Полный текст (337 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
الترغيب في الصلوات الخمس
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين: روى الإمام أبو داود والنسائي عن عبادة بن الصامت ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (خمس صلوات كتبهن الله على العباد فمن جاء بهن ولم يضيع منهن شيئاً استخفافاً بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد، إن شاء عذبه، وإن شاء أدخله الجنة).
وفي رواية لـ أبي داود سمعت رسول الله ﷺ يقول: (خمس صلوات افترضهن الله من أحسن وضوءهن وصلاهن لوقتهن، وأتم ركوعهن وسجودهن وخشوعهن كان له على الله عهد أن يغفر له، ومن لم يفعل فليس له على الله عهد، إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه).
وروى أحمد عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رجلان من بلي -حي من قضاعة- أسلما مع رسول الله ﷺ فاستشهد أحدهما وأخر الآخر سنة، فقال طلحة بن عبيد الله فرأيت المؤخر منهما أدخل الجنة قبل الشهيد فتعجبت لذلك، فأصبحت فذكرت ذلك للنبي ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : (أليس قد صام بعده رمضان، وصلى ستة آلاف ركعة، وكذا وكذا ركعة صلاة سنة)، وفي رواية: (فلما بينهما أبعد من السماء والأرض).
стр. 37
أعمال تدخل الجنة
أحاديث أخرى يذكرها الحافظ المنذري في الترغيب في الصلوات الخمس، منها: حديث عبادة بن الصامت ﵁ ونحوه حديث لـ أبي الدرداء ﵁، ولفظ حديث أبي الدرداء: (خمس من جاء بهن مع إيمان دخل الجنة)، أي: خمس صلوات، فالإنسان المؤمن يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ويؤمن بالقدر خيره وشره، ومصدق بثواب هذه الصلوات عند الله سبحانه، فإذا جاء بهذه الصلوات مع الإيمان ويأتي بأربعة أشياء غير الصلوات، قال: (خمس من جاء بهن مع إيمان)، إذاًَ: فالأصل: الإيمان، ثم الخمس الأشياء التي ذكرها النبي ﷺ ، قال: (من حافظ على الصلوات الخمس، على وضوئهن، وركوعهن، وسجودهن، ومواقيتهن)، الصلوات الخمس، ولكنها ليست مجردة، أنه صلى فقط، بل أقام الصلاة وحافظ عليها، وليست صلاة واحدة فقط، بل الخمس الصلوات وكل يوم يواظب على ذلك، ويحافظ على هذه الصلوات حيث ينادى بهن، ويحافظ على وضوئهن، ويحافظ على ركوعهن وسجودهن، ومواقيتهن، وهنا فصل النبي ﷺ حتى لا يظن الإنسان أنه يصلي صلاة سريعة، صلاة لا يذكر الله فيها إلا قليلاً، وفي آخر وقتها، ويتكاسل عنها، صلاة يجمعها إلى غيرها من غير عذر، ويظن أنه داخل تحت هذا الحديث.
فقوله ﷺ : (حافظ على الصلوات الخمس على وضوئهن) يعني: أحسن الوضوء، وأسبغ الوضوء وأتقنه، ثم دخل في الصلاة فحافظ على الركوع وعلى السجود، أما الذي يصلي فلا يذكر الله فيها إلا قليلاً، صلاة يجمعها إلى غيرها من غير عذر، فليس بداخل تحت هذا الحديث، فمن حافظ على الصلوات الخمس على وضوئهن، يعني: أحسن الوضوء، وأسبغ الوضوء وأتقنه، ثم دخل في الصلاة فحافظ على الركوع وعلى السجود، وعلى مواقيت الصلاة، ويصليها على أول وقتها، ويسمع النداء فيذهب إلى بيت الله يصلي، فهو داخل تحت هذا الحديث، وكذلك إذا صلت المرأة في بيتها، فحافظت على ذلك، على الوضوء، وعلى الركوع، وعلى السجود فلا يسرع الإنسان في الركوع والسجود، ولا ينقرها نقر الغراب، ولكن يتقن الصلاة، ويتقن القراءة ويحسن، ويتقن التسبيح في الركوع، ثم يقول: (سمع الله لمن حمده) ويطمئن قائماً، ثم يسجد لله ويطمئن ساجداً، فإذا حافظ على ذلك فهي الأولى.
والثانية قال: (وصام رمضان).
والثالثة قال: (وحج البيت إن استطاع إليه سبيلا).
والرابعة قال: (وآتى الزكاة طيبة به نفسه).
فهذه أربعة أشياء مع إيمان، ومع كلمة التوحيد: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله بحق.
والخامسة قال: (وأدى الأمانة)، إذاً: الأصل: كلمة التوحيد: الإيمان بالله على ما ذكرنا، ثم هذه الخمسة الأشياء: الصلوات، صيام رمضان، أداء فريضة الحج إن استطاع إليه سبيلاً، آتى الزكاة، أدى الأمانة، (قيل: يا رسول الله! وما أداء الأمانة؟ قال: الغسل من الجنابة، إن الله لم يأمن ابن آدم على شيء من دينه غيرها)، فهذه أداء الأمانة.
فالإنسان الذي يكون على جنابة لا أحد يعرف أنه على جنابة، والمرأة التي جاءها الحيض ثم طهرت من الحيض، لا أحد يعرف أنها طهرت من الحيض إلا هي تعرف عن نفسها ذلك، فجعل الله أمانة على هذا العبد: أنه يتطهر بعد زوال السبب الذي منعه من الصلاة، فجعلها أمانة، لا أحد يراقب أحداً على هذا الشيء: هل أتى وقت الدورة للمرأة أم لم يأت؟ انتهى حيضها أم لم ينته؟ فهي مؤتمنة على فرجها، مؤتمنة على ذلك، والله ائتمن العبد على ذلك.
وقد ذكر الله الأمانة في القرآن: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:٧٢]، والأمانة: التكاليف الشرعية، والله هو الذي يعلم أن الإنسان العبد يؤديها بإتقان أو بغير إتقان، يؤديها بشروطها وأركانها على الصحة أم لا، يؤديها مخلصاً لله أم لا، فإذا أدى الأمانة كان له عند الله أن يدخله الجنة.
في حديث عبادة بن الصامت: (خمس صلوات كتبهن الله على العباد، فمن جاء بهن ولم يضيع منهن شيئاً استخفافاً بحقهن) وكأن الإنسان يضيع الصلوات مستخفاً بها، ومحتقراً للعقوبة، فليس في ذهنه أن الله سيحاسبه على ذلك، فلا يستحضر هذا الشيء، فيستخف بها، وهذا يستحق العذاب الأليم عند رب العالمين إذا شاء سبحانه.
لكن الذي يأتي بهن ولا يستخف بهن، ولا يضيع منهن شيئاً، وفي الرواية الأخرى: (من أحسن وضوءهن بوقتهن، وأتم ركوعهن وسجودهن وخشوعهن، كان له عهد على الله أن يغفر له)، إذا جاء بالصلاة على الوجه الذي يريده الله ويقبله منه، كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة.
والذي يفعل خلاف ذلك: فلا يأتي بالصلاة في أول وقتها، بل يتركها لآخر وقتها، ويجمع الصلاة مع الصلاة بغير عذر، ويضيع الركوع، ويضيع السجود، ولا يتقن صلاته، ولا يتقن وضوءه، فهذا لا عهد له عند الله.
نضرب مثلاً على ذلك: العهد في القتال: عندما يأتي الأمير في القتال أو القائد ويعطي العهد للذين يقاتلونهم، فيقول له: أعطيك أماناً، أمنتك، فلن يؤذيه بشيء، والذي يصلي قد أعطاه الله هذا الأمان، وأعطاه هذا العهد، يصلي على الكيفية التي ذكرناها، هذه الكيفية: هي الصلاة التي أمر الله بها في القرآن، وأرادها، ووعد عليها الأجر والثواب في الدنيا:: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥]، وفي الآخرة: له عند الله عهد ألا يعذبه، وله عند الله عهد أن يدخله الجنة.
فإذا لم يأت بهذه الصلاة على هذه الكيفية، فلا أمان له عند الله، ولا عهد له عنده سبحانه، فهو يقدم على خطر عظيم جداً، إن شاء ربه سبحانه غفر له، هذا أمر لله ، وإن شاء عذبه العذاب الأليم بذلك، قال في كتابه: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ [الماعون:٤ - ٦].
стр. 38
أحاديث تبين فضل الصلاة
ومن الأحاديث العظيمة الواردة في فضل الصلاة: حديث جاء عن سعد بن أبي وقاص ﵁، وحديث جاء عن أبي هريرة، وفيه: (أن رجلين كانا من بلي -حي من قضاعة- أسلما مع رسول الله ﷺ فاستشهد أحدهما وأخر الآخر سنة) هذا حديث أبي هريرة، وأما حديث سعد بن أبي وقاص: (كان رجلان أخوان فهلك أحدهما قبل صاحبه بأربعين ليلة)؛ فيه قصتان: الأولى: هما أخوان اثنان، واحد مات، والثاني مات بعده بأربعين ليلة، والقصة الثانية: أرادا الإسلام فأسلما مع النبي ﷺ ، وأحدهما استشهد والآخر مات بعده بسنة، ولاحظ هذا اللفظ الثاني الذي في حديث أبي هريرة أن الأول استشهد، قتل شهيداً في سبيل الله ، والثاني مات بعده بسنة ولم يستشهد.
فأحد الصحابة رأى رؤيا، قال طلحة بن عبيد الله: (فأريت الجنة) رأى الجنة، فرأيت المؤخر منهما أدخل الجنة قبل الشهيد، والشهيد قتل الأول، والآخر هذا مات بعده بسنة ولم يقتل، وطلحة بن عبيد الله هذا أحد العشرة المبشرين بالجنة ﵁، صحابي فاضل شلت يده في دفاعه عن النبي ﷺ في يوم أحد، وقاتل قتالاً عظيماً ﵁، وكان صوته في الجيش أقوى من صوت ألف رجل ﵁، هذا الرجل العظيم الفاضل رأى رؤيا في المنام، أن الاثنين أدخلا الجنة، فالذي مات دخل الأول، ودخل بعده الذي استشهد.
قال: (فلما بينهما أبعد من السماء والأرض) يعني: نظر إلى منزلة المتوفى فوجده في السماء، ومنزلة الشهيد في الأرض، وكأن البعد بين الاثنين كما بين السماء والأرض والاثنان في الجنة، فتعجب لذلك، حيث أن الشهيد أقل مرتبة من الذي مات، فسأل النبي ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : (أليس قد صام بعده رمضان؟) انظر إلى فضل شهر رمضان، فإن هذا أخذ أجر الشهادة وفوقها صيامه شهر رمضان وأنه أخر بعد هذا، قال: (وصلى ستة آلاف ركعة) يعني: صلاة سنة، ولو حسبتها لوجدتها ستة آلاف ركعة، فالسنة (٣٥٤) يوماً أو (٣٥٥) يوماً وهذه هي السنة الهجرية، ستضربها في (١٧) ركعة فريضة اليوم، ستبلغ حوالي: (٦٠١٨) ركعة، أو (٦١١٨) ركعة، ستة آلاف ركعة صلاها هذا الإنسان، فرفعته هذه المرتبة العظيمة عند الله رب العالمين، ستة آلاف ركعة، هذه الفريضة فقط.
قال: (وكذا ركعة صلاة سنة) بمعنى: أنه لم يصل فقط الفريضة التي بلغت ستة آلاف ركعة، ولكنه كان يصلي رواتب في اليوم عشر ركعات، أو أكثر أو أقل من ذلك، فانظر في السنة كم تبلغ هذه الصلوات؟ وانظر كيف ترفع الصلوات صاحبها، مع أن الشهيد له مرتبة عالية جداً عند الله ، وهذا الذي أخر بعده كان أعلى منه، ولذلك الإنسان لا يستعجل الموت أبداً، فلا يقول: يا رب! خذني فالنبي ﷺ يقول في الحديث: (خيركم من طال عمره وحسن عمله)، فكلما زيد في عمره عن الآخر زاد عنه بصلاة وصوم وعمل صالح، وكان أرفع له في الدرجة عند الله .
في حديث آخر للسيدة عائشة ﵂، تقول: إن رسول الله ﷺ قال: (ثلاث أحلف عليهن)، يحلف النبي ﷺ على ثلاث، وهو الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه، ولكن المعنى الذي يؤكد ذلك أنه يقول: ليكن في يقينكم، لتكونوا مؤمنين بهذا الذي أقوله، فإنه يقين يقين: (لا يجعل الله من له سهم في الإسلام كمن لا سهم له)، أي: أن الذي دخل في الإسلام وبعدها صار له سهم في الإسلام ليس كالذي دخل ولا سهم له؛ لأن ذلك لا يكون أبداً، ثم قال ﷺ : (وأسهم الإسلام ثلاثة: الصلاة والصوم والزكاة)، فالذي له صلاة، وله صوم، وله زكاة لن يكون مثل الذي ليس له، وقال هنا ﷺ : (ولا يتولى الله عبداً في الدنيا فيوليه غيره يوم القيامة).
إذاً: أولاً: أن العبد الذي يصلي ويصوم ويزكي مستحيل في عدل الله أن يجعل مثله من لا يفعل ذلك، والذي له سهم في الإسلام ليس كمن لا سهم له، وهذا فرق كبير بين الاثنين.
ثانياً: قال ﷺ : (لا يتولى الله عبداً في الدنيا فيوليه غيره يوم القيامة) ويقسم النبي ﷺ على ذلك، يعني: إذا كان ربك معك وأنت في الدنيا، يحفظك ويعينك على الصلاة، ويعينك على الصوم، ويعينك على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويتولاك في الدنيا، وتقول له: يا رب! فيعطيك، فإذا أعطاك في الدنيا فلن يتخلى عنك يوم القيامة، كما أنه كان معك في الدنيا فأنت تعبده فيتولاك فلن يتركك يوم القيامة، ويحلف على ذلك ﷺ ، والثالثة قال ﷺ : (ولا يحب رجل قوماً إلا جعله الله معهم).
فكل إنسان له مقدرة على العمل بصورة معينة، فمنهم من يقدر أن يصلي، والآخر يقدر أن يصوم النوافل، ومنهم من يقدر على قيام الليل كثيراً، والآخر لا يقدر، ولكن كل إنسان قد هيأه الله لما يصلح له، وجعل الناس كلهم شيئاً واحداً مستحيل جداً، والإنسان يتمنى أنه يكون مثل الصالحين، لما يسمع عن النبي ﷺ والصحابة الأفاضل، والتابعين والأئمة، فكيف سيكون مثلهم؟ فجعل لهم طريقة سهلة في ذلك، أن يعملوا الذي عليهم، والذي يقدرون عليه، فيكونون بذلك قد فعلوا الذي عليهم، ولكن هناك شيء آخر يوصلك إلى هؤلاء الأخيار، وهذا الشيء هو أن تحبهم، أن تحب الله ، وأن تحب رسول الله ﷺ ، وأن تحب الصحابة رضوان الله عليهم، وأن تحب التابعين لهم بإحسان، فإذا كنت تحب هؤلاء فالله يوصلك إلى منزلة هؤلاء بعملك المتواصل، فتحاول حتى تصل، فالإنسان يتمنى أن يحفظ القرآن كله، فيحاول ويجتهد فلا يستطيع، وبما أنه يحب حفاظ القرآن فالله قد يجعله معهم، بمحاولته للحفظ وبحبه لهؤلاء، فقال ﷺ : (ولا يحب رجلاً قوماً إلا جعله الله معهم، والرابعة لو حلفت عليها رجوت ألا آثم)، وحاشا له ﷺ أن يحلف على خطأ، أو على كذب، يقول: (لا يستر الله عبداً في الدنيا، إلا ستره يوم القيامة)، فهذا وعد، وهذا شيء عظيم من كرم رب العالمين سبحانه، أنه إذا ستر عبداً في الدنيا ستره يوم القيامة، وما من عبد إلا وله خطأ، فقد قال ﷺ في الحديث: (كل ابن آدم خطاء وخير الخطاءين التوابون)، فإذا وقع عبد في معصية، فندم وتاب واستغفر وستر على نفسه، وأصلح عمله، فلم يفضحه الله ولم يطلع أحداً على ذلك فتاب، فستره في الدنيا، فهذا وعد منه سبحانه أنه يستره أيضاً يوم القيامة.
فإذا كان العبد قد ستره الله بالليل، وفضح نفسه بالنهار، فقال: أنا عملت كذا وكذا، ويحكي عن نفسه ما فعل من الذنوب ويفضح نفسه فهو مفضوح في الدنيا وفي الآخرة، فهنا: الوعد أن الله إذا ستر العبد في الدنيا، والعبد ستر نفسه، لا يفضحه الله يوم القيامة، والعكس كذلك.
ومن الأحاديث التي جاءت في ذلك: حديث عبد الله بن قرط ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة في الصلاة، فإن صلحت صلح سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله)، فالصلاة أعظم شيء يتقرب الإنسان بها إلى الله بعد التوحيد، فإذا جاء يوم القيامة سأله الله عن الصلاة، فإذا صلحت هذه الصلاة وأداها كما أمر الله سبحانه حيث ينادى بها، صلح باقي العمل وأصبح سهلاً، فالله يغفر ويتجاوز، وإذا ضاعت الصلاة ضاع منه باقي العمل، والله يقول: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥]، ومستحيل أن الإنسان يحسن صلاته، ويتقنها بوضوئها وبخشوعها وبركوعها وسجودها وقيامها، ثم بعد ذلك يكون تاركاً للصوم، وتاركاً للزكاة، وتاركاً للنوافل، لا يمكن ذلك أبداً؛ لأن الله أخبرنا أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر.
فالمعنى: أن الصلاة هذه باب العبادة الكبير، الذي إذا دخل منه الإنسان أحسن جميع العبادات، والعبد يوم القيامة إذا وافى ربه بصلاة صحيحة مقبولة، فيقيناً أن باقي العمل سيكون صحيحاً كذلك.
وإذا كانت الصلاة فاسدة، وضيعها العبد، ضيع باقي عمله في الدنيا، نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 39
شرح الترغيب والترهيب - الترغيب في الصلاة مطلقًا وفضل الركوع والسجود والخشوع
لقد أمر الله بالصلاة، ورغب فيها، وجعلها ركناً من أركان الإسلام، التي لا يتم إلا بها، ذلك لأنها الفارقة بين المسلم والكافر والمشرك.
وهي أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة.
ولذلك اهتم الإسلام بها اهتماماً عظيماً، لدرجة أن النبي ﷺ كان لا يقاتل إلا إذا لم يسمع النداء بها، فالصلاة هي شعار الإسلام، وهي جنة المؤمنين في الدنيا، فقد كان النبي ﷺ إذا حزبه أمر فزع إليها، فقد جعلت قرة عينه، وقد كثرت الأحاديث المرغبة فيها، والتي تحظ على المحافظة عليها، مبسوطة في مظانها.
стр. 40
شرح حديث أبي مالك الأشعري ﵁ (الطهور شطر الإيمان)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين: أما بعد: قال الإمام المنذري ﵀: (الترغيب في الصلاة مطلقاً وفضل الركوع والسجود والخشوع): روى مسلم وغيره عن أبي مالك الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها).
وروى أحمد عن أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ : (خرج في الشتاء والورق يتهافت فأخذ بغصن من شجرة، قال: فجعل ذلك الورق يتهافت، فقال: يا أبا ذر! قلت: لبيك يا رسول الله! قال: إن العبد المسلم ليصلي الصلاة يريد بها وجه الله تتهافت عنه ذنوبه كما يتهافت هذا الورق عن هذه الشجرة).
وعن ثوبان أن النبي ﷺ قال: (عليك بكثرة السجود لله، فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة).
رواه مسلم.
وروى ابن ماجة عن عبادة بن الصامت ﵁: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (ما من عبد يسجد لله سجدة إلا كتب الله له بها حسنة، ومحا عنه بها سيئة، ورفع له بها درجة، فأكثروا من السجود).
هذه الأحاديث عن النبي ﷺ التي ذكرها الحافظ المنذري ﵀ هي في الترغيب في الصلاة مطلقاً، وفي الترغيب في كثرة الصلاة، سواء كانت نوافل لها سبب، أو ليست لها سبب.
وأيضاً هي في فضل الركوع والسجود والخشوع.
ومن هذه الأحاديث التي ذكرها: حديث أبي مالك الأشعري أن النبي ﷺ قال: (الطهور شطر الإيمان).
و (الطهور) هو: أن يتطهر الإنسان لصلاته، سواء من الحدث الأصغر أو من الحدث الأكبر، فجعله النبي ﷺ نصف الإيمان، وكلمة: (الإيمان) أحياناً تأتي بمعنى الصلاة، وأحياناً تأتي بمعنى الإسلام، والغالب في معنى الإيمان: أن يؤمن العبد بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره.
والإيمان في هذا لحديث بمعنى/ الصلاة، وقد جعلها نصفين، فالطهور نصفها، فمن صلى بغير طهور فإنها لا تعتبر صلاة، ولا تعتبر صلاة إلا إذا صلى الإنسان متطهراً، فكأن الطهور على النصف من ذلك، كما جاء في الحديث: (الطهور شطر الإيمان).
والمقصود به: أن يتطهر الإنسان ظاهراً وباطناً، فطهارة الباطن تكون بأن يطهر قلبه من أدناس الشرك، ومن عبادة غير الله ، يطهر قلبه من الغلّ والحقد والحسد والغش للمسلمين، فالطهور نصف إيمان الإنسان، فعلى الإنسان أن يهتم بتطهير قلبه وبدنه.
стр. 41
فضل التسبيح والتحميد
قال ﷺ : (والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض).
أي: أن كلمة (الحمد لله) لو وضعت في ميزان، أو لو جُعلت جرماً، -أي: شيئاً محسوساً يرى،- لرأيتها تملأ الميزان، أي: تملأ كفة الميزان يوم القيامة، وتثقل عملك، وقوله ﷺ : (وسبحان الله والحمد لله تملآن) أي: أن هاتين الكلمتين لو تخيلت لهما حجماً موجوداً لرأيتهما تملآن ما بين السماء والأرض من عظيم ثوابهما.
стр. 42
فضل الصلاة
قال ﷺ : (والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء)، والصلاة مأمور بها العبد، وكذلك الصدقة والصبر، وقد شبه النبي ﷺ صلاة الإنسان بالنور، وهناك فرق بين النور والضياء، فالنور تستفيد منه وترى فيه من غير أن يؤذيك، وأما الضياء فتستفيد منه وترى فيه أيضاً ولكن فيه إحراق ولفح، فشبه النبي ﷺ الصلاة بالنور؛ لأنها كلها خير، وليس فيها إيذاء وتعب، فقد قال ﷺ : (صلّ قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب).
فالصلاة خير عظيم من رب العالمين، ولا تعب فيها، فإن تعبت وأنت قائم فصل قاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب، وكل التكاليف لابد وأن يكون فيها شيء من المشقة، ولكن الصلاة سهلة ومريحة، فشبهها بالنور؛ لأنها كلها فائدة، وتعبها يسير.
стр. 43
فضل الصدقة
قال ﷺ : (والصدقة برهان)، أي: برهان على إيمان الإنسان، وعلى أنه ليس شحيحاً أو بخيلاً، بل هو يخرج الصدقة ويتصدق بها، ففرق بين الإنسان الشحيح الذي لا يريد أن يخرج ما معه من المال، ولا يريد أن يعطي الفقراء، ولا ما أمره الله به، وبين الإنسان المؤمن، فالكل في مسألة الإيمان يقول: أنا مؤمن، والكل يقول: أنا جيد، وأنا جواد، وغيرها، ولا يظهر برهان وحقيقة دعوى هذا الإنسان إلا وقت النفقة، فإذا أنفق وتصدق دل هذا على قوة إيمان هذا العبد الذي يدفعه لأن يتصدق وأن يخرج ما معه.
فالصدقة برهان على قوة إيمان هذا الإنسان، فإن إيمانه هو الذي يدفعه أن يؤدي الزكاة الواجبة عليه، ويدفعه أيضاً إلى الصدقة.
стр. 44
فضل الصبر
قال ﷺ : (والصبر ضياء) فيصبر الإنسان على قضاء الله وقدره، وعلى البلاء والمصائب، والمصيبة تؤذي العبد وقد تحرقه من شدتها وقسوتها، ولكنه يصبر وينتظر الأجر من الله، فيجد النور والضياء والأجر من الله على الصبر.
ولا يؤجر الإنسان على الصبر إلا إذا عانى من المشقة، وصبر على الأمر الصعب الشديد الذي كأنه يحرقه.
ولذلك وصف النبي ﷺ الصبر بأنه ضياء، ففرق بين وصف الصلاة بأنها نور، ووصف الصبر بأنه ضياء.
فإن الصلاة فيها سهولة، وليس فيها مشقة شديدة، ولكن الصبر كظم للغيظ وكتم للحزن، ولذلك فإن سيدنا يعقوب ﵊ لما صبر على فقد ابنيه ابيضت عيناه من شدة كظمه غيظه، كما قال تعالى: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف:٨٤]، أي: من شدة كتمه غيظه وحزنه ابيضت عيناه وذهب نورهما، فالصبر ضياء.
стр. 45
فضل قراءة القرآن
قال ﷺ : (والقرآن حجة لك أو عليك)، أي: قد يكون حجة لعبد، وقد يكون حجة على عبد آخر، فالعبد الذي عرف أحكام الله فعمل بها، وتلا كتاب الله وقام به آناء الليل وأطراف النهار، وأرضى به ربه سبحانه، فإن القرآن يكون حجة له، وأما الإنسان الذي جعل القرآن وراءه ظهرياً فإنه يكون حجة عليه.
стр. 46
شرح حديث أبي ذر الغفاري ﵁: (إن العبد المسلم ليصلي الصلاة)
وعن أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ : (خرج في الشتاء والورق يتهافت فأخذ بغصن من شجرة، قال: فجعل ذلك الورق يتهافت، فقال: يا أبا ذر! قلت: لبيك يا رسول الله! قال: إن العبد المسلم ليصلي الصلاة يريد بها وجه الله فتهافت عنه ذنوبه كما يتهافت هذا الورق عن هذه الشجرة)، يعني: كما أن الريح تطير أوراق الأشجار، كذلك الصلاة تمحو الذنوب، ولا تبقي منها شيئاً، فالصلاة عظيمة الأجر، مكفرة للذنوب.
стр. 47
كثرة السجود سبب لدخول الجنة
وعن معدان بن أبي طلحة ﵁ قال: لقيت ثوبان مولى رسول الله ﷺ ، فقلت: (أخبرني بعمل أعمله يدخلني الله به الجنة؟ -وكرر الشيء ثلاث مرات- فقال ثوبان: سألت رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: عليك بكثرة السجود لله).
وكل إنسان يريد أن يدخل الجنة، ولكن دخولها ليس بسيطاً ولا سهلاً، فمن أراد دخولها فليعمل لها، ولذلك كان النبي ﷺ ينصح أصحابه أن من أراد أن يدخل الجنة فليعنه على نفسه بكثرة السجود، فقال لـ ثوبان: (عليك بكثرة السجود لله، فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة، وحط بها عنك خطيئة).
وعن ربيعة بن كعب، قال: (كنت أخدم النبي ﷺ نهاري)، وقد كان الصحابة يحبون أن يخدموا النبي ﷺ ، طمعاً في الأجر من الله .
فهذا ربيعة بن كعب ﵁ يقول: (كنت أخدم النبي ﷺ نهاري، فإذا كان الليل أويت إلى باب رسول الله ﷺ فبت عنده)، يعني: يريد أن يكون خادماً للنبي ﷺ بالليل وبالنهار، فكان بالنهار يخدمه، بالليل ينام بجوار عتبة باب النبي ﷺ لعل النبي ﷺ يحتاجه في شيء، قال: (فلا أزال أسمعه يقول: سبحان الله! سبحان الله! سبحان ربي! حتى أمل أو تغلبني عيني فأنام فقال يوماً: يا ربيعة! سلني فأعطيك)، يعني: اطلب مني ما تحتاجه فأعطيك كما خدمتني.
(قال: فقلت: أنظرني حتى أنظر)، يعني: حتى أفكر فيما أسألك.
(قال: وفكرت أن الدنيا فانية منقطعة، فقلت: يا رسول الله! أسألك أن تدعو الله أن ينجيني من النار ويدخلني الجنة).
أي: أنه فكر أنه لو طلب منه مالاً أو أرضاً أو إبلاً أو بقراً فسيعطيه، ولكن هذا كله سيزول، فقال: أطلب من النبي ﷺ أن يدعو الله أن ينجيني من النار وأن يدخلني الجنة، فلما طلب ذلك قال: (فسكت رسول الله ﷺ ، ثم قال: من أمرك بهذا؟ -من الذي علمك أن تقول لي هذا؟ - قال: قلت: ما أمرني به أحد، ولكني علمت أن الدنيا منقطعة فانية، وأنت من الله بالمكان الذي أنت منه، فأحببت أن تدعو الله لي، فقال ﷺ : إني فاعل)، أي: سأدعو لك، ولابد لك من أن تعمل، فقال: (إني فاعل أي: سأدعو لك- فأعني على نفسك بكثرة السجود).
يعني: لا تتكل على دعائي فإنما هو وسيلة، ولكن لابد لك من فعل السبب الذي تستحق به هذا، وهو أن تكثر من السجود، حتى يقبل الله دعائي لك.
стр. 48
بيان أن الصلاة خير من الدنيا عند أصحاب القبور
وعن أبي هريرة ﵁ قال: (إن رسول الله ﷺ مرّ بقبر فقال: من صاحب هذا القبر؟ فقالوا: فلان، فقال ﷺ : ركعتان أحب إلى هذا من بقية دنياكم).
وقد أمرنا النبي ﷺ أن نزور القبور وقال: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها تذكر الآخرة).
وقد كان نهاهم في فترة من الفترات أن يزوروا القبور، وكان السبب في النهي: الخوف من الشرك، أي: حتى لا يقعوا في الشرك بالله ؛ لأنهم كانوا معتادين على دعاء القبور وعلى عبادة الأصنام، فمنعهم من ذلك وكانوا معتادين على التفاخر بما في القبور من أهليهم والتكاثر بعشيرتهم، فنهاهم فترة عن ذلك؛ سداً لذريعة الشرك والتفاخر بالأجداد، ثم لما استقر في قلوبهم الإيمان والتوحيد والبعد عن التفاخر بالأهل والأنساب أمرهم النبي ﷺ بزيارة القبور للاتعاظ، والتفكر في نفسه وفي صحته وفي عافيته، وفي صلاته وعمله، وصحة عبادته، وأن هذا الذي في هذا القبر يتمنى لو أنه خرج إلى الدنيا ليصلي ركعتين فقط، فقد قال النبي ﷺ لما سأل عن صاحب القبر فأخبروه أنه رجل من المسلمين: (ركعتان أحب إلى هذا من بقية دنياكم)، يعني: الباقي من الدنيا إلى أن تقوم الساعة، أي: لو قيل له: أنعطيك هذه الدنيا كلها أو تصلي ركعتين؟ لقال: أصلي ركعتين أحب إلي من ذلك، ونحن الآن في هذه الدنيا ليس أمامنا ركعتان فقط، بل ركعات كثيرة، فلنصلي ولنكثر من الركعات.
стр. 49
عظم أجر السجود وفضله
وفي الأثر عن مطرف قال: (قعدت إلى نفر من قريش، فجاء رجل فجعل يصلي ويركع ويسجد ولا يقعد، فقلت: والله ما أرى هذا يدري ينصرف على شفع أو على وتر؟ فقالوا: ألا تقوم إليه فتقول له؟ قال: فقمت)، أي: كأنه صلى صلاة كثيرة، وصلى الركعات متصلات، ولم يجلس بينهن للتشهد، وإنما جلس للتشهد في النهاية، وهذا يجوز في صلاة الضحى، فإذا صلاها أكثر من ركعتين جاز له أن يصلي ركعتين ويسلم، وجاز له أن يصلي أربع ركعات ويسلم، ويجوز أكثر من ذلك، سواء جلس في التشهد الأوسط في الأربع الركعات أو لم يجلس.
وكذلك يجوز للإنسان في قيام الليل أن يصلي تسع ركعات متصلة، ولا يجلس إلا في الثامنة والتاسعة، وإن كان الأفضل له أن يصلي ركعتين ركعتين، كما جاء في حديث النبي ﷺ : (صلاة الليل والنهار مثنى مثنى).
فهذا الرجل دخل وصلى ركعات كثيرة من غير أن يجلس للتشهد بين كل ركعتين، وإنما جلس في النهاية وسلم، وكأنه في قيام الليل، فلما رآه مطرف قال: (والله ما أرى هذا يدري ينصرف على شفع أو على وتر)، يعني: أنه لا يدري كم صلى، فلما قال ذلك، قالوا له: قم فأخبره، فقام وهو يظن نفسه أنه ينصحه، فقال: (يا عبد الله! ما أراك تدري تنصرف على شفع أو على وتر؟ فرد عليه الرجل وقال: ولكن الله يدري)، أي: إذا كنت لا أدري فربنا يدري، فكان جواباً مؤدباً ومهذباً من رجل فاضل، قال الرجل: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من سجد لله سجدة كتب الله له بها حسنة، وحط عنه بها خطيئة، ورفع له بها درجة).
قال مطرف: (فقلت من أنت؟ فقال: أبو ذر الغفاري قال: فرجعت إلى أصحابي، فقلت: جزاكم الله من جلساء شراً، جزاكم الله من جلساء شراً)، يعني: تطلبون مني أن أنصح صحابياً، وأنتم تعرفون أنه صحابي؟ قال: أفتأمروني أن أعلم رجلاً من أصحاب رسول الله ﷺ ؟ أي: أنه لا يليق بتابعي أن يعلم صحابياً، وكان الأحرى بهؤلاء أن يقولوا له: إن هذا أبو ذر الصحابي، فقم تعلم منه ولا تنكر عليه، فالغرض من هذا: بيان أن الصلاة فيها هذا الفضل كله، وكل سجدة فيها يكتب الله للعبد بها حسنة ويحط عنه بها خطيئة ويرفع له بها درجة.
وفي رواية يقول مطرف: (فرأيته يطيل القيام، ويكثر الركوع والسجود)، أي: أنه لم يصلها بسرعة بحيث لا يدري ما يقول فيها، وإنما كان يطيل القيام، فصلى قياماً طويلاً وركوعاً طويلاً وسجوداً طويلاً، وأكثر من الركوع والسجود.
قال: (فذكرت له ذلك، فقال الصحابي ﵁: ما آلوت أن أحسن)، يعني: لقد اجتهدت أن أحسن في صلاتي، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من ركع ركعة أو سجد سجدة رفع له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة).
стр. 50
الحرص على الإكثار من الصلاة
هذه بعض فضائل الصلاة، والإنسان المؤمن الذي يعرف هذه الأحاديث في فضيلة الصلاة فإنه يكثر من الصلاة، ويكثر من الركوع ومن السجود، ولا يضيع وقته في أمر الدنيا، والإنسان قد يبقى أحياناً فارغاً، ويضيع وقته في اللغو وفي الكلام الفارغ، فأفضل منه لو أنه توضأ وصلى ركعتين، فإن في الوضوء أجراً، فهو يحط خطايا الوجه واليدين والرأس والرجلين في أثناء الوضوء، فإذا قام إلى الصلاة تساقطت عنه الذنوب.
فالمؤمن لا يضيع وقته في الكلام مع الخلق وفي اللغو وفي اللعب وفي اللهو، وإنما يكون في أمر الصلاة ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، فهي باب الجنة الموصلة إليها.
نسأل الله أن يجعلنا من أهل جنته.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 51
شرح الترغيب والترهيب - الترغيب في الصلاة في أول وقتها
إن شوق المؤمن لمناجاة ربه غالبة إن صدقت محبته له، ولذا لا يفرط في الصلاة عموماً، بل لا يفرط في الجماعة ويحرص عليها أتم الحرص، وليس ذلك فحسب، بل لا تفوته تكبيرة الإحرام، وقد يتقدم إلى المسجد قبل الصلاة ولا عجب في ذلك، إنه الشوق.
стр. 52
فضل الإتيان بالصلاة في أول وقتها
الحمد الله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الإمام المنذري ﵀: الترغيب في الصلاة في أول وقتها.
روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (سألت رسول الله ﷺ : أي العمل أحب إلى الله تعالى؟ قال: الصلاة على وقتها، قال: قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين، قال: قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قال: حدثني بهن رسول الله ﷺ ، ولو استزدته لزادني).
وروى أبو داود عن أم فروة ﵂ وكانت ممن بايع النبي ﷺ ، قالت: (سئل النبي ﷺ : أي الأعمال أفضل؟ قال: الصلاة لأول وقتها).
وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (صلاة الرجل في جماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمساً وعشرين ضعفاً؛ وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج من المسجد لا يخرجه إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة وحط عنه بها خطيئة، فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه مادام في مصلاه ما لم يحدث، اللهم صل عليه، اللهم ارحمه، ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة).
يذكر الإمام المنذري ﵀ أحاديث منها: حديث ابن مسعود رضي الله ﵎ عنه في سؤاله النبي ﷺ : (أي العمل أحب إلى الله؟)، وفي رواية أخرى: لرجل من أصحاب النبي ﷺ : (أي العمل أفضل؟)، يريد من الأعمال التي يتعبد بها العبد لربه ، وكأنه يقول: ما هي الأعمال الفاضلة التي هي أحب إلى الله ؟ فأجابه النبي ﷺ : (الصلاة على وقتها)، وهذا الحديث يوضحه حديث أم فروة بعده المروي في سنن أبي داود وفيه: أن النبي ﷺ قال: (الصلاة لأول وقتها)، أي: إذا نودي للصلاة استحب أن يذهب المسلم حيث ينادى بالصلاة، ثم يصلي هذه الصلاة فيصلي مع الجماعة، وجعل هذا العمل هو المقدم على غيره من أعمال، بل هو أول الأعمال، ويليه بر الوالدين، ثم الجهاد في سبيل الله.
والمتأمل في هذا الترتيب يعلم فضيلة الصلاة، وكيف أنها أفضل العمل الذي يعمله العبد متقرباً به إلى الله ، ويؤكد هذا المعنى ما روي عن رجل من أصحاب النبي ﷺ : أن النبي ﷺ سئل أي العمل أفضل؟ قال: (الصلاة لوقتها، وبر الوالدين، والجهاد).
стр. 53
فضل صلاة الجماعة وأهمية المحافظة عليها
ومن الأحاديث المذكورة: حديث لـ أبي هريرة ﵁، وفيه الحث على صلاة الجماعة، إذ أن صلاة الجماعة واجبة على الرجل، ولذا ينبغي أن يذهب إليها حيث ينادى بالصلاة، ولابد أن يعلم أن أمر صلاة الجماعة من الأهمية بمكان، فإن الشأن في صلاة الجماعة أنها تجمع المسلمين في بيت الله ، ومن ثم تكون سبباً أن يحدث بين المسلمين التعارف، وقد قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات:١٣]، وأفضل الأماكن التي يتعرف المسلم فيها على أخيه المسلم هي بيوت الله ، فيعرفه بالتقوى، ويعرفه بمواظبته على الصلاة وحرصه على دين الله سبحانه، كما أن المسلم إذا فقد أخاه في صلاة الجماعة سئل عنه فربما كان مريضاً، أو محتاجاً، فإذا كان في حاجة من الحوائج أعانه وكان معه.
وفي الحديث يخبرنا النبي ﷺ : أن الصلاة في بيت الله سبحانه تضعف على صلاة الإنسان في بيته وفي سوقه خمساً وعشرين ضعفاً، قال ﷺ : (صلاة الرجل في جماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمساً وعشرين ضعفاً؛ وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة) أي: خرج من بيته لا يريد إلا الصلاة، قال: (لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة)، ثم قال: (فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه)، إذ الإنسان إذا كان خارجاً لصلاة الجماعة، بعد أن توضأ في بيته، فخرجت بعض خطاياه بوضوئه، ثم خرج من بيته يريد الصلاة فكلما خطا خطوة رفع بها درجة، أو كتب له بها حسنة، أو حط بها عنه خطيئة، حتى يصل إلى المسجد، فإن صلى لله أو انتظر الصلاة فهو في صلاة، فإن انتهى من الصلاة ومكث في المسجد يسبح الله ويذكره كان في صلاة، وكتبت له فضيلة الصلاة مادام في بيت الله .
قوله: (فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه مادام في مصلاه ما لم يحدث، تقول الملائكة: اللهم صل عليه، اللهم ارحمه، ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة)، أي أنه إذا أكمل صلاة الفريضة ثم جلس حتى أتت الفريضة التي تليها تكتب له جلسته صلاة، وهكذا ما بين الصلاتين يكتب له كأنه يصلي، وشرط ذلك: أن يكون على وضوء، وأن يجلس في مصلاه.
ومن الآثار الواردة: أثر لـ ابن مسعود ﵁، وفيه يبين أهمية صلاة الجماعة، وأنها ليست بالبساطة التي يعتقدها الناس الذين يتهاونون عنها أو يتركونها، بل ربما قد يترك أحدهم الصلاة من أصلها، والأثر يرويه الإمام مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن ابن مسعود أنه قال: من سره أن يلقى الله غداً مسلماً فليحافظ على هؤلاء الصلوات، ويدل على هذا الكلام حديث النبي ﷺ : (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر)، يقول ابن مسعود: فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن -أي في المسجد- فإن الله تعالى شرع لنبيكم ﷺ سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته، لتركتم سنة نبيكم ﷺ ، ولو تركتم سنة نبيكم ﷺ لضللتم، وما من رجل يتطهر فيحسن الطُهور، ثم يعمِد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه بها سيئة.
وقد أثر عن ابن مسعود أنه قال: (ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق) أي: أنه في عهد النبي ﷺ لم يكن يتخلف عن هذه الصلاة إلا رجل موسوم بالنفاق معلوم عند الناس بالنفاق.
ثم يقول: (ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين رجلين حتى يقام في الصف) وهذا من حرصهم على صلاة الجماعة، فيكون أحدهم متعباً لا يستطيع المشي إلا أن يستند على اثنين فيسندوه ويوقفوه في الصف، كل ذلك حرصاً على صلاة الجماعة ألا تضيع منه، ومع أن له عذره بسبب المرض؛ لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور:٦١]، ولكن مع اعتيادهم على صلاة الجماعة، وحبهم لصلاة الجماعة، كان الواحد منهم يفضل أن يستند على غيره ليصلي في المسجد على أن يصلي في بيته، وقد رأينا النبي صلوات الله وسلامه عليه، وهو في آخر حياته، كيف أنه سأل عن الصلاة في يوم من الأيام، وكان مريضاً وعكاً صلوات الله وسلامه عليه: أقيمت الصلاة؟ فقالوا: لا، فأراد أن يقوم ليصلي ﷺ ، فلما قام سقط ﷺ ولم يقدر على القيام، فقال: ائتوني بماء، فأتوا له بطست فيه ماء، فصب على النبي ﷺ من الماء ليغتسل فيصحو من الحمى، ويذهب إلى الصلاة ﷺ ، فلما قام أراد أن يذهب ناء ﷺ ولم يقدر -أي: سقط مرة ثانية- فأتوا بماء مرة أخرى وصبوا عليه ﷺ ، وهكذا مرة بعد أخرى وهو لا يستطع أن يقوم، حتى قدر في مرة أن يقوم فخرج متكئاً على عمه العباس وابن عمه علي رضي الله ﵎ عنهما، ورجلاه تخطان في الأرض، يريد أن يصلي بالناس صلوات الله وسلامه عليه.
فقد يكون الإنسان مريضاً، لكن حبه لصلاة الجماعة يجعله يواظب عليها، مع أن له العذر أن يصلي منفرداً في بيته، ولكن شدة حبه لصلاة الجماعة والمحافظة عليها تجعله يأتي إلى بيت الله كما صنع هذا الذي ذكره ابن مسعود رضي الله ﵎ عنه اقتداء بالنبي صلوات الله وسلامه عليه.
وقول ابن مسعود: لقد رأيتنا وما يتخلف عن الصلاة إلا منافق قد علم نفاقه أو مريض.
بمعنى: أن المريض الذي يجهد نفسه، ويأتي المسجد مأجور، ولكن لو أنه لم يأت أيضاً مأجور، وأجره كأجر الجماعة؛ لأنه معذور، وقوله: إن كان الرجل ليمشي بين رجلين حتى يأتي إلى الصلاة، معناه: مستند على رجلين.
стр. 54
يعجب الله تعالى من صلاة الجماعة
ومن الأحاديث التي جاءت عن النبي ﷺ : ما روي عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الله ﵎ ليعجب من الصلاة في الجمع)، أي: صلاة الجماعة، والمعنى: أن الله يعجبه ذلك، ويفرح به، ويحب عبده الذي يواظب على صلاة الجماعة، فصلاة الجماعة والمواظبة عليها ينبغي أن يحرص عليها المسلم أشد الحرص، كما ينبغي أن يحرص على أن يسمع تكبيرة الإحرام من الإمام، وهي أول تكبيرة في الصلاة، وقد ورد في فضيلة المحافظة عليها حديث رواه الترمذي عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من صلى لله أربعين يوماً في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كتبت له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق)، قوله: (من صلى لله أربعين يوماً)، كأن العدد فيه مقصود، ففي قصة سيدنا موسى ﵊ حين واعده ربه سبحانه أن ينزل عليه التوراة، فواعده أن يتعبد لله ثلاثين يوماً، ثم أتبعها بعشر قال تعالى: ﴿وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف:١٤٢]، فجعلها أربعين يوماً، فكأن هذا العدد له مزية في العبادة والمواظبة على العبادة، وكأنه إذا وصل إليه الإنسان في المواظبة على العبادة، كانت له العبادة بعد ذلك عادة فلا تشق عليه.
فقوله في صلاة الجماعة: (من صلى لله أربعين يوماً في جماعة) أي: مائتي صلاة، لا أربعين صلاة، وهي عدد الصلوات في أربعين يوماً، ويشترط لنيل هذا الفضل: أن (يدرك التكبيرة الأولى) وهي تكبيرة الإحرام، أي: يسمع الإمام وهو يكبر تكبيرة الإحرام.
وقوله: (كتبت له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق)، فيه فضيلة عظيمة جداً تجعل الإنسان يحرص قدر المستطاع على أن يواظب على صلاة الجماعة في بيت الله من أجل أن ينال هذه الفضيلة.
وقوله: (براءتان: براءة من النفاق)، أي أن الله يؤمنه أن يقع في النفاق، ويعصمه من أن ينافق نفاق عقيدة، أو نفاق عمل بفضل هذه المواظبة، فالمعلوم أن المنافقين كما أخبر الله عنهم: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء:١٤٢]، فالبراءة المذكورة في الحديث أنها من النفاق أي: لا يقوم كسلان، إذ كيف يقوم كسلان وهو جاهد أن يدرك تكبيرة الإحرام، فالفرق كبير بين هذا الإنسان وبين هؤلاء، بل لا يوجد تناسب بين الإنسان المؤمن والإنسان المتكاسل عن الصلاة.
وقوله: (وبراءة من النار)، أي أنه لا يكون من أهل النار يوم القيامة، وليس معنى الحديث: أن من أدرك تكبيرة الإحرام أربعين يوماً لا يواظب عليها بعدها، أو يجلس في البيت ولا يصلي متوهماً أنه مادام قد أخذ جائزته فله أن يترك الصلاة، بل المراد: المواظبة على تكبيرة الإحرام.
ولذلك جاء عن السلف رضوان الله عليهم: أنهم كانوا إذا فاتت أحدهم تكبيرة الإحرام يعزي نفسه ويعزونه الناس ثلاثة أيام، أما الصلاة فهو مدركها، لكن فاتته تكبيرة الإحرام.
أما إذا فاتت أحدهم الصلاة في وقتها، فإنهم يعزونه أسبوعاً على ما فاته، وكأن مصيبة نزلت به، كالمصيبة التي تنزل بالإنسان فيعزى من أجلها، كموت أحد أقاربه.
لذلك ينبغي على الإنسان المسلم أن يحرص على المواظبة على تكبيرة الإحرام، ولعله لا يدرك ذلك من أول مرة، كأن يواظب أسبوعاً ثم يقطعها، فينبغي عليه أن يعيد ذلك مرة ثانية وثالثة حتى يوفقه الله، قال تعالى: ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الأنفال:٧٠]، فالله أدرى بمن يستحق ذلك الفضل، إذ الأمر ليس هيناً يمكن أن يدرك بسهولة، كما أن كثرة المشاغل في الدنيا تحول في الغالب دون الاستمرار في ذلك، ولكن الله قد يعلم من نية العبد المواظبة فيكتب له الأجر والثواب حتى ولو فاتته تكبيرة الإحرام في بعض الصلوات، ولكن العبد يعامل نفسه بما جاء في الحديث، وينتظر رحمة الله من وراء ذلك.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 55
شرح الترغيب والترهيب - الترغيب في كثرة الجماعة
الصلاة صلة بين العبد وربه، والمحافظة عليها جماعة من أفضل القربات عند الله، ولها من الأجر والثواب العظيم ما تفضل به عن صلاة الفرد؛ إذ كلما كثرت الجماعة بالمصلين كان الثواب أكثر.
стр. 56
فضل صلاة الجماعة وكثرتها
стр. 57
ثقل صلاة الفجر والعشاء على المنافقين
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الحافظ المنذري ﵀: [الترغيب في كثرة الجماعة.
روى الإمام أحمد وأبو داود والنسائي عن أبي بن كعب ﵁ قال: (صلى بنا رسول الله ﷺ يوماً الصبح فقال: أشاهد فلان؟ قالوا: لا.
قال: أشاهد فلان؟ قالوا: لا.
قال: إن هاتين الصلاتين أثقل الصلوات على المنافقين، ولو تعلمون ما فيهما لأتيتموهما ولو حبواً على الركب، وإن الصف الأول على مثل صف الملائكة، ولو علمتم ما في فضيلته لابتدرتموه.
وإن صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وكلما كثر فهو أحب إلى الله .
وروى البزار والطبراني عن قباث بن أشيم الليثي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (صلاة الرجلين يؤم أحدهما صاحبه أزكى عند الله من صلاة أربعة تترى، وصلاة أربعة أزكى عند الله من صلاة ثمانية تترى، وصلاة ثمانية يؤمهم أحدهم أزكى عند الله من صلاة مائة تترى)].
المقصد أن المسلم يصلي الجماعة قدر المستطاع، وكلما كانت الجماعة أكثر عدداً كانت للإنسان أزكى وأفضل، فلذلك على المسلم أن يكون مع الجماعة الكثيرة خاصة الذين يقيمون سنة النبي ﷺ ، ويعملون بهديه صلوات الله وسلامه عليه.
فهنا من الحديث حديث أبي بن كعب ﵁: (صلى بنا رسول الله ﷺ يوماً الصبح فقال: أشاهد فلان؟ قالوا: لا) فهو يسأل عن بعض الناس، حيث كان النبي ﷺ يتفقد أصحابه، فمن غاب عن الصلاة سأل عنه النبي ﷺ أين فلان؟ فلعل فلاناً هذا يكون مريضاً فيعوده النبي ﷺ ، أو يدعو له، أو لعل له عذراً فيسأله عن عذره، أو لعله لا يكون له عذر فيعاتبه النبي ﷺ على ذلك.
فقالوا: غير موجود هذا الإنسان، فالنبي ﷺ قال: (إن هاتين الصلاتين أثقل الصلوات على المنافقين).
فصلاة الصبح ثقيلة، حيث يترك الإنسان فراشه ويذهب للصلاة، وصلاة العصر يكون الإنسان في تعب ورجوع من شغل فيترك بيته ويذهب لصلاة الجماعة.
كذلك في صلاة العشاء والصلوات الخمس، والمنافقون إذا أتوها فإنما يأتونها وهم كسالى ولا يذكرون الله فيها إلا قليلاً.
فكان النبي ﷺ في صلاة الصبح يسأل: أشاهد فلان؟ أشاهد فلان؟ ثم ذكر ﷺ : (لو تعلمون ما فيهما لأتيتموهما ولو حبواً على الركب) أي: لو تعرف ما في صلاة الفجر وصلاة العصر من فضيلة لأتيت هاتين الصلاتين ولو حبواً على الركب.
стр. 58
فضل الصف الأول على غيره من الصفوف
قال النبي ﵌: (وإن الصف الأول على مثل صف الملائكة، ولو علمتم ما في فضيلته لابتدرتموه) أي: لتسابقتم إلى الصف الأول.
وهو صف يشبه صفوف الملائكة، فالملائكة المقدمون عند الله أفضل من المؤخرين، فكذلك أهل الصف الأول في الصلاة أفضل عند الله من المؤخرين، ولذلك جاء في الحديث: (إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول، قالوا: والثاني، فقال: إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول قالوا: والثاني؟ قال: والثاني).
فهذا يدل على أن الصف الأول له فضيلة عظيمة، وإذا علم الإنسان هذه الفضيلة سابق إليها، وليس معنى المسابقة أن يلحم الناس بعضهم بعضاً، ويضايق الناس بعضهم بعضاً، ولكن الإنسان يحرص على أنه يكون موجوداً في الصف الأول، فإذا لم يجد مكاناً وقف في الصف الثاني، ومن سبق إلى مكان فهو أولى به وقد فاز بذلك.
стр. 59
زيادة الأجر والثواب بكثرة الجماعة
قال صلوات الله وسلامه عليه: (وإن صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده) أي: أن يصلي مع شخص أفضل من أن يصلي منفرداً.
قال: (وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل) أي: لو فرضنا أنك تعلم بأن المسجد الذي ستذهب إليه لتصلي فيه ليس فيه إلا رجل واحد، فصلاتك معه خير من صلاتك في بيتك منفرداً، سواء كان في المسجد أو في المصلى، ولو كنت في مكان ليس فيه مسجد ولا مصلى فلئن تصلي مع الناس جماعة في هذا المكان خير من أن تصلي منفرداً.
قال: (وكلما كثر فهو أحب إلى الله) أي: أن يصلي في الجماعة التي فيها عدد كثير أفضل من أن يصلي في مسجد فيه عدد قليل من الناس، ولكن قد يكون قلة الناس في المسجد بسبب متابعتهم للسنة أفضل وأولى.
وليس المقصد أنا نكفر المبتدعة، ولكن القصد هو الحرص على الصلاة مع أهل السنة؛ لأنه أفضل وأولى، فالمسجد الذي فيه عدد كبير من أهل السنة أولى من مسجد آخر عدد أهل السنة فيه أقل، فالإنسان يحرص على الأكثر لما جاء في هذه الأحاديث: (كلما كثر فهو أحب إلى الله) أي: كلما زاد العدد كان أحب إلى الله.
جاء في الحديث الذي رواه البزار والطبراني عن قباث بن أشيم الليثي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (صلاة الرجلين يؤم أحدهما صاحبه أزكى عند الله من صلاة أربعة تترى).
أي: لو أن أربعة أشخاص صلى كل اثنين لوحدهما فهي أفضل من صلاة أربعة كل واحد وحده.
قال: (وصلاة أربعة أزكى عند الله من صلاة ثمانية تترى) أي: أن صلاة ثمانية أشخاص يصلي بعضهم ببعض، أو يصلي أربعة مع بعض جماعة أفضل من صلاة الثمانية إذا صلى كل واحد وحده، وهكذا.
قال ﷺ : (وصلاة ثمانية يؤمهم أحدهم أزكى عند الله من صلاة مائة) يعني: صلاة ثمانية أفراد جماعة أفضل من مائة يصلي كل واحد في بيته، فصلاة الجماعة أفضل وأعظم أجراً من صلاة الإنسان وحده، وكلما كان عدد الجماعة أكثر فهو أزكى وأفضل عند الله .
стр. 60
الصلاة في جماعة تعدل خمساً وعشرين صلاة
من الأحاديث: حديث أبي سعيد الخدري رواه أبو داود وفيه: قال رسول الله ﷺ : (الصلاة في الجماعة تعدل خمساً وعشرين صلاة).
أي: أن صلاتك في الجماعة تضاعف على صلاة الواحد خمسة وعشرين مرة، ولذلك كان صلاة الثمانية أفضل من صلاة مائة وأكثر منهم؛ لأن الإنسان في الجماعة صلاته أفضل من صلاة خمسة وعشرين فرادى.
فقال لنا هنا: (الصلاة في الجماعة تعدل خمساً وعشرين صلاة، وإذا صلاها في فلاة) فالإنسان الذي في المسجد سيلاقي من يعينه على صلاة الجماعة، أما إذا كان في صحراء كأن يكون مسافراً في الطريق وحضرت عليه الصلاة فصلى منفرداً متماً لركوعها وسجودها فإن أجره يزيد ويتضاعف؛ لأن صلاة الإنسان منفرداً يدخلها وسوسة الشيطان وحثه على الإسراع فيها، فإذا أتم الركوع والسجود كان ثوابه فيها أكثر.
يقول النبي ﵌: (وإذا صلاها في فلاة فأتم ركوعها وسجوها بلغت خمسين صلاة) ولأنك إذا أذنت في الصحراء وأقمت وصليت صلى وراءك عدد لا تعلمه من خلق الله .
فقد جاء في الحديث عن سلمان الفارسي ﵁ كما عند عبد الرزاق في مصنفه قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا كان الرجل بأرض فلاة - أي: صحراء- فحانت الصلاة فليتوضأ، فإن لم يجد ماء فليتيمم، فإذا أقام صلى معه من خلفه من جنود الله ما لا يرى صلاته).
يعني: ألوفاً مؤلفة لا يمكن أن يرى طرفاها، ولا يعرف أولها من آخرها، فالله يفرح من عبده الذي يفعل ذلك ويعجب منه.
وفي الحديث: (يعجب ربك من راعي غنم في رأس شظية جبل) أي: راعي غنم فوق جبل يؤذن للصلاة ويصلي فيقول الله : (انظروا إلى عبدي هذا يؤذن ويقيم الصلاة، يخاف مني، قد غفرت لعبدي وأدخلته الجنة).
стр. 61
من صلى الفجر والعشاء في جماعة فكأنما قام الليل كله
من الأحاديث العظيمة التي فيها هدية من النبي ﷺ للمواظبين على الصلاة وخاصة صلاة العشاء وصلاة الفجر حديث عثمان بن عفان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله).
يوضح هذه الرواية التي في صحيح مسلم رواية أبي داود: (من صلى العشاء في جماعة كان كقيام نصف ليل، ومن صلى العشاء والفجر في جماعة كان كقيام الليل).
فالمعنى: أنك إن صليت العشاء في جماعة كنت كأنك قمت نصف الليل، وإن صليت الفجر في جماعة كنت كأنك قمت نصف الليل.
وتخيل إن كنت في شهر رمضان المبارك فكم من الممكن أن تصلي قيام ليل في الليلة الواحدة، فصلاتك الفجر والعشاء في جماعة كقيام ليلة، وصلاتك مع الإمام التراويح حتى يفرغ كقيام ليلة، وتصلي وحدك بعد ذلك قيام ليلة، فتصير ثلاث ليال في ليلة واحدة، وهذا من فضل الله ورحمته وبركاته لهذا الشهر العظيم، ففضل من الله على العبد أن يوفقه لقيام الليل، وأن يعطي عبده من الصحة والعافية ما يستطيع به على هذا الصيام، ولذلك على المؤمن أن يحرص على صلاة الجماعة، وأن يصلي مع الإمام حتى ينصرف، وإذا كان في بيته أو مسجده أو معتكفه فعليه أن يكثر من الصلاة سواء مع الإمام أو وحده، وليجتهد أن يصلي في الليلة الواحدة أضعافاً مضاعفة.
стр. 62
أهمية صلاة الجماعة والمحافظة عليها
من الأحاديث: حديث أبي هريرة: (إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً).
وهذا الحديث يوضح الحديث السابق، يعني: أن أثقل صلاتين على المنافقين الفجر والعشاء.
ومن الصلوات المأمور بالمحافظة عليها الصلاة الوسطى صلاة العصر، وهي أيضاً ثقيلة، قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة:٢٣٨].
وهذه الصلوات ثقيلة؛ لأن صلاة الفجر والعشاء في وقت نوم للإنسان، والصلاة الوسطى صلاة العصر وقت الرجوع من العمل وفيه تعب للإنسان، ولذلك فربنا يحثنا أن نحافظ على الصلوات كلها، صلاة الفجر، وصلاة الظهر، وصلاة العصر، وصلاة المغرب، وصلاة العشاء.
ومما جاء في المحافظة على الصلاة قول النبي ﷺ : (لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم) ولقد كاد يصنع ذلك، وما منعه إلا أن البيوت فيها الأطفال الذين لا تجب عليهم الصلاة، وفيها النساء اللاتي لا تجب عليهن صلاة الجماعة؛ ولذلك لم يفعل صلوات الله وسلامه عليه.
يقول ابن عمر: كنا إذا فقدنا الرجل في الفجر والعشاء أسأنا به الظن.
فالصحابة كانوا إذا لاقوا الرجل لا يصلي الفجر جماعة ولا العشاء جماعة أساءوا به الظن.
وأعداء الإسلام ينظرون إلى مساجد المسلمين، ويعرفون أن الإسلام لن يكون قوياً حتى تمتلئ المساجد في صلاة الفجر، ولهذا فاحرصوا على صلاة الفجر، وقاوموا الشيطان، وواظبوا على الصلاة في الجماعة خاصة الفجر والعشاء.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 63
شرح الترغيب والترهيب - الترهيب من ترك حضور الجماعة لغير عذر
صلاة الجماعة لها فضل عظيم عند الله سبحانه، وقد حذر النبي ﷺ ورهّب من ترك صلاة الجماعة من غير عذر، لما في صلاة الجماعة من فوائد ومنافع للمسلمين، وسنة النبي ﷺ تبين أهمية صلاة الجماعة.
стр. 64
فضل صلاة الجماعة والتحذير من تركها
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الحافظ المنذري ﵀: [الترهيب من ترك الحضور جماعة لغير عذر: عن ابن عباس ﵁ عنهما أن النبي ﷺ قال: (من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر).
وعن أبي الدرداء ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان، فعليكم بالجماعة فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لقد هممت أن آمر فتيتي فيجمعوا لي حزماً من حطب، ثم آتي قوماً يصلون في بيوتهم ليست بهم علة فأحرقها عليهم).
فقيل لـ يزيد بن الأصم: الجمعة عنى أو غيرها، قال: (صمت أذناي إن لم أكن سمعت أبا هريرة يأثره عن رسول الله ﷺ ، ولم يذكر جمعة ولا غيرها)، هذه أحاديث عن النبي ﷺ يذكرها الحافظ المنذري ﵀ في الترهيب من ترك حضور الجماعة لغير عذر، فصلاة الجماعة فضيلة، ويجب على المسلم أن يصلي صلاة الجماعة حيث ينادى بها، وهذا كان أمر النبي ﷺ وأصحابه، يؤذن للصلاة فيقبل المسلمون من كل مكان على نهج النبي ﷺ ويصلون صلاة الجماعة، فكان ينظر في وجوه أصحابه فإذا حضر الصحابة صلَّى ﷺ ، وإذا تأخروا أخر الصلاة حتى يجتمعوا.
فأمر صلاة الجماعة هام جداً، يجتمع المسلمون في خمس صلوات في اليوم والليلة، فتنزل عليهم بركات من عند رب العالمين ، ويؤجرون ويكفر عنهم الخطايا بذلك، ووجودهم في مسجد الجماعة يبعد عنهم الشيطان، قال رسول الله ﷺ : (إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية)، ووجودهم في جماعة في مكان واحد يعرف بعضهم بعضاً، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات:١٣]، فمكان صلاة الجماعة مكان للتعارف بين المؤمنين، يعرفون حاجاتهم، وهو مكان النصيحة، ومكان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومكان تلقي العلم، ومكان قراءة كتاب الله سبحانه، والتعرف على هدي النبي ﷺ والعمل به.
فهنا في الأحاديث ما يفيد الزجر عن ترك صلاة الجماعة والترهيب من ترك هذه الصلاة العظيمة.
ومن الأحاديث: ما رواه ابن ماجة وابن حبان في صحيحه والحاكم عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: (من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر)، فكأنه ينفي عن هذا الإنسان قبول الصلاة التي يصليها وحده، وكأن المقصد: لا صلاة له يعني: الصلاة التي يثاب عليها الأجر العظيم من الله ، هذا لا يستحق ذلك، وإن كان فيها صلاة، فإنه لا يقال: إنها صلاة باطلة إذا صلاها وحده في بيته، ولكنه يزجر من ترك الجماعة وهو قادر على أن يصليها، فقال: (لا صلاة له)، ولكن استثنى أهل الأعذار، فقد يكون الإنسان له عذر من الأعذار كالمرض ونحوه، ويحتاج إلى أن يصلي في بيته بسبب علة من مرض ونحوه، فهذا معروف، لكن الإنسان الصحيح القادر على أن يأتي الجماعة ثم لا يأتيها ما الذي يمنعه من إتيان الجماعة؟ فكأنه يستكبر حين يسمع المنادي يقول له: حي على الصلاة، هيا تعال إلى الصلاة، حي على الفلاح، تعال لتكون من المفلحين، ثم يأنف أن يكون من المصلين ويكون من المفلحين، فهذا يستحق العقوبة والحرمان.
في حديث رواه أحمد وأبو داود والنسائي من حديث أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان)، أي: لم يجد إذا الجماعة في مكان، وأقلها ثلاثة، بل وأقلها أيضاً اثنان كما ثبت عن النبي ﷺ أنه جعل الجماعة اثنين قال: (أيكم يتصدق على هذا؟ فقام رجل فصلى معه) فكان الاثنان جماعة.
فهنا إذا كان مكان لا يعيش فيه إلا ثلاثة، وهؤلاء الثلاثة لا يؤذنون ولا تقام فيهم الصلاة فإن الشيطان يستحوذ عليهم ويحيط بهم ويدخل في قلوبهم ويسيطر عليهم بسبب تركهم لصلاة الجماعة، فقوله: (ما من ثلاثة في قرية ولا بدو)، أي: أن صلاة الجماعة تتعلق بأهل القرى وأهل البدو أيضاً، والقرية بمعنى: المصر أو البلد، فسواء كان هذا البلد في ريف أو في الحضر أو كان في البدو، فالجميع يلزمهم أن يصلوا جماعة طالما أنهم عدد يقيم في مكان فعليهم صلاة الجماعة.
فإذا لم تقم فيهم الصلاة قال: (إلا قد استحوذ عليهم الشيطان)، وحاذ الشيء: أخذه، فكأن الشيطان أحاط بهم، وأخذهم الشيطان إلى جانبه، وسيطر عليهم بسبب تركهم الجماعة.
فصلاة الجماعة عصمة من الشيطان، فإنك حين تدخل باب المسجد تقول: اللهم صلِّ على محمد ﵊، اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك، فتأخذ على ذلك الرحمة، وإذا خرجت من المسجد تقول: اللهم صلِّ على محمد، طبعاً بعد التسمية، ثم تقول: اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك، اللهم اعصمني من الشيطان الرجيم، ومثلما عصمك الله وأتى بك إلى بيته ، كذلك لا يزال يعصمك من الشيطان الرجيم حتى لا يسيطر عليك ويضيع عليك صلواتك، ويضيع عليك ثوابك.
قال ﷺ : (فعليكم بالجماعة فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية)، فالناس كمجموعة إذا جاء الشيطان من بعيد وهم مجموعة لا يستطيع أن يخطف واحداً منهم، ولكن إذا شذ منهم إنسان ومشى بعيداً وترك صلاة الجماعة وترك المسلمين وبقي وحده بعيداً فالشيطان يستحوذ عليه ويسيطر عليه ويضله ويضيعه، كهذا المثال الذي ضربه ﷺ ، مجموعة أغنام كلها مع الراعي، الذئب كيف سيأتي لها وهي مجموعة والراعي معها؟ ولكن الذئب ينتظر بعيداً، فإذا شذت منها شاذة، واحدة من الغنم بعدت بعيداً عن القطيع وعن الراعي فإن الذئب يخطفها ويجري بها، ولا يستطيعون استنقاذها منه، كذلك الإنسان الذي يترك صلاة الجماعة يبتعد عمن يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر.
حديث لـ ابن أم مكتوم رضي الله ﵎ عنه قال: (قلت يا رسول الله! أنا ضرير شاسع الدار ولي قائد لا يلائمني، فهل تجد لي رخصة أن أصلي في بيتي؟ فقال ﷺ : أتسمع النداء؟ قال: نعم، قال: ما أجد لك رخصة).
الحديث رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة.
إن عمراً بن أم مكتوم ضريرٌ ويسمع النداء وله قائد، والمدينة كبيره وبيته شاسع بعيد جداً عن مسجد النبي ﷺ ، بل يذكر أنه معذور، قال: (لي قائد لا يلائمني)، والمدينة كثيرة الهوام، وقد يلاقي في الطريق كلباً مسعوراً، أو أي شيء يؤذيه، كل ذلك والقائد الذي يقوده إلى المسجد لا يلائمه، يعني: لا يوافقه.
فالنبي ﷺ سأله قال: (أتسمع النداء؟)، هل تسمع المؤذن يؤذن؟ قال: نعم، قال: (ما أجد لك رخصة).
هذا قول النبي ﷺ لهذا الأعمى، فغيره من المبصرين الذي يرى الطريق هو أولى أن يرابط ويحرص على صلاته في جماعة.
حديث آخر في رواية أحمد: (أن رسول الله ﷺ أتى المسجد فرأى في القوم رقة)، فقال ﷺ : (إني لأهم أن أجعل للناس إماماً)، يعني: يستخلف أحداً يصلي بالناس، (ثم أخرج فلا أقدر على إنسان، يتخلف عن الصلاة في بيته إلا أحرقته عليه)، أي: يتخلف عن صلاة الجماعة، يتخلف في بيته عن صلاة الجماعة إلا أحرقته عليه.
كاد أن يصنع ذلك، فيا ترى لو كان عائشاً معنا ويرى اليوم أحول المسلمين مع الكرة وممن لا يأتون المسجد؛ من أجل أن يتفرجوا على لعبة الكرة ماذا كان سيعمل؟ فإذا كان المسلمون في حفلة فإن نصف المسلمين يتركون الصلاة، إذاًَ: غير المصلين حالهم كما قال تعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ﴾ [المجادلة:١٩].
ولو كان النبي ﷺ يريد ذلك لأحرق بيوتاً على أهلها وهم يشاهدون التلفاز، ويتركون بيت الله ، حتى في رمضان ولا حول ولا قوة إلا بالله.
قال ﷺ : (إني لأهم أن أجعل للناس إماماً ثم أخرج فلا أقدر على إنسان يتخلف عن الصلاة في بيته إلا أحرقته عليه، فقال ابن أم مكتوم: يا رسول الله! إن بيني وبين المسجد نخلاً وشجراً)، هو أعمى سيمشي في الطريق في نخل وشجر، وسيتخبط في النخل والشجر قال: (ولا أقدر على قائد كل ساعة، أيسعني أن أصلي في بيتي؟ قال: أتسمع الإقامة؟ قال: نعم، قال: فأتها).
هذا الأعمى ونحن المبصرون نترك صلاة الجماعة التي أمرنا بها ربنا سبحانه، وأمرنا بها النبي ﷺ .
يقول لنا الإمام الخطابي بعدما ذكر هذا الحديث: في هذا دليل على أن حضور الجماعة واجب، ولو كان ذلك ندباً لكان أولى من يسعه التخلف عنها أهل الضرورة والضعف، ومن كان في مثل حال ابن أم مكتوم، وكان عطاء بن أبي رباح يقول: ليس لأحد من خلق الله في الحضر وبالقرية رخصة إذا سمع النداء في أن يدع الصلاة.
وقال الإمام الأوزاعي: لا طاعة للوالد في ترك الجمعة والجماعات، حتى وإن كان الأب أو الأم يقولان للابن: لا تُصًلِّ الجمعة، فلا تصلِّ الجماعة، لا ط
стр. 65
شرح الترغيب والترهيب - الترغيب في صلاة النافلة في البيوت
إن الصلاة عمود الدين، وأحد أركانه التي بني عليها، فإذا ضاعت ضاع الدين كله، وقد فرضت على النبي ﷺ وهو في السماء؛ إظهاراً لفضلها، ومكانتها في هذا الدين.
وقد رغب الإسلام مع هذه الفريضة بالتطوع معها، نظراً لفضلها، ورغب في صلاة النوافل في البيوت، فالبيت الذي يذكر الله فيه كمثل الحي، والبيت الذي لا يذكر الله فيه كالميت، ومن حافظ على النوافل بني له بيت في الجنة، فليستقل العبد من ذلك أو ليستكثر.
стр. 66
الأمر بصلاة الجماعة في المسجد للرجال
وأما صلاة الفريضة فت١صلى في بيت الله كما أمرنا بها النبي ﷺ ، وقد جاء في الأحاديث: أن النبي ﷺ كان يأمر بصلاة الجماعة، وهمَّ أن يخالف إلى أقوام يتخلفون عن صلاة الجماعة فيصلون في بيوتهم فيحرق عليهم بيوتهم، فلا بد أن يصلي المؤمن صلاة الجماعة في بيت الله ، فصلاة الجماعة فرض حيث ينادى بها، كما قال ابن مسعود وغيره، فلا يتخلف الإنسان عن صلاة الجماعة إلا لعذر، وخاصة مع قول النبي ﷺ : (من سمع النداء فلم يلب فلا صلاة له إلا من عذر) وصلاة الجماعة في المسجد للرجال.
стр. 67
أفضل صلاة المرأة في بيتها مطلقاً
وأما النساء فجاء عن النبي ﷺ أن صلاة المرأة في بيتها خير من صلاتها في مسجده صلوات الله وسلامه عليه.
وجاء في الحديث الذي رواه أحمد عن أم حميد امرأة أبي حميد الساعدي ﵁: (أنها جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله! إني أحب الصلاة معك) فالمرأة تحب أن تصلي مع النبي ﷺ صلوات الجماعة كلها.
فقال: (قد علمت) فصدقها النبي ﷺ وهي صادقة في ذلك، قال: (قد علمت أنك تحبين الصلاة معي، وصلاتكِ في بيتكِ خير من صلاتكِ في حجرتكِ، وصلاتكِ في حجرتكِ خير من صلاتكِ في دارك، وصلاتكِ في داركِ خير من صلاتكِ في مسجد قومكِ، وصلاتكِ في مسجد قومكِ خير من صلاتكِ في مسجدي، قال: فأمرت فبني لها مسجد في أقصى شيء من بيتها وأظلمه، وكانت تصلي فيه حتى لقيت الله .
فصلاة المرأة الفريضة في بيتها خير لها من صلاتها مع النبي ﷺ ، إلا إن كان خروج المرأة لتلقي علم شرعي تحتاج إليه، فقد جعل النبي ﷺ للنساء يوماً يخرجن ويأتين إليه، فيحدثهن صلوات الله وسلامه عليه، ويعلمهن ويسألنه ويجيبهن صلوات الله وسلامه عليه.
وأيضاً جاء عنه: أنه منع من منع النساء من الخروج إلى المساجد، ففي حديث ابن عمر قال النبي ﷺ : (لا تمنعوا نساءكم المساجد، وبيوتهن خير لهن).
إذاً: فالصلاة المكتوبة على الرجل أن يصليها في المسجد، وعكسه المرأة، فصلاتها في بيتها خير لها، وأما النافلة فصلاة الرجل في بيته خير له من صلاته في المسجد، إلا أن تكون تراويح في رمضان فهي مع الجماعة أفضل من صلاة الإنسان وحده؛ لأن النبي ﷺ قام بأصحابه ليلة وثانية وثالثة، ثم خشي أن تفرض عليهم هذه الصلاة فلم يصلها بهم بعد ذلك ﷺ خشية الفرضية، ولفضلها اجتمع الصحابة مع النبي ﷺ في المسجد، وكانوا يقومون فرادى في بيت الله في المسجد النبوي؛ خوفاً من أن تفرض عليهم صلاة التراويح جماعة، فلما مات النبي ﷺ وزلت خشية فرضية صلاة التراويح رجع الأمر إلى أن صلاتها في الجماعة أفضل، ولذلك رتب الخلفاء الراشدون لها من يصليها بالناس جماعة في بيت الله .
وصلاة النافلة عموماً في البيت خير للإنسان من صلاته في المسجد، وأفضل ثواباً منها بكثير، ولا بد أن يعتاد الإنسان على الصلاة في بيته، ولا تكون عادته أنه لا يصلي إلا في المسجد، ويكون مثل النصارى واليهود في أن صلاتهم لا تنفع إلا في أماكن الصلاة التي أعدت لذلك، ففي الإسلام قال النبي ﷺ : (جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً) فالصلاة تنفع في أي مكان على الأرض إذا كان طاهراً، وأما صلاة الجماعة فحيث ينادى بها، ولو أن الصلاة لا تصح إلا في المسجد لأصبح ذكر الله مقيداً بالمساجد؛ ولذلك جعل الله لنا أن نذكره في كل حال من الأحوال قائمين وقاعدين ومضطجعين ونائمين، ونصلي له في المسجد، وفي البيت، وفي الصحراء، وفي السوق، وفي أي مكان طالما أنه طاهر.
وأما الفريضة فإذا نودي لها فإنها تصلي في بيت الله ؛ لأن الجماعة تضعف على صلاة الإنسان وحده بخمس وعشرين درجة، أو بسبع وعشرين درجة، وإذا صلى في الصحراء وحده ولكنه أذن وأقام فإن صلاته وحده تعدل صلاة الفرد خمسين مرة، مع أنه صلاها وحده في الصحراء، ولكنه لما أذن وأقام فإنه يصلي وراءه من خلق الله ما يشاء الله من ملائكة وجان.
стр. 68
فضل صلاة النافلة في البيت
وصلاة النافلة في البيت تنير البيت، وقد أمرنا النبي ﷺ أن ننور بيوتنا بهذه الصلاة ولا نشبهها بالمقابر، فإن المقابر لا يصلى فيها، وهي مظلمة على أصحابها، فلا تجعل بيتك مظلماً كالمقبرة، ولا تحرمها من بركة الصلاة، فتكون كالمقبرة التي لا يصلى فيها، قال ﷺ : (اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم)، أي: اجعلوا من النوافل في بيوتكم، (ولا تتخذوها قبوراً) أي: ولا تجعلوا بيوتكم قبوراً؛ فإن المقبرة يحرم الصلاة فيها، والمقابر ممتلئة ظلمة على أصحابها، كما جاء في حديث النبي ﷺ : لما ماتت المرأة التي كانت تقم المسجد، أي: تكنس مسجد النبي ﷺ ، فدفنوها بالليل ولم يخبروا بها النبي ﷺ ، -وكأنهم قللوا من شأنها-، ومرت أيام وافتقدها النبي ﷺ ، وقد ظنوا أن النبي ﷺ لا يعرفها لأنها فقيرة، ولكن النبي ﷺ أدرى وأعلم صلوات الله وسلامه عليه بعباد الله الذين يحبون الله ويحبهم الله ، وقد كانت هذه المرأة منهم، (فلما سألهم عن المرأة قالوا: ماتت ودفناها بالليل وخشينا أن نوقظك، فقال ﷺ : إن هذه المقابر ممتلئة أو مملوءة ظلمة على أصحابها، وإن الله يضيئها بصلاتي عليهم، ثم ذهب إلى قبر المرأة فصلى عليها صلاة الجنازة) فصلى عليها على قبرها بعدما دفنت بأيام صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 69
الأمر بالصلاة في البيوت
في حديث جابر بن عبد الله كما في صحيح مسلم قال النبي ﷺ : (إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته نصيباً من صلاته، فإن الله جاعل في بيته من صلاته خيراً)، يعني: تحصل بركة ونور في بيتك بسبب صلاتك فيه.
وفي الحديث الآخر عن أبي موسى الأشعري كما في الصحيحين: (مثل البيت الذي يذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه مثل الحي والميت)، أي: كما أن هناك فرق كبير بين الحي والميت ولا يوجد وجه للمقارنة بينهما، فكذلك هناك نفس الفرق بين بيت يذكر فيه الله وبيت لا يذكر فيه الله.
وفي الحديث: جاء رجل يسأل النبي ﷺ أيهما أفضل: الصلاة في بيتي أو الصلاة في المسجد؟ فقال ﷺ : (ألا ترى إلى بيتي ما أقربه من المسجد؟ فلأن أصلي في بيتي أحب إلي من أن أصلي في المسجد إلا أن تكون صلاة مكتوبة)، أي: إلا أن تكون صلاة الفريضة، فقد كان ﷺ يصلي النافلة في بيته، ثم يخرج على الناس في المسجد يصلي بهم ويرجع إلى بيته فيتنفل صلوات الله وسلامه عليه.
وفي الحديث الذي رواه البيهقي بإسناد جيد عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ قال النبي ﷺ : (فضل صلاة الرجل في بيته على صلاته حيث يراه الناس كفضل الفريضة على التطوع).
ومعلوم أن فضل الفريضة على التطوع كبير جداً، فكذلك صلاتك في بيتك حيث لا يراك أحد فضلها على صلاتك على مرأى من الناس كفضل الفريضة على التطوع.
وهذا محمول على إذا كان من الممكن للإنسان أن يرجع إلى بيته ويصلي هذه الصلاة، ولكن أحياناً قد يحدث للإنسان عذر من الأعذار لا يتمكن معه من صلاة النافلة في البيت، وإذا حاول ذلك فقد تضيع منه النافلة، وقد يتكرر هذا الأمر، فعلى ذلك يصلي النافلة ولو في المسجد فهذا أفضل من أن تضيع منه النافلة، فإن استطاع أن يصلي صلاة النافلة في بيته فهذا أفضل من أن يصليها في المسجد، ولكن أحياناً قد يحب الإنسان أن يأتي إلى المسجد مبكراً حتى لا تفوته تكبيرة الإحرام، فليأت إليه مبكراً فهذا أفضل له، ويصلي النافلة في بيت الله بعد الأذان، فإن استطاع أن يصلي النافلة في بيته، وعلم أنه لن تفوته تكبيرة الإحرام - كأن يكون بيته قريباً من المسجد- فعلى ذلك صلاته في بيته أفضل له.
стр. 70
الترغيب في المحافظة على النوافل
ومن الأحاديث التي جاءت عنه صلوات الله وسلامه عليه في الترغيب في المحافظة على النوافل في اليوم والليلة: حديث أم حبيبة كما في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: (ما من عبد مسلم يصلي لله تعالى في كل يوم ثنتي عشرة ركعة تطوعاً غير فريضة إلا بنى الله تعالى له بيتاً في الجنة، أو: إلا بني له بيت في الجنة)، وأنت لو أردت أن تبني بيتاً في الدنيا فإنك تجمع المال وتشتري أرضاً لتبني عليها البيت، ولا تدري كم ستعيش فيه، وبعد ذلك تتركه وتذهب، ولكنه في الجنة بيت خالد لك، فابن لك كل يوم بيتاً في الجنة بهذا الشيء، وقد تبني أكثر من ذلك فإذا حافظت على اثني عشرة في اليوم والليلة بني لك بيت في الجنة، وهذا لمن ثابر على ذلك وحافظ عليها، ففي الحديث: (ما من عبد مسلم يصلي لله تعالى في كل يوم)، يعني: مواظباً على ذلك، (ثنتي عشرة ركعة تطوعاً غير فريضة) أي: تطوعاً، وهي صلاة النوافل الرواتب، وقد بينها في رواية أخرى فقال ﷺ : (أربعاً قبل الظهر وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل صلاة الغداة)، أي: قبل صلاة الفجر فيكون ترتيبها هكذا: ثنتان قبل الفجر، وأربع قبل الظهر، واثنتان بعدها، واثنتان بعد المغرب، واثنتان بعد العشاء فلو واظبت عليها كما في الحديث الآخر عن السيدة عائشة قال رسول الله ﷺ : (من ثابر -أي: واظب وصابر على ذلك- على ثنتي عشرة ركعة في اليوم والليلة دخل الجنة) أربعاً قبل الظهر وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل الفجر.
стр. 71
فضل المحافظة على ركعتي الفجر
وقد جاء الترغيب في بعض هذه الصلوات في أحاديث أخر مثل: صلاة سنة الفجر، فقد قال النبي ﷺ : (ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها) وركعتا الفجر هما: سنة الفجر، أي الركعتان اللتان قبل الفجر، وقال: (لهما أحب إلي من الدنيا جميعاً).
وفي حديث السيدة عائشة ﵂: (لم يكن النبي ﷺ على شيء من النوافل أشد تعاهداً منه على ركعتي الفجر).
فقد كان لا يتركهما أبداً لا في حضر ولا في سفر، وكان قد يترك باقي النوافل في السفر ما عد! الوتر، وقيام الليل، وسنة الفجر.
وفي حديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : (﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] تعدل ثلث القرآن، و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١] تعدل ربع القرآن، وكان يقرأهما في ركعتي الفجر).
وركعتا الفجر أو سنة الفجر ركعتان قصيرتان وليستا طويلتين، فليس من السنة الإطالة فيهما، مع أن السنة الإطالة في جميع الصلوات إلا سنة الفجر.
فقد كان يقرأ فيها ﷺ في الركعة الركعة الأولى بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١]، وفي الركعة الثانية بـ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]، وقد قال: (﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] تعدل ثلث القرآن، و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١] تعدل ربع القرآن).
وأيضاً: ليس من السنة صلاة أكثر من ركعتين بعد أذان الفجر، فقد نهى النبي ﷺ أن يصلي الرجل بعد الفجر إلا ركعتين فقط، والشريعة هي التي تحدد لنا السنة في الصلاة وكيفيتها من حيث الطول والقصر فيها فسنة الفجر القبلية ركعتان فقط، وهما ركعتان قصيرتان وليستا طويلتين، حتى إن السيدة عائشة ﵂ لتقول: (لا أدري أقرأ فيهما بأم الكتاب أم لا؟).
ولا شك أنه قرأ بأم الكتاب، ولكن تقصد من سرعته فيهما، يعني: أنه يصلي ركعتين خفيفتين وليستا طويلتين في سنة الفجر القبلية.
стр. 72
فضل المحافظة على أربع ركعات قبل الظهر وأربع بعدها
وفي حديث أم حبيبة ﵂ قالت: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر وأربع بعدها حرمه الله على النار).
ففي الحديث الأول ذكر أربعاً قبل الظهر واثنتان بعد الظهر، وهنا في هذا الحديث زيادة أخرى وهي: أن تحافظ على أربع قبل الظهر وأربع بعد الظهر، فيحرم الله جسدك على النار في ذلك، وكل هذا بالمواظبة على ذلك، لا أن تفعلها مرة واحدة.
стр. 73
فضل المحافظة على أربع ركعات قبل العصر
ولم يأت في الحديث الذي ذكر المواظبة على اثنتي عشرة ركعة شيء منها قبل العصر، ولكن جاء في الحديث كما في مسند أحمد وفي السنن عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: (رحم الله امرأً صلى قبل العصر أربعاً).
فدعا النبي ﷺ بالرحمة لمن يصلي قبل العصر أربع ركعات، وهذه سنة أخرى، ولكنها ليست في التأكيد كتأكيد الاثنتي عشرة ركعة التي ذكرناها.
стр. 74
فضل التطوع بين المغرب والعشاء
وأما في المغرب فقد جاء في حديث أنس ﵁ قال في قوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة:١٦]، قال: (نزلت في انتظار الصلاة التي تدعى العتمة، كانوا ينتظرون بين المغرب والعشاء في المسجد ينتظرون العشاء، وكانوا يتيقظون ما بين المغرب والعشاء يصلون) يعني: لم يكونوا يقتصرون على ركعتي سنة المغرب فقط، بل كانوا يجعلون ذلك من قيام الليل فيصلون بعد المغرب ما شاء الله لهم من النوافل.
стр. 75
الترغيب في التطوع بعد صلاة العشاء
وأما بعد العشاء فكما جاء في الحديث أنه يُصلي ركعتان، وفي حديث آخر قال: (إن النبي ﷺ كان إذا صلى العشاء ورجع إلى بيته صلى أربع ركعات) صلوات الله وسلامه عليه.
ومن زاد فله خير في ذلك، وهذا غير قيام الليل، فقد كان يقوم الليل صلوات الله وسلامه عليه كما قالت السيدة عائشة ﵂: (أنه كان يصلي إحدى عشرة ركعة).
فالغرض: بيان النوافل التي يسمونها الرواتب، يعني: التي هي مخصوصة بصلوات معينة، فتكون قبلها صلاة وبعدها صلاة، فيصلي قبل الظهر أربعاً وأربعاً بعدها، والعصر يصلي قبلها أربعاً، والمغرب يصلي بعدها ركعتان، والعشاء يصلي بعدها ركعتان أو أربع ركعات، ويقوم من الليل ما شاء الله له أن يقوم، والفجر يصلي قبلها ركعتان، فهذه هي الصلوات المرتبة بعد الفرائض، فاحرص عليها، ولو على أقل ما فيها، وهن الاثنتا عشرة ركعة التي ذكرناها؛ حتى يبنى لك بيت في الجنة.
نسأل الله ألا يحرمنا من جنته، وأن يحرم علينا ناره.
أقول قول هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
следующие страницы →