Полный текст (337 стр.). Показаны 316–337 · переход к 321.
стр. 316
التحذير من الاغترار بالدنيا
وروى مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁، وروى مثله الطبراني عن عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ قال: (إن الدنيا حلوة خضرة).
أي: مثل البقل الذي ينبت من الأرض، وتأكله البقر والإبل والغنم.
فإن طعمه حلو، ولو تركت المواشي تأكل منه ما أرادت؛ لأتخمت ثم تموت.
ولكن الله جعل آكلة الخضر من المواشي مثل البقرة تأكل ما يكفيها، ثم تركن إلى الشمس، فتجتر هذا الذي أكلته، ثم ثلطت وبالت وأخرجت.
وأما الإنسان فلا يعمل هذا الشيء، وإنما يجمع الدنيا ويخزنها إلى أن تتخمه وتهلكه، قال ﷺ : (وإن الله تعالى مستخلفكم فيها)، يعني: جاعلاً بعضكم يخلف بعضاً فيها، فإذا مت جاء عيالك بعدك يخلفونك، ويأتي غيرك ليأخذ مكانك، فلا أحد يعيش فيها أبداً.
فإن الإنسان يصل إلى أعلى شيء ثم يموت، ويأتي غيره مكانه، ولا تدوم الدنيا لأحد أبداً.
ولذلك السعيد من وعظ بغيره، والشقي من شقي في بطن أمه.
قال ﷺ : (وإن الله تعالى مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعلمون؟ فاتقوا الدنيا)، أي: اجعلوا بينكم وبين هذه الدنيا وقاية، وعين بصيرة من ذكر لله سبحانه، ومن مواعظ تسمعونها وتعملون بها.
قال: (واتقوا النساء) أي: احذروا من النظر إلى النساء، واحذروا من أن تتبعوا الهوى، فتغووا في النهاية وتضيعوا.
قال ﷺ : (فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء).
стр. 317
بيان أن الأخذ من الدنيا سبب لنقصان الدرجات في الآخرة
وعن عبد الله بن عمر ﵄ رواه ابن أبي الدنيا قال النبي ﷺ : (لا يصيب عبد من الدنيا شيئاً إلا نقص من درجاته عند الله، وإن كان عليه كريمة).
والدرجات في الآخرة درجات عالية جداً، فمهما أخذ الإنسان من الدنيا، وطمع فيها، وقد يكون هذا الإنسان كريماً عند الله ، ولكنه لا يصل إلى الدرجات العلا لأخذه من الدنيا ومن حطامها؛ ولذلك المؤمن يأخذ ما يكفيه، وإن جاءته الدنيا أنفق لله بقدر ما وسع عليه؛ حتى يزاحم في الآخرة مع أهل الدرجات.
وعن أبي عسيب ﵁ قال: (خرج رسول الله ﷺ ليلة فمر بي، فدعاني فخرجت إليه، ثم مر بـ أبي بكر ﵀ فدعاه فخرج إليه، ثم مر بـ عمر ﵀ فدعاه فخرج إليه، فانطلقنا حتى دخل حائط لبعض الأنصار فقال لصاحب الحائط: أطعمنا، فأطعمنا بسراً، -أي: بلح البسر- بعذق فوضعه، فأكل رسول الله ﷺ وأصحابه، ثم دعا بماء بارد فشرب).
وبعد أن أكل النبي ﷺ وأصحابه التمر، وشربوا الماء، ولم يكن الماء من ثلاجة، ولكنه ماء بارد من البئر، كانوا يأتون به ويضعونه في زير أو في قلة، ويبردونه في الهواء، فشرب النبي ﷺ بعد أن أكل، ثم قال لهم هذه الموعظة، قال: (لتسألن عن هذا يوم القيامة) يعني: هذا من النعيم الذي أنعم الله به عليكم.
قال: فأخذ عمر ﵀ العذق فضرب به الأرض حتى تناثر البسر قبل رسول الله ﷺ ، ثم قال: (يا رسول الله! إنا لمسؤلون عن هذا يوم القيامة؟) يعني: عن هذا وهو أقل شيء، وكل الناس تجده، والمدينة مليئة بالبساتين؟ فـ عمر بن الخطاب يستغرب ويقول: هل هذا هو الذي يقول الله عنه: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر:٨]؟ وهل هذا هو الذي سنسأل عنه يوم القيامة؟ فقال النبي ﷺ : (نعم، إلا من ثلاث: خرقة لف بها الرجل عورته، أو كسرة سد بها جوعته، أو جحر يدخل فيه من الحر أو القر)، يعني: غرفة صغيرة يدخل فيها، وليس قصراً ولا فلة كبيرة ولا شقة كبيرة، فهذه يسأل عنها كلها يوم القيامة.
стр. 318
الحث على الاستعداد ليوم القيامة
وعندما مر النبي ﷺ على رجل من أصحابه يبني بيته، وقف ﷺ وقال: (الأمر أعجل من هذا).
فكأن النبي ﷺ يقول له: لا تطمع في الدنيا ولا تتمن أن تبني شاهقاً وعالياً، وإلا فأنت تأمل أن تعيش أكثر.
وليس معناه أنه ينهاه، ولكنه يذكره أنك عندما تبني فتذكر أنك لن تعيش، ويمكن أن يعيش البيت أكثر منك، وأكثر البيوت التي تجدها وتمر عليها قد مضى أصحابها وماتوا، وبقي البيت فقط موجوداً.
فعلى الإنسان أن يتذكر، ففي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص لما سأله رجل فقال: ألست من الفقراء المهاجرين؟ فقال له عبد الله: ألك امرأة تأوي إليها؟ يعني: هل أنت متزوج؟ فقال: نعم.
قال: ألك مسكن تسكنه؟ قال: نعم.
قال: فأنت من الأغنياء.
فقال الرجل: إن عندي خادماً أيضاً.
قال: فأنت من الملوك.
فالذي عنده بيت وزوجة وخادم يخدمه فهو من الملوك.
هذا كلام عبد الله بن عمرو بن العاص الذي قال له النبي ﷺ وهو يبني البيت: (الأمر أعجل من ذلك).
فقد تعلموا من النبي ﷺ كيف يكون الزهد في الدنيا، بتربية النبي ﷺ لهم.
نسأل الله عزل وجل أن يطمعنا فيما عنده من الدار الآخرة، وأن يزهدنا في الدنيا.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 319
شرح الترغيب والترهيب - الترغيب في الزهد في الدنيا والترهيب من حبها والتكاثر فيها [٢]
وردت الأحاديث النبوية التي فيها التحذير من الدنيا، والترغيب في الآخرة، وأن على المرء أن يعمل العمل الذي يعود عليه بالنفع في الآخرة، فإنه هو الذي يتبعه إلى قبره.
стр. 320
تابع ما جاء في الزهد في الدنيا والاكتفاء منها بالقليل
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الحافظ المنذري ﵀: [وعن النعمان بن بشير ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: (ما من عبد ولا أمة إلا وله ثلاثة أخلاء: فخليل يقول: أنا معك فخذ ما شئت ودع ما شئت فذلك ماله، وخليل يقول: أنا معك فإذا أتيت باب الملك تركتك، فذلك خدمه وأهله، وخليل يقول: أنا معك حيث دخلت وحيث خرجت، فذلك عمله)، رواه الطبراني في الكبير بأسانيد أحدها صحيح.
وعن عبد الله بن الشخير ﵁ قال: (أتيت النبي ﷺ وهو يقرأ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر:١] قال: يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك يابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت)، رواه مسلم.
وعن الضحاك بن سفيان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال له: (يا ضحاك! ما طعامك؟ قال: يا رسول الله! اللحم واللبن، قال: ثم يصير إلى ماذا؟ قال: إلى ما قد علمت، قال: فإن الله تعالى ضرب ما يخرج من ابن آدم مثلاً للدنيا)، رواه أحمد].
стр. 321
شرح حديث: (ما من عبد ولا أمة إلا وله ثلاثة أخلاء)
في كتاب الزهد من كتاب الترغيب والترهيب للإمام المنذري ﵀ ذكر عدة أحاديث، منها: حديث النعمان، ومثله حديث أبي هريرة، ومثله حديث أنس بن مالك رضي الله عن الجميع، والحديث فيه بيان كيف يكون أهل الإنسان ومال الإنسان وعمل الإنسان له، يضرب ﷺ هنا المثل في حديث النعمان فيقول: (ما من عبد ولا أمة إلا وله ثلاثة أخلاء)، وفي رواية: (مثل الرجل ومثل الموت كمثل رجل له ثلاثة أخلاء) أي: رجل له ثلاثة أصدقاء وأصحاب وأخلاء وأحبة، هذا في الظاهر، فقال النبي ﷺ : (فخليل يقول: أنا معك فخذ ما شئت ودع ما شئت فذلك ماله)، هذا واحد من ثلاثة أصدقاء للإنسان وهو المال.
قوله: (ما من عبد ولا أمة)، يعني: أن الله هو الملك وأن كل عبد لا بد وأن يرجع إلى مالكه ليحاسبه عما عمل.
فأنت راجع إلى الله ، ومعك هؤلاء الثلاثة في الدنيا: مالك، أهلك، عملك، فيقول هنا ﷺ : (مثل الرجل ومثل الموت) أي: أن الموت مرجعك إلى الملك .
ثم قال: (كمثل رجل له ثلاثة أخلاء، فقال أحدهم: أنا معك فخذ ما شئت، ودع ما شئت)، يعني: هذا الخليل يقول لك: خذ المال وافعل به ما شئت، هذا مالك وأنت مسيطر عليه في الدنيا، وأنت تنفقه في الدنيا، فما أنفقت فهو مالك وما تركته وراءك فهو مال الورثة وليس مالك أنت.
الخليل الثاني: أهل الإنسان، قال هذا الخليل: أنا معك أخدمك فإذا مت تركتك.
الخليل الثالث: العمل، قال: أنا معك أدخل معك وأخرج معك إن مت وإن حييت.
ثلاثة من الأخلاء مثل صورة إنسان كان عند ملك من الملوك وزيراً في المكان الفلاني، وبعد سنة قال له: تعال سوف أحاسبك، وكان له أصدقاء كثيرون، وهذا يقول له: نفديك بالروح، وهذا يقول له: نفديك بالمال، فالملك قال للوزير: تعال الآن أحاسبك، فالخليل الأول: مال الإنسان، جلس معه وقال: أنت حبيبي وأنت كذا فمضى الوزير وتركه، ومضى مع الوزير الخليل الثاني إلى أن وصل إلى السيارة أو القطار ثم قال له: مع السلامة لا أعرفك، أما الخليل الثالث فركب معه، وقال: أنا أدافع عنك، وأنا أصل معك إلى الملك، فوصل معه للملك ووقف أمام الملك فقال: هذا لم يعمل كذا وعمل كذا ولم يعمل كذا ودافع عنه، فأنفع شيء للإنسان هو عمله، فاعمل العمل الصالح وثق في الله سبحانه، فعملك هو الذي ينفعك بإذن الله، لا مالك ينفعك ولا أهلك ينفعونك إلا أن يشاء الله ، وإنما الذي يبقى لك وينفعك هو عملك الذي يدخل معك في قبرك، أما المال فأنت تركته وانصرفت في نعشك إلى قبرك، وأما الأهل فيودعونك إلى القبر ولا يدخل أحد منهم معك القبر، وإنما الذي يدخل معك قبرك هو عملك، ولذلك الإنسان وهو في قبره يمثل له عمله الصالح في صورة رجل طيب الريح جميل الوجه فيقول له: (أبشر بخير يوم جاء عليك منذ ولدتك أمك، يقول: من أنت، فوجهك الوجه الذي يأتي بالخير؟ فيقول: أنا عملك الصالح، والله ما علمتك إلا كنت سريعاً إلى الخير بطيئاً عن الشر فجزاك الله خيراً).
فإذاًَ: عمل الإنسان هو الذي يدخل معه في قبره ويدافع عنه في قبره، فعندما يأتي العذاب على الإنسان في قبره يصبح العمل حول الإنسان: صلاة الإنسان، زكاة الإنسان، حج الإنسان، صوم الإنسان، الأمر بالمعروف، النهي عن المنكر، هذه الأعمال تكون حول هذا الإنسان في قبره، تدافع عنه حتى ينجيه الله ، هذا عمل الإنسان.
يقول النبي ﷺ في رواية أنس بن مالك في الصحيحين: (يتبع الميت ثلاثة: أهله وماله وعمله، فيرجع اثنان ويبقى واحد، يرجع أهله وماله، ويبقى عمله).
وروى البزار عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (مثل ابن آدم وماله وأهله وعمله كرجل له ثلاثة إخوة -أو ثلاثة أصحاب- فقال أحدهم: أنا معك حياتك، فإذا مت فلست منك ولست مني، قال: فهو ماله، وقال الآخر: أنا معك فإذا بلغت تلك الشجرة فلست منك ولست مني)، أي: إذا بلغت تلك الغاية فلست معك، وهؤلاء أهل الإنسان، (قال الآخر: أنا معك حياً وميتاً، فهذا عمل الإنسان).
стр. 322
شرح حديث: (يقول ابن آدم مالي مالي)
من الأحاديث في هذا المعنى حديث رواه مسلم من حديث أبي هريرة ومن حديث عبد الله بن الشخير يقول النبي ﷺ : (يقول ابن آدم: مالي مالي).
يعني: الإنسان حين يتكبر ويفتخر بالمال ويقول: أنا عندي أموال كثيرة، نقول لهذا: من الذي أعطاك هذا المال؟ أليس المال مال الله ، وما مالك؟ يقول: (إنما له من ماله ثلاث: ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو أعطى فأقنى)، وفي الرواية الأخرى: (وهل لك يابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت) فمالك ما اشتريت به طعاماً وأكلته وفني هذا الطعام، أو اشتريت به ثياباً ولبست هذه الثياب فخلقت وبليت، أو أخرجت الصدقة فنفعتك عند الله .
ويقول النبي ﷺ : (وما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس)، يعني: مهما ادخرت من مالك تتركه في النهاية لورثتك.
ذكر النبي ﷺ هذا الحديث وهو يقرأ لهم: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر:١]، والتكاثر: هو التفاخر بالكثرة، كأن يقول: أنا معي (مليون) والثاني يقول: أنا معي (مليونان)، أنا معي ألف، أنا معي ألفان، تكاثر وافتخار وزهو وعجب وغرور بالمال، فقوله: ﴿أَلْهَاكُمُ﴾ [التكاثر:١]، يعني: دفعكم عن التذكرة ودعاكم إلى التلهي والنسيان كثرة المال الذي في أيديكم، ثم ذكر النبي ﷺ هذا الحديث.
стр. 323
شرح حديث تمثيل الدنيا بما يخرج من بطن الإنسان
من الأحاديث حديث رواه الإمام أحمد من حديث الضحاك بن سفيان ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ يسأله: (يا ضحاك! ما طعامك؟).
النبي ﷺ يعرف ما يأكل الناس ولكن أراد أن يضرب المثل، وكأن الضحاك كان رجلاً غنياً يأكل من أعلى الأشياء، فقد كان يأكل اللحم ويشرب اللبن، هذا طعامه وشرابه، فقال: (يا رسول الله! اللحم واللبن)، يعني: أغلى شيء وأرفعه.
فقال النبي ﷺ : (ثم يصير إلى ماذا؟) يعني: أغلى شيء عندك اللحم واللبن ثم يصير هذا اللحم واللبن إلى ماذا؟ قال الرجل متأدباً مع النبي ﷺ : (إلى ما قد علمت).
يعني: يتحول في بطن الإنسان إلى غائط، ويخرج في النهاية ويتقذره الإنسان، فقال النبي ﷺ : (فإن الله تعالى ضرب ما يخرج من ابن آدم مثلاً للدنيا).
يعني: الدنيا التي تنظر إليها أعلى ما فيها الطعام والشراب، وفي النهاية يصير شيئاً لا قيمة له، بل تتأذى من هذا الشيء الذي يخرج منك، كذلك هذه الدنيا تصير يوم القيامة في صورة عجوز شمطاء، فتقول: هذه الدنيا هي التي كنت أحبها؟ هذه دنيا الإنسان.
يقول في الحديث الآخر صلوات الله وسلامه عليه: (إن مطعم ابن آدم جعل مثلاً للدنيا، وإن قزحه وملحه) يعني: يأتي بالطعام ومن ثم يطبخه ويضع عليه توابل من أجل أن يصبح طعمه لذيذاً، وبعد ما أتعبت نفسك وطبخت هذا الطبيخ أكلته ثم صار إلى غائط في يوم من الأيام وتتأذى منه، فيقول النبي ﷺ : (فانظر إلى ما يصير).
مثل هذا يدفع الإنسان ألا يتكالب على هذه الدنيا؛ لأن الذي تحبه اليوم هو الذي ستبغضه في الغد، والثوب الجديد تفرح حين تلبسه وتفتخر به على غيرك، وتمر عليه الأيام والشهور فيصبح ثوباً قديماً تستحيي من لبسه؛ لأنه قد تمزق وتقطع وترقع، كذلك هذه الدنيا تفرح بها حين تقبل عليك، وتتأذى منها يوم القيامة حين ترى ما صنعته فيها.
стр. 324
شرح حديث: (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها)
يقول النبي ﷺ في الحديث الذي رواه ابن ماجة عن أبي هريرة مرفوعاً: (إن الدنيا ملعونة ملعون ما فيها، إلا ذكر الله وما والاه، وعالماً أو متعلماً).
هذه الدنيا كلها ملعونة مطرودة، ولم يستثن النبي ﷺ منها إلا ما يقربك من الله ، وهو ذكر الله، أن تذكر الله وتصلي لله، وتطيع الله، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، كذلك ما يتبع.
ذكر الله من علم وعمل، قال: (وعالماً أو متعلماً)، فإذا كان الإنسان في علم أو تعليم فهذا خير ما يكون في هذه الدنيا، وما كان في غير ذلك فيستحق أن يطرد وأن يبعد، كما قال النبي ﷺ ، والله أعلم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 325
شرح الترغيب والترهيب - الترغيب في الزهد في الدنيا والترهيب من حبها والتكاثر فيها [٣]
دعا النبي ﷺ على من يطمع في الدنيا بالتعاسة والانتكاس؛ لأنه يكون عبداً لها ولهواه، ودعا لمن يجاهد في سبيل الله متواضعاً لا يعرفه أحد ولا يؤخذ برأيه، أن طوبى له على ذلك، وأشد الأشياء إفساداً لدين المرء الحرص على المال والشرف.
стр. 326
الدنيا فانية ومتاعها زائل
стр. 327
شرح قوله: (تعس عبد الدينار)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الحافظ المنذري ﵀: [الترغيب في الزهد: روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش، طوبى لعبد أخذ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث رأسه مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، وإن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع).
وروى الترمذي عن كعب بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه).
وروى الطبراني عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما ذئبان ضاريان جائعان باتا في زريبة غنم أغفلها أهلها يفترسان ويأكلان بأسرع فيها فساداً من حب المال والشرف في دين المرء المسلم).
هذه أحاديث يذكرها الحافظ المنذري ﵀ في الزهد في الدنيا، فالإنسان لا يطمع فيها وكلما علم من كتاب الله شيئاً عن هذه الدنيا زاد زهداً فيها، كقوله سبحانه: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥]، فالدنيا متاع غرور، وكم يتمتع هذا المغرور بهذه الدنيا؟ فالمغرور يتمتع بشيء يغره، أي: بصحة وعافية وقوة في بدنه ومنصب ورئاسة ومال وجمال ولا تدوم هذه الأشياء.
فالإنسان مهما تمتع فإنه في النهاية يترك ذلك، فليحرص الإنسان على الدين وليترك الدنيا لأهلها ولا يتكالب عليها ولا يطمع فيها، فإنه لن ينال منها إلا ما قسمه وكتبه الله له.
من الأحاديث التي في هذا الباب: حديث أبي هريرة رواه الإمام البخاري في صحيحه، أن النبي ﷺ قال: (تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة).
والتعس بمعنى: الهلاك والعثار والسقوط، والتعس بمعنى: الشر، وبمعنى: الانحطاط والبعد، فكل هذا دعاء يدعوه النبي ﷺ على هذا الإنسان، أي: بعد هذا العبد، وانحط وسقط ووقع ولم يجد من يرفعه، تعس هذا الذي نسي أنه مخلوق لعبادة الرب الواحد وعبد الدنيا وعبد الدرهم والدينار، (تعس عبد الدينار)؛ لأنه نسي نفسه.
والإنسان عبد لله سبحانه، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، عابد لله يعرف ما الذي يريده الله وهو يؤدي حق الله سبحانه كما يريد الله، فهواه تابع لدين رب العالمين سبحانه، هذا هو عبد الله، وغير ذلك يكون عبداً لهواه ولشهوته أي: تابعاً لهواه، حيثما ذهب به الهوى ذهب وراءه، وحيثما أدت به شهوته كان وراءها، فهو متبع للهوى ومتبع للدرهم ومتبع للدينار، صار عبداً لهذه الأشياء، يجري وراءها في حلال وفي حرام، ويريد أن يخطفها ويأخذها، فقال ﷺ داعياً على من هذا حاله: (تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة).
كأن الإنسان يكون عبداً للمال الكثير، بل قد يكون عبداً للمال الحقير أيضاً، فالمال الكثير معبر عنه بالدينار، والمال الحقير معبر عنه بالدرهم.
والخميصة: القماش أو الخرقة التي يلبسها الإنسان فيصير عبداً لذلك طامعاً في قطعة وخرقة وقماش فيختلسها ويسرقها، وهواه يدفعه أن يأخذها باختلاس وبخيانة وبطمع وبشره وبانحطاط، فتراه يركض وراء هواه في أي صورة من الصور، ويريد أن يحصل هذه الأشياء، فدعا عليه النبي ﷺ .
وذكر من حاله: (إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط) يعني: كأنه يتبع الناس على أموالهم، إذا الناس أعطوه المال فرح ورضي بذلك، وإذا لم يعطوه ذلك يذم الناس ويتسخط؛ لأنهم لم يعطوه.
ترك دينه وراءه ظهرياً واتبع هواه واتبع مطامعه فتعس هذا الإنسان، قال النبي ﷺ : (تعس وانتكس)، دعا عليه بالتعاسة والانتكاس، انتكس الإنسان يعني: سقط على وجهه، وانتكس المريض بمعنى: أنه لما قارب شفاؤه وصحته إذا به ينقلب عليه المرض فيصير أشد مما كان.
فدعا النبي ﷺ على هذا الإنسان الشره الذي يطمع في الكثير وفي القليل، ورضاه للدنيا فقط، فلا يرضى للدين ولا يرضى لله ، ولا يسأل عن دينه، إنما سؤاله عن الدنيا ورضاه وسخطه في الدنيا.
قال: (تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش)، دعاء عليه يعني: لو دخلت في رجله شوكة لا يجد من ينقشها له، نقشها بمعنى: أزالها بالمنقاش الذي تستخرج به الشوكة، كالإبرة ونحوه، فالشوكة إذا دخلت في رجل هذا الإنسان لا يلقى الذي ينقشها له، دعاءً من النبي ﷺ عليه.
стр. 328
شرح قوله: (طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه)
ثم دعا لعكس هذا الإنسان: (طوبى لعبد أخذ بعنان فرسه).
وجاء في الحديث أن طوبى شجرة من أشجار الجنة تخرج فيها ثياب أهل الجنة، فكأنه يدعو لهذا الإنسان أن ينال الحظ الوافر في الآخرة، وأن يكون من أهل الجنة ومن أهل هذه الشجرة.
قال: (طوبى لعبد أخذ بعنان فرسه في سبيل الله)، يعني: عبداً مجاهداً فقيراً ومع ذلك ليس له طمع في الدنيا ولا يطمع في الدرهم ولا في الدينار ولا الخميصة، ولكن طمعه في دين الله وفي رضا الله.
قال ﷺ في وصف هذا الإنسان: (أشعث رأسه)، يعني: ليس عنده وقت يمشط فيه شعره.
قال: (مغبرة قدماه)، مجاهد في سبيل الله، يمشي حافياً، فيعلق الغبار والتراب بقدميه من كثرة المشي.
قال: (إن كان في الحراسة كان في الحراسة وإن كان في الساقة كان في الساقة) فهو عبد متواضع فقير لا أحد يعرفه وليس له قيمة كبيرة لكي يوضع في مكان مرموق، فهذا الفقير يجعلونه حارساً، وهو راض بهذا الشيء لرضا الله به، أو يجعلونه في الساقة في آخر الجيش أو في غير ذلك فلا يهتم لمكانه ولا يريد أن يراه الناس إنما يريد أن يعرفه الله .
قال: (إن استأذن لم يؤذن له وإن شفع لم يشفع)، يعني: حاله أنه فقير مسكين ضعيف لو أنه استأذن لا أحد يأذن له، ليس له فضل عند الناس، وليس له عند الناس وجاهة لكي يستأذن فيدخل، وإذا شفع لإنسان عند إنسان ليس له عنده منزلة فلا يرضى منه ولا يقبل منه، هذا الإنسان دعا له النبي ﷺ : طوبى لهذا العبد.
стр. 329
من أحب الدنيا أضر بآخرته ومن أحب آخرته أضر بدنياه
ومن الأحاديث التي جاءت عنه ﷺ : حديث رواه الإمام أحمد عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من أحب دنياه أضر بآخرته، ومن أحب آخرته أضر بدنياه، فآثروا ما يبقى على ما يفنى).
الدنيا والآخرة ضرتان، ترضي واحدة وتغضب الأخرى، وليس من الممكن أن ترضي الثنتين أبداً، فمن أحب دنياه أضر بآخرته؛ لأنه يحب الدنيا فيبدأ في الطمع ويجمع لهذه الدنيا ويترك أمر الآخرة فأضرب آخرته.
والعكس بالعكس: الذي ينتبه لأمر الآخرة لابد أن تضيع عليه أشياء من الدنيا، والدنيا تدعو صاحبها إلى أن شريفاً مفتخراً، والآخرة تدعو صاحبها إلى أن يكون متواضعاً بين الناس، فيه ضعة وفقر وحب لأهل الزهد وبعد عن أهل الدنيا.
فالذي يضر دنياه ينتفع في آخرته.
قال ﷺ : (فآثروا ما يبقى على ما يفنى) أي: فضلوا الدار الآخرة، وإذا تعارضت الدنيا مع الآخرة ففضلوا الآخرة.
стр. 330
شرح حديث: (ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم)
من الأحاديث العظيمة التي جاءت عن النبي ﷺ حديث رواه الترمذي عن كعب بن مالك، ورواه الطبراني عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: (ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه).
نفهم من هذا المثل الذي يذكره ﷺ أن حظيرة فيها أغنام، هذه الحظيرة غفل عنها صاحبها فدخلها ذئبان، والذئب من أشد الحيوانات ضراوة وعداوة وإفساداً، فلو كان ذئباً واحداً لأفسد فساد عظيماً، فكيف بذئبين يشجع أحدهما الآخر؟ وكيف بحظيرة مفتوحة أهملها أصحابها وجاء الذئبان وهما جائعان ضاريان، والذئب إذا كان جائعاً وسلط على حظيرة غنم يهجم على الغنمة ويأكل من بطنها، ويهجم على الثانية ويأكل من بطنها، فلا يترك غنمة واحدة إلا نهش بطنها، وكأنه يريد أن يأكل الجميع، فلا تكفيه واحدة، هذا ذئب واحد، فكيف لو كانا ذئبين؟ فالذئب بشرهه وطمعه يفسد كل هذه الأغنام، ويأكل من الجميع ما يأكل.
فالذي ذكره النبي ﷺ من التشبيه أن حظيرة غنم دخل فيها ذئبان جائعان أفسدا إفساداً عظيماً وأهل الحظيرة غافلون عنها، فالحظيرة هي دين الإنسان، والذئبان هما حرص الإنسان على ماله، وحرصه على شرفه، فالإنسان الذي يحرص على المال يبدأ في جمع المال بأي صورة من الصور، والإنسان فيه نهم يشبه نهم الذئب حين يأكل الغنم، ففيه طمع وفيه شره وفيه حرص على المال وحرص على السيادة والرفعة.
فالإنسان قد يضحي بماله في سبيل سيادته ورفعته، والحرص على المال وعلى الجاه يفسد على الإنسان دينه أشد من إفساد هذين الذئبين في هذه الحظيرة التي فيها الأغنام، فقال ﷺ : (ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه)، يعني: يحرص على المال وعلى الشرف فيفسد دينه بحرصه ذلك.
لذلك يقول العلماء: أما المال فإفساده أنه نوع من القدرة يحرك داعية الشهوة ويجر إلى التنعم في المباحات فيصير التنعم مألوفاً، يعني: معه مال فيألف كل شيء مباح، إذا غاب عنه هذا الشيء المباح يبدأ يغضب؛ لأنه فقد شيئاً من النعمة، وربما يشتد أنس الإنسان بهذا المال فيعجز عن كسب الحلال، ويبدأ يبحث عن الحرام فيقتحم في الشبهات وفي الحرام ويتلهى عن ذكر الله فيضيع دينه، ويكفي به إفساداً أن المال يلزم الجاه، والجاه لا يلزم المال.
فالإنسان يجمع المال لكي يكون ذا قدر كبير بين الناس، فكيف يكون جاه الإنسان الذي يحرص عليه؟ إذا كان في سبيل المال يضيع دينه فكيف إذا كان في سبيل الجاه؟ فذكر النبي ﷺ أن المال والجاه يضيعان دين الإنسان، فهنا يخوض الإنسان في المراءاة في سبيل الجاه وفي النفاق وفي المداهنة وفي سائر الأخلاق الذميمة لكي يقال عنه رجل كبير ورجل بين الناس رئيس، فهذا من إفساد طلب الشرف وطلب المال لدين المرء.
وإذا كان الهم عند المرء هماً واحداً كفاك الله جل ما أهمك، وإذا اجتمعت بك الهموم في طلب المال وفي طلب الشرف وفي طلب المناصب ضاع الدين وضاعت الدنيا.
نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 331
شرح الترغيب والترهيب - الترغيب في الزهد في الدنيا والترهيب من حبها والتكاثر فيها [٤]
ترك النبي ﷺ الدنيا وطلب الدار الآخرة، مع أن الله عرضها عليه، ولكنه رضي بالقليل؛ لأنه يعلم أن ما عند الله خير وأبقى، وفيه ﷺ أسوة حسنة للمؤمنين.
وعلى نهجه سار الصحابة من بعده والصالحون.
стр. 332
ذكر ما جاء من زهد النبي ﷺ وتقشفه
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الحافظ المنذري ﵀ في الترغيب في الزهد: [وعن سهل بن سعد ﵁ قال: (ما رأى رسول الله ﷺ النقي من حين ابتعثه الله تعالى حتى قبضه الله، فقيل: هل كان لكم في عهد رسول الله ﷺ مُنخُل؟ قال: ما رأى رسول الله ﷺ مُنخُلاً من حين ابتعثه الله تعالى حتى قبضه الله، فقيل: فكيف كنتم تأكلون الشعير غير منخول؟ فقال: كنا نطحنه وننفخه فيطير ما طار وما بقي ثرَّيناه)، رواه البخاري.
وعن أم أيمن ﵂: (أنها غربلت دقيقاً فصنعته للنبي ﷺ رغيفاً، فقال: ما هذا؟ فقالت أم أيمن: طعام نصنعه في أرضنا فأحببت أن أصنع لك منه رغيفاً، فقال: رديه فيه ثم اعجنيه)، رواه ابن ماجة.
وعن عائشة ﵂ قالت: (أرسل إلينا آل أبي بكر بقائمة شاة ليلاً فأمسكت وقطع النبي ﷺ ، أو قالت: فأمسك رسول الله ﷺ وقطعت، قال: فتقول للذي تحدثه: هذا على غير مصباح؟ قالت عائشة ﵂: إنه ليأتي على آل محمد ﷺ الشهر ما يختبزون خبزاً ولا يطبخون قدراً).
стр. 333
الاستشعار بالفقراء والمساكين وتربية النفس على الجوع والصبر
هذه الأحاديث الصحيحة يذكرها الحافظ المنذري في الترغيب في الزهد، وشهر رمضان مناسب للإنسان المؤمن أن يتذكر مثل هذه الأحاديث؛ لأن شهر رمضان شهر الصوم، قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣]، فيتعلم المؤمن في هذا الشهر الامتناع عن الطعام وعن الشراب من الفجر وحتى غروب الشمس.
ويتعود في هذا الشهر على الجوع ويستشعر بما يستشعره الفقراء والمساكين، وما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه من الجوع فيربي نفسه على ذلك ويفطم نفسه عن الدنيا، وليس كل ما يريده الإنسان يناله في هذه الدنيا، وإنما يعتاد أن يترك الشيء الذي يقدر عليه، فيجعل بينه وبين الحرام سداً وحاجزاً، ويترك من الحلال حتى لا يستنفذ الحلال، فيقع في الحرام بعد ذلك.
стр. 334
أكل النبي ﷺ الخبز الخشن على سفرة
من الأحاديث التي جاءت عنه صلوات الله وسلامه عليه يقول أنس ﵁: (لم يأكل النبي ﷺ على خوان حتى مات، ولم يأكل خبزاً مرققاً حتى مات، ولا رأى شاة سميطاً بعينه قط).
هذا أنس ﵁ وقد أغناه الله ببركة دعوة النبي ﷺ له: اللهم بارك له في ماله وفي ولده، فأعطاه الله مالاً وأعطاه غنى وأعطاه أولاداً رضي الله ﵎ عنه، فلما رأى ذلك أخذ يذكرهم أن النبي ﷺ لم ير هذه الأشياء ولم يأكل على خوان حتى مات ﵊.
والخوان: طاولة يجلس حولها وقت الطعام، فلم يحدث أن النبي ﷺ رفع له طعامه على خوان ولكن على سفرة، وكلمة سفرة معناها: مفرش ينحط على الأرض، سميت بذلك لأنها تسفر عما بداخلها، فهي مفرش يوضع على الأرض ويوضع عليه طعامه ﷺ .
يقول أنس ﵁: (ولم يأكل خبزاً مرققاً حتى مات)، يعني: خبزاً منقىً وخبزاً مغربلاً ومنخولاً.
(ولا رأى شاة سميطاً بعينه قط)، يعني: شاة مسلوخة ومشوية بعد سلخها، ولكن كانوا يسلخون جلد الشاة فتوضع في السيخ وتشوى على حالها.
فالنبي ﷺ لم ير الأشياء التي يراها المنعمون، وليس معنى ذلك أن هذه الأشياء محرمة، ولكن الله لم يجعلها للنبي ﷺ ليس لهوانه على الله ، بل لهوان الدنيا وأنها لا تستحق ذلك فلا تستحق من الإنسان أن يتعب من أجلها، وأن يقتتل مع أخيه من أجلها، وأن يطمع وأن يستكثر منها، لا داعي لمثل ذلك.
стр. 335
شرح حديث: (ما رأى النبي ﷺ النقي)
يقول سهل بن سعد ﵁: (ما رأى رسول الله ﷺ النقي) أي: الخبز الأبيض ما رآه النبي ﷺ ، فالراوي عنه يسأله: هل كان لكم في عهد رسول الله ﷺ منخل، أي: غربال؟ فاليوم كل واحد منا في بيته غربال؟ يقول سهل: (ما رأى رسول الله ﷺ منخلاً من حين ابتعثه الله تعالى حتى قبضه الله)، قال السائل: فكيف كنتم تأكلون الشعير غير منخول؟ هذا سهل بن سعد والذي يليه ويروي عنه ويسأله من التابعين، وكأن المال كثر فاعتادوا على هذا الشيء، فلما اعتادوا نسوا ماذا كان يصنع النبي ﷺ ، فيسأل عن الخبز كيف يأكله ﵊؟ فيسأل سؤال المستغرب المتعجب كيف تصنعون الخبز؟ كيف إذا كان الأمر على ذلك؟ فالإنسان عندما يعيش في النعم ينسى أن غيره لا يجد ذلك.
يعني: نحن الآن حين نأكل طعامنا كيف نأكل القمح، فمن الضروري أن يكون مطحوناً ومنخولاً، وعندما نتذكر شخصاً يأخذ القمح من الحقل مباشرة فيفرك القمح في يده، ثم يأكله نتعجب لهذا الشيء، من الذي يأكل القمح بهذه الصورة؟ وكانوا يأكلونه من قبل على هذه الصورة، وكان يشبعهم ذلك الذي يأكلونه، فلم يروا من الدنيا إلا الشيء القليل.
يقول هنا: كيف كنتم تأكلون الشعير غير منخول؟ فقال: كنا نطحنه وننفخه، فيطير ما طار وما بقي ثريناه، أي: والباقي نضع عليه ماء ونعجنه ونأكله.
ومن الأحاديث حديث أم أيمن ﵂ وهي حبشية وكانت حاضنة النبي ﷺ ، وزوجها النبي ﷺ بحبه زيد بن حارثة وولدت له أسامة حب رسول الله ﷺ .
هذه أم أيمن أحبت أن تتحف النبي ﷺ بشيء تملكه، فغربلت دقيقاً، ولم ير النبي ﷺ أنها غربلت الدقيق، لكن أتت بدقيق أبيض أمامه ﷺ ، فكانت قد غربلته ونخلته.
فقال النبي ﷺ : (ما هذا؟ قالت: طعام نصنعه بأرضنا)، يعني: في الحبشة كنا نصنعه هكذا، نغربل الدقيق حتى يكون أبيض، قالت: فأحببت أن أصنع لك منه، أحبت أن تكرم النبي ﷺ برغيف، فقال لها النبي ﷺ : (رديه) أي: ردي النخالة فيه.
стр. 336
ذكر ما كان عليه الرسول ﷺ من التقلل من الدنيا
ومن الأحاديث: حديث عن عائشة رواه الإمام أحمد ورواه الطبراني أيضاً تقول: (أرسل إلينا آل أبي بكر بقائمة شاة ليلاً)، يعني: ليلة من الليالي أبو بكر الصديق أرسل هدية للنبي ﷺ ، الهدية يد خروف.
وهذا دليل على أنهم في مرحلة من المراحل كانوا في غاية الفقر، وقد كان أبو بكر من أغنى الناس في مكة، فأنفق ماله كله على دين رب العالمين سبحانه، فهذا الذي يقدر عليه في هذه المرحلة أن يرسل إلى النبي ﷺ بيد شاة.
(قالت: فأمسكت وقطع النبي ﷺ ، يعني: هذا شأنهم في الليل، فقد كانوا في ظلمة، فالسيدة عائشة أمسكت وأمسك النبي ﷺ بالسكين وقطع أو العكس.
فيقول الراوي للسيدة عائشة ﵂: تقطعون يد الشاة على غير مصباح، فقالت عائشة ﵂: (إنه ليأتي على آل محمد ﷺ الشهر ما يختبزون خبزاً، ولا يطبخون قدراً).
فراوي الحديث يقول: يا أم المؤمنين -هذه رواية الطبراني - تقطعون على غير مصباح؟ فقالت: لو كان عندنا دهن مصباح لأكلناه، فلم يكن عندهم غاز ولا بترول يوقدون به المصباح! فانظر للحال الذي كان عليه بيت النبي ﷺ ، لا نور في البيت ولا مصباح ولو كان هناك دهن للمصباح لأكلوا هذا الدهن، لذلك لا تعجب عندما يدعى النبي ﷺ في يوم من الأيام إلى خبز شعير وإهالة -دهنة- سنخة يعني: قد مكثت في الجراب فترة طويلة حتى بدأ طعمها يتغير، فيذهب النبي ﷺ ويأكل من ذلك.
تقول السيدة عائشة ﵂: من حدثكم أنا كنا نشبع من التمر فقد كذبكم.
أي: حتى التمر، وقد كانت المدينة مليئة بالبلح والتمر، لكنها تقول: من حدثكم أنا كنا نشبع من التمر فقد كذبكم! وفي الحديث الآخر أن سائلاً يسأل السيدة عائشة ﵂ يقول: يا خالة! ما كان يعيشكم؟ فتقول: الأسودان يعني: الطعام السائد الذي عندنا التمر والماء، فقد كانوا يمكثون شهرين اثنين وتطلع ثلاث أهلة عليهم في شهرين وليس في البيت طعام ولا خبز، وإنما في بيت النبي ﷺ التمر، ويا ليته يشبع منه صلوات الله وسلامه عليه! تقول: من حدثكم أن كنا نشبع من التمر فقد كذبكم، فلما افتتح النبي ﷺ قريظة أصبنا شيئاً من التمر والودك!
стр. 337
اختيار النبي ﷺ أن يكون عبداً رسولاً
ومن الأحاديث التي جاءت: حديث أبي هريرة يقول: (جلس جبريل إلى النبي ﷺ فنظر إلى السماء، فإذا ملك ينزل، فقال له جبريل: هذا الملك ما نزل منذ خلق قبل الساعة).
يعني: في يوم من الأيام وجبريل جالس مع النبي صلى الله عليه نزل ملك من السماء، وأول مرة ينزل هذا الملك من السماء إلى الأرض من ساعة ما خلقه الله ، فيقول جبريل للنبي ﷺ : (هذا الملك ما نزل منذ خلق قبل الساعة، فلما نزل قال: يا محمد! أرسلني إليك ربك: أملكاً أجعلك أم عبداً رسولاً؟)، يعني: نزل الملك يخير النبي ﷺ يقول: أنت مقامك عالٍ عند رب العالمين، وهو يحب أن يخير نبيه ﷺ .
والحكمة من أن ينزل ملك آخر غير جبريل لكي يكون جبريل للنبي ﷺ وزيراً وناصحاً ومشيراً، فنزل الملك الآخر يخير النبي ﷺ : أتريد أن تصبح ملكاً رسولاً أم تبقى عبداً رسولاً؟ فنظر جبريل إلى النبي ﷺ وأشار إليه: تواضع لربك يا محمد! فربنا يخيرك، فإذا تواضعت فإنه ما زاد الله عبداً بتواضع إلا عزاً، فاختار النبي ﷺ وقال: (بل عبداً رسولاً)، يعني: أكون عبداً رسولاً.
ولذلك كان يجلس جلسة العبيد، ويقعد على الأرض ولا يقعد على الكرسي أو على عرش، وينام على السرير، وكانت حبال السرير تؤثر في جنب النبي صلوات الله وسلامه عليه، فهنا كان ﷺ غاية في التواضع ليري الناس أن الدنيا لا تساوي شيئاً.
قال ابن مسعود: (نام رسول الله ﷺ على حصير فقام وقد أثر في جنبه)، أي: أعواد الحصير أثرت في جنبه ﷺ ، فقالوا للنبي ﷺ : (يا رسول الله! لو اتخذنا لك وطاءً) أي: فرشاً ليناً، فقال ﷺ : (مالي وللدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها).
هذا هو النبي ﷺ يضرب هذا المثال العظيم الذي يحدث الناس به حتى يعقلوا، فيقول: أنا مثلي مع هذه الدنيا كراكب نزل تحت ظل شجرة، وفي رواية أخرى قال: (كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة ثم راح وتركها) الذي يسير في الصيف ينزل تحت شجرة في أثناء الطريق ليرتاح قليلاً ثم يكمل سيره مرة أخرى.
هكذا يعلمنا ﷺ أن نزهد في الدنيا حتى يحبنا الله سبحانه، وأن نزهد في ما في أيدي الخلق حتى يحبنا الخلق.
نسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل الله اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.