Полный текст (337 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
شرح الترغيب والترهيب - الترغيب في الرحلة في طلب العلم
لقد رفع الله من منزلة العلماء، ورفع مكانتهم وقدرهم، فهم ورثة الأنبياء، وحراس الدين، والمبلغون الموقعون عن الله في خلقه؛ فلهذا كان لهم أجر المجاهد في سبيل الله، وأجر الحاج الذاهب إلى بيت الله، ويستغفر لهم كل مخلوق على وجه الأرض، وحق لهم ذلك فلقد ورثوا هذا الدين، وبلغوه إلى الخلق أجمعين، وميزوا فيه الصحيح من السقيم.
стр. 2
فضل طلب العلم
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الحافظ المنذري ﵀: [الترغيب في الرحلة في طلب العلم: عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة) رواه مسلم.
وعن زر بن حبيش ﵁ قال: (أتيت صفوان بن عسال المرادي ﵁ قال: ما جاء بك؟ قلت: أنبط العلم، قال: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما من خارج من بيته في طلب العلم إلا وضعت له الملائكة أجنحتها رضاً بما يصنع) رواه الترمذي.
وروى الطبراني في كتابه عن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: (من غدا إلى المسجد لا يريد إلا أن يتعلم خيراً أو يعلمه كان له كأجر حاج تاماً حجته)].
فهذه أحاديث من كتاب الترغيب والترهيب للإمام الحافظ المنذري في الترغيب في الرحلة إلى طلب العلم.
فالإنسان المسلم يرحل ويسافر ليبحث عن العلم حتى يعلم ما يريد الله منه، والمؤمن ينشر العلم بإخلاص ويبتغي به وجه الله سبحانه، ويبتغي الثواب على ذلك.
من الأحاديث ما جاء عن النبي ﷺ : (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة).
فالجزاء من جنس العمل، فإذا كنت تسعى ذاهباً إلى بيت الله ، لعلك تذهب في طريق صعب أو طويل تذهب في ليل تذهب في نهار في أرض سهلة في أرض وعرة تلتمس طلب العلم، والمقصد: العلم الشرعي أي: علم الكتاب وعلم سنة النبي ﷺ فإذا أتعبت نفسك من أجل ذلك في الدنيا سهل الله لك العلم، وسهل لك به طريقاً إلى الجنة.
عن زر بن حبيش قال: (أتيت صفوان بن عسال المرادي ﵁ قال: ما جاء بك؟ قال: قلت: أنبط العلم).
ومعنى أنبط: خرجت أبحث عن العلم الصحيح وهو علم الكتاب والسنة، فأنبط هذا العلم: أستخرجه، فقال له صفوان ﵁: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما من خارج خرج من بيته في طلب العلم إلا وضعت له الملائكة أجنحتها رضاً بما صنع)، فطالب العلم وهو يسير في الطريق بدلاً من أن يفرشوا له سجاداً فإن الملائكة تشرفه بأن تفرش له أجنحتها، ولم يذكر العالم فقط، لا، بل طالب العلم.
إذاً: الطلبة والعلماء وكل من يطلب العلم الشرعي يسير في طريق الملائكة، فتفرش له أجنحتها في هذا الطريق، تواضعاً له.
من الأحاديث: حديث أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (من غدا إلى المسجد لا يريد إلا أن يتعلم خيراً أو يعلمه)، (من غدا إلى المسجد) فإذا جئت لتصلي فأنت في الطريق كأنك تصلي طالما أنك على وضوء، وإذا جلست في المسجد تنتظر الصلاة فأنت في صلاة، وإذا انتظرت بعد الصلاة فالملائكة تدعو لك وتستغفر لك، وإذا جئت لطلب العلم الشرعي يقول النبي ﷺ هنا: (كان له كأجر حاج تاماً حجته)، هذا ما يكون لطالب العلم ولمعلم الخير من قدر ومنزله، ومن ثواب في طلب العلم، كلما ذهب إلى بيت الله ليتعلم علماً أو ليعلمه الناس.
فالمعلم وطالب العلم يشتركان في الأجر، ويكون لهما كأجر الحاج الذي يذهب ليحج ويرجع، وهذا الأجر تاماً لا ينقص منه شيء.
كذلك جاء عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (من جاء مسجدي هذا لم يأته إلا لخير يتعلمه أو يعلمه فهو بمنزلة المجاهدين في سبيل الله) وهذه فضيلة أخرى لمن يتوجه إلى بيت الله ليتعلم العلم الشرعي أو يعلم العلم الشرعي.
فهذه أحاديث تجعل المسلمين يتنافسون في طلب العلم، وفي حفظ العلم الشرعي، وفي طلب من يتعلم العلم الشرعي من كتاب أو سنة أو فقه وغير ذلك من علوم الدين، فأخبر ﷺ في الحديث أن الذي يأتي ليتعلم الخير أو يعلم الخير بمنزلة المجاهدين في سبيل الله.
يعني: له أجر عظيم كأجر الغازي المجاهد في سبيل الله سبحانه.
فما هو أجر الذي جاء إلى المسجد لغير ذلك كمن جاء ينتظر شخصاً وليس مراده طلب علم ولا غيره؟!
الجواب
قال ﷺ : (ومن جاء لغير ذلك فهو بمنزلة الرجل ينظر إلى متاع غيره)، أي: كمن مر في الشارع نظر إلى أثاث جيد ولكنه لا ينتفع بهذا الأثاث؛ فهو ملك لغيره.
стр. 3
أجر مبلغ حديث النبي ﷺ
روى أبو داود ﵁ عن ابن مسعود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (نضر الله امرأً سمع منا شيئاً فبلغه كما سمعه، فرب مبلغ أوعى من سامع).
وفي هذا الحث على تبليغ حديث النبي ﷺ ، ولكن بقيد ذكره النبي ﷺ وهو أنه سمعه منه ﷺ ، أو ساوى من سمع من النبي ﷺ ، فالسامع من النبي ﷺ على يقين أن هذا قاله النبي ﷺ ، والذي يساويه هو من عنده الإسناد الصحيح بحيث يستيقن أن هذا قاله النبي ﷺ ، فهذا القيد الأول.
والقيد الآخر: أن تبلغه كما سمعته، ولا تزد فيه شيئاً، قال ﷺ : (فبلغه كما سمعه، فرب مبلغ أوعى من سامع)، وفي هذا يحثنا النبي ﷺ على تبليغ الحديث بألفاظه، فربما لا يكون عندك فقه، ولا تفهم في اللغة العربية تماماً، ولكنك تبلغ الحديث لإنسان يفهم اللغة العربية، وعنده فقه فيأخذ الحديث ويستنبط منه الفقه فيتعلم الناس ويتفقهون بما رويته أنت لهذا الآخر، فقال ﷺ : (نضر الله) وهذا دعاء له بالنضارة، والنضارة في وجه الإنسان نعمة وبهجة وحسن وجمال.
فعندما تنقل ما سمعت عن النبي ﷺ من أحاديث صحيحة يكون لك هذا الأجر حياً وميتاً، ولذلك قال النبي ﷺ : (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له).
فإذا بلغت العلم الشرعي فانتفع به الناس سواء في حياتك أو بعد وفاتك فإن الذي نقلته وعلمته الناس ينفعك.
стр. 4
التحذير من الكذب في حديث النبي ﷺ
لو أن إنساناً نقل عن النبي ﷺ ما لم يقل، أو فسر القرآن بغير الذي أراده الله ﵎ فهذا مصيبته مصيبة، فبقدر ما يأخذ الذي يبلغ الصحيح مما جاء عن النبي ﷺ من حسنات عظيمة، ويكون له كأجر الحاج وأجر المجاهد في سبيل الله، بقدر ما يهيئ هذا نفسه للنار؛ لأنه كذب على الله وعلى رسول الله.
يقول النبي ﷺ : (من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار).
وفي رواية أخرى عن سمرة عن النبي ﷺ : (من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين) فالذي يحدث عن النبي ﷺ بحديث علامات الكذب فيه واضحة يعد كذاباً، فعلى المسلم أن يحذر من أن يروي عن النبي ﷺ ما لم يقله؛ لأنه ﷺ قال: (إن كذباً علي ليس ككذب على أحدكم)؛ فالذي يتقول على النبي ﷺ إنما يكذب على الوحي، ويكذب على الله سبحانه ﵎؛ لأن النبي ﷺ لا ينطق عن الهوى.
والذي جعلنا نتكلم في هذا الحديث عن النبي ﷺ وجود من يوزع أوراقاً فيها حديث مكذوب على النبي ﷺ ، ونحن في غنى عن مثل هذا الكذب على النبي ﷺ ، فالناس ولله الحمد منذ عشرين سنة أو أكثر وهم يدرسون سنة النبي ﷺ ، كالكتب السنة الستة: البخاري ومسلم والنسائي وأبو داود والترمذي وابن ماجة.
وكذلك مسند الإمام أحمد.
فنحن في غنى عن الكذب على النبي ﷺ ، وهذه الورقة التي وزعت بين الأخوات فيها حديث مكذوب عليه ﷺ ، وفيه: أنه من فاتته صلوات عمره ولم يحصها فليقم في آخر جمعة من رمضان وليصل أربع ركعات بتشهد واحد، يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وسورة القدر خمس عشرة مرة، وسورة الكوثر كذلك، ويقول في النية: نويت أصلي أربع ركعات.
فهل النبي ﷺ أمر بهذا؟! وكل العلماء يقولون: إن النبي ﷺ ما قال أبداً: نويت أصلي ولا نويت أصوم، ولا أمر بذلك، إنما هذا من كلام الفقهاء، فهذا كذب على النبي ﷺ فما أمر بقراءة سورة أكثر من مرة في صلاة قط، ولا يصح هذا عنه ﷺ ، والحديث جاء فيه من الثواب: أنه يغفر له ذنوب أربعمائة سنة، وأن أبا بكر الصديق قال هذا، فقال علي بن أبي طالب معقباً عليه: لا بل ألف سنة، أي: يغفر له ذنوب ألف سنة، وهذا معناه: إلغاء الدين كله، فلو لم تصل ولم تصم فسيكفيك هذا الفعل، ويذكر في هذا الحديث المكذوب على النبي ﷺ أن رجلاً قال: إن أحدنا يعيش ستين سنة أو مائة سنة فلمن تكون الصلاة الزائدة؟ -يعني: تكفير ذنوب ألف سنة كثير ويتجاوز عمر الإنسان- قال: تكون لأبويه وزوجته ولأولاده وأقاربه وأهل البلد.
فهذا من الكذب! ولعنة الله على الكذابين! لعنة الله على الكذابين! لعنة الله على الكذابين! ولماذا توزع مثل هذه الأحاديث؟ أليس هناك كتب فيها الأذكار الصحيحة عن النبي ﷺ ، ككتاب الدعوات مثلاً، ففيه الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ .
وهناك ورقة أخرى وزعت قبل مدة فيها حديث: أن الشيطان قابل النبي ﷺ فسأله النبي ﷺ عن أمور، والشيطان أجاب على تلك الأسئلة، وهذا كله كذب على النبي ﷺ ، ولا يثبت فيه شيء ولا يصح، فاتقوا الله ، واتقوا الكذب على النبي ﷺ ، قال النبي ﷺ : (من حدث بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين).
ولا يجوز لكل من قرأ حديثاً في ورقة أو مجلة أن يلقيه على الناس حتى يتأكد من صحته عند أهل العلم.
وقد وزعت قبل أيام ماضية ورقة فيها كذبة، وهي أن خادم الحرم واسمه الشيخ أحمد رأى رؤيا فيها: أن النبي ﷺ يقول له: يا شيخ أحمد! الأمة ستهلك! -وكلام آخر غير هذا- فاكتب هذه الورقة، والذي سيصورها عشر مرات سيحصل له كذا والذي لا يصدقها ولا يوزعها سيبتليه الله بكذا.
والناس عادتهم دائماً يعيشون في أحلام وأوهام، فيقولون: إن أحدهم نسخها فحصل على ألف جنيه، وآخر مزقها فحصلت له مصيبة، فعلينا أن نكتبها حتى لا نصب بمثل هذا، فهذه أحلام وأوهام وغباء -ولا حول ولا قوة إلا بالله- سيعيش المسلمون عليها إلا أن يرحمهم الله ، وإذا ظلوا في هذا الضلال وفي هذه الخرافات سيأتي لهم الكنز من غير تعب، وهكذا يأتي أحدهم فينسخ الورقة عشر مرات أو خمسة عشر مرة لأجل أن يفتح له أبواب الرزق بالكذب على النبي صلوات الله وسلامه عليه، والورقة هذه لها أكثر من عشرين أو ثلاثين سنة وكل سنة تتجدد وتنزل للناس، والعلماء ينكرون وجود شخص بهذا الاسم، ولكن أعداء الإسلام هم الذين يصنعون ذلك لأجل يشغلوا المسلمين بذلك فيظلوا تائهين في الأحلام، وهذه عادة كثير من الناس، فأحدهم ينتظر متى سيأتيه اتصال على الهاتف يبشره بجائزة، ويقعد عن العمل والكسب، فلما صار المسلمون على ذلك ضعف دينهم، وأصبحت الأمم الكافرة في القمم وهم في الذيول والرمم ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فاتقوا الله في أحاديث النبي ﷺ ، ولا تكذبوا على الله، ولا تكذبوا على رسول الله.
نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 5
شرح الترغيب والترهيب - الترغيب في المشي إلى المساجد سيما في الظُّلَم وما جاء في فضلها
لقد رغب النبي ﷺ في المشي إلى المساجد وأخبر أن الله سبحانه يُعد لمن مشى إليها نزلاً عنده في الجنة كلما غدا إليها أو راح، كما بشر النبي ﷺ الذين يذهبون إلى المساجد في الظُّلم -خاصة- بالنور التام يوم القيامة وأخبر أن الله ضمن لمن خرج إلى المسجد أن يرزقه وأن يكفيه ما دام حياً وإن مات أن يدخله الجنة.
стр. 6
فضيلة المشي إلى المساجد
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
أما بعد: روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له في الجنة نزلاً كلما غدا أو راح).
وروى أبو داود والترمذي عن بريدة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة).
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن الله ليضيء للذين يتخللون إلى المساجد في الظلم بنور ساطع يوم القيامة).
رواه الطبراني في الأوسط بإسناد حسن.
وعن أبي أمامة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من خرج من بيته متطهراً إلى صلاة مكتوبة فأجره كأجر الحاج المحرم، ومن خرج إلى تسبيح الضحى لا ينصبه إلا إياه فأجره كأجر المعتمر، وصلاة على إثر صلاة لا لغو بينهما كتاب في عليين) رواه أبو داود.
هذه أحاديث عن النبي ﷺ يذكرها الحافظ المنذري في كتابه الترغيب والترهيب في باب: الترغيب في المشي إلى المساجد لا سيما في الظُّلم.
والمسلم إذا مشى إلى بيوت الله فإن الله يأجره على ذلك، فلا يخطو خطوة إلا ويرفع الله له بها درجة ويحط عنه بها سيئة، بعد عن المسجد أو قرب منه، وكلما ابتعدت كلما كان الأجر أعظم، وكلما كان بيتك بعيداً عن المسجد كلما كان أفضل.
وليس معنى الحديث أن الإنسان يتتبع المساجد البعيدة لهذا الفضل؛ لأنه جاء عن النبي ﷺ أنه نهى عن تتبع المساجد، ولكن يصلي الإنسان في مسجد حيه، حتى يأتلف مع أهل حيه، ويتعرف عليهم، ويكون معهم في صلاتهم، ويعود مريضهم، ويحضر جنازتهم، ويعرف أهل حاجتهم وهكذا.
لكن الذي يكون بيته بعيداً عن المسجد لا يخطو خطوة إلا كان له بها أجر ولا يخطو أخرى إلا حط الله عنه بها وزراً.
هنا يقول ﵊: (من غدا إلى المسجد أو راح) والغدو: البكور في أول النهار.
والرواح في آخر النهار، وكأن الغرض أنه في أي صلاة من الصلوات من الفجر إلى العشاء كلما ذهبت إلى المسجد ورجعت إلى بيتك أعد الله لك في الجنة نزلاً كلما غدوت أو رحت، فكلما ذهبت إلى المسجد في أول النهار أو في آخر النهار فإن الله يكافئك بنزل في الجنة، وأصل النزل: طعام الضيف، فالله يعد لك ضيافتك في الجنة كلما ذهبت إلى بيت الله .
فأنت وأنت ذاهب إلى بيت الله تعد زائراً لله ، وقد ورد عن سلمان عند الطبراني في الكبير أن النبي ﷺ قال: (من توضأ في بيته فأحسن الوضوء ثم أتى المسجد فهو زائر الله، وحق على المزور أن يكرم الزائر) أنت إذا زرت إنساناً فإنه يقدم لك الضيافة، والله من فضله جعل لك حقاً عليه وهو أن يقدم لك ضيافتك عنده في الجنة .
стр. 7
الترغيب في المشي إلى المساجد في الظلام
لقد ورد في فضل الذهاب إلى المسجد في الظلام أحاديث كثيرة منها حديث بريدة وحديث أبي هريرة وحديث أبي الدرداء وحديث سهل بن سعد الساعدي وذكر فيه: (بشر المشائين في الظلم بالنور التام يوم القيامة).
وفي رواية: (بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة).
وهذا أصل الحديث.
وفي رواية: (من مشى في ظلمة الليل إلى المسجد لقي الله بنور يوم القيامة).
وفي رواية: (يبشر المشاءون في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة).
ويوم القيام يوم فظيع وعظيم، وطويل، وإذا مرَّ الناس على الصراط فهم في ظلمة شديدة فالمؤمنون يعطيهم الله نوراً كل إنسان بحسب عمله، منهم من يسطع نوره أمامه، ومنهم من يخبو نوره ويشتعل ويخبو ويشتعل، ومنهم من ينطفئ نوره.
والذي يواظب على صلاة الجماعة وخاصة صلاة الفجر والعشاء له نور تام يوم القيامة.
قال النبي ﷺ : (بشر المشائين في الظلم) أي: الذين يمشون في الظلمات لصلاة الفجر وصلاة العشاء بأن لهم نوراً لا يخبو، ولا ينقطع يوم القيامة، بل لهم نور ساطع عظيم (بالنور التام يوم القيامة).
ونور كل إنسان لنفسه فقط يوم القيامة، أما في الدنيا فقد يمشي في الطريق ومعه مصباح يضيء فيستضيء به الذين بجواره، أما يوم القيامة فلا يكون ذلك، فمن كان عمله صالحاً أعطاه الله نوراً ومن كان غير ذلك لم يعطه ولم ينفعه نور الآخرين، ولذلك فإن المنافقين يقولون للمؤمنين: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ [الحديد:١٣] فهم غير قادرين على أن يقتبسوا من نور المؤمنين، لقد رأوا المؤمنين ولهم نورهم ولكن نور المؤمنين يضيء للمؤمنين فقط ولا يضيء للمنافقين، فلا ينتفع أحد بنور أحد يوم القيامة.
والذي يواظب على الصلاة في الجماعة خاصة صلاة الفجر والعشاء يبشره النبي ﷺ بالنور التام يوم القيامة، مع الأجر العظيم، ففي حديث أبي أمامة في سنن أبي داود: (من خرج من بيته متطهراً إلى صلاة مكتوبة فأجره كأجر الحاج المحرم) يعني: إذا كان الإنسان يصلي في اليوم خمس صلوات في بيت الله فله أجر خمس حجج على الصلوات التي يؤديها، فإذا كان في صلاة الفجر خصوصاً وجلس حتى تشرق الشمس ثم صلى الضحى فله أجر حجة وعمرة تامة تامة تامة.
ثم قال ﷺ (ومن خرج إلى تسبيح الضحى -لكي يصلي صلاة الضحى- لا ينصبه إلا إياه فأجره كأجر المعتمر، وصلاة على إثر صلاة لا لغو بينهما كتاب في عليين) أي: وصلاة بعد صلاة، يعني: إذا صليت الصبح ثم رجعت إلى بيتك وذهبت إلى عملك على شرط: أن لا تلغو، أي: أن لا تتكلم كلاماً باطلاً ولا تقع في الكذب، ولا في الزور، حتى تصلي الصلاة التي بعدها فإنه يكتب كتابك في عليين، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾ [المطففين:١٩]، ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين:٩].
وهذه المنزلة هي التي يتنافس فيها المتنافسون، وعليون من العلو وهو أعلى الجنة، وكل إنسان يتمنى أن يكتب كتابه في عليين، وفي حديث البراء بن عازب كما في المسند وفي سنن أبي داود والذي ذكر فيه: موت الإنسان وكيف تأتيه الملائكة إذا كان مؤمناً وكيف يصعدون بروحه إلى السماء حتى يرفعونه إلى السماء السابعة، وبعد ذلك يقول الله : (اكتبوا كتاب عبدي في عليين) ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾ [المطففين:١٩]، ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين:٩] أي: كتاب عظيم عند رب العالمين، فيكون مكان هذا العبد عال في جنة الفردوس.
نسأل الله أن يجعلنا من أهلها.
стр. 8
ثلاثة ضمن الله لهم الرزق والجنة
روى الإمام أبو داود حديثاً عن أبي أمامة وفيه قال: قال رسول الله ﷺ : (ثلاثة كلهم ضامن على الله -يعني: مضمون لهم ما وعدهم الله به- إن عاش رزق وكفي، وإن مات أدخله الله الجنة) وأمنية كل إنسان هي: أن يرزقه الله ويكفيه إذا عاش وأن يدخله الجنة إذا مات، قال النبي: (من دخل بيته فسلم فهو ضامن على الله) والإنسان الذي يتعود السلام على الخلق وعلى أهله يتعامل مع الناس بالأمن والأمان والطمأنينة فيكون سالم مسالم، لا يريد أن يؤذي أحداً من الناس، والسلام عنوان لذلك، وبعض الناس مع الغريب يقول: السلام عليكم، لكنه إذا دخل بيته يضرب هذا ويرفع صوته على هذا ويوقظ هذا مع أن النبي قال: (خيركم خيركم لأهله) فإذا سلمت حين تدخل البيت فأنت مأجور على ذلك، وسيرزقك الله سبحانه ويدخلك الجنة.
فالسلام مفتاح حسن الخلق، فإذا كان خلقك حسناً فأنت تستحق من الله أن يرزقك، وأن يكفيك، وأن يدخلك الجنة، فكأن السلام عنوان حسن خلق الإنسان، ومن الناس من يدخل بيته ولا يسلم! كأن يدخل إلى الأكل والشرب مباشرة، أو يقول: صباح الخير، أو مساء الخير، وينسى التسليم الذي جاءنا به القرآن وجاءت به السنة، وهو قول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ولو أنك كلما دخلت بيتك سلمت اعتاد أهل البيت ذلك وحرسته الملائكة، فكان في سلام وطمأنينة، وأمن وبركة من الله وهذا هو معنى قوله: إن الله ضامن لمن دخل بيته فسلم عليهم.
قال: (ومن خرج إلى المسجد فهو ضامن على الله) أي: إذا ذهبت إلى صلاة الجماعة وأنت مأمور بها فإن الله هنا من لك الرزق والجنة.
فلا تضيع الجماعة، ولا تصل متكاسلاً في بيتك، وتقول: عندي عمل والصلاة ستضيع علي الوقت، الصلاة لن تضيع عليك شيئاً.
أحياناً بعض الناس قد يعمل عند شخص من الأشخاص فيقول لصاحب العمل: اسمح لي أن أصلي صلاة الجماعة، وأحياناً قد يكون صاحب العمل سيء الخلق فيمنعه من الصلاة، وأحياناً يكون المصلي نفسه هو السبب في منعه من صلاة الجماعة؛ لأن صلاة الجماعة قد تأخذ من الوقت عشر دقائق، أو ربع ساعة، فيذهب يصلي في جماعة ويتأخر ساعتين فيمنعه صاحب العمل بسبب ذلك، فالعمل عليك واجب لأنك تأخذ عليه أجراً، فاعط العمل حقه، وصلاة الجماعة لها قدر معين، فالله لم يأمرك أن تصلي صلاة الجماعة ساعتين، فتصلي في المسجد ثم تتكلم مع هذا وتتحدث مع هذا، ثم بعد ذلك تأتي إلى العمل، فإذا أردت أن تصلي صلاة الجماعة فاذهب وقت صلاة الجماعة، ثم صل ركعتين، ثم ارجع إلى عملك عندئذٍ يعرف صاحب العمل أنك أمين مع الله ، وستكون أميناً على عملك.
وإذا تركت الصلاة لست مأموناً على دينك ولذلك لن تكون مأموناً على عملك، والله لا يجعل صاحب العمل في كثير من الأحيان يحب تارك الصلاة ويتمسك به.
وكثير ممن ترك الصلاة يذهب يبحث عن عمل فلا يقبله صاحب العمل أبداً، بخلاف المحافظ على الصلاة فإنهم يحبونه ويقولون عنه: إنه أمين وإنه ممتاز.
فيجب عليك أن تؤدي الأمانات إلى أصحابها، وأمانة الله الصلاة فتؤديها في وقتها، وتصليها حيث ينادى بها، وأمانة صاحب العمل إن تواظب على عملك في وقته ولا تفرط فيه، وسوف تؤجر على هذا كله.
فإذا كنت تصلي الصلوات المكتوبات في بيت الله فالله ضامن أن يرزقك ويكفيك ، وإذا مت أن يدخلك الجنة.
قال: (ومن خرج في سبيل الله فهو ضامن على الله) أي: ومن خرج مجاهداً في سبيل الله فهو ضامن على الله أن يرجعه بأجر وغنيمة أو يستشهد فيكون في أعلى عليين.
стр. 9
أحب البلاد إلى الله وأبغضها إليه
روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (أحب البلاد إلى الله تعالى مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها).
وفي المسند عن جبير بن مطعم: (أن رجلاً سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! أي البلاد أحب الله؟ وأي البلدان أبغض إلى الله؟ -والبلاد هنا بمعنى: المواطن والأماكن- فقال: لا أدري حتى أسأل جبريل، فأتاه جبريل فأخبره أن أحب البقاع إلى الله المساجد، وأبغض البقاع إلى الله الأسواق).
فلا تشبه المسجد بالسوق أبداً، فالمسجد بيت الله يجب عليك أن تحترمه وتعظمه، والسوق مكان الشيطان وفيه يرفع رايته.
ففي السوق الكذب، والغدر، والخداع، والغش، والخيانة، وأكل أموال الناس بالباطل، وفيه هيشات وصخب وضجيج، أما المسجد فلا يكون كذلك أبداً، ولذلك نهانا النبي ﷺ عن البيع والشراء في المسجد وقال لنا: (إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك، فإن المساجد لم تبن لهذا).
فالمسجد لا يشبه بالسواق أبداً، فلا ترفع فيه الأصوات، ولا تكون فيه عقود البيع والشراء والإجارة ونحوها، ولا يكون فيه أمور تؤذي المصلين، كما أن الأسواق فيها الرائحة الكريهة، والمساجد يجب أن يكون فيها الروائح الطيبة، فلا تؤذي أحداً في المسجد لا بصوت ولا بكلام ولا بضجيج، ولا ترفع صوتك إلا محتاجاً إلى ذلك، سواء كنت عالماً أو متعلماً سائلاً أو مسؤلاً، وقد ترفع صوتك بالقراءة كصلاة الجماعة مثلاً، أو في مجلس علم بشرط ألا تؤذي أحداً من المسلمين.
وبعض الإخوة يدخل المسجد وقد ضبط ساعته على وقت معين فتنبهه الساعة في المسجد وهذا تشبيه لها بالأسواق لأنه لم يحترمها، وكذلك التلفون قد يدخل به المسجد وينسى أو يتعمد بأن يتركه حتى يدخل في الصلاة، ثم يتصل به فإذا بالتلفون يشغل المصلين، والتلفونات أصبحت كلها موسيقى وأشياء تجعل الملائكة تنفر من المكان التي هي فيه؛ فلا تأت المسجد بالتلفون حتى لا تطرد الملائكة من المسجد، وحين تأتي إلى المسجد ضع تلفونك في بيتك ولا تأت به إلى المسجد وإذا جئت به فأغلقه.
وقد يقول قائل: إذا كانت نغمة التلفون موسيقى لكن على لحن الأذان؟
الجواب
الأذان لا يصلح فيه هذا أصلاً، والذي يأذن ويتغنى في الأذان واقع في الحرام فقد جاء عن ابن عمر ﵁ أنه دخل مسجداً فسمع المؤذن يتغنى في الأذان، فلما سمع المؤذن يتغنى لم يصل في المسجد الذي فيه ذلك، فلحقه المؤذن وقال: ما هذا يا أبا عبد الرحمن والله إني لأحبك في الله.
قال أبو عبد الرحمن: والله إني لأبغضك في الله.
فقال: ولم يا أبا عبد الرحمن؟ -وعبد الله بن عمر صحابي فاضل وهذا المؤذن تابعي- فقال له: لأنك تتغنى بالأذان وتأخذ عليه أجراً.
والتغني يكون في قراءة القرآن وليس في الأذان، فكأنه يقول له: تريد أن تشبه الأذان بالقرآن؟ والتغني لا يكون إلا في قراءة القرآن فقط، فقد جاء عن النبي ﷺ : (ليس منا من لم يتغن بالقرآن).
فلا تقنت في الصلاة أو تدعو في الصلاة وتغني فيه وتقول: إن الناس يعجبهم هذا، وإلا فكل إنسان سيفعل مثل ذلك حتى يشبه الكلام العادي بكتاب الله .
فالتغني فقط بالقرآن لا بالأذان ولا بالدعاء ولا بغيره.
جاء عن أحد السلف أنه دخل المسجد ثم خرج وقال: أخرجتني البدعة -قد يكون ابن عمر أو غيره- وذلك لأنه سمع المؤذن يتغنى بالأذان.
فإذا كان التغني بالأذان ممنوع منه فما بالك بالموسيقى التي على صوت الأذان، وليست بأذان أصلاً، فلا يجوز لك أن تدخل بها بيت الله ، وقد تكون معذوراً بأن تكون محتاجاً لهذا الجهاز وفيه نغمات الموسيقى، لكن ليس معنى ذلك أن تدخل به المسجد والله أعلم.
نكتفي بهذا القدر، وأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 10
شرح الترغيب والترهيب - الترغيب في لزوم المساجد والجلوس فيها
إن من الأهوال التي يلقاها أهل المحشر يوم القيامة أن يدني الله منهم الشمس حتى تكون منهم بمقدار ميل، إلا أن الله سبحانه يصطفي منهم ثلة لا يضرهم ما ضر الناس، ولا يسوؤهم ما ساءهم، منهم: رجل قلبه معلق بالمساجد، فلا يكاد يخرج منها إلا اشتاق إليها من جديد، فهو لله ومع الله، وكذلك كان الله معه، وسخر ملائكته لأجله، فيفتقدونه إذا غاب، ويعودونه إذا مرض، ويعينونه إذا احتاج.
стр. 11
حب المسجد والتعلق به صفة من صفات المؤمنين
الحمد الله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلى ظله، الإمام العادل، وشاب نشأ في عبادة الله ، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها؛ حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه).
وروى ابن أبي شيبة وابن ماجه وابن خزيمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: (ما توطن رجل المساجد للصلاة والذكر إلا تبشبش الله تعالى إليه كما يتبشبش أهل الغائب بغائبهم إذا قدم عليهم).
وفي رواية: (ما من رجل كان توطن المساجد فشغله أمر أو علة ثم عاد إلى ما كان إلا يتبشبش الله إليه، كما يتبشبش أهل الغائب بغائبهم إذا قدم).
هذه أحاديث عن النبي ﷺ ذكرها الحافظ المنذري في الترغيب في لزوم المساجد والجلوس فيها.
فالمسلم يحب بيت الله ، وفيه يصلي، وفيه يتعلم سنة النبي ﷺ وكتاب ربه سبحانه، وفيه يحضر مجالس الذكر، ويقوم لله متهجداً، وفيه يحافظ على عمله وسمعه وبصره، ويبتعد عن الملاهي والمعاصي التي تبعده عن الله .
فهو مواظب على بيت الله سبحانه، يمضي كثيراً من وقته فيه، فيكون متوطناً في بيت الله .
فهذه الأحاديث فيها الترغيب في لزوم المسجد.
فينبغي على المسلم أن يقسم وقته ما بين نومه وعمله، وعبادته لله .
فيواظب على الصلوات المكتوبات في المساجد، ويواظب على الجلوس في الأوقات المستحبة في بيت الله ، كأيام وليالي الاعتكاف مثلاً، وساعة إجابة الدعاء يوم الجمعة، وما بين الفجر إلى طلوع الشمس، وآخر وقت صلاة الضحى، وانتظار الصلوات.
وهناك أوقات خاصة لأهله، حيث لا يجلس الإنسان في المسجد ويترك أهله ويضيعهم، ففي حديث النبي ﷺ : (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول).
فالمسلم يعمل ويكتسب رزقه حتى ينفق على أهله، فإذا عمل ما عليه وبقي عنده وقت فراغ فبيت الله أولى به، فيكون حاضراً لدروس العلم فيه، ذاكراً لله ، فالاجتماع في بيت الله فيه فضل عظيم كما سيأتي في هذه الأحاديث التي جاءت عن النبي ﷺ .
стр. 12
بيان صفات الذين يظلهم الله بظل عرشه يوم القيامة
جاء في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله)، إذ يوم القيامة تدنو الشمس من الرءوس، وهو يوم طويل جداً يقدر بحسابنا كخمسين ألف سنة، فتدنو الشمس من رءوس الخلق فإذا بهم يعرقون عرقاً شديداً، ولا يوجد لهم مكان يختبئون ويحتمون فيه من الشمس، وينجون من العرق الذي يغطي أرجلهم، وقد يغطي رءوس بعضهم، فمن لم يبذل عرقه في الدنيا لله ، يبذله في هذا اليوم العظيم، نسأل الله العفو والعافية، وأن يظلنا بظله يوم لا ظل إلا ظله.
стр. 13
الإمام العادل تحت ظل العرش
يوم القيامة يظل الله سبعة من خلقه في ظله يوم لا ظل إلا ظله منهم: الإمام العادل، أي: الحاكم العادل الذي يحكم بشرع الله ، فيحكم بكتاب الله وسنة النبي ﷺ ، ويسير على هدي النبي ﷺ ، كما كان أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان وعلي ﵃، وغيرهم ممن اتبع هدي النبي ﷺ وسار على منهجه صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 14
الشاب التقي تحت ظل العرش
الثاني: شاب نشأ في عبادة الله ، يعني: منذ طفولته وهو يعبد الله فشب على ذلك، ولذلك فإن النبي ﷺ يحفزنا أن نربي أولادنا على طاعة الله وحسن عبادته فيقول: (مروا أولادكم بالصلاة لسبع) فإذا أصبح الطفل يفهم ويميز الخطأ من الصواب، الطيب من الخبيث فعلينا أن نعلمه كيف يصلي، وكيف يتوضأ، فإذا نشأ وشب وبلغ كان قد تعلم كيف يصلي وكيف يخاف من الله رب العالمين، فلا يزال على الخير، عابداً لربه سبحانه، خائفاً منه ؛ لأنه نشأ على حب الحلال، وعلى الخوف من الحرام، وعلى مراقبة الله ، وعلى طاعة الله وعبادته، فهذا يظله الله يوم القيامة في ظله يوم لا ظل إلا ظله.
يقول الله تعالى مخاطباً عباده: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦]، فالمسلم يقي نفسه وأولاده وأهله هذه النار يوم القيامة، ويقيهم حر الشمس في ذلك اليوم الطويل العظيم، فينشئ أولاده على الفضيلة وعلى طاعة الله ، وينشئ بناته على حب الله ، وعلى الحجاب الشرعي، وعلى طاعة الله سبحانه.
فاحرص على تربية أولادك وبناتك على طاعة الله ، وعلى الالتزام بدين الله وحفظ كتابه وسنة نبيه صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 15
أهل المساجد تحت ظل العرش
الثالث: قال ﷺ : (ورجل قلبه معلق في المساجد) والإنسان المؤمن يحب بيته، ويحب بيت الله أكثر من حبه لبيته، ففي بيت الله الثواب والأجر، وهو المكان الذي تحفه الملائكة، وتدعو له فيه، وهو المكان الذي يزور فيه ربه سبحانه، وحق على المزور، -وهو الله أن يكرم زائره - وهو هذا الإنسان المصلي - فهو يأتي إلى بيت الله ليقبل على الله وهو محب لبيت الله ، وإذا ذهب إلى عمله فعقله يفكر في الصلاة القادمة وفي وقت ذهابه إلى بيت الله ، ولذلك فهو يستريح في صلاته، وليس من الممكن أن يصل حب أحد لبيت الله إلى حب النبي ﷺ ، ولكن يتمثل ويتشبه بالنبي ﷺ ويأتسي ويقتدي به، فقد كان النبي ﷺ يقول عن الصلاة: (أرحنا بها يا بلال)، وكان إذا أهمه شيء وضاق صدره بشيء قال لـ بلال: (أرحنا بها) فينادي بالصلاة ليستريح بها، ولذلك يقول النبي ﵌: (جعلت قرة عيني في الصلاة)، فقرة العين وطمأنينة القلب وراحة البدن في الصلاة لله ، مع أن الصلاة بالنسبة للنبي ﷺ متعبة جداً له، فقد كان يقوم الليل حتى تتورم قدماه، ولكنه يستشعر حلاوة الطاعة التي تنسيه تورم القدمين وتجعله يواظب على ذلك، صلوات وسلامه عليه.
وقوله: (رجل قلبه معلق بالمسجد)، جاء في رواية أخرى: (إذا خرج منه حتى يعود إليه) أي: إذا خرج من المسجد ظل قلبه معلق بالمسجد، حتى يرجع إليه في الصلاة التالية.
стр. 16
الحب في الله سبب للاستظلال بظل العرش
الرابع: قال ﵌: (ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه)، فهذان رجلان كل همهما أن يجتمعا على طاعة الله ، فقد تحابا لا لدنيا، ولا لمنصب، ولا لفائدة -يستفيدها أحدهما من الآخر، فإذا حصل عليهما ترك صاحبه- بل حب أحدهما أخاه؛ لأنه مطيع لله، والآخر أحبه لذلك، فاجتماعهما كان على ذلك، وسواء اجتمعا فتكلما أو لم يتكلما، فهما متحابان في الله، ولعلهما يأتيان إلى المسجد فيصليان ويسلم أحدهما على الآخر ثم ينصرفان، ولكن في قلب كل منهما حب صاحبه على هذه الطاعة في الله ، فاجتماعهما على طاعة الله سبحانه، فإذا تفرقا تفرقا على طاعة الله .
стр. 17
العفة عن الزنا عند توفر دواعيه سبب للاستظلال بظل العرش
الخامس: قال ﵌: (ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله) فهذا رجل آخر ممن يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله، وهو رجل تعرض للفتنة، بأن اعترضته امرأة ذات منصب وجمال، فراودته عن نفسه، فإذا به يعتصم بربه سبحانه، ويستجير به، ويستعيذ بالله منها ومن الشيطان، ويبتعد عن ذلك، يقول: إني أخاف الله.
وهذه امرأة ذات منصب وجمال، فمنصبها يجعلها ذات تستقوي على هذا الإنسان وتخيفه بمنصبها، وتدعوه هي إلى نفسها، ومع ذلك يلتجئ إلى ربه ويعتصم به، ويبتعد عن الفتنة، ولا يخاف من منصبها، فالله يكرم هذا العبد بأن يجعل في قلبه حلاوة الإيمان؛ لأنه ابتعد عن الفتن، ويجعله يوم القيامة ممن يظلهم في ظله يوم لا ظل إلا ظله.
стр. 18
الصدقة الخالصة يوم المحشر
السادس: قال ﵌: (ورجل تصدق بصدقة فأخفاها؛ حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه) وهذا على وجه المبالغة الشديدة بأن يخرج الصدقة من جيبه ويبالغ في إخفائها فلا يراها أحد حتى يعطيها الفقير، والصدقة في السر أفضل، وهذا هو الغالب فيها، وأحياناً قد يكون لها فضيلة في العلانية، وخاصة إذا كانت من زكاة المال، ويرجو إذا أخرجها ودفعها لإنسان أن يقتدي غيره به، لكن الغالب أن الإنسان إذا أخفى صدقته كان هذا أعظم لأجره، ويدخل تحت هذا الحديث.
стр. 19
جزاء البكاء من خشية الله
السابع: قال ﵌: (ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه)، وهذا رجل ذكر الله خالياً فبكي من خوف الله .
وفي حديث آخر عن النبي ﷺ أنه قال: (عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله) والمعنى: لا تمس النار صاحب هاتين العينين، وهما: عين إنسان جندي يحرس في سبيل الله ، والآخر: إنسان بكى من خوف الله سبحانه.
والبكاء قد يكون في جماعة، بأن يصلي إنسان مع جماعة فتحدث له رقة وبكاء فيبكى، فهذا مأجور، وقد يكون الإنسان خالياً مع الله -وهو وحده- فيتذكر ربه سبحانه، ويتذكر الحساب يوم القيامة، فيبكي خوفاً من يوم القيامة، فهذا أبعد من الرياء، وهو ممن يظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.
стр. 20
فضل لزوم المسجد والجلوس فيه
من الأحاديث الواردة في فضل لزوم المساجد والجلوس فيها: حديث رواه ابن ماجه وابن أبي شيبة وغيرهما، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (ما توطن رجل المساجد بالصلاة والذكر، إلا تبشبش الله تعالى إليه كما يتبشبش أهل الغائب لغائبهم إذا قدم عليهم).
والتبشبش: هو الفرح بمجيء الغائب، فلو أن قريبك غاب عنك ثم حضر بعد سفر طويل، فإنك ستفرح به وتقبل عليه، ولله المثل الأعلى فالله يفرح بعبده الذي يتوب إليه ويتوطن بيته.
وفي رواية أخرى لهذا الحديث: (ما من رجل كان توطن المساجد فشغله أمر أو علة ثم عاد إلى ما كان، إلا يتبشبش الله إليه كما يتبشبش أهل الغائب لغائبهم إذا قدم)، وهنا الإنسان الذي تعود على المسجد، وعلى الصلوات فيه، قد يعرفه أهل المسجد، وقد لا يعرفونه، ولكن يقيناً يعرفه ربه سبحانه، وتعرفه ملائكة الله ، فإذا غاب هذا الإنسان تفقده الناس، والملائكة أشد افتقاداً له.
فالله يصبر على عبده، فإذا رجع إلى بيته تبشبش إليه وفرح به، وأقبل عليه بفضله وبثوابه وبرحمته .
وهنا ضرب لنا مثلاً ﷺ بالغائب الذي يغيب عن أهله ثم يرجع إليهم، حيث يستقبلونه بالترحاب والفرح والسرور، فالله يقبل على عبده كذلك.
وقوله ﷺ : (فشغله أمر أو علة) أي: انشغل بأمر من الأمور فلم يعد يحضر المسجد، أو ألم به مرض من الأمراض فانقطع عن المسجد بسبب مرضه، ثم رجع إلى المسجد إلا أقبل الله عليه بفضله ورحمته وفرح به.
ومن الأحاديث: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، عن رسول الله ﷺ قال: (ست مجالس المؤمن ضامن على الله تعالى) ومعنى: ضامن على الله أي: أن الله يكفيه إذا عاش فيعطيه رزقه، ويكفيه إذا مات فيعطيه الأجر عنده سبحانه، فهذا ضمان الله لهذا العبد.
وهذه الست هي قوله: (في مسجد جماعة) أي: مواظبة الإنسان على الصلاة في مسجد الجماعة.
قال: (وعند مريض) أي: عيادة المرضى، فقد جاء في الحديث أن النبي ﵌ قال: (من عاد مريضاً فهو في مخرفة من مخارف الجنة) يعني: في بستان من بساتين الجنة، (ويستغفر له سبعون ألف ملك) أي: للإنسان الذي يعود مريضاً.
قال: (أو في جنازة) أي: حضوره جنازة، فإن من حضر جنازة كان له أجر عظيم، وأعطاه الله بركة في رزقه، ورزقه بذلك، إذ نظرة الإنسان غالباً ما تكون نظرة مادية، فيخاف إن حضر الجنازة أن يضيع عليه رزقه، فهنا يقول النبي ﵌: من حضر الجنازة تكفل الله له برزقه، ولن ينقص من رزقه شيئاً، ومن عاد مريضاً فلن يضيع الله وقته وجهده أبداً.
قال: (أو عند إمام مقسط يعزره ويوقره) يعني: عند إمام عادل يقوم معه بأمره، ويعينه على طاعة الله، وعلى الحكم بالعدل بين الناس.
قال: (أو في مشهد جهاد) يعني: في سبيل الله .
وجاء في حديث آخر رواه أحمد عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إن للمساجد أوتاداً الملائكة جلساؤهم، إن غابوا يفتقدونهم، وإن مرضوا عادوهم، وإن كانوا في حاجة أعانوهم، ثم قال: جليس المسجد على ثلاث خصال: أخ مستفاد، أو كلمة حكمة، أو رحمة منتظرة).
الحديث فيه: أن للمساجد أوتاداً كأنها أصول للمساجد، وكما يقولون: الخيمة لها أوتاد، ولن تقوم إلا بهذه الأوتاد، فكأن المسجد قائم بهؤلاء، ففي المساجد ترى أناساً هم لها أصولاً، وترى آخرين يحضرونها مرة ومرة لا يحضرون.
فالنبي ﵌ يقول لنا: المساجد لها أوتاد، ولم يقل: إن كل المسلمين هم أوتادها، إذاً: البعض من الناس هم الأوتاد، وهم المواظبون على الحضور في صلوات الجماعة، والمواظبون على طاعة الله ، المحبون لبيت الله، والمعلقة قلوبهم به.
وقوله: (الملائكة جلساؤهم)، أي: إذا جلسوا فالملائكة تجلس معهم، وإذا غابوا تفقدهم، وتبحث عنهم.
وقوله: (وإن مرضوا عادوهم)، أي: إذا كانوا مرضى فإن الملائكة التي كانت تقعد معهم في بيت الله تذهب إليهم في بيوتهم وتعودهم.
قال: (وإن كانوا في حاجة أعانوهم).
ثم قال ﷺ (جليس المسجد -أي: من يقعد في المسجد- على ثلاثة خصال: أخ مستفاد) أي: يجلس في المسجد فيكسب أخاً في الله .
قال: (أو تسمع كلمة حكمة، أو رحمة منتظرة)، أي: تسمع كلمة حق وحكمة، أو تنتظر الصلاة، فعندما تجلس صامتاً تنتظر لصلاة فأنت منتظر لرحمة الله .
نسأل الله من فضله ورحمته.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 21
شرح الترغيب والترهيب - آداب المساجد
المسجد يعد مهد الانطلاقة الكبرى، وهو بيت الله، ويكفيه شرفاً ومكانة أنه مضاف إلى الله إضافة تشريف.
ولما كان للمسجد هذه المكانة العالية فقد سنت له أحكام ينبغي مراعاتها والالتزام بها.
стр. 22
المساجد وآدابها
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
إن المسجد بيت الله ، شرفه الله سبحانه بأن نسبه إليه، يقال: بيت الله، فأضافه إليه ، وسمي المسجد مسجداً من السجود، والسجود أشرف الهيئات التي يكون عليها العبد، وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فسمي المسجد مسجداً لكثرة السجود فيه، وإن كان في المسجد القيام والقعود والركوع والسجود، ولكن أشرف الهيئات هيئة السجود، فأخذ من ذلك اسم المسجد الذي يسجد فيه العبد ويجعل وجهه على الأرض طاعة وعبادة لله سبحانه ﵎.
وقد جاء النهي عن تصغير المسجد، فلا يجوز أن نقول مسيجد، فالمسجد معظم ومكبر، وكذلك المصحف فإنه عظيم لا يجوز أن يصغر فيقال: مصيحف، فهذا حرام لا يجوز، المصحف عزيز كبير جليل، حتى وإن كان خطه وحجمه صغيراً، لكن لا يجوز تصغيره، فلا يقال: مصيحف ولا مسيجد، وإنما يقال: المسجد بيت الله سبحانه، والمصحف كتاب الله .
المسجد له أحكام عظيمة، ويكفي أنه بيت الله سبحانه حتى نتأدب فيه، ويكفي أن الثواب فيه ثواب عظيم، فإذا أتيت إلى بيت الله من بيتك فكل خطوة تخطوها فيها أجر وثواب: ففي الخطوة الواحدة يرفعك الله بها درجة، ويعطيك بها حسنة، ويكفر عنك بها سيئة، بل إن كل خطوة من الخطوات التي تأتيها إلى بيت الله في يوم الجمعة لك في كل خطوة منها أجر سنة قيامها وصيامها، وهذا في المجيء من البيت إلى المسجد، وفي فكيف بالمكث في المسجد والجلوس فيه للذكر ونحوه.
لذلك لابد وأن نفرق بين بيت الله المسجد وبين غيره من البيوت والأماكن.
فإذا جئنا إلى بيت الله احترمناه، وتعلمنا كيف نصلي فيه، وكيف نتأدب فيه، وإذا أتينا بأولادنا إلى بيت الله فليكن الولد في سن التمييز حتى يتأدب في بيت الله، فإذا أمر يأتمر وإذا نهي ينزجر.
فنأتي بمن يحترم بيت الله، ولا نأتي بمن يهين بيت الله سبحانه ويمزق المصاحف، ويكتب عليها ويتبول على أرض في المسجد، ويلعب ويعبث والناس يصلون.
وإذا نهانا النبي ﷺ عن رفع الصوت بالقرآن في بيت الله فمن باب أولى أن نكون منهيون عن رفع الصوت بالكلام المباح الذي يزعج بعضنا بعضاً، وأن نأتي بصبيان أو ببنات صغار يزعجون المصلين أثناء صلاتهم أو دروسهم.
стр. 23
حرمة مكث الجنب في المسجد
أحكام المساجد كثيرة منها: أنه يحرم على الجنب المكث في المسجد، وكذلك من في حكمه كالحائض، فالجنابة ليست نجاسة والحيض نجاسة فمن باب أولى أن يحرم على الحائض، فليس للجنب ولا للحائض أن يمكث في المسجد، ولكن مع الحاجة يجوز المرور فيه، قال الله سبحانه: ﴿وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء:٤٣].
وقال النبي ﷺ لـ عائشة وهي حائض: (ناوليني الخمرة من المسجد) فدل القرآن ودلت السنة على جواز العبور والمرور للحاجة، أما الجلوس والمكث فلا، فقد نهانا الله في القرآن، ونهانا النبي ﷺ في السنة، ولكنه أثبت المرور فقط للمرأة الحائض.
ولو احتلم إنسان في المسجد كأن يكون معتكفاً فيه وجب عليه الخروج منه، كما يجب عليه أن يغتسل فإن وجد مكان في المسجد للاغتسال وإلا فيلزمه أن يسارع بالاغتسال في بيته فيغتسل ويرجع إلى المسجد مرة ثانية.
стр. 24
جواز المكث في المسجد لمن أحدث حدثاً أصغر
ومن الأحكام: أنه يجوز للمحدث حدثاً أصغر الجلوس في المسجد، والحدث الأصغر غير الجنابة، يكون من بول أو غائط أو خروج ريح لم يتوضأ بعده، فيجوز للإنسان أن يجلس في المسجد وهو على غير وضوء، لكن الأفضل والأكمل أن يكون على وضوء، فإذا كان على وضوء وجلس في المسجد ينتظر يكتب له أجر الصلاة وكأنه يصلي، سواء جلس لغرض شرعي كانتظار صلاة أو اعتكاف أو لسماع قرآن أو للتعلم أو لاستماع موعظة فيجوز له أن يجلس على وضوء أو على غير وضوء لكن الأفضل أن يكون على وضوء.
стр. 25
جواز النوم والأكل في المسجد
ويجوز النوم في المسجد للحاجة، وهذا للمعتكف، وكذلك الذي ينتظر الصلاة يجوز له أن ينام في المسجد، لكن ينبغي أن لا يكون المسجد مكاناً للنوم، كان يأتي إنسان من العمل لكي ينام في المسجد ولا يصلي ولا يذكر الله، فالمسجد ليس مناماً للناس، ولكن يكون النوم مع الصلاة كأن يكون منتظراً للصلاة، أو أنه سيقوم الليل في المسجد.
ولا بأس بالأكل والشرب في المسجد ووضع المائدة فيه وغسل اليد فيه، فيجوز للمعتكفين الأكل والشرب في المسجد ولكن مع مراعاة نظافة أرض المسجد، وعدم تقذير فراشه.
فقد دعا النبي ﷺ للمرأة التي كانت تقم المسجد وصلى على قبرها لكونها كانت تنظف المسجد لذلك ينبغي الحرص على نظافة المسجد.
стр. 26
نهي من أكل ثوماً أو بصلاً عن الصلاة في المسجد
وليس لمن أكل ثوماً أو بصلاً أو كراثاً أو غيرها مما له رائحة كريهة فبقيت رائحته في فمه أن يدخل المسجد من غير ضرورة؛ لأن النبي ﷺ ذكر أن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم، ونهى من أكل ثوماً أو بصلاً أو كراثاً أن يقرب المسجد، بقوله: (من أكل ثوماً أو بصلاً فلا يقربن مسجدنا).
إذاً فمن كانت رائحة فمه غير طيبة لا يجوز له أن يدخل المسجد فيؤذي الملائكة، وليس معنى ذلك أن يتعمد قبل الصلاة أن يأكل ثوماً أو بصلاً بحيث يكون له بذلك رخصة تسمح له عدم المجيء إلى المسجد، ولكن الإنسان يحتاط، فإذا حدث وأكل ثوماً أو بصلاً فلا داعي أن يأتي المسجد؛ لأنه يؤذي الملائكة بذلك.
стр. 27
النهي عن البصاق في المسجد والبول والحجامة ونحوه
جاء في الصحيحين عن أنس ﵁ قال النبي ﷺ : (البصاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها) ففي زمن النبي ﷺ كانت أرضية المسجد عبارة عن حصى وتراب فكان أحدهم يبصق في أرض المسجد؛ لأنها تراب ثم يدفنها ويغطيها، فأخبرهم النبي ﷺ أن الإنسان الذي يبصق في المسجد قد أتى خطيئة، والخطيئة الذنب الكبير، والبصاق خطيئة، وكفارة هذه الخطيئة أن يدفنها، هذا إذا كانت الأرض أرضاً ترابية، أما إذا كانت الأرض سجاداً ونحوها فيحرم عليه أن يفعل ذلك ولا يكفي أن يدفنها بل لابد أن يغسلها ويزيل هذا الأثر من الأذى الذي تركه في المسجد.
كما يحرم البول والفصد والقيء والحجامة على أرض المسجد.
وغالباً ما يكون في المسجد دورات مياه فالإنسان الذي يريد أن يقضي حاجته فعليه أن يقضيها في دورات المياه، فعلى المسلم أن يراعي حرمة المسجد، فكثيراً ما تجد بعض الإخوة أو الأخوات يأتون بأبنائهم، إلى المسجد، فيتبول الابن أو البنت في أرض المسجد فلا يلقي الأب لذلك بالاً ولا ينظف مكان البول، وهذا حرام، وليس الذنب على الطفل إنما الذنب على أبيه أو على أمه الذي أتى به وقذر به أرض المسجد.
فلنتق الله سبحانه ﵎ في بيوت الله، فإذا أتى الإنسان بابنه إلى المسجد فليكن في سن التمييز -في سن سبع سنوات فما فوقها- بحيث يفهم فإذا قلت له اسكت سكت، وإذا قلت له صل صلى مع الناس، ولا يتبول على أرض المسجد.
ويجوز التبرع بالدم في المسجد، مع الحاجة لذلك، وأحياناً تكون هناك حملات للتبرع بالدم والغالب على أصحابها أن لديهم أدوات بحيث لا ينزل الدم على الأرض، ففي هذه الأحوال يجوز التبرع في المسجد، لكن إذا كان الذي يقوم بهذا الأمر لا يحتاط لذلك وينزل الدم على أرض المسجد فيحرم هذا الشيء؛ لأن الدم نجس، وهو بذلك ينجس أرض المسجد.
كما يحرم إدخال النجاسة إلى المسجد، ومن كان على بدنه نجاسة أو به جرح فإن خاف تلويث المسجد حرم عليه دخوله.
فلا يجوز لأحد أن يأتي بشيء نجس ويجعله بداخل المسجد، وبعض الناس يذبح الأضاحي ثم يأتي بجلود الأضحية إلى داخل المسجد، وهذا خطأ، فجلد الأضحية الغير مدبوغ نجس ولا يكون طاهراً إلا إذا دبغ، ولو كان الإنسان على بدنه نجاسة فلا يجوز له أن يدخل المسجد بهذه النجاسة إلا أن يزيلها.
وقد يكون الإنسان مجروحاً في يده أو في رجله، فإن كان الجرح طرياً ينزل منه دم، فلا داعي أن يدخل المسجد فينجس أرض المسجد، وإن كان جافاً فيحتاط بشاش أو نحوه وفي هذه الحالة يجوز له أن يدخل المسجد.
стр. 28
كراهية زرع الشجر داخل المسجد
ويكره غرس الشجر في المسجد، فالمسجد مكان موقوف للصلاة، والشجر فيها فائدة للناس فهم يأكلون منها، والطيور تأكل منها، وإذا كانت داخل المسجد فلا فائدة منها، فالمسجد يوسع للناس، فقد كان في أرضية مسجد النبي ﷺ نخل فأمر بقطعها وجعلها في عضادتي المسجد، فلا يصح أن يوضع أو يزرع الشجر في داخل المسجد وإنما جنبي المسجد، فيكون المسجد فضاء بحيث يستطيع الناس أن يصلوا فيه فلا تنقطع الصفوف، ويكره كذلك حفر البئر في المسجد لغير حاجة.
стр. 29
تحريم الخصومة والبيع والشراء داخل المسجد
ويمنع أهل المسجد من الخصومة في المسجد، فالمسجد للصلاة والذكر ودروس العلم، وما والاه.
أما الخصومة فلا تجوز في المسجد كأن يتعارك اثنان على أمر دنيوي، أو أن يأتي صاحب حاجة يبحث عن من أخذ ماله في المسجد.
فقد حدث مرة في مسجد النبي ﷺ أن تخاصم اثنان في مال فقد كان كعب عليه مال لـ ابن أبي حدرد، وجاء ابن أبي حدرد في المسجد وكأنه لم ينتبه أن النبي ﷺ موجود وقال له: هات الذي عليك، فارتفع صوته هو والآخر، فخرج النبي ﷺ وقال لـ ابن أبي حدرد: (ضع الشطر -أي: ضع شطر المال الذي تطلبه فهذه المجادلة ليس مكانها المسجد- فالرجل قال: أفعل، قال النبي ﷺ للآخر: قم فاقضه)، وأنهى الخصومة ﷺ .
فالمسجد ليس محلاً لسماع القضايا المالية، ولا يجوز فيه البيع ولا الشراء ولا الإجارة ولا نحوها من العقود.
وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (من سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا ردها الله عليك، فإن المساجد لم تبن لهذا) فلو أضاع إنسان مالاً داخل المسجد، أو ضاع منه مال خارج المسجد فجاء المسجد فسأل الناس عن ماله، فالنبي ﷺ لم يكتف بأن قال: لا تنشد الضالة في المسجد، وإنما دعى على الذي ينشد ضالته حتى يمتنع عن فعله، وحين يعرف أن جزاءه أن يقول الناس له: نسأل الله أن لا تجد هذا المال فإنه سيمتنع من إنشاده داخل المسجد، فالمساجد لم تبن للخصومات، ولا لرفع الأصوات.
أيضاً في البيع والشراء قال ﷺ : (إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا لا أربح الله تجارتك) فإذا أتى إنسان بسلعة ويريد أن يبيعها في المسجد فادع عليه بلا أربح الله تجارتك؛ لكي يمتنع عن فعل ذلك في المسجد.
فالمسجد سوق للدار الآخرة، ولذلك كان بعض التابعين عندما يجد إنساناً يتكلم في البيع والشراء يقول: يا هذا! إن هذا سوق الآخرة اذهب إلى سوق الدنيا، فبيت الله لذكر الله سبحانه وللصلاة.
روى مسلم عن بريدة ﵁ أن رجلاً نشد في المسجد فقال: من دل على الجمل الأحمر، والجمل الأحمر من الأموال النفيسة عند العرب، فالرجل ضاع منه جمل أحمر، فذهب ينشده في المسجد، فقال له رسول الله ﷺ : (لا وجدته لا وجدته؛ إنما بنيت المساجد لما بنيت له).
إذاً فالإنسان الذي ضاع منه شيء إذا أراد أن ينادي بالبحث عنه فليكن ذلك خارج المسجد إما في السوق أو يعلن في أي مكان آخر.
جاء عنه ﷺ (أنه نهى عنه البيع والشراء في المسجد وأن تنشد فيه ضالة، وأن ينشد فيه شعر)، وهذا من عادة أهل الجاهلية، فقد كانوا عندما يتقابلون في سوق عكاظ يقول هذا شعراً والثاني يرد عليه بشعر مثله، فنهى عنه النبي ﷺ أن يكون ذلك داخل المسجد.
أما الشعر في شيء تعليمي كأن تكون قصيدة في علم من العلوم كالفقه أو أصول الفقه أو مصطلح الحديث، فهذا جائز، وكذلك أن يكون هذا الشعر فيه مدح لدين الله أو دفاع عن دين الله فهذا قد حدث في مسجد النبي ﷺ ولم ينكره صلوات الله وسلامه عليه.
روى البخاري أيضاً في الحديث نفسه (نهى أن ينشد فيه شعر، ونهى عن التحلق قبل الصلاة يوم الجمعة) فخطبة الجمعة هي الموعظة فلا معنى إذاً في عشرين موعظة في المسجد يوم الجمعة، فيجلس الناس حلقة قبل الجمعة كل واحد يأتي بموعظة سواءً قبل الخطبة أو بعدها مباشرة.
فقبل الخطبة الأفضل أن ينشغل الناس بالذكر وقراءة القرآن وبالصلاة، ولذلك جاء عن النبي ﷺ في الرجل الذي يأتي المسجد يوم الجمعة، فقال: (من بكر وابتكر، وغسل واغتسل، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام فاستمع وأنصت ولم يلغ كتب له بكل خطوة أجر سنة صيامها وقيامها) وجاء في حديث آخر قال: (فجاء إلى بيت الله فصلى ما كتب له) يعني جاء ينتقل قبل أن يأتي الإمام، ولما جاء الإمام جلس ليستمع لخطبة الجمعة، فلو أن الناس تحلقوا قبل الجمعة، فستضيق كل حلقة على الناس المكان، فلا يستطيع الناس الجلوس، فسد النبي ﷺ الذريعة من أولها، فنهى عن عمل حلقات قبل صلاة الجمعة لكي يكفي المسجد للجميع فيصطف الناس صفوفاً فيكفيهم بيت الله ، وأيضاً لا ينشغل الناس عن الصلاة وعن الذكر بالكلام قبل الصلاة.
روى البخاري عن السائب بن يزيد ﵁ قال: كنت قائماً في المسجد فحصدني رجل -أي: رماني بالحصى- فنظره فوجده عمر ﵁، وقد فعل ذلك لئلا يرفع صوته، وإنما أراد أن يناديه فرمى عليه الحصى فانتبه السائب حين أبصر الحصى وذهب إلى عمر ﵁، فقال: اذهب فائتني بهذين، وكانا يتكلمان بصوت مرتفع، فأتى له بهما فقال: من أين أنتما؟ أو من أنتما؟ فقالا: من أهل الطائف، قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما، فمن الواضح أنكما جهلة لا تعرفانت، فعذرهما بجهلهما، فقال: ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله ﷺ ؟! فأنكر عليهما ﵁ ذلك.
ومسجد رسول الله ﷺ له فضيلة عظيمة، وكل المساجد لها فضيلة فهي بيوت الله سبحانه، فما لا يباح في مسجد النبي ﷺ لا يباح في غيره أيضاً، فعلى ذلك لا ينبغي للمسلم أن يرفع صوته بخصومة ولا بنداء ولا بغيره في بيت الله سبحانه إلا إن يحتاج إلى شيء فيتكلم بصوت منخفض.
فيصان المسجد عما يؤذيه ويؤذي المصلين فيه، حتى رفع الصبيان أصواتهم فيه لا يجوز، وكذلك توسيخهم لفراشه، كان يأتي أحدهم بابنه ومعه مأكول فيأكله ويلوث به أرض المسجد فهذا غير جائز.
وقد ذكرنا فتوى لشيخ الإسلام ابن تيمية: يصان المسجد عما يؤذيه ويؤذي المصلين فيه، حتى رفع الصبيان أصواتهم فيه، وكذلك توسيخهم الحصر ونحو ذلك، لاسيما إن كان ذلك في وقت الصلاة فإن ذلك من عظيم المنكرات.
وهذا الكلام الفقهي الرصين المتين لـ شيخ الإسلام ﵀، وليس كمثل بعض الناس ممن ينعق بما لا يعلم، ويقول: الكنائس يأتون فيها بالأطفال الصغار فاتركوا المسجد كالكنائس.
ويقول: النبي ﷺ كان يأخذ أمامة ودخل بها المسجد، فيجوز لي أن أعمل مثل النبي ﷺ ، وجواب هذا أن نلزمه بما يقول، فقد أخذ أمامة ودخل بها وصلى وهو يحملها صلوات الله وسلامه عليه، فعليك إذاً أن تأخذ ابنك ولا تضعه في الأرض فيؤذي الناس، واعمل كالنبي ﷺ ، فقد أخذ أمامة وهو واقف في الصلاة، فلما ركع وضعها بجواره، فلما رفع رفعها ﷺ ، ولما سجد وضعها بجواره، وهكذا فعل في صلاته ﷺ ، فإذا كنت تحتج بذلك فافعل كما فعل النبي صلوات الله وسلامه عليه، ولم يأت عنه ﷺ أنه كان يأتي بها كل صلاة ويدخل بها المسجد ﵊، فلم يأت بها إلا مرة واحدة.
وقد ركب الحسن ظهر النبي ﷺ وهو ساجد فخشي أن يزعج الناس فظل النبي ﷺ ساجداً والغلام على ظهره، وخشي أن يرفع مرة واحدة فيصرخ الطفل، فظل ﷺ ساجداً ثم رفع بعد ذلك، وظن الناس أن النبي ﷺ توفي في هذه السجدة فأخبرهم: (إنه ليس كما ظننتم، ولكن ارتحلني ابني فكرهت أن أعجله)، أي: أعجل في ذلك فيبكي الصبي فيزعج المصلين في المسجد ببكائه.
يقول الإمام النووي ﵀: يكره إدخال المجانين والصبيان الذين لا يميزون المسجد؛ لأنه لا يؤمن تلويثهم إياه.
قال: ولا يحرم ذلك.
أي: إذا عرف الإنسان أن ابنه لن يلوث المسجد فغايته أن يكره في هذه الحال، فإذا علم أنه سيلوثه فيحرم عليه الإتيان به، وذكر أن رسول الله ﷺ صلى حاملاً أمامة بنت زينب ﵄ وطاف على بعيره ﷺ في المسجد.
يقول النووي ﵀: ولا ينفي هذا الكراهة.
يعني الذي يقول أن النبي ﷺ أخذ أمامة ودخل بها المسجد، فالعلماء يقولون: إن النبي ﷺ يشرع للأمة فيفعل الشيء الذي لو فعله غيره كان مكروهاً، ولكنه بالنسبة للنبي ﷺ يكون مستحباً فلو اضطررت في مثل هذه الصورة فلابد أن تفعل كما فعل النبي ﷺ .
يقول في حاشية قليوبي وعميرة عن كلام النووي هذا: اعترضه الأسنوي بتصريحهم بتحريم إدخال الصبيان المساجد كما نقله الرافعي عن صاحب العدة.
وقال الأسنوي: هذا صريح في التحريم عند غلبة النجاسة، والكراهة عند عدم الغلبة، فقيد الأمر بذلك، فلو أن الأطفال حال وجودهم في المسجد يمكن أن يحصل منهم الأذى، كأن يتبولون في المسجد أو يتغوطون أو أن يفسدون في أرض المسجد فيحرم إدخالهم، أما إذا كان الصبي لا يؤذي أحداً من المصلين بل يصلي فغايته الكراهة، أي: إذا كان الصبي دون التمييز، أما إذا كان فوق سن التمييز فعلى ذلك يستحب أن يؤتى به للمسجد إذا جاوز سبع سنوات ويؤمر ويزجر حتى يتعلم آداب الصلاة.
стр. 30
كراهة اتخاذ المسجد مكاناً للحرفة واستلقاء الرجل فيه واضعاً رجله على الأخرى
يكره أن يتخذ المسجد مكاناً للحرفة كالخياطة ونحوها؛ لحديث أنس: (إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن) فصاحب الحرفة الخياط مثلاً إذا أتى بقماشة إلى المسجد وجلس يسمع درس علم وهو يخيط فهذا لا يجوز، فإما أن يحضر للعلم وإما يخيط قماشه في محله ولا داعي لأن يأتي إلى المسجد.
ولا يجوز استلقاء النائم في المسجد على ظهره واضعاً إحدى الرجلين على الأخرى، فقد نهى النبي ﷺ عن ذلك.
فقد جاء في صحيح مسلم عن جابر (أن رسول الله ﷺ نهى عن اشتمال الصماء والاحتباء في ثوب واحد، وأن يرفع الرجل إحدى رجليه على الأخرى وهو مستلق على ظهره) فمن الأدب ألا يضع الإنسان رجل على الأخرى وهو مستلق على ظهره، وعللوا ذلك بالانكشاف وأنه قد ينكشف فخذه وقد تنكشف عورته، لكن إذا أمن ذلك ولم يكن معه أحد وكان منفرداً جاز له، فقد جاء عن عباد بن تميم عن عمه: (أنه رأى رسول الله ﷺ مستلقياً في المسجد واضعاً إحدى رجليه على الأخرى).
يقول الحافظ ابن حجر: والظاهر أن فعله ﷺ كان لبيان الجواز، وكان ذلك في وقت الاستراحة -يعني في وقت كان نائماً مستريحاً في المسجد ﷺ قال: لا عند مجتمع الناس، لما عرف من عادته ﷺ من الجلوس بينهم بالوقار التام.
فالنبي ﷺ كان غاية في الأدب، فكان إذا جلس في وسط أصحابه يجلس وعليه السكينة، ويقول: (أجلس كما يجلس العبد وآكل كما يأكل العبد)، وإنما كان يفعل ذلك في حالة عدم وجود عدد كبير من الصحابة.
стр. 31
كراهة تشبيك الأصابع في المسجد
ومن الآداب: يكره تشبيك الأصابع في المسجد وفرقعتها وهذا دليل على أن الإنسان يحب اللهو والاستراحة، فكرهوا ذلك.
لكن يجوز إذا كان للتمثيل مثلما قال النبي ﷺ في الحديث: (المؤمن للمؤمن كالبنيان أو كالبنان يشد بعضه بعضاً ويشبك بين أصابعه) أما لغير تمثيل ولغير حاجة فقد جاء عنه ﷺ أنه قال: (إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه ثم خرج عامداً إلى المسجد فلا يشبكن يديه فإنه في صلاة) أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 32
شرح الترغيب والترهيب - الترغيب في الصلوات الخمس والمحافظة عليها والإيمان بوجوبها [١]
لقد بين النبي ﷺ مكانة الصلاة في الإسلام، وأخبر أنها من أركانه العظيمة، فهي الركن الثاني بعد كلمة التوحيد، والصلوات الخمس مكفرات للخطايا والذنوب إذا اجتنبت الكبائر، وقد أمرنا الله بإقامة الصلاة ولم يأمرنا بالصلاة فقط، وليس الأمر بإقامة الصلاة كالأمر بالصلاة فقط.
стр. 33
الترغيب في الصلوات الخمس والمحافظة عليها والإيمان بوجوبها
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الحافظ المنذري: الترغيب في الصلوات الخمس والمحافظة عليها والإيمان بوجوبها.
روى البخاري ومسلم عن ابن عمر وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت).
وروى البخاري ومسلم عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: (بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ ، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي ﷺ ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، فقال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام؟ فقال رسول الله ﷺ : أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت) الحديث.
وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيء، قالوا: لا يبقى من درنه شيء.
قال: فكذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا).
стр. 34
تكفير الصلوات الخمس للصغائر دون الكبائر
والغرض من ذكر حديث عمر ﵁: هو بيان أركان الإسلام الخمسة، وأهمها: التوحيد ثم الصلاة.
وعن أبي هريرة في المتفق عليه قال: قال النبي ﷺ : (أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيء؟).
ويبين هذا الحديث حديث أبي سعيد عند البزار والطبراني وفيه: قال ﷺ : (أرأيت لو أن رجلاً كان يعتمل وكان بين منزله وبين معتمله خمسة أنهار، فإذا أتى معتمله عمل فيه ما شاء الله فأصابه الوسخ أو العرق فكلما مر بنهر اغتسل ما كان ذلك يبقي من درنه؟ فكذلك الصلاة كلما عمل خطيئة فدعا واستغفر غفر له ما كان قبلها)، وهذا بيان كيف تكون هذه الصلاة العظيمة كفارة للذنوب.
وجاء في الحديث: (الصلوات الخمس كفارة لما بينهما)، وذكر: (الجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان)، بقيد: (ما اجتنبت الكبائر)، فإذا اجتنب الإنسان الوقوع في كبائر الذنوب: كقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، والشرك بالله ، والسحر، وعقوق الوالدين، وأخذ الرشوة، وأكل مال اليتيم، وأكل أموال الناس بالباطل، ولم يقع في الجرائم التي فيها حدود في القرآن والسنة ولم يقع فيما توعد عليه ربنا سبحانه بالعقوبة أو باللعن أو بالطرد من رحمته فإن الصلوات الخمس تكفر له ما وقع فيه من الصغائر إذا اجتنب هذه الكبائر.
فلو وجد نهر باب أحدكم وكل ما خرج من البيت اغتسل في هذا النهر ثم رجع إلى بيته فلوا اغتسل فيه في اليوم خمس مرات هل يبقى من الدرن والوسخ عليه شيء؟ فالصحابة أجابوا: لا، فقال: (كذلك الصلوات الخمس كفارة لما بينهن).
وذكر في حديث أبي سعيد الإنسان الذي بينه وبين محله أو مصنعه أو حقله: (خمسة أنهار، فإذا أتى معتمله عمل فيه ما شاء فأصابه الوسخ أو العرق فكلما مر بنهر اغتسل) فهل سيبقى عليه أثر العمل من عرق أو وسخ أو شيء؟
الجواب
لا، لن يبقى عليه شيء، فكذلك الصلوات الخمس، فالإنسان قد يقع في اليوم والليلة في الخطأ والإثم، فإذا صلى الصلاة فإنها تكون كفارة له، وأنت إذا صليت تسجد لله وتستغفره وتسبحه والنبي ﷺ قال: (أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء فقمن أن يستجاب لكم).
فأنت تصلي لله وتستغفره وتدعوه ليكفر ذنوبك بفضله وبرحمته.
ومن الأحاديث التي جاءت في هذا المعنى: حديث ابن مسعود الذي رواه الطبراني في الصغير والأوسط، قال: قال رسول الله ﷺ : (تحترقون، فإذا صليتم الصبح غسلتها).
ومعنى تحترقون أي: تقعون في الذنوب، وذنوب الإنسان تجتمع عليه دائماً، عوداً وعوداً وعوداً ثم يشعل فيها النار فتشتعل، ومعظم النار من مستصغر الشرر، كذلك الذنوب فإن الإنسان قد يقع في ذنب ثم في ذنب آخر ثم في ذنب ثالث، وهكذا فالصلوات تجعل الإنسان يحافظ على نفسه مع نفسه ومع الناس ومع ربه .
قال: (تحترقون تحترقون) أي: بالغفلة واللهو واللعب، ونسيان ذكر الله سبحانه، وبالوقوع في الذنوب، قال: (فإذا صليتم الصبح غسلتها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم الظهر غسلتها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم العصر غسلتها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم المغرب غسلتها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم العشاء غسلتها، ثم تنامون فلا يكتب عليكم حتى تستيقظوا) وهذا من فضائل الصلاة، وكثير من الناس يضيع الصلاة وينسى، فإذا بالذنوب تتراكم عليه وصغائر الذنوب تصير كبائر، وترك الصلاة كبيرة من الكبائر، وقد كفر النبي ﷺ تاركها فقال: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) وقال: (بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة).
فالصلاة حين يتركها الإنسان جاحداً لها يكفر ويخرج من دين الله ، والذي يصلي أحياناً ويترك أحياناً تكاسلاً واقع في كبيرة من الكبائر، فإذا كان الإنسان بذنوبه الصغيرة يحترق فكيف بترك الصلاة؟! لذلك لا بد على المؤمن أن يواظب على الصلاة؛ لأن الله قال: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت:٤٥] والصلاة المقبولة عند الله علاماتها تظهر على الإنسان من نور في وجهه، وعمل صالح يعمله، ومواظبة على أداء ما فرض الله عليه، وبعد عن الفواحش وعن المنكرات، وإذا وجدت نفسك بعد الصلاة تتطلع للفحشاء والمنكر مثلما كنت قبل الصلاة فكأن هذه الصلاة ليست مقبولة عند الله ، فالصلاة المقبولة هي التي تغير صاحبها، يدخل في الصلاة ثم يخرج خائفاً من الله ، يخرج من الصلاة وقد سجد لله سبحانه فتعلم التواضع فيتواضع لخلق الله ، فالصلاة تزيد في إيمانه فيخرج من الصلاة وهو أفضل حالاً مما كان عليه، ولا تزال كل صلاة تفعل فيه ذلك حتى يلقى الله وليس عليه من الذنوب شيء.
يقول أنس بن مالك: قال رسول الله ﷺ : (إن الله ملكاً ينادي عند كل صلاة -هذا ملك جعله الله لهذا الأمر- ينادي عند كل صلاة: يا بني آدم! قوموا إلى نيرانكم التي أوقدتموها فأطفئوها).
نيران الغفلة واللهو والبعد عن الله سبحانه، والمعاصي والذنوب التي أوقدتموها على أنفسكم، فقوموا إلى الصلاة حتى تطفئ الصلاة هذه النيران التي أوقدتموها على أنفسكم.
وقد روى الطبراني في الكبير عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : (يبعث مناد عند حضرة كل صلاة فيقول: يا بني آدم! قوموا فأطفئوا عنكم ما أوقدتم على أنفسكم، فيقومون فتسقط خطاياهم من أعينهم، ويصلون فيغفر لهم ما بينهما، ثم توقدون فيما بين ذلك فإذا كان عند الصلاة الأولى نادى: يا بني آدم! قوموا فأطفئوا ما أوقدتم على أنفسكم، فيقومون فيتطهرون ويصلون الظهر فيغفر لهم ما بينهما، فإذا حضرت العصر فمثل ذلك، فإذا حضرت المغرب فمثل ذلك، فإذا حضرت العتمة -يعني: العشاء- فمثل ذلك، فينامون وقد غفر لهم، فمدلج في خير ومدلج في شر) والإنسان المدلج: هو الداخل في الليل فيكون على خير بسبب هذه الصلوات.
يقول طارق بن شهاب: أنه بات عند سلمان الفارسي ﵁ لينظر إلى اجتهاده، فقام يصلي من آخر الليل -يعني: يتنفل وقت السحر- قال: فكأنه لم ير الذي كان يظن، وهو يعرف أن سلمان من الزهاد العباد، وهو من كبار أصحاب النبي ﷺ الأفاضل رضي الله ﵎ عنه، وقد مدحه النبي ﷺ وقال: (سلمان منا آل البيت).
مع أن سلمان فارسي أصلاً ولكن لعبادته لله وقربه من ربه ادعاه المهاجرون فقالوا: سلمان منا، وقالت الأنصار: هو يسكن معنا في المدينة فهو منا، فالنبي ﷺ قال: (سلمان منا آل البيت) رضي الله ﵎ عنه.
فقد كان يزور الواحد منهم الآخر حتى ينظر إلى عمله لكي يقلده ويأتسي به، فلما وجده قام من آخر الليل يصلي في السحر وكان يظن أنه سيقوم الليل كله من أوله إلى آخره فسأله عن ذلك، فقال سلمان: حافظوا على هذه الصلوات الخمس فإنهن كفارات لهذه الجراحات ما لم تصب بمقتلة.
والمعنى: أنه طالما أنك أديت الصلوات الخمس كما أمر الله فهذا أهم شيء وما بعد ذلك كلها نوافل، فإذا حافظت على الصلوات الخمس حيث ينادى بهن في بيت الله ، وأديتها بشروطها، وأركانها، وهيئاتها، وسننها، فإنها تكون صحيحة ومقبولة عند الله ما لم تصب بمقتلة، يعني: ما لم تقع في كبيرة من الكبائر، كالسرقة، والزنا، والشرك بالله وغير ذلك من الكبائر.
فالإنسان المؤمن إذا عرف فضيلة الصلاة وفضلها عند الله حافظ عليها كما أمره الله: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة:٢٣٨].
نسأل الله أن يعيننا على المحافظة على الصلوات وعلى ذكره وشكره وحسن عبادته.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 35
شرح الترغيب والترهيب - الترغيب في الصلوات الخمس والمحافظة عليها والإيمان بوجوبها [٢]
المداومة على أداء الصلوات الخمس سببٌ في دخول الجنة، ولا بد فيها من الإيمان والخشوع والمحافظة على أوقاتها، وهناك أحاديث تبين فضل الصلاة على سائر الأعمال، وهي أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة، وفي صلاحها صلاح الأعمال، وفي فسادها فساد الأعمال.
стр. 36
الترغيب في الصلوات الخمس
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين: روى الإمام أبو داود والنسائي عن عبادة بن الصامت ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (خمس صلوات كتبهن الله على العباد فمن جاء بهن ولم يضيع منهن شيئاً استخفافاً بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد، إن شاء عذبه، وإن شاء أدخله الجنة).
وفي رواية لـ أبي داود سمعت رسول الله ﷺ يقول: (خمس صلوات افترضهن الله من أحسن وضوءهن وصلاهن لوقتهن، وأتم ركوعهن وسجودهن وخشوعهن كان له على الله عهد أن يغفر له، ومن لم يفعل فليس له على الله عهد، إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه).
وروى أحمد عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رجلان من بلي -حي من قضاعة- أسلما مع رسول الله ﷺ فاستشهد أحدهما وأخر الآخر سنة، فقال طلحة بن عبيد الله فرأيت المؤخر منهما أدخل الجنة قبل الشهيد فتعجبت لذلك، فأصبحت فذكرت ذلك للنبي ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : (أليس قد صام بعده رمضان، وصلى ستة آلاف ركعة، وكذا وكذا ركعة صلاة سنة)، وفي رواية: (فلما بينهما أبعد من السماء والأرض).
стр. 37
أعمال تدخل الجنة
أحاديث أخرى يذكرها الحافظ المنذري في الترغيب في الصلوات الخمس، منها: حديث عبادة بن الصامت ﵁ ونحوه حديث لـ أبي الدرداء ﵁، ولفظ حديث أبي الدرداء: (خمس من جاء بهن مع إيمان دخل الجنة)، أي: خمس صلوات، فالإنسان المؤمن يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ويؤمن بالقدر خيره وشره، ومصدق بثواب هذه الصلوات عند الله سبحانه، فإذا جاء بهذه الصلوات مع الإيمان ويأتي بأربعة أشياء غير الصلوات، قال: (خمس من جاء بهن مع إيمان)، إذاًَ: فالأصل: الإيمان، ثم الخمس الأشياء التي ذكرها النبي ﷺ ، قال: (من حافظ على الصلوات الخمس، على وضوئهن، وركوعهن، وسجودهن، ومواقيتهن)، الصلوات الخمس، ولكنها ليست مجردة، أنه صلى فقط، بل أقام الصلاة وحافظ عليها، وليست صلاة واحدة فقط، بل الخمس الصلوات وكل يوم يواظب على ذلك، ويحافظ على هذه الصلوات حيث ينادى بهن، ويحافظ على وضوئهن، ويحافظ على ركوعهن وسجودهن، ومواقيتهن، وهنا فصل النبي ﷺ حتى لا يظن الإنسان أنه يصلي صلاة سريعة، صلاة لا يذكر الله فيها إلا قليلاً، وفي آخر وقتها، ويتكاسل عنها، صلاة يجمعها إلى غيرها من غير عذر، ويظن أنه داخل تحت هذا الحديث.
فقوله ﷺ : (حافظ على الصلوات الخمس على وضوئهن) يعني: أحسن الوضوء، وأسبغ الوضوء وأتقنه، ثم دخل في الصلاة فحافظ على الركوع وعلى السجود، أما الذي يصلي فلا يذكر الله فيها إلا قليلاً، صلاة يجمعها إلى غيرها من غير عذر، فليس بداخل تحت هذا الحديث، فمن حافظ على الصلوات الخمس على وضوئهن، يعني: أحسن الوضوء، وأسبغ الوضوء وأتقنه، ثم دخل في الصلاة فحافظ على الركوع وعلى السجود، وعلى مواقيت الصلاة، ويصليها على أول وقتها، ويسمع النداء فيذهب إلى بيت الله يصلي، فهو داخل تحت هذا الحديث، وكذلك إذا صلت المرأة في بيتها، فحافظت على ذلك، على الوضوء، وعلى الركوع، وعلى السجود فلا يسرع الإنسان في الركوع والسجود، ولا ينقرها نقر الغراب، ولكن يتقن الصلاة، ويتقن القراءة ويحسن، ويتقن التسبيح في الركوع، ثم يقول: (سمع الله لمن حمده) ويطمئن قائماً، ثم يسجد لله ويطمئن ساجداً، فإذا حافظ على ذلك فهي الأولى.
والثانية قال: (وصام رمضان).
والثالثة قال: (وحج البيت إن استطاع إليه سبيلا).
والرابعة قال: (وآتى الزكاة طيبة به نفسه).
فهذه أربعة أشياء مع إيمان، ومع كلمة التوحيد: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله بحق.
والخامسة قال: (وأدى الأمانة)، إذاً: الأصل: كلمة التوحيد: الإيمان بالله على ما ذكرنا، ثم هذه الخمسة الأشياء: الصلوات، صيام رمضان، أداء فريضة الحج إن استطاع إليه سبيلاً، آتى الزكاة، أدى الأمانة، (قيل: يا رسول الله! وما أداء الأمانة؟ قال: الغسل من الجنابة، إن الله لم يأمن ابن آدم على شيء من دينه غيرها)، فهذه أداء الأمانة.
فالإنسان الذي يكون على جنابة لا أحد يعرف أنه على جنابة، والمرأة التي جاءها الحيض ثم طهرت من الحيض، لا أحد يعرف أنها طهرت من الحيض إلا هي تعرف عن نفسها ذلك، فجعل الله أمانة على هذا العبد: أنه يتطهر بعد زوال السبب الذي منعه من الصلاة، فجعلها أمانة، لا أحد يراقب أحداً على هذا الشيء: هل أتى وقت الدورة للمرأة أم لم يأت؟ انتهى حيضها أم لم ينته؟ فهي مؤتمنة على فرجها، مؤتمنة على ذلك، والله ائتمن العبد على ذلك.
وقد ذكر الله الأمانة في القرآن: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:٧٢]، والأمانة: التكاليف الشرعية، والله هو الذي يعلم أن الإنسان العبد يؤديها بإتقان أو بغير إتقان، يؤديها بشروطها وأركانها على الصحة أم لا، يؤديها مخلصاً لله أم لا، فإذا أدى الأمانة كان له عند الله أن يدخله الجنة.
في حديث عبادة بن الصامت: (خمس صلوات كتبهن الله على العباد، فمن جاء بهن ولم يضيع منهن شيئاً استخفافاً بحقهن) وكأن الإنسان يضيع الصلوات مستخفاً بها، ومحتقراً للعقوبة، فليس في ذهنه أن الله سيحاسبه على ذلك، فلا يستحضر هذا الشيء، فيستخف بها، وهذا يستحق العذاب الأليم عند رب العالمين إذا شاء سبحانه.
لكن الذي يأتي بهن ولا يستخف بهن، ولا يضيع منهن شيئاً، وفي الرواية الأخرى: (من أحسن وضوءهن بوقتهن، وأتم ركوعهن وسجودهن وخشوعهن، كان له عهد على الله أن يغفر له)، إذا جاء بالصلاة على الوجه الذي يريده الله ويقبله منه، كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة.
والذي يفعل خلاف ذلك: فلا يأتي بالصلاة في أول وقتها، بل يتركها لآخر وقتها، ويجمع الصلاة مع الصلاة بغير عذر، ويضيع الركوع، ويضيع السجود، ولا يتقن صلاته، ولا يتقن وضوءه، فهذا لا عهد له عند الله.
نضرب مثلاً على ذلك: العهد في القتال: عندما يأتي الأمير في القتال أو القائد ويعطي العهد للذين يقاتلونهم، فيقول له: أعطيك أماناً، أمنتك، فلن يؤذيه بشيء، والذي يصلي قد أعطاه الله هذا الأمان، وأعطاه هذا العهد، يصلي على الكيفية التي ذكرناها، هذه الكيفية: هي الصلاة التي أمر الله بها في القرآن، وأرادها، ووعد عليها الأجر والثواب في الدنيا:: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥]، وفي الآخرة: له عند الله عهد ألا يعذبه، وله عند الله عهد أن يدخله الجنة.
فإذا لم يأت بهذه الصلاة على هذه الكيفية، فلا أمان له عند الله، ولا عهد له عنده سبحانه، فهو يقدم على خطر عظيم جداً، إن شاء ربه سبحانه غفر له، هذا أمر لله ، وإن شاء عذبه العذاب الأليم بذلك، قال في كتابه: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ [الماعون:٤ - ٦].
стр. 38
أحاديث تبين فضل الصلاة
ومن الأحاديث العظيمة الواردة في فضل الصلاة: حديث جاء عن سعد بن أبي وقاص ﵁، وحديث جاء عن أبي هريرة، وفيه: (أن رجلين كانا من بلي -حي من قضاعة- أسلما مع رسول الله ﷺ فاستشهد أحدهما وأخر الآخر سنة) هذا حديث أبي هريرة، وأما حديث سعد بن أبي وقاص: (كان رجلان أخوان فهلك أحدهما قبل صاحبه بأربعين ليلة)؛ فيه قصتان: الأولى: هما أخوان اثنان، واحد مات، والثاني مات بعده بأربعين ليلة، والقصة الثانية: أرادا الإسلام فأسلما مع النبي ﷺ ، وأحدهما استشهد والآخر مات بعده بسنة، ولاحظ هذا اللفظ الثاني الذي في حديث أبي هريرة أن الأول استشهد، قتل شهيداً في سبيل الله ، والثاني مات بعده بسنة ولم يستشهد.
فأحد الصحابة رأى رؤيا، قال طلحة بن عبيد الله: (فأريت الجنة) رأى الجنة، فرأيت المؤخر منهما أدخل الجنة قبل الشهيد، والشهيد قتل الأول، والآخر هذا مات بعده بسنة ولم يقتل، وطلحة بن عبيد الله هذا أحد العشرة المبشرين بالجنة ﵁، صحابي فاضل شلت يده في دفاعه عن النبي ﷺ في يوم أحد، وقاتل قتالاً عظيماً ﵁، وكان صوته في الجيش أقوى من صوت ألف رجل ﵁، هذا الرجل العظيم الفاضل رأى رؤيا في المنام، أن الاثنين أدخلا الجنة، فالذي مات دخل الأول، ودخل بعده الذي استشهد.
قال: (فلما بينهما أبعد من السماء والأرض) يعني: نظر إلى منزلة المتوفى فوجده في السماء، ومنزلة الشهيد في الأرض، وكأن البعد بين الاثنين كما بين السماء والأرض والاثنان في الجنة، فتعجب لذلك، حيث أن الشهيد أقل مرتبة من الذي مات، فسأل النبي ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : (أليس قد صام بعده رمضان؟) انظر إلى فضل شهر رمضان، فإن هذا أخذ أجر الشهادة وفوقها صيامه شهر رمضان وأنه أخر بعد هذا، قال: (وصلى ستة آلاف ركعة) يعني: صلاة سنة، ولو حسبتها لوجدتها ستة آلاف ركعة، فالسنة (٣٥٤) يوماً أو (٣٥٥) يوماً وهذه هي السنة الهجرية، ستضربها في (١٧) ركعة فريضة اليوم، ستبلغ حوالي: (٦٠١٨) ركعة، أو (٦١١٨) ركعة، ستة آلاف ركعة صلاها هذا الإنسان، فرفعته هذه المرتبة العظيمة عند الله رب العالمين، ستة آلاف ركعة، هذه الفريضة فقط.
قال: (وكذا ركعة صلاة سنة) بمعنى: أنه لم يصل فقط الفريضة التي بلغت ستة آلاف ركعة، ولكنه كان يصلي رواتب في اليوم عشر ركعات، أو أكثر أو أقل من ذلك، فانظر في السنة كم تبلغ هذه الصلوات؟ وانظر كيف ترفع الصلوات صاحبها، مع أن الشهيد له مرتبة عالية جداً عند الله ، وهذا الذي أخر بعده كان أعلى منه، ولذلك الإنسان لا يستعجل الموت أبداً، فلا يقول: يا رب! خذني فالنبي ﷺ يقول في الحديث: (خيركم من طال عمره وحسن عمله)، فكلما زيد في عمره عن الآخر زاد عنه بصلاة وصوم وعمل صالح، وكان أرفع له في الدرجة عند الله .
في حديث آخر للسيدة عائشة ﵂، تقول: إن رسول الله ﷺ قال: (ثلاث أحلف عليهن)، يحلف النبي ﷺ على ثلاث، وهو الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه، ولكن المعنى الذي يؤكد ذلك أنه يقول: ليكن في يقينكم، لتكونوا مؤمنين بهذا الذي أقوله، فإنه يقين يقين: (لا يجعل الله من له سهم في الإسلام كمن لا سهم له)، أي: أن الذي دخل في الإسلام وبعدها صار له سهم في الإسلام ليس كالذي دخل ولا سهم له؛ لأن ذلك لا يكون أبداً، ثم قال ﷺ : (وأسهم الإسلام ثلاثة: الصلاة والصوم والزكاة)، فالذي له صلاة، وله صوم، وله زكاة لن يكون مثل الذي ليس له، وقال هنا ﷺ : (ولا يتولى الله عبداً في الدنيا فيوليه غيره يوم القيامة).
إذاً: أولاً: أن العبد الذي يصلي ويصوم ويزكي مستحيل في عدل الله أن يجعل مثله من لا يفعل ذلك، والذي له سهم في الإسلام ليس كمن لا سهم له، وهذا فرق كبير بين الاثنين.
ثانياً: قال ﷺ : (لا يتولى الله عبداً في الدنيا فيوليه غيره يوم القيامة) ويقسم النبي ﷺ على ذلك، يعني: إذا كان ربك معك وأنت في الدنيا، يحفظك ويعينك على الصلاة، ويعينك على الصوم، ويعينك على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويتولاك في الدنيا، وتقول له: يا رب! فيعطيك، فإذا أعطاك في الدنيا فلن يتخلى عنك يوم القيامة، كما أنه كان معك في الدنيا فأنت تعبده فيتولاك فلن يتركك يوم القيامة، ويحلف على ذلك ﷺ ، والثالثة قال ﷺ : (ولا يحب رجل قوماً إلا جعله الله معهم).
فكل إنسان له مقدرة على العمل بصورة معينة، فمنهم من يقدر أن يصلي، والآخر يقدر أن يصوم النوافل، ومنهم من يقدر على قيام الليل كثيراً، والآخر لا يقدر، ولكن كل إنسان قد هيأه الله لما يصلح له، وجعل الناس كلهم شيئاً واحداً مستحيل جداً، والإنسان يتمنى أنه يكون مثل الصالحين، لما يسمع عن النبي ﷺ والصحابة الأفاضل، والتابعين والأئمة، فكيف سيكون مثلهم؟ فجعل لهم طريقة سهلة في ذلك، أن يعملوا الذي عليهم، والذي يقدرون عليه، فيكونون بذلك قد فعلوا الذي عليهم، ولكن هناك شيء آخر يوصلك إلى هؤلاء الأخيار، وهذا الشيء هو أن تحبهم، أن تحب الله ، وأن تحب رسول الله ﷺ ، وأن تحب الصحابة رضوان الله عليهم، وأن تحب التابعين لهم بإحسان، فإذا كنت تحب هؤلاء فالله يوصلك إلى منزلة هؤلاء بعملك المتواصل، فتحاول حتى تصل، فالإنسان يتمنى أن يحفظ القرآن كله، فيحاول ويجتهد فلا يستطيع، وبما أنه يحب حفاظ القرآن فالله قد يجعله معهم، بمحاولته للحفظ وبحبه لهؤلاء، فقال ﷺ : (ولا يحب رجلاً قوماً إلا جعله الله معهم، والرابعة لو حلفت عليها رجوت ألا آثم)، وحاشا له ﷺ أن يحلف على خطأ، أو على كذب، يقول: (لا يستر الله عبداً في الدنيا، إلا ستره يوم القيامة)، فهذا وعد، وهذا شيء عظيم من كرم رب العالمين سبحانه، أنه إذا ستر عبداً في الدنيا ستره يوم القيامة، وما من عبد إلا وله خطأ، فقد قال ﷺ في الحديث: (كل ابن آدم خطاء وخير الخطاءين التوابون)، فإذا وقع عبد في معصية، فندم وتاب واستغفر وستر على نفسه، وأصلح عمله، فلم يفضحه الله ولم يطلع أحداً على ذلك فتاب، فستره في الدنيا، فهذا وعد منه سبحانه أنه يستره أيضاً يوم القيامة.
فإذا كان العبد قد ستره الله بالليل، وفضح نفسه بالنهار، فقال: أنا عملت كذا وكذا، ويحكي عن نفسه ما فعل من الذنوب ويفضح نفسه فهو مفضوح في الدنيا وفي الآخرة، فهنا: الوعد أن الله إذا ستر العبد في الدنيا، والعبد ستر نفسه، لا يفضحه الله يوم القيامة، والعكس كذلك.
ومن الأحاديث التي جاءت في ذلك: حديث عبد الله بن قرط ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة في الصلاة، فإن صلحت صلح سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله)، فالصلاة أعظم شيء يتقرب الإنسان بها إلى الله بعد التوحيد، فإذا جاء يوم القيامة سأله الله عن الصلاة، فإذا صلحت هذه الصلاة وأداها كما أمر الله سبحانه حيث ينادى بها، صلح باقي العمل وأصبح سهلاً، فالله يغفر ويتجاوز، وإذا ضاعت الصلاة ضاع منه باقي العمل، والله يقول: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥]، ومستحيل أن الإنسان يحسن صلاته، ويتقنها بوضوئها وبخشوعها وبركوعها وسجودها وقيامها، ثم بعد ذلك يكون تاركاً للصوم، وتاركاً للزكاة، وتاركاً للنوافل، لا يمكن ذلك أبداً؛ لأن الله أخبرنا أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر.
فالمعنى: أن الصلاة هذه باب العبادة الكبير، الذي إذا دخل منه الإنسان أحسن جميع العبادات، والعبد يوم القيامة إذا وافى ربه بصلاة صحيحة مقبولة، فيقيناً أن باقي العمل سيكون صحيحاً كذلك.
وإذا كانت الصلاة فاسدة، وضيعها العبد، ضيع باقي عمله في الدنيا، نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 39
شرح الترغيب والترهيب - الترغيب في الصلاة مطلقًا وفضل الركوع والسجود والخشوع
لقد أمر الله بالصلاة، ورغب فيها، وجعلها ركناً من أركان الإسلام، التي لا يتم إلا بها، ذلك لأنها الفارقة بين المسلم والكافر والمشرك.
وهي أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة.
ولذلك اهتم الإسلام بها اهتماماً عظيماً، لدرجة أن النبي ﷺ كان لا يقاتل إلا إذا لم يسمع النداء بها، فالصلاة هي شعار الإسلام، وهي جنة المؤمنين في الدنيا، فقد كان النبي ﷺ إذا حزبه أمر فزع إليها، فقد جعلت قرة عينه، وقد كثرت الأحاديث المرغبة فيها، والتي تحظ على المحافظة عليها، مبسوطة في مظانها.
стр. 40
شرح حديث أبي مالك الأشعري ﵁ (الطهور شطر الإيمان)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين: أما بعد: قال الإمام المنذري ﵀: (الترغيب في الصلاة مطلقاً وفضل الركوع والسجود والخشوع): روى مسلم وغيره عن أبي مالك الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها).
وروى أحمد عن أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ : (خرج في الشتاء والورق يتهافت فأخذ بغصن من شجرة، قال: فجعل ذلك الورق يتهافت، فقال: يا أبا ذر! قلت: لبيك يا رسول الله! قال: إن العبد المسلم ليصلي الصلاة يريد بها وجه الله تتهافت عنه ذنوبه كما يتهافت هذا الورق عن هذه الشجرة).
وعن ثوبان أن النبي ﷺ قال: (عليك بكثرة السجود لله، فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة).
رواه مسلم.
وروى ابن ماجة عن عبادة بن الصامت ﵁: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (ما من عبد يسجد لله سجدة إلا كتب الله له بها حسنة، ومحا عنه بها سيئة، ورفع له بها درجة، فأكثروا من السجود).
هذه الأحاديث عن النبي ﷺ التي ذكرها الحافظ المنذري ﵀ هي في الترغيب في الصلاة مطلقاً، وفي الترغيب في كثرة الصلاة، سواء كانت نوافل لها سبب، أو ليست لها سبب.
وأيضاً هي في فضل الركوع والسجود والخشوع.
ومن هذه الأحاديث التي ذكرها: حديث أبي مالك الأشعري أن النبي ﷺ قال: (الطهور شطر الإيمان).
و (الطهور) هو: أن يتطهر الإنسان لصلاته، سواء من الحدث الأصغر أو من الحدث الأكبر، فجعله النبي ﷺ نصف الإيمان، وكلمة: (الإيمان) أحياناً تأتي بمعنى الصلاة، وأحياناً تأتي بمعنى الإسلام، والغالب في معنى الإيمان: أن يؤمن العبد بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره.
والإيمان في هذا لحديث بمعنى/ الصلاة، وقد جعلها نصفين، فالطهور نصفها، فمن صلى بغير طهور فإنها لا تعتبر صلاة، ولا تعتبر صلاة إلا إذا صلى الإنسان متطهراً، فكأن الطهور على النصف من ذلك، كما جاء في الحديث: (الطهور شطر الإيمان).
والمقصود به: أن يتطهر الإنسان ظاهراً وباطناً، فطهارة الباطن تكون بأن يطهر قلبه من أدناس الشرك، ومن عبادة غير الله ، يطهر قلبه من الغلّ والحقد والحسد والغش للمسلمين، فالطهور نصف إيمان الإنسان، فعلى الإنسان أن يهتم بتطهير قلبه وبدنه.
следующие страницы →