن يمكن بلا ضعف أحق والنصب مختار لدى ضعف النسق] ونحن عندنا شيئان أحدهما أرجح من الآخر، وهما: هل الأولى في الواو إذا جاءت بين شيئين أن نجعلها للمعية فينصب ما بعدها، أو الأولى أن نجعلها عاطفة فيكون ما بعدها تابعاً لما قبلها؟ يقول المؤلف: إن العطف إذا لم يكن فيه ضعف أحق من أن تكون الواو للمعية.
مثال ذلك: قام زيدٌ وعمروٌ، هنا الواو حالت بين زيد وعمرو، فهل تجعلها عاطفة أو تقول: قام زيدٌ وعمراً، وتجعل الواو للمعية؟ الأولى العطف؛ لأنه الأصل، فما دام غير ضعيف فهو الأولى فنقول: قام زيدٌ وعمروٌ، ولنا أن نقول: قام زيدٌ وعمراً، ونقول: قام: فعل ماض.
زيدٌ: فاعل.
والواو للمعية.
وعمراً: منصوب على المعية.
ولو قال قائل: قام زيداً وعمروٌ.
لم يصح؛ لأن الفاعل لابد أن يكون مرفوعاً، فنقول: قام زيدٌ، أما عمرو فيجوز فيه وجهان، لكن العطف أولى.
المسألة الثانية: ترجيح النصب: قال المؤلف: (والنصب مختار لدى ضعف النسق).
يعني: إذا ضعف العطف رجحنا النصب، مثال ذلك: إذا عطفت على ضمير متصل فإن الأولى النصب تقول: جئت وزيداً.
جئت: فعل وفاعل.
الواو للمعية.
زيداً: منصوب على المعية.
ويجوز: جئت وزيدٌ؛ لكنه ضعيف، بل إن بعض العلماء من النحويين منع هذا، ومنهم ابن مالك بقوله: (وإن على ضمير رفع متصل عطفت فافصل بالضمير المنفصل أو فاصل ما) وكذلك أيضاً إذا قلت: مررت بك وزيداً، ويجوز: مررت بك وزيدٍ.
والنصب أفصح؛ لأن العطف على المتصل ضعيف أو ممنوع عند بعض العلماء.
فإذا قلت: جئت أنا وزيد، جئت أنا وزيداً، فالأولى العطف؛ لأن العطف هنا يمكن بلا رابط.
نأخذ من هذا أنه إذا جاءت الواو بين شيئين فالعطف أولى من المعية إذا لم يكن ضعيفاً، وإذا جاء بين شيئين وكان العطف ضعيفاً فالنصب على المعية أولى.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (والنصب إن لم يجز العطف يجب) هذه قاعدة معناها أنه إذا كان العطف لا يجوز فإنه يجب النصب على المعية، أو على إضمار فعل، ولهذا قال: (أو اعتقد إضمار عامل تصب).
المهم: إذا لم يجز العطف يجب النصب إما على المعية أو على إضمار الفعل.
مثال الأول: استوى الماء والخشبةَ، ولا يجوز: والخشبةُ؛ لأنه يختلف المعنى، فإذا عطفت فالمعنى: استوى الماء واستوت الخشبةُ، وهذا ليس له معنى، لكن إذا نصبت فالمعنى: استوى الماء مع الخشبة، أي: صار بحذائها، فهنا نقول: الواو هنا للمعية ويجب النصب على المعية.
وتقول: استوى الغني والفقيرُ فترفع الفقير على العطف.
قوله: (أو اعتقد إضمار عامل تصب).
قال الشاعر: علفتها تبناً وماء بارداً.
تبناً: مفعول ثان لعلفتها، والمفعول الأول الضمير، والواو حرف عطف.
ماء: مفعول به لفعل محذوف تقديره: وسقيتها ماء بارداً، وهذا الفعل المحذوف معطوف على جملة (علفتها) ولو قلنا: الواو حرف عطف وماء معطوفة على تبناً لم يصح لأن الماء لا يعلف.
فإذا قلت: أطعمته خبزاً وحليباً.
جاز ذلك على العطف دون إضمار فعل، لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة:٢٤٩].
وإذا قلت: سقيته حليباً وخبزاً، فالتركيب سليم، لكن عند الإعراب نقول: سقيته: فعل وفاعل ومفعول أول.
حليباً: مفعول ثان.
وخبزاً: الواو حرف عطف، خبزاً: مفعول به لفعل محذوف، والتقدير: وأطعمته خبزاً.
فالحاصل أن المفعول معه تجري فيه الأحكام الخمسة: ترجح النصب، وضعفه، وترجح العطف، وضعفه، وتعين النصب، والله أعلم.
стр. 375
شرح ألفية ابن مالك [٣٧]
الاستثناء يرد كثيراً في كلام العرب، وله أدوات كثيرة منها ما هو اسم ومنها ما هو فعل ومنها ماهو حرف، وأشهرها (إلا)، وللمستثنى بعد إلا أحكام إعرابية تختلف باختلاف الجملة الاستثنائية، وكذا تختلف بحسب تكررها ونحو ذلك.
وغير إلا من الأدوات يجر ما بعدها إن كانت اسماً، وينصب إن كانت فعلاً في الغالب.
стр. 376
الاستثناء
стр. 377
تعريف الاستثناء
الاستثناء مأخوذ من الثني وهو العطف، لأن فيه رجوعاً إلى كلام سابق، فكأنك انعطفت إلى الكلام السابق.
وهو في الاصطلاح: إخراج ما لولاه لدخل في الكلام بـ (إلا) أو إحدى أخواتها.
مثال ذلك: حفظ الطلبة الدرسَ، فهذا يفيد أن كل الطلبة حفظوا الدرس، فتقول: إلا زيداً، وزيد من الطلبة فأخرجت زيداً من الحكم السابق بـ (إلا).
وقوله: (أو إحدى أخواتها) أي: مثل "سوى وغير وحاشا".
النحويون لا يعتنون بمعنى الاستثناء وشروط الاستثناء وما إلى ذلك، وإنما يعتني به البلاغيون أو الأصوليون، فالنحويون يقولون: ما علينا إلا إصلاح اللسان، فالنحوي يخبرك بالذي ينصب والذي لا ينصب بعد إلا.
والمؤلف ﵀ بيَّن ذلك بياناً كافياً في كلمات قيل إنها معقدة، والظاهر من الشرح أنها لم تكن معقدة.
стр. 378
وجوب نصب المستثنى في الجملة التامة الموجبة
يقول المؤلف: (ما استثنت الا مع تمام ينتصب): ما: اسم موصول بمعنى الذي.
واستثنت: بمعنى أخرجت بالاستثناء.
وإلا: فاعل استثنت، وجعلت همزتها همزة وصل من أجل الحفاظ على وزن البيت.
مع تمام: حال من (إلا).
وقوله ينتصب: الجملة خبر (ما) في قوله: (ما استثنت).
ومعناه: أن الذي تستثنيه إلا مع التمام ينتصب.
ومعنى التمام وجود ركني الجملة قبل إلا، وهما الفعل والفاعل، أو الفعل ونائب الفاعل، أو المبتدأ والخبر، يعني: إذا جاءت إلا بعد جملة تامة فما بعدها يكون منصوباً.
وبقي عليه قيد واحد لم يذكره لكنه يفهم مما يأتي بعد، وهو الإيجاب، فما استثنت إلا مع تمام وإيجاب فإنه يجب نصبه.
ومعنى الإيجاب: ألا يكون مسبوقاً بنفي أو شبهه، مثاله: قام القوم إلا زيداً.
قام: فعل ماض.
القوم: فاعل.
وبهذا تمت الجملة، وهي موجبة، أي مثبتة غير منفية، فيجب نصب ما بعد إلا.
لو قلت: قام القوم إلا زيدٌ.
لقلنا: لا يجوز.
قال تعالى: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة:٢٤٩] (فشربوا منه) جملة تامة موجبة جاء المستثنى بعدها منصوباً (إلا قليلاً).
إذاً: يشترط لنصب المستثنى بعد إلا شرطان: ١ - تمام الجملة.
٢ - وكون الكلام موجباً.
أمثلة: جاء الرجال إلا عمراً، قرأت الكتاب إلا ورقةً، أضيئت اللمبات إلا واحدة، الناس هالكون إلا المؤمنين، جاء القوم إلا سيارةً.
ما دام الكلام تاماً ولم يسبق بنفي أو شبهه فما بعد إلا منصوبة.
стр. 379
الاستثناء في الكلام التام المنفي
يقول المؤلف: (ما استثنت الا مع تمام ينتصب): ما: اسم موصول بمعنى الذي.
واستثنت: بمعنى أخرجت بالاستثناء.
وإلا: فاعل استثنت، وجعلت همزتها همزة وصل من أجل الحفاظ على وزن البيت.
مع تمام: حال من (إلا).
وقوله ينتصب: الجملة خبر (ما) في قوله: (ما استثنت).
ومعناه: أن الذي تستثنيه إلا مع التمام ينتصب.
ومعنى التمام وجود ركني الجملة قبل إلا، وهما الفعل والفاعل، أو الفعل ونائب الفاعل، أو المبتدأ والخبر، يعني: إذا جاءت إلا بعد جملة تامة فما بعدها يكون منصوباً.
وبقي عليه قيد واحد لم يذكره لكنه يفهم مما يأتي بعد، وهو الإيجاب، فما استثنت إلا مع تمام وإيجاب فإنه يجب نصبه.
ومعنى الإيجاب: ألا يكون مسبوقاً بنفي أو شبهه، مثاله: قام القوم إلا زيداً.
قام: فعل ماض.
القوم: فاعل.
وبهذا تمت الجملة، وهي موجبة، أي مثبتة غير منفية، فيجب نصب ما بعد إلا.
لو قلت: قام القوم إلا زيدٌ.
لقلنا: لا يجوز.
قال تعالى: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة:٢٤٩] (فشربوا منه) جملة تامة موجبة جاء المستثنى بعدها منصوباً (إلا قليلاً).
إذاً: يشترط لنصب المستثنى بعد إلا شرطان: ١ - تمام الجملة.
٢ - وكون الكلام موجباً.
أمثلة: جاء الرجال إلا عمراً، قرأت الكتاب إلا ورقةً، أضيئت اللمبات إلا واحدة، الناس هالكون إلا المؤمنين، جاء القوم إلا سيارةً.
ما دام الكلام تاماً ولم يسبق بنفي أو شبهه فما بعد إلا منصوبة.
стр. 380
ترجيح الإتباع على النصب في الجملة التامة المنفية
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وبعد نفي او كنفي انتخب، إتباع ما اتصل وانصب ما انقطع) النفي إما بما أو بلا، والذي كالنفي هو النهي والاستفهام، وانتخب بمعنى اختير.
والذي اختير هو إتباع ما اتصل، أي: أن يكون تابعاً لما قبل إلا في الإعراب، فإن كان الذي قبل إلا مرفوعاً فهو مرفوع، وإن كان منصوباً فهو منصوب، وإن كان مجروراً فهو مجرور.
قوله: (إتباع ما اتصل وانصب ما انقطع) ما هو المنقطع والمتصل في الاستثناء؟ يقولون: إذا كان المستثنى من جنس المستثنى منه فهو متصل، وإذا كان من غير جنسه فهو منقطع.
فهمنا من كلام المؤلف أنه إذا كان الكلام تاماً مسبوقاً بنفي أو شبهه فلا يخلو إما أن يكون المستثنى متصلاً أو منقطعاً؛ فإن كان متصلاً فالمختار إتباعه بما سبق إلا، وإن كان منقطعاً وجب نصبه، ولهذا قال: (وانصب ما انقطع) وانصب: فعل أمر، والأمر للوجوب.
فإذا قلت: ما قام القوم إلا زيد.
فهو تام منفي، فالمختار الإتباع وهو رفع المستثنى (زيد) تبعاً للمستثنى منه (القوم)، لأن الاستثناء متصل، ويجوز النصب على الاستثناء لكنه مرجوح.
ما: نافية.
قام: فعل ماض.
أحد: فاعل.
إلا: أداة استثناء.
زيدٌ: بدل من أحد.
ما قرأت في كتاب إلا شرح ابن عقيل: ما: نافية.
قرأت: فعل وفاعل.
في: حرف جر.
كتاب: اسم مجرور.
إلا: أداة استثناء.
شرحِ ابن عقيل: شرحِ: بدل من كتاب مجرور، وعلامة جرة الكسرة الظاهرة في آخره، وهو مضاف وابن مضاف إليه، وابن مضاف وعقيل مضاف إليه.
وإذا قلت: ما قرأت كتاباً إلا شرحَ ابن عقيل.
فاللفظ لا يختلف؛ لكن هل تقول إن (شرحَ) منصوب على الاستثناء أو منصوب على البدلية؟ كلاهما جائزان، لكن الراجح البدلية، لأن الاستثناء متصل والجملة تامة منفية.
стр. 381
وجوب نصب المستثنى في الاستثناء المنقطع عند غير تميم
والحاصل أنه إذا كان الكلام تاماً موجباً وجب نصب المستثنى على كل حال.
وإن كان الكلام تاماً منفياً ففيه تفصيل: فإن كان الاستثناء متصلاً جاز النصب على الاستثناء، وجاز الإتباع وهو المختار.
وإن كان الاستثناء منقطعاً وجب النصب، ومن أمثلة هذا القسم الأخير: ما قام القوم إلا حماراً.
فيجب النصب لأن (إلا) بمعنى (لكن) فالمعنى: ما قام القوم لكنَّ حماراً قام، فيقولون: الاستثناء المنقطع تكون فيه (إلا) بمعنى لكن، ولكن تنصب المبتدأ اسماً لها.
قال المؤلف: (وعن تميم فيه إبدال وقع) أي: التميميون يقولون: يجوز أن تجعل المنقطع منصوباً على الاستثناء وأن تجعله تابعاً على البدلية، يعني: لا يفرقون بين المتصل والمنقطع إلا في الترجيح، فهم يرجحون الإبدال في المتصل ويرجحون النصب في المنقطع، فالفرق بينهم وبين الحجازيين أن الحجازيين يوجبون النصب في المنقطع وهؤلاء يرجحونه.
والدليل على أنهم يرجحونه أنه قال: (وعن تميم فيه إبدال) أي: وإلا فالراجح عندهم النصب على الاستثناء.
стр. 382
ترجيح نصب المستثنى إذا تقدم في الجملة التامة المنفية
قوله: (وغير نصب سابق في النفي قد يأتي ولكن نصبه اختر إن ورد) غير: مبتدأ، وجملة "قد يأتي" خبره.
وقوله: (وغير نصب سابق في النفي قد يأتي) غير نصب السابق هو الإتباع.
والنفي قد تقدم، يقول المؤلف: وغير نصب سابق في حال النفي قد يأتي ولكن نصبه اختر إن ورد، يعني: دون الإتباع.
وقوله: (غير نصب سابق في النفي) متعلقة بـ (يأتي) والمعنى: قد يأتي في النفي غير نصب السابق.
مثاله: ما قام الناس إلا زيداً.
فالمستثنى هنا متأخر، وإذا تأخر المستثنى في الاستثناء التام المنفي فالمختار الإتباع مثلما قال: (وبعد نفي أو كنفي انتخب إتباع ما اتصل)، أما إذا سبق المستثنى في التام المنفي فإنه يجوز الإتباع ويجوز النصب وهو معنى قوله: (وغير نصب سابق في النفي قد يأتي) وغير النصب هو الإتباع، ولكن النصب أرجح، ولذا قال: (ولكن نصبه اختر إن ورد).
فكأن المؤلف يقول: بعد نفي أو كنفي انتخب إتباع ما اتصل ما لم يسبق المستثنى المستثنى منه.
مثاله: ما قام إلا زيداً الناسُ، فهنا "زيد" سابق، فغير نصبه قد يأتي وهو الإتباع، لكن نصبه أولى كما في المثال.
والإتباع أن تقول: ما قام إلا زيدٌ الناس.
وإعرابه: ما: نافية.
قام: فعل ماض.
إلا: أداة حصر.
زيدٌ: فاعل.
الناس: بدل، لكن بعضهم يقول: بدل مقلوب، وأصله: ما قام الناس إلا زيدٌ، وبعضهم يقول: بدل كل من بعض، وأن بدل الكل من البعض وارد في اللغة العربية، ومنه قول الشاعر: رحم الله أعظماً دفنوها بسجستان طلحة الطلحات فطلحة الطلحات بدل من (أعظماً) والأعظم إنما هي جزء منه، لكنه بدل كل من بعض.
стр. 383
الاستثناء المفرغ
الحال الثالثة من أحوال المستثنى: أن تكون الجملة قبله مفرغة له غير كاملة، قال المؤلف: [وإن يفرغ سابق إلا لما بعد يكن كما لو الا عُدما] ويجوز: (عَدِما) وهما نسختان.
يفرغ: مجزومة بإن على أنها فعل الشرط.
سابق: فاعل يفرغ.
إلا: مفعول به لسابق.
يكن: جواب الشرط: والمعنى: إن يفرغ العامل السابق لـ (إلا) لما بعد إلا يكن هذا العامل المفرغ كما لو عدمت إلا؛ فإن فرغ للرفع صار ما بعد إلا مرفوعاً، وإن فرغ للنصب صار ما بعد إلا منصوباً، وإن فرغ للجر صار ما بعد إلا مجروراً.
وأمثلة ذلك: (ما قام إلا زيدٌ): ما: نافية.
قام: فعل ماض.
و (إلا) يسمونها هنا: أداة حصر، أو أداة استثناء ملغاة، وهذا أقيس.
وزيد: فاعل (قام) وكأن (إلا) ليست موجودة كأنك قلت: قام زيد.
(ما أكرمت إلا المجتهد).
أين مفعول (أكرمت)؟
الجواب
المجتهد؛ لأني فرغت (أكرمت) من المفعول وسلطت على الذي بعد إلا، فكان ما بعد إلا هو مفعوله.
(ما مررت إلا بزيد): (مررت) معروف أنها تتعدى بالباء، وقد فرغناها فلم نأت بالمعمول وجعلناه بعد إلا، فصار معمول مررت بعد قوله: إلا؛ لأن (إلا) لما فرغنا ما قبلها لما بعدها صارت كالمعدومة فيعمل ما قبلها فيما بعدها.
فهذه هي الحال الثالثة للاستثناء، وهي أن يكون ما قبلها ناقصاً، بمعنى: أنه يتطلب المعمول، فيكون ما بعد إلا معمولاً له؛ إن طلبه على أنه فاعل فهو فاعل، أو على أنه مفعول به فهو مفعول به، أو على أنه مجرور فهو مجرور.
وإذا قلت: (ما كان زيدٌ إلا قائماً)، فهذا مفرغ؛ لأن كان تطلب اسماً وخبراً ففرغناها من الخبر فكان ما بعد إلا هو خبرها.
وتقول: (ما ظننت زيداً إلا فاهماً) فهذا مفرغ للمفعول الثاني، فيكون المفعول الثاني ما بعد إلا.
стр. 384
تكرر إلا في الاستثناء
قال رحمه الله تعالى: [وألغ إلا ذات توكيد كلا تمرر بهم إلا الفتى إلا العلا] (ألغ إلا) يعني: أبطل عملها، (ذات توكيد) يعني: حال كونها صاحبة توكيد، ولا تكون مؤكدة إلا وقد سبقتها إلا؛ لأن التوكيد لابد له من مؤكَّد سابق، فمعنى ذلك أن إلا إذا تكررت وكانت الثانية توكيداً للأولى فإن الثانية تعتبر لاغية ليس لها عمل.
مثاله: (لا تمرر بهم إلا الفتى إلا العلا)، العلا هو الفتى، والعلا بمعنى الشرف والرفعة، وهو صفة بالمصدر مثلما تقول: زيد عدل فتصفه بالمصدر.
وهذا المثال هل هو من المفرغ، أم من التام الموجب، أم من التام المسبوق بنفي أو شبهه؟
الجواب
هو من التام المسبوق بنفي أو شبهه، وعلى هذا يكون (الفتى) في محل جر بدلاً من الضمير في قوله: (بهم) ويجوز أن يكون محل النصب، لكنه مرجوح؛ لأنه يقول: (وبعد نفي او كنفي انتخب إتباع ما اتصل) إذاً: لا: ناهية.
تمرر: فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، وفاعله مستتر وجوباً تقديره أنت.
بهم: جار ومجرور متعلق بـ (تمرر).
إلا: أداة استثناء.
الفتى: بدل من الهاء، وبدل المجرور مجرور وعلامة جره الكسرة المقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر.
إلا العلا، إلا: حرف استثناء ملغى، أي ليس له معنى.
العلا: عطف بيان أو بدل من الفتى؛ لأن العلا هو الفتى.
وكما تلغى في البدل وعطف البيان تلغى في العطف، كما تقول: (لا تكرم إلا زيداً وإلا عمراً).
فإلا زيداً: مفعول به، والواو: حرف عطف.
إلا: ملغاة.
وعمراً: معطوف على (زيداً) منصوب مثله.
والحاصل أنه إذا كررت إلا بقصد التوكيد فإنها تكون ملغاة، سواء كانت في عطف بيان أو بدل أو كانت في عطف نسق أو ما أشبه ذلك.
فقوله: (لا تمرر بهم إلا الفتى إلا العلا)، مثال لعطف البيان أو البدل.
ومثال عطف النسق: (لا تمرر بأحد إلا زيد وإلا عمرو) فإلا الثانية هنا ملغاة ليس لها قيمة ولا يضر حذفها، وهي مثل الزائدة.
فقولنا: (لا تكرم أحداً إلا زيداً وإلا عمراً)، لو حذفنا إلا لصح الكلام فنقول: لا تكرم إلا زيداً وعمراً.
стр. 385
تكرار إلا لغير التوكيد في الاستثناء المفرغ
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإن تكرر لا لتوكيد فمع تفريغ التأثير بالعامل دع في واحد مما بإلا استثني وليس عن نصب سواه مغني] أي: إذا تكررت (إلا) فإما أن تكون لتوكيد أو لغير توكيد، فإذا كانت لتوكيد فلا حكم لها ولا عمل، وهي ملغاة.
وإذا كانت لغير توكيد فلا تخلو من حالين: الحال الأولى: أن يكون ما قبلها مفرغاً لم يستوف معموله.
والحال الثانية: أن يكون غير مفرغ.
فيستفاد من قول المؤلف: (فمع تفريغ) حكم القسم الأول.
قال: (فمع تفريغ التأثير بالعامل دع في واحد مما بإلا استثني).
التأثير: مفعول دع مقدم، يعني: فدع التأثير بالعامل المفرغ في واحد مما بإلا استثني، فيكون الذي يتأثر بالعامل السابق لـ (إلا) واحداً من المستثنيات، والباقي ينصبن.
مثاله: (لم يقم إلا زيدٌ إلا عمراً إلا بكراً)، أولاً الكلام مفرغ؛ لأن (يقم) ما استوفت الفاعل، وقد كررت (إلا) ثلاث مرات، وليست الثانية منها توكيداً للأولى، وكذلك الثالثة، بل كل واحدة مستقلة، فهي: إذاً غير ملغاة.
ولا يجوز: (لم يقم إلا زيدٌ إلا عمرو إلا بكرٌ).
ولا يجوز: (لم يقم إلا زيداً إلا عمراً إلا بكراً)؛ لأن العامل المفرغ يطلب ما بعد (إلا) على أنه فاعل، والفاعل مرفوع.
ويجوز أن تقول: (لم يقم إلا زيداً إلا بكرٌ إلا عمراً)؛ لأنه وإن نصب الأول لكن الذي بعد الثاني مرفوع، وهو يقول: (في واحد مما بإلا) ولم يقل: (بالأول).
وكذلك يجوز: (لم يقم إلا زيداً إلا عمراً إلا بكرٌ).
وإذا قلت: (ما رأيت إلا زيداً إلا عمرا ًإلا بكراً) فهو صحيح؛ لأن (رأيت) تطلب ما بعد إلا على أنه مفعول به، والمفعول به منصوب، لكن الإعراب يختلف؛ فتقول: ما: نافية.
رأيت: فعل وفاعل.
إلا: أداة حصر.
زيداً: مفعول رأيت.
إلا عمراً، إلا: أداة استثناء.
عمراً: منصوب على الاستثناء.
إلا بكراً، إلا: أداة استثناء، وبكراً: منصوب على الاستثناء.
وفي قولنا: (لم يقم إلا زيدٌ إلا عمراً إلا بكراً) وجب نصب عمرو وبكر؛ لأن الكلام الذي قبلها قد صار تاماً موجباً في الواقع، فقولك: لم يقم إلا زيدٌ، هو بمنزلة قام زيد؛ لأن النفي نقض بإلا، ولهذا يقول: (ليس عن نصب سواه مغني) فيجب نصب ما بعده على الاستثناء.
ولو قلت: (لم يقم إلا زيدٌ إلا عمروٌ) لم يجز لأنه يجب النصب في أحدهما على الاستثناء.
стр. 386
تكرار إلا لغير التوكيد في الاستثناء غير المفرغ
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ودون تفريغ مع التقدم نصب الجميع احكم به والتزم وانصب لتأخير وجئ بواحد منها كما لو كان دون زائد كلم يفوا إلا امرؤ إلا علي وحكمها في القصد حكم الأول يعني: إذا لم يفرغ العامل لما بعد إلا فلا يخلو: إما أن تتقدم المستثنيات على المستثنى أو تتأخر؛ فإن تقدمت المستثنيات وجب النصب في الجميع؛ فتقول مثلاً: (ما قام إلا زيداً إلا عمراً إلا بكراً القوم).
فقوله: إلا زيداً إلا عمراً إلا بكراً، مستثنى من القوم؛ لكن تقدمت المستثنيات على المستثنى منه فوجب نصب الجميع، وهذا مأخوذ من البيت الأول.
قوله: (نصب الجميع احكم به) هذا من باب الاشتغال فكلمة (نصب) مفعول به لفعل محذوف دل عليه ما بعده؛ لأن (احكم) اشتغل بالضمير (به)، يعني: الزم نصب الجميع واحكم به.
والتزم: أي هذا الحكم في كل ما يأتيك من كلام العرب.
أما إذا تأخرت المستثنيات عن المستثنى منه، فالحكم فيها ما ذكره بقوله: (وانصب لتأخير وجئ بواحد منها كما لو كان دون زائد) أي: إذا تأخرت المستثنيات عن المستثنى منه وليس في الكلام تفريغ فانصب المستثنيات إلا واحداً منها، فاحكم فيه كما لو لم تزد المستثنيات على واحد، وقد علمنا فيما سبق أنه إذا كان الكلام تاماً منفياً جاز في المستثنى وجهان، وهما: الإتباع، والنصب على الاستثناء، والأحسن الإتباع، إلا فيما إذا كان المستثنى منقطعاً فإنه يجب النصب، ويجوز فيه الإتباع عند بني تميم كما قال: (وعن تميم فيه إبدال وقع).
إذاً: ما الفرق بين ما إذا تقدمت المستثنيات وما إذا تأخرت؟
و
الجواب
الفرق بينهما أنه إذا تقدمت وجب النصب للجميع في كل حال، وإذا تأخرت ينصب الجميع إلا واحداً فإنه يعامل كما لو لم يكن معه غيره.
ومثال التأخر: (ما قام القوم إلا زيدٌ إلا عمراً إلا خالداً).
ويجوز: (ما قام القوم إلا زيداً إلا عمراً إلا خالداً)، وهو أحسن لأنه إبدال.
وإذا قلت: (ما قام القوم إلا حمارٌ إلا بكراً إلا خالداً) فهو خطأ على لغة الحجازيين، لأن الاستثناء منقطع فيجب النصب عندهم، ويجوز عند بعض بني تميم، مع أن الأرجح عند بني تميم النصب، وعلى هذا فنقول: (ما قام القوم إلا حماراً إلا بكراً إلا خالداً) قال المؤلف في مثاله: (كلم يفوا إلا امرؤ إلا علي).
وكان عليه أن يقول: إلا علياً، لكن منعه الوزن الشعري، وذلك لأنه لا يعامل كما لو لم يكن معه غيره إلا واحد فقط، وهو الآن قال: إلا امرؤ، فلو قال: (كلم يفوا إلا امرأً إلا عليٌ) بنصب (امرؤ) لصح الكلام دون تكسير في البيت الشعري، فلما لم ينصبه فهمنا أن الأولى أن يكون الأول هو الذي يعامل معاملة المنفرد فيعرب على التبعية.
فيجوز أن أقول: (ما قام القوم إلا زيداً إلا بكرٌ إلا خالداً)، لكن الأولى أن أقول: (ما قام القوم إلا بكرٌ إلا زيداً إلا عمراً).
هذه المستثنيات إذا تكررت اختلفت في الإعراب؛ لكن هل تختلف في المعنى؟ قال المؤلف: (وحكمها في القصد حكم الأول).
يعني: أن الاستثناء منسحب على الجميع في المعنى، وإن كنت في الإعراب تجعل واحداً منها مخالفاً لها؛ فأنت إذا قلت: (ما قام القوم إلا زيد إلا بكراً إلا عمراً)، فالمعنى أن هؤلاء الثلاثة كلهم قاموا.
فهذا معنى قوله: (وحكمها في القصد حكم الأول).
стр. 387
خلاصة الكلام على الاستثناء بإلا إذا تكررت
وخلاصة هذه الأبيات: أولاً: إذا تكررت إلا للتوكيد فالثانية ملغاة ليس لها حكم إطلاقاً.
ثانياً: إذا تكررت لغير التوكيد وهو مفرغ فإنه يجب تسليط العامل على واحد من المستثنيات ونصب ما عداه.
ثالثاً: إذا تكررت لغير توكيد ودون تفريغ فإما أن تتقدم المستثنيات أو تتأخر: فإن تقدمت المستثنيات وجب نصبها جميعاً، ولهذا قال المؤلف: (ودون تفريغ مع التقدم نصب الجميع احكم به والتزم).
والحال الثانية في هذا القسم: أن تتأخر المستثنيات، فالواجب أن يعطى واحد منها كما لو كان وحده، والباقي يجب نصبه.
واختلاف المستثنيات في الإعراب لا يجعلها تختلف في المعنى، ولهذا قال: (وحكمها في القصد حكم الأول) وقد ذكر الفقهاء والنحويون في هذا المكان مسائل لا ندري هل من المصلحة أن نبينها أو لا، وهي: أنه إذا تكررت المستثنيات وكان يمكن استثناء بعضها من بعض، فبعضهم يقول: إنها كلها مستثناة من الأول، وبعضهم يقول: إن كل واحد مستثنى مما قبله، والفقهاء مختلفون في الأحكام بناء على ذلك.
فإذا قال مثلاً: عندي له عشرة إلا خمسة إلا ثلاثة إلا اثنين إلا واحداً، لزمه سبعة عند الحنابلة، لأنهم يستثنون كل واحد مما قبله، فتبدأ من الأخير، فيستثنى واحد من اثنين يبقى واحد، يستثنى الواحد من ثلاثة يبقى اثنان، إذا استُثني اثنان من خمسة يبقى ثلاثة، يستثنى ثلاثة من عشرة يبقى سبعة، فيلزمه في هذا سبعة.
وإذا قال: عندي له عشرة إلا خمسة إلا اثنين، نأخذ على القول الأول إنهن كلهن مستثنيات من الأول فنقول: المستثنى خمسة واثنين ومجموعهما سبعة يبقى ثلاثة.
وعلى القول الثاني نقول: اثنان من خمسة يبقى ثلاثة، ثلاثة من عشرة يبقى سبعة.
وافرض أن المسألة ملايين مثلاً، فالفرق بين ثلاثة ملايين وسبعة ملايين كبير جداً.
ولهذا فالحقيقة أن الراجح أن كل واحد مستثنى من الذي قبله إذا أمكن، أما مثل: قام القوم إلا زيداً إلا عمراً إلا بكراً، فهذا لا يمكن فيه أن يستثنى كل واحد مما قبله.
وقول ابن مالك: (وحكمها في القصد حكم أول) عام يقتضي أنها كلها مستثنيات من الأول ولو كان يمكن استثناء بعضها من بعض.
وهذه الأمثلة موجودة في كلام الفقهاء في باب الإقرار، وربما يذكرونه في الطلاق؛ لكنه في باب الطلاق محصور لا يتعدى أكثر من ثلاثة.
стр. 388
الاستثناء بغير إلا
стр. 389
حكم المستثنى بغير
قال المؤلف: [واستثن مجروراً بغير معرباً بما لمستثنى بإلا نسبا] معناه: أن (غير) من أدوات الاستثناء، وهي تجر ما بعدها بالإضافة.
وقوله: (معرباً) حال من (غير)، وإنما صح مجيء الحال منها لأن المقصود لفظها فهي معرفة بهذا المعنى، وإلا فالأصل الحال لا تأتي من النكرة إلا بعد أن تخصص.
يعني: لفظ (غير) يستثنى المجرور به حال كون هذا الغير معرباً بما لمستثنى بإلا نسبا.
وقوله: (بما لمستثنى) هذا متعلق بقوله: (معرباً).
وقوله: (لمستثنى بإلا) متعلق بقوله: (نسبا)، والألف في (نسبا) للإطلاق، أي: معرباً بما نسب للمستثنى بإلا.
إذاً: الاستثناء بغير له حكمان: الأول: حكم هذا المستثنى، والثاني: حكم غير.
أما حكم المستثنى بها فهو الجر دائماً، تقول: (قام القوم غيرَ زيدٍ) وتقول: (ما قام القوم غيرُ زيدٍ) وتقول: (ما قام غيرُ زيدٍ)، فزيد في كل هذه الحالات مجرور بالإضافة، وهو المستثنى.
أما حكم (غير) فهو حكم المستثنى بإلا تماماً، ولهذا قال: (معرباً بما لمستثنى بإلا نسبا) فإذا كان الكلام تاماً موجباً فالواجب نصب غير، تقول: (قام القوم غيرَ زيدٍ)، (قدم القوم غيرَ الأميرِ).
وإذا كان تاماً منفياً أو فيه شبه نفي فإنه يترجح الإبدال، ويجوز النصب إذا كان الاستثناء متصلاً، تقول: (ما قام القوم غيرُ زيدٍ)، ويجوز: (ما قام القوم غيرَ زيدٍ).
وإذا كان الاستثناء منقطعاً وجب النصب عند الحجازيين وجاز فيه البدل عند بني تميم، فتقول: (ما قام القوم غيرَ حمار) بل هو واجب عند الحجازيين، وإذا قلت: (ما قام القومُ غيرُ حمارٍ)، فهذا عند الحجازيين لحن لا يجوز، وعند التميميين جائز.
وإذا قلت: (ما قام غيرُ زيدٍ) يجب الرفع؛ لأنه مفرغ.
ما: نافية.
قام: فعل ماض.
غيرُ: فاعل مرفوع وعلامة رفعه ضم آخره، وغيرُ مضاف، وزيد مضاف إليه.
وإذا قلت: (ما أكرمت غيرَ طالبِ العلم) وجب النصب.
وإذا قلت: (ما مررت بغيرِ زيدٍ) يجب الجر، كما لو قلت: (ما مررت إلا بزيدٍ).
стр. 390
حكم المستثنى بسوى
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولسِوى سُوى سواء اجعلا على الأصح ما لغير جعلا] اجعلا: بالألف للإطلاق، ويجوز أن تكون منقلبة عن نون التوكيد الخفيفة، لأن نون التوكيد الخفيفة يجوز قلبها ألفاً (وقفاً كما تقول في قفن قفا) كما قال ابن مالك.
فهنا يجوز أن نجعل (اجعلا) فعل أمر مؤكداً بالنون المنقلبة ألفاً، ويجوز أن نجعله فعل أمر والألف للإطلاق؛ لكن الأولى أن نجعله فعل أمر مؤكداً، لأننا إذا جعلنا الألف للإطلاق، لزم من هذا أمران: تغيير الفعل، وزيادة ألف، وإذا جعلناها نيابة عن نون التوكيد صار الفعل مبنياً على الفتح لأنه متصل بنون التوكيد، وصارت الألف أصلية منقلبة عن نون التوكيد.
وقوله: (ولسوى سوى سواء) هي كلمة واحدة في الواقع لكن لها ثلاث صور: سِوى، سُوى، سواء، بالمد.
(اجعلا على الأصح ما لغير جعلا)، يعني: اجعل لها ما جعلت لغير، وتقدم أن ما بعد (غير) يجر بالإضافة دائماً، وأما هي فتعرب كإعراب المستثنى بإلا.
إذاً: أضف (سوى) بصورها الثلاث في الحكم إلى غير، ويكون المستثنى بسوى دائماً مجروراً، أما هي فعلى حسب المستثنى بإلا، مثل غير تماماً.
فتقول مثلاً: قام القوم سواء زيد، أي: غير زيد، وتقول: قام القوم سِوى زيد، وقام القوم سُوى زيد، وإعراب "سِوى وسُوى وسواء" واحد.
تقول: قام القوم سواءَ زيدٍ.
وتقول: ما قام القوم سواءَ زيدٍ، لكنه مرجوح، وتقول: ما قام القوم سواءُ زيدٍ، وهو الراجح.
وإذا قلت: ما قام القوم سواءُ حمارٍ.
فهذا ممنوع عند الحجازيين، وجائز عند بني تميم.
وتقول: (ما قام سواءُ زيدٍ) بالرفع وجوباً.
وتقول: (ما رأيت سواءَ زيدٍ) بالنصب وجوباً.
وتقول: (ما مررت بسواءِ زيد) بالجر وجوباً.
وأنا اخترت التمثيل بسواء لأنها تظهر عليها الحركات، وإلا فسِوى وسُوى معناهما مع سواء واحد.
وقول المؤلف: (على الأصح) يشير إلى أن هناك خلافاً مرجوحاً وهو خلاف سيبويه، الذي جعل (سِوى وسُوى وسواء) دائمة النصب على الظرفية، وما ورد على خلاف ذلك فمؤول.
ولا ريب أن هذا القول لا حظ له من النظر، وأن قول ابن مالك أصح، إذ إنه ورد في اللغة العربية على أنها حسب العوامل، فتكون منصوبة إذا تم الكلام وكان موجباً، وتكون مبدلة أو منصوبة إذا تم وكان منفياً أو شبهه، فكل من يقول إنها إذا وردت غير منصوبة تحتاج إلى تأويل، فقوله خلاف الظاهر، والصواب مع ابن مالك.
وتوسط قوم فقالوا: إن الأكثر أن تكون منصوبة على الظرفية، وأنها تستعمل أحياناً للاستثناء فتكون كغير، لكن رأي ابن مالك أن حكمها حكم غير، و (غير) حكمها حكم المستثنى بإلا على حسب التفصيل السابق.
وليس من الاستثناء مثل قوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المنافقون:٦] لكن إذا جاءت (سواء) بمعنى إلا، فهي التي تعامل كغير، أما إذا جاءت مبتدأ أو ما أشبه ذلك فحكمها معروف.
следующие страницы →