← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 36954

شرح ألفية ابن مالك للعثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (761 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

ما يلازم الإضافة إلى غير الاسم الظاهر قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وبعض ما يضاف حتماً امتنع إيلاؤه اسماً ظاهراً حيث وقع كوحد لبي ودوالي سعدي وشذ إيلاء يدي للبي] (حتماً) بمعنى لازماً، يعني: بعض الذي تجب إضافته يمتنع إيلاؤه اسماً ظاهراً، فهذا البيت تتمة للبيت الأول، يعني: أن من الأسماء الملازمة للإضافة ما لا يضاف إلى اسم ظاهر. وبعض: مبتدأ. حتماً: متعلقة بيضاف. امتنع: خبر المبتدأ. إيلاؤه: فاعل امتنع. واسماً: مفعول لإيلاء؛ لأنه مصدر يعمل عمل فعله. حيث وقع: متعلق بإيلاؤه أو متعلق بامتنع. يعني: يجوز أن يمتنع أن يليه اسم ظاهر وهو ملازم للإضافة. القاعدة من هذا البيت: أن بعض الأسماء التي تتعين فيها الإضافة لا يضاف إلى اسم ظاهر، مثاله: (كوحد لبي ودوالي سعدي) هذه أربع كلمات: (وحْد) لا تأتي إلا مضافة، تقول مثلاً: خرجت وحدي، ورأيتك وحدك. ولا يمكن أن تقول: خرجت وحداً، يعني: فريداً، ولا رأيتك وحداً، أي فريداً، بل لابد أن تضاف، ولكن لا تضاف إلى اسم ظاهر، فلا يمكن أن تقول: رأيت زيداً وحد غلامه. وإذا قلت: رأيت الرجل وحده، فوحده حال كما سبق لنا في باب الحال، والحال لا تقع معرفة، لكنها هنا مؤولة بمنفرداً. كذلك (لبي) ملازمة للإضافة إلى الضمير، فلا تأتي مفردة ولا تأتي مضافة إلى اسم ظاهر، فلا تقول: لبي زيد، ولا لبي ربي، بل لابد أن تضيفها إلى ضمير مخاطب، لا ضمير غيبة ولا ضمير متكلم، فلا يمكن تقول: لبيي يعني: كأنك أجبت نفسك، ولا: لبيه، تخبر أنك تلبي إنساناً غائباً، بل تقول: لبيك. والعوام يستعملون (لبيه) بمعنى (لبيك) فيبدلون الكاف هاء. وأيضاً: (دوالي) تقول: (دواليك) مأخوذة من التدالي، يعني: أنه يدول بعضها على بعض، مثل قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠]. وبعض الناس يقولون: معناها: إدالة بعد إدالة، وليس كذلك؛ لأن الإدالة الغلبة، ولا معنى لها في سياق (دواليك) إنما معناها التدالي والتعاقب، فيوجد فرق بينها وبين الغلبة. وأيضاً: (سعدي) من سعديك، ومعناه: إسعاداً بعد إسعاد، والإسعاد إما من إعطاء السعادة، وإما من المواساة ودفع الأحزان والتسلية. وهي على كل حال لا تذكر إلا مع لبيك، فهي تابعة لها دائماً، تقول: لبيك وسعديك، كما كان ابن عمر ﵁ يقول هذا في تلبيته: لبيك وسعديك، والخير في يديك، والرغباء إليك والعمل. فلبيك بمعنى: أجبتك، وسعديك بمعنى: طلبت منك المعونة بعد المعونة. هذه أربع كلمات ملازمة للإضافة إلى اسم مضمر مخاطب ولا يجوز أن تضاف إلى اسم ظاهر؛ فلهذا قال: (وشذ إيلاء يدي للبي)، يعني: أنه ورد في كلام العرب: فلبى فلبي يدي مسور وما قال: فلبيك، فـ ابن مالك يشير إلى هذا البيت ويقول: إنه شاذ، ووجه الشذوذ أنه أضيف إلى اسم ظاهر، كما شذ كذلك إضافته إلى ضمير الغيبة، كقول الشاعر: لقلت لبيه لمن يدعوني والحاصل: أن هذه أربع كلمات أفادنا المؤلف أننا لو أتينا بها غير مضافة لم يصح، ولو أتينا بها مضافة إلى اسم ظاهر لم يصح، ولو أتينا بها مضافة إلى ضمير غير مخاطب لم يصح، إذاً: فاستعمالها ضيق. نرجع الآن إلى معانيها: وحد: أي منفرداً. لبي: أي إجابة بعد إجابة، من قولهم: ألب بالمكان. وقولهم: دوالي: أي تداولاً بعد تداول. سعدي: إسعاداً بعد إسعاد. ثم هي معربة على أنها مفعول مطلق أو مصدر لفعل محذوف من لفظها، ثم إنها معربة على أنها ملحقة بالمثنى؛ لأن صورتها صورة التثنية ولكن المراد منها الكثرة. فتكلمنا الآن عن حكمها من حيث الإضافة، وعن معناها، وعن إعرابها.

стр. 457

شرح ألفية ابن مالك [٤٣] من الأسماء ما يلازم الإضافة ولا ينفك عنها، فمن ذلك حيث وإذ وكلا وكلتا وقبل وبعد وحسب وغيرها، ولهذه الأسماء أحكام يفصلها العلماء.

стр. 458

أحكام الأسماء التي تلازم الإضافة

стр. 459

ما تضاف إليه حيث وإذ قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وألزموا إضافة إلى الجمل حيث وإذ وإن ينون يحتمل إفراد إذ وما كإذ معنى كإذ أضف جوازاً نحو حين جا نبذ] تقدم قوله: (وبعض الأسماء يضاف أبداً). ومنها (حيث) فإنها تلزم الإضافة دائماً، حيث ألزموها إضافة إلى الجمل، وقوله: (إلى الجمل) يشمل الجمل الاسمية والجمل الفعلية. في الجمل الفعلية تقول: جلست حيث جلس زيدٌ، وتقول: جلست حيث يجلس زيد. وفي الجمل الاسمية تقول: جلست حيث زيد جالس. إذاً: هي تضاف إلى الجمل الاسمية والفعلية سواء كانت الجملة الفعلية ماضية أو مضارعة. وإعراب (حيث) ظرف مكان مبني على الضم في محل نصب، وقد تكون مبنية على الضم في محل جر بمن، كما في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٤٩]، ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٢٢]. وفيها خمس لغات: حيثُ وحيثَ وحيثِ، بتثليث الثاء، ويقال: حوثُ، بقلب الياء واواً، ويقال: حاثُ، ولعل هذه لغة بدوية. وهي ملازمة للإضافة إلى الجمل، ولا تضاف إلى المفرد إلا سماعاً، ومنه قول الشاعر: أما ترى حيث سهيلٍ طالعاً نجماً يضيء كالشهاب لامعاً بجر (سهيل)، وروي برفعه. ويجوز: نجمٌ، بدل (نجماً) على أنه هو نجمٌ. اليوم الكتاب يكتبون: حيث أن فلاناً فعل كذا، أو: حيث إن فلاناً، فنقول: يجوز الوجهان، لكن ليس على أنها مضافة إلى مفرد، بل هي مضافة إلى جملة بالوجهين. تقول: جلست حيث إن زيداً جالسٌ، وجلست حيث أن زيداً جالسٌ، وهي على الوجهين مضافة إلى جملة، لكن على وجه الكسر تكون مضافة إلى جملة مؤكدة بإنّ، وعلى رواية الفتح تكون (أن زيداً جالس) مؤولة بمصدر، أي: حيث جلوس زيد كائن، فتكون مؤولة بمصدر هو المبتدأ وخبره محذوف. لكن الأكمل والأحسن أن تقول: حيث إن زيداً جالس. والحاصل: أن (حيث) من الأسماء الملازمة للإضافة، وتضاف إلى الجمل الاسمية أو الفعلية، وقد تضاف إلى المفرد سماعاً. وكذلك: (إذ) وهي ظرف زمان، وقيل: تقع مفعولاً به ومفعولاً مطلقاً، ولكن المعروف أنها ظرف زمان، لكن المعربون الذين يعربون القرآن يعربونها على أنها مفعول مطلق مثل: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًا﴾ [الأعراف:٨٦]، فيقولون في ((إِذْ كُنتُمْ)): مفعول لـ (اذكروا). ويقولون في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ﴾ [البقرة:٣٠]، إن المعنى: اذكر إذ قال، على أنه مفعول به. إذاً: هي ملازمة للإضافة وهي ظرف، وقد تأتي للتعليل كما في قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف:٣٩]، وإذا كانت تعليلاً فقد قيل إنها حرف يراد به التعليل وليست اسماً. وتأتي (إذ) للماضي؛ لأن إذ وإذا وإذاً تقاسمن الزمان، واحدة قالت: لي المستقبل، وواحدة قالت: لي الحاضر، وواحدة قالت: لي الماضي. فالتي قالت: لي الزمان المستقبل قالت: لازم أمد نفسي من أجل أن أصل إليه وهي: إذا. والتي قالت: لي الماضي قالت: أنا الآن منقطعة عن وقتي فأنا أقرفص، وهي: إذ. والتي للحاضر قالت: أنا الآن أترنم في مكاني، وهي: إذاً. لكن مع ذلك قد تأتي (إذ) للمستقبل، ومثلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ [غافر:٧٠ - ٧١]، وذلك إنما يكون يوم القيامة في المستقبل؛ ولهذا قال: (فسوف) وسوف تجعل المضارع مستقبلاً. ولكن بعض النحويين قالوا: هذا لا يصح، وإن (إذ) على بابها، ولكن نزل المستقبل منزلة الماضي لتحقق وقوعه، كما في قوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ َ﴾ [النحل:١]، مع أنه ما أتى، ولذا قال: ((فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ َ))، ولكن لتحقق وقوعه قال: (أتى). إذاً: إذ معناها الماضي، وقد تأتي للمستقبل على قول بعض النحويين، وعلى قول آخرين: هي دائماً للماضي، ولكن ننزل المستقبل منزلة الماضي لتحققه، وقد تأتي للتعليل. قوله: (وإن ينون يحتمل إفراد إذ وما كإذ معنى كإذ). إن ينون: يعني: (إذ) إذا جاءت منونة احتمل أن تفرد عن الإضافة، ويكون التنوين عوضاً عن الجملة، وهذا كثير في القرآن وفي غير القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾ [الواقعة:٨٤]، يعني: وأنتم حينئذ بلغت الروح الحلقوم تنظرون. وكذلك تأتي في يومئذ: ((يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ)) يعني: يومئذ تقوم الساعة، إن كان قبلها: تقوم الساعة. المهم أنه إذا نونت احتمل إفراد إذ، أي: قطعها عن الإضافة. إعراب يومئذٍ: يوم: ظرف منصوب على الظرفية، ويوم: مضاف، وإذ: مضاف إليه مبني على السكون وجاءت الكسرة لالتقاء الساكنين. ثم قال: (وما كإذ معنى كإذ أضف جوازاً نحو حين جا نبذ) قوله: (وما كإذ معنى) ما: اسم موصول، والكاف هنا يجوز أن تكون اسماً بمعنى مثل، يعني: والذي هو مثل إذ في المعنى، أي: في كونه دالاً على زمان مبهم غير مقيد؛ لأن ما يدل على الزمان منه ما هو مقيد كيوم وشهر وأسبوع، ومنه ما هو مطلق مثل: حين ووقت وزمن ودهر وما أشبه ذلك. فخرج بقولنا (مبهم) ما كان مقيداً كاليوم والشهر، فإنك تقول: جئتك شهر ربيع الأول، ولا تضفه إلى الجمل، لكن ما كان كإذ في دلالته على الزمان المبهم فإنه كإذ إلا أنه يخالفه بقوله: (أضف جوازاً) أي: إذ تضاف وجوباً، أما هذا فيضاف جوازاً. إذاً: فيكون كإذ في أنه مبني؛ لأن إذ مبنية، وكذلك في الإضافة إلى الجمل، لكنه لا يضاف وجوباً كما تضاف إذ. (نحو: حين جا نبذ) يعني: من يوم جاء طرد. إعراب (حين جاء نبذ): حين: ظرف زمان مبني على الفتح في محل نصب على الظرفية. جاء: فعل ماض، والفاعل مستتر جوزاً تقديره هو، وحين: مضاف إلى الجملة (جاء). نبذ: فعل ماض مبني لما لم يسم فاعله، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هو. و (حين) ظرف وتحتاج إلى متعلق، ومتعلقها هو (نبذ)، والتقدير: نبذ حين جاء. ولو قلت: نبذ حيناً، ولم تضفه، فذلك يجوز؛ لأن إضافته جائزة وليست بواجبة؛ ولهذا قال: (أضف جوزاً نحو حين جا نبذ).

стр. 460

حكم إعراب ما يجري مجرى إذ من الظروف عند الإضافة أما بالنسبة للبناء والإعراب، فإنه قال: [وابن أو اعرب ما كإذ قد أجريا واختر بنا متلو فعل بنيا وقبل فعل معرب أو مبتدا أعرب ومن بنى فلن يفندا] قوله: (أو اعرب) بفتح الواو لأنه سهل همزة (أعرب) فنقلت حركتها إلى الواو قبلها. في الحديث: (من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيومَ ولدته أمه)، الكاف حرف جر، والجر يقتضي أن يكون آخر الاسم مكسوراً، والحديث: (كيومَ ولدته أمه) بفتح (يومَ)، وذلك لأنه مضاف إلى مبني فصار الأرجح فيه البناء، فنقول: الكاف: حرف جر. يوم: ظرف مبني على الفتح في محل جر بالكاف. ولدته: فعل وفاعل مستتر ومفعول، ويوم: مضاف، وولدته: مضاف إليه. ويجوز: (رجع من ذنوبه كيومِ ولدته أمه)؛ لكنه مرجوح؛ ولهذا قال: (واختر بنا متلو فعل بنيا) ولو قلت: هذا يومَ ينجح الطلبة، ببناء (يوم) على الفتح فإنه يجوز، كما يجوز رفعه لأنه مضاف إلى معرب وهو الفعل المضارع، ولذا قال المؤلف: (وقبل فعل معرب أو مبتدا أعرب ومن بنى فلن يفندا). لكن البناء مرجوح لقوله: (ومن بنى فلن يفندا) أي: والأصل الإعراب. تقول: هذا يومٌ الدعاء فيه مستجاب، على الوجه الراجح، وهو هنا غير مضاف، ويجوز ذلك كما تقدم في قوله: (أضف جوازاً). ويجوز أن نقول: هذا يومُ الدعاء فيه مستجاب. ويجوز أيضاً: هذا يومٌ يُجاب فيه الدعاء. ويجوز: هذا يومُ يُجاب الدعاء. خلاصة الأبيات الثلاثة: (إذ) مبنية دائماً ملازمة للإضافة لفظاً أو معنى، وإذا حذفنا الإضافة منه لفظاً وجب التنوين. والذي كإذ في المعنى يخالفها في أنه يضاف إلى الجمل جوازاً لا وجوباً. ويجوز فيه الإعراب والبناء، لكن إن أضيف إلى مبني ترجح البناء، وإن أضيف إلى معرب ترجح الإعراب.

стр. 461

ما تضاف إليه إذا قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وألزموا إذا إضافة إلى جمل الافعال كهن إذا اعتلى] وألزموا: أي النحويون وليس العرب، ولو كان المقصود العرب لقال: والتزموا. (وألزموا إذا إضافة إلى جمل الأفعال) يعني: أن النحويين قالوا: يجب أن تضاف (إذا) إلى الجمل الفعلية. وقوله: (إلى جمل الأفعال) يشمل الماضي والمضارع، ويخرج به الجملة الاسمية، فلا تضاف (إذا) إلى الجملة الاسمية، تقول: إذا جاء رمضان فاجتهد في الأعمال. وتقول مثلاً: إذا يقوم زيد يقوم عمروٌ، أو إذا يزورك زيد أزورك. ولا تضاف إلى الجملة الاسمية -وهي المبدوءة بالاسم- سواء كان خبرها مفرداً أو جملة فعلية، فلا تقول مثلاً: أجيئك إذا زيد قائم، ولا: أجيئك إذا زيد قام. وهذا عند البصريين. ثم مثل المؤلف فقال: (كهن إذا اعتلى) أي: صر هيناً متواضعاً إذا ارتفع صاحبك وتعاظم، وهذا مثال لكنه في الحقيقة حكمة، فإذا رأيت صاحبك متشدداً فكن أنت مخففاً، والشاهد قوله: (إذا اعتلى)، فإن (إذا) مضافة إلى (اعتلى) وجملة (اعتلى) فعل ماض. وقول البصريين: لا تضاف إلى الجملة الاسمية يرد عليه ما جاء في القرآن من أمثلة كثيرة تنقض ذلك، كقوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾ [الانشقاق:١]، ﴿إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ﴾ [الانفطار:١ - ٢] ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾ [التكوير:٣] وهكذا. وقال البصريون: هذه الآيات وأمثالها مخرجة على أن فيها حذفاً، وأصل الكلام: إذا انفطرت السماء، إذا انتثرت الكواكب، إذا كورت الشمس. ولكن يقال لهم: أين الدليل على هذا؟ ولذلك فالصحيح رأي الكوفيين، وهو أنه يجوز أن تضاف (إذا) إلى الجملة الاسمية. وهناك وجه آخر في قوله: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ﴾ يمكن أن يجيب به غير البصريين؛ بحيث يجعلون هذه الجملة فعلية قُدِّم الفاعل فيها على الفعل؛ فإن هناك رأياً يقول: إنه يجوز تقديم الفاعل على الفعل، فتقول: الزيدان قاما، والأصل: قام الزيدان. ففي الآية إذاً ثلاثة تخريجات: الأول: على مذهب البصريين: أن السماء فاعل لفعل محذوف مقدر، تقديره: إذا انفطرت السماء. الثاني: أن السماء فاعل مقدم للفعل الموجود. الوجه الثالث: أن السماء مبتدأ وجملة الفعل بعده خبر، وهذا هو الصحيح؛ لأننا إذا جعلنا (السماء) مبتدأ وجملة (انفطرت) خبراً، فكأننا أعدنا السماء مرتين، مرة بالاسم الظاهر ومرة بالضمير، فيكون هذا أقوى. إذاً: يجوز أن تضاف (إذا) إلى الجمل الاسمية، ولا فرق بين أن يكون خبر الجملة الاسمية فعلاً أو اسماً، والله أعلم.

стр. 462

ما تضاف إليه كلا وكلتا قال المؤلف ﵀: [لمفهم اثنين معرف بلا تفرق أضيف كلتا وكلا] قوله: (لمفهم): جار ومجرور متعلق بأضيف. وقوله: (أضيف كلتا وكلا) أضيف: فعل ماض مبني للمجهول. وكلتا: نائب الفاعل. وكلا: معطوف عليه. أي: أضيف هاتان الكلمتان لما يدل على الاثنين بلا تفرق، وهذا شرط، وشرط آخر: أن يكون معرفة. فكلا وكلتا من الأسماء الملازمة للإضافة، ولا تضاف إلا لما يدل على اثنين، وهو معرفة، بلا تفرق؛ قال الله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾ [الكهف:٣٣]، وتقول: جاء الرجلان كلاهما، وجاءت المرأتان كلتاهما. ففي الآية الكريمة: ((كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ)) أضيف (كلتا) إلى الجنتين، وهو لفظ معرف بأل، ويفهم اثنين وهما الجنتان، وذلك بلا تفرق. إذاً: لو قلت: كلا رجلين قاما فلا يجوز؛ لأن (رجلين) نكرة وليس معرفة. ولو قلت: كلا زيد وعمرو قاما. فلا يجوز لأنه مفرق. ولو قلت: كلا زيدٍ جميل. فلا يجوز؛ لأنه غير مفهم لاثنين. فلابد أن يفهم اثنين وأن يكون معرفة، وبلا تفرق. القاعدة من هذا البيت: مما تجب إضافته كلا وكلتا، ولا يضافان إلا لمثنىً معرف غير مفرق. ويضافان للظاهر وللضمير، فمثاله للظاهر قوله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾ [الكهف:٣٣]. وللضمير: جاء الرجلان كلاهما. واعلم أن خبر (كلا وكلتا) يجوز فيه التثنية ويجوز فيه الإفراد، قال الشاعر: كلاهما حين جد الجري بينهما قد أقلعا وكلا أنفيهما رابي (كلاهما حين جد الجري بينهما قد أقلعا) هنا الخبر مثنى. فتجوز التثنية مراعاة للمعنى، ويجوز الإفراد مراعاة للفظ.

стр. 463

حكم إضافة أيّ قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا تضف لمفرد معرف أياً وإن كررتها فأضف أو تنوي الاجزا واخصصن بالمعرفة موصولة أياً وبالعكس الصفة وإن تكن شرطاً أو استفهاما فمطلقاً كمل بها الكلاما] هذه أيٌّ، وما أدراك ما أيٌّ؟ يقول المؤلف: (ولا تُضف لمفرد معرف أياً): (أيٌ): معروف أنها تضاف، وقد لا تضاف. قال الله تعالى: ﴿أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء:١١٠]، هذه غير مضافة. وتقول: أي رجل لقيته فأكرمه. هذه مضافة. لكن إلى أي شيء تضاف إذا أضيفت؟ يقول: (لا تضف لمفرد معرف أياً) أي: لا تضاف (أيّ) لمفرد معرف، وعلم من قوله: (لمفرد) أنها تضاف للجمع المعرف وتضاف للتثنية المعرفة، فتقول: أي الرجلين قاما، وتقول: أي الرجال قاموا. ويجوز: أي رجل قام، لأنه مفرد لكن غير معرف. ولا يجوز: أي زيد قام؛ لأنه مفرد معرف، إلا في أحوال ثلاثة كما قال: (وإن كررتها فأضف، أو تنوي الاجزا). ومثال التكرار قوله: فلا تسألون الناس أيي وأيكم غداة التقينا كان خيراً وأكرما الشاهد: (أيي وأيكم) هنا أي مضافة لمفرد معرف، لكنها كررت. ومثله: أي زيد وأي عمرو خيرٌ، وإن كان هذا التركيب فيه ما فيه، لكن يصح: أي زيد وأي عمرو خيرٌ، أيي وأيكم خير؛ ولكن قد يقول قائل: (أيي) مضاف لمفرد معرف، لكن (أيكم) مجموع، فالمثال الذي يتطابق: أي زيد وأي عمرو خيرٌ، حيث أضيفت إلى مفرد معرف في موضعين! قال: (أو تنوي الأجزاء) يعني: تنوي بأي التي أضفتها إلى مفرد معرف أجزاء هذا المفرد المعرف، فتقول: أي الثوب أحسن؟ فهنا أردت الأجزاء، أيُّ: أيُّ جزء في الثوب أحسن؟ وتقول مثلاً: أي البدن أحسن؟ فهنا نوينا الأجزاء. وتقول: أي السماء أجمل؟ فنقول: نجومها مثلاً، فيجوز؛ لأنك نويت الأجزاء. قوله: (واخصصن بالمعرفة موصولة أياً). (أيٌّ) تأتي موصولة كما تقدم لنا في باب الموصول في قول ابن مالك: (أيٌّ كما)، قال الله تعالى: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾ [الكهف:١٢]. فهنا يقول: إن الموصولة مخصوصة بالمعرفة، أي: لا تضاف إلا إلى معرفة؛ وذلك لأنها لم ترد في اللغة العربية إلا مضافة إلى معرفة، فلا يمكن أن نضيفها إلى نكرة، فلا تقول: يعجبني أي رجل أَقْوَم، بل تقول: يعجبني أيهم أقوم، أي: الذي هو أقوم، كما مر في باب الاسم الموصول. قوله: (وبالعكس الصفة) (أيٌّ) تأتي صفة، وإذا أتت صفة فإنها لا تضاف إلى معرفة، تقول: جاء زيد أيَّ بطل، وهي هنا حال، والحال وصف في المعنى، وتقول: مررت برجل أي رجل، فأيّ صفة لرجل، فأضيفت هنا إلى نكرة. إذاً: أيٌّ إذا كانت موصولة اختصت بالمعارف، وإذا كانت صفة اختصت بالنكرات، سواء كانت حالاً أو نعتاً. قوله: [وإن تكن شرطاً أو استفهاماً فمطلقاً كمل بها الكلام]. يعني: إذا كانت شرطية أو استفهامية فأضفها إلى المعرفة والنكرة والمفرد والجماعة، وإن شئت فلا تضفها. وقوله: (مطلقا) يعني: بغير قيد. وأتى بقوله: (كمل بها الكلاما) لأن الكلام متشتت في (أيّ) يحتاج إلى وعي. فالذي فهمنا من كلام المؤلف أن أياً تأتي لأربع معانٍ: موصولة، وصفة، وشرطية، واستفهامية. وأن الموصولة في الإضافة مختصة بالمعارف، والصفة مختصة بالنكرات. والشرطية والاستفهامية مطلقة، تكون للنكرات وللمعارف: فتقول مثلاً: أي السبيلين تسلك أسلك، أي سبيل تسلك أسلك، في المثال الأول أضيفت لمعرفة وفي الثاني لنكرة. وتقول: أياً تسلك أسلك، هذه غير مضافة أصلاً. وتقول: أي رجل عندك؟ هذه استفهامية أضيفت لنكرة. وتقول: أي الرجلين عندك؟ هذه أيضاً استفهامية أضيفت إلى معرفة. وتقول: أيٌ عندك من القوم؟ هذه لم تضف. فالحاصل أن أيّاً إذا كانت شرطاً أو استفهاماً أضيفت إلى النكرات والمعارف والمفرد والمثنى والجمع، وتقطع عن الإضافة. وإذا كانت موصولة اختصت بالإضافة إلى المعارف، وإذا كانت صفة اختصت بالإضافة إلى النكرات. والآن كملنا بها الكلام، والله أعلم. إعراب: (وعلمناه من لدنا علماً). علمناه: علم: فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بضمير الرفع المتحرك. نا: ضمير متصل في محل رفع فاعل. والهاء: ضمير متصل في محصل نصب مفعول به أول لِعَلَّم. من: حرف جر. لدنا: لدن: اسم مبني على السكون في محل جر بمن، وهو مضاف، ونا: ضمير في محل جر مضاف إليه. علماً: مفعول به ثان لعلَّم.

стр. 464

حكم إضافة مع قال المؤلف ﵀: [ومَعَ مَعْ فيها قليل ونقل فتح وكسر لسكون يتصل] مَع: ظرف وهي تقتضي المصاحبة في الزمان أو في المكان، ويقال فيها: مَعْ بالسكون، وهو قليل؛ ولهذا قال: (مَعْ فيها قليل) وهذا على تقدير أن (مَعَ) معطوفة على لدن. (مَعْ فيها قليل) مَعْ: مبتدأ، والجملة استئنافية، وليست الجملة خبراً لـ (مَعَ)؛ لأن مَعَ معطوفة على لدن، ولا تحتاج إلى خبر. والمعنى: أن مَعَ يقال فيها مَعْ لكنه قليل، تقول: الرجل معْ صاحبه، والكثير: معَ صاحبه، وهي ظرف منصوب على الظرفية فحركتها حركة إعراب، وهي مضافة لما بعدها، وأما على لغة معْ فهي لا زالت على الظرفية، لكنها مبنية على السكون في محل نصب. قال: (ونقل فتح وكسر) أي: نقل عن العرب فيها فتح وكسر (لسكون يتصل) يعني: إذا اتصل بها ساكن ففيها عن العرب وجهان: الفتح على الأصل، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الإسراء:٣٩]، فهي مفتوحة هنا على اللغتين جميعاً، أعني باللغتين: معَ ومعْ. أما على لغة فتحها فالأمر واضح، لأنها باقية على الأصل، وأما على لغة بنائها على السكون فإنها حركت بالفتح لالتقاء الساكنين. أما الكسر فيجوز أن تقول: جئت معِ الرجلِ، بكسر العين، وهذا لا يتأتى إلا على لغة السكون؛ لأنه على لغة إعرابها بالفتح لا حاجة إلى الكسر، إذ إنه لم يلتق ساكنان حتى نحتاج إلى الكسر، لكن على لغة السكون نقول: كسرت لالتقاء الساكنين. الخلاصة الآن: (مع) ملازمة للإضافة، وفيها لغتان: إحداهما: الإعراب، وتكون معربة منصوبة بالفتح. والثانية: البناء، وتكون مبنية على السكون. وعلى هذه اللغة إذا اتصل بها ساكن جاز في عينها أن تفتح وأن تكسر، فتقول: جئت معَ الرجل، وجئت معِ الرجلِ. والله أعلم.

стр. 465

أحكام غير وقبل ونحوها في الإضافة والإعراب قال المؤلف رحمه الله تعالى: [واضمم بناءً غيراً ان عدمت ما له أضيف ناوياً ما عُدما]. قوله: (واضمم بناء) يعني: واضمم ضمَّ بناءٍ، فبناءً هنا مفعول مطلق؛ لأنها على تقدير إضافة المصدر: اضمم ضمَّ بناءٍ؛ لأن الضم قد يكون ضم إعراب وقد يكون ضم بناء، فإذا قلت: جاء الرجلُ، فالضم هنا ضم إعراب، وإذا قلت: اجلس حيثُ جلس زيد، فإن الضم هنا ضم بناء. وكلمة (غير) تبنى على الضم، لكن متى؟ قال: (إن عدمت ما له أضيف ناوياً ما عدما). يعني: إن حذفت المضاف إليه ونويت معناه فإنك تبنيها على الضم، فتقول مثلاً: أخذت منك درهمين لا غيرُ، فلا هنا نافية للجنس، وغيرُ: اسمها مبني على الضم في محل نصب، وبنيناها لأننا حذفنا المضاف إليه ونوينا معناه، وأصل الكلام: أخذت منك درهمين لا غيرهما أخذت، ولو جئنا بالمضاف إليه لكانت منصوبة بالفتحة. وفهمنا من قول المؤلف: (إن عدمت ما له أضيف ناوياً ما عدما). أن المضاف إليه لا يخلو من إحدى أربع حالات: إما أن يذكر المضاف إليه، وإما أن يحذف وينوى معناه، وإما أن يحذف وينوى لفظه، وإما أن يحذف ولا ينوى لفظه ولا معناه. فإذا حذفته ونويت معناه فإن (غير) يبنى على الضم، وأما العلة في البناء على الضم فقد تقدم لنا أن الصحيح أن العلة في المبنيات هو السماع، لكن النحويين يأبون إلا أن يعللوا، فيقولون: إن العلة أنه لما حذف المضاف إليه ونوي معناه أشبه الحرف في الافتقار، فهو هنا مفتقر إلى المضاف إليه.

стр. 466

حكم قبل وبعد وحسب وأول في الإضافة قال المؤلف: [قبل كغير بعد حسب أول ودون والجهات أيضاً وعلُ وأعربوا نصباً إذا ما نكرا قبلاً وما من بعده قد ذكرا] قوله: (كغيرُ) بالضم على الحكاية، ويجوز: (قبلُ كغيرٍ) على اللفظ. ومعنى ذلك: أن كلمة (قبل) إذا حذف المضاف إليه ونوي معناه تبنى على الضم؛ قال الله تعالى: ﴿لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم:٤]، فمن: حرف جر، وقبل: اسم مبني على الضم في محل جر؛ وإنما بنيناه على الضم لأننا حذفنا المضاف إليه ونوينا معناه. وإذا أردنا أن نقدر المضاف إليه فهو: لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلِ غلبهم ومن بعد غلبهم، لأن أول الآية: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم:٣ - ٤] أي: من قبلِ غلبهم ومن بعدِ غلبهم، لكن حذف المضاف إليه ونوي معناه، بنيا على الضم. فكلمة غير وكلمة قبل وما ذكر بعدها في البيت السابق لها أربع حالات، هذه واحدة منها. والحالة الثانية: أن يحذف المضاف إليه وينوي لفظه، فإنها تعرب بدون تنوين، فتقول مثلاً: جئتك من قبلِ، يعني: من قبل الموعد مثلاً. الحالة الثالثة: أن يذكر اللفظ، فتعرب أيضاً بدون تنوين، فتقول: جئتكَ من قبلِ الموعد، وأعربنا بدون تنوين لأنه مضاف، والمضاف لا ينون كما قيل: كأني تنوين وأنت إضافة فأين تراني لا تحل مكاني الحال الرابعة: أن يحذف المضاف إليه ولا ينوى لفظه ولا معناه، فحينئذٍ تعرب منونة، كما قال الشاعر: فساغ لي الشراب وكنت قبلاً أكاد أغص بالماء الزلال فقبلاً: خبر كان منصوب، وأتى منوناً لأنه لم ينو الإضافة لا لفظاً ولا معنى فكان منصوباً. تبين بهذا أن (قبل وغير) لهما أربع حالات: الحالة الأولى: أن يوجد المضاف إليه فيعربان بدون تنوين. الحال الثانية: أن يحذف وينوى لفظه، فيعربان بدون تنوين أيضاً. الحالة الثالثة: أن يحذف المضاف إليه وينوى معناه، وفي هذه الحالة يبنيان على الضم. الحال الرابعة: أن يحذف المضاف ولا ينوى لفظه ولا معناه، فيعربان منونين. وقبلُ وبعدُ كغير، وقوله: (حسبُ) يعني: حسبُ كغير، فتقول مثلاً: عندي لك درهم فحسب، فتبنى على الضم، و (الفاء) يقولون: إنها هنا زائدة لتزيين اللفظ. وتقول: مررت برجل حسبك من رجل، فهي هنا معربه، لأنه ذكر المضاف إليه. وتقول: مررت بزيد حسبك من رجل، فهي هنا معربة لوجود المضاف إليه. لكن الفرق بين قولك: مررت برجل حسبك من رجل؛ أن حسبك صفة. وفي: مررت بزيد حسبك من رجل، حال؛ لأن (حسب) لا تتعرف بالإضافة، فإن وقعت بعد نكرة فهي صفة، وإن وقعت بعد معرفة فهي حال. مثالها بعد النكرة: مررت برجل حسبك من رجل. ومثالها بعد المعرفة: مررت بزيد حسبك من رجل. قال: (أول) أول تطلق بمعنى: الأول في الزمن، وتطلق بمعنى: الأول في السبق ليس في الزمن. فمثلاً قوله ﷺ في دعاء الاستفتاح: (وأنا أول المسلمين)، معناه: أسبقهم رتبة وفضلاً، يعني: أنا أول من يستسلم رتبة وتنفيذاً لأمر الله، وليس زمناً؛ لأن الرسول ﵊ هو خاتم الرسل. و (أول) حكمها حكم قبل وبعد، لها أربع حالات: إما أن يحذف المضاف إليه وينوى لفظه، أو يحذف وينوى معناه، أو يذكر، أو لا يذكر ولا ينوى لا لفظه ولا معناه، يعني: لا يذكر لفظاً ولا تقديراً. فإن حذف المضاف إليه ونوي معناه فهي مبنية على الضم، وإن لم ينو معناه ولا لفظه فهي معربة. تقول: دخلوا أولاً فأولاً. فهنا لا نوي معنى المضاف إليه، ولا نوي لفظه؛ ولهذا أعربت بالفتح، وموقعها من الإعراب حال. وإذا قلت: ادخلوا الأول فالأول، تكون حالاً، وتكون معربة ولا يمكن أن تضاف؛ لأن فيها أل، فهي مجردة من الإضافة.

стр. 467

حكم دون والجهات الست في الإضافة قوله: (ودون) تقول مثلاً: عندي لك دراهم دون العشرة، فتعرب هنا؛ لأنها مضافة والمضاف إليه مذكور. وتقول مثلاً: بعت هذا الشيء بدون، أي: بدون زيادة، فلابد عند الحذف من العلم بالمحذوف؛ لأنه قد تقدم أن القاعدة: أنه لا يحذف إلا الشيء الذي يعلم، كما في قوله: (وحذف ما يعلم جائز). فلا يمكنني أن أحذف المضاف إليه ولم يوجد ما يدل عليه، لكن إذا وجد ما يدل عليه، وحذف ونوي لفظه فهي معربة بدون تنوين، وإن نوي معناه فهي مبنية على الضم، وإن حذف بغير تقدير لا لفظاً ولا تقديراً، فإنها تكون معربة. قوله: (والجهات أيضاً) أي: الجهات الست: فوق وتحت، وأمام وخلف، ويمين وشمال. هذه الجهات حكمها حكم قبل وبعد، إن حذف المضاف إليه ونوي معناه فهي مبنية على الضم، تقول: أتيت إليه من فوقُ، فهنا حذف المضاف إليه ونوي معناه. وقال تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل:٥٠]، ((مِنْ فَوْقِهِمْ))، لم يبن على الضم؛ لأن المضاف إليه مذكور. وقوله تعالى: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ﴾ [الأعراف:٤٣]، فتحت معربة؛ لأن المضاف إليه مذكور. وتقول: جرى الماء من تحتُ، فتحت هنا مبنية؛ لأنه حذف المضاف إليه ونوي معناه. وتقول مثلاً: أتيتك من اليمين، فاليمين معربة؛ لأن الإضافة هنا لا يمكن أن تقدر؛ لوجود (أل). لكن إذا قلت: أتيته من يمينُ، فهذه مبنية على الضم في محل جر؛ لأنه حذف المضاف إليه ونوي معناه. و (شمال) نفس الشيء، تقول: أتيت إلى زيدٍ من شمالِ بيته، فشمال معربة؛ لأنه ذكر المضاف إليه. وتقول: أتيته من شمالُ، مبنية على الضم؛ لأنه حذف المضاف إليه ونوي معناه. وتقول: أتيته من شمالِ بدون تنوين، على أنك حذفت المضاف إليه، ونويته لفظاً، فلا تكون (شمال) مجرورة بالتنوين. وتقول مثلاً: أتيت إليه من شمالٍ، فهنا حذف المضاف إليه لفظاً ومعنى. والمعروف عند العرب أن هذه الجهات بالنسبة للإنسان. أما الشمال والجنوب بالنسبة للأفق فهو واحد، فالشمال ما كان عن يمين مستقبل الشمس عند غروبها، والجنوب ما كان عن يمين مستقبل الشمس عند طلوعها، والشرق والغرب معروف. وقوله: (وعلُ) معنى علُ: فوق، كقول امرئ القيس: مكر مفر مقبل مدبر معاً كجلمود صخر حطه السيل من علِ فـ (علِ) معربة؛ لأنه حذف المضاف إليه ونوي لفظه. وقال بعضهم: يجوز أن يكون حذف المضاف ولم ينو لفظه ولا معناه لكنه لم ينون من أجل الروي. وهو محتمل.

стр. 468

حذف المضاف وقيام المضاف إليه مقامه

стр. 469

حكم حذف المضاف قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وما يلي المضاف يأتي خلفا عنه في الاعراب إذا ما حذفا] هو المضاف إليه. فالمعنى: أن المضاف إليه يأتي خلفاً عن المضاف في الإعراب إذا ما حذف. وقوله: (إذا ما حذف) ما زائدة، يعني: إذا حذف. ومعنى البيت: أنه ربما يحذف المضاف ويقوم المضاف إليه مقامه. ومثل في الشرح بقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢]، فقال: إن الأصل: وجاء أمر ربك والملك صفاً صفاً، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وهذا لا شك أنه خطأ، فإن هذا مذهب أهل التحريف الذين يحرفون الكلم عن مواضعه في أسماء الله وصفاته، فما الذي أدراهم أن المعنى: وجاء أمر ربك؟ وليس عندهم دليل؛ ولهذا المحرفون لآيات الصفات يقولون على الله بلا علم من وجهين: الوجه الأول: أنهم قالوا: ما أراد الله كذا. والوجه الثاني: أنهم قالوا: أراد كذا. فهم قالوا: ما أراد الله أنه يجيء هو بنفسه؛ لأن المجيء عندهم مستحيل وأراد وجاء أمر ربك، فهنا قالوا على الله بلا علم، فنفوا ما قال الله، وأثبتوا ما لم يقله الله، نسأل الله السلامة. والواجب علينا في آيات الصفات إجراؤها على ظاهرها، ولكن بشرط أن يكون هذا الظاهر لائقاً بالله ، لا يقتضي تمثيلاً ولا تشبيهاً ولا تكييفاً؛ لأن الله يتحدث عن نفسه، وهو أعلم بنفسه، ولا يمكن أن يتحدث عن نفسه بصفة وهو يريد خلافها؛ لأن هذا خلاف البيان، والله تعالى يقول في القرآن: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١٣٨]. بل نقول: هذه تعمية وتضليل أن يخاطب الإنسان بشيء والمراد غيره، وهذا لازم لهؤلاء المحرفة، وعليه فنقول: إن الواجب فيما أخبر الله به عن نفسه من الأسماء والصفات إجراؤها على ظاهرها وحقيقتها، ولكن يجب علينا أن نخرج من أذهاننا مسألة التشبيه، أو التمثيل، أو التكييف؛ لأن الله أعظم من أن يمثل؛ ولأنه قال : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]. وهو أعظم من أن يكيف؛ لأنه إذا كُيف فمعناه إحاطة الذهن به، والله يقول: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠]. إذاً: لا يصح التمثيل بالآية على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه. بل نقول: جاء ربك على ظاهرها، فهو بنفسه جاء، والله تعالى أعلم كيف يجيء، ونقول فيها كما قال مالك بن أنس ﵀: المجيء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. ونقول كما قال بعضهم: إذا قال لك الجهمي: إن الله ينزل إلى السماء الدنيا فكيف ينزل، فقل: إن الله أخبرنا أنه ينزل ولم يخبرنا كيف ينزل. كذلك المجيء، نقول: أخبرنا أن الله يجيء ولم يخبرنا كيف يجيء، فعلينا أن نؤمن ونسلم. ولو قال لنا قائل: فوضوا الأمر، وقولوا: الله أعلم بما أراد. فنقول: لا يجوز أن نفوض؛ لأن التفويض معناه أن يبقى القرآن في كل ما يتعلق بالله لا يفهم ولا يعقل، فيكون هذا القرآن الكريم في أعظم ما جاء من أجله غير مفهوم ولا معلوم، وهذا شيء مستحيل على حكمة الله . ويقول الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص:٢٩]، ولم يقل: إلا آيات الصفات. وقال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء:٨٢]، ولم يقل: إلا آيات الصفات، ولم يستثن شيئاً، وما يتدبر فلابد أن يوصل إلى معناه، وهذا هو الذي مشى عليه السلف. ومن قال: إن مذهب السلف هو التفويض فقد كذب عليهم. والعجيب أني قرأت في كتاب أحكام القرآن للقرطبي المفسر المشهور كلاماً استغربته منه، حيث يقول بهذا القول، وأننا لا نقول في آيات الصفات شيئاً. وقد قال شيخ الإسلام في كتاب العقل والنقل: إنه من شر أقوال أهل البدع والإلحاد، وقد تسلط به أهل التحريف، وقالوا: نحن أعلم بالقرآن منكم. بل قال: تسلط به أهل الفلسفة والتكييف، وقالوا: نحن أعلم بالقرآن منكم؛ لأننا نقول: معنى القرآن كذا، وأنتم تقولون: لا نعرف معناه. وهذه حقيقة ما قاله الشيخ ﵀ في كتابه العقل والنقل الذي قال عنه ابن القيم: وله كتاب العقل والنقل الذي ما في الوجود له نظير ثان. وهو كلام معقول؛ لأنه لا شك أن العالم هو الذي يقول: أنا أعرف معنى الآيات، والجاهل هو الذي يقول: لا أعرف، وهذا لا يمكن أن يكون من السلف، فالسلف أعلم الناس بمعاني القرآن كله، ما يتعلق بالصفات وغيره، حتى قال مجاهد: عرضت القرآن على ابن عباس من فاتحته إلى خاتمته، أوقفه عند كل آية، وأسأله عن معناها؛ ولهذا كان مجاهد ﵀ أعلم التابعين بالتفسير. وأنا لا أعتقد أن قلوب الذين يحرفون مطمئنة، وأن فيها السكينة أبداً؛ لأننا نقول له: ما الذي أدراك أن الله أراد هذا دون هذا؟! ولا يمكن أن يطمئن الإنسان على هذا المعنى وهو يعلم أنه سيقف بين يدي الله ويقول الله له: هل تشهد أني أردت بكلامي هذا؟ فمن يستطيع أن يؤدي هذه الشهادة؟ لكن السالم الذي يمكن أن يجيب بالصواب هو الذي يقول: نعم، أردت يا رب بكلامك هذا المعنى الذي سار عليه السلف؛ لأن القرآن نزل بلغة العرب، ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٥]. ومن أمثلة التحريف ما ذكر في قول الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف:٣]، وقوله في الآية الأخرى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف:٢]. فاحتج الجهمية بالآية الأولى على أن القرآن مخلوق؛ لأن الله قال: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام:١]، وقال: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ [الأنعام:٩٦]. لكن جاءت الآية الأخرى تكذبه، وبالجمع بينهما يصبح معنى ((جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا)) أي: صيرناه بلغة العرب، أي: تكلمنا به بلغة العرب. إذاً: تبين الآن أن الإنسان الذي يمر القرآن على ظاهره اللائق بالله في آيات الصفات أنه آخذ به وقلبه مطمئن، وعليه السكينة. بخلاف من حرف أو توقف، وقال: لا أقول شيئاً، إنما أمرها بدون أن أعتقد لها معنى. وهذا خطأ، فلو جاءك كتاب من صديق لك، فهل تستفيد منه وأنت لا تدري ما معناه؟! ف الجواب لا تستفيد منه شيئاً أبداً، فكيف بالقرآن -ولله المثل الأعلى- وهو بين واضح. وقد يقال: أيهما أسوأ التحريف أم التفويض؟ فالجواب: كلاهما له سوء من وجه، فالتحريف خير من التفويض من حيث إنه جعل للقرآن معنى، سواء صار فيه الحق أو الباطل، لكنه أشد من حيث الجرأة على الله وأنه أراد بهذا اللفظ هذا المعنى. والتفويض أشد من جهة أنه جعل القرآن لا معنى له، فهو بمنزلة الحروف الهجائية، وهذا سفه أن ينزل القرآن لأمة تربى على التوحيد وعلى ما يجب الله ثم تكون دلالته على هذه المعاني مفقودة، فهذا أشد من هذه الناحية، ومن جهة أن الإنسان لم يجرؤ على أن يقول على الله ما لا يعلم يكون أهون. فكل منهما له سوء، وكلاهما ضلال. فإن قيل: ما الحد الفاصل بين السلف والخلف؟ نقول: أولاً: اعلم أن السلف قد يراد به المذهب، وهذا يشمل من أخذ بهذا المذهب إلى يوم القيامة، وليس له حد زمني، فكل من قال بما دل عليه الكتاب والسنة فهو من السلف، وعلى هذا فلا حد له. وأما الحد الزمني: فإن المراد بالسلف هم القرون الثلاثة المفضلة، الصحابة والتابعون وتابعوهم، فهؤلاء هم السلف، ومن بعدهم فهم خلف. ويمكن أن يمثل لقاعدة: إذا حذف المضاف فإنه يقوم المضاف إليه مقامه، بقوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة:٩٣]، فالذين عبدوا العجل أشرب ذلك في قلوبهم، أي: جعلت القلوب مثل الأسفنجة التي تشرب هذا الماء. قالوا: المراد بذلك حب عبادة العجل، فيكون المحذوف شيئين؛ أما على تقدير حب العجل فالمحذوف شيء واحد. ولكن حقيقة الأمر أن المحذوف شيئان؛ لأن الذي أشرب في قلوبهم حب عبادة العجل. وعلى كل حال سواء كان المقدر واحداً أو اثنين أو أكثر حسب ما يقتضيه المقام؛ فإنه يحذف المضاف ويبقى المضاف إليه معرباً فإعرابه: إن كان مرفوعاً فهو مرفوع، أو منصوباً فهو منصوب، أو مجروراً فهو مجرور، لكن المجرور لا يظهر فيه الأثر، لأن المضاف إليه يكون مجروراً.

стр. 470

حذف المضاف مع بقاء المضاف إليه مجروراً قال: [وربما جروا الذي أبقوا كما قد كان قبل حذف ما تقدما] فالضمير في (جروا) يعود على العرب. أفادنا المؤلف ﵀ أنه يجوز أن يبقى المضاف إليه مجروراً، لكن بشرط أن يكون معطوفاً على مثل الذي جر الأول، مثال ذلك قول الشاعر: أكل امرئ تحسبين امرأً ونار توقد بالليل ناراً (كل) مفعول أول لتحسبين. و (امرأً) مفعولها الثاني، و (نارٍ) معطوفة على (امرأً)، يعني: وتحسبين كل نارٍ، فهنا ما حذف مماثل لما عليه قد عطف، فالمحذوف كل، وهي مماثلة لكل التي عطفت عليها؛ فلذلك جاز أن يبقى المضاف إليه مجروراً، كما لو لم يكن المضاف محذوفاً. والقاعدة من البيتين: أنه يحذف المضاف فيقوم المضاف إليه مقامه، وقد يبقى المضاف إليه مجروراً، بشرط أن يكون المحذوف مماثلاً للمعطوف عليه.

стр. 471

حذف المضاف إليه مع بقاء المضاف غير منون قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويحذف الثاني فيبقى الأول كحاله إذا به يتصل] فالثاني هو المضاف إليه، وقوله: (إذا به يتصل) قد سبق معنا أن (إذا) تضاف إلى الأفعال، وهنا أضيفت إلى الجار والمجرور، فنقول: الجار والمجرور متعلق بيتصل، وعلى هذا فهي في الحقيقة مضافة إلى الفعل، فيبقى الأول كأن لم يحذف. ومعنى: (يبقى كأن لم يحذف) يعني: أنه يعرب بلا تمييز، وإذا كان اسماً لا ينصرف فإنه يصرف؛ لأنه يكون كحاله إذا به يتصل، لكن بشرط أن يوجد في المعطوف مثل المحذوف من الأول، مثاله تقول: قطع الله يد ورجل من قطع الطريق. فهنا مضافان: يد ورجل. أما (رجل) وهي الثانية فمضافة حقيقة إلى (من). وأما (يد) فليست مضافة لفظاً، لكنها مضافة تقديراً، والتقدير: قطع الله يد من قطع الطريق، ورجل من قطع الطريق. والنحويون في هذه المسألة اختلفوا على ثلاثة أقول: القول الأول: ما مشى عليه المؤلف أن الحذف من الأول لدلالة الثاني عليه، والأصل: قطع الله يد من قطعها ورجل من قطعها. القول الثاني: أن الحذف من الثاني، والذي بعده تبع الأول، فأقحم الثاني بين المضاف والمضاف إليه، والأصل: قطع الله يد من قطعها ورجل، يعني: ورجل من قطعها. وهذا قول ضعيف بلا شك؛ لأن الأصل أن يكون المضاف موالياً للمضاف إليه، ثم هذا الإقحام إقحام بالواو فيقتضي أنه لم يقحم وأنه مستقل معطوف. القول الثالث: أن الاسمين مضافان إلى المضاف إليه الأخير، فتقول: يد مضاف، ورجل: مضاف، ومن قطعها: مضاف إليه. وعلى القاعدة يكون الراجح هو القول الأخير، فتقول: (قطع) فعل ماضٍ، و (الله) فاعل، و (يد) مفعول به، و (الواو) حرف عطف، و (رجل) معطوف على يد، وهما مضافان إلى الاسم الموصول (من).

стр. 472

المضاف إلى ياء المتكلم البحث هنا في أمرين: الأمر الأول: في هذه الياء. والأمر الثاني: في المضاف إلى الياء. مثال ذلك: جاء غلامي، فالمضاف كسرناه، والياء سكناها. ويجوز الفتح، فتقول: جاء غلاميَ. ويجوز حذف الياء كما في قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى﴾ [طه:١٢٥]، فالياء في (رب) حذفت. ويجوز إبدالها ألفاً، فتقول: جاء غلاما، يعني: غلامي. ويجوز حذف الألف فيبقى ما قبلها مفتوحاً، فتقول: جاء غلامَ. فصار في الياء خمسة أوجه. والسبب في ذلك أن العرب تكثر من الإضافة إلى ياء المتكلم، فصاروا ينطقون بها على وجوه شتى، كالأشياء التي تكثر عندهم؛ تجد لها عدة أسماء كالأسد، والسنور، والقط، والبسَ هو بفتح الباء، قال في القاموس: والعامة تكسر الباء. أما بالنسبة للمضاف إلى الياء، فيقول المؤلف: [آخر ما أضيف لليا اكسر إذا لم يك معتلاً كرامٍ وقذى أو يك كابنين وزيدين فذي جميعها اليا بعد فتحها احتذى] لآخر: مفعول به مقدم لقوله: اكسر، يعني: اكسر آخر ما أضيف للياء. والمراد بالياء هنا ياء المتكلم، بدليل قوله في العنوان: المضاف إلى ياء المتكلم. قوله: (إذا لم يك معتلاً)، (أو يك كابنين وزيدين) أي: يكسر آخر ما يضاف إلى الياء إلا في ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن يكون معتلاً، كرامٍ وقذى، فرامٍ معتل بالياء، وقذى معتل بالألف، فهذه لا تكسر. أما ما كان بالياء فإن آخره يكون مسكناً، تقول: جاء قاضيْ، وهذا راميْ، فهو مسكن ليس مكسوراً؛ لأن الياء لا تظهر عليه الكسرة، لكنها لما كانت ياء وياء المتكلم، فأدغمت الياء في الياء، فقيل: راميَّ وهاديَّ، وما أشبه ذلك. و (قذى) لما كان آخره ألف، فإنها تبقى الألف فلا تقلب ياء، وتثبت الياء، فتقول: هذه عصاي، قال الله تعالى: ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾ [طه:١٨]، ولا يمكن أن يكسر آخره، ولا داعي للقلب؛ إذ إن الياء يصح أن تقع بعد الألف، على أنه في لغة بعض العرب تقلب ياءً، كقول الشاعر: سبقوا هوي وأعنقوا لهواهم فتخرموا ولكل جنب مصرع وهذه لغة هذيل كما سيأتي في كلام المؤلف. قوله: (أو يك كابنين وزيدين) ابنين: يعرب إعراب المثنى، وزيدين: جمع مذكر سالم، ففي هذه الحال لا يكسر ما قبل الياء، إنما يسكن، تقول: بعت غلامَيّ، ومررت بغلامَيّ، فما قبل الياء ساكن، لكن في حال الرفع مثل: جاء غلاماي تبقى الألف، وإن كان معتلاً بالألف. يقول: (وزيدين)، زيدين جمع مذكر سالم، وإذا كان جمع مذكر سالم فإنه لا يكسر ما قبل الياء، إنما يسكن، فتقول مثلاً: مررت بزيدي، فتسكن الياء وتدغم في ياء المتكلم. إذاً: ما قبل الياء فإنه يجب كسره إلا في ثلاثة مواضع: إذا كان معتلاً أو مثنى أو جمع مذكر سالم. قوله: (جميعها اليا بعد فتحها احتذي) المسائل الثلاث هذه تبقى الياء فيها مفتوحة، تقول: هذا هاديَّ، ولهذا قال: (جميعها الياء بعد فتحها) أي بعد الألف أو الياء. قوله: (تدغم اليا فيه والواو). أما الياء فواضحة؛ لأنه اجتمع حرفان من جنس واحد وأحدهما ساكن فيدغمان. والواو كذلك تدغم في الياء، فإن كان ما قبلها مضموماً كسر ليناسب الياء، فمثلاً: مسلمِيّ أصلها مسلمُوي، فأدغمت الواو في الياء وكسرت الميم. وقول الشاعر: سبقوا هويّ، أصلها: هواي، لكن لغة هذيل قلب الألف المقصورة ياء ثم أدغمت في ياء المتكلم فأصبحت: هويَّ.

стр. 473

شرح ألفية ابن مالك [٤٤] يعمل المصدر عمل فعله، فإن كان فعله لازماً فهو لازم، وإن كان فعله متعدياً فهو متعد.

стр. 474

إعمال المصدر

стр. 475

متى يعمل المصدر عمل فعله هذا الفصل لإعمال المصدر، والمصدر تقدم لنا أنه اسم ما سوى الزمان من مدلولي الفعل، مثل أمنٍ من أمن، ومثل ضربٍ من ضرب، وأكلٍ من أكل، وشربٍ من شرب إلى آخره. والمصدر يعمل عمل فعله لكن بشروط؛ ولهذا قال: [بفعله المصدر ألحق في العمل]. (المصدر) مفعول مقدم لقوله: (ألحق). و (بفعله) جار ومجرور متعلق بألحق. يعني: ألحق المصدر بفعله في العمل، فإن كان الفعل لازماً صار المصدر لازماً، وإن كان متعدياً لواحد صار متعدياً لواحد، وإن كان متعدياً لاثنين أصلهما المبتدأ والخبر صار متعدياً لاثنين أصلهما المبتدأ والخبر، أو كان متعدياً لاثنين ليس أصلهما مبتدأ وخبراً فالمصدر كذلك. فالمهم أن يكون حسب فعله، فتقول: يعجبني ضربك زيداً، فهنا متعدٍ لواحد هو (زيداً) والكاف هذه محل فاعل؛ لأنك أنت ضارب وزيداً مضروب فهو مفعول به. قال الله تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا﴾ [البلد:١٤ - ١٥]، فقوله: (يتيما) مفعول به للمصدر (إطعام). المتعدي لاثنين ليس أصلهما المبتدأ والخبر مثاله: يعجبني كسوتك زيداً قميصاً. نصب المصدر مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر وهما زيداً وقميصاً، فتقول: (كسوة) مضاف و (الكاف) مضاف إليه وهو هنا مضاف إلى فاعله، وزيداً مفعول أول، وقميصاً مفعول ثاني. ومثال المتعدي لاثنين أصلهما المبتدأ والخبر، تقول: عجبت من ظنك عيسى نائماً. تقول: (ظن) مضاف، و (الكاف) مضاف إليه من باب إضافة المصدر إلى فاعله، (عيسى) مفعول أول منصوب بفتحة مقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر، و (نائماً) مفعول ثان منصوب بالفتحة الظاهرة. ولو كان الفعل ينصب ثلاثة مفاعيل فإن المصدر ينصب ثلاثة مفاعيل، مثاله: عجبت من إعلامك زيداً عمراً قائماً، ومعنى المثال: أنك معلم زيد أن عمراً قائم؛ فأنا عجبت من ذلك. نقول: (إعلام) مضاف، و (الكاف) مضاف إليه، وهو من باب إضافة المصدر إلى فاعله، و (زيداً) مفعول أول، و (عمراً) مفعول ثان، و (قائماً) مفعول ثالث.

стр. 476

أحوال عمل المصدر قال: [بفعله المصدر ألحق في العمل مضافاً ومجرداً أو مع أل] هذه ثلاث حالات للمصدر: يعمل مضافاً، ويعمل مجرداً من الإضافة ويمكن أن نقول: ومن (أل) أيضاً، وكلها يعمل فيها عمل فعله. مثاله مضافاً: قول تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ﴾ [البقرة:٢٥١] فـ (دفع) مضاف والاسم الكريم مضاف إليه، والناس: مفعول لدفع. ومثاله مجرداً قوله تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا﴾ [البلد:١٤ - ١٥]، فهنا (إطعام) مجرد عمل عمل فعله، لكن إذا كان غير مضاف ولا محلى بـ (أل) يجب تنوينه. مثاله مع أل قولنا: عجبت من الضرب عمراً، أو عجبت من الأكل طعاماً أي: من أكلك الطعام أو من ضربك عمراً. ومثاله أيضاً قول الشاعر: فإنك والتأبين عروة بعدما دعاك وأيدينا إليه شوارع فالشاهد: (والتأبين عروة) حيث نصب عروة بالتأبين وهو مصدر محلى بأل. وكذلك قول الشاعر: لقد علمت أولى المغيرة أنني كررت لم أنكل عن الضرب مسمعا والشاهد: (عن الضرب مسمعاً) حيث نصب مسمعاً بالضرب. وهذا على كل حال قليل. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [إن كان فعل مع أن أو ما يحل محله ولا اسم مصدر عمل] مثال ذلك: عجبت من ضربك زيداً، فأجعل محله فعلاً مصدراً بأن، فأقول: عجبت من أن تضرب زيداً، أو (ما) المصدرية؛ عجبت مما تضرب زيداً، أي: من ضربك. وقوله: (أو ما يحل محله) احتراز مما إذا لم يحل محله (أن) و (ما)، كما في قولك: ضربي شديد، فهنا لا يحل محله أن والفعل؛ لأنك لا تستطيع أن تقول: أن أضرب شديداً. وإذا قلت: مثلاً: حمل البعير ثقيل، لا يعمل؛ لأنه ليس على تقدير أن ولا ما. وقولك: عجبت من ضربك العبد مكتوفاً، الذي يحل محله: أن تضربه. قال: (ولاسم مصدر عمل). جار ومجرور خبر مقدم، و (عمل) مبتدأ مؤخر. والمعنى: أن اسم المصدر يعمل كما يعمل المصدر، لكن الفرق بينهما أن اسم المصدر ما كان فيه معنى الفعل دون حروفه، والمصدر ما كان فيه حروف الفعل. فالكلام اسم مصدر؛ لأن المصدر تكليم. والسلام اسم مصدر؛ لأن المصدر تسليم. وأخرجته خروجاً، فخروجاً اسم مصدر؛ لأن المصدر إخراج. وفي قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح:١٧]، (نباتاً) اسم مصدر. وتقول: عجبت من كلامك زيداً، فهذا اسم مصدر، عمل عمل الفعل. فـ (عجبت) فعل وفاعل. و (من): حرف جر، (كلامك) كلام: اسم مجرور بمن، وهو مضاف، والكاف ضمير مبني على الفتح في محل جر بالإضافة. و (زيداً) مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.

стр. 477

جواز مراعاة اللفظ أو المحل فيما أضيف إليه المصدر ثم قال: [وبعد جره الذي أضيف له كمل بنصب أو برفع عمله] قول المؤلف: (بعد جره الذي أضيف له) أي: بعد جر المصدر الذي أضيف له، فهنا (جره) مصدر مضاف إلى الفاعل، وقوله: (الذي أضيف له) مفعول به في محل نصب. يعني: إذا أضفت المصدر إلى اسم فإنه يكون في محل جر. يقول: (كمل بنصب أو برفع عمله) أي: كمل بنصب إن أضيف إلى الفاعل، أو برفع إن أضيف إلى المفعول. فأفادنا المؤلف ﵀ من هذا البيت قاعدة وهي: أن المصدر يضاف إلى فاعله فينصب مفعولاً، ويضاف إلى مفعوله فيرفع فاعله، فإذا كان الفعل ينصب مفعولين؛ فإن مصدره ينصب المفعولين، مثل أن تقول: عجبت من ظنك زيداً قائماً، فظنك يضاف إلى الفاعل، و (زيداً) مفعول أول، و (قائماً) مفعول ثاني. وعجبت من إعلامك زيداً عمراً واقفاً، نصب المصدر ثلاثة مفاعيل. ومثال إضافته إلى المفعول ويأتي بعده الفاعل قول الشاعر: تنفي يداها الحصى في كل هاجرة نفي الدراهيم تنقاد الصياريف (الهاجرة) هي شدة حر الشمس، فهو يصف ناقته بأنها قوية تمشي، إذا ضربت الحصاة فإنها تنفيها. (نفي الدراهيم تنقاد الصياريف) الدراهيم جمع درهم، وتنقاد بمعنى: نقد، والصياريف يعني: الصيارفة، فالصيارفة عندما يعدون الدراهم يعدونها بسرعة فائقة. وقوله: (نفي الدراهيم)، نفي مصدر مضاف إلى مفعوله، (تنقاد) فاعل نفي، و (تنقاد) مضاف و (الصياريف) مضاف إليه. إذاً: نقول: إن المصدر يضاف إلى فاعله فينصب مفعوله أو مفاعيله، ويضاف إلى مفعوله فيرفع فاعله. يقول: [وجر ما يتبع ما جر ومن راعى في الاتباع المحل فحسن] إذا جر فإن الذي يتبع المجرور يجوز فيه وجهان: أحدها: مراعاة اللفظ، وإذا راعينا اللفظ صار التابع مجروراً. والثاني: مراعاة المحل، وحينئذ يكون مرفوعاً أو منصوباً. تقول: عجبت من ضرب زيدٍ الطويل عمراً. فهنا أضيف المصدر إلى الفاعل، والفاعل محله في الأصل الرفع، لكنه مجرور لفظاً بالإضافة، فيجوز أن تقول: من ضرب زيد الطويلِ عمراً، ويجوز: من ضرب زيد الطويلُ عمراً. والأحسن مراعاة اللفظ إلا إذا حصل لبس، فلو قلت: عجبت من ضرب زيدٍ القويَّ عمراً، بالجر احتمل أن تكون (القوي) صفة للضرب، وأن تكون صفة للضارب فحينئذ تترجح مراعاة المحل، فنقول: عجبت من ضرب زيدٍ القويُّ عمراً. إذاً: الأصل مراعاة اللفظ، لكن إذا كان هناك لبس فالأفضل مراعاة المحل؛ ولهذا قال: (من راعى في الاتباع المحل فحسن) فجعله حسناً، ثم هو قد يكون أحسن وقد يتعين أحياناً أن نراعي المحل إذا خيف اللبس.

стр. 478

شرح ألفية ابن مالك [٤٥] الصفة المشبهة تعمل عمل اسم الفاعل بشروط، فهي فرع عنه في العمل، والصفة المشبهة قد تكون مقترنة بأل وقد تكون مجردة منها، وكذلك ما تعمل فيه.

стр. 479

تابع صياغة اسم الفاعل

стр. 480

صياغة اسم الفاعل من فَعُل ولهذا قال المؤلف: [وفعل أولى وفعيل بفعُل كالضخم والجميل والفعل جَمُل]. قال تعالى: (بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ [طه:٩٦]، اسم الفاعل من بصر: بصير. قال المؤلف: [وأفعل فيه قليل وفعل وبسوى الفاعل قد يغنى فعل]. فقوله: (وأفعل فيه قليل): أي: في الثلاثي المضموم العين ترد أفعل لكنها قليلة. وقوله: (فَعَل) مثل: بَطُل فهو بَطَل. وقوله: (وبسوى الفاعل قد يغنى فعل). القياس أن اسم الفاعل من فَعَلَ على وزن فاعل، لكن أحياناً لا يكون على وزن فاعل وهذا قليل. وبهذا علمت أن اسم الفاعل من الثلاثي لا يكون مطرداً على وزن فاعل وعليه يكون هذا ضابطاً أغلبياً.

стр. 481

صياغة اسم الفاعل من غير الثلاثي ثم قال: [وزنة المضارع اسم فاعل من غير ذى الثلاث كالمواصل]. زنة اسم الفاعل من غير الثلاثي، وهو الرباعي، والخماسي، والسداسي؛ يكون على وزن المضارع تماماً، مثال ذلك من الرباعي: أكرمَ اسم الفاعل: مكرِم؛ لأن المضارع يكرم. ودحرج اسم فاعله: مدحرج؛ لأن مضارعه يدحرجُ. وإذا قلت: اصطفى، فمصطفى اسم فاعل، لأن المضارع يصطفي. واجتبى اسم الفاعل منه مجتب؛ لأن المضارع يجتبي. قال المؤلف: [مع كسر متلو الأخير مطلقاً وضم ميم زائد قد سبقا] إذا قلنا: يستغفر، فاسم الفاعل مستغفر. وقوله: (مع كسر متلو الأخير مطلقاً). الذي يتلوه الأخير هو ما قبل الأخير، فيكون مكسوراً. وقوله: (وضم ميم زائد قد سبقا). يعني: سبق الحروف، فالميم في أوله. إذاً: زد ميماً مضمومة واكسر ما قبل الآخر، واستمر على هذه القاعدة: واصل مُواصل، طارد مُطارد، داهن مُداهن، وعلى هذا فقس. فصار وزنه وزن المضارع إلا أنه يكون بدل حرف المضارعة ميماً مضمومة، ويكسر ما قبل الآخر على كل حال.

стр. 482

صياغة اسم المفعول قال: [وإن فتحت منه ما كان انكسر صار اسم مفعول كمثل المنتظر]. إذا أردت أن تصيغ اسم المفعول من الزائد على الثلاثة فافتح ما قبل الآخر، وهو ما كان مكسوراً في اسم الفاعل، مثاله: منتظِر منتظَر، مكرِم مكرَم، مستخرِج مستخرَخ. قال: [وفي اسم مفعول الثلاثي اطرد زنة مفعول كآت من قصد] اسم المفعول الثلاثي مطرد على زنة مفعول، تقول: ضُرِبَ فهو مضروب، وأُكل فهو مأكول، خرجَ مخروج، تقول: هذا الباب مخروج منه. دخل مدخول، تقول: البيت مدخول. وقوله: (كآت من قصد). (آتٍ): يعني: كاسم المفعول الآتي من قصدَ، وهو مقصود.

стр. 483

نيابة فعيل عن مفعول في الدلالة على معناه قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وناب نقلا عنه ذو فعيل نحو فتاة أو فتى كحيل] (ناب عنه): أي: عن اسم المفعول في الثلاثي. قوله: (نحو فتاة أو فتى كحيلِ) وهذا كثير في اللغة العربية، فكحيل بمعنى: مكحول، وقتيل بمعنى: مقتول، وذبيح بمعنى: مذبوح، وليد بمعنى: مولود.

стр. 484

الصفة المشبهة باسم الفاعل

стр. 485

تعريف الصفة المشبهة باسم الفاعل من المعلوم أن اسم الفاعل يدل على الحدث وفاعله، لكن الصفة المشبهة تدل على الثبوت والاستمرار، فهي لا يقصد بها الحدث، ولهذا قيل: مشبهة باسم الفاعل، يعني: وليست منه، وأوزانها في الغالب تخالف أوزان اسم الفاعل، ومن مفارقتها لاسم الفاعل: أنه يحسن جر الفاعل بها، أي: أنه يحسن أن تكون مضافة إلى الفاعل بخلاف اسم الفاعل، فإن اسم الفاعل الأصل فيه العمل وهو: إما الرفع، أو النصب. قال: [صفة استحسن جر فاعل معنى بها المشبهة اسم الفاعل] هذا تعريف لحكمها وعملها، أما تعريفها حقيقة: أنها كل صفة تدل على الثبوت والاستمرار فيمن اتصف بها. وقوله: (استحسن جر فاعل معنى بها). إنما قال: (فاعل معنى)؛ لأن بعض الجر لا يكون فاعلاً، ويكون مضافاً إليه، لكنه في الحقيقة فاعل، تقول: هذا رجل حسنُ الوجه، حسن: مضاف، و (الوجه): مضاف إليه، لكن في المعنى: حسن وجهه، ولهذا قال: معنى بها. (صفة): مبتدأ، والمشبهة: خبر. (اسم الفاعل): مفعول للمشبهة. والمعنى هذه هي الصفة المشبهة لاسم الفاعل، والتي يحصل بها جر الفاعل بالمعنى.

стр. 486

مم تصاغ الصفة المشبهة قال المؤلف ﵀: [وصوغها من لازم لحاضر كطاهر القلب جميل الظاهر] (صوغ): مبتدأ، و (من لازم): خبره، يعني: لا تصاغ إلا من الفعل اللازم الذي لا يتعدى، وقد سبق لنا أن الأفعال منها لازم، ومنها متعدٍ، وأن علامة الفعل المعدى أن تصل ها غير مصدر به نحو عمل، أي: على نكرة. وهي تصاغ من الفعل اللازم للحاضر، دون الماضي والمستقبل، مثالها: (طاهر القلب) ليست اسم فاعل، لكنها صفة مشبهة؛ لأن المقصود بها الثبوت والاستمرار، وليس المقصود: أننا غسلنا قلبه حتى طهر. إنما المقصود أن قلبه نقي من الحقد والحسد والغل، وجسمه سليم من العيوب، ولهذا قال: (جميل الظاهر)، فيكون حسناً في ظاهره وباطنه. (القلب) فاعل في المعنى، إذ إن المعنى: طهُر قلبه، وجميل الظاهر معناه: جَمُل ظاهره. وقال: [وعمل اسم فاعل المعدى لها على الحد الذي قد حدا] هذه من الغرائب أنها تصاغ من اللازم، ثم تعمل عمل اسم فاعل معدى، يعني: أنها قد تنصب، لكنها لا تنصب على المفعولية لكونها من اللازم، وإنما تنصب على التشبيه بالمفعول به. (على الحد الذي قد حدا). أي: نقيس على الثلاثي. قال ابن عقيل: [قد سبق أن المراد بالصفة ما دل على معنى وذات، وهذا يشمل: اسم الفاعل، واسم المفعول، وأفعل التفضيل، والصفة المشبهة. وذكر المصنف أن علامة الصفة المشبهة استحسان جر فاعلها بها نحو: حسن الوجه ومنطلق اللسان، وطاهر القلب مرفوع بطاهر وهذا لا يجوز في غيرها من الصفات، فلا تقول: زيد ضارب الأب عمراً، تريد: ضارب أبوه عمرا، ولا زيد قائم الأب غداً؛ تريد: زيد قائم أبوه غداً، وقد تقدم أن اسم المفعول يجوز إضافته إلى مرفوعه فتقول: زيد مضروب الأب، وهو حينئذ جار مجرى الصفة المشبهة]. فاسم الفاعل لا يمكن أن يجر فاعله، فلا تقول: زيد ضارب أبيه عمراً، وإذا أردت أن أخبر عن زيد بأن أباه ضرب عمراً، أقول: زيد ضاربٌ أبوه عمراً. وتقدم لنا أن اسم المفعول قد يضاف إلى فاعله، كمحمود المقاصد الورع، وقلنا فيما سبق: إن هذا مستثنى من قوله: [وكل ما قرر لاسم فاعل يعطى اسم مفعول بلا تفاعل] قال ابن مالك رحمه الله تعالى: [وصوغها من لازم لحاضر كطاهر القلب جميل الظاهر] قال ابن عقيل ﵀: [يعني: أن الصفة المشبهة لا تصاغ من فعل متعد فلا تقول: زيد قاتل الأب بكرا، تريد: قاتل أبوه بكراً، بل لا تصاغ إلا من فعل لازم نحو: طاهر القلب وجميل الظاهر]. اسم الفاعل يصاغ من المتعدي كثيراً، تقول: أنا آكل الطعامَ، أنا لابس الثوب، أنا داخل المسجد. أما الصفة المشبهة فلا تصاغ أبداً من المتعدي، فلا يصح أن تقول: فلان لابس الثوبِ، لأنك لو قلت: لابس الثوبِ صارت مضافةً إلى إلى المفعول. قال ابن عقيل: [ولا تكون إلا للحال وهو المراد بقوله: (لحاضر) فلا تقول: زيد حسن الوجه غدا أو أمس]. ونبه بقوله: (كطاهر القلب جميل الظاهر). على أن الصفة المشبهة إذا كانت من فعل ثلاثي تكون على نوعين: أحدهما: ما وازن المضارع نحو: طاهر القلب، وهذا قليل فيها. والثاني: ما لم يوازنه وهو الكثير، نحو: جميل الظاهر، وحسن الوجه، وكريم الأب، وإن كانت من غير ثلاثي وجب موازنتها المضارع نحو: منطلق اللسان].

стр. 487

عمل الصفة المشبهة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وعمل اسم فاعل المعدى لها على الحد الذي قد حدا] قال ابن عقيل: [أي: يثبت لهذه الصفة عمل اسم الفاعل المتعدي، وهو الرفع والنصب، نحو: زيد حسن الوجه، ففي (حسن) ضمير مرفوع هو الفاعل، والوجه منصوب على التشبيه بالمفعول به، لأن حسناً شبيه بضارب فعمل عمله. وأشار بقوله: (على الحد الذي قد حدا). إلى أن الصفة المشبهة تعمل على الحد الذي سبق في اسم الفاعل، وهو أنه لا بد من اعتمادها، كما أنه لا بد من اعتماده]. قال ابن مالك: [وسبق ما تعمل فيه مجتنب وكونه ذا سببية وجب] معنى مجتنب: لا يجوز، فلا تقول: جاء الوجه الحسن، حتى لو كان الوجه منصوباً وذلك لضعفها، بخلاف اسم الفاعل فإنه يجوز تقديم مفعوله، فتقول: أنا زيداً ضارب غداً. وقوله: (وكونه ذا سببية وجب). أي: يجب أن يكون معمولها ضمير يعود عليها، نحو: زيد حسن وجهه، ولا تعمل في أجنبي، فلا تقول: زيد حسن عمراً. ثم قال: [فارفع بها وأنصب وجر مع أل ودون أل مصحوب أل وما اتصل] يعني: أنه إذا كان معمولها مصحوباً بأل جاز فيه ثلاثة أوجه، سواء كانت هي مسبوقة بأل أم غير مسبوقة. فمصحوب أل هنا تنازع فيه العوامل الثلاثة: ارفع، وانصب، وجر. أما قوله: (مع أل ودون أل) فهذا يعود إلى الصفة نفسها، مثال ذلك: تقول في الرفع: الحسنُ الوجه. وتقول في النصب: جاء الحسن الوجهَ. وتقول في الجر: جاء الحسن الوجهِ. والصفة المشبهة في كل ذلك مصحوبة بأل. وقوله: (ودون أل)، مثاله: جاء حسن الوجهُ، جاء حسن الوجهَ، جاء حسن الوجهِ، ولهذا قال: مصحوب أل، وما اتصل بها مضافاً أو مجرداً)، يعني: وكذلك أيضاً: ارفع بها، وانصب، وجر ما اتصل بها مضافاً، أو مجرداً، أي: مضافاً إلى مصحوب أل، أو مجرداً من الإضافة. قال ابن مالك: [بها مضافاً او مجرداً ولا تجرر بها مع أل سما من أل خلا ومن إضافة لتاليها وما لم يخل فهو بالجواز وسما]. قوله: (ولا تجرر بها مع أل سماً) معناه: إذا وجدت مقرونة بأل، فلا تجرر بها اسماً خلا من أل. وهذا مبني على ما سبق في الإضافة أن المقرون بأل لا يضاف إلى خال منها، إلا إذا أضيف هذا الخالي منها إلى مقرون بها هو. ولهذا قال: [ومن إضافة لتاليها وما لم يخل فهو بالجواز وسما] وقوله: (ما لم يخل)، أي: وجدت فيه أل، فهو بالجواز وسما. والخلاصة: أنه يجوز في معمولها الرفع على الفاعلية، والنصب على التشبيه بالمفعول به إن كان محلى بأل، وعلى التمييز أو التشبيه بالمفعول به إن كان مجرداً من أل. أما الجر: فيجوز إن كانت الصفة محلاة بأل، والمعمول محلى بأل، أو مضافاً إلى محلى بأل. أما إذا كان مجرداً من أل ولم يضف إلى ما فيه أل فإن الجر يكون جائزاً تقول مثلاً: هذا حسنٌ وجه؛ لأنه إذا جردت من أل جاز في معمولها كل الأوجه الثلاثة بدون تفصيل مثل: هذا حسن الوجهِ، هذا حسن الوجهَ. أما إذا قرنتها بأل فيمتنع الجر إلا إذا كانت أل موجودة في المعمول، أو كان المعمول مضافاً لما فيه أل. قال ابن عقيل: [لما كانت الصفة المشبهة فرعا في العمل عن اسم الفاعل قصرت عنه، فلم يجز تقديم معمولها عليها كما جاز في اسم الفاعل، فلا تقول: زيد الوجه حسن، كما تقول: زيد عمراً ضارب، ولم تعمل إلا في سببي نحو: زيد حسن وجهه، ولا تعمل في أجنبي فلا تقول: زيد حسن عمراً، واسم الفاعل يعمل في السببى والأجنبي نحو: زيد ضارب غلامه، وضارب عمراً]. قال ابن مالك: [فارفع بها وأنصب وجر مع أل ودون أل مصحوب أل وما اتصل بها مضافا أو مجرداً ولا تجرر بها مع أل سما من أل خلا ومن إضافة لتاليها وما لم يخل فهو بالجواز وسماً] قال ابن عقيل: [الصفة المشبهة إما أن تكون بالألف واللام نحو: الحسن، أو مجردة عنهما نحو: حسن، وعلى كل من التقديرين لا يخلو المعمول من أحوال ستة: الأول: أن يكون المعمول بأل نحو: الحسن الوجه، وحسن الوجه. الثاني: أن يكون مضافا لما فيه أل نحو: الحسن وجه الأب، وحسن وجه الأب. الثالث: أن يكون مضافا إلى ضمير الموصوف نحو: مررت بالرجل الحسن وجهه، وبرجل حسن وجهه. الرابع: أن يكون مضافا إلى مضاف إلى ضمير الموصوف نحو: مررت بالرجل الحسن وجه غلامه، وبرجل حسن وجه غلامه. الخامس: أن يكون مجرداً من أل دون الإضافة نحو: الحسن وجه أب، وحسن وجه أب. السادس: أن يكون المعمول مجردا من أل والإضافة نحو: الحسن وجهاً، وحسن وجهاً. فهذه اثنتا عشرة مسألة والمعمول في كل واحدة من هذه المسائل المذكورة: إما أن يرفع، أو ينصب، أو يجر فيتحصل حينئذ ست وثلاثون صورة. وإلى هذا أشار بقوله: (فارفع بها) أي بالصفة المشبهة، (وانصب وجر مع أل) أي: إذا كانت الصفة بأل نحو: الحسن، (ودون أل) أي: إذا كانت الصفة بغير أل نحو: حسن، (مصحوب أل) أي: المعمول المصاحب لأل نحو: الوجه، و (ما اتصل بها مضافا أو مجرداً) أي: والمعمول المتصل بها -أي: بالصفة- إذا كان المعمول مضافاً، أو مجرداً من الألف واللام والإضافة. ويدخل تحت قوله: (مضافاً) المعمول المضاف إلى ما فيه أل، نحو: وجه الأب، والمضاف إلى ضمير الموصوف نحو: وجهه، والمضاف إلى ما أضيف إلى ضمير الموصوف نحو: وجه غلامه، والمضاف إلى المجرد من أل دون الإضافة نحو: وجه أب. وأشار بقوله: (ولا تجرر بها مع أل إلى آخره) إلى أن هذه المسائل ليست كلها على الجواز، بل يمتنع منها إذا كانت الصفة بأل أربع مسائل: الأولى: جر المعمول المضاف إلى ضمير الموصوف نحو: الحسن وجهه. الثانية: جر المعمول المضاف إلى ما أضيف إلى ضمير الموصوف نحو: الحسن وجه غلامه. الثالثة: جر المعمول المضاف إلى المجرد من أل دون الإضافة نحو: الحسن وجه أب. الرابعة: جر المعمول المجرد من أل والإضافة نحو: الحسن وجه. فمعنى كلامه: (ولا تجرر بها) أي: بالصفة المشبهة إذا كانت الصفة مع أل اسما خلا من أل أو خلا من الإضافة لما فيه أل، وذلك كالمسائل الأربع. وما لم يخل من ذلك يجوز جره كما يجوز رفعه ونصبه، كالحسن الوجه، والحسن وجه الأب، وكما يجوز جر المعمول ونصبه ورفعه إذا كانت الصفة بغير أل على كل حال]. والحقيقة أن كلامه ﵀ في الصفة المشبهة كلام طويل أشبه بتمرين الطالب؛ لأن مثل هذه المسائل تجيء في كلام العرب، يعني: كأنهم يريدون بذلك تمرين الجهلة. والغالب أنه إذا جاءت الصفة المشبهة أن معمولها يكون مضافاً إلى ضمير الموصوف بها، فتقول: الحسن الوجه. أو إلى محلى بأل مثل: الطاهر القلب. ثم إن الغالب أيضاً أنه إذا كان محلى بأل؛ أي: المعمول، فإنه يكون مجررواً، وإذا كان مضافاً إلى الضمير، فإنه يكون مرفوعاً، تقول: الطاهرِ قلبهُ، والطاهر القلبِ، ولا تقول: الطاهر القلبُ، وإن كان جائزاً لكنه غالباً لا يكون.

стр. 488

شرح ألفية ابن مالك [٤٦] للتعجب صيغتان اصطلاحيتان عند النحاة هما: ما أفعله، أفعل به، وتجريان عندهم مجرى المثل، فلا يجوز تغييرهما ولا التصرف في فعليهما، ويشترط فيما تصاغان منه شروط إذا انخرم أحدها أتينا بفعل مساعد.

стр. 489

التعجب

стр. 490

صيغتا التعجب قال ابن مالك رحمه الله تعالى: [بأفعل انطق بعد ما تعجبا أو جئ بأفعل قبل مجرور ببا] قوله: (تعجباً) يصح أن تكون مفعولاً لأجله، أي: لأجل التعجب، أو مصدراً في موضع الحال، أي: متعجباً. و (ما): يقولون: إنها نكرة تامة، ولكن عند الإعراب تقول: (ما) تعجبية، مثال هذا: ما أجود النبي صلى الله وعليه وسلم، فتقول: (ما): تعجبية اسم مبني على السكون في محل رفع. و (أجود) فعل ماض مبني على الفتح، وفاعله مستتر وجوباً تقديره هو يعود على (ما) مع أن القاعدة: أن ما كان تقديره (هو) يقال: مستتر جوازاً. لكن هنا يقولون: إنه مستتر وجوباً؛ لأن هذه الصيغة جرت مجرى المثل عند العرب، فلا يغيرونه، ولا يمكن أن يقولوا: ما أجمل كذا وكذا، فينطقون به. (النبي): مفعول به منصوب بفتحة ظاهرة. ويقال: إن أبا الأسود الدؤلي سمع ابنته وهي تقول: ما أحسنُ السماءِ؟ فقال لها: نجومها؛ لأن الصيغة التي قالت استفهامية، يعني: أحسن السماء نجومها. فقالت: لست أسأل عن ذلك، ولكني أعجب من حسنها. فقال لها: هلا فتحت فاك، يعني قولي: ما أحسنَ السماءَ. وإعرابها أن تقول: (ما): تعجبية اسم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. (أحسن):فعل ماض، وفاعله مستتر وجوباً تقديره هو يعود على ما. (السماء): مفعول به منصوب بفتحة ظاهرة، والجملة من الفعل والفاعل خبرها. قال: (أو جئ بأفعل قبل مجرور ببا) فتقول مثلاً: أجمل بعمر، يعني: ما أجمله، فـ (أجمل) فعل أمر لفظا لكنها خبر في المعنى، ولذلك جاء الفاعل بها بارزا، فـ (أجمل) فعل تعجب مبني على السكون، و (الباء): حرف جر زائد، و (عمرو): فاعل مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وهذا الحرف زائد وجوباً، لا يمكن حذفه، فلا نقول: أجمل زيد، وقد يحذف شذوذاً في الشعر، لكنه في النثر لا يحذف. وكلا الصيغتين موجودة في القرآن قال الله تعالى: (فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة:١٧٥] وقال تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا) [مريم:٣٨]، يعني: ما أسمعهم وما أبصرهم يوم يأتوننا. قال المؤلف: [وتلو أفعل انصبنه كما أوفى خليلينا وأصدق بهما] و (تلو) مفعول به لفعل مقدر يفسره ما بعده وهذا من باب الاشتغال، فأصله: وانصب تلو وأفعل، فالفعل اشتغل بضميره، ولكنه يترجح النصب هنا. (كما أوفى) الكاف حرف جر (ما أوفى خليلينا) كلها اسم مجرور بالكاف وعلامة جره الكسرة المقدرة على آخره منع من ظهورها الحكاية. و (ما): تعجبية اسم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. (أوفى): فعل ماض مبني على الفتح المقدر على آخره منع من ظهوره التعذر، والفاعل مستتر وجوبا تقديره هو يعود على: (ما). و (خليلينا): مفعول به منصوب وعلامة نصبه الياء لأنه مثنى، وهو مضاف و (نا) ضمير مبني على السكون في محل جر. وقوله: (أصدق بهما) (أصدق) فعل تعجب مبني على السكون، (بهما) الباء حرف جر زائد، و (الهاء) ضمير مبني على السكون في محل جر باعتبار حرف الجر الزائد، وإلا فحقه أن يكون ضمير رفع.

стр. 491

حذف المتعجب منه عند وضوح المعنى قال: [وحذف ما منه تعجبت استبح إن كان عند الحذف معناه يضح] (حذف): مفعول مقدم لاستبح، وحذف مضاف، و (ما) مضاف إليه. (منه تعجبت): منه متعلقة بتعجبت. استبح: يعني: أجز حذف ما تعجبت منه، لكن بشرط: إن كان عند الحذف معناه يتضح ويبين، قال الله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا) [مريم:٣٨] أصله أسمع بهم وأبصر بهم. وقال تعالى: (أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ) [الكهف:٢٦]، أصله: أسمع به وأبصر به، وحذف المتعجب منه في الفعل الثاني لوضوحه، وتقول مثلاً: ما أكرم زيداً، وما أجود، أي: وما أجود زيداً، فنحذفه للعلم به. وعلم من كلامه: أنه إذا لم يتضح المعنى بحذفه، فإنه لا يجوز، كما لو قلت: ما أكرم زيداً وأبخل عمراً، فلا يجوز أن تحذف عمراً؛ لحصول التناقض؛ ما أكرم زيداً وما أبخله. إذاً: لا بد أن يقال: وما أبخل عمراً. ولو قلت: ما أكرم زيدا وما أصبره فإنه يجوز لأنه اتضح ولا يوجد تناقض.

стр. 492

وجوب تقدم فعلي التعجب على المتعجب منه قال ابن مالك ﵀: [وفي كلا الفعلين قدما لزما منع تصرف لحكم حتما] معنى كلام المؤلف: أنه يجب أن يكون الفعلان متقدمين على المتعجب منه، فتقول مثلاً: ما أحسن زيداً، ولا يمكن أن تقول: ما زيداً أحسن. (وفي كلا الفعلين قدما) يعني: تقدما، (لزما). (منع تصرف)، يعني: أن فعلي التعجب لا يتصرفان. (لحكم حتما) يعني: أن هذا حكم محتم لا يمكن أن يتقدم المتعجب منه على الفعلين. فلو قلت: أسمع بزيد وبه أبصر لا يجوز، فلا بد أن يكون المتعجب منه متأخراً؛ لأن صيغة التعجب وردت عن العرب وكأنها أمثلة لا تتغير، فلهذا وجب الترتيب على الصيغة التي وردت.

стр. 493

شروط الفعل الذي يصاغ منه فعلا التعجب قال المصنف رحمه الله تعالى: [وصغهما من ذي ثلاث صرفا قابل فضل تم غير ذي انتفا وغير ذي وصف يضاهي أشهلا وغير سالك سبيل فعلا] الضمير في (صغهما) يعود على صيغتي فعل التعجب، (من ذي ثلاث) أي: من الثلاثي، فلا يصاغ من الرباعي، ولا من الخماسي، ولا من السداسي كأسمع من سمع، وأكرم من كرم. وقوله: (صرفا): لا بد أن يكون الفعل الثلاثي متصرفاً، فإن كان جامداً لا يصاغ منه فعل التعجب مثل: نِعْم، لا يمكن أن تقول: ما أنعم زيداً! بمعنى: نعم زيد. لكن لو قلت: ما أنعم زيداً، تعنى: ما أعلى منزلته من نعمَ ينعُم، لا من نِعمَ صح. وبئسَ مثل نعم في ذلك. وقوله: (قابل فضل) هذا الشرط الثالث، ومعناه: لابد أن يكون من فعل يقبل معناه التفاضل، فالكرم مثلاً يقبل التفاضل؛ لأن بعض الناس كريم جداً، وبعضهم وسط، وبعضهم ليس بكريم، فهو قابل للتفاضل. وما لا يقبل التفاضل، مثل: عمى البصر. فالأعمى هو الذي لا يبصر، فلا تقول: ما أعمى زيداً! ومما لا يقبل التفاضل الموت، فلا يصح أن تقول: ما أموته. وقوله: (تم) أي: من فعل تام، مثل: قام، وقعد، وأكل، وشرب، وما أشبه ذلك، وهذا احتراز من الفعل الناقص، فلا يصاغ فعل التعجب من (كان) لكونه فعلاً ماضياً ناقصاً، فلا نقول: ما أكونه قائما! فلا بد أن يكون الفعل تاماً. وقوله: (غير ذي انتفا) معناه: أنه غير منفي، وسواء كان هذا المنفي مما يلزم النفي، أو مما لا يلزمه، فإذا كان منفيا فلا يمكن التعجب منه فإذا قلت: ما قام زيدٌ، لو قلت: ما أقومه، انقلب المعنى من نفي إلى إثبات. ولو قلت: ما عدم قيامه، ثم قلت: ما أعدم قيامه، لا يصح. قال: [وغير ذي وصف يضاهي أشهلا وغير سالك سبيل فعلا] يعني: وصغهما من فعل لا يصاغ منه الوصف على أفعل، مثل: شهل يشهل فهو أشهل، فلا تقول: ما أشهله، وحمر يحمر فهو أحمر، فلا تقول: ما أحمره؛ لأن الوصف وزنه على أفعل. وهذا الشرط فيه اختلاف، فإن بعض النحويين يقول: ليس بشرط، والناس يفهمون الفرق بين غلام أسود شديد السواد وغيره، فما دام أنه قابل للتفاضل يصح أن نقول: ما أسوده. وقوله: (وغير سالك سبيل فُعلا) معناه: ألا يكون مبنياً للمجهول، مثل: ضُرب زيد، فلو أردنا أن نتعجب من هذا الضرب، وقلنا: ما أضرب زيداً، فلا يصح؛ لأن (ما أضربه) معناه أن الضرب وقع منه، وأنت تريد أن تتعجب من ضرب وقع عليه، فيختلف المعنى. ولكن هل يوصف الله تعالى بصفة التعجب؟ الجواب نعم، وهناك قراءة سبعية تدل على ذلك في قوله تعالى: ((بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ)).

стр. 494

صياغة فعلي التعجب مما لم يستوفِ الشروط قال رحمه الله تعالى: [واشدد أو أشد أو شبههما يخلف ما بعض الشروط عدما]. قوله: و (أشدد) على وزن: (أفعِل). وقوله: (أو أشد) على وزن: (أفَعل)، أفعِل أو أفعَل، مثل: أشدد وأشد وأعظم، وأكبر، وما أشبه ذلك. وقوله: (أو شبههما)، معطوف على قوله: (وأشدد). وقوله: (يخلف): جملة فعلية خبر المبتدأ. وقوله: (ما بعض الشروط عدم). (ما): اسم موصول مفعول لـ (يخلف). و (بعض): مفعول مقدم لقوله: (عدم)، أي: يخلف ما عدم بعض الشروط. وقوله: (عدما) الألف هنا لإطلاق القافية، وليست للتثنية. والقاعدة من هذا البيت يقول المؤلف: إذا لم تتوفر الشروط في كلمة مما تريد أن تتعجب منه فاجعل بدلها أشدد، أو أشد. مثلاً: إذا كان الفعل غير ثلاثي فلا يصاغ منه فعل التعجب، فتأتي بأشدد، أو أشد، فتقول: أشدد باستغفاره! أو ائت بأشد مسبوقاً بما، فتقول: ما أشد استغفاره، أو ما أكثر استغفاره! وسبق أنه لا يصاغ مما الوصف منه على أفعل مثل: أحمر، فلا يقال: ما أحمره، إنما نقول: ما أشد احمراره، أو أشدد باحمراره. وسبق أنه لا يصاغ مما لا يقبل التفاوت كالعمى مثلاً: فلا يقال: ما أعماه، ولا يقال: أعمم به. إذاً: نضيف أشد أو أشدد، فنقول: ما أشد عماه، وأشدد بعماه، وعلى هذا فقس. قال المؤلف ﵀: [ومصدر العادم بعد ينتصب وبعد أفعل جره بالباء يجب] مصدر العادم بعض الشروط، ينتصب بعد أشد، فتقول: ما أشد استغفاره! فتأتي بأشد وتحول الفعل إلى مصدر، وتنصبه بأفعل التفضيل، فتقول: ما أشد استغفاره! إن كنت تريد أن تتعجب من شدته. وإن كنت تريد أن تتعجب من كثرته فتقول: ما أكثر استغفاره. وقوله: (وبعد أفعِل جره بالباء يجب)، معناه: أن مصدر العادم إذا أتيت بأفعل يجب جره بالباء، فتقول: أكثر باستغفاره، أشدد بعماه، وعلى هذا فقس. أفادنا المؤلف في هذا البيت أننا إذا أتينا بالنائب الذي هو أشد أو أشدد، فإننا نحول الفعل المتعجب منه إلى مصدر منصوب بعد أشد، أو مجرور بالباء بعد أشدد بعد أفعل به. قال المؤلف ﵀: [وباِلندور احكُم لغيْر مَا ذُكِرْ ولا تقس على الذي منه أثر]. (النادر): معناه: القليل جداً. وقوله: (بالندور): متعلق باحكم يعني: احكم بالندور لغير ما ذكر مما خالف الشروط، فإذا وجدت شيئاً من كلام العرب مخالفاً لما قررته فقل: إنه نادر. وهذا شأن النحويين ﵏ إذا فصلوا القواعد، فما ورد يقولون: إنه نادر، ولو أنهم قالوا: وإنه يجوز على سبيل الندور لكان الأمر هيناً، لكن يقول: (ولا تقس على الذي منه أثر). (أثر) بمعنى: نقل، يعني: لا تقس على الذي نقل عن العرب مما خالف الشروط، وصاغوا منه التعجب. وذكر ابن عقيل أمثلة، فقال: [ولا يقاس على ما سمع منه، كقولهم: ما أخصره، من اختصر، فبنوا أفعلَ من فِعْل زائد على ثلاثة أحرف وهو مبني للمفعول. وكقولهم: ما أحمقه، فبنوا أفعل من فعلٍ الوصف منه على أفعل، نحو: حمق فهو أحمَق. وقولهم: ما أعسَاه وأعسِ به، فبنوا أفعل وأفعل به من عسى، وهو فعل غير متصرف]. وعلى كل حال فالمؤلف رحمه الله تعالى يقول: هذا النادر لا يقاس عليه. وعند أهل العلم في الفقه يقولون: إن النادر لا حكم له فالعبرة بالغالب، أما الشاذ الخارج عن النظائر فلا يقاس عليه إنما يعتبر به، ولا يحتج به. وقولهم: ما أخصره كتاب، من اختصر، وبهذا يقال: هذا كتابٌ مختصر، فهذا مخالف للقاعدة، لأنه أكثر من ثلاثة، ولأنه مبني للمجهول. ومع ذلك العرب يقولون: ما أخصره.

стр. 495

امتناع تقديم المعمول وفصله عن فعل التعجب قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفعل هذا الباب لن يقدما معموله ووصله به الزما وفصله بظرف أو بحرف جر مستعمل والخلف في ذاك استقر] يقول: إن هذا الباب لا يقدم معموله أبداً، فإذا قلت: ما أحسنَ السماءَ، فلا يجوز أن تقدم السماء على الفعل أحسن، فلا تقول: ما السماء أحسنَ، ولا يجوز أن تقول: السماء ما أحسن، فتقدم السماء الذي هو المفعول على (ما) والفعل، وهو داخل في قول المؤلف: (لن يقدما معموله). وقوله: (لن يقدما) الألف هنا للإطلاق، وليست للتثنية، يعني: أن معمول هذا الباب لن يقدم على فعله، سواء تقدم على الفعل دون (ما)، أو على الفعل و (ما). وكذلك الصيغة الثانية: أشدد به، تقول مثلاً: أحسن بالسماءِ، فلا يجوز أن تقول: بالسماء أحسن؛ لأن هذا الباب جرى مجرى الأمثلة، والأمثلة تبقى على ما وردت عن العرب، لا تقدم ولا تؤخر. قال: (ووصله به الزِما). (وصله): مفعول به، و (الزما): فعل أمر وهو الذي عمل في قوله: (وصله)، يعني: والزم وصله به، مثاله: ما أحسنَ السماءَ، والسماء متصلة بالفعل وجوباً، وابن مالك يقول: لن يتقدم على الفعل، ولن يفصل بينه وبينه بالفاصل، ولهذا قال: (وفصله بظرف او بحرف جر مستعمل) أي: لأن شبه الجملة يتوسع فيه. ومنهم من يقول: إنه ممنوع. مثاله: ما أحسن في الغرفة اللمبةَ! فإذا أردت ألا أتعرض للخلاف فأقول: ما أحسن اللمبة في الغرفة، والخلاف -كما قال ابن مسعود - شر. فالخروج عن الخلاف لا سيما في النحو أولى، لكن مع ذلك فقاعدتنا أن المتبع في خلاف النحويين الأسهل والأوسع، وهذا الخلاف ليس في مقتضى النصوص الشرعية، إنما هو مقتضى أمور عقلية، فما دامت المسألة ليس فيها نصوص شرعية فما هو أيسر فهو أولى. قال: (والخلف في ذاك استقر). (الخلف): مبتدأ. وجملة (استقر) هي الخبر، و (في ذاك): متعلق باستقر.
следующие страницы →