← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 36954

شرح ألفية ابن مالك للعثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (761 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

نصب الفاعل في المعنى تمييزاً بعد أفعل التفضيل قوله: (والفاعل المعنى انصبن بأفعلا مفضلاً كأنت أعلى منزلا) الفاعل المعنى: مفعول لانصبن مقدم. يعني: الفاعل في المعنى. انصبن: فعل أمر مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة. وقوله: (انصبن بأفعلا مفضلاً) يعني: قاصداً التفضيل؛ إما تفضيل زيد على زيد، أو تفضيل حاله على حاله وما أشبه ذلك. والمعنى أنه إذا وقع التمييز بعد اسم التفضيل وهو فاعل في المعنى فانصبن. فقوله: (أنت أعلى منزلا) أصله: أنت علا منزلك، فتجد أن (أعلى) يقوم مقامه (علا)، و (منزلاً) يقوم مقامه الفاعل، فمنزل إذاً فاعل في المعنى. أما نحو: زيد أفضل رجل، فلا نقول إن (رجل) هذا ينصب على التمييز؛ لأنه ليس فاعلاً في المعنى. والحاصل أن كل اسم يقع بعد أفعل التفضيل فإن كان فاعلاً في المعنى نصب تمييزاً، وإلا وجب جره بالإضافة. تقول مثلاً: أنا أكثر منك مالاً، أي: كثر مالي على مالك. وأعز نفراً: عز نفري على نفرك. إذا قلت: فلان أكرم رجل، فليس رجل فاعلاً في المعنى، لأنه لا يصلح أن نقول: فلان كرُم رجل، إذاً يجب جره بالإضافة فتقول: أكرمُ رجلٍ. وتقول: المؤذنون أطول الناس أعناقاً، أعناقاً: تمييز؛ لأن أصله: طالت أعناقهم، فإذاً هو فاعل في المعنى. تقول مثلاً: فلان أسلمُ قلباً، قلباً: تمييز، والمعنى: سلم قلبه، وتقول: قلب فلانٌ أسلم قلبٍ، ولا يصلح أن نقول: قلب فلانٌ أسلمُ قلباً؛ لأن القلب هو القلب، إذاً: فيجب جره بالإضافة. والحاصل من هذا البيت أنه إذا وقع بعد اسم التفضيل اسم محول عن الفاعل في المعنى وجب نصبه على التمييز، وإن لم يكن فاعلاً في المعنى وجب جره بالإضافة، والله أعلم.

стр. 422

التمييز بعد صيغ التعجب قوله: (وبعد كل ما اقتضى تعجباً ميز). أي: أنه يأتي التمييز بعد كل عامل اقتضى التعجب. والتعجب له صيغتان اصطلاحيتان، وله صيغ متعددة من حيث المعنى، أي أن التعجب يراد به التعجب اللفظي الذي يقع بصيغته المعينة، ويراد به التعجب المعنوي الذي دل عليه السياق. فالصيغتان الاصطلاحيتان للتعجب هما: ما أفعله، وأفعل به. تقول: ما أحسن السماء، يقولون: إن ابنة أبي الأسود الدؤلي قالت ذات ليلة: يا أبت! ما أحسنُ السماءِ، قال: يا بنية! نجومها. والجواب صحيح؛ لأنها الآن تستفهم عن أحسن شيء في السماء؟ فقال: نجومها. فقالت: يا أبت! لست أريد هذا، أريد أن السماء حسنة وجميلة، فقال لها: يا بنية! ألا فتحت فاكِ وقلت: ما أحسنَ السماءَ! فهذه صيغة من الصيغ، ومثالها قوله تعالى: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة:١٧٥]. تقول مثلاً: ما أحسن زيداً أدباً! أدباً: تمييز؛ لأنها أتت بعد التعجب، وكذلك أيضاً تقول: ما أجمله وجهاً، نقول أيضاً: وجهاً: تمييز لأنها أتت بعدما اقتضى التعجب. وتقول مثلاً: أكرِم بزيدٍ ضيافة، ضيافة: تمييز؛ لأنها أتت بعد فعل التعجب. ومن مثال المؤلف: (أكرِم بأبي بكر أباً)، يعني أبا بكر الصديق ﵁، وإعرابها: أكرم: فعل تعجب مبني على السكون وفاعله مستتر وجوباً تقديره أنت. بأبي بكر: جار ومجرور متعلق بأكرم. وأباً: تمييز منصوب وعلامة نصبه فتحة ظاهرة في آخره. كذلك تقول: ما أحسن زيداً أدباً: ما: تعجبية مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ. وأحسن: فعل ماض مبني على الفتح، وفاعله مستتر وجوباً تقديره هو. زيداً: مفعول به منصوب، وعامله أحسن. أدباً: تمييز منصوب وعلامة نصبه فتحة ظاهرة في آخره. فهذا الذي يأتي بعد التعجب بصيغتين اصطلاحيتين. كذلك الذي يأتي بعد التعجب بدون الصيغ المعروفة كقولهم: لله درُّه فارساً؛ لله: جار ومجرور خبر مقدم. دره: در: مبتدأ مؤخر وهو مضاف إلى الهاء. وفارساً: تمييز منصوب. وليس بلازم أن يأتي تمييز كلما جاء للتعجب، لكن ما أتى بعد التعجب منصوباً فهو تمييز. وصيغة (أفعل به) فيها ما ذكرنا من الإعراب، وفيها رأي آخر يقول: (أفعل) وإن كان بصيغة الأمر لكن معناه الخبر، وعلى هذا يكون (به) هو الفاعل، ويقولون: إن الباء زائدة كزيادتها في قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء:٧٩]، ويقولون: إن الجملة هنا ليست إنشائية ولكنها خبرية: وإن (أكرم به)، معناها: ما أكرمه!

стр. 423

حكم جر التمييز بـ (من) والخلاصة أن القاعدة: أنه كلما جاء الاسم منصوباً بعد ما يقتضي التعجب فإنه يكون تمييزاً. قال المؤلف: (واجرر بمن إن شئت غير ذي العدد). اجرر: فعل أمر. بمن: جار ومجرور متعلق به. إن شئت: إن: شرطية، وشئت: فعل الشرط، والتاء فاعله. غير: مفعول اجرر. ذي: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الياء. العدد: مضاف إليه مجرور. وجواب الشرط فيه رأيان: رأي أنه محذوف دل عليه ما قبله والتقدير: واجرر بمن إن شئت فاجرره. والرأي الثاني: أنه لا يحتاج في مثل هذا التركيب إلى جواب، والرأي الأخير أصح، لأنه أوضح في المعنى وأسلم في التقدير. وقوله: (غير ذي العدد) أي: غير تمييز ذي العدد، أي التمييز الذي ليس تمييز عدد يجوز جره بمن، وتمييز العدد لا يجر بمن. ومعنى البيت: واجرر غير الفاعل في المعنى من التمييز إن شئت، لا إن كان تمييز عدد. والتمييز الفاعل في المعنى هو ما تقدم في قوله: (والفاعل المعنى انصبن بأفعلا مفضلاً) فالفاعل المعنى لا يجر بمن، فلا تقول: أنا أكثر منك من مالٍ، بل تقول: أنا أكثر منك مالاً، وتقول: أنا أقوى منك جسداً، ولا تقول: أنا أقوى منك من جسد. وبقية التمييزات يجوز جرها بمن. إذاً: القاعدة: كل تمييز فإنه يجوز جره بمن إلا اثنين، وهما: تمييز العدد، والفاعل المعنى. ومثل المؤلف للتمييز الفاعل في المعنى بقوله: (طب نفساً)، فطب: فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت. ونفساً: تمييز محول عن الفاعل، وأصله: طابت نفسك، ولا يجوز أن تقول: طب من نفس! وقوله: (تُفد)، أي: تعط الفائدة. أمثلة: اشتريت شبراً أرضاً. ويجوز: شبراً من أرض، ويجوز وجه ثالث: شبر أرض، كما سبق في قوله: (وبعد ذي وشبهها اجرره إذا إلخ). وتقول: لله درُّه فارساً. ويجوز: لله درُّه من فارس! وتقول: عندي عشرون كتاباً. ولا يجوز: عندي عشرون من كتابٍ! لكن يجوز أن تقول: عندي عشرون من الكتب، وحينئذ لا يكون تمييزاً؛ لأن تمييز العدد يكون مفرداً. وتقول مثلاً: أكل الرجل منوين تمراً. ويجوز: منوي تمرٍ، بالإضافة؛ لأن ذلك ليس بعدد.

стр. 424

تقديم عامل التمييز ثم قال المؤلف: (وعامل التمييز قدم مطلقاً). عامل: مفعول مقدم. وقدِّم: هو العامل فيه. وعامل مضاف، والتمييز: مضاف إليه. مطلقاً: صفة لمحذوف والتقدير: تقديماً مطلقاً. يقولون: (مطلقاً) بمعنى أنه في كل الأحوال، وإن الإطلاق يعود إلى شيء سابق أو إلى شيء لاحق، بمعنى أنه يعود إلى قيد سابق أو لاحق، فما هو القيد اللاحق؟ قال: (والفعل ذو التصريف نزراً سُبقا) الفعل: مبتدأ. ذو: صفة مرفوعة، وهي مضاف، والتصريف: مضاف إليه. نزراً: ظرف منصوب، ونزراً أي: قليلاً. سبقا: فعل ماض، والألف للإطلاق، والجملة في محل رفع خبر. يقول المؤلف ﵀: إنه لا يجوز أن يتقدم التمييز على عامله، فالواجب أن يتقدم العامل عليه، فلا يجوز أن تقول: عندي رجلاً عشرونَ، أو: عندي أرضاً شبرٌ. ويجوز أن يتقدم التمييز على عامله إذا كان العامل فعلاً متصرفاً، وذلك قليل، ولهذا قال: (نزراً سُبقا) مثاله: إذا قلت: أكرم بأبي بكر أباً، يصلح أن تقول: أباً أكرم بأبي بكر! وقال بعض النحويين: إنه ممتنع وإن ما ورد من ذلك في اللغة العربية يحفظ ولا يقاس عليه.

стр. 425

حروف الجر

стр. 426

تعداد حروف الجر وذكر ما يختص به كل حرف قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حروف الجر]. قوله: (حروف الجر). من باب إضافة الشيء إلى نوعه؛ لأنها حروف تجر، كما أن هناك حروفاً ترفع وحروفاً تنصب وحروفاً تجزم. فمثلاً: إن وأخواتها حروف ترفع الخبر وتنصب المبتدأ. وحروف الجر جميعها تشترك في العمل، بمعنى: أنها كلها تجر، وليس فيها حرف لا يجر، لكنها تختلف في مدخولها وفي معناها، كما سيتبين إن شاء الله. قال المؤلف ﵀: [هاك حروف الجر وهي من إلى حتى خلا حاشا عدا في عن على]. قال المؤلف: (هاك حروف الجر)، هاك: اسم فعل بمعنى: خذ، وهل اسم الفعل هو (ها) والكاف حرف خطاب أو هو الجميع؟ فيه خلاف. حروف الجر: حروف: مفعول به بهاك؛ لأن هاك اسم فعل يعمل عمل الفعل. هاك حروف الجر، يعني: خذ الحروف التي تجر. واستفدنا من قوله: (حروف) أنها ليست أسماء ولا أفعالاً، لكن بعضها قد يكون أسماء وقد يكون أفعالاً، وفي هذه الحال يخرج عن حروف الجر، فإن (على) تستعمل اسماً والكاف تستعمل اسماً، ومذ ومنذ يستعملان اسمين، وخلا وحاشا وعدا تستعمل أفعالاً، فهي في خروجها إلى ذلك لا تعتبر من حروف الجر. وقوله: (وهي من إلى): أي: من وإلى، لكنه أسقط حرف العطف لضرورة الوزن واختصاراً. قوله: (حتى): أي: وحتى، وخلا، وحاشا وعدا وفي وعن وعلى، فذكر في بيت واحد تسعة حروف. وفي هذا البيت هبة وحكم وأدوات، وهذا يدلك على أن هذه الألفية جامعة، وهي من أجمع كتب النحو. يقول: [مذ منذ ورُبّ اللام كي واو وتا والكاف والبا ولعل ومتى]. وبهذا تكون عشرين حرفا. وقد ذكرنا أنها كلها تجر، وأنها تختلف في المعنى، وتختلف في الاختصاص، أي ما يختص به واحد دون الآخر. وقد بدأ المؤلف ﵀ بذكر ما يختص به كل حرف، فقال: [بالظاهر اخصص منذ مذ وحتى والكاف والواو ورب والتا] بالظاهر: جار ومجرور متعلق باخصص. اخصص: فعل أمر؛ يقال: اخصص بفك الإدغام، ويقال: خُصَّ بالإدغام. قال: (بالظاهر اخصص منذ، مذ، وحتى، والكاف، والواو، ورُبَّ، والتاء) فهذه سبع أدوات من العشرين تختص بالظاهر، أي فلا تجر الضمائر، وإنما تجر الأسماء الظاهرة فقط. فمثلاً تقول: حضرت مذ يومين، ولا يجوز أن تقول: حضرت مذهما، وتقول: منذ يومين، ولا تقول: منذهما. وتقول: سأنتظر حتى مجيء زيد، وقال الله تعالى: ﴿سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر:٥]. ولا يجوز: سرت حتاك! لكن يجوز: سرت إليك؛ لأن (إلى) غير مختصة بالظاهر، مع أن (حتى وإلى) كليهما للغاية. أيضاً: الكاف مختصة بالظاهر، تقول مثلاً: فلان كالأسد. ويجوز أن يقول: فلان كزيد، وهو يخاطب زيداً، ولا يجوز أن يضع بدل زيد المخاطب ضمير الخطاب فيقول: فلان كك! لأن الكاف لا تدخل إلا على الاسم الظاهر، وسيأتي في كلام المؤلف أنها قد تدخل على الاسم المضمر لكن نادراً، مثل: كها! كذلك الواو مختصة بالظاهر، وهي كما علمنا فيما سبق من حروف القسم، تقول: واللهِ، وربِّ العالمين، وخالقِ الأرض والسماء وما أشبه ذلك، ولا تقول: وك يا ربِ! فلا يجوز دخولها على الضمير حتى ضمير الغيبة، فلو قلت مثلاً: وهو! تحلف وتريد بالضمير الله لم يجز. لكن الباء تجوز: وبه أحلف. كذلك أيضاً: رُبَّ، لا تدخل إلا على الاسم الظاهر، وأضيق من هذا أيضاً أنها لا تدخل إلا على النكرة، تقول مثلاً: رُبَّ رجل لقيته، لكن لا يمكن أن تقول: رُبَّ الرجل لقيته، ولا تقول: رُبَّ زيدٍ لقيته، تريد زيداً معيناً، أما: رُبَّ زيدٍ لقيته، تريد: رُبَّ مسمى بهذا الاسم، فهذا جائز؛ لأنه ليس علماً. ويجوز بقلة: ربه رجل قائم، كما قال: [وما رووا من نحو ربه فتى نزر] كما سيأتي. قوله: (والتا) التاء أيضاً مما يختص بالظاهر، وهي من حروف القسم. فعندنا الآن من حروف القسم اثنان هما: الواو والتاء؛ لكن التاء كما لا تجر إلا المقسم به، لا تكون إلا متصلة بالله أو برب، كما قال المؤلف: (والتاء لله ورَبْ)، إذا قلت: تالرحمن، فلا يجوز، ولا: تالعزيز، ولا: تالسلام. إذاً التاء خصصت بعدة تخصيصات: الاسم الظاهر، القسم، الله ورب، تقول: تالله لأفعلن، وتقول: ترب الكعبة لأفعلن كذا. ولو قلت مثلاً: ربي الله، ته أحلف، مثل: به أحلف، فلا يجوز. قوله: [واخصص بمذ ومنذ وقتاً]: أي: مذ ومنذ إذا كانا حرفي جر فاخصص بهما الوقت، تقول مثلاً: ما رأيته مذ يومين، ما رأيته منذ يومين، واليوم وقت. ولا تقول: ما سرت مذ المسجد ولا منذ المسجد، لأن المسجد مكان وليس وقتاً. وتصلح (منذ ومذ) للمعرفة والنكرة، فتقول: ما رأيته منذ اليوم، وما رأيته منذ يومين، وما رأيته منذ سنة، وما رأيته منذ شهر، وما رأيته منذ أسبوع. قوله: [وبرب منكراً]. يعني: واخصص برب منكراً، فهي لا تدخل على المعارف، فلا تقول: رب الرجل لقيته، ولا رب زيد لقيته؛ إلا على تقدير: رب مسمى بهذا الاسم، كما تقدم، أما زيد الذي هو زيد بن فلان فلا. قال المؤلف: [وما رووا من نحو ربه فتى نزر كذا كها ونحوه أتى] الذين رووا هم النحاة، والعرب مروي عنهم. نزر: خبر ما؛ لأن (ما) اسم موصول مبني على السكون في محل رفع متبدأ. و (رووا) صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: وما رووه، أي: من نحو ربه فتى نزر قليل. والذي خرج عن القاعدة في هذا المثال أن (رُبَّ) دخلت على الضمير، وهي لا تدخل إلا على ظاهر. وأيضاً: الضمير معرفة وهي مختصة بالنكرة، أي أنها خالفت القياس من وجهين. قوله: (كذا كها) أي أن (كها) أيضاً نزر قليل في كلام العرب. كها: الكاف حرف جر، وها: ضمير مبني على السكون في محل جر، فهنا دخلت الكاف على ضمير، وقد سبق أن الكاف لا تدخل إلا على الاسم الظاهر؛ ولكنه كما قال ابن مالك: نزر. قوله: (ونحوه) أي: مثله، أي: نحو كها، وذلك مثل: (كهو) يعني: ضمير الغائب، وأما ضمير المخاطب (كك) فلا أظنه يروى، ولهذا قال: (ونحوه) أي من ضمائر الغيب كهن. الآن نذكر القواعد: أولاً: حروف الجر هي الأدوات التي تعمل الجر، وهي عشرون أداة، تشترك جميعاً في عمل الجر، وتختلف في الاختصاص والمعاني. البيتان الأولان عدد فيهما هذه الأدوات. البيت الثالث: القاعدة فيه: يختص بالأسماء الظاهرة هذه الأدوات، وهي: مذ ومنذ وحتى والكاف والواو ورب والتاء. وهي سبع. والبيت الرابع القاعدة فيه: تختص مذ ومنذ بالوقت، فلا تجر إلا ما دل على زمن، وتختص رب بالنكرات فلا تجر الضمائر ولا المعارف، وتختص التاء باسمين فقط وهما: الله ورَبّ. البيت الخامس: ما روي عن العرب من دخول رُبَّ على الضمير والكاف على الضمير فهو نزر قليل وخارج عن القياس. والله أعلم.

стр. 427

معاني (من) من حروف الجر قال المؤلف رحمه الله تعالى: [بعض وبين وابتدئ في الأمكنة بمن وقد تأتي لبدء الأزمنة وزيد في نفي وشبهه فجر نكرة كما لباغ من مفر] بدأ المؤلف بذكر معاني حروف الجر، واختصاص كل واحد بمعنى، فقال: (بعض وبين وابتدئ) فهذه ثلاثة معان: بعض: التبعيض. بيِّن: التبيين. ابتدئ: الابتداء. (في الأمكنة بمن) من: حرف جر. فقوله: (بعِّض) معناه أنها تأتي للتبعيض، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا﴾ [البقرة:١٦٥] أي: بعض الناس. قوله: (بيِّن) معناه أنها تأتي للبيان، مثل أن تقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [البينة:٦] فإن قوله: ((مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ)) لبيان الجنس؛ أي: لتمييز هؤلاء من هؤلاء، وليست للتبعيض؛ لأن كل أهل الكتاب كفار بعد بعثة الرسول ﵊، أما قبل ذلك، فمنهم المؤمن ومنهم الكافر. أما قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن:٢] فهي للتبعيض. وكذلك قوله: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود:١٠٥] للتبعيض، يعني: فبعضهم شقي، وبعضهم سعيد. والغالب أن (مِنْ) البيانية تأتي بياناً لاسم موصول، أو لأداة شرط، أو استفهام، أي: تأتي بعد الأسماء المبهمة، فكلما دخلت (من) على أسماء مبهمة فهي للتبيين، سواء كان هذا الإبهام في الشرط أو في الاستفهام أو في الموصول. قوله: (وابتدئ في الأمكنة): يعني: وتأتي (من) أيضاً للابتداء في الأماكن، كقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ [الإسراء:١]، والمسجد الحرام مكان. وتقول: هاجر النبي ﷺ من مكة، أي أن ابتداء هجرته كان من مكة. وتقول: سرت من البيت إلى المسجد، ورجعت من المسجد إلى البيت. قوله: (وقد تأتي لبدء الأزمنة) يعني: قد تأتي أيضاً للابتداء في الزمان، وقوله: (قد) هذه للتقليل، إذاً: فالأكثر في (من) إذا كانت للابتداء أن تكون في الأمكنة. ومثال مجيء (من) للابتداء في الزمان: جلست عندك من يوم الأحد إلى يوم الأربعاء. فالقاعدة التي في البيت الأول: أن (مِنْ) تأتي لثلاث معان: للتبعيض والتبيين والابتداء، والابتداء في الأمكنة أكثر منها للابتداء في الأزمنة. إعراب البيت: بعض: فعل أمر. وبيَّن: الواو حرف عطف، وبيَّن فعل أمر أيضاً. وابتدئ: فعل أمر، والأصل في الأمر الوجوب. في الأمكنة: جار ومجرور متعلق بابتدئ. بمن: جار ومجرور متنازع فيه بين الأفعال الثلاثة: (بعض وبين وابتدئ)، فهو متعلق بابتدئ عند أهل البصرة، لأنه أقرب، واختار عكساً غيرهم ذا أسرة. وما لم يعمل في المتنازع فيه عمل في مضمر مقدر، كما قال ابن مالك: وأعمل المهمل في ضمير ما تنازعاه والتزم ما التزما ولا تجي مع أول قد أهملا بمضمر لغير رفع أوهلا وعلى هذا نقول: المعمل هو الأخير في هذا البيت، وهو قوله (ابتدئ)؛ لأننا لو أعملنا الأول لوجب أن نضمر في الثاني والثالث، وهنا لم نضمر فيكون الإعمال للأخير. ثم قال: (وزيد في نفي وشبهه). وهذا هو المعنى الرابع لـ (مِنْ) وهو أن تكون زائدة، وهي تزيد في اللفظ، وتزيد أيضاً في المعنى؛ لأنها تعطيه قوة. ولعل هذا التعبير غريب؛ لأن المعروف أننا نقول: زائدة لفظاً لا زائدة معنى، وقصدهم (لا زائدة معنى)، أي: ليست خالية من المعنى؛ لكن الذي قالوا: إنها زائدة لفظاً زائدة معنى فقصدهم أنها تزيد المعنى قوة. يقول: (وزيد في نفي وشبهه)، النفي واضح، ويكون بما، ولا، وليس وما أشبهها. وشبه النفي هو النهي والاستفهام الذي بمعنى النفي. وأنا عندي شك في كلام ابن مالك من جهة اللفظ: (زِيد) لأنه قال عنها: (وقد تأتي) بالتأنيث؛ فكيف يجعلها مؤنثة، ثم يقول: (زيد) فيجعلها مذكرة؟ نقول: إذا اعتبرنا اللفظ فهي مذكرة، وإذا اعتبرنا أنها أداة جر فهي مؤنثة. وعليه فقوله: (وقد تأتي) أي هذه الأداة، وهي باعتبار اللفظ مذكرة، يعني: زيد حرف مِنْ، والمعنى: أتى زائداً في نفي وشبهه. قوله: (فجر نكرة)، جر: فعل ماض فاعله مستتر، ونكرة: مفعول جر. مثاله: (كما لباغٍ من مفر) من زائدة؛ لأن الكلام يستقيم لو قلت: ما لباغٍ مفر، بحذف مِنْ. والإعراب: ما: نافية. لباغٍ: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم. من: زائدة. مفر: مبتدأ مؤخر مرفوع بضمة مقدرة منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. و (ما) هنا ملغاة لا تعمل عمل ليس؛ لتقدم الخبر، كما قال ابن مالك: إعمال ليس أعملت ما دون إن مع بقا النفي وترتيب زكن إذاً: هذه ملغاة؛ وذلك لأن خبرها متقدم، ومن شرطها أن يتقدم الاسم. فالقاعدة من البيت: أن (من) تزاد بشرطين: أولاً: أن يتقدمها نفي أو شبهه. والثاني: أن يكون مدخولها نكرة. ومثالها: ما لباغ من مفر. نأخذ أمثلة أيضاً: قال الله تعالى: ﴿مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ﴾ [المائدة:١٩]، (من) هنا زائدة لسبقها بما ودخولها على نكرة (بشير). وعلى هذا فنقول: جاء: فعل ماض ونا: مفعول به مبني على السكون في محل نصب. من: حرف جر صلة، ولا نقول (زائد) لئلا يظن أحد أن في القرآن لغواً. بشير: فاعل مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ومثال الاستفهام: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ [مريم:٩٨]، وتكررت (من) هنا مرتين، لكن الزائدة هي الثانية، لأن الثانية داخلة على نكرة، والأولى على معرفة. هل: حرف للاستفهام. تحس: فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره أنت. منهم: جار ومجرور. من: زائدة. أحد: مفعول به منصوب بالفتحة المقدرة منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ومثال النهي: لا تضرب من أحد من الطلبة. الشاهد في قوله: (من أحد)، من: حرف جر زائد، وأحد: مفعول به منصوب بفتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. أما قوله تعالى: ﴿ِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [إبراهيم:١٠] فهي تبعيضية. وحملها بعض النحويين على قوله: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾، فجعل (من) زائدة، وقال: يجوز دخولها زائدة على معرفة، واستدل بالآية. ونحن نقول: لا نوافقك على هذا الشيء؛ لأنك إذا تأملت: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾، وجدت الخطاب موجهاً إلى هذه الأمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [الصف:١٠ - ١٢]. إذاً: فهي للعموم، وكل ذنوبنا مغفورة بهذا الوعد من الله ، وإذا تأملت: ﴿مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [الأحقاف:٣١] وجدتها إما من كلام الجن: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف:٣١]، ولم يجزموا بغفران الذنوب جميعاً؛ لأنهم إنما يرجون ذلك رجاء. ووجدت أيضاً أن ((يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ)) جاءت في كلام نوح، في قوله: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [نوح:٤]، وهذا إما أن يقال: إن هذه الأمة فضلت على قوم نوح بمغفرة جميع ذنوبها، أو يقال: إن نوحاً ﵊ قال لقومه هذا لأجل أن يرجيهم. المهم أنه لا يمكن أن نحمل هذه على هذه مع اختلاف المعنى، فالصحيح إذاً كما قال ابن مالك إن (من) تزاد بشرطين كما تقدم.

стр. 428

مجيء (حتى واللام وإلى) للانتهاء قال المؤلف: [للانتها حتى ولام وإلى]. معناه: أن (حتى واللام وإلى) تأتي للانتهاء. مثال (حتى) قوله تعالى: ﴿سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر:٥]. ومنه أيضاً: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ﴾ [البقرة:١٨٧]. البصريون يقولون: حتى: حرف جر والفعل منصوب بأن مضمرة بعد حتى، وعلى هذا فيكون المعنى: وكلوا واشربوا حتى تبيُّن، فيؤول بمصدر. أما الكوفيون فيرون أن (حتى) نفسها تنصب الفعل، وهي على كل حال للانتهاء. كذلك اللام تكون للانتهاء، مثل أن تقول: سرت من عنيزة لمكة، بمعنى: إلى مكة، ومثل قوله تعالى: ﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الرعد:٢]، أي: إلى أجل، كما في آية أخرى. فاللام تأتي للغاية. و (إلى) كذلك، وهي الأصل، قال الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ [الإسراء:١]. والغاية غير داخلة إلا بقرينة، فلو قلت مثلاً: سرت إلى مجرى السيل، فالمعنى أنك لم تدخل فيه. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧] ولا يدخل الليل في الصيام، فابتداء الغاية ليس بداخل. وإذا قلنا مثلاً: لك هذه الأرض إلى الجبل، فالجبل لا يدخل. أما إذا وجدت قرينة فإنه يدخل، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة:٦]، فإن المرفق داخلة لفعل الرسول ﷺ . قوله: (ومن وباء يفهمان بدلاً): يعني: يأتيان للبدلية، أي: بمعنى بدل. إذا: (من) تأتي للتبعيض وللبيان وللابتداء وتأتي زائدة، وتأتي بمعنى بدل، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ [الزخرف:٦٠] أي: بدلكم. وقال: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ﴾ [التوبة:٣٨]، أي بدل الآخرة، وليس المعنى أن الدنيا من الآخرة. وتقول: اقتنعت بالدرهم من الدينار، أي: بدل الدينار. والباء أيضاً تأتي بدلية بمعنى بدل، مثل قولك: ما أحب أن لي بها حمر النعم. أي: ما أحب أن لي بدلها حمر النعم. ومثلها قول كعب بن مالك: ما أحب أن لي بها بدراً، يعني: بدلاً عنها بدراً. ومنه قول الشاعر: لكن قومي وإن كانوا ذوي حسب ليسوا من الشر في شيء وإن هانا يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة ومن إساءة أهل السوء إحساناً فهو يقول: قومي وإن كانوا ذوي حسب وشرف لا يحبون الشر ولو كان هيناً، وإذا ظلمهم أحد يجازون الظلم بالمغفرة، وإذا أساء إليهم يجازون الإساءة بالإحسان، أي أنهم جبناء لا ينصرونه، ولهذا قال: فليت لي بهمُ قوماً إذا ركبوا شنوا الإغارة فرساناً وركبانا لا يسألون أخاهم حين يندبهم في النائبات على ما قال برهانا طيب، الشاهد قوله: (فليت لي بهم قوماً) أي: بدلهم. إذاً: الباء تأتي بمعنى: بدل، وكذلك (من) تأتي بمعنى: بدل.

стр. 429

شرح ألفية ابن مالك [٤١] تأتي حروف الجر لمعان كثيرة، فمن هذه المعاني الاستعلاء والتبعيض والظرفية والسببية والمجاوزة والإلصاق وغيرها، وقد بين العلماء تفاصيل ذلك. وقد تدخل (ما) على بعض حروف الجر فلا تكفها عن العمل، وقد تكفها أحياناً.

стр. 430

تابع معاني حروف الجر

стр. 431

معاني اللام غير الانتهاء قال المصنف رحمه الله تعالى: [واللام للملك وشبهه وفي تعدية أيضاً وتعليل قفي وزيد والظرفية استبن ببا وفي وقد يبينان السببا] قوله: (واللام للملك وشبهه) أي: أن اللام تفيد التمليك وشبه التمليك، فالتمليك أن يكون مدخولها مالكاً لما سبق، أو إن شئت فقل: أن تقع بين شيئين الثاني منهما مالك للأول. مثاله: الكتاب للطالب، أي: ملك للطالب، فالثاني مالك للأول، أي: أن مدخولها مالك لما قبله، وقد يتأخر عنه مثل: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ﴾ [آل عمران:١٨٩]، فهنا تأخر الأول عنها وعن الثاني؛ لكن الحكم لا يتغير، فاللام هنا للملك. قوله: (وشبهه) وهو ما يسمى بالاختصاص، وهو: أن يكون مدخولها مختصاً بالأول لا مالكاً، مثاله: العلف للدابة، أو الزمام للجمل، فليس هو ملكه، لكنه اختصاص، وقوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة:٦٠] اللام هنا للملك. قال: (وفي تعدية أيضاً) يعني: أن اللام تأتي للتعدية. ومعنى التعدية: أن تدخل على مفعول عامله ضعيف ليتعدى إلى المفعول، مثل اسم الفاعل إذا تأخر فضعف عمله، تقول مثلاً: أنا ضاربٌ لزيد، أصلها: أنا ضاربٌ زيداً، وكذلك: أنا لزيد ضارب، فاللام هنا لا تصلح للملك ولا لشبه الملك، لكنها للتعدية. قال: (وتعليل قفي) أي: وتأتي اللام للتعليل كثيراً: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، وكأني بكم تقولون: إن (يعبدون) فعل وليست اسماً، لكنني أقول: إنه فعل مؤول بمصدر، والتقدير: إلا لعبادتي، فاللام للتعليل. وكذلك أيضاً قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة:٢٩]، أي: لأجلكم. وتقول: (جئت لأقرأ) أي لأجل القراءة. وكذلك كل أفعال الله تعالى التي تتعدى باللام هي للتعليل: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء:١]، فاللام للتعليل. قال المؤلف: [وزيد والظرفية استبن ببا وفي وقد يبينان السببا] (وزيد): أي: أن اللام تأتي زائدة، أي أنها تأتي لا لمعنى كقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف:٤٣]. وهذا المثال فيه نظر، ووجه النظر: أن اللام في قوله: (للرؤيا تعبرون) يظهر أنها للتعدية؛ لأنها دخلت على المفعول لضعف العامل بتأخره. ومثلوا في الزائدة بما يقال كثيراً: لا أبا لك، ومنه: سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ثمانين حولاً لا أبا لك يسأم قالوا: إن اللام هنا زائدة، والدليل على زيادتها: أن (أبا) أعربت بالألف، ومن شرط إعرابها بالألف أن تضاف، ولو قلنا: إن اللام غير زائدة لكان يقول: لا أباً لك، أو: لا أب لك، بدون ألف، فلما أعربت بالألف دل هذا على أن اللام زائدة، وأصلها: لا أباك، وهذا أحد الوجوه في قوله: لا أبا لك. وفي وجه آخر: أنها على لغة من يلزم الأسماء الخمسة الألف مطلقاً، وعلى هذا فلا يكون فيها شاهد.

стр. 432

مجيء الباء وفي للظرفية والسببية قوله: (والظرفية استبن ببا وفي). الظرفية: مفعول مقدم لقوله: (واستبن) يعني: استظهر، أي: أنه تأتي الباء وفي للظرفية، أما الباء فمثالها قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ﴾ [الصافات:١٣٧] يعني: وفي الليل، وهي كثيرة في الكلام العربي، تقول مثلاً: سكنت بعنيزة سكنت ببريدة سكنت بالبدائع سكنت بمكة سكنت بالرياض وهكذا. أما (في) فمثالها: دخلت في المسجد، سكنت في البلد الفلاني، وهي في القرآن أيضاً كثيرة: ﴿وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ * وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾ [الذاريات:٢٠ - ٢٢]، ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [الانفطار:١٣]، ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهاهمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٠٧]، وهكذا تكون للظرفية كثيرة جداً. قوله: (قد يبينان السببا) يعني: أن الباء وفي قد تأتيان للسببية بأن يدخلا على السبب.

стр. 433

مجيء الباء للاستعانة والإلصاق قال المؤلف: [بالبا استعن وعد عوض ألصق ومثل مع ومن وعن بها انطق] أي: أن الباء تأتي للاستعانة. والاستعانة طلب العون، فمعنى الاستعانة: أن الباء تدخل على ما تطلب الإعانة منه مثل: أستعين بالله. فالباء للاستعانة، أي: أنه يطلب العون منه. قوله: (وعدِّ) يعني: أنه يعدى بها الفعل اللازم، مثال ذلك قوله تعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة:١٧]، أصل (ذهب) فعل لازم، يقال: ذهب الرجل، فإذا أردنا أن تتعدى إلى مفعول فإما أن ندخل عليها الهمزة أو نأتي بالباء، ولذا قال تعالى: ﴿ذََهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة:١٧]، ويصح في غير القرآن أن يقال: أذهب الله نورهم. قوله: (عوض) معناها: أن الباء تأتي للتعويض؛ بأن يكون مدخولها عوضاً عن غيره، وهذا كثير جداً، فالباء التي تدخل في البيع والشراء تكون للتعويض، تقول: اشتريت كتاباً بدرهم، الباء للتعويض، وهل مدخولها هو العوض، أو ما سبقها هو العوض؟ الحقيقة أن كل واحد منهما عوض عن الثاني، لكنها دائماً تدخل على الثمن، ولهذا قال الفقهاء: يتميز الثمن عن المثمن بالباء، فما دخلت عليه الباء فهو الثمن، فإذا قلت: بعت الثوب بدرهم، فالثمن هو الدرهم. وإذا قلت: بعت الدرهم بثوب. فالثمن الثوب. وقول المؤلف: (ألصق). الإلصاق هو مباشرة الشيء بشيء، وقد يراد بالإلصاق مجاورة الشيء للشيء. مثال الإلصاق المباشر: مسحت رأسي بيدي، أمسكت ثوبي بيدي، امسحوا برءوسكم. ومثال غير المباشر: مررت بزيد. وقد زعم بعض النحويين أن جميع معانيها تعود إلى الإلصاق، ولكن لو سلكنا هذا المسلك لوجدنا أنها لا تكون للإلصاق في بعض المواضع إلا بتكلف شديد، ولا حاجة إلى هذا التكلف، فالأولى أن نقول كما قال ابن مالك: إن الإلصاق من بعض معانيها.

стр. 434

مجيء الباء بمعنى مع ومن وعن قوله: (ومثل مع ومن وعن بها انطق). يعني: أن الباء تأتي بمعنى: مع، وتأتي بمعنى: من، وتأتي بمعنى: عن. تأتي بمعنى (مع) كما لو قلت: بعتك الفرس بلجامه، أي: مع لجامه. وتقول: بعتك السيارة بمفاتيحها. أي: مع المفاتيح. وتأتي أيضاً بمعنى (من)، ومثلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان:٦]، أي: يشرب منها؛ لأن العين يشرب منها لا بها، وقد سبق لنا أن الصحيح في هذه الآية أن الباء للسببية لا بمعنى (من)، وأن (يشرب) مضمنة معنى (يروى). وذكرنا: أن الأصح أن يضمن الفعل لا أن يجعل الحرف بمعنى حرف آخر، وأن تضمين الفعل يستلزم معنى أصل الفعل وزيادة، فقولك: (يشرب بها عباد الله) قلنا: إن (يشرب) مضمن معنى: (يروى)، فتضمن الشرب والري. كذلك تأتي الباء بمعنى (عن)، كما لو قلت مثلاً: سألتك بعلمك، أي: عن علمك. وتقول: رضيت بالله رباً، أي: رضيت عن الله رباً. وقال تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج:١]، أي: عن عذاب. وقال بعض أهل العلم: إن الباء هنا على بابه، وإن المعنى: سأل سائل وأجيب بعذاب واقع للكافرين، وإن السؤال هنا ضمن معنى الجواب، فيكون هذا أبلغ؛ لأنه لو قرأنا: (سأل سائل عن عذاب واقع ﴿لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ * مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ﴾ [المعارج:٢ - ٣] فأين الجواب؟ والواقع أن الآيات تجيب عن هذا السؤال، ولهذا قال بعض العلماء: إن الباء هنا على أصلها، وإن السؤال هنا ضمن معنى الجواب، كأنه قال: سأل سائل فأجيب بعذاب واقع للكافرين إلى آخره. وبهذا تبين أن للباء تسع معان: الظرفية، والسببية، والاستعانة، والتعدية، والتعويض، والإلصاق، ومثل مع، ومن، وعن. ويذكر بعضهم من معانيها المصاحبة، وهي لا تخرج عن الإلصاق، ولكنها إما أن تكون حسياً أو معنوياً. وقوله: (سبحانك اللهم وبحمدك) الباء هنا للإلصاق، وقيل: إن الباء للاستعانة، أي: سبحتك بحمدك، فعلى المعنى الأول تكون جملة جامعة بين التنزيه والثناء، أي: تسبيح ثم حمد. وعلى قول الذي يقولون: إن الباء للاستعانة، تكون الجملة مشتملة على التسبيح لكنه بمعونتك التي تحمد عليها، وعلى هذا فكونها للمصاحبة أولى، لكن بعضهم لم يعدها، قال: لأن المصاحبة داخلة في الإلصاق. إعراب: ذهب الله بنورهم: ذهب: فعل ماض مبني على الفتحة. لفظ الجلالة فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره. بنورهم: جار ومجرور ومضاف إليه.

стр. 435

مجيء على للاستعلاء ومعنى في وعن قال المؤلف: [على للاستعلاء ومعنى في وعن بعن تجاوزاً عنى من قد فطن] على: مبتدأ. لأن المقصود ولفظها، بخلاف ما إذا قلت: الماء على السطح، فلا تقول: على: مبتدأ. للاستعلاء: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ. وبعضهم يقول: إن الجار والمجرور نفسه هو الخبر. قوله: (على للاستعلاء) الاستعلاء هو: علو شيء على شيء، ولهذا كانت حروف (على) نفسها هي حروف العلو، ففيها العين واللام والألف. مثال ذلك قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] فعلى هنا للعلو. وتقول مثلاً: الماء على السطح، وتقول: السماء على الأرض. والعلو لا تلزم منه المباشرة، بل قد تكون معه مباشرة، وقد لا تكون معه مباشرة. ثم العلو قد يكون حسياً، وقد يكون معنوياً، تقول مثلاً: من على هؤلاء الجماعة؟ يعني: من هو الوالي عليهم، فهذا العلو معنوي. وتقول: ركبت على البهيمة أو على السيارة، وهذا علو حسي. قال: (ومعنى في وعن) قوله: (ومعنى) معطوفة على قوله: (للاستعلاء) يعني: و (على) تأتي لمعنى (في)، ومثلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [القصص:١٥]، أي: في حين غفلة من أهلها. قوله: (وعن) يعني: أن (على) تأتي لمعنى (عن)، ومنه قول الشاعر: إذا رضيت علي بنو قشير المعنى: إذا رضيت عني بنو قشير.

стр. 436

معاني عن ثم قال: (بعن تجاوزاً عنى من قد فطن). إعراب الشطر: بعن: جار ومجرور متعلق بعنى. تجاوزاً: مفعول مقدم بعنى. عنى: فعل ماض. من: اسم موصول فاعل. قد فطن: جملة فعلية صلة الموصول لا محل لها من الإعراب، وترتيب البيت: عنى من قد فطن تجاوزاً بعن ومعنى (عنى) قصد وأراد، يعني: أن (عن) من معانيها المجاوزة، والمجاوزة معناها: مرور شيء بشيء وانفصاله عنه، مثاله: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ﴾ [الكهف:٨٢]، ويقولون: رميت السهم عن القوس، يعني: مجاوزاً القوس. قال المؤلف: [وقد تجي موضع بعد وعلى كما على موضع عن قد جعلا] قوله: (قد تجي موضع بعد) يعني: قد تأتي (عن) بمعنى (بعد)، فتكون للترتيب، ومثلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الانشقاق:١٩]، أي: طبقاً بعد طبق. ويمكن أن نقول: إن هذا المعنى يرجع إلى المجاوزة؛ لأن معناه: تنتقلون من حال إلى حال، وتجاوزون الحال الأولى إلى الحال الثانية، ولهذا فالأصل في (عن) أن تأتي للمجاوزة؛ لكن في بعض الأحيان تكون واضحة، وفي بعض الأحيان تحتاج إلى تأمل. قوله: (وعلى) يعني: تأتي عن بمعنى (على)، ومثلوا له بقول الشاعر: لاه ابن عمك ما أفضلت في حسب عني أي: ما أفضلت عليَّ. أفضل: فعل ماض، والتاء ضمير مخاطب فاعل. قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وقد تجي موضع بعد وعلى كما على موضع عن قد جعلا) يعني: كما أن (على) تأتي بمعنى (عن)، فإذا قال قائل: أليس هذا تكراراً؛ لأنه قد تقدم قوله: (على للاستعلاء ومعنى في وعن)؟ و الجواب هو في الحقيقة من حيث المعنى تكرار، لكنه تكرار لفائدة، وفائدته: أن هذين الحرفين وهما (عن وعلى) يتناوبان المعنى، فكأن ابن مالك في الشطر الأخير يقول: إن هذا من باب تناوب الحروف.

стр. 437

معاني الكاف ثم قال المؤلف: [شبه بكاف وبها التعليل قد يعنى وزائداً لتوكيد ود] شبه بكاف: يعني: ائت بها للتشبيه، وعلى هذا فيكون المعنى أن الكاف للتشبيه، مثاله: زيد كالبدر في الجمال وكالبحر في العلم. وأمثلتها كثيرة في القرآن وفي غير القرآن: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ [النور:٤٠] ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة:١٩] ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة:١٧]. قوله: (وبها التعليل قد يعنى). بها: جار ومجرور متعلق بيعنى. التعليل: مبتدأ، وجملة (قد يعنى) خبره، ومعنى يعنى: يقصد، أي: وقد يقصد بها التعليل، و (قد) هنا تفيد التقليل، وهو كذلك بالنسبة للتشبيه، أعني أن معنى التعليل في الكاف قليل بالنسبة لمعنى التشبيه، مثاله قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة:١٩٨]، ليس المراد تشبيه الذكر بالهداية، بل المراد تعليل الأمر بالذكر بالهداية، أي: اذكروه لهدايته إياكم. ومنه على القول الصحيح: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، يعني: أنت صاحب الكرم أولاً وآخراً، ومن أجل أنك صليت على هذا فصل على هذا، وبهذا المعنى يزول الإشكال الذي أورده كثير من أهل العلم على هذا الحديث، وقال: المعروف أن المشبه به أقوى من المشبه، ومعلوم أن الرسول ﷺ أفضل من إبراهيم، فكيف يشبه الأفضل بالمفضول؟ ولكن إذا قلنا: إن الكاف هنا للتعليل، وإن ذكرها من باب التوسل بنعم الله السابقة على نعمه اللاحقة، فإنه يزول الإشكال نهائياً. قوله: (وزائداً لتوكيد ورد) يعني: وورد زائداً للتوكيد. ولما كان يخشى أن يقال: إن الزائد لا فائدة له، قال: (لتوكيد). فإذا قيل: لماذا لم يقلها فيما سبق؛ لأنه قال: فيما سبق: وزيد؟ قلنا: لأنه يشير إلى آية من القرآن اشتهرت بين الناس، وهي قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، فلهذا نص على أنه للتوكيد؛ لأن الآية تدل على امتناع مشابهة المخلوقين للخالق. فمن أجل هذا اختلفت أقوال الناس فيها كيف يخرجونها: فقال بعضهم: بأن الكاف زائدة، وهذا الذي مشى عليه ابن مالك، وهو مشهور، وعلى هذا فيكون تقدير الكلام: ليس مثله شيئاً، يعني: ليس شيء يماثل الله، وهذا معنى واضح وبسيط، وتكون الكاف للتوكيد فكأن المثل نفي مرتين؛ لأن الكاف للتشبيه ومثل للتمثيل، أو كأنه نفي المماثل والمشابه معاً. وهناك فرق بين التشبيه والتمثيل: فالتمثيل: المطابقة من كل وجه. والتشبيه: المقاربة، يعني: المماثلة بأكثر الصفات، ولهذا يقال: فلان شبيه بفلان، أي: مقارب له في أكثر الصفات، لكن: فلان مثل فلان، أي: مطابق له. هذا وجه. الوجه الثاني: إن الزائد كلمة (مثل) يعني: ليس كهو شيء، وهذا كما قلت لكم قبل قليل عند قوله: ﴿بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ﴾ [البقرة:١٣٧]، خلاف الأولى؛ لأن زيادة الحروف أهون من زيادة الأسماء. والقول الثالث: أن مثل بمعنى صفة، أي: ليس كصفته شيء من الصفات. والقول الرابع: أن مثل بمعنى ذات، أي: ليس كذاته شيء. وهذان القولان الأخيران إنما لجأ إليهما القائل فراراً من إثبات الزيادة، وإلا فهما بعيدان من ظاهر اللفظ، لكن قال: بدل ما أقول: الكاف زائدة ومثل زائدة أقول: ليس كذاته شيء، أو ليس كصفته شيء. ولكننا نقول: ما دامت اللغة العربية فيها مثل هذا الأسلوب وتزاد فيها الكاف تأكيداً، فلا مانع، والله تعالى نزَّل القرآن بلسان عربي مبين، والعرب إذا قالوا: ليس كمثل فلان، فمعناه: أنه لا يمكن أن يكون أحد يماثله أو يقاربه، وأنشدوا على ذلك: "ليس كمثل الفتى زهير". والخلاصة: أن الكاف تأتي زائدة لكن للتوكيد، وأن ابن مالك ﵀ إنما قال (لتوكيد) في هذه المسألة ولم يقلها فيما سبق؛ لأنها اشتهر فيها هذا المثال الذي يتعلق بصفات الله ﵎.

стр. 438

ما يستعمل اسماً من حروف الجر قال المؤلف: [واستعمل اسماً وكذا عن وعلى من أجل ذا عليهما من دخلا] أي: تستعمل الكاف اسماً بمعنى مثل: ومن أمثلة ذلك: ما رأيت كاليوم قط، أي: ما رأيت مثل اليوم قط. وهل هذا قياس أو سماع؟ الظاهر أنه قياس، وأن كل شيء تدخل عليه الكاف يصلح أن تكون في معنى (مثل) ما لم يوجد مانع، حتى قولنا: زيد كالبحر، يصلح أن نقول: الكاف اسم بمعنى مثل، وحينئذ تكون مبنية على الفتح في محل رفع أو نصب أو جر حسب الحال. فزيد كالبحر، نقول: زيد: مبتدأ، وكالبحر: الكاف اسم بمعنى مثل، وهي مضافة إلى البحر، والبحر مضاف إليه. وظاهر كلام ابن مالك في قوله: (واستعمل اسماً) أن ذلك سماعي، يعني: استعمل عند العرب ولكن لا تستعمله أنت، فيقتضي أن يكون ذلك سماعياً، وأما أنت فلا تستعمله. قوله: (وكذا عن وعلى) يعني: واستعمل كذلك (عن) اسماً، وكذلك (على) استعمل اسماً. يقول المؤلف: (من أجل ذا عليهما مِنْ دخلا) يعني: من أجل استعمال عن وعلى اسمين صح أن يدخل عليهما (مِنْ). وإعراب البيت: استعمل: فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل مستتر يعود على الكاف. اسماً: حال من نائب الفاعل. وكذا عن: مبتدأ وخبر. وعلى: معطوف على ما قبله. من أجل ذا: متعلق بقوله (دخلا). عليهما: متعلق بقوله (دخلا) أيضاً، يعني: من أجل كونهما اسمين صح دخول (مِنْ) عليهما. وهنا الشارح خالف، فإن الشارح يقول: لا يستعملان اسماً إلا إذا دخل عليهما (مِنْ)، وليس كذلك، فإن ظاهر كلام ابن مالك هو الحق، وهو أنهما يستعملان اسمين مطلقاً، وأن الدليل على أنهما يستعملان اسمين دخول مِنْ. والمعنى: أنَّ (عن) يجوز أن تكون اسماً، تقول مثلاً: مررت مِنْ عن يمينه، و (مِنْ) مِنْ حروف الجر وهي لا تدخل إلا على اسم. فتكون (عن) هنا بمعنى (جانب)، أي: مررت من جانب يمينه، وكذا: مررت من عن شماله، أي: من جانب شماله. والإعراب: مررت: فعل وفاعل. من: حرف جر. عن: اسم مبني على السكون في محل جر. وعن مضاف، ويمين مضاف إليه، والهاء مضاف إليه أيضاً. وكذلك (على) تقول: مررت إليه من على السطح، فيكون معناها: فوق، وإعرابها أن تقول: من: حرف جر. على: اسم مبني على السكون في محل جر بمن، وعلى مضاف، والسطح مضاف إليه مجرور وعلامة جره كسرة ظاهرة في آخره. وتأتي (على) فعلاً، لكن الرسم يختلف، أما اللفظ فهو واحد، تقول: علا الماء على العتبة. علا: فعل ماض. الماء: فاعل. على العتبة: جار ومجرور. فصارت (على) تأتي اسماً وفعلاً وحرفاً، و (عن) تأتي حرفاً وتأتي اسماً، و (من) تأتي حرفاً وتأتي فعل أمر من: مان يمين، بمعنى: كذب يكذب. وهذا وأمثاله كثير مما يؤيد ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، من أنه لا مجاز في اللغة العربية، وأن الكلمات ليس لها معنى ذاتي، وأن الذي يحدد معنى الكلمة هو سياق الكلام. وإذا تدبرت كلامه وجدته حقيقة، وأهم شيء عندي باعتبار كلامه هو أن نوصد الباب أمام أهل التحريف في الأمور العلمية وفي الأمور العملية؛ أفلا ترون إلى أولئك الذين يستغيثون بالرسول ﵊ ويقولون: هو أكرم الناس جاهاً، فهؤلاء حرفوا في أمور عملية، وهناك أيضاً مسائل عملية في باب المعاملات وغيرها حرف بعض العلماء فيها النصوص ارتكاباً للمجاز، فنحن إذا قلنا: المجاز في اللغة العربية معدوم والكلمات يعينها سياقها وأحوال من تكلم بها، سلمنا من التحريف.

стр. 439

معاني مذ ومنذ قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومذ ومنذ اسمان حيث رفعا أو أوليا الفعل كجئت مذ دعا] (مذ ومنذ) تقدم أنهما من حروف الجر، لكنهما يستعملان اسمين أيضاً، ففي بعض السياق يكونان اسمين، وفي بعض السياق يكونان حرفين، ومتى يكونان اسمين؟ قال: (حيث رفعا أو أوليا الفعل): (حيث رفعا): يعني: حيث كان الذي بعدهما مرفوعاً، مثل: جئت مذ يومان، أو منذ يومان. (أو أوليا الفعل) أي: جيء بهما بعد الفعل، (كجئت مذ دعا). إعراب: مذ يومان: مذ: مبتدأ مبني على السكون في محل رفع. يومان: خبر المبتدأ مرفوع بالألف نيابة عن الضمة لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين. ونقول في: منذ: إنه مبني على الضم في محل رفع مبتدأ. يومان: خبر المبتدأ. قوله: (أو أوليا الفعل) أي: كذلك إذا جاء بعدهما الفعل، يعني: إذا جعل الفعل والياً لهما. جئت مذ دعا: جئت: فعل وفاعل. مذ: ظرف مبني على السكون في محل نصب. ودعا فعل ماض مبني على السكون، وفاعله مستتر جوازاً تقديره هو. إذاً: مذ ومنذ يقعان حرفي جر إذا وليهما اسم مجرور، ويقعان اسمين إذا وليهما اسم مرفوع أو وليهما فعل، فالأول مثل قولك: جئت مذ يومان، وقولك: جئت مذ دعا. فإذا قلت: جئت مذ يومين، فهما حرفا جر. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإن يجرا في مضي فكمن هما وفي الحضور معنى في استبن] لما تكلم ﵀ عن عملهما وأنهما يأتيان اسمين، تكلم عن معناهما في حالة الجر، فقال: (وإن يجرا في مضي فكمن هما) أي: فهما بمعنى (مِنْ)، فإذا قلت: جئت مذ يومين، فالمعنى: من يومين. قوله: (وفي الحضور معنى في) أي: إذا جرا في الحضور فهما بمعنى (في)، فإذا قلت: جئتك منذ الآن، فالمعنى: في هذا الوقت. والحاصل: منذ ومذ إذا كانا حرفي جر، فإن جرا في ماض فهما بمعنى (من)، وإن جرا في حاضر فهما بمعنى (في). وهل يجران في المستقبل؟ الجواب لا يجران في المستقبل، ولذلك لم يتكلم عليه ابن مالك، فلا يمكن أن تقول: لا آتيك منذ يومين؛ لأنهما إما في الحاضر وإما في الماضي. والله أعلم.

стр. 440

زيادة (ما) بعد بعض حروف الجر قال المؤلف: [واستعمل اسماً وكذا عن وعلى من أجل ذا عليهما من دخلا] أي: تستعمل الكاف اسماً بمعنى مثل: ومن أمثلة ذلك: ما رأيت كاليوم قط، أي: ما رأيت مثل اليوم قط. وهل هذا قياس أو سماع؟ الظاهر أنه قياس، وأن كل شيء تدخل عليه الكاف يصلح أن تكون في معنى (مثل) ما لم يوجد مانع، حتى قولنا: زيد كالبحر، يصلح أن نقول: الكاف اسم بمعنى مثل، وحينئذ تكون مبنية على الفتح في محل رفع أو نصب أو جر حسب الحال. فزيد كالبحر، نقول: زيد: مبتدأ، وكالبحر: الكاف اسم بمعنى مثل، وهي مضافة إلى البحر، والبحر مضاف إليه. وظاهر كلام ابن مالك في قوله: (واستعمل اسماً) أن ذلك سماعي، يعني: استعمل عند العرب ولكن لا تستعمله أنت، فيقتضي أن يكون ذلك سماعياً، وأما أنت فلا تستعمله. قوله: (وكذا عن وعلى) يعني: واستعمل كذلك (عن) اسماً، وكذلك (على) استعمل اسماً. يقول المؤلف: (من أجل ذا عليهما مِنْ دخلا). يعني: من أجل استعمال عن وعلى اسمين صح أن يدخل عليهما (مِنْ). وإعراب البيت: استعمل: فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل مستتر يعود على الكاف. اسماً: حال من نائب الفاعل. وكذا عن: مبتدأ وخبر. وعلى: معطوف على ما قبله. من أجل ذا: متعلق بقوله (دخلا). عليهما: متعلق بقوله (دخلا) أيضاً، يعني: من أجل كونهما اسمين صح دخول (مِنْ) عليهما. وهنا الشارح خالف، فإن الشارح يقول: لا يستعملان اسماً إلا إذا دخل عليهما (مِنْ)، وليس كذلك، فإن ظاهر كلام ابن مالك هو الحق، وهو أنهما يستعملان اسمين مطلقاً، وأن الدليل على أنهما يستعملان اسمين دخول مِنْ. والمعنى: أنَّ (عن) يجوز أن تكون اسماً، تقول مثلاً: مررت مِنْ عن يمينه، و (مِنْ) مِنْ حروف الجر وهي لا تدخل إلا على اسم. فتكون (عن) هنا بمعنى (جانب)، أي: مررت من جانب يمينه، وكذا: مررت من عن شماله، أي: من جانب شماله. والإعراب: مررت: فعل وفاعل. من: حرف جر. عن: اسم مبني على السكون في محل جر. وعن مضاف، ويمين مضاف إليه، والهاء مضاف إليه أيضاً. وكذلك (على) تقول: مررت إليه من على السطح، فيكون معناها: فوق، وإعرابها أن تقول: من: حرف جر. على: اسم مبني على السكون في محل جر بمن، وعلى مضاف، والسطح مضاف إليه مجرور وعلامة جره كسرة ظاهرة في آخره. وتأتي (على) فعلاً، لكن الرسم يختلف، أما اللفظ فهو واحد، تقول: علا الماء على العتبة. علا: فعل ماض. الماء: فاعل. على العتبة: جار ومجرور. فصارت (على) تأتي اسماً وفعلاً وحرفاً، و (عن) تأتي حرفاً وتأتي اسماً، و (من) تأتي حرفاً وتأتي فعل أمر من: مان يمين، بمعنى: كذب يكذب. وهذا وأمثاله كثير مما يؤيد ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، من أنه لا مجاز في اللغة العربية، وأن الكلمات ليس لها معنى ذاتي، وأن الذي يحدد معنى الكلمة هو سياق الكلام. وإذا تدبرت كلامه وجدته حقيقة، وأهم شيء عندي باعتبار كلامه هو أن نوصد الباب أمام أهل التحريف في الأمور العلمية وفي الأمور العملية؛ أفلا ترون إلى أولئك الذين يستغيثون بالرسول ﵊ ويقولون: هو أكرم الناس جاهاً، فهؤلاء حرفوا في أمور عملية، وهناك أيضاً مسائل عملية في باب المعاملات وغيرها حرف بعض العلماء فيها النصوص ارتكاباً للمجاز، فنحن إذا قلنا: المجاز في اللغة العربية معدوم والكلمات يعينها سياقها وأحوال من تكلم بها، سلمنا من التحريف.

стр. 441

زيادة (ما) بعد الباء ومن وعن قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وبعد من وعن وباء زيد ما فلم يعق عن عمل قد علما] وبعد من: (بعد) هذه ظرف منصوب على الظرفية وعامله قوله: (زيد). و (بعد) مضاف، و (من) مضاف إليه باعتبار لفظها. وعن: معطوفة على من. وباء: معطوفة على من أيضاً. زيد: فعل ماض مبني للمفعول. ما: نائب فاعل مبني على السكون في محل رفع. فلم يعق: أي: هذه الزيادة، أي: أو دخول ما، والمعنى: أنها تزاد (ما) بعد من وعن والباء، ولا تبطل العمل، بل يبقى العمل على ما هو عليه، مثال (من) قول الله تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ [نوح:٢٥]، من: حرف جر، وما: زائدة. خطيئاتهم: خطيئات: اسم مجرور بمن وعلامة جره كسر ظاهر في آخره. وكذلك تزاد (ما) بعدها (عن) ويبقى عملها، قال الله تعالى: ﴿قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾ [المؤمنون:٤٠]. (عما قليل): عن: حرف جر، وما: زائدة، وقليل: اسم مجرور بعن وعلامة جره كسرة ظاهرة في آخره، فهنا لم يتغير العمل (خطيئاتهم) معرفة، و (قليل) نكرة، إذاً: لا فرق بين أن يكون المجرور معرفة أو نكرة، فالعمل باق. كذلك الباء تزاد بعدها (ما) ويبقى عملها، قال الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران:١٥٩] الباء حرف جر، وما: زائدة، ورحمة: اسم مجرور بالباء وعلامة جره كسرة ظاهرة في آخره. فتبين أن (ما) تزاد بعد عن ومن والباء فلا يبطل العمل بهذه الزيادة.

стр. 442

زيادة (ما) بعد الكاف ورُبَّ قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وزيد بعد رب والكاف فكف وقد يليهما وجر لم يكف] قوله: (زيد) الضمير يعود على (ما) أي: زيد (ما) بعد رُبَّ والكاف فكفهما عن العمل، (وقد يليهما وجر لم يكف). والمعنى: أن (ما) تزاد بعد (رُبَّ) فتكفها عن العمل، وإذا كفتها عن العمل سلبت اختصاصها بالاسم، فتدخل على الفعل، قال الله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر:٢]. ومثالها إذا داخلت على الاسم أن تقول: رُبما رجلٌ لقيته، بينما لو حذفت (ما) لقلت: رُبَّ رجلٍ لقيته، لكن لما جاءت (ما) بطل عملها، فوجب أن يقال: ربما رجلٌ لقيته، وإعرابها: رُبَّ: حرف جر ملغى. وما: زائدة. ورجل: مبتدأ. ولقيته: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة من الفعل والفاعل والمفعول في محل رفع خبر. قوله: (والكاف): أي: ما الزائدة تلي الكاف وتكفها عن العمل، ودخولها على (ما) كثير في كلام العامة، يقولون: فلان كما البحر، لكن في اللغة العربية إنما تدخل عليها فتكفها عن العمل، ويكون ما بعدها مبتدأ، ويحتاج إلى خبر، تقول مثلاً: كما الناس مؤمن وكافر، فالكاف: هنا حرف جر ملغى، وما: زائدة تكف الكاف عن العمل، والناس: مبتدأ، ومؤمن: خبر المبتدأ، وكافر: معطوف على مؤمن. قوله: (وقد يليهما) يعني: أن رُبَّ والكاف قد تليهما (ما) الزائدة (وجر لم يكف) أي: مع بقاء عملهما، فتقول مثلاً: زيد كما البحرِ، أي: كالبحر. فالكاف: حرف جر، وما: زائدة، والبحر: اسم مجرور بالكاف وعلامة جره كسرة ظاهرة في آخره. وكذلك أيضاً: رُبَّ، تقول: ربما رجلٍ لقيته، بجر (رجل). فالحاصل أن (ما) تزاد بعد خمسة من حروف الجر، ثلاثة منها لا تبطل عملها وهي: من وعن والباء، واثنان الأصل أن تبطل عملهما وقد لا تبطله، وهما الكاف ورُبَّ. إذا قال لنا قائل: هل نحن بالخيار في هذه الأمور؟ نقول: أما ما ورد عن العرب فبالإعمال أو الإهمال، فليس لنا فيه خيار؛ لأنه سمع هكذا، وأما ما ننشئه نحن من الكلام فلنا فيه الخيار، وعلى هذا فالواحد منكم إذا قرأ في كتاب، وقال: ربما رجلٌ لقيته، وآخر قال: ربما رجلٍ لقيته، فكلاهما صحيح.

стр. 443

الحروف التي تعمل مذكورة ومحذوفة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وحذفت رُبَّ فجرت بعد بل والفا وبعد الواو شاع ذا العمل] قوله: (وحذفت رُبَّ)، أي: حذفت من الكلام، فتجر وهي محذوفة لكن بعد ثلاثة حروف: بل والفاء والواو، لكنها بعد الواو أكثر، ولهذا قال: (وبعد الواو شاع ذا العمل) بمعنى: كثر. مثالها بعد بل أن تقول: ما رأيت رجلاً فاسقاً بل رجلٍ صالحٍ لقيته، أي: بل رُبَّ رجلٍ صالحٍ لقيته. ومثالها بعد الفاء قول الشاعر: فمثلكِ حبلى قد طرقت ومرضعٍ فألهيتها عن ذي تمائم محول الشاهد قوله: (فمِثلك)، أي: فرب مِثلك حبلى، بجر (مثل)، فهنا عملت رُبَّ وهي محذوفة. ومثالها بعد الواو قول الشاعر: وليلٍ كموج البحر أرخى سدوله عليَّ بأنواع الهموم ليبتلي أي: ورُبَّ ليلٍ كموج البحر وتقدم أن (رُبَّ) تدخل عليها (ما) فتكف عملها، وربما لا تكف، وذكر هنا أنها تعمل مذكورة وتعمل محذوفة بعد ثلاثة حروف. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد يجر بسوى رب لدى حذف وبعضه يرى مطردا] المعنى: قد يُجَرُّ الاسم بحرف محذوف سوى رُبَّ؛ وقد سبق لنا في تعدي الفعل ولزومه قوله: وعدِّ لازماً بحرف جر وإن حذف فالنصب للمنجر نقلاً وفي أن وأن يطرد مع أمن لبس كعجبت أن يدوا المهم أن الأصل إذا حذف حرف الجر أن ينصب المجرور، وقد يحذف ويبقى الجر، وذلك في (رُبَّ) بعد الفاء والواو وبل كما تقدم، وقد يجر بسوى (رُبَّ) مع الحذف، لكنه قليل، فإن قوله: (قد يجر) للتقليل، يعني أنه أحياناً يجر، والأصل عند حذف حرف الجر أنه ينصب. مثاله يقال: أن رؤبة بن العجاج قيل له: كيف أصبحت؟ قال: خيرٍ والحمد لله. أي: أصبحت بخيرٍ والحمد لله، فجر الاسم بالباء المحذوفة. وليس لنا نحن أن نفعل ذلك؛ لأنه قليل في اللغة العربية، والقليل يقتصر به على السماع. قال: (وبعضه يرى مطرداً) أي: بعض هذا الذي يحذف فيه الحرف ويبقى عمل الجر مطرد، أي قياسي، ومثل ذلك: تمييز كم الخبرية، يقولون إنه مجرور بحرف جر محذوف هو (من)، مثل أن أقول: كم درهمٍ أفنيته في الكرم! أي: دراهم كثيرة أفنيتها في الكرم! ويسميها بعضهم تكثيرية، وتمييزها مجرور بمن محذوفة، والدليل على أنه مجرور بمن المحذوفة أن (مِنْ) تدخل كثيراً على مجرورها: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ [الأعراف:٤]، (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً﴾ [البقرة:٢٤٩]، وأمثال ذلك، قالوا: فهذا دليل على أن ما بعدها مجرور بمن المحذوفة، وهو مطرد. وقال بعض النحويين: إن المجرور بعدها مجرور بالإضافة، كم: مضاف، والذي بعدها مضاف إليه مجرور بالإضافة، وحينئذ لا يكون فيه شاهد لما قاله ابن مالك، لكن ابن مالك ﵀ يرى رأي سيبويه في هذه المسألة وأن تمييز (كم الخبرية) مجرور بمن محذوفة. وقال: إن الدليل على ذلك أنها تأتي مذكورة في مواضع كثيرة.

стр. 444

شرح ألفية ابن مالك [٤٢] الإضافة نسبة شيء إلى شيء، والأسماء العربية قد يضاف بعضها إلى بعض، فإن استفاد المضاف بالإضافة تخصيصاً أو تعريفاً فهي إضافة معنوية وإلا فهي لفظية، وتمتنع إضافة الشيء إلى نفسه إلا بتأويل.

стр. 445

الإضافة

стр. 446

تعريف الإضافة وحكمها الإعرابي قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الإضافة نوناً تلي الإعراب أو تنوينا مما تضيف احذف كطور سينا] الإضافة: نسبة شيء إلى شيء، مثل: كتابُ محمدٍ، مسجدُ الجامعِ، كتابُ النحو، ألفية ابن مالك. ولها حكمان: حكم يتعلق بالمعنى، وحكم يتعلق بالإعراب. فمن حيث الإعراب: فإن الجزء الأول: يعرب على حسب العوامل، فإن اقتضى العامل أن يكون مرفوعاً فهو مرفوع، وإن اقتضى أن يكون منصوباً فهو منصوب، وإن اقتضى أن يكون مجروراً فهو مجرور. وأما الجزء الثاني (المضاف إليه) فإنه يكون مجروراً حسب الحال، فهو إما جملة في محل جر، وإما مبني في محل جر، وإما معرب مجرور، لكن حكمه الجر على كل حال. فتقول مثلاً: هذا كتابُ محمدٍ، قرأت كتابَ محمدٍ، نظرت في كتابِ محمدٍ. فالجزء الأول (المضاف) اختلف إعرابه لاختلاف العوامل، والجزء الثاني (المضاف إليه) مجرور في كل الحالات. حكم آخر في الإعراب: الجزء الأول يحذف منه النون أو التنوين لأجل الإضافة، أما الثاني فلا يتغير من حيث التنوين والنون، تقول: قرأت كتاب محمدٍ. قرأت كتاب الرجلين، ولهذا قال المؤلف: (نوناً تلي الإعراب أو تنوينا مما تضيف احذف كطور سينا) قوله: نوناً: مفعول به مقدم للفعل احذف، يعني احذف النون. تلي الإعراب: وهي نون المثنى وما ألحق به، ونون جمع المذكر السالم وما ألحق به. أو تنويناً: معطوف على (نوناً) يعني: أو تنويناً أيضاً احذفه، والتنوين يكون في الاسم المفرد، وفي جمع التكسير، وفي جمع المؤنث السالم. ثم مثل لذلك: (كطور سينا) وطور سيناء جبل بالشام معروف كما قال المحشِّي، والشام في الزمن الأول تشمل فلسطين. (طور) أصله: طورٌ بالتنوين، فلمَّا أضفناه حذف منه التنوين. مثال آخر: تقول: اشتريتُ كتاباً، بتنوين (كتاباً) فإذا أضفت وقلت: اشتريت كتابَ محمدٍ، حذفت التنوين ولا يصلح أن تقول: اشتريت كتاباً محمدٍ! ولهذا قال الشاعر: كأني تنوين وأنت إضافة فأين تراني لا تحل مكاني فلا يمكن أن يجتمع تنوين وإضافة. ومثال النون أن تقول: أكرمت مسلمين من أهل مكة. بإثبات النون في (مسلمين). وعندما تضيف تقول: أكرمت مسلمي أهل مكة، بحذف النون للإضافة. فهذان حكمان في الإعراب.

стр. 447

معاني الإضافة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والثاني اجرره بمن أو في إذا لم يصلح إلا ذاك واللام خذا لما سوى ذينك واخصص أولا أو أعطه التعريف بالذي تلا] الثاني: مفعول مقدم باجرره. وانو: فعل أمر. من: مفعول به لانو مبني على السكون في محل نصب. أو في: معطوفة على قوله (من). إذا لم يصلح إلا ذاك، يعني: إذا لم يصلح في الإضافة إلا تقدير من أو في فانو أحدهما. واللام خذا: اللام مفعول مقدم لخذا. وخذا: فعل أمر لكنه مؤكد بنون التوكيد المقلوبة ألفاً، وأصله: خذن. والمعنى: أن الثاني من المتضايفين حكمه الجر دائماً، كما تقدم، ومثلنا بقولنا: هذا كتابُ محمدٍ. واشتريت كتاب محمدٍ. ونظرت في كتاب محمدٍ. وذكرنا أننا ننوي بالإضافة من أو في، فإن لم تصلح من أو في نوينا اللام، فصارت الإضافة تقدر بمن وبفي وباللام. فتقدر الإضافة بمن في الأعداد والمساحة والأجناس، مثال الأعداد: عندي عشرةُ دراهمَ، أي: عشرة من دراهم، وتقول: عندي ثلاثمائة رجل، أي: ثلاث من مائة من رجل. ومثال: المساحة: عندي شبر أرضٍ. أي: شبر من أرض. ومثال: الأجناس: عندي خاتمُ فضةٍ، فالثاني جنس للأول، فالتقدير: خاتم من فضة. ولا تصلح اللام: خاتم لفضة، ولا تصلح في: خاتم في فضة. وتقدر (في) إذا كان الثاني ظرفاً للأول، مثل قوله تعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ﴾ [سبأ:٣٣] أي: مكرٌ في الليل. وتقول أيضاً: نوم الليلِ أصح من نوم النهارِ. أي: نوم في الليل أصح من نوم في النهار. والتي تكون على تقدير (في) يمكن أن تصلح على تقدير (من) لكن ليس ذلك دائماً، فمثلاً: يصلح: نومٌ من الليل أصح من نوم من النهار. وإنما كان نوم الليل يصلح فيه تقدير (من) لأنه جنس، مثل خاتم الحديد، فيصلح أن أقول في نوم الليل: إني أردت أن يكون الليل ظرفاً للنوم، ويصلح أن أقول: إني أردت أن يكون الليل جنساً للنوم، فلهذا يصلح أن تقدر (من) أو (في). وإذا لم يصلح تقدير (من) ولا (في) وهو الأكثر فتقدر اللام، ولهذا قال: (واللام خذا لما سوى ذينك). لأنه لما حصر الأمر في (من وفي) قال: (واللام خذا لما سوى ذينك)، فعلى هذا يكون تقدير اللام في الإضافة أكثر، وهو كذلك، فمثلاً: كتابُ زيدٍ، أي: لزيد. باب الدار، أي للدار، وهكذا. إذاً: الإضافة تكون على تقدير (من) وعلى تقدير (في) وعلى تقدير اللام، والأكثر تقدير اللام، ثم (من) ثم (في). قوله: (سوى ذينك): سوى: مضاف، وذينك: اسم إشارة مضاف إليه مجرور بالإضافة وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة لأنه مثنى. أو نقول: سوى: مضاف، وذينك: مضاف إليه مبني على الياء في محل جر.

стр. 448

الإضافة اللفظية والإضافة المعنوية

стр. 449

الإضافة المعنوية قوله: (واخصص أولا أو أعطه التعريف بالذي تلا) هذا من حيث الحكم المعنوي، أي أن الإضافة تفيد التعريف أو التخصيص. قوله: (واخصص أولاً) الأول هو المضاف، (أو أعطه التعريف بالذي تلاه)، أي: يكون معرفة. إذاً: المضاف يكتسب من المضاف إليه إما التخصيص أو التعريف، فإذا كان المضاف إليه نكرة فإنه يكتسب التخصيص، وإذا كان معرفة فإنه يكتسب التعريف. والمعارف تقدم لنا أنها خمسة، وما أضيف إلى معرفة صار معرفة، وما أضيف إلى نكرة فهو نكرة، لكن النكرة تخصص في الإضافة. تقول: اشتريت ثوباً. فلفظ (ثوباً) نكرة، فلا ندري هل هو ثوب رجل، أم ثوب امرأة، أم ثوب صبي؟ فإذا قلت: اشتريت ثوب رجلٍ، استفاد التخصيص من الإضافة، وهو أنه ثوب رجل، لا ثوب أنثى ولا ثوب صغير. فإذا قلت: اشتريت ثوب زيدٍ، صار الأول معرفة، لأنه أضيف إلى معرفة. والحاصل: أن المضاف يكتسب من المضاف إليه إما التخصيص إن كان المضاف إليه نكرة، وإما التعريف إن كان المضاف إليه معرفة، ولهذا قال: (واخصص أولاً) وهو المضاف، (أو أعطه التعريف بالذي تلا) يعني: أو اجعله معرفة بسبب الذي تلاه، وهو المضاف إليه، والله أعلم.

стр. 450

الإضافة اللفظية قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإن يشابه المضاف يفعل وصفاً فعن تنكيره لا يعزل كرب راجينا عظيم الأمل مروع القلب قليل الحيل] المضاف هو الجزء الأول في باب الإضافة، فإذا كان يشابه الفعل المضارع في العمل -وإن لم يشابهه في الوزن- فإنه لا يستفيد التعريف إذا أضيف لمعرفة، وذلك في اسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة، ولهذا قال المؤلف: (وصفاً فعن تنكيره لا يعزل). ومعناه أنه لا يتعرف بالإضافة ولا يتخصص بها بخلاف الأول الذي ما شابه الفعل المضارع فإنه يتعرف أو يتخصص. وإذا كان عن تنكيره لا يعزل؛ فإنه يصح أن يكون حالاً ويصح أن يكون وصفاً لنكرة، مثاله: قال الله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة:٩٥]. هدياً: نكرة، وبالغ الكعبة: صفة لهدياً؛ وبالغ: مضاف، والكعبة: مضاف إليه. والكعبة كلنا يعرف أنها معرفة، وكان مقتضى القاعدة السابقة أن المضاف إلى معرفة يكون معرفة، ولو كان قوله: (بالغ الكعبة) معرفة لما صح أن يكون صفة لهدياً؛ لأن النكرة لا توصف بمعرفة. فأنت ترى أن (بالغ) اسم فاعل، لأنه على وزن فاعل، وقد أضيف اسم الفاعل إلى الكعبة، وهي معرفة لكنه لم يتعرف. قوله: (فعن تنكيره لا يُعزلُ) هذا جواب الشرط في قوله: (وإن يشابه)، فالفاء هنا رابطة للجواب، وعن: حرف جر. وتنكيره: اسم مجرور بعن، وهو مضاف إلى الهاء، وهو متعلق بقوله: (لا يعزل)، يعني: فليبق على ما هو عليه نكرة وإن أضيف إلى معرفة. مثاله: (كرُب راجينا عظيم الأمل): أتى المؤلف ﵀ برُب لأن (رُبَّ) لا تدخل إلا على نكرة. راجي: اسم فاعل مضاف إلى معرفة وهي الضمير، وكان مقتضى القاعدة أن تكون (راجي) معرفة؛ لأنها أضيفت إلى معرفة؛ لكنها الآن نكرة، والدليل على أنها نكرة أنها دخلت عليها رُبَّ. إذاً: (راجينا) ليست معرفة ولو أضيفت إلى معرفة، لأنها اسم فاعل بمعنى الحال أو الاستقبال، وكل اسم فاعل بمعنى الحال أو الاستقبال فإنه لا يتعرف بالإضافة. قوله: (عظيم الأمل) عظيم: صفة مشبهة، وهي صفة لراجينا ومضافة إلى الأمل، والأمل معرفة، وعظيم نكرة، والدليل على أنها نكرة أنها صفة لنكرة، وصفة النكرة نكرة. قوله: (مُرَوَّع القلبِ)، مُرَوَّع اسم مفعول على وزن: مُفَعَّل، ومُرَوَّع: مضاف. والقلب مضاف إليه. والقلب معرفة، ومُرَوَّع نكرة مع أنها مضافة إلى معرفة؛ لأنها اسم مفعول مشابهة للفعل المضارع. والدليل على أنها نكرة أنها صفة لنكرة وهي (راجينا)، وصفة النكرة نكرة. وقوله: (قليل الحيلِ) هذه صفة مشبهة، يعني حيله قليلة، والحيل هي: أن يتحيل الإنسان حتى يخرج من المأزق بذكائه. وقيل: إنها التوصل إلى الإيقاع بالخصم من حيث لا يشعر، والحيلة نوع من المكر، فإن خالفت الشرع فهي مذمومة. والمخالف للشرع يكون على نوعين: إما تحيل لإسقاط واجب، أو لفعل محرم. فرجل باع شيئاً بمائة إلى أجل واشتراه بثمانين نقداً، فهذا تحيل على محرم فلا يجوز. ورجل آخر أكل بصلاً لئلا يصلي مع الجماعة، فهذا تحيل لإسقاط واجب. ورجل اشترى شقصاً مشتركاً من آخر ثم وقفه خوفاً من الشفعة، فهذا تحيل على إسقاط واجب من حق الغير فهو محرم. أما إذا كانت الحيلة مما يتوصل به الإنسان إلى أمر مقصود شرعاً أو أمر مباح فإن هذا لا بأس به، ومنه قول الرسول ﵊: (بع الجمع بالدراهم ثم اشتر بالدراهم جنيباً) فهذه حيلة لكنها حيلة مباحة لا توقع الإنسان في محظور. فقوله: (قليل الحيل) يعني: ليس هذا الراجي لنا صاحب حيل ومكر بحيث يتوصل إلى ما يؤمله ويرجوه بالحيلة والمكر، بل هو مروع القلب يخاف ولا يمكن أن يتحيل أبداً، وهذا محمود. وهو عظيم الأمل لما يعلم من أننا أهلٌ للرجاء. أي: رُبَّ راجينا عظيم الأمل، مروع القلب يخاف أن نعثر منه على ما يخدش كرامته، قليل الحيل لا يتحيل علينا بشيء يتوصل به إلى غرضه الذي يريد، بل هو إنسان صريح، فهذا الرجل لا شك أن صفاته جيدة وطيبة. قال المؤلف: [وذي الإضافة اسمها لفظيه وتلك محضة ومعنويه] ذي: اسم إشارة، أي: هذه الإضافة، وهو يشير إلى الاسم المضاف الذي يشابه (يفعل)، وذلك فيما إذا كان المضاف اسم فاعل أو اسم مفعول أو صفة مشبهة؛ فهذه الإضافة تسمى لفظية؛ فهي لم تفد معنى لأنها ما تعرفت بالإضافة ولا تخصصت بها. فإذا قال قائل: بل تخصصت لأن قوله: (بالغ الكعبة) أخرج ما سواها مما يبلغ غيرها؟ قلنا: هذا التخصيص من أجل العمل، كما لو قلت: أكرمتُ زيداً؛ فإن الإكرام هنا تخصص بزيد بواسطة أنه عمل فيه، ولذلك لو قلت: هدياً بالغاً الكعبةَ، أو قلت: هدياً بالغ الكعبةِ. فذلك من حيث المعنى سواء، والتخصيص هنا بالعمل وليس بواسطة الإضافة. أنا مكرمُ الطالب المجتهد، هذه الإضافة لفظية؛ لأن (مكرم) اسم فاعل بمعنى الحال أو الاستقبال، وأما لو قلت: أنا مكرم الطالب المجتهد أمس، فهذه معنوية؛ لكن: أنا مكرم الطالبِ المجتهدِ غداً، أو: أنا مكرمُ الطالب الذي يحفظ ألفية ابن مالك عن ظهر قلب؛ لفظية؛ لأنها ما أفادت تخصيصاً ولا تعريفاً، بل (مكرم) هنا نكرة مع أنه مضاف إلى معرفة. والتخصيص بالمجتهد ليس بواسطة الإضافة، بدليل أنك لو قلت: أنا مكرمٌ الطالبَ المجتهدَ، لتخصص مع أنه لا إضافة فيه. إذاً: فالإضافة في الحقيقة (أنا مكرم الطالب المجتهد) ما استفدنا منها إلا فائدة لفظية فقط وهي التخفيف، أي: فبدلاً من أننا ننون ونقول: مكرمٌ الطالب، نختصر ونقول: مكرم الطالبِ المجتهد. قوله: (وتلك محضة ومعنوية): تلك: المشار إليه الإضافة التي ليس المضاف فيها يشابه (يفعل)، يقول: تلك الإضافة التي سبقت في الأبيات الثلاثة الأولى محضة ومعنوية. محضة: يعني خالصة، ومعنوية: أي تفيد التعريف أو التخصيص.

стр. 451

وصل أل بالمضاف في الإضافة اللفظية قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ووصل أل بذا المضاف مغتفر إن وصلت بالثان كالجعد الشعر أو بالذي له أضيف الثاني كزيد الضارب رأس الجاني] سبق لنا أن (أل) لا تجامع الإضافة، إذ لا يمكن أن تقول: الكتابُ الرجلِ، بمعنى: كتاب الرجل، كما أن التنوين أيضاً لا يجامع الإضافة. لكن في الإضافة اللفظية -وهذا من الفوارق بينها وبين الإضافة المعنوية- يجوز فيها أن توصل (أل) بالمضاف بشرط أن توصل بالمضاف إليه، ولهذا قال: (إن وصلت بالثان كالجعدِ الشعر، أو بالذي له أضيف الثاني كزيدٌ الضاربِ رأس الجاني). تقول: جاءني الرجل الجعد الشعر: الجعد: صفة للرجل. والجعد: مضاف، والشعر: مضاف إليه. فهنا أضفنا ما فيه أل (الجعد) إلى ما فيه أل (الشعر). ويجوز: الحسنُ الوجهِ؛ لأنها صفة مشبهة. ولو قلت: الجعدُ شعرٍ، فلا يجوز؛ لأن المؤلف يقول: (إن وُصلت بالثاني) ففهم منه أنها إذا لم توصل بالثاني لا يجوز وصلها بالأول. ولو قلت: جعدُ الشعر، فإنه يجوز؛ لأن الأول ليس فيه (أل) أصلاً، والمضاف إذا لم يكن فيه أل يجوز أن يضاف إلى ما فيه أل وإلى ما ليس فيه أل. فعندنا ثلاث صور: أن تكون أل في المضاف والمضاف إليه، وهذا جائز في الإضافة اللفظية. أن تكون أل في المضاف دون المضاف إليه، وهذا ليس بجائز لا في اللفظية ولا في المعنوية. أن تكون أل في المضاف إليه دون المضاف، وهذه جائزة في الإضافة المعنوية والإضافة اللفظية. فصورتان منها تتفق فيهما الإضافة اللفظية والمعنوية. وقوله: (أو بالذي له أضيف الثاني). يعني إذا اتصلت أل بالمضاف إليه الثاني جاز اتصالها بالمضاف الأول، أي: تكون موجودة في الأول، مفقودة في الثاني، موجودة في الثالث، وهذا في الإضافة اللفظية. ومثال ذلك: الضاربُ رأسِ الجاني. أل في الأول (الضارب) والثالث (الجاني) دون الثاني (رأس). ووجه الجواز: أنه لما كان الثالث مقروناً بأل وقد أضيف إليه الثاني صار الثاني كأنه مقرونٌ بأل. فالخلاصة: أن أل إذا كانت في الأول والأخير فهو جائز، ومثله: الضارب رأس عبد الجاني. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكونها في الوصف كافٍ إن وقع مثنىً او جمعاً سبيله اتبع] قوله: كونها: الضمير يعود على أل. قوله: في الوصف: الوصف هو الأول. يعني: (كونها في الوصف) الذي هو اسم الفاعل أو اسم المفعول أو الصفة المشبهة، وهو الأول (كاف)؛ لكن بشرط: (إن وقع مثنىً او جمعاً سبيله اتبع) والجمع الذي اتبع سبيل المثنى هو جمع المذكر السالم. وقد تقدم قبل قليل أنه لا يجوز أن تتصل (أل) بالأول دون الثاني، فيستثنى من ذلك إذا كان الأول مثنىً أو جمع مذكر سالماً فيجوز أن تكون فيه أل دون الثاني. فيجوز أن تقول مثلاً: يعجبني الآكلو طعامهم، لأن المضاف وهو الأول جمع مذكر سالم. وتقول: يعجبني الفاهمو درسهم. وتقول في المثنى: يعجبني التاركا سوءٍ. خلاصة الكلام: إذا وُصلت أل في المضاف دون المضاف إليه فهو ممنوع إلا إذا كان المضاف جمع مذكر سالماً أو مثنى في الإضافة اللفظية. قوله: (كزيد) بالرفع على الحكاية، وكأنه يقول: كهذا المثال، فيقال: الكاف حرف جر. وزيدٌ الضارب رأس الجاني: مجرور بالكاف. أو يقال كما قال بعضهم: كقولك زيد إلخ.

стр. 452

اكتساب المضاف للتذكير أو التأنيث من المضاف إليه قال المؤلف: [وربما أكسب ثانٍ أولاً تأنيثاً ان كان لحذف موهلا] الثاني هو المضاف إليه. والأول المضاف. فربما أكسب الثاني الأول تأنيثاً. وعلم من قوله: (أكسب تأنيثاً) أن الأول مذكر والثاني مؤنث. قوله: (إن كان لحذفٍ موهلا) إن كان الضمير في (كان) يعود على الأول فالمعنى: إذا كان أهلاً للحذف. والمعنى: أن المضاف إذا كان مذكراً والمضاف إليه مؤنثاً فربما يكسبه المضاف إليه تأنيثاً، فيعطى حكم المؤنث ولو كان مذكراً، ولكن بشرط أن يصح حذفه والاستغناء بالثاني عنه، مثاله: قُطعت بعض أصابعه. هنا كلمة (بعض) مذكر، وأصابع (مؤنث)، والفعل هنا مؤنث (قُطِعَتْ)، ولو راعينا المضاف لوجب أن نقول في الفعل: (قُطِع)، لكنه هنا أكسبه المضاف إليه التأنيث، لأنه لو حذف (بعض) وقيل: قُطعت أصابعه، لاستقام الكلام؛ لكن مع ذلك لا يستقيم تمام الاستقامة؛ لوجود فرق بين البعض والكل، فإنك لو قلت: قطعت أصابعه لم تكن في مدلولها مثل قولك: قطعت بعض أصابعه، لكن المراد أن المعنى يصح ولو في الجملة ولا تشترط المطابقة، فإنه لا يمكن أن يتطابق شيء مع الحذف وغير الحذف. وقوله: (ربما أكسب) يبدو منه أنه مقصور على السماع، وأن ما ورد في اللغة من هذا الباب اتُبع، وما لم ترد به اللغة فالأصل أن يبقى على ما كان عليه. قال ابن عقيل رحمه الله تعالى: [قد يكتسب المضاف المذكر من المؤنث المضاف إليه التأنيث، بشرط أن يكون المضاف صالحاً للحذف وإقامة المضاف إليه مقامه ويفهم منه ذلك المعنى؛ نحو: قُطعت بعض أصابعه، فصح تأنيث (بعض) لإضافته إلى (أصابع) وهو مؤنث، لصحة الاستغناء بأصابع عنه فتقول: قطعت أصابعه، ومنه قوله: مشينا كما اهتزت رماح تسفهت أعاليها مر الرياح النواسم فأنث المر لإضافته إلى الرياح، وجاز لصحة الاستغناء عن المر بالرياح. وربما كان المضاف مؤنثاً فاكتسب التذكير من المذكر المضاف إليه بالشرط الذي تقدم، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف:٥٦]، فرحمة: مؤنث، واكتسبت التذكير بإضافتها إلى الله تعالى. فإن لم يصلح المضاف للحذف والاستغناء بالمضاف إليه عنه لم يجز التأنيث، فلا تقول: خرَجَت غلام هندٍ، إذ لا يقال: خرجت هندٌ، ويفهم منه خروجه] اهـ. يظهر من كلامه أنه يمكن أن نحمل كلام المؤلف: (إن كان لحذف موهلاً) على أن يكون الأول جزءاً من الثاني أو مثل جزئه، كما في المثال: قطعت بعض أصابعه، فإن البعض جزء من الأصابع كلها. على كل حال: أظن أن هذا موقوف على السماع، وأنه إذا كان الأول جزءاً من الثاني اكتسب التأنيث، وإذا كان منفصلاً عنه وعيناً مستقلة بنفسها فإنه لا يكتسب منه التأنيث مثل: قُتلت غلام هند وما أشبه ذلك. قوله: ((رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ))، يقولون: إن الرحمة هنا اكتسبت التذكير من المضاف إليه، فَذُكِّر الخبر عنها، ولـ ابن القيم ﵀ في هذه الآية كلام طويل جداً في بدائع الفوائد.

стр. 453

حكم إضافة الشيء لما يتحد معه في المعنى ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا يضاف اسم لما به اتحد معنى وأول موهماًً إذا ورد] من المعلوم أن المضاف غير المضاف إليه، فتقول: غلام زيد، وفرس محمد، وكتاب الطالب، وتقول: صاحب البيت، صاحب الدكان، فالمضاف غير المضاف إليه، يقول المؤلف: (ولا يضاف اسم لما به اتحد معنى). يعني: لما هو في معناه، فلا تقول مثلاً: هذا كتابُ كتابٍ، وهذا مسجدُ مسجدٍ، وهذا غلامُ غلامٍ، وتريد أن الثاني هو الأول، لكن قد ورد في اللغة العربية ما يدل على إضافة الشيء إلى نفسه، يقول المؤلف: (وأول موهماً إذا ورد) يعني: اصرفه عن ظاهره إذا ورد. من ذلك قولهم: مسجد الجامع، معلوم أن المسجد هو الجامع، فتؤول فتجعل مسجد الجامع بمعنى أنه مسمى هذا الاسم، فمسجد بمعنى المسمى والجامع بمعنى الاسم. ويقولون: سعيد كرز. سعيد: مضاف وكرز مضاف إليه، مع أن كرزاً هو سعيد، فكيف أضيف اسم لما به اتحد، يقول: إننا نؤوله، ونقول المعنى: مسمى هذا الاسم. وقد يؤول بغير مسمى هذا الاسم، كما لو قلت: كتبت سعيد كرز، أي كتبت اسم هذا المسمى. والخلاصة: أن المضاف والمضاف إليه شيئان متباينان، كل واحد منهما غير الآخر، فلا يضاف شيء إلى نفسه. وذهب الكوفيون: إلى أنه يجوز أن يضاف الاسم لما اتحد به معنى بشرط اختلاف اللفظ، كسعيد كرز، وبر قمح، ولا يحتاج إلى تأويل؛ يقولون: يكفي الاختلاف في اللفظ؛ لأن كل لفظ يدل على معنى لا يدل عليه اللفظ الثاني، فحصلت المغايرة ولو من بعض الوجوه، ولكن لا شك أنه من الناحية البلاغية غير مستساغ. ويقال: إن بعض الناس في هذه البلاد السعودية يضيفون اسم محمد إلى الاسم الأصلي، مثل: محمد فؤاد عبد الباقي، محمد رشيد رضا، محمد عبده وما أشبه ذلك، وأصله: رشيد وعبده وفؤاد، فهنا أضيف هذا الاسم لما به اتحد معنى لكنهما لم يتحدا لفظاً.

стр. 454

ملازمة بعض الأسماء للإضافة ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا يضاف اسم لما به اتحد معنى وأول موهماًً إذا ورد] من المعلوم أن المضاف غير المضاف إليه، فتقول: غلام زيد، وفرس محمد، وكتاب الطالب، وتقول: صاحب البيت، صاحب الدكان، فالمضاف غير المضاف إليه، يقول المؤلف: (ولا يضاف اسم لما به اتحد معنى). يعني: لما هو في معناه، فلا تقول مثلاً: هذا كتابُ كتابٍ، وهذا مسجدُ مسجدٍ، وهذا غلامُ غلامٍ، وتريد أن الثاني هو الأول، لكن قد ورد في اللغة العربية ما يدل على إضافة الشيء إلى نفسه، يقول المؤلف: (وأول موهماً إذا ورد) يعني: اصرفه عن ظاهره إذا ورد. من ذلك قولهم: مسجد الجامع، معلوم أن المسجد هو الجامع، فتؤول فتجعل مسجد الجامع بمعنى أنه مسمى هذا الاسم، فمسجد بمعنى المسمى والجامع بمعنى الاسم. ويقولون: سعيد كرز. سعيد: مضاف وكرز مضاف إليه، مع أن كرزاً هو سعيد، فكيف أضيف اسم لما به اتحد، يقول: إننا نؤوله، ونقول المعنى: مسمى هذا الاسم. وقد يؤول بغير مسمى هذا الاسم، كما لو قلت: كتبت سعيد كرز، أي كتبت اسم هذا المسمى. والخلاصة: أن المضاف والمضاف إليه شيئان متباينان، كل واحد منهما غير الآخر، فلا يضاف شيء إلى نفسه. وذهب الكوفيون: إلى أنه يجوز أن يضاف الاسم لما اتحد به معنى بشرط اختلاف اللفظ، كسعيد كرز، وبر قمح، ولا يحتاج إلى تأويل؛ يقولون: يكفي الاختلاف في اللفظ؛ لأن كل لفظ يدل على معنى لا يدل عليه اللفظ الثاني، فحصلت المغايرة ولو من بعض الوجوه، ولكن لا شك أنه من الناحية البلاغية غير مستساغ. ويقال: إن بعض الناس في هذه البلاد السعودية يضيفون اسم محمد إلى الاسم الأصلي، مثل: محمد فؤاد عبد الباقي، محمد رشيد رضا، محمد عبده وما أشبه ذلك، وأصله: رشيد وعبده وفؤاد، فهنا أضيف هذا الاسم لما به اتحد معنى لكنهما لم يتحدا لفظاً.

стр. 455

مجيء بعض ما يلازم الإضافة مفرداً لفظاً مضافاً معنى قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وبعض الأسماء يضاف أبداً وبعض ذا قد يأتي لفظاً مفرداً] يعني: بعض الأسماء ملازم للإضافة لفظاً ومعنى، وبعضها قد يلازم الإضافة معنى لا لفظاً؛ ولهذا قال: (وبعض ذا) أي: بعض ما يلازم الإضافة (قد يأت لفظاً مفرداً). بعض الأسماء: مبتدأ، يضاف: خبره. وبعض ذا قد يأت: بعض: مبتدأ، وقد يأت: خبره. وقوله: لفظاً: منصوب بنزع الخفض. ومفرداً: حال. يعني: قد يأتي مفرداً في اللفظ وإن كان مضافاً في المعنى، هذا معنى البيت. وهذا لم يذكر المؤلف له أمثلة؛ لأنه سيأتي عند ذكر إذا وإذ وحيث وما أشبه ذلك، كما قال فيما بعد: (وألزموا إضافة إلى الجمل حيث وإذ وإن ينون يحتمل إفراد إذ) فنؤجل الكلام فيها حتى تأتي إن شاء الله. المهم أننا نستفيد من هذا البيت قاعدة: أن بعض الأسماء يكون ملازماً للإضافة لفظاً ومعنى، وبعض الأسماء التي يجب إضافتها قد تأتي مفردة في اللفظ وهي في المعنى مضافة، وسيأتي إن شاء الله بيانه.

стр. 456

ما يلازم الإضافة إلى غير الاسم الظاهر قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وبعض ما يضاف حتماً امتنع إيلاؤه اسماً ظاهراً حيث وقع كوحد لبي ودوالي سعدي وشذ إيلاء يدي للبي] (حتماً) بمعنى لازماً، يعني: بعض الذي تجب إضافته يمتنع إيلاؤه اسماً ظاهراً، فهذا البيت تتمة للبيت الأول، يعني: أن من الأسماء الملازمة للإضافة ما لا يضاف إلى اسم ظاهر. وبعض: مبتدأ. حتماً: متعلقة بيضاف. امتنع: خبر المبتدأ. إيلاؤه: فاعل امتنع. واسماً: مفعول لإيلاء؛ لأنه مصدر يعمل عمل فعله. حيث وقع: متعلق بإيلاؤه أو متعلق بامتنع. يعني: يجوز أن يمتنع أن يليه اسم ظاهر وهو ملازم للإضافة. القاعدة من هذا البيت: أن بعض الأسماء التي تتعين فيها الإضافة لا يضاف إلى اسم ظاهر، مثاله: (كوحد لبي ودوالي سعدي) هذه أربع كلمات: (وحْد) لا تأتي إلا مضافة، تقول مثلاً: خرجت وحدي، ورأيتك وحدك. ولا يمكن أن تقول: خرجت وحداً، يعني: فريداً، ولا رأيتك وحداً، أي فريداً، بل لابد أن تضاف، ولكن لا تضاف إلى اسم ظاهر، فلا يمكن أن تقول: رأيت زيداً وحد غلامه. وإذا قلت: رأيت الرجل وحده، فوحده حال كما سبق لنا في باب الحال، والحال لا تقع معرفة، لكنها هنا مؤولة بمنفرداً. كذلك (لبي) ملازمة للإضافة إلى الضمير، فلا تأتي مفردة ولا تأتي مضافة إلى اسم ظاهر، فلا تقول: لبي زيد، ولا لبي ربي، بل لابد أن تضيفها إلى ضمير مخاطب، لا ضمير غيبة ولا ضمير متكلم، فلا يمكن تقول: لبيي يعني: كأنك أجبت نفسك، ولا: لبيه، تخبر أنك تلبي إنساناً غائباً، بل تقول: لبيك. والعوام يستعملون (لبيه) بمعنى (لبيك) فيبدلون الكاف هاء. وأيضاً: (دوالي) تقول: (دواليك) مأخوذة من التدالي، يعني: أنه يدول بعضها على بعض، مثل قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠]. وبعض الناس يقولون: معناها: إدالة بعد إدالة، وليس كذلك؛ لأن الإدالة الغلبة، ولا معنى لها في سياق (دواليك) إنما معناها التدالي والتعاقب، فيوجد فرق بينها وبين الغلبة. وأيضاً: (سعدي) من سعديك، ومعناه: إسعاداً بعد إسعاد، والإسعاد إما من إعطاء السعادة، وإما من المواساة ودفع الأحزان والتسلية. وهي على كل حال لا تذكر إلا مع لبيك، فهي تابعة لها دائماً، تقول: لبيك وسعديك، كما كان ابن عمر ﵁ يقول هذا في تلبيته: لبيك وسعديك، والخير في يديك، والرغباء إليك والعمل. فلبيك بمعنى: أجبتك، وسعديك بمعنى: طلبت منك المعونة بعد المعونة. هذه أربع كلمات ملازمة للإضافة إلى اسم مضمر مخاطب ولا يجوز أن تضاف إلى اسم ظاهر؛ فلهذا قال: (وشذ إيلاء يدي للبي)، يعني: أنه ورد في كلام العرب: فلبى فلبي يدي مسور وما قال: فلبيك، فـ ابن مالك يشير إلى هذا البيت ويقول: إنه شاذ، ووجه الشذوذ أنه أضيف إلى اسم ظاهر، كما شذ كذلك إضافته إلى ضمير الغيبة، كقول الشاعر: لقلت لبيه لمن يدعوني والحاصل: أن هذه أربع كلمات أفادنا المؤلف أننا لو أتينا بها غير مضافة لم يصح، ولو أتينا بها مضافة إلى اسم ظاهر لم يصح، ولو أتينا بها مضافة إلى ضمير غير مخاطب لم يصح، إذاً: فاستعمالها ضيق. نرجع الآن إلى معانيها: وحد: أي منفرداً. لبي: أي إجابة بعد إجابة، من قولهم: ألب بالمكان. وقولهم: دوالي: أي تداولاً بعد تداول. سعدي: إسعاداً بعد إسعاد. ثم هي معربة على أنها مفعول مطلق أو مصدر لفعل محذوف من لفظها، ثم إنها معربة على أنها ملحقة بالمثنى؛ لأن صورتها صورة التثنية ولكن المراد منها الكثرة. فتكلمنا الآن عن حكمها من حيث الإضافة، وعن معناها، وعن إعرابها.

стр. 457

شرح ألفية ابن مالك [٤٣] من الأسماء ما يلازم الإضافة ولا ينفك عنها، فمن ذلك حيث وإذ وكلا وكلتا وقبل وبعد وحسب وغيرها، ولهذه الأسماء أحكام يفصلها العلماء.

стр. 458

أحكام الأسماء التي تلازم الإضافة

стр. 459

ما تضاف إليه حيث وإذ قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وألزموا إضافة إلى الجمل حيث وإذ وإن ينون يحتمل إفراد إذ وما كإذ معنى كإذ أضف جوازاً نحو حين جا نبذ] تقدم قوله: (وبعض الأسماء يضاف أبداً). ومنها (حيث) فإنها تلزم الإضافة دائماً، حيث ألزموها إضافة إلى الجمل، وقوله: (إلى الجمل) يشمل الجمل الاسمية والجمل الفعلية. في الجمل الفعلية تقول: جلست حيث جلس زيدٌ، وتقول: جلست حيث يجلس زيد. وفي الجمل الاسمية تقول: جلست حيث زيد جالس. إذاً: هي تضاف إلى الجمل الاسمية والفعلية سواء كانت الجملة الفعلية ماضية أو مضارعة. وإعراب (حيث) ظرف مكان مبني على الضم في محل نصب، وقد تكون مبنية على الضم في محل جر بمن، كما في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٤٩]، ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٢٢]. وفيها خمس لغات: حيثُ وحيثَ وحيثِ، بتثليث الثاء، ويقال: حوثُ، بقلب الياء واواً، ويقال: حاثُ، ولعل هذه لغة بدوية. وهي ملازمة للإضافة إلى الجمل، ولا تضاف إلى المفرد إلا سماعاً، ومنه قول الشاعر: أما ترى حيث سهيلٍ طالعاً نجماً يضيء كالشهاب لامعاً بجر (سهيل)، وروي برفعه. ويجوز: نجمٌ، بدل (نجماً) على أنه هو نجمٌ. اليوم الكتاب يكتبون: حيث أن فلاناً فعل كذا، أو: حيث إن فلاناً، فنقول: يجوز الوجهان، لكن ليس على أنها مضافة إلى مفرد، بل هي مضافة إلى جملة بالوجهين. تقول: جلست حيث إن زيداً جالسٌ، وجلست حيث أن زيداً جالسٌ، وهي على الوجهين مضافة إلى جملة، لكن على وجه الكسر تكون مضافة إلى جملة مؤكدة بإنّ، وعلى رواية الفتح تكون (أن زيداً جالس) مؤولة بمصدر، أي: حيث جلوس زيد كائن، فتكون مؤولة بمصدر هو المبتدأ وخبره محذوف. لكن الأكمل والأحسن أن تقول: حيث إن زيداً جالس. والحاصل: أن (حيث) من الأسماء الملازمة للإضافة، وتضاف إلى الجمل الاسمية أو الفعلية، وقد تضاف إلى المفرد سماعاً. وكذلك: (إذ) وهي ظرف زمان، وقيل: تقع مفعولاً به ومفعولاً مطلقاً، ولكن المعروف أنها ظرف زمان، لكن المعربون الذين يعربون القرآن يعربونها على أنها مفعول مطلق مثل: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًا﴾ [الأعراف:٨٦]، فيقولون في ((إِذْ كُنتُمْ)): مفعول لـ (اذكروا). ويقولون في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ﴾ [البقرة:٣٠]، إن المعنى: اذكر إذ قال، على أنه مفعول به. إذاً: هي ملازمة للإضافة وهي ظرف، وقد تأتي للتعليل كما في قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف:٣٩]، وإذا كانت تعليلاً فقد قيل إنها حرف يراد به التعليل وليست اسماً. وتأتي (إذ) للماضي؛ لأن إذ وإذا وإذاً تقاسمن الزمان، واحدة قالت: لي المستقبل، وواحدة قالت: لي الحاضر، وواحدة قالت: لي الماضي. فالتي قالت: لي الزمان المستقبل قالت: لازم أمد نفسي من أجل أن أصل إليه وهي: إذا. والتي قالت: لي الماضي قالت: أنا الآن منقطعة عن وقتي فأنا أقرفص، وهي: إذ. والتي للحاضر قالت: أنا الآن أترنم في مكاني، وهي: إذاً. لكن مع ذلك قد تأتي (إذ) للمستقبل، ومثلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ [غافر:٧٠ - ٧١]، وذلك إنما يكون يوم القيامة في المستقبل؛ ولهذا قال: (فسوف) وسوف تجعل المضارع مستقبلاً. ولكن بعض النحويين قالوا: هذا لا يصح، وإن (إذ) على بابها، ولكن نزل المستقبل منزلة الماضي لتحقق وقوعه، كما في قوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ َ﴾ [النحل:١]، مع أنه ما أتى، ولذا قال: ((فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ َ))، ولكن لتحقق وقوعه قال: (أتى). إذاً: إذ معناها الماضي، وقد تأتي للمستقبل على قول بعض النحويين، وعلى قول آخرين: هي دائماً للماضي، ولكن ننزل المستقبل منزلة الماضي لتحققه، وقد تأتي للتعليل. قوله: (وإن ينون يحتمل إفراد إذ وما كإذ معنى كإذ). إن ينون: يعني: (إذ) إذا جاءت منونة احتمل أن تفرد عن الإضافة، ويكون التنوين عوضاً عن الجملة، وهذا كثير في القرآن وفي غير القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾ [الواقعة:٨٤]، يعني: وأنتم حينئذ بلغت الروح الحلقوم تنظرون. وكذلك تأتي في يومئذ: ((يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ)) يعني: يومئذ تقوم الساعة، إن كان قبلها: تقوم الساعة. المهم أنه إذا نونت احتمل إفراد إذ، أي: قطعها عن الإضافة. إعراب يومئذٍ: يوم: ظرف منصوب على الظرفية، ويوم: مضاف، وإذ: مضاف إليه مبني على السكون وجاءت الكسرة لالتقاء الساكنين. ثم قال: (وما كإذ معنى كإذ أضف جوازاً نحو حين جا نبذ) قوله: (وما كإذ معنى) ما: اسم موصول، والكاف هنا يجوز أن تكون اسماً بمعنى مثل، يعني: والذي هو مثل إذ في المعنى، أي: في كونه دالاً على زمان مبهم غير مقيد؛ لأن ما يدل على الزمان منه ما هو مقيد كيوم وشهر وأسبوع، ومنه ما هو مطلق مثل: حين ووقت وزمن ودهر وما أشبه ذلك. فخرج بقولنا (مبهم) ما كان مقيداً كاليوم والشهر، فإنك تقول: جئتك شهر ربيع الأول، ولا تضفه إلى الجمل، لكن ما كان كإذ في دلالته على الزمان المبهم فإنه كإذ إلا أنه يخالفه بقوله: (أضف جوازاً) أي: إذ تضاف وجوباً، أما هذا فيضاف جوازاً. إذاً: فيكون كإذ في أنه مبني؛ لأن إذ مبنية، وكذلك في الإضافة إلى الجمل، لكنه لا يضاف وجوباً كما تضاف إذ. (نحو: حين جا نبذ) يعني: من يوم جاء طرد. إعراب (حين جاء نبذ): حين: ظرف زمان مبني على الفتح في محل نصب على الظرفية. جاء: فعل ماض، والفاعل مستتر جوزاً تقديره هو، وحين: مضاف إلى الجملة (جاء). نبذ: فعل ماض مبني لما لم يسم فاعله، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هو. و (حين) ظرف وتحتاج إلى متعلق، ومتعلقها هو (نبذ)، والتقدير: نبذ حين جاء. ولو قلت: نبذ حيناً، ولم تضفه، فذلك يجوز؛ لأن إضافته جائزة وليست بواجبة؛ ولهذا قال: (أضف جوزاً نحو حين جا نبذ).

стр. 460

حكم إعراب ما يجري مجرى إذ من الظروف عند الإضافة أما بالنسبة للبناء والإعراب، فإنه قال: [وابن أو اعرب ما كإذ قد أجريا واختر بنا متلو فعل بنيا وقبل فعل معرب أو مبتدا أعرب ومن بنى فلن يفندا] قوله: (أو اعرب) بفتح الواو لأنه سهل همزة (أعرب) فنقلت حركتها إلى الواو قبلها. في الحديث: (من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيومَ ولدته أمه)، الكاف حرف جر، والجر يقتضي أن يكون آخر الاسم مكسوراً، والحديث: (كيومَ ولدته أمه) بفتح (يومَ)، وذلك لأنه مضاف إلى مبني فصار الأرجح فيه البناء، فنقول: الكاف: حرف جر. يوم: ظرف مبني على الفتح في محل جر بالكاف. ولدته: فعل وفاعل مستتر ومفعول، ويوم: مضاف، وولدته: مضاف إليه. ويجوز: (رجع من ذنوبه كيومِ ولدته أمه)؛ لكنه مرجوح؛ ولهذا قال: (واختر بنا متلو فعل بنيا) ولو قلت: هذا يومَ ينجح الطلبة، ببناء (يوم) على الفتح فإنه يجوز، كما يجوز رفعه لأنه مضاف إلى معرب وهو الفعل المضارع، ولذا قال المؤلف: (وقبل فعل معرب أو مبتدا أعرب ومن بنى فلن يفندا). لكن البناء مرجوح لقوله: (ومن بنى فلن يفندا) أي: والأصل الإعراب. تقول: هذا يومٌ الدعاء فيه مستجاب، على الوجه الراجح، وهو هنا غير مضاف، ويجوز ذلك كما تقدم في قوله: (أضف جوازاً). ويجوز أن نقول: هذا يومُ الدعاء فيه مستجاب. ويجوز أيضاً: هذا يومٌ يُجاب فيه الدعاء. ويجوز: هذا يومُ يُجاب الدعاء. خلاصة الأبيات الثلاثة: (إذ) مبنية دائماً ملازمة للإضافة لفظاً أو معنى، وإذا حذفنا الإضافة منه لفظاً وجب التنوين. والذي كإذ في المعنى يخالفها في أنه يضاف إلى الجمل جوازاً لا وجوباً. ويجوز فيه الإعراب والبناء، لكن إن أضيف إلى مبني ترجح البناء، وإن أضيف إلى معرب ترجح الإعراب.
следующие страницы →