← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 36971

شرح الترغيب والترهيب للمنذرى - حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (337 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

استشعار العبودية في كل حال الحمد الله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الإمام المنذري ﵀: [الترغيب في الفراغ للعبادة والإقبال على الله تعالى، والترهيب من الاهتمام بالدنيا والانهماك عليها. عن معقل بن يسار ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يقول ربكم: يابن آدم! تفرغ لعبادتي أملأ قلبك غنى، وأملأ يديك رزقا، يا ابن آدم لا تباعد مني أملأ قلبك فقرا، وأملأ يديك شغلا) رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد. وعن أبي الدرداء ﵁، عن النبي ﷺ قال: (ما طلعت شمس قط إلا بعثت بجنبتيها ملكان إنهما يسمعان أهل الأرض إلا الثقلين: يا أيها الناس! هلموا إلى ربكم فإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وما غربت شمس قط إلا وبعث بجنبتيها ملكان يناديان: اللهم عجل لمنفق خلفا، وعجل لممسك تلفا) رواه أحمد وابن حبان. وعن زيد بن ثابت ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من كانت الدنيا همه فرق الله عليه أمره وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة) رواه ابن ماجة ورجاله ثقات. إن الإنسان خلق لعبادة الله وتوحيده وإقامة شرعه ودينه، قال الله : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٧]. فإذا عرف المؤمن الهدف من خلقه، عمل به، وعمل له، واستعد للقاء الله سبحانه، ليسأله ما الذي عمله في هذه الدنيا، هل عبد الله حق عبادته، أم أن الدنيا قد ألهته فانشغل بها؟ فهو يعبد الله سبحانه في كل أعماله، يعبد ربه بصلاته، وصيامه، وزكاته، وحجه، وعمرته، ويعبد ربه بأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، كما يعبد ربه بزواجه، وبتربية أهله وأولاده، ويعبد ربه بالدعوة إليه سبحانه، ويعبد ربه كذلك بالعمل ليطعم أهله وأولاده ويكف نفسه عن سؤال الغير؛ ويتعبد لربه بأن يتقن عمله، فالله يحب المؤمن الذي يحسن صنعته ويتقن عمله، وهكذا فالمؤمن في كل وجوه الخير له فيه عبادة.

стр. 282

شرح حديث: (يابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ قلبك غنى) جاء في حديث معقل بن يسار ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (يقول ربكم: يا ابن آدم تفرغ لعبادتي، أملأ قلبك غنى، وأملأ يديك رزقا). معنى قوله: (تفرغ لعبادتي): أي: أفرغ قلبك من الدنيا، وليس المعنى: اجلس في بيتك ولا تعمل، ولا تطعم عيالك، ولا تفعل الخير، وليس معنى التفرغ للعبادة أن تصلي الليل والنهار وتصوم الدهر، وقد حاول بعض الصحابة أن يصنع ذلك، كـ عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁، فقام الليل كله، وصام دهره كله، فإذا بالنبي ﷺ يقول: لا تفعل، إنك إن فعلته نكهت عيناك، وتعبت نفسك، (إن لنفسك عليك حقا، وإن لأهلك عليك حقا، وإن لزوجك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه)، وكأن النبي ﷺ يبين له ما الذي يصنعه من حقوق يكون بتأديتها متعبد لله ، ولذلك جاء في الحديث: أن الرجل سأل النبي ﷺ ، (يأتي أحدنا شهوته فيكون له أجر؟ قال: أرأيت إن وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ قال: نعم، قال: فكذلك إن وضعها في حلال كان له أجر). فالإنسان المؤمن حياته كلها عباده لله سبحانه، فإذا نام ليستريح من التعب وحتى يكمل بعد ذلك عبادة الله كالقيام والصلاة والعمل من أجل الإنفاق على أولاده فنومه عبادة، وإذا نام ليقوم مستريحاً لهذه العبادة، أعانه الله ، إذاً: فمعنى التفرغ للعبادة: أن لا يملأ الإنسان قلبه بالدنيا، ويكثر من التمني، فكلما رأى أهل الدنيا في الملاهي، والمطامع، والشهوات يريد أن يكون مثلهم، فإذا بقلبه ممتلئ بفتن الدنيا، وشهواتها وآمالها وأطماعها، فلا يقدر على العبادة، ولن يأتيه من الدنيا إلا ما قسمه الله له. إذاً: فليس المطلوب من العبد أن لا يعمل ولكن المطلوب منه أن لا يطمع في الدنيا، والنبي ﷺ يخبرنا عن الله أنه يقول: (لو كان لابن آدم واد من ذهب لتمنى له ثانيا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب). فعلى الإنسان أن يترك شهوات نفسه ولا يتمنى كل شيء في هذه الدنيا، فإنه لن يحصل منها إلا ما قسم له، فليرض بما كتب الله له، وليأخذ الدنيا بالمعروف، ويجعلها في يده، كما كان الصحابة رضوان الله عنهم، يجعلون الدنيا في أيديهم، ولا يملؤون بها قلوبهم، فإذا جاءتهم الدنيا أنفقوا لله ، وعملوا له سبحانه، وطلبوا رضا الله، وفرحوا بأمره وأحسنوا عبادته سبحانه. وفي الحديث وعد من الله لابن آدم أنه إذا أفرغ قلبه من الدنيا، ولم يجعلها تسكن قلبه أن الله سيملأ قلبه غنى، أي: يجعله قلبه غنياً، وفي الحديث: (ليس الغنى عن كثرة العرض، وإنما الغنى غنى النفس) ومهما امتلأت يد ابن آدم من المال وقلبه متعلق بالدنيا فهو فقير، يستشعر الفقر، ويخاف من الفقر، فيخاف أن لا يضيع منه المال، ويصرف، أو يأتيه مرض تضيع فيه الثروة كلها، فهو في حيرة وخوف دائم، لكن لو أن قلبه امتلأ بالإيمان فلن يهتم بالدنيا أبدا، فإذا جاءه القليل منها حمد الله، وإذا جاءه الكثير منها حمد الله، فلا يهتم للقليل ولا للكثير، طالما أنه أخذ بالأسباب، ولن يأتيه إلا ما قسمه الله له. قوله: (يا ابن أدم! تفرغ لعبادتي أملأ قلبك غنى، وأملأ يديك رزقا)، ولم يقل: اقعد في بيتك بلا عمل، وصل وسيأتيك الرزق، فالأخذ بأسباب الرزق سنة من سنن الله في خلقه، وإن كان الله لا يعجز أن ينزل له رزقاً من السماء، وهو جالس في بيته فالله على كل شيء قدير، لكن لم يجعل ذلك سبباً للرزق، إنما الأسباب أن يذهب الإنسان إلى عمله ويتعبد الله بإتقانه، ويراقبه في صنعته وعمله والله سوف يعطيه الرزق الذي وعده الله به. وقوله: (يا ابن آدم لا تباعد مني) أي: لا تتباعد من طريق الله أو عن طريق الله، فإذا فعلت ذلك، قال: (أملأ قلبك فقراً، وأملأ يديك شغلا) أي: أن ترى المال يأتيك ليل نهار والأرباح تتكاثر عليك ولكنك تشعر بالفقر، وتشعر بأن هذا المال لا يكفي، وأنه سرعان ما ينتهي، أو يضيع أو يسرق، وتفتح لك أبواب تضع فيها هذه الأموال، فيشغلك الله بما آتاك من المال. فالمعنى: أن الله لا يملأ يديك فقراً فقط، بل قد يملؤها مالا، ولكن القلب يجعله فقيرا، محتاجاً يحس دائماً بأنه محتاج للخلق، خائفاً أن يضيع منه المال، وهكذا فالعبد إذا تباعد من الله سبحانه، فليس في قلبه ثقة ولا يقين، لأنه تفرغ للدنيا فكان قلبه فارغا، وامتلأت يداه بالشغل ومع ذلك لم يشبع، ولم يكتف بما آتاه الله. وهذه الأحاديث التي جاءت عنه صلى في هذا الباب كلها صحيحة.

стр. 283

شرح حديث: (ما قل وكفى خير مما كثر وألهى) جاء في حديث أبي الدرداء ﵁، قال النبي ﷺ : (ما طلعت شمس قط إلا بعثت بجنبتيها ملكان إنهما ليسمعان أهل الأرض إلا الثقلين) أي: أنه في كل يوم عند طلوع الشمس وعند غروبها يقول ملكان: (يا أيها الناس! هلموا إلى ربكم) أي: أقبلوا إلى ربكم سبحانه. قوله: (فإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى) فالإنسان في الدنيا إذا انكب عليها فإنه كلما أخذ منها كلما ازداد نهماً، ولذلك جاء في الحديث: (منهومان لا يشبعان: طالب علم، وطالب دنيا)، أو (اثنان لا يشبعان: طالب علم، وطالب دنيا) فطالب العلم إذا كان طالباً لله سبحانه لا يشبع أبداً، وكلما ازداد علماً علم بجهله، وطلب العلم وانكب عليه، فيفتح الله له أبوابه، ولا يشبع منه أبداً، وطالب المال كذلك لا يشبع منه أبداً، وكلما ازداد مالاً ازداد حرصاً على المال،، وطلباً له. فيقول الملكان هنا: (إن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى) أي: إذا كان المال على قدر حاجتك، وكفايتك فهو أفضل لك من الكثير الذي يلهيك، فقد ترى الرجل لديه ألف يريدها أن تكون ألفين، ثم يريدها أن تكون مليوناً، ثم يشغلها بعد ذلك، يعطي هذا وهذا وينشغل بمتابعتها طول النهار، هل أكمل هذا أم لم يكمل؟ وهذا هل عمل أم لم يعمل؟ وهكذا يظل يبحث عن المال، وفي النهاية يأتيه الموت وإذا به عليه ديون، وإذا بالمال له أصحاب يطلبونه، وإذا بالإنسان قد ضاع منه المال بسبب حرصه وجشعه. إذاً: فما قل مع الإنسان مما يكفيه، خير له مما كثر وهو يلهيه. قال في الحديث: (وما غربت شمس قط إلا وبعث بجنبتيها ملكان يناديان: اللهم عجل لمنفق خلفاً، وعجل لممسك تلفاً)، وجاء في حديث آخر: (أنه في كل يوم تطلع فيه الشمس وتغرب يبعث الله ملكين يقولان ذلك، ويدعوان: اللهم أعط منفقاً خلفاً، وأعط ممسكاً تلفاً) فالذي ينفق لله ، بأن ينفق على عياله، وعلى نفسه وقرابته وأرحامه، وينفق على الفقراء والمساكين، فهذا يعجل الله له بعطاء، من فضله سبحانه ورحمته، وقوله: (اللهم عجل لمنفق خلفاً) أي: أخلف عليه. أما الممسك الذي يبخل: عن نفسه، وعياله، ويبخل عن أمه وأبيه، ويبخل عن الفقراء والمساكين، مع وجوب ذلك عليه، فهذا يعجل الله له تلفاً: فيتلف ماله، تتلف صحته، ويضيع عليه هذا المال، الذي اكتسبه والذي بخل به. لذلك فالمؤمن ينفق مما أعطاه الله سبحانه ولا يبخل، فيتعبد الله بالمفهوم الأشمل والأوسع، في كل وقت وفي كل عمل من الأعمال، ويؤدي الواجبات، والنوافل، ويطعم نفسه وأهله، وضيفه، وعياله، فالله يملأ يديه رزقاً من فضله وكرمه سبحانه.

стр. 284

شرح حديث: (من كانت الدنيا همه فرق الله عليه أمره) جاء في الحديث عن زيد بن ثابت ﵁، أنه سمع النبي ﷺ يقول: (من كانت الدنيا همه فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته، جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة)، هذا حديث عظيم وجميل عن النبي ﷺ ، يفرق فيه بين من كانت الدنيا همه، وكان مهموماً منشغلاً بها، وبين من هو مشغول بأمر الآخرة، فهذا رزقه مقسوم،، وهذا رزقه مقسوم. أما الأول: فهو من كانت الدنيا همه، فإن الله يفرق عليه أمره، ويجعله مشغولاً بالدنيا، فإذا بها تشعبه في كل وديانها وسهولها. ، وجبالها، وتتفرق به الأهواء والمطامع في الدنيا، قال ﷺ : (وجعل الله فقره بين عينيه،) حتى إذ امتلأت يداه مالاً فإن قلبه يمتلئ فقراً فيحس أنه فقير، ويشعر أن المال سوف ينتهي، (ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له). وأما الآخر: فهو من كانت الآخرة همه، ونيته رضا ربه سبحانه، فهذا قال عنه ﷺ : (جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه)، فإذا به غني القلب لا يهتم بهذه الدنيا، ولا يريد أن يتوسع فيها توسعاً كبيراً، وإنما هو قانع برزق الله سبحانه الذي قد كفاه هذا الرزق، (وأتته الدنيا وهي راغمة) أي: أتته الدنيا غصباً عنها؛ لأن الله كتب له رزقه أنه سيأتيه، فبحث عن الزرق من الباب الحلال، فآتاه الله به.

стр. 285

وقت صلاة الضحى وفضيلتها إن البعض يصلي الضحى في وقت الشروق وهذا لا يجوز، فالشروق في الساعة السادسة واثنين وعشرين دقيقة، إذاً: صلاة الضحى بعده بحوالي ثلث ساعة، فتكون صلاة الضحى في الساعة السابعة إلا ثلث أو السابعة إلا ربع، والصلاة قبل ذلك في وقت الشروق حرام، فلا يجوز للإنسان أن يصلي وقت شروق الشمس؛ لأن الكفار تسجد لها في هذا الوقت، وقد نهانا النبي ﷺ أن نتشبه بهم، فإذا كان الإنسان مستعجلاً ووراءه شغل أو حاجة فلينصرف، ثم يصلي الضحى في بيته، لكن فضيلتها ليست كفضيلة صلاة من انتظر في المسجد وصلاها هناك، فقد جاء في حديث النبي ﷺ : (من صلى الفجر ثم جلس في مصلاه يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم يصلي ركعتين إلا كتب له حجة وعمرة تامة، تامة تامة) فالأفضل للإنسان أن يجمع ذلك فيصلي الفجر في جماعة ويجلس في مصلاه يقرأ القرآن أو يذكر الله بالأذكار المأثورة التي جاءت عن النبي ﷺ من تسبيح وتكبير وتهليل، إلى أن تطلع الشمس، وينتظر ما يقرب من ثلث ساعة بعد الشروق وبعد ذلك يصلي الضحى، ويكون له أجر حجة وعمرة تامة تامة تامة. ولا ينبغي أن ينشغل المسلم باللغو والكلام في هذا الوقت فيشغل نفسه ويشغل غيره. كما لا يجوز أن يقرأ القرآن بصوت عالٍ، فقد نهى النبي ﷺ أصحابه، عن رفع الصوت بالقرآن، إلا أن يكون الإنسان في مجلس علم فلا بأس برفع الصوت فيه، أما إذا كان مع غيره فلا يجوز أن يرفع صوته ويؤذي غيره، حتى ولو كان حافظاً للقرآن، فليقرأ سراً، ولذلك خرج النبي ﷺ على الصحابة بعد العشاء في رمضان وكل منهم يقرأ فقال أيها المصلون! كلكم يناجي ربه فلا يؤذي بعضكم بعضا. وأحياناً قد يكون رفع الصوت مدعاة للرياء، فيحب الرجل أو المرأة أن يعرف بأنه حافظ، أو عالم، أو أنه أفضل من غيره، يقول علي بن أبي طالب ﵁: تعلم واكتم، واصمت تسلم، تسر الأبرار وتغيظ الفجار. فاكتم العلم لتأخذ أجره، ولا تجهر به، وتظهر الرياء، وانشغل بنفسك ولا تنشغل بأحد، فإن المسجد إنما وضع للعبادة، والدعاء والدعوة إلى الله سبحانه وليس للتعرف على الناس، وكثرة الكلام والتسامر مع الآخرين.

стр. 286

حكم رفع الصوت في الصلاة لا يجوز رفع الصوت في الصلاة إلا للإمام، يرفع صوته في القراءة في الصلاة الجهرية، ويرفع صوته بالتكبير، حتى يعرف الناس الركوع والسجود وغير ذلك، أما أن يرفع الإنسان صوته بالتشهد أو بالذكر أو التسبيح أو غيره فهذا لا يجوز.

стр. 287

حكم من صلى قاعداً وهو يقدر على القيام إن البعض يصلي مع الإمام الركعة الأولى في صلاة الفرض وهو قائم، وإذا قام الإمام للركعة الثانية أكمل الصلاة وهو قاعد، فإذا صلى النافلة صلاها وهو قائم، أي: أنه يقدر على الصلاة وهو قائم، إذاً: فصلاته للفريضة وهو قاعد باطلة. والبعض يأتي من بيته ماشياً حتى يصل إلى المسجد، فمعنى ذلك: أنه يقدر على الوقوف في الصلاة، ولكنه يجلس على كرسيه من أول الصلاة، فيضيع ركناً من أركان الصلاة فتبطل صلاته. فالركن الذي يقدر الإنسان على أدائه فلا بد منه سواء كان ركن القيام، أو الركوع، فإذا كان لا يستطيع أن يقوم بركن كالسجود على الأرض فلا يقعد من أول الصلاة إلى آخرها، بل يقوم ويركع حتى إذا جاء وقت السجود لا يسجد على الأرض ويسجد كيفما شاء، أما إذا صلى الصلاة كلها قاعداً فصلاته باطلة. نسأل الله أن يعلمنا ويفقهنا في ديننا، وينفعنا بما علمنا، ويرزقنا الإخلاص ويجنبنا الرياء. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 288

شرح الترغيب والترهيب - الترغيب في العمل الصالح عند فساد الزمان تكثر الفتن على المؤمن في آخر الزمان وأعظمها أن يفتن في دينه، فلا يجد من هو على شاكلته إلا القليل النادر، فيكون تمسكه بتعاليم الدين وشرائعه عند فساد من حوله كالقابض على الجمر تحرقه ولا يلقيها حفاظاً عليها. وعند فساد الزمان يعظم أجر العبادة لله تعالى حتى يكون كأجر الهجرة إلى النبي ﷺ ، وأحب العبادات ما داوم عليها صاحبها وإن قلت.

стр. 289

شرح حديث أبي ثعلبة الخشني الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الإمام المنذري ﵀: [الترغيب في العمل الصالح عند فساد الزمان. عن أبي ثعلبة الخشني ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ وذكر الحديث وفيه -: (فإن من ورائكم أيام الصبر، الصبر فيهن مثل القبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عمله). رواه ابن ماجة، والترمذي، وقال: حديث حسن غريب، وأبو داود، وزاد: (قيل: يا رسول الله، أجر خمسين رجلاً منا أو منهم؟ قال: بل أجر خمسين منكم). وعن معقل بن يسار ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (عبادة في الهرج كهجرة إلي). وقال الإمام المنذري رحمه الله تعالى: [الترغيب في المداومة على العمل وإن قل. عن عائشة ﵂ قالت: (كان لرسول الله ﷺ حصير، وكان يحجره بالليل فيصلي عليه ويبسطه بالنهار فيجلس عليه، فجعل الناس يثوبون إلى النبي ﷺ فيصلون بصلاته حتى كثروا فأقبل عليهم فقال: يا أيها الناس، خذوا من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا، وإن أحبَّ الأعمال إلى الله ما دام وإن قل)]. ورغب النبي ﷺ المؤمنين في أن يعملوا الأعمال الصالحة في كل وقت، وخاصة حين لا يجدون ما يعينهم على الصلاة وعلى تقوى الله سبحانه وعلى أعمال الخير. ففي الحديث الأول يقول النبي ﷺ لأصحابه: (فإن من ورائكم أيام الصبر) يقول هذا للصحابة وهم الذين جاهدوا مع النبي ﷺ حتى فتح الله لهذا الدين قلوب الناس بلدانهم، وهذا من فضله ومن كرمه سبحانه، وأصبح المؤمنون أعزةً بعدما كانوا أذلة، وأقوياء بعدما كانوا ضعفاء، وأصبحوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويجدون من يعينهم على ذلك، والنبي ﷺ معهم يعلمهم ويؤدبهم ويربيهم ﵊، فيذكر لهم أنه ستأتي بعد زمانهم أيام الصبر فيهن مثل القبض على الجمر.

стр. 290

شرح حديث: (بدأ الإسلام غريباً) وجاء في الحديث الآخر: (بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء) بدأ الإسلام برسولنا صلوات الله وسلامه عليه وهو رجل واحد فدعا إلى الله فاستغرب الناس منه ذلك، وقاتلوه وطردوه، وأرادوا أن يوثقوه ﵊؛ حتى نصر الله هذا الدين. فأوذي أذىً شديداً وكان يقول: (لقد كنت أؤذى وما يؤذى أحد) أي: يؤذيني الناس ولا أحد يؤذى سواي ﵊. فبدأ الإسلام غريباً وسيرجع مرة أخرى غريباً فيكثر أهل المعاصي والفجور وأهل البعد عن دين الله ويصبح كلامهم هو الذي يصدق عند الناس. أما أهل الدين فيعتقد الناس فيهم كما يزعمون أهل تخلف ويدعون عليهم. وبدأ الإسلام غريباً وسيرجع غريباً بين أهله المسلمين، فيرون أن سنة النبي ﷺ بدعة من البدع، فهم على مثل ما كان عليه آباؤهم في الضلالات والبدع فلا يعرفون الله سبحانه، ففي هذا الزمن الذي يتمسك بدينه كالذي يقبض على الجمر، فيعاني المتمسكون بدينهم، والنبي ﷺ يرغبهم في الإكثار من التمسك والتشدد في ذلك؛ فإنها أيام الصبر، فاصبروا على دينكم، وعلى أذى الخلق، وعلى طاعة الله ، وعلى قضائه وقدره. والإنسان يجد الفتن في بيته وفي طريقه، وفي ولده، وفي كل مكان، ففتنة الرجل في أهله وماله تكفرها عبادات العبد من صلاة وصيام وأمر بمعروف ونهي عن منكر ونحو ذلك. ويرغبك النبي ﷺ في التمسك بالدين مهما عاداك الأقربون والأبعدون، فقال: (الصبر فيهن مثل القبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عمله). فمن تمسك في زمن الفتن الذي يدعى فيه المؤمنون إلى ترك دينهم فله أجر خمسين رجلاً من أصحاب النبي ﷺ يعملون هذا العمل. وأصحاب النبي ﷺ صبروا وكانوا أقوى الناس إيماناً، والله جعلهم السابقين ولهم الدرجات العالية والمنزلة العظيمة عنده ، ولكن الذين يأتون من بعدهم يجدون أهل الضلال كثيرين فيغرونهم، ويضلونهم، ويدعونهم إلى البعد عن الله ، فلذلك الذي يصبر على هذا البلاء كله ولا ينظر إلى ما حرم الله، ولا يتمنى معاصي الله فيصبر على الطاعة، ويصبر عن المعصية، ويصبر على القضاء والقدر، فالله يعطيه أجر خمسين رجلاً من أصحاب النبي صلوات الله وسلامه عليه. ففيه ترغيب عظيم جداً بالتمسك بحسن الخلق وبدين رب العالمين سبحانه، وإياك أن تفتن فالفتن كثيرة، ولذلك لما خلق الله الجنة والنار وأمر جبريل أن يذهب فينظر إليهما فقال عن الجنة: ما يسمع بها أحد إلا ويدخلها. وقال عن النار: من يسمع بها يخاف منها فلا يدخلها مما فيها من عذاب ولهيب، قال النبي ﷺ : (حفت الجنة بالمكارة وحفت النار بالشهوات). وقال أيضاً: (وقيل لجبريل: اذهب فانظر، فنظر إلى الجنة فقال: خشيت أن لا يدخلها أحد - أي: من كثرة المكاره التي حولها فكل الخلق يبتعدون عنها خوفاً من المكاره فلا يدخلونها- ونظر إلى النار فقال: خشيت أن يدخلوها كلهم)، لما حول النار من الفتن ومن الشهوات التي حفت بها. فلذلك المؤمن يصبر كما قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ [آل عمران:٢٠٠] وهنا توكيد من كلام رب العالمين سبحانه بالصبر والمصابرة والمجاهدة والمدافعة والمرابطة في سبيل الله حتى يثبت على ذلك، وحتى يؤجر هذا الأجر العظيم أجر خمسين رجلاً من أصحاب النبي ﷺ . وروى الطبراني من حديث ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: (إن من ورائكم زمان الصبر للمتمسك فيه أجر خمسين شهيداً منكم) أي: للمتمسك بدينه أجر خمسين شهيداً، وهذا شيء عظيم ما تحلم به أبداً. فالمؤمن يدعو ربه أن يرزقه شهادة كشهادة أصحاب النبي ﷺ ، ويمكن أن يصل إليها بأن يتمسك بالدين، وأن يقبض عليه وأن يعاني في سبيل الله ويصبر على ذلك، مهما آذاه الخلق، ومهما تعرض له من فتن فيصبر ويتمسك، حتى يكون له أجر خمسين شهيداً أو رجلاً من أصحاب النبي صلوات الله وسلامه عليه. ومن الأحاديث: ما رواه مسلم عن معقل بن يسار عن رسول الله ﷺ قال: (عبادة في الهرج كهجرة إلي) والهرج هو زمن الفتن الذي يقتل الناس بعضهم بعضاً على أتفه الأسباب أو بغير أسباب، ويفعلون المعاصي، فيتهارجون كتهارج الحمر ويقعون في الزنا والعياذ بالله، ويقعون في الكبائر والصغائر من الذنوب، كالقتل وأكل الأموال واغتصابها، ويقعون في كل شيء فيه هرج واختلاط. فالذي يعبد ربه في مثل هذا الزمان الذي فيه الهرج ولا يمن بعبادته، ولا يرى لنفسه فضلاً على أحد من خلق الله ، فله أجر هجرة إلى النبي ﷺ . فالمؤمن إنسان متواضع، يعبد الله سبحانه ويخاف أن لا يقبل منه ذلك، وفرق بين من يعبده ويظن أنه حصل كل شيء بذلك وأنه أفضل من غيره فيأخذه العجب والغرور فقد يحبط عمله بسبب ذلك، وبين من يعمل ويعبد ربه ويرجوه ويدعوه كما دعاه أبو الأنبياء: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة:١٢٧] فهذا الذي له الأجر العظيم جداً الذي لا يحلم به إنسان وهو كأجر الهجرة. والهجرة قد مضت لأهلها كما قال النبي ﷺ : (لا هجرة بعد الفتح) فالمؤمن قد ينال أجر الهجرة وأجر خمسين شهيداً، أو أجر خمسين رجلاً من أصحاب النبي ﷺ . بالعبادة في الزمن الصعب الشديد الذي لا يجد فيه من يعينه. والعبادة ليست عبادة يوم وليلة أو عبادة شهر رمضان وانتهى الأمر على ذلك، وإنما عبادة يداوم عليها المؤمن كإنسان يمسك جمرة بيده ولا يلقيها، فتحرقه وتؤذيه وهو ممسك بها حتى يلقى ربه سبحانه. ودين الله لا يؤذي أحداً بل كل دين الله خير، ولكن المقصد أن المتمسك بالدين يؤذيه الخلق، فيفتنونه عن دينه، ويلومونه على ذلك، ويدعونه إلى الباطل، وهو صلب متمسك بدين الله ، فهذا الذي له هذا الأجر الذي ذكر النبي ﷺ .

стр. 291

شرح حديث عائشة: (إن الله لا يمل حتى تملوا) إذاً: فالمطلوب هو بالعبادة بها والمداومة عليها، ولذلك جاء في حديث عائشة ﵂ قالت: قال النبي ﷺ : (إن الله لا يمل حتى تملوا) يعني: لا يقطع عنكم الثواب حتى تملوا عن العمل فتحرمون الأجر. (وإن أحب الأعمال إلى الله تعالى ما دام وإن قل). فتداوم على العمل في رمضان وفي غيره، فهذه العبادة التي تكون بها أدركت هجرة إلى النبي صلوات الله وسلامه عليه، وأدركت أجر خمسين شهيداً. نسأل الله أن يعطينا ذلك كله من فضله ورحمته وكرمه إنه على كل شيء قدير، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 292

شرح الترغيب والترهيب - الترغيب في الفقر وقلة ذات اليد وما جاء في فضل الفقراء والمساكين [١] إن الله خلق الخلق، وقسم بينهم أرزاقهم، كما قسم أعمارهم فجعل منهم الغني والفقير ومنهم من رزقه كفافاً، ولله في هذا التقسيم حكمة بالغة، وليس إنعام الله على شخص دليلاً على حبه له، ولا إفقاره دليلاً على بغضه؛ لأن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب. وقد أمر الله عباده بالشكر وقت النعماء وبالصبر وقت الضراء، وبين الرسول ﷺ فضيلة التخفف من الدنيا، وعدم الحرص عليها، وألا يجعلها الإنسان همه؛ لأن الله تكفل برزقه.

стр. 293

أهمية التخفف من الدنيا الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الإمام المنذري ﵀: [الترغيب في الفقر وقلة ذات اليد، وما جاء في فضل الفقراء والمساكين والمستضعفين وحبهم ومجالستهم]. عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن بين أيديكم عقبة كؤوداً لا ينجو منها إلا كل مخف) رواه البزار بإسناد حسن. وعن أم الدرداء عن أبي الدرداء ﵄ قالت: قلت له: ما لك لا تطلب ما يطلب فلان وفلان؟ قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن من ورائكم عقبة كؤوداً لا يجوزها المثقلون. فأنا أحب أن أتخفف لتلك العقبة. رواه الطبراني بإسناد صحيح. وعن أبي أسماء: أنه دخل على أبي ذر وهو بالربذة، وعنده امرأة سوداء مسغبة ليس عليها أثر المحاسن ولا الخلوق، فقال: ألا تنظرون إلى ما تأمرني هذه السويداء؟ تأمرني أن آتي العراق فإذا أتيت العراق مالوا علي بدنياهم وإن خليلي ﷺ عهد إلي أن دون جسر جهنم طريقاً ذا دحض ومزلة، وإنا إن نأتي عليه وفي أحمالنا اقتدار واضطمار أحرى أن ننجو من أن نأتي عليها ونحن مواقير. رواه أحمد، وروايته رواية الصحيح. هنا يذكر الإمام المنذري ﵀: الترغيب في الفقر وقلة ذات اليد، وما جاء في فضل الفقراء والمساكين. وكأن المعنى: أن الإنسان إذا لم يعطه الله مالاً فليحمد الله سبحانه ﵎، ولا يتنافس مع أهل الدنيا، فإن الله قسم الأرزاق، فجعل من الناس من هو غني، ومنهم من هو فقير، ومنهم من هو شريف، ومنهم من هو وضيع ضعيف، فالله يقسم في خلقه ما يريد سبحانه. فالغرض أن يرضى الإنسان بما قسمه الله له، فإذا أغناه شكر الله سبحانه، وإذا أفقره حمد الله سبحانه وشكره، وصبر على ما ابتلاه به، ولا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله. فالمؤمن إذا افتقر فهو ينظر إلى رحمة رب العالمين، ويتسلى ويتصبر بما جاء في هذه الأحاديث عن النبي صلوات الله وسلامه عليه. فإذا أغناه الله فليحذر وليخف على نفسه أن تفتنه الدنيا، وأن يمنع الحقوق عن أصحابها. فيكون في حاليه من فقر وغنى حامداً لله سبحانه، شاكراً له، صابراً في أمر الفتنة التي هو فيها، سواء فتنة الغنى أو فتنة الفقر.

стр. 294

شرح حديث أبي الدرداء في التخفف من الدنيا عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن بين أيديكم عقبة كؤوداً)، أي: أمامكم عقبة كؤوداً، أي صعبة، وحاجزة، وطريق وعر كالجبل يصعب أن تمروا عليه إلا أن تكونوا متخففين. وهذا ضرب مثل، فالإنسان الذي يسافر إذا كان الطريق الذي يسافر فيه سهلاً كأن يمشي في سهول وفي أرض منبسطة فمن السهل أن يحمل الجمل الذي يركبه، أو السيارة التي يركبها أحمالاً كثيرة؛ لأنها ستسير في الطريق السهل. وأما إذا كان طريقه صعباً وعراً في جبل، وفي صعود، فإنه يصعب عليه أن يحمل دابته أو سيارته أشياء كثيرة؛ لأنها لن تستطيع أن تتجاوز هذا الجبل، وهذه العقبة الكؤود، ولذلك فالنبي ﷺ يقول: أمامكم عقبة كؤود، حتى تتخطوا هذه الدنيا وتصلوا إلى الآخرة، فتنجوا وتدخلوا الجنة بغير حساب ولا عذاب. وهذه العقبة في الدنيا، وفي الموقف، وفي السؤال، وفي المرور على الصراط، حتى تصلوا إلى الجنة، فهناك زمن طويل، ومصاعب جمة في الطريق، والذي ينجو من هذا كله هو المتخفف. كالذي يركب سيارة فارغة ليس فيها حمولة، فإنه يجري بها، ويسير بسرعة، حتى لو صعد بها مكاناً فإنها تصعد به بسهولة. فيقول النبي ﷺ : (إن وراءكم عقبة كؤوداً لا يجوزها المثقلون). وهنا عن أم الدرداء أنها قالت لـ أبي الدرداء ﵁: ما لك لا تطلب ما يطلب فلان وفلان؟ يعني: لماذا لا تصاحب الأمير، وتذهب إلى الخليفة وتتكلم معه من أجل أن يعطيك من المال؟ فقال أبو الدرداء ﵁: إن وراءكم عقبة كؤوداً، لا يجوزها المثقلون. يعني: لو ذهبت وعملت مثل ما عمل فلان وفلان، وامتلأت بالأموال الكثيرة، فقد ثقلت نفسي بها، فيوم القيامة يسألني الله سبحانه ﵎ عن هذه الأموال جميعها، من أين جمعتها؟ وفيم أنفقتها؟ فيصير السؤال طويلاً وصعباً، والمرور على الصراط أصعب فاتركيني خفيفاً على هذه الحال أفضل من الثقل، وألا أجوز الصراط.

стр. 295

شرح حديث أبي ذر ﵁ في التخفف من الدنيا عن أبي ذر ﵁، يقول الراوي عنه وهو أبو أسماء: أنه دخل على أبي ذر وهو بالربذة. وأبو ذر ﵁ كان من أصدق الناس لهجة ﵁، وكان يشبه بالمسيح عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام. وقد كان ينصحه النبي ﷺ ويقول له: (يا أبا ذر، إني أراك ضعيفاً، فلا تقضي بين الناس، ولا تولين مال يتيم)، فينصحه النبي ﷺ : بأني أحب لك ما أحب لنفسي، فأنت ضعيف عن هذا، ولا تقدر على القضاء، ولا على تولي أموال الأيتام، فلا تفعل ذلك. وقد كان أبو ذر ﵁ صادق اللهجة، وكان شديداً في أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، ولعل صدق لهجته وشدته وحدته في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جعل الناس ينفرون منه، ويشكونه لـ عثمان رضي الله ﵎ عنه، وعثمان بن عفان ﵁ هو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وكان رفيقاً رقيقاً لطيفاً حنوناً، ﵁، فلا يحب أن أبا ذر ينفر الناس. فقال له: لو اعتزلت. يعني: طالما أنك شديد في أمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر، وإنا نختلف معك في الفتوى التي تقولها؛ لأن أبا ذر كان يرى أن من معه فائض من المال فيجب عليه أن يوزعه على الناس الفقراء والمحتاجين. وكان غيره من الصحابة لا يرون ما يرى، وهذا الذي رآه كان قد سمعه من النبي ﷺ يوماً من الأيام. ولكن بعد ذلك أخبروا عن النبي ﷺ : أن الإنسان الذي يؤدي الزكاة ثم فاض عنده مال فإن هذا ليس بكنز، فإذا أدي زكاته فليس بكنز. ولم يسمع أبو ذر ذلك، فظل مصراً على ما كان في الماضي، من أن الإنسان إذا ادخر مالاً فحتى ولو أدى الزكاة منه فهو كنز، ولا بد أن يخرجه قبل أن يحاسب عليه يوم القيامة. فقال له عثمان: أنت مخالف لنا في ذلك فلو اعتزلتنا، فبدلاً من أن تفتي أنت بشيء ونحن بخلافه فيحصل خلاف بين الناس، ونفرق الناس فأولى لك أن تعتزل. وفعلاً اعتزل أبو ذر ﵁، وذهب إلى الربذة، واعتزل هنالك، رضي الله ﵎ عنه. وكانت معه امرأته، وهي كما جاء في هذا الأثر أنها كانت امرأة سوداء مسغبة، كأنها ليست جميلة، يعني: امرأة سوداء ليس عليها أثر المحاسن ولا الخلوق. يقول أبو أسماء: قال أبو ذر: ألا تنظرون ما تأمرني به هذه السويداء؟ يعني: امرأته؛ لأن زوجته تطلب منه أن يخرج إلى الخليفة، ويرجع من عنده بمال، فيقول: تأمرني أن آتي العراق، فإذا أتيت العراق مالوا علي بدنياهم؛ لأنها أرض فيها خير كثير، وفيها أموال كثيرة، وسيقولون: هذا صحابي من أصحاب النبي ﷺ ، فيغدقون علي من أموالهم. فقال: إذا أتيت العراق مالوا علي بدنياهم، وإن خليلي ﷺ عهد إلي أن دون جسر جهنم طريقاً ذا دحض ومزلة. أي: إن جسر جهنم عندما تعبره فهو طريق طويل، وقد جاء عن النبي ﷺ في الصراط: (أنه أحد من الموسى، وأدق من الشعرة، وأنه فوق ظهر جهنم، ويؤمر الخلق أن يمروا فوق هذا الجسر، وعن يمينه وشماله خطاطيف تخطف الناس، وتوقعهم في النار) والعياذ بالله، وهذا الجسر لا يجوزه إلا المتخففون، الذين لم يأخذوا من الدنيا شيئاً، والذين لم يذنبوا، ولم يقعوا في المعاصي وفي الذنوب، فيمرون كطرف العين، أو كالبرق فوق هذا الجسر، أو فوق هذا الصراط. يقول أبو ذر ﵁: وإنا إن نأتي عليه وفي أحمالنا اقتدار واضطمار أحرى أن ننجو من أن نأتي عليه ونحن مواقير. أي: إذا مررنا على الجسر وفي أحمالنا اقتدار، وهي: من قدر عليه رزقه، أي: خفف، فيقول: إذا كانت أحمالنا خفيفة فيها اقتدار، وفيها قلة، وفيها اضطمار، من الفرس المضمر الذي من كثرة العدو والجري يخف وزنه، فيقصد أن أحمالنا تكون خفيفة فيسهل علينا المرور على هذا الجسر. وقوله: (أحرى أن ننجو من أن نأتي عليه ونحن مواقير)، أي: موقرون أثقالاً، وآخذين أحمالاً وأثقالاً، فمن الصعب أن نجوزه.

стр. 296

حماية الله لعبده المؤمن من الدنيا عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن الله ليحمي عبده المؤمن الدنيا وهو يحبه، كما تحمون مريضكم الطعام والشراب). قد يكون الإنسان المؤمن طالباً للمال وللدنيا، فيكدح ويتعب، ورزقه قليل، وقد يظن في نفسه أنه محروم، والنبي ﷺ يقول: (إن الله يحمي) بمعنى: يمنع والحمية: الامتناع، أي: يمنع عبده المؤمن من الدنيا. والله أعلم أن هذا العبد لو نال هذا المال فلعله يشقى، ويصير تعيساً في الدنيا والآخرة، ولعله يفتن به، فإذا بالله لحبه له يحرمه من هذا المال، فلا يناله، فلعله يحزن إن فاته، ويؤجر على حزنه، ويؤجر على همه وحزنه، ويوم القيامة يجد الطريق إلى الجنة مفتوحاً له، ولو أنه أخذ هذا المال فلعل طريق الجنة يغلق عنه فلا يدخلها، فيقول النبي ﷺ : (إن الله ليحمي عبده المؤمن الدنيا وهو يحبه كما تحمون مريضكم الطعام والشراب). أي: عندما يكون لك مريض، والأطباء منعوه من أن يأكل كذا وكذا فإنك لا تعطيه هذا الطعام، ليس لكونك تبغضه، وإنما لكونك تحبه، وتخاف عليه من أن يزداد عليه المرض، ولله المثل الأعلى، فإنه يحمي عبده الدنيا، ويمنعه من الدنيا، وهو يحبه، ولو أعطاه الدنيا لأفسدته، فيحميه ويمنعه منها ليدخر له أجره موفوراً يوم القيامة، فلذلك لا يحزن العبد المؤمن ولا يشقى بقلة المال، وإنما الشقي هو الذي حرم من معرفة رب العالمين سبحانه ﵎، والذي حرم من السعادة في الآخرة. نسأل الله أن يجعلنا من عباده السعداء عنده. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 297

شرح الترغيب والترهيب - الترغيب في الفقر وقلة ذات اليد وما جاء في فضل الفقراء والمساكين [٢] إن من حكمة الله أن جعل الناس متفاوتين في الرزق، فجعل فيهم الغني الفقير، وجعل فيهم من رزقه كفافاً، ومع أن للفقراء مزية عند الله سبحانه؛ إلا أنه لا ينبغي للعبد أن يدعو على نفسه بالفقر والفاقة، أو يتقاعس عن السعي في كسب الرزق؛ لأن العبد مطالب بذلك، وأيضاً مأجور عليه، لكن إذا قدر عليه الفقر فلا يسعه إلا الرضا والصبر، وسوف يدرك ما أعده الله له بمقابل ما حرمه من لعاعة الدنيا.

стр. 298

الفقر ليس مطلوباً لذاته وإنما الفضل في الرضا به الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الحافظ المنذري ﵀ الترغيب في الفقر: عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ أنه قال: (اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها فقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء)، رواه البخاري ومسلم. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (هل تدرون أول من يدخل الجنة من خلق الله ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: الفقراء المهاجرون الذين تسد بهم الثغور، وتتقى بهم المكاره، ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء، فيقول الله لمن يشاء من ملائكته: ائتوهم فحيوهم، فتقول الملائكة: ربنا نحن سكان سمائك، وخيرتك من خلقك، أفتأمرنا أن نأتي هؤلاء فنسلم عليهم قال: إنهم كانوا عباداً يعبدوني ولا يشركون بي شيئاً، وتسد بهم الثغور، وتتقى بهم المكاره، ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء، قال: فتأتيهم الملائكة عند ذلك، فيدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار)، رواه أحمد والبزار. هذه الأحاديث يذكرها الحافظ المنذري في كتاب التوبة والزهد، باب الترغيب في الفقر وقلة ذات اليد، وما جاء في فضل الفقراء والمساكين والمستضعفين وحبهم ومجالستهم، والمقصد من هذا الباب: أن الإنسان إذا أفقره الله فلا يبأس ولا يحزن ولا يحسد غيره ممن آتاه الله مالاً، فالمال نعمة من الله سبحانه، وقد يكون لإنسان نعمة وعلى إنسان نقمة، فيكون لإنسان يتقوى به على طاعة الله سبحانه، وعلى عمل الخير، ويكون لإنسان آخر يتقوى به على معاصي الله سبحانه ﵎. وشأن المؤمن أن يرضى بالحال الذي هو فيها، فإن أعطاه الله مالاً رضيه، وحمد الله وشكره على ما آتاه، وإن منعه من ذلك صبر ورضي وحمد الله سبحانه ﵎، ولا يتضجر، وليتسل وليتصبر بما جاء عن النبي ﷺ من أحاديث في هذا المعنى، وليس المعنى أن يطلب الإنسان من ربه الفقر فيدعو ويقول: يا رب! أفقرني، مثلاً، فقد كان النبي ﷺ يتعوذ بالله من الكفر والفقر، ولكن كان يقول: (اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً)، يعني: بقدر ما يحتاجون، وكان يقول: (اللهم أحيني مسكيناً، وأمتني مسكيناً، واحشرني في زمرة المساكين)، صلوات الله وسلامه عليه، فكان يسأل الله سبحانه أن يرزقه أن يكون كالمساكين، وليس المعنى أن يكون معهم في فقرهم أو أن يكون فقيراً؛ لأنه كان يتعوذ بالله من الفقر، وإنما المعنى: أن يجعله في تواضع المساكين، إذ المسكين الذي ليس له مال يتواضع، ولذا يطلب النبي ﷺ من ربه أن يرزقه هذا الخلق، فيكون خلقه التواضع حتى لو آتاه الله كنوز الدنيا، وكذلك كان يسأل ربه سبحانه القوت، أي: أن يعطيه بقدر ما يحتاج، فهو لا يريد أكثر من ذلك صلوات الله وسلامه عليه، بل لو آتاه الله مثل جبل أحد ذهباً! لما بقي في بيته منه شيء إلا وهو ينفق هكذا وهكذا وهكذا، إلا شيئاً يبقيه لدين صلوات الله وسلامه عليه. فغاية ما تدل عليه هذه الأحاديث: أن الإنسان إذا أفقره الله ولم يعطه مالاً فعليه أن يصبر على ذلك، بعد أن يأخذ بالأسباب في طلب الرزق وفي طلب المعاش، ويرضى بقضائه وقدره، ويتصبر بمثل ما جاء عن النبي ﷺ من قوله: (اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء)، وإذا كان الفقراء هم الأكثرين في الجنة، فالإنسان المؤمن يحب أن يكون معهم، والفقراء أيضاً أول من يدخلون الجنة، ولذا فالمؤمن يحب أن يدخل الجنة مع هؤلاء الفقراء، وهؤلاء المساكين. قال: (واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء)، وإنما كانت النساء أكثر أهل النار؛ لكون النساء أشد فتنة وجدت على الأرض، فهن فتنة لأنفسهن، وفتنة لغيرهن، إلا من رحم الله سبحانه ﵎، كما أن المرأة قليلة الصبر، كثيرة الشكوى والضجر، لا تخلو من البلاء، والإنسان يحتاج إلى طاعة ربه ولعلها تصرفه عن ذلك بكثرة شكواها، وكثرة طلبها، ويستثنى من ذلك المرأة الصالحة التي تعين زوجها وتعين أهلها على طاعة الله، وعلى تقوى الله سبحانه ﵎. وجاء في الحديث: (أن النبي ﷺ ذكر أن النساء أكثر أهل النار، فلما سألنه ولم؟ قال: يكثرن اللعن ويكفرن العشير)، فقوله: يكثرن اللعن، أي: يتسرعن في اللعن، فتشتم وتسب وتدعو على غيرها باللعنة كل ذلك في عجلة وعدم تؤدة، وهذه الدعوة دعوة سيئة، أي: الدعوة على إنسان باللعنة، كأن يقول: لعنك الله، إذ اللعنة يضيق عليها الفضاء كله بما رحب، وتضيق عنها السماوات والأرض، ولا يقبل أحد في السماوات ولا في الأرض هذه اللعنة، فإنها إن تصعد إلى السماء لا تجد مكاناً، وإن تنزل إلى الأرض لا تجد مكاناً، إلا اللاعن أو ذاك الملعون، فإذا كان المشتوم الملعون يستحق اللعن نزلت عليه، فطرد من رحمة الله وإن كان لا يستحقها رجعت إلى قائلها، فكأنه دعا على نفسه بالطرد من رحمة رب العالمين سبحانه. وإذا كانت المرأة تكثر من اللعن؛ فكأنه بكثرة لعنها لغيرها، قد تلعن من لا يستحق هذه اللعنة، فتحور عليها لعنتها، وتستحق جزاءها. قوله: (يكفرن العشير) يؤيده ما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (إن المرأة لو أحسن إليها بعلها الدهر كله، ثم رأت منه شيئاً، قالت: ما أخذت منك شيئاً، ما رأيت منك شيئاً)، فهي تنكر ما أعطاها زوجها الدهر كله، فاستحقت بكفران العشير أن تدخل النار.

стр. 299

أول من يدخل الجنة روى الإمام أحمد والبزار من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن رسول الله ﷺ قال: (هل تدرون أول من يدخل الجنة من خلق الله ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم -أما نحن فلا نعلم- فقال ﷺ : الفقراء المهاجرون الذين تسد بهم الثغور ووتتقى بهم المكاره)، فالفقير الذي هاجر إلى الله ورسوله إذا أمر أن يخرج للجهاد خرج، وإذا أمر أن يسافر للمكان الفلاني سافر، وإذا قيل له: اسكت عن كذا، يسكت، فهو فقير ليس من ذوي الرأي، ولا من كبار القوم الذين يأمرون، بل هو من صغار القوم الذين يُؤَمرون، سواء في حياة النبي ﷺ أو بعد ذلك، قوله: (وتتقى بهم المكاره)، أي: هم الجنود دائماً، ومعلوم أن القائد في الجيش يكون، في مؤخرة الجيش؛ يحميه الجنود، فهؤلاء تتقى بهم المكاره، ثم قال: (ويموت أحدهم حاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء)، فالفقير المسكين قد تشتهي نفسه أن يأكل أكلة معينة، أو يلبس لبساً معيناً، أو يتكلم في حاجة معينة، لكن بسبب فقره لا يسمع إليه أحد، ولا يجد ما يشتري به هذا الطعام، ولا هذا الشراب ولا هذا اللباس، قال النبي ﷺ : (يموت أحدهم وحاجته في صدره)، أي: لا يستطيع أن يأتي ما نفسه فيه، وأكدها بقوله: (لا يستطيع لها قضاء، فيقول الله لمن يشاء من ملائكته: ائتوهم فحيوهم)، أي: أن الله يدخل الجنة الإنسان الذي كان في الدنيا فقيراً، مجاهداً في سبيل الله، قد عمل الصالحات، وأعطى في الدنيا كثيراً، ولم يأخذ منها إلا القليل حسب الظاهر، ولكن الحقيقة أن الله أعطاه الكثير، إذ يكفيه الإيمان الذي قلبه، والصبر الذي هو عليه ليس منه، بل هو من الله سبحانه الذي أعانه على الصبر على الدنيا، وكانت تكرمته الجنة، فإذا أدخله الله الجنة أمر الملائكة أن يأتوا إليه، وأن يسلموا عليه ويحيوه، فتقول الملائكة لربها سبحانه ﵎: (ربنا نحن سكان سمائك وخيرتك من خلقك! أفتأمرنا أن نأتي هؤلاء فنسلم عليهم؟)، والملائكة خلق من خلق الله، خلقهم من نور، وهذا شيء أعظم مما خلق منه الإنسان، فهو مخلوق من طين، وكأن الملائكة نظروا إلى أن الله كرمهم وخلقهم من نور، وجعلهم أهل سماواته سبحانه ﵎، وجعلهم خيرته، وهؤلاء عباد مخلوقون من طين، وقد أذنبوا في الدنيا، وأصابهم فيها ما أصابهم، فكيف نذهب إليهم؟ -يستفهمون من ربهم فيقول الله : (إنهم كانوا عباداً يعبدونني، ولا يشركون بي شيئاً، وتسد بهم الثغور)، يري الله الملائكة كيف كان هؤلاء على خير في هذه الدنيا، وكيف أنهم كانوا عباداً لله، يعبدون الله ولا يعبدون أحداً إلا الله سبحانه ﵎، ولا يشركون به شيئاً وتسد بهم الثغور، وفي الحديث صورة لائقة لهؤلاء في قوله: (تسد بهم) فلو أن قربة مغلقة انخرقت ثم نزل منها الماء وأخذ يخرب في الدنيا فمن سيقوم بسد هذا الخرق؟ لقد كان هؤلاء هم الذين تسد بهم هذه الثغور يعني: الشرور التي تأتي من أعداء الإسلام عن طريق الثغور، فالله جعل هؤلاء أسباباً لسد الثغور وكف الشرور، قوله: وتتقى بهم المكاره، يعني: أمة الإسلام تتقي بهؤلاء المكاره فهم في المقدمة دائماً، يدفعون ويدافعون ويموتون شهداء في سبيل الله سبحانه ﵎، أو يموتون على فرشهم قد طلبوا فضل الله ورحمته سبحانه. قوله: (ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء)، وبذلك عرفت الملائكة فضل هؤلاء، فأتتهم عند ذلك، ودخلوا عليهم من كل باب، هؤلاء في الجنة في قصورهم، في أماكنهم ينعمون والملائكة تأتي عليهم أفواجاً من كل باب من أبواب قصورهم ومنازلهم في الجنة يحيونهم: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد:٢٤]، أي: سلام عليكم، بسبب صبركم تستحقون السلام، والأمن، وتستحقون أن تحيوا في هذا المكان فلا تموتون أبداً، فالله قال: (حيوهم)، يعني: ادعوا لهم بالتحية وبالحياة الكريمة عند الله والخلود في هذه الحياة فيدعون ويحيونهم: (سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار)، نسأل الله أن يجعلنا مع هؤلاء الأبرار. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 300

شرح الترغيب والترهيب - الترغيب في حب المساكين إذا اجتمع في الشخص إيمان مع فقر ارتفعت منزلته في الدنيا بقوة صبره وإجابة دعائه، وفي الآخرة بتشفيعه في الناس وعلو منزلته؛ لأن فقره كان سبباً لتواضعه ولين جانبه، ولذلك ينبغي حب المساكين والقرب منهم.

стр. 301

فضل المساكين والفقراء الحمد الله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الحافظ المنذري ﵀: [وعن أنس بن مالك ﵁، أن النبي ﷺ قال: (اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين يوم القيامة) رواه الترمذي. وعن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: (أتاني الليلة آت أو أتاني الليلة ربي) وذكر الحديث، إلى أن قال: (قال: يا محمد! قلت لبيك وسعديك، فقال: إذا صليت قل: اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات، وحب المساكين، وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون) رواه الترمذي وحسنه. وعن أبي ذر ﵁، قال: (أوصاني خليلي ﷺ بخصال من الخير، أوصاني ألا أنظر إلى من هو فوقي، وأنظر إلى من هو دوني، وأوصاني بحب المساكين، والدنو منهم، وأوصاني أن أصل رحمي وإن أدبرت) رواه الطبراني وابن حبان في صحيحه]. هذه الأحاديث في كتاب التوبة والزهد للحافظ المنذري ﵀ من كتابه الترغيب والترهيب، وفيها الترغيب في الفقر، وأن ينبغي للإنسان إذا منعه الله من المال أن لا يحزن لذلك ولا يؤمل في الدنيا ولكن عليه أن يرضى بما هو فيه.

стр. 302

فضل المساكين والقرب منهم وهذه الأحاديث في الحديث عن الفقر وقلة ذات اليد، وما جاء في فضل الفقراء والمساكين. وذكرنا في حديث سابق أن المعنى ليس هو أن يطلب الإنسان من ربه أن يفقره، ولكن المعنى: أنه إذا أعطاه مالاً فليؤد حق الله في النعم، ويصبر لأمر الله سبحانه ولا يتضجر من ذلك، وإذا افتقر الإنسان فليعمل كما عمل النبي ﷺ في ما ورد أنه كان يتعوذ بالله من الكفر والفقر. فالأحاديث في جملتها فيها أمر للفقير بأن يصبر على ما هو فيه، وفي الحديث أيضاً مواساة للفقير، وإخبار بما له عند الله سبحانه من فضل ومنزلة، وأن على المسلم أن يحب الفقراء من المسلمين، ويعلم أن لهم فضلاً في الدنيا وفي الآخرة. ففي الدنيا هم الضعفاء، وهم أهل إجابة الدعاء. وفي الآخرة يشفعون في دخول الجنة لمن كان يعطف عليهم ويعطيهم في الدنيا، ومن كان يقربهم، فعلى المسلم أن يحب الفقراء؛ لفضلهم عند الله، ولأن الله يحبهم، ولشفاعتهم عند الله. ومن الأحاديث التي جاءت عن النبي ﷺ في الدعاء أنه كان يقول: (اللهم أحيني مسكيناً، وأمتني مسكينا، واحشرني في زمرة المساكين). والمعنى هنا: أنه لا يطلب الفقر ﷺ ، ولكنه يطلب قوتا على القدر والكفاية والحاجة. فالمسكين: هو الواجد لأقل من حاجته، وكأن النبي ﷺ يطلب ما يكون عليه المسكين، وهذا من حسن التواضع عنده ﷺ ، كأنه يقول: اجعلني مع المساكين، قريباً منهم، واجعلني معهم في الدنيا، وليس المعنى: أفقرني، بل هو كان يتعوذ بالله من الفقر. فقال: (أحيني مسكيناً) أي: مع هؤلاء، وارزقني أخلاق المساكين، من المسكنة والتواضع للخلق. وفي حديث ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ : (أتاني الليلة ربي) وفي رواية: (رأيت ربي في أحسن صورة)، في حديث طويل، وفي آخر الحديث أن الله سبحانه ﵎ أوصى النبي صلوات الله وسلامه عليه، (فقال: يا محمد! قال: قلت لبيك وسعديك، فقال: إذا صليت قل: اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون). وفي رواية أخرى: (وحب المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وتتوب علي، وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون). هذا النبي صلوات الله وسلامه عليه الذي عصمه الله سبحانه، ومع ذلك يوصيه ربه أن يدعو بهذا الدعاء، فنحن أولى أن ندعو بهذا الدعاء، أما هو فقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. إذاً: بعد كل صلاة يستحب للمسلم أن يدعو بهذا الدعاء، ويقول: اللهم إني أسألك فعل الخيرات، يعني: جميع الخيرات، كأن اللام هنا للجنس، أي: جنس الخيرات، فكل خير اجعلني أفعله وأعني عليه. وترك المنكرات، ولام المنكرات للجنس أي: جميع المنكرات، فيقول: اجعلني أترك جميع المنكرات ولا أقع فيها. (وحب المساكين): وهذا الشاهد من الحديث، وهو أنه يدعو ربه سبحانه أن يحبب إليه المساكين، فالإنسان المؤمن عندما يرزقه الله حب المساكين، يجعل في قلبه رحمة، ويجعل في خلقه التواضع، ويجعله ذليلاً على المؤمنين، عزيزاً على الكافرين، فكان يطلب حب المساكين، ليحبهم ويحبوه، فينتفع المسلم بذلك، ليكون متواضعاً، والمتواضع يرفعه الله . والمستكبر المتعالي لا بد أن يذله وأن يقصمه الله ، فليسأل المؤمن ربه حب المساكين. قال ﷺ : (وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون)، وقد علم من حاله ﷺ أن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ولكنه يريد أن يعلمنا كيف ندعو عقب الصلاة.

стр. 303

النظر في الدنيا إلى من هو أقل غنى وقد جاء عنه ﷺ في حديث رواه الطبراني وابن حبان، من حديث أبي ذر ﵁، وفيه: (أوصاني خليلي ﷺ بخصال من الخير)، فهذه وصية النبي ﷺ لـ أبي ذر، وقد قال له في حديث آخر: (يا أبا ذر! إني أراك ضعيفاً فلا تولين مال يتيم، ولا تقضين بين اثنين)، وكونه يوصي أبا ذر فيه دليل على أنه يحبه. وقد قال رسول الله في فضله: (ما أظلت الخضراء، ولا أقلت الغبراء، من ذي لهجة أصدق من أبي ذر)، والخضراء: السماء، وأقلت أي: حملت. وقد كان أبو ذر يُشبَّه بين الصحابة بالمسيح عيسى بن مريم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. قال أبو ذر: (أوصاني خليلي ﷺ بخصال من الخير، أوصاني: ألا أنظر إلى من هو فوقي، وأن أنظر إلى من هو دوني). فوصية النبي ﷺ أن لا تنظر إلى من هو أعلى منك، ولكن انظر إلى من هو دونك، فإذا كنت على درجة معينة من الغنى فلتنظر إلى من هو دونك؛ لأنك لو نظرت إلى من فوقك من أصحاب فضول الأموال وغير ذلك، فسترى ما أنت فيه قليلا، فتحتقر النعمة التي أنت فيها. وكذلك كثير من الناس تقول له: احمد الله، فيقول لك: على ماذا؟! ولا حول ولا قوة إلا بالله؛ لأنه ينظر إلى من هو فوقه، ونسي أن الله أعطاه صحة، وأن الله سبحانه أطعمه وسقاه، وأن الله كفاه وآواه، وأن الله رزقه وكساه، ينسى هذا كله؛ لأنه ينظر إلى من هو أعلى منه، فيقول: عند الناس أكثر مما عندي، وفلان لديه مائتا ألف، فلان لديه مليون، ونحن لدينا ماذا؟ فإذا به يستقل نعمة الله عليه. فالنبي ﷺ يوصيه أن انظر إلى من هو دونك، ومن هو أقل منك، فإذا نظرت إلى الفقير يبيت ولا يجد ما يأكل، وأنا أبيت شبعاناً، فأنا أفضل منه والحمد الله، فالنظر إلى من هو دونك يجعلك تشكر الله . كذلك إذا نظرت إلى الإنسان المريض وأنت في صحة وعافية، فإنك ستقول: الحمد الله الذي عافني مما ابتلاه به، وفضلني عليه وعلى كثير ممن خلق من عباده تفضيلا. قال أبو ذر ﵁: وأوصاني بحب المساكين، والدنو منهم، أي: التقرب من المساكين. قال: وأن أصل رحمي وإن أدبرت، أي: أوصاني أن أصل أرحامي وإن كانوا يبتعدون عني.

стр. 304

التحذير من إغضاب فقراء المؤمنين وجاء في الحديث الآخر في أمر المساكين: (أن أبا سفيان أتى على سلمان، وصهيب، وبلال في نفر، فقالوا: والله ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها). يعني: أن هؤلاء كانوا من فقراء الصحابة، فكانوا جالسين في نفر، فمر أبو سفيان قبل إسلامه، فقالوا: والله ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها؛ لأنهم يتذكرون ما عمل فيهم أبو سفيان في يوم أحد، وقد كان هو شيخ قريش، وهو الذي يجمع على النبي ﷺ الأعداء، فقال هؤلاء الصحابة: إنه يستحق أن تقطع رقبته في يوم من الأيام، ولكن أراد الله به الرحمة فرحمه وأسلم بعد ذلك، وحسن إسلامه رضي الله ﵎ عنه. ولكنهم قالوا هذا القول لكثرة ما عانوا منه ومن أمثاله في أيام كفرهم، فـ أبو بكر الصديق الذي يطمع أن يتألف هذا الرجل وأن يدخله في دين الله سبحانه، لما سمعهم يقولون هذا الكلام قال لهؤلاء: (أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم). أي: إن أبا بكر يطمع أن يسلم أبو سفيان، فلذلك لا يحب أن يضايقه أحد بكلمة تؤذيه فينفره عن دين الله سبحانه، فقال لهؤلاء الصحابة الأفاضل: (أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم، فلما قال ذلك وأتى النبي ﷺ وأخبره بذلك، فقال النبي ﷺ : يا أبا بكر! لعلك أغضبتهم، لئن كنت أغضبتهم فقد أغضبت ربك)، أي: إن كنت أغضبت هؤلاء الفقراء المساكين الذين يحبون الله فقد أغضبت ربك، (فإذا بـ أبي بكر يهرع إليهم، فأتاهم، فقال: يا إخوتاه! هل أغضبتكم؟ فقالوا: لا، ويغفر الله لك يا أخي). فهذا أبو بكر الصديق الذي قال الله عنه: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ [التوبة:٤٠] والذي أنفق ماله كله في سبيل الله سبحانه، والذي واسى رسول الله ﷺ وهاجر معه، فصفاته عظيمة، وأفعاله وخيراته كثيرة، ويكفي أنه أول العشرة المبشرين بالجنة الذين ذكرهم النبي ﷺ ، ومع ذلك يقول له النبي ﷺ : (إن كنت أغضبت هؤلاء فقد أغضبت ربك)، وفيه بيان أن الإنسان المؤمن لا يستكبر على فقراء المؤمنين المتواضعين، ولا يتعالى عليهم ولا يؤذيهم ولا يغضبهم ولا يبتعد عنهم، بل يحبهم ويتقرب منهم؛ لعلهم ينفعونه في الدنيا بدعواتهم الطيبة، وفي الآخرة بشفاعتهم.

стр. 305

من صفات أهل الجنة أنهم ضعفاء ومن الأحاديث الدالة على فضل الفقراء والمساكين ما في الصحيحين من حديث حارثة بن وهب ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف لو أقسم على الله لأبره). وذلك لأن الإنسان عندما يكون فقيراً ضعيفاً يكون متواضعاً، ويشعر أن كل الناس أحسن منه، فيتواضع معهم، والناس ينظرون إليه على أنه ضعيف، فهو في نفسه يقول: أنا ضعيف، وهو عند الناس كذلك، وأمثال هذا هم أكثر أهل الجنة. وقوله: (لو أقسم على الله لأبره)، أي: أن هذا الذي ينظر إليه الناس أنه ضعيف لو أقسم على الله لأبره، يعني: أنه لو دعا ربه سبحانه: يا رب! أقسمت عليك بك أن افعل لي كذا وكذا، فيفعل الله ما يطلبه هذا الإنسان الفقير. فلا تحتقر فقيراً أبدا، فإنك لا تدري لعل قوته في دعائه، وقوته في استجارته بربه سبحانه واستغاثته به. ولذلك قال النبي ﷺ للصحابة الأقوياء: (وهل تنصرون إلا بضعفائكم)، أي: أن النصر ليس بقوتكم أنتم، ولكن بدعوة هؤلاء الضعفاء وإن كنا مأمورين بإعداد القوة. إذاً: أهل الجنة هم الضعفاء من المؤمنين. أما أهل النار فقد قال ﷺ : (ألا أخبركم بأهل النار، كل عتل جواظ مستكبر). العتل: الإنسان الجافي، الذي لا يسمع النصيحة ولا يقبلها، بل يتعالى ويستكبر، تقول: اتق الله، فيقول لك: اتق الله أنت مالك ومالي، فلا يرضى ولا يستمع للنصيحة. فالنبي ﷺ بين أن كل عتل غليظ جافٍ، وقلبه قاسٍ، فهو من أهل النار. والجواظ: الضخم، إنسان ضخم، ومختال، ومتعال على الخلق، فهذا الإنسان يرى أن عنده مالاً فهو جموع منوع، يستكبر على الخلق، وينظر إليهم بازدراء، فأمثال هذا هم أهل النار، مع أنه في الدنيا طويل وعريض وسمين وثقيل، ولكنه لا يزن عند الله جناح بعوضة، فيوم القيامة ليس له أي قيمة، ويحشر هؤلاء الجبارون المستكبرون كأمثال الذر يدخلهم الله ناراً تلظى، نسأل الله العفو والعافية. وفي حديث آخر أن النبي ﷺ ذكر أهل النار وأهل الجنة، فقال لـ سراقة بن مالك بن جعشم: (يا سراقة! ألا أخبرك بأهل الجنة وأهل النار؟ قال: قلت: بلى يا رسول الله! قال: أما أهل النار: فكل جعظري جواظ مستكبر)، أي: أن أهل النار: كل جعظري، وهو الإنسان المتكبر، وكأنها ألفاظ مترادفة، وإن كان بعضها يزيد على بعض في المعنى، لكنها كلها تدل على أنهم متكبرون، فالنبي ﷺ ذكر هنا صفة وراء صفة وكلها تدل على الكبر، فقالوا: الجعظري: المتكبر الجافي، والغليظ الفظ. والجواظ هو: الإنسان الأكول الشروب الكفور الجموع المنوع، فأهل النار من صفاتهم أنهم أغنياء، وعندهم أكل وشرب، وعندهم صحة، وعندهم بدن، ولهم قوة ورياسة، ويستكبرون على الخلق، ولا يقبلون نصح الخلق، فهؤلاء هم من أهل النار. فأخبر النبي ﷺ (أن أهل الجنة هم الضعفاء المغلوبون)، لذلك يجب على المؤمن إذا صادق أحداً أن لا يترك أهل الجنة وهم الفقراء والمساكين، بل عليه أن يرحمهم ويحبهم ويتقرب منهم؛ لعلهم ينفعونه في الدنيا والآخرة. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 306

شرح الترغيب والترهيب - لا تحكم على الإنسان بظاهره لقد علمنا النبي ﷺ أن قدر الإيمان ليس بالمظاهر ولا الألوان وإنما هو بقوة الإيمان ومحبة الله ودينه، ولذا فإن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم.

стр. 307

فضل المساكين وضعة المتكبرين بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الإمام المنذري ﵀: [وعن سهل بن سعد ﵁ قال: (مر رجل على النبي ﷺ فقال لرجل عنده جالس: ما رأيك في هذا؟ فقال: رجل من أشراف الناس، هذا والله حري إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع، وإن قال أن يسمع لقوله، فسكت رسول الله ﷺ ، ثم مر رجل فقال رسول الله ﷺ : ما رأيك في هذا؟ فقال: يا رسول الله! هذا رجل من فقراء المسلمين، هذا حري إن خطب ألا ينكح، وإن شفع ألا يشفع، وإن قال ألا يسمع لقوله؛ فقال رسول الله ﷺ : هذا خير من ملء الأرض من مثل هذا). وعن أبي ذر ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : (انظر أرفع رجل في المسجد، فنظرت فإذا رجل عليه حلة، قلت: هذا، قال لي: انظر أوضع رجل في المسجد، قال: فنظرت فإذا رجل عليه أخلاق، قال: قلت: هذا، قال: فقال رسول الله ﷺ : لهذا عند الله خير يوم القيامة من ملء الأرض مثل هذا). وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ابغوني في ضعفائكم؛ فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم)].

стр. 308

شرح حديث: (هذا خير من ملء الأرض من مثل هذا) هذه أحاديث من كتاب التوبة والزهد من كتاب الترغيب والترهيب للإمام المنذري ﵀، يرشد النبي ﷺ فيها أنك لا تحكم على أحد بظاهره، فإذا نظرت إلى إنسان في ثيابه وحلته وفي شارته وزينته، فلا تغتر بهذه المظاهر التي هو عليها، وإذا نظرت إلى إنسان في فقره وضعفه، وأنه ليس عليه ثياب حسنة، فلا تنظر إلى ذلك فتحكم عليه بمجرد الظاهر، بخلاف الإسلام، ففي الإسلام لا نحكم إلا بالظاهر، هذا الإنسان يصلي إذاً نحكم عليه أنه مسلم، ومن رأيناه يفعل أفعال وشعائر الإسلام فالأصل أنه مسلم. إذاً: هنا نحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر، لكن مسألة احترام الشخص وتعظيمه بالمظهر الذي هو عليه، ففي هذه الأحاديث علم النبي ﷺ الصحابة ألا يحكموا على الشخص لمجرد ظاهره أنه حسن أو سيئ. ففي حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: (مر رجل على النبي ﷺ فقال لرجل عنده) والمقصود: تعليم الناس، وبيان أن هناك أشياء هم ينظرون إليها نظرة خاطئة، وليست هذه النظرة صحيحة، فمر الرجل وهو في منظر حسن لابس لبساً جميلاً، فسأل النبي رجلاً بجواره، ما رأيك في هذا؟ فقال: هذا رجل من أشراف الناس هذا والله حري إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع، وإن قال أن يسمع لقوله. يعني: هذا رجل كبير في القوم، فلو ذهب ليخطب فكل الناس يريدون أن يزوجوه، ولو تكلم مع أحد فكل الناس يسمعون له عندما يتكلم، وإن ذهب ليشفع لأحد فكل الناس يقبلون منه شفاعته، وهذه نظرة الغالبية العظمى من الناس، فينظرون إلى الإنسان بظاهره فيرونه منفوخاً ويمشي وهو لابس بدلة جميلة، فهذا رجل كبير ابعد عنه وليس لك دعوة به، ولعله يكون من أوضع الخلق عند الله . وكان العرب يقولون عن الإنسان الذي هو على هذه الحال: (لابس ثوبي زور)، يعني: أنه متجمل على لا شيء، أي: لا يوجد داخله شيء، ومع قولهم ذلك فقد كانوا ينظرون إلى الإنسان على أنه حسن أو سيئ بمجرد المظهر. فسكت رسول الله ﷺ : (ثم مر رجل آخر، فقال رسول الله ﷺ للذي بجواره: ما رأيك في هذا؟) الأول كان رجلاً كبيراً، وهذا رجل شكله وضيع فقير، فقال الرجل الذي بجوار النبي ﷺ : (يا رسول الله! هذا رجل من فقراء المسلمين، هذا حري إن خطب ألا ينكح، وإن شفع ألا يشفع، وإن قال: ألا يسمع لقوله) هذا لا يستوي مع الأول في المنظر والظاهر، فغير له النبي ﷺ هذا المفهوم فقال: (هذا خير من ملء الأرض من مثل هذا). فقالها النبي ﷺ مرة في حديث سهل بن سعد، ومرة أخرى قالها لـ أبي ذر ﵁. فقال: (يا أبا ذر! أترى كثرة المال هو الغنى؟) إن الإنسان الغني معه أموال كثيرة، (قال: نعم)، الصحابة كانوا أهل صدق ﵃، فقال النبي ﷺ : (فترى قلة المال هو الفقر؟) يعني: أنتم نظرتكم هكذا قال: (نعم يا رسول الله) فغير له النبي ﷺ هذا المفهوم، وأخبر أن الأمر ليس كذلك، فقال: (إنما الغنى غنى القلب، والفقر فقر القلب). الإنسان الغني: الذي يكون الغنى في قلبه، لا ينظر إلى الناس، ولا يطمع في أموالهم، فهذا هو الغني حقيقياً، أما الذي يستشرف لأموال الناس فهو كالذي يأكل ولا يشبع فهو مفتقر يريد مالاً أكثر، فالذي يريد هذا هو الفقير، أما الذي هو مستغنٍ لا يريد شيئاً فهذا هو الغني، فوضح لهم النبي ﷺ هذا المفهوم.

стр. 309

تصحيح النبي ﷺ للمفاهيم وكما وضح في حديث آخر: (أتدرون من المفلس؟ قالوا: الذي لا درهم له ولا دينار) فأخبر أن هذا ليس هو المفلس، وإن كان حقيقة هو المفلس في الدنيا، لكن المفلس فلساً حقيقياً عند الله هو: (المفلس: هو الذي يأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال، فيأتي وقد شتم هذا، وسب هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، حتى إذا فنيت حسناته أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه، فطرح في النار) فهذا هو المفلس إفلاساً حقيقياً، لكن الذي ليس معه فلوس ماذا سيحصل له؟ في آخر الأمر سيستوي هو ومن معه مال، سينزلون في القبر سواء، وسيحاسبون في القبر، ولكن يوم القيامة هناك فرق بين من يأتي ومعه حسنات كثيرة، فيعمل خيراً ويصوم ويصلي ويزكي ويتصدق، ولكنه يشتم الناس ويقع في أعراضهم، ويسفك الدماء، ويأكل المال الحرام ولا يهتم، فيأتي يوم القيامة فتسلب عنه هذه الحسنات أمام عينيه فيصير مفلساً، بل ويأخذ من سيئات الآخرين فتوضع عليه بسبب ظلمه لهم ولا حول ولا قوة إلا بالله! ووضح النبي ﷺ في حديث آخر معنى الصرعة فقال: (إنما الصرعة الذي يملك نفسه عند الغضب) فليس المصارع البطل، وإن كان هذا يسمى صرعة، أي: أنه يصرع غيره، ولكن الصرعة حقيقة هو الذي يغلب نفسه وهواه وشيطانه عند الغضب، فيمسك نفسه عند الغضب، ويتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ويكظم غيظه وغضبه ابتغاء وجه الله سبحانه. وقال ﷺ : (أتدرون من الرقوب؟ قالوا: الرقوب: المرأة التي لم تنجب، فقال: لا، الرقوب: التي لم تقدم ولداً) يعني: التي لم يمت لها ولد صغير، فالتي مات لها ولد صغير لها أجر عظيم جداً عند الله ، فإن المفاهيم عند الناس لها معنى، وفي الشريعة لها معنى أكبر من هذا الذي ينظر إليه الناس. وحديث أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ سأله في الحديث نفسه فقال: (إنما الغنى غنى القلب، والفقر فقر القلب، ثم سألني عن رجل من قريش فقال: أتعرف فلاناً من قريش؟ قال: قلت: نعم يا رسول الله، قال: فكيف تراه؟ قال: قلت: إذا سأل أعطي، وإذا حضر أدخل، فقال: ثم سألني عن رجل من أهل الصفة: أتعرف فلاناً؟ فقال: قلت: لا والله ما أعرفه يا رسول الله! قال: فما زال يحليه وينعته حتى عرفته) يعني: النبي ﷺ يعرف هذا الإنسان الفقير الذي لا يعرفه الكثير، فعرفه النبي ﷺ . قال: (فما زال يحليه) يعني: يذكر أن صفته كذا ويلبس كذا ويقعد في المكان الفلاني، حتى عرفه أبو ذر، فهو رجل مجهول بين الناس، ولكن يعرفه الله، ويعرفه رسول الله ﷺ ، وتعرفه ملائكة الله (قال: قد عرفته يا رسول الله قال: فكيف تراه؟ قال: هو رجل مسكين، فقال النبي ﷺ : فهو خير من طلاع الأرض من الآخر) يعني: هذا الفقير من فقراء المساكين من أهل الصفة خير من طلاع -يعني: ملء الأرض- من مثل هذا القرشي الذي أعجبك. يقول أبو ذر ﵁: (أفلا يعطي من بعض ما يعطى الآخر؟)، إذا كان هذا عند الله له المنزلة الكبيرة هذه فلماذا لا يعطيه الله قليلاً مما أعطى الآخر من المال الكثير؟ فقال النبي ﷺ : (إذا أعطي خيراً فهو أهله) فلو أن الله أعطاه خيراً من مال وغيره فهو أهل ويستحق ذلك، (وإذا صرف عنه فقد أعطي حسنة) يعني: فإذا صرف الله عنه هذا المال وصبر على ذلك فهذا أفضل له عند الله .

стр. 310

شرح حديث: (انظر أرفع رجل في المسجد) وفي حديث آخر لـ أبي ذر أن النبي ﷺ قال: (انظر أرفع رجل في المسجد، قال: فنظرت فإذا رجل عليه حلة)، نظر إلى أحسن رجل في المسجد يلبس حلة جميلة أي: إزاراً ورداء. (فقال: قلت: هذا يا رسول الله! فقال: انظر أوضع رجل في المسجد) انظر أفقر رجل لم يملأ عينك. (قال: فنظرت فإذا رجل عليه أخلاق)، أخلاق أي: خروق، (قال: قلت هذا)، فهذا أوضع واحد. (قال: فقال رسول ﷺ : لهذا عند الله خير يوم القيامة من ملء الأرض مثل هذا).

стр. 311

شرح حديث: (إن الله لا يحب هذا وأضرابه) وعن واثلة بن الأسقع ﵁ قال: (كنت في أصحاب الصفة) والصفة: مكان في مؤخرة المسجد له غطاء يقعد فيه الفقراء ممن هاجروا إلى النبي ﷺ وليس لهم زوجات ولا بيوت، فهم أضياف رسول الله ﷺ ، فهؤلاء كان منهم واثلة، يقول: (كنت في أصحاب الصفة، ولقد رأيتنا وما منا إنسان عليه ثوب تام)، أي: لا يوجد شخص يلبس ثوباً كاملاً. يقول: (وقد أخذ العرق في جلودنا طريقاً من الغبار والوسخ) فالمدينة كانت حارة، وهم لا يجدون ماءً يستحمون به ويتجملون، قال: (إذ خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: ليبشر فقراء المهاجرين)، أي: أبشروا يا فقراء المهاجرين، قال: (إذ أقبل رجل عليه شارة حسنة)، أي: جاء شخص من الناحية الأخرى متجملاً بأحسن الثياب، قال: (فجعل النبي ﷺ لا يتكلم بكلام إلا كلفته نفسه أن يأتي بكلام يعلو كلام النبي ﷺ فهو إنسان سافل حقير، النبي ﷺ يتكلم وهو يقوم يتكلم ويريد بهذا أن يقول كلاماً أحسن من كلام النبي ﷺ ، فهو يتكلف الفصاحة! إذاً: لا تحكم على الإنسان بظاهره، فهذا الذي أتى وهو لابس حلة وعليه شارة، جاء مستكبراً حتى على النبي صلوات الله وسلامه عليه، ألا لعنت الله على الظالمين! وظل النبي ﵊ يتكلم وهذا الرجل يذهب بكلام ليظهر الفصاحة وأنه أحسن كلاماً من النبي ﷺ ، فرسول الله لم يرد عليه وتركه حتى انصرف، فلما انصرف قال النبي ﷺ : (إن الله لا يحب هذا وأضرابه). فهذا بغيض عند الله سبحانه ﵎؛ لأنه معجب بنفسه، فنسي أنه أمام النبي ﷺ أفصح الخلق صلوات الله وسلامه عليه، وأتى يريد أن يتعاظم أمام النبي ﷺ ، وكأن ثيابه التي لبسها دفعته إلى الغرور، حتى إنه لا يقدر لرسول الله ﷺ قدره، يقول النبي ﷺ : (إن الله لا يحب هذا وأضرابه، يلوون ألسنتهم للناس لي البقر بلسانها المرعى) مثل البقرة عندما تأخذ الكلأ والمرعى بلسانها وتلوكه، فكذلك هذا الإنسان يريد أن يجمع بين الفصاحة بزعمه وظنه. قال ﷺ : (كذلك يلوي الله تعالى ألسنتهم ووجوههم في النار) يعني: هذا المغرور يوم القيامة يلوي الله لسانه ووجهه ويدخله نار جهنم والعياذ بالله! المقصود من جملة هذه الأحاديث: أنك لا تنظر ولا تحكم على الإنسان بملبسه وشارته، ولذلك وفد بعض الحكماء من العرب على خليفة من الخلفاء وكان لابساً جبة رثة فقيرة ليس فيها زينة ولا شيء، فالخليفة كأنه ما عبره وجعل ينظر إلى الجبة، فهذا الحكيم يتكلم والخليفة ينظر إلى الجبة، فقال: هذا الذي يكلمك وليست هذه، يعني: ليست الجبة هي التي تكلمك، وإنما لساني هو الذي يكلمك، فانظر إلى حكمة هذا الإنسان وعقله، ودعك من النظر إلى ثيابه وغناه، فإن الذي ينفع الإنسان هو ما وقر في قلبه من إيمان، نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 312

شرح الترغيب والترهيب - الترغيب في الزهد في الدنيا والترهيب من حبها والتكاثر فيها [١] حذر الإسلام من الركون إلى الدنيا، والإخلاد إليها، ومن الاغترار بها، وأمر بالمسارعة والمسابقة إلى ما عنده ، وحذر من كل ما يقطع عن ذلك من متاع الدنيا وزهرتها.

стр. 313

الترغيب في الزهد أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الحافظ المنذري في كتاب التوبة والزهد: [وعن عبد الله بن عمر ﵄ لا أعلمه إلا رفعه، قال: (صلاح أول هذه الأمة بالزهد واليقين، وهلاك آخرها بالبخل والأمل). رواه الطبراني. وروى مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله تعالى مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء). وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (الدنيا حلوة خضرة، فمن أخذها بحقها بورك له فيها، ورب متخوض فيما اشتهت نفسه، ليس له يوم القيامة إلا النار). رواه الطبراني في الكبير، ورواته ثقات. هذه الأحاديث من كتاب الترغيب والترهيب للإمام المنذري وقد ذكرها الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، في الترغيب في الزهد، وهذه الأحاديث فيها الحث للإنسان المؤمن على أن يزهد في الدنيا، حتى وإن جاءته الدنيا فهو زاهد فيها. وليس المعنى: أنه لا يجمع شيئاً أو لا يطلب منها شيئاً، ويجلس فيها فقيراً وإنما المعنى: أنه مهما جاءته الدنيا فهو لا يجعلها في قلبه، ولا يطمع في المزيد. والكثير من أهل الدنيا كلما جاءهم من الدنيا شيء طمعوا في المزيد من ذلك، سواء جاءهم من حلال أو من حرام، فلا فرق عندهم. والإنسان المؤمن زاهد في مطامع الدنيا، فإن جاءته أخذها بحقها، وأنفقها في حقها، واتقى الله في ذلك، فيبارك الله له فيما أنفق، وفيما ترك.

стр. 314

بيان أن صلاح هذه الأمة بزهدها في الدنيا عن عبد الله بن عمر ﵄ مرفوعاً إلى النبي ﷺ ، وفيه: (صلاح أول هذه الأمة بالزهد واليقين). وهذا يبين لنا فضل الصحابة ومن اتبعهم بإحسان، فصلاح هؤلاء بزهدهم في الدنيا، فهم زاهدون فيها، وغير راغبين في المزيد منها، فقد فتحت الفتوحات من بلاد قيصر وبلاد كسرى، وفتح الله لهم مشارق الأرض ومغاربها، وجاءتهم الدنيا من كل مكان، وبزهدهم فيها أعطاهم الله أكثر وأكثر. فقد أعطوا لله حقه فأعطاهم الله وفتح عليهم سبحانه. ومع أنهم جاءتهم الدنيا إلا أنها كانت في أيديهم، وكان الذي في قلوبهم هو الخوف من الله والخشية منه والزهد وعدم الطمع في هذه الدنيا. وقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ : (اثنان لا يشبعان، طالب علم وطالب دنيا). فطالب العلم لا يشبع أبداً؛ لأنه كلما ازداد علماً ازداد علماً بجهله، فازداد طلباً للعلم. وطالب الدنيا كلما أغناه الله من الدنيا استشعر الفقر إليها، وأنه محتاج أكثر وأكثر، فهما لا يشبعان. وفرق بين الاثنين كبير: فالعالم يطلب العلم يبتغي به وجه الله سبحانه، وكلما ازداد علماً ازداد رفعة، وازداد في نفسه تواضعاً. وطالب الدنيا كلما ازداد غنىً ازداد في نفسه فقراً وافتقاراً إلى الدنيا، وازداد شعوراً بأن هذا يزول منه، فيريد أن يتمكن منه، فهو يحرس الدنيا، وأما صاحب العلم فعلمه يحرسه، فالفرق كبير بين الاثنين. فلذلك المؤمن يكون طالباً للعلم، وطالباً للآخرة، وزاهداً في الدنيا، وستأتيه الدنيا راغمة، كما أخبرنا النبي ﷺ . فصلاح أمر هذه الأمة كان بالزهد واليقين، أي: بالزهد في الدنيا، واليقين فيما عند الله سبحانه. بأن يكون الإنسان زاهداً، وفي قلبه يقين بأن ما كتب له لا بد أن يأتيه، وأنه لن تفلت منه الدنيا التي كتبها الله له. ولذلك فهو لا يحسد الناس؛ لأن الشيء الذي آتاه الله لغيره لو أراد أن يأتيه إياه لآتاه، فهو على يقين بأن الله لو أراد أن يعطيه هذا الشيء لأعطاه إياه، فلا ينظر إلى غيره نظرة حسد، ولا يتخط لأن الله أعطى هذا الشيء لغيره، ولم يؤته هو؛ لأنه واثق بأن الله لن يؤتيه إلا الخير، ولا يمنع عنه إلا الضير. فكان صلاح الأوائل بسبب زهدهم ويقينهم.

стр. 315

بيان أن البخل والأمل سببان لهلاك هذه الأمة وهلاك آخر هذه الأمة بالبخل والأمل: فإذا أعطى الله أحدهم من الدنيا تجده يبخل، ولا يخرج منها شيئاً، وتجد بعض الناس معه الأموال الكثيرة، ويقول: إنه طول عمره لم يخرج زكاة ماله، ولا يعرف ما هي زكاة المال! وهذا عجيب، أن يكون عمر الإنسان ستين أو سبعين سنة ويقول إنه طوال عمره لم يخرج زكاة ماله. فأين ذهب عمره؟ وأن ذهبت السبعون السنة، وهو لم يسمع عن زكاة المال؟ ولم يخرج زكاة المال مرة من المرات. ألم يسمع قول الله : ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣]؟ ولكن الإنسان يبخل، فيعاقبه الله بالغفلة، فيسمع هذه الآية ولا ينبته لمعناها، ولا يتذكر بها، إلا أن يشاء الله له يوماً من الأيام ذلك. فهلاك آخر هذه الأمة بالبخل، ففي أيديهم المال ويبخلون عن الحقوق، فلا يعطون لأهلهم حقهم، ولا يعطون الفقراء حقوقهم وحظهم، ولا يعطون أولادهم حقوقهم، ولا ينفقون على أحد فهم بخلاء. وكذلك عندهم الأمل فيطمعون في المزيد، ويؤملون أن يعشوا، ويقولون: سننفق فيما بعد، فلا يعيشون ولا ينفقون وإنما يموتون ويأخذ ما لهم غيرهم.

стр. 316

التحذير من الاغترار بالدنيا وروى مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁، وروى مثله الطبراني عن عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ قال: (إن الدنيا حلوة خضرة). أي: مثل البقل الذي ينبت من الأرض، وتأكله البقر والإبل والغنم. فإن طعمه حلو، ولو تركت المواشي تأكل منه ما أرادت؛ لأتخمت ثم تموت. ولكن الله جعل آكلة الخضر من المواشي مثل البقرة تأكل ما يكفيها، ثم تركن إلى الشمس، فتجتر هذا الذي أكلته، ثم ثلطت وبالت وأخرجت. وأما الإنسان فلا يعمل هذا الشيء، وإنما يجمع الدنيا ويخزنها إلى أن تتخمه وتهلكه، قال ﷺ : (وإن الله تعالى مستخلفكم فيها)، يعني: جاعلاً بعضكم يخلف بعضاً فيها، فإذا مت جاء عيالك بعدك يخلفونك، ويأتي غيرك ليأخذ مكانك، فلا أحد يعيش فيها أبداً. فإن الإنسان يصل إلى أعلى شيء ثم يموت، ويأتي غيره مكانه، ولا تدوم الدنيا لأحد أبداً. ولذلك السعيد من وعظ بغيره، والشقي من شقي في بطن أمه. قال ﷺ : (وإن الله تعالى مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعلمون؟ فاتقوا الدنيا)، أي: اجعلوا بينكم وبين هذه الدنيا وقاية، وعين بصيرة من ذكر لله سبحانه، ومن مواعظ تسمعونها وتعملون بها. قال: (واتقوا النساء) أي: احذروا من النظر إلى النساء، واحذروا من أن تتبعوا الهوى، فتغووا في النهاية وتضيعوا. قال ﷺ : (فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء).

стр. 317

بيان أن الأخذ من الدنيا سبب لنقصان الدرجات في الآخرة وعن عبد الله بن عمر ﵄ رواه ابن أبي الدنيا قال النبي ﷺ : (لا يصيب عبد من الدنيا شيئاً إلا نقص من درجاته عند الله، وإن كان عليه كريمة). والدرجات في الآخرة درجات عالية جداً، فمهما أخذ الإنسان من الدنيا، وطمع فيها، وقد يكون هذا الإنسان كريماً عند الله ، ولكنه لا يصل إلى الدرجات العلا لأخذه من الدنيا ومن حطامها؛ ولذلك المؤمن يأخذ ما يكفيه، وإن جاءته الدنيا أنفق لله بقدر ما وسع عليه؛ حتى يزاحم في الآخرة مع أهل الدرجات. وعن أبي عسيب ﵁ قال: (خرج رسول الله ﷺ ليلة فمر بي، فدعاني فخرجت إليه، ثم مر بـ أبي بكر ﵀ فدعاه فخرج إليه، ثم مر بـ عمر ﵀ فدعاه فخرج إليه، فانطلقنا حتى دخل حائط لبعض الأنصار فقال لصاحب الحائط: أطعمنا، فأطعمنا بسراً، -أي: بلح البسر- بعذق فوضعه، فأكل رسول الله ﷺ وأصحابه، ثم دعا بماء بارد فشرب). وبعد أن أكل النبي ﷺ وأصحابه التمر، وشربوا الماء، ولم يكن الماء من ثلاجة، ولكنه ماء بارد من البئر، كانوا يأتون به ويضعونه في زير أو في قلة، ويبردونه في الهواء، فشرب النبي ﷺ بعد أن أكل، ثم قال لهم هذه الموعظة، قال: (لتسألن عن هذا يوم القيامة) يعني: هذا من النعيم الذي أنعم الله به عليكم. قال: فأخذ عمر ﵀ العذق فضرب به الأرض حتى تناثر البسر قبل رسول الله ﷺ ، ثم قال: (يا رسول الله! إنا لمسؤلون عن هذا يوم القيامة؟) يعني: عن هذا وهو أقل شيء، وكل الناس تجده، والمدينة مليئة بالبساتين؟ فـ عمر بن الخطاب يستغرب ويقول: هل هذا هو الذي يقول الله عنه: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر:٨]؟ وهل هذا هو الذي سنسأل عنه يوم القيامة؟ فقال النبي ﷺ : (نعم، إلا من ثلاث: خرقة لف بها الرجل عورته، أو كسرة سد بها جوعته، أو جحر يدخل فيه من الحر أو القر)، يعني: غرفة صغيرة يدخل فيها، وليس قصراً ولا فلة كبيرة ولا شقة كبيرة، فهذه يسأل عنها كلها يوم القيامة.

стр. 318

الحث على الاستعداد ليوم القيامة وعندما مر النبي ﷺ على رجل من أصحابه يبني بيته، وقف ﷺ وقال: (الأمر أعجل من هذا). فكأن النبي ﷺ يقول له: لا تطمع في الدنيا ولا تتمن أن تبني شاهقاً وعالياً، وإلا فأنت تأمل أن تعيش أكثر. وليس معناه أنه ينهاه، ولكنه يذكره أنك عندما تبني فتذكر أنك لن تعيش، ويمكن أن يعيش البيت أكثر منك، وأكثر البيوت التي تجدها وتمر عليها قد مضى أصحابها وماتوا، وبقي البيت فقط موجوداً. فعلى الإنسان أن يتذكر، ففي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص لما سأله رجل فقال: ألست من الفقراء المهاجرين؟ فقال له عبد الله: ألك امرأة تأوي إليها؟ يعني: هل أنت متزوج؟ فقال: نعم. قال: ألك مسكن تسكنه؟ قال: نعم. قال: فأنت من الأغنياء. فقال الرجل: إن عندي خادماً أيضاً. قال: فأنت من الملوك. فالذي عنده بيت وزوجة وخادم يخدمه فهو من الملوك. هذا كلام عبد الله بن عمرو بن العاص الذي قال له النبي ﷺ وهو يبني البيت: (الأمر أعجل من ذلك). فقد تعلموا من النبي ﷺ كيف يكون الزهد في الدنيا، بتربية النبي ﷺ لهم. نسأل الله عزل وجل أن يطمعنا فيما عنده من الدار الآخرة، وأن يزهدنا في الدنيا. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 319

شرح الترغيب والترهيب - الترغيب في الزهد في الدنيا والترهيب من حبها والتكاثر فيها [٢] وردت الأحاديث النبوية التي فيها التحذير من الدنيا، والترغيب في الآخرة، وأن على المرء أن يعمل العمل الذي يعود عليه بالنفع في الآخرة، فإنه هو الذي يتبعه إلى قبره.

стр. 320

تابع ما جاء في الزهد في الدنيا والاكتفاء منها بالقليل الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الحافظ المنذري ﵀: [وعن النعمان بن بشير ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: (ما من عبد ولا أمة إلا وله ثلاثة أخلاء: فخليل يقول: أنا معك فخذ ما شئت ودع ما شئت فذلك ماله، وخليل يقول: أنا معك فإذا أتيت باب الملك تركتك، فذلك خدمه وأهله، وخليل يقول: أنا معك حيث دخلت وحيث خرجت، فذلك عمله)، رواه الطبراني في الكبير بأسانيد أحدها صحيح. وعن عبد الله بن الشخير ﵁ قال: (أتيت النبي ﷺ وهو يقرأ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر:١] قال: يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك يابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت)، رواه مسلم. وعن الضحاك بن سفيان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال له: (يا ضحاك! ما طعامك؟ قال: يا رسول الله! اللحم واللبن، قال: ثم يصير إلى ماذا؟ قال: إلى ما قد علمت، قال: فإن الله تعالى ضرب ما يخرج من ابن آدم مثلاً للدنيا)، رواه أحمد].
следующие страницы →