Полный текст (331 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
حكم لبس الصليب
السؤال
هل يكفر من لبس الصليب أو لا؟
الجواب
لا يكفر إلا إذا رضي بدينهم، وأما إذا لبسه من باب التشبه بهم فالتشبه بهم محرم، يقول النبي ﷺ : (من تشبه بقوم فهو منهم)، فهو محرم ومن الكبائر.
قال شيخ الإسلام ﵀: يدل هذا الحديث على أن أقل أحواله هو التحريم، فإذا تشبه بهم في لباسهم أو في أعيادهم فهذا منكر عظيم، ولكنه لا يصل إلى درجة الكفر إلا إذا أحب دينهم، أو رضي به، أو والاهم، نسأل الله السلامة والعافية، ولكنه يخشى عليه إذا لبس الصليب، فقد يوصل هذا التشبه في الظاهر إلى التشبه في الباطن فيصل إلى الكفر، نعوذ بالله.
стр. 107
حكم ترك إنكار المنكر مع القدرة
السؤال
نرى انتشار طلاب العلم -ولله الحمد- وكذلك أهل الخير، فما رأيكم في ضعفهم في إنكار المنكر، وعدم القيام به على الوجه المطلوب؟
الجواب
الواجب على المسلم أن ينكر المنكر بقدر استطاعته، فيزيله باليد إذا كان مستطيعاً كأن يكون المنكر في بيته، أو كالأمير أو كرجال الهيئة في حدود صلاحياتهم فيغيرون المنكر باليد.
فإن كان لا يستطيع تغيير المنكر باليد فينكر باللسان، فإن عجز عن ذلك كما إذا كان يترتب على إنكاره باللسان ضرر محقق في بدنه أو ماله أو أهله فإن ينكر بقلبه، بمعنى أنه يكره المنكر بقلبه ولا يجالس أهله، بل يقوم عنهم، ولتكن علامات الإنكار على وجهه، فيقطب وجهه وتظهر عليه علامات الكراهة، فقد ثبت في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم من حديث أبي سعيد الخدري: أن النبي ﷺ قال: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان).
إذاً: فدرجات التغيير ثلاث: باليد ثم باللسان ثم بالقلب، فالإنكار بالقلب معناه كراهة المنكر والبعد عن أهله، فإذا كان يكره بقلبه فإنه لا يجلس وهو يستطيع البعد، فإذا كان يستطيع القيام فإنه يجب عليه أن يقوم، فإن لم يقم فليس صادقاً في إنكار المنكر، ولابد أن تظهر علامات المنكر على وجهه، ولينصرف عنهم، فإن جلس فحكمه كحكمهم، ودعواه أنه أنكر المنكر كذب وليست صحيحة، كما قال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء:١٤٠].
فمن جلس في مجلس يكفر فيه بالله وهو يستطيع القيام ولم ينكر ولم يقم فحكمه حكمهم، ومن جلس في مجلس يشرب فيه الخمر ولم ينكر عليهم وهو يستطيع الإنكار فحكمه كحكم شارب الخمر في الإثم، ومن جلس في مجلس يغتاب فيه الناس وهو يستطيع القيام ولم ينكر عليهم ولم يقم فحكمه كحكم المغتابين.
стр. 108
حكم محاباة الكفار
السؤال
ما حكم مجاملة الكفار من اليهود والنصارى وغيرهم؟
الجواب
ليس هناك مجاملة، فاليهود والنصارى وغيرهم إذا كان بيننا وبينهم عهد فهم أهل عهد، وإن لم يكن بيننا وبينهم عهد وكان المسلمون أقوياء فتفرض عليهم الجزية، وإن كانوا وثنيين فإنهم يقاتلون مع القدرة.
стр. 109
كيفية الوصول إلى مرتبة عبادة الله كأنك تراه
السؤال
كيف الوصول إلى مرتبة أن تعبد الله كأنك تراه؟
الجواب
هذه مرتبة الإحسان ومرتبة السابقين، أي: أن تعبد الله على المراقبة والمشاهدة، بأن تعبد ربك كأنك تراقبه وتشاهده في تأديتك الصلاة والزكاة والصوم، فهذه هي المرتبة الأولى.
والمرتبة الثانية: إذا ضعفت (فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، أي: أن تعبده على أنه يراك.
стр. 110
حكم القول بأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دخول فيما لا يعني
السؤال
هل يكفر من يقول عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: إنه تدخل فيما لا يعني؟
الجواب
لا يكفر؛ لأنه قد يكون جاهلاً، وأما إذا أنكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقال: لسيا من الدين وهو يعلم ذلك، أو جحده أو استهزأ به أو بالنصوص التي فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهذا كفر وردة، وأما إذا قال ذلك جهلاً فينبه ويبين له ويحذر من هذا الكلام.
стр. 111
حكم من يتحاكمون إلى الأعراف دون الشريعة
السؤال
ما الحكم فيمن يلجئون إلى أحكام القبائل دون حكم الشريعة؟
الجواب
هذا من أنواع الكفر، فبعض الناس يتحاكمون إلى أعراف وعادات القبائل، فيذهبون إلى شيخ القبيلة ويتحاكمون إليه، فإذا وقع شخص في الزنا ذهبوا إلى شيخ القبيلة فحكم بينهم بالطاغوت، فيقول لهم: الأمر سهل، ائتوا بذبيحة فاذبحوا، ثم يتصالحون، أو يقول: يدفع كذا من الدراهم ويعفى عنه، وكذلك في القتل وما أشبه ذلك، فالحكم بالأعراف والأسلاف والتحاكم إلى الطاغوت من أنواع الكفر الأكبر المخرج من الملة، نعوذ بالله.
стр. 112
ضابط الإكراه على الكفر
السؤال
ما هو ضابط الإكراه على الكفر؟
الجواب
ضابطه ألا يكون له مخرج، وذلك مثل أن يوضع السيف على رقبته ويقال له: اكفر وإلا قتلناك، فهذا هو المكره، فيجوز له أن يتكلم بكلمة الكفر تخلصاً من الإكراه، بشرط أن يكون قلبه مطمئناً بالإيمان، ولا يضر هذا، قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦].
وأما إذا تكلم بكلمة الكفر وانشرح صدره بالكفر فهو كافر نعوذ بالله من ذلك، فلابد أن يتكلم باللسان تخلصاً من الإكراه وقلبه مطمئن بالإيمان، نسأل الله السلامة والعافية.
стр. 113
حكم السلام على الرافضة والشيعة والأكل معهم
السؤال
أنا مدرس في منطقة ما والغالب على أهلها الرفض والتشيع، فماذا يجب علي من أحكام من حيث الأكل معهم، وهل إذا دخلت عليهم الفصل أسلم عليهم أم أكتفي بالترحيب مع أنني القدوة، أفيدوني أفادكم الله؟
الجواب
إذا كانوا يظهرون الإسلام ويخفون كفرهم فإنهم يعاملون معاملة المسلمين، كما كان النبي ﷺ يعامل عبد الله بن أبي وغيره معاملة المسلمين، حتى إنه ﵊ أعطى عبد الله بن أبي قميصه، ونفث عليه من ريقه، وصلى عليه قبل أن ينهى عن ذلك، فلما أراد النبي ﷺ -كما في صحيح البخاري - أن يصلي عليه أخذ عمر بثوبه وقال: تصلي على المنافق، فقال له النبي ﷺ : (أخر عني يا عمر! فإني خيرت وقيل لي: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة:٨٠]، فلو أعلم أني إذا زدت على السبعين غفر له لزدت على السبعين).
وإنما قال ذلك ﵊؛ لأنه لم ينه ذلك ولعل الله أن ينفعه، ومراعاة لقومه ولابنه عبد الله بن عبد الله، فإنه كان من أصلح المؤمنين، وأبوه رئيس المنافقين، وهذا قبل أن يُنهى، وأعطاه قميصه مكافأة له على إعطائه قميصاً لعمه العباس لما أسر يوم بدر، ثم بعد ذلك أنزل الله: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة:٨٤]، فلم يصل بعد ذلك على منافق.
رواه البخاري في صحيحه.
وهؤلاء إذا كانوا يظهرون الإسلام ولا يظهرون كفرهم فإنك تعاملهم، وأما إذا كانوا يظهرون كفرهم فلا تبدأهم بالسلام إذا كانوا مجتمعين، وأما إذا كان معهم غيرهم فسلم عليهم، ويكون السلام للمؤمنين، فقد ثبت: (أن النبي ﷺ مر على مجلس فيه أخلاط من المؤمنين واليهود وعبدة الأوثان فسلم عليهم).
стр. 114
حكم صلاة الجمعة في السفر
السؤال
سافرت إلى بلد وحضرت صلاة الجمعة فصليتها مع الجماعة، فقال لي أحدهم بعد عودتي: لا يجوز لك ذلك، ويجب عليك صلاتها ظهراً، وعليك الآن قضاء الظهر، فأصبحت لا أصلي الجمعة في أسفاري، فما حكم ذلك؟
الجواب
هذه الفتوى خاطئة، والصواب: أن المسافر إذا مر ببلد وصلى معهم الجمعة فإنها تجزئه، ولذلك قال العلماء: إن حضرها مسافر أجزأته، فإذا حضر المسافر والمريض والمرأة صلاة الجمعة أجزأتهم، فالمرأة ليس عليها صلاة جمعة ومع ذلك لو صلت مع الناس الجمعة فإنها تصح منها، وإن صلت في بيتها صلتها ظهراً أربع ركعات، والمسافر إذا صلى في السفر صلاها ركعتين، وإن صلى مع المقيمين أجزأت، وكذلك المريض الذي لا يستطيع الذهاب إلى المسجد لا تجب عليه الجماعة، وإذا حضر الجماعة أو الجمعة وصلى معهم أجزأت.
فالمسافر إذا صلى الجمعة مع المقيمين أجزأته وصحت صلاته.
стр. 115
حكم التشبه بالكفار في الكلام وغيره
السؤال
سؤال قد تطاول فيه قوم فلم يجدوا لسؤلهم جواباً فبلغنا كلام الله فيهم وحكم رسوله حقاً صواباً نرى منا أناساً أهل رطن بغير كلامنا عجماً غراباً يحاكون النصارى بلا اضطرار ويرجون التشبه واقتراباً أجبنا يا رعاك الله فيهم بقول إن أتى فصل الخطابا
الجواب
الذي يفهم من هذه الأبيات أنهم قوم يشابهون الكفار من اليهود والنصارى في الرطانة ويحاكونهم ويتشبهون بهم، وهذا حرام من كبائر الذنوب، قال ﵊: (من تشبه بقوم فهو منهم)، قال شيخ الإسلام ﵀: أقل أحواله التحريم وإلا فظاهره الكفر، فيخشى عليهم من هذا التشبه في الظاهر أن يوصلهم إلى التشبه في الباطن، والتشبه بالكفرة في أعمالهم وأقوالهم وعاداتهم وتقاليدهم واحتفالاتهم وموالدهم ورطانتهم إلى غير ذلك، من كبائر الذنوب.
وأما إذا تشبه بهم حباً لدينهم فهذه ردة، وأما إذا تشبه بهم وهو لا يحب دينهم فهذه معصية صغيرة، فيخشى أن تتدرج به الحال من تشبه إلى تشبه حتى يصل إلى الكفر نعوذ بالله من ذلك، فنسأل الله السلامة والعافية، وفق الله الجميع إلى حسن الخاتمة، وثبت الله الجميع على الهدى.
стр. 116
التحذير من التنقيب عن نيات الناس ومقاصدهم
بعض الإخوان لما خرجنا من الدرس أمس قال: إن بعض الأسئلة التي أجبت عليها يقصد بها كذا وكذا فلابد أن تنبه، فقلت: أنا أجبت على السؤال ولا أدري من يقصد؟ فقال: هؤلاء يقصدون كذا وكذا، قلت: كيف تدخل هذا الشخص في المقاصد والنيات؟ فمن الذي علمك هذا؟ وهل شققت عن قلبه؟ وهذا يحصل كثيراً، ففي ببعض الأحيان يقول بعضهم: هذا السائل يقصد فلاناً من العلماء أو من المحدثين، أو يقصد فلاناً من الملوك أو من رؤساء الجمهوريات، فنقول لهذا: كيف تقول هذا الكلام؟ سؤال هذا الأخ واضح ليس فيه أي إشكال وقد أجبنا عليه، فكيف تقول: إن مقصوده كذا وكذا أشققت عن قلبه؟ فهذه من المصائب التي لم تعرف إلا في هذا الزمان، أعني: الدخول في المقاصد والنيات.
فـ أسامة بن زيد ﵁ لما قتل ذلك الرجل الذي قال: لا إله إلا الله، أنكر عليه النبي ﷺ ، وقال: (أقتلته بعدما قال: لا إله إلا الله؟ قال: يا رسول الله! إنما قالها متعوذاً يخشى الموت، قال: أشققت عن قلبه؟ كيف تفعل بلا إله إلا الله يوم القيامة إذا جاءت؟ فما زال يكرر ذلك عليه حتى تمنى أنه لم يسلم قبل ذلك اليوم)، وقد نبهت في أول يوم وقلت: ينبغي للإنسان ألا يسأل إلا أسئلة مفيدة، وليترك الأسئلة التي فيها تعنت وإحراج للمسئول، والتي فيها دخول في المقاصد والنيات، فاتقوا الله يا إخوان! فهذا لم يعرف إلا في هذا الزمن.
لقد انتشرت الآن التحزبات عند بعض الشباب، فترى بعضهم يقول: هذا جهمي، وهذا سروري، وهذا كذا، وهؤلاء تكفيريون يريدون كذا وكذا، فنقول لهؤلاء: هؤلاء إخوانك وزملاؤك فكيف تقول عنهم: إنهم تكفيريون؟ وما هذه التحزبات، فكلكم طلبة علم، وكلكم إخوان، وكلكم من أهل السنة والجماعة، وكلكم درستم التوحيد، فدرستم العقيدة الواسطية، ودرستم الحموية، فكيف هذه التحزبات؟!! فكيف يقول بعضهم: هذا جامي، وهذا تبليغي، وهذا سروري، وهذا تكفيري؟ فينبغي لكم أن تتحدوا وتكون كلمتكم واحدة، فكلكم أهل سنة وجماعة، وكلكم يقول: أنا على معتقد أهل السنة والجماعة، وعلى معتقد الصحابة والتابعين، وعلى ما دلت عليه النصوص من كتاب الله وسنة رسوله، وأنا على عقيدة الرسل والأنبياء والصحابة والتابعين والعلماء، فما هذه التحزبات التي يخشى أن تقضي على كثير من الحسنات؟! فهي سوء ظن واتهامات وتحزبات صرفت الكثير عن طلب العلم.
فبعض الشباب يريد أن يطلب العلم فيذهب إلى بعض الحلقات فيقولون له: أنت إخواني أم سلفي؟ فإذا كان إخوانياً فإنهم يطردونه، والعكس أيضاً إذا ذهب إلى آخرين يقولون له: أنت سلفي، ويطردونه، فيبقى في حيرة ولا يدري أين يذهب فهؤلاء ويطردونه وهؤلاء ويطردونه!! فاتقوا الله، وتوبوا إلى الله ، واتركوا هذه التحزبات، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠] فهذه التحزبات دخلت فيها أصابع آثمة أرادت تفريق الشباب، وأرادت قتل الصحوة الإسلامية، وفيها أصابع لأعداء الله يريدون من خلالها أن يفرقوا المسلمين، وأن يفرقوا الشباب ويضيعوهم، ويضيعوا عليهم طلب العلم، فلا يجوز للإنسان أن يقول: إن السائل مقصوده كذا وكذا، أأنت تعلم الغيب؟ أشققت عن قلبه؟ هو سأل سؤالاً محدداً فأجبناه عنه، فهل أنت أعرف بالسائل؟ وهل شققت عن قلبه حتى تعرف أنه يريد فلاناً، وأنه يريد رئيس الجمهورية الفلانية، ويريد الملك الفلاني، ويريد المحدث الفلاني؟ فإنه لم يقل شيئاً من هذا في سؤاله.
فالله تعالى يقول في كتابه العظيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات:١٢] ومنه هذا الذي ليس عليه دليل.
وقال بعض السلف: لا تظن بكلمة خرجت من أخيك شراً وأنت تجد لها في الخير محملاً، فما دمت تجد لها في الخير محملاً فاحملها على ذلك الخير، وأما أن تحملها على الشر بلا دليل فهذا هو ظن الإثم الذي يحاسب عليه الإنسان، وأما إذا كان هناك دليل على ذلك لا بأس.
وأما أن تدخل في هذه التحزبات فهذا هو الذي يضيع العلم، وهو يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، ويذهب بركة العلم، ويجعل الناس شيعاً وأحزاباً، وقد أراد الله تعالى من المسلمين أن يكونوا إخوة متحابين فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠]، وقال النبي ﷺ : (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)، وقال: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً).
وإذا أشكل عليك شيء، أو اختلفت أنت وأخوك في شيء فاسأل أهل العلم الكبار وقل: ما حكم المسألة الفلانية؟ وأما أن تتهم وتظن ظناً ليس عليه دليل، أو تدخل في المقاصد والنيات بغير دليل فهذا لا يجوز لك وهو حرام عليك، وأنت بذلك آثم، فاتق الله واحذر.
فأرجو ألا يتكلم أحد مثل هذا الكلام، واحذروا هذه التحزبات، فكلكم حزب واحد وهو حزب الله، ومن غلط يرد عليه غلطه، ومن أخطأ يرد عليه خطأه، إلا الشخص الذي يظهر بدعة الخوارج أو بدعة المعتزلة أو بدعة الرافضة أو بدعة المرجئة فهذا يقال له: هذه بدعة، وينصح في ترك هذه البدعة، فنسأل الله للجميع التوفيق والسداد، والسلامة والعافية، فسلامة الصدور لها أثر عظيم.
فقد جاء في الحديث أن النبي ﷺ كان جالساً بين أصحابه فقال: يمر عليكم رجل من أهل الجنة، فجاء رجل تنطف لحيته، معلقاً نعليه بيديه، وفي اليوم الثاني والثالث قال النبي ﷺ نفس الكلام فكان يطلع عليهم ذلك الرجل، فصحبه عبد الله بن عمرو وقال: إني لاحيت أبي، وإني أريد أن أبيت عندك إن شئت، فبات عنده ثلاث ليال ولم يجد عنده كثير عمل إلا أنه كان يستيقظ آخر الليل، وكان كلما استيقظ ذكر الله، فلما انتهت الثلاثة الأيام قال: يا أخي! ليس بيني وبين أبي شيء ولكني سمعت النبي ﷺ يقول: يطلع عليكم رجل من أهل الجنة، فطلعت أنت، فأنا أريد أن أعمل مثل عملك، فما هو العمل الذي نلت به هذه المنزلة؟ قال: ما هو إلا ما رأيت، فلما أراد أن يولي قال: إلا أنني أبيت ولا أجد في نفسي شيئاً على أحد من المسلمين.
فسلامة الصدر لها تأثير عظيم، فهل يصلح أن يحمل طالب العلم في صدره غلاً لأخيه، فيحقد عليه، ويظن به ظن السوء، ويسميه تكفيرياً، وينزل فيه الألقاب السيئة، ويقول: إنه يريد كذا أو يقصد كذا بدون دليل، فهذا حقد وعداوة وبغضاء لا يتصف بها المؤمن فكيف بطالب العلم؟! نسأل الله للجميع السلامة والعافية.
стр. 117
شرح كتاب الإيمان الأوسط لابن تيمية [٧]
المنافقون يظهرون الإيمان ويخفون الكفر، والله تعالى يعلم بكمائن نفوسهم، وقد بين للرسول ﷺ وللمؤمنين أوصاف المنافقين في سور كثيرة من القرآن، ومن ذلك سورة النور والعنكبوت والأحزاب والحديد والمجادلة والحشر.
стр. 118
أوصاف المنافقين في سورة النور
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد قال الله تعالى في سورة النور: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٤٧] إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور:٥١]].
لا يزال المؤلف ﵀ يستعرض الآيات من كتاب الله تعالى سورة سورة في وصف المنافقين، وذلك أن المنافقين -وهم الذين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر- خطرهم على الإسلام شديد؛ لأنهم عدو ملتبس، يخفي أمره؛ لأنه يعيش بين المسلمين، بخلاف الكافر ظاهراً وباطناً فإنه عدو مكشوف لكل أحد، فلهذا أكثر الله من أوصاف المنافقين في كتابه العظيم، قال في سورة النور: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٤٧].
قوله: ﴿وَيَقُولُونَ﴾ [النور:٤٧] يعني: المنافقين، ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا﴾ [النور:٤٧] أي: أنهم يظهرون الإيمان والطاعة لله ورسوله ولكنهم يعرضون عن حكم الله وعن حكم رسوله، فإذا دعوا إلى التحاكم إلى كتاب الله وإلى رسوله في حياته وإلى سنته بعد وفاته أعرضوا وتولوا، فنفى الله تعالى عنهم الإيمان فقال: ﴿وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٤٧] ففعلهم يناقض قولهم؛ ولهذا قال سبحانه: ﴿وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٤٧]، فمن تولى عن الأوامر والنواهي فليس بمؤمن، ﴿الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [الليل:١٦]، فهذا وصف الكافر أنه يكذب الخبر، ويتولى عن الأمر.
فهؤلاء يتولون عن الأوامر والنواهي ولا يمتثلون ولا يتحاكمون إلى شرع الله ودينه، ولهذا نفى سبحانه عنهم الإيمان: ﴿وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [النور:٤٧ - ٤٨] أي: إذا دعوا إلى التحاكم إلى شرع الله فإنهم يتولون عن الأمر، مع أنهم يظهرون الطاعة في الظاهر، ثم قال سبحانه: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾ [النور:٥٠] أي: هل في قلوبهم مرض ملازم لهم؟ أم عندهم شك؟ أم يخافون الجور من الله ومن رسوله ﷺ ؟ وكل واحد من هذه الثلاثة يدل على نفاقهم وكفرهم.
فقوله: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [النور:٥٠] أي: مرض الكفر والشك، ﴿أَمِ ارْتَابُوا﴾ [النور:٥٠] أي: أم في قلوبهم شك وريب، أم يتهمون ربهم ونبيهم بالظلم والجور، وكل هذا كفر وضلال.
ثم بين وصف المؤمنين الخلص فقال: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور:٥١] فوصف المؤمنين بالسمع والطاعة والامتثال.
стр. 119
أوصاف المنافقين في سورة العنكبوت
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى في سورة العنكبوت: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ * وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ [العنكبوت:١٠ - ١١].
قوله تعالى في سورة العنكبوت: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت:١٠] هذا وصف المنافق، فإنه إذا أوذي ارتد عن دينه، ولا يتحمل المحنة والشدة أو الصد عن دينه.
﴿وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾ [العنكبوت:١٠] أي: إن حصل للمسلمين نصر وغنيمة وفتح جاءوا وقالوا: لقد كنا معكم، وطلبوا المشاركة في الغنيمة، وإن حصل نكبة أو هزيمة ارتدوا عن دينهم، وهذا كقوله تعالى في سورة الحج: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الحج:١١] أي: ارتد عن دينه، فإن أصابه خير من فتح ونصر وغنيمة قال: هذا دين طيب، وإن حصل للمسلمين نكبة أو هزيمة ارتد عن دينه ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج:١١].
وهنا بين أن المنافق لا يصبر على المحن ولا على الشداد، فإذا أصابته محنة أو شدة فإنه يرتد عن دينه، وإن حصل له مال وغنيمة وسعة ثبت؛ لأنه ليس لديه إيمان يثبت به قلبه، ولكنه كما في الآية الأخرى (على حرف)، نسأل الله السلامة والعافية.
قال الله تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت:١٠]، فالله تعالى يعلم ما في صدور العالمين من الإيمان والطاعة، ومن الكفر والنفاق.
وقال سبحانه: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ [العنكبوت:١١] أي: يعلم علم ظهور، فهو سبحانه عالم بحالهم، لكن المعنى: أنه يجعل من الأسباب ما يظهر به المنافق للناس ظهور عيان، فالمحن والشدائد والمصائب يتبين بها المؤمن الصابر الثابت على دينه من المنافق الذي ليس عنده إيمان ولا ثبات، فيظهر نفاقه عند المحن والشدائد، ولهذا قال سبحانه: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ [العنكبوت:١١].
стр. 120
أوصاف المنافقين في سورة الأحزاب
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال في سورة الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الأحزاب:١].
وذكر فيها شأنهم في الأحزاب، وذكر من أقوال المنافقين وجبنهم وهلعهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب:١٢] إلى قوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا * أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا * يَحْسَبُونَ الأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب:١٨ - ٢٠].
وقال تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب:٦٠ - ٦١] إلى قوله: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب:٧٣]].
ذكر الله تعالى هذه الآيات في أوصاف المنافقين وفي شأنهم، وهي في سورة الأحزاب، وسميت الأحزاب باسم غزوة الأحزاب التي تحزب فيها الكفار وتجمعوا من كل قوم حتى أحاطوا بالمدينة النبوية؛ للقضاء على الإسلام والمسلمين، قال الله تعالى في أول هذه السورة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الأحزاب:١].
قوله: ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب:١] أمر، وإذا كان النبي ﷺ مأموراً بالتقوى فغيره من باب أولى، وتقوى الله هي جماع الدين، وهي أصل الدين وأساس الملة، قال طلق بن حبيب: تقوى الله أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله، على نور من الله، تخشى عقاب الله.
فاجعل بينك وبين النار وغضب الله وقاية بالتوحيد وأداء الواجبات وترك المحرمات.
وقوله: ﴿وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب:١] نهى عن طاعة الكفار والمنافقين، وهذا يراد به التنبيه بالأعلى على الأدنى، أي: إذا كان النبي ﷺ وهو المعصوم يوجه إليه هذا الخطاب فغيره من باب أولى، فالمؤمنون مأمورون بتقوى الله، ومأمورون بألا يطيعوا الكافرين والمنافقين، ومأمورون بالتوكل على الله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب:٣].
ثم بين الله في هذه السورة أنه في وقت الشدائد والمحن في غزوة الأحزاب ظهر النفاق، وذلك أن غزوة الأحزاب حصل فيها محن وشدائد على المؤمنين، ورمتهم العرب عن قوس واحدة، وذلك أن بعض رؤساء اليهود ذهبوا إلى كفار قريش وحرضوهم على قتال النبي ﷺ وواعدوهم بأن يساعدوهم، وذهبوا إلى غيرهم من القبائل فاستجابوا لهم وتحزبوا وتجمعوا.
فجاءت قريش بقيادة أبي سفيان، وجاءت غطفان وغيرهم من العرب، وكان في المدينة ثلاث قبائل من اليهود قد صالحهم النبي ﷺ ، وهم: بنو قينقاع، وبنو قريظة، وبنو النضير، فنقضت بنو النضير العهد فأجلوا، ونقضت بنو قريظة أيضاً، فكانت هذه الأيام شديدة على المسلمين.
ولكن الله بعد ذلك فرج كربة المؤمنين، ونصرهم بالملائكة والريح بجنود لم يرها المسلمون؛ بسبب تقواهم، تحقيقاً لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق:٢]، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق:٤].
ولهذا خاطب الله المؤمنين وأمرهم بأن ينصروا الله، وذكر نعمته عليهم حيث نجاهم من عدوهم، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾ [الأحزاب:٩]، وهم جنود من الكفرة من جميع القبائل ومعهم قريش، ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب:٩] أي: جنوداً من الملائكة، ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب:٩ - ١٠]، فبعضهم نزل في أسفل المدينة وبعضهم نزل في أعلاها.
وأمر النبي ﷺ بحفر الخندق لما سمع بقدوم قريش، وكان ذلك بإشارة من سلمان الفارسي، فأمر بحفر الخندق حول المدينة؛ حتى لا تقتحمه الخيول.
﴿وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب:١٠] أي: من شدة هذا الأمر، ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب:١٠ - ١١].
وبعد ذلك ذكر أهل النفاق فقال: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب:١٢].
وذلك أن بعض المنافقين قال: أين محمد الذي يعدنا بأن نأكل من خزائن كسرى وقيصر وأحدنا لا يستطيع أن يذهب إلى الخلاء من شدة الخوف؟! ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ [الأحزاب:١٣] يعني: المنافقين، ﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ [الأحزاب:١٣] قال الله: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ [الأحزاب:١٣].
ثم قال: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا﴾ [الأحزاب:١٤] يعني: المدينة ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا﴾ [الأحزاب:١٤] أي: لارتدوا وسارعوا إلى الكفر.
ثم قال: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا * قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا * قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب:١٥ - ١٧]، فكل هذه من أوصاف المنافقين.
ثم قال سبحانه: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب:١٨] أي: أنهم يعوقونهم ويثبطونهم، ﴿وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب:١٨] أي: الحرب والقتال، ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾ [الأحزاب:١٩] أي: إذا ذهب الخوف والحرب والقتال صاروا أشحاء وبلغاء يتكلمون بكلام فصيح بليغ، فيطالبون بحقوقهم والمشاركة في الغنيمة، فإذا جاء الخوف والحرب ﴿رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [الأحزاب:١٩]، قال الله: ﴿أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [الأحزاب:١٩] أي: بكفرهم وضلالهم ونفاقهم، ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب:١٩].
ثم قال سبحانه: ﴿يَحْسَبُونَ الأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأَعْرَابِ﴾ [الأحزاب:٢٠]، وهذه من شدة هلعهم وخوفهم، فقد ارتحل الأحزاب وذهبوا ولكن هؤلاء من شدة خوفهم لا يزالون هلعين خائفين، ﴿يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ﴾ [الأحزاب:٢٠] أي: أنهم إذا جاء الأحزاب يتمنون أنهم ليسوا في المدينة بل خارج المدينة في البوادي، فيسمعون الأخبار وماذا حصل للمسلمين، وهذا من شدة خوفهم، ﴿وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا * لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢٠ - ٢١].
فهذه أوصاف المنافقين بينها الله لنا لنحذرها، فالمؤمن يرجو ثواب الله والدر الآخرة، لذلك تجد عنده شجاعة وإقداماً، وقوة وثبات قلب، وليس كالمنافقين الهلعين الخائفين، ولهذا وصف الله المؤمنين فقال: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا ع
стр. 121
أوصاف المنافقين في سورة محمد
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى في سورة القتال: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ * وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد:٢٩ - ٣٠] إلى ما في السورة من نحو ذلك].
هذه الآيات في سورة القتال ويقال لها: سورة محمد.
يقول الله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ﴾ [محمد:٢٩]، هذا المرض هو مرض النفاق والشك والشبهة، وهو أشد من مرض الشهوة، ومرض الشهوة هو مرض المعاصي، ومرض الشبهة هو مرض القلب ومرض الشك والريب والنفاق.
﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ﴾ [محمد:٢٩]، بل إن الله تعالى سيخرج أضغانهم، ويبين صفاتهم لعباده المؤمنين، ولهذا قال سبحانه: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ [محمد:٣٠] ولكنه أخفى ذلك؛ لتكون الأحكام على الظاهر، وتوكل السرائر إلى الله .
﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد:٣٠] أي: قد يظهر من أقوالهم ما يدل على ما تخفيه بواطنهم، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٠].
ثم قال سبحانه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد:٣١] أي: أن الله تعالى يختبر عباده في السراء والضراء والمحن والشدائد؛ حتى يتميز الصادق من الكاذب، والمؤمن من المنافق كما قال سبحانه في آية العنكبوت: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ [العنكبوت:١١].
стр. 122
أوصاف المنافقين في سورة الفتح
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى في سورة الفتح: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا * وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [الفتح:٤ - ٦]].
هذه الآيات في سورة الفتح، وقوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح:١] المراد بالفتح هنا: صلح الحديبية، وسمي فتحاً لأنه مقدمة الفتح، فلما عقد النبي ﷺ الهدنة والصلح بينه وبين الكفار عشر سنين تضع الحرب فيها أوزارها اختلط الكفار بالمسلمين، فلما سمعوا كلام الله وكلام رسوله أسلم منهم عدد كبير، وتفرغ النبي ﷺ لفتح خيبر، فحصل خير عظيم، ثم نقضت قريش العهد بعد سنتين، فغزاهم النبي ﷺ وفتح مكة، وسماه الله فتحاً.
وجاء في بعض الأحاديث: (أن النبي ﷺ سئل أفتح هو؟ قال: نعم)، ولهذا قال الله سبحانه: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح:١] وهو صلح الحديبية، ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح:٢].
وقال فيها سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الفتح:٤ - ٥]، ثم قال سبحانه: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾ [الفتح:٦]، فهذا جزاء المنافقين والمشركين، ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ [الفتح:٦]، وظن السوء هذا جاء تفسيره بأنهم ظنوا أن الله تعالى لا يحفظ رسوله والمؤمنين، وأن النبي ﷺ سيقتل ويقضى على الإسلام والمؤمنين فلا تبقى للإسلام قائمة، فهذا هو ظن السوء.
فمن كان يظن أن الحق سيقضى عليه، وأن الله يديل الباطل على الحق إدالة مستمرة ينتهي معها الحق ولا يبقى إلا الباطل فقد ظن بالله ظن السوء؛ لأن الله تعالى وعد أنه سينصر دينه، فقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣٣]، فلابد أن يظهر هذا الدين، ولهذا جاء في الحديث: (ليبلغن هذا الدين ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك بيت مدر ولا شعر إلا أدخله بعز عزيز أو بذل ذليل).
وثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله ﵎.
فالحق لابد أن يبقى، والطائفة المنصورة باقية إلى قيام الساعة، لكن هذه الطائفة تقل أحياناً وتكثر أحياناً، وتكون مجتمعة أحياناً وتكون متفرقة أحياناً أخرى، فقد تكون مثلاً في بعض الأزمنة في الجزيرة العربية، وقد تكون في الشام، وقد تكون في مصر، وقد تكون في إفريقيا، وقد يكون بعضها هنا وبعضها هناك، وفي آخر الزمان قبيل خروج الدجال تكون في الشام، وقبيل خروج المهدي تحصل الفتن، فأهل الحق يجتمعون في الشام بعد الحروب الطاحنة التي تحصل لهم، وبعد فتح القسطنطينية يخرج الدجال، ثم ينزل عيسى بن مريم ﵊.
قال تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ [الفتح:٦] أي: سيعود وبال ظنهم عليهم، فهذا الظن كفر، فمن ظن بالله هذا الظن فقد ظن بالله ظن السوء، فعليه دائرة السوء، وغضب الله عليه ولعنه وأعد له جهنم وساءت مصيراً.
فالواجب على المسلم أن يظن بالله الظن الحق وأن يحسن الظن بربه، وأن يعلم أن هذا الدين لابد أن ينتصر، وأن الله لابد أن يظهر دين الإسلام، وفي الحديث القدسي الصحيح يقول الرب : (أنا عند ظن عبدي فليظن بي ما شاء) أو كما جاء في الحديث.
وهذا فيه تحذير لنا من صفات المنافقين، ولهذا بين هذا الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمة الله عليه في كتاب التوحيد: باب قول الله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران:١٥٤]، وذكر هذه الآية: ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ [الفتح:٦] قال: هو أن يظن بالله أنه يديل الباطل على الحق إدالة مستمرة، وأنه لا يبقى على الحق أحد.
قال: (ولو فتشت من فتشت لوجدت عنده تعنتاً على القدر واعتراضاً عليه، وأنه ينبغي أن يكون كذا، ولماذا يكون كذا؟) فبعض الناس يعترض على الله: أنه لماذا يكون كذا؟ ولماذا يقدر كذا؟ ولماذا يعطي هذا؟ ولماذا يجعل هذا غنياً؟ ولماذا يجعل هذا فقيراً؟ ثم قال الشيخ ﵀: (وفتش نفسك هل أنت سالم)، أي: فتش نفسك هل أنت سالم من هذه الظنون السيئة أو غير سالم.
فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة وإلا فإني لأخالك ظالما.
يعني: كل واحد يفتش نفسه ويتفقد حاله من هذه الظنون السيئة بالله.
ومن الظنون السيئة: الاعتراض على الله وعلى قدره وعلى إنعامه على من أنعم عليه، والله تعالى ذكر صفات المنافقين هذه لنحذرها.
стр. 123
أوصاف المنافقين في سورة الحديد
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى في سورة الحديد: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الحديد:١٢ - ١٥]].
هذه الآيات فيها بيان حال المؤمنين وحال المنافقين، ففيها حال المؤمنين الذين آمنوا بالله ورسوله باطناً وظاهراً، واستقاموا على توحيد الله وطاعته، وفيها حال المنافقين الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر، ودبروا الحيل والمكائد في الدنيا للقضاء على الإسلام والمسلمين، فماذا كان حالهم؟ وماذا كانت نتيجتهم؟ لقد كانت النتيجة أن الله تعالى نجى المؤمنين من شدائد يوم القيامة وأهوالها، فحصلوا على الفوز العظيم، والنعيم المقيم، وأما المنافقون فإن نفاقهم وكفرهم خذلهم في أحرج المواقف، وانطفأ نورهم وصاروا في الظلمات، ثم سيقوا إلى الجحيم والدركات في النار، نسأل الله السلامة والعافية، فبين الله حالهم ومآلهم فقال: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [الحديد:١٢] أي: أمامهم، فيمشون في النور، فلما كانوا صادقين في إيمانهم صار هذا النور المعنوي في الدنيا نوراً حسياً حقيقاً في الآخرة، فيكون أمامهم ويكشف لهم الطريق؛ ليمشوا على بصيرة، ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الحديد:١٢] فتبشرهم الملائكة بذلك.
وأما المنافقون فقال عنهم: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ﴾ [الحديد:١٣] أي: يمشى المنافقون والمؤمنون جميعاً في النور، ثم ينطفئ نور النفاق، فالمنافقون لا يزالون في خداعهم فيظنون أنهم مع المؤمنين، فلما كانوا مع المؤمنين في الدنيا ظنوا أن هذا سينفعهم في الآخرة، فمشوا معهم يوم القيامة فانطفأ نورهم، وبقي نور المؤمنين مضيئاً، فقالوا للمؤمنين: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد:١٣] أي: اصبروا وانتظرونا فليس عندنا نور، فقال لهم المؤمنون: ﴿ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ﴾ [الحديد:١٣] أي: فصل بينهم وبين المؤمنين ﴿بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾ [الحديد:١٣] أي: من قبل المؤمنين، ﴿وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد:١٣] من قبل المنافقين، ثم سوقوا إلى النار عياذاً بالله، فهذا جزاؤهم بسبب كفرهم وعنادهم.
قوله: ﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ [الحديد:١٤] أي: لما انطفأ نور المنافقين وضرب بينهم بسور جعل المنافقون ينادون المؤمنين، فليس لديهم الآن إلا النداء: ألم نكن معكم في الدنيا فكنا نصلي معكم، ونصوم معكم، ونجاهد معكم؟ فما الذي حصل؟ ولماذا افترقنا؟ ﴿قَالُوا بَلَى﴾ [الحديد:١٤] أي: كنتم معنا، ﴿وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [الحديد:١٤] فلستم على استقامة، ولستم على إيمان، ولستم على توحيد.
﴿فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحديد:١٥]، لا يمكن أن تفدوا أنفسكم من عذاب الله لا أنتم ولا الكفار ظاهراً وباطناً، ﴿مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الحديد:١٥]، فهذه عاقبة الكفار والمنافقين، نسأل الله السلامة والعافية.
стр. 124
أوصاف المنافقين في سورة المجادلة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى في سورة المجادلة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ [المجادلة:٨] إلى قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [المجادلة:١٤ - ١٦] إلى آخر السورة.
وقوله: ﴿مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ﴾ [المجادلة:١٤]].
هذه الآيات من سورة المجادلة في صفات المنافقين، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [المجادلة:٨].
فنهاهم الله عن النجوى والتناجي بالسر؛ لأن الكفار قد يتناجون بالكلام فيما بينهم بما فيه مضرة على المسلمين، فنهاهم الله تعالى عن ذلك، فلم ينته هؤلاء المنافقون عن ذلك؛ عصياناً لله ولرسوله، ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ﴾ [المجادلة:٨] أي: أنهم استمروا في تلك الخصلة الذميمة، ﴿بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المجادلة:٨] أي: بما فيه إثم ومعصية، وبما فيه عدوان على المسلمين في دمائهم أو أموالهم أو أعراضهم.
قوله: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ﴾ [المجادلة:٨] الخطاب للرسول ﵊، ﴿حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ [المجادلة:٨].
وهذا في المنافقين من اليهود، فإنهم إذا جاءوا إلى ﷺ يظهرون أنهم يسلمون عليه فيقولون: السام عليك، فيحذفون اللام، والسام هو الموت.
وكان يرد عليهم فيقول: وعليكم، فسمعتهم عائشة! من وراء الحجاب فقالت: وعليكم السام واللعنة، فقال النبي ﷺ : (يا عائشة إن الله يبغض الفحش والتفحش، فقالت: يا رسول الله! ألم تسمع ما قالوا؟ قال: ألم تسمعي ما قلت: وعليكم، فرددت عليهم تحيتهم، فإنها تقبل منا ولا تقبل منهم).
قوله: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ [المجادلة:٨] أي: لو كان نبياً لعذبنا الله على مقولتنا له، فأنزل الله: ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [المجادلة:٨] أي: مصيرهم، وبئس المقام مقامهم.
وقال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ﴾ [المجادلة:١٤] وهذا وصف المنافقين على الصحيح، والذين غضب الله عليهم هم اليهود، فالمنافقون يتولونهم من دون المؤمنين، ويحبونهم وينصرونهم ويؤيدونهم، وموالاة الكفار ومحبتهم لدينهم كفر وردة، وقد وقع هذا من المنافقين، فإنهم يتولون اليهود الذين وصفهم الله بقوله: ﴿غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [المجادلة:١٤].
قوله: ﴿مَا هُمْ مِنْكُمْ﴾ [المجادلة:١٤] أي: أن المنافقين ليسوا من المؤمنين، ﴿وَلا مِنْهُمْ﴾ [المجادلة:١٤] أي: وليسوا من اليهود، بل هم صنف ثالث.
ومن أوصافهم: ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [المجادلة:١٤] أي: يحلفون على الكذب وهم يعلمون أنه كذب نعوذ بالله، فالله تعالى قص علينا خبرهم ونبأهم وبينا لنا أوصافهم لنحذرها، فالواجب على المسلم أن يحذر من تولي الكفرة واليهود، ويحذر من الحلف على الكذب.
قوله: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [المجادلة:١٥ - ١٦] أي: جعلوا أيمانهم سترة في إخفاء كفرهم ونفاقهم، فإذا جاءوا إلى النبي حلفوا له، وكان النبي ﷺ يقبل ظواهرهم ويكل السرائر إلى الله، فلما تخلفوا عن غزوة تبوك جاءوا النبي ﷺ فحلفوا له أنهم لا يستطيعون، وأن لهم أعذاراً، فقبل النبي ﷺ ظواهرهم وحالهم، ووكل سرهم إلى الله، فهم اتخذوا أيمانهم جنة وسترة يتسترون بها لإخفاء كذبهم وكفرهم ونفاقهم، ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المجادلة:١٦] أي: بذلك ﴿فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [المجادلة:١٦] * ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المجادلة:١٧] أي: لا تنفعهم أموالهم ولا أولادهم يوم القيامة، بل سيخلدون في النار، ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [المجادلة:١٨] أي: أنهم يوم القيامة إذا بعثوا فإنهم يبقون على كذبهم وخداعهم، فيحلفون أمام الله أنهم صادقون كما يحلفون للمؤمنين في الدنيا، ويظنون أن هذا ينفعهم.
﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ﴾ [المجادلة:١٩] أي: توحيده وطاعته، ﴿أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المجادلة:١٩].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة).
أي: أن المنافقين مذبذبون، فلهم ظاهر ولهم باطن، فظاهرهم مع المؤمنين وباطنهم مع الكفار، لذا شبههم النبي ﷺ بالشاة بين الغنمين، فهي مرة تذهب مع هذه الغنم ومرة تذهب مع الغنم الأخرى، فليس عندها ثبات، وكما قال الله: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ﴾ [النساء:١٤٣] أي: لا إلى المؤمنين ولا إلى الكفار، فمرة مع المؤمنين ومرة مع الكفار، فهم يخافون وعندهم ذعر يقولون: نجعل يداً مع المؤمنين ويداً مع الكفار.
قال تعالى: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ﴾ [النساء:١٤٣] لا إلى المؤمنين ولا إلى الكفار، فهم مرة مع المؤمنين ومرة مع الكفار، وعندهم ذعر وخوف، فهم يقولون: نكون مع المؤمنين، فإن انتصر المؤمنون شاركناهم في الغنيمة، وكنا معهم، وإن انتصر الكفار صرنا معهم، فليس عندهم ثبات، ولا إيمان، وهذا فيه تحذير من صفات المنافقين، وفيه حث على الإيمان والثبات والاستقامة.
стр. 125
أوصاف المنافقين في سورة الحشر
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى في سورة الحشر: ﴿أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ * لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ﴾ [الحشر:١١ - ١٣]].
هذه الآيات في سورة الحشر، يقول الله فيها: ﴿أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ [الحشر:١١]؛ ولأنهم منافقون ﴿يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحشر:١١] وهم اليهود.
وذلك أن عبد الله بن أبي وغيره من المنافقين جاءوا إلى يهود بني قريظة، وحرضوهم على نقض العهد، وقالوا لهم: نحن معكم؛ إن قاتلكم محمد قاتلنا معكم، وإن أخرجكم خرجنا معكم، فهؤلاء المنافقون يمنون اليهود بهذا الكلام، وهم أجبن من أن يقاتلوا؛ ولهذا أنزل الله فيهم قوله: ﴿أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ﴾ [الحشر:١١] يعني: من المدينة ﴿لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ [الحشر:١١] فبين كذبهم بقوله: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ [الحشر:١١ - ١٢]، وهذا وصف المنافقين بأنهم كذبة.
وعندما أخرج اليهود لم يخرجوا معهم، بل ما استطاعوا الخروج، ولما حاصر النبي ﷺ بني قريظة لم ينصروهم، ولا قربوا منهم، فهم يخشون على أنفسهم، ولو قاتلوا على الفرض والتقدير، لولوا منهزمين، قال الله تعالى في وصفهم: ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ﴾ [الحشر:١٣]، هذا وصف المنافقين بأنهم يخشون المؤمنين ويخافونهم أشد من خوفهم من الله؛ لأنهم ليس عندهم إيمان، فلو كان عندهم إيمان لخافوا الله، ولكنهم يخافون من المؤمنين أن يطلعوا على ما في نفوسهم من النفاق فيقتلونهم، ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ [الحشر:١٣].
ثم ذكر الله من أوصاف اليهود، فقال: ﴿لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ [الحشر:١٤]، وهذا الوصف هو أنهم لا يقاتلون، وهنا وصف بالجبن والهلع، فلا يقاتلون إلا في قرى محصنة أي: من وراء حصون، ولا يبرزون إلى الصحاري؛ لأنهم لا يؤمنون ولا يرجون الشهادة، ﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ * كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الحشر:١٤ - ١٥].
ثم ضرب الله مثلين، مثلاً بالذين من قبلهم من الذين ذاقوا وبال أمرهم، والمثل الثاني هو الشيطان في قوله: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحشر:١٦].
أي: ومثل المنافقين عندما يحرضون المنافقين على نقض العهد ويقولون لهم: إننا معكم، وهم يكذبون في ذلك، فلما نقضوا العهد تركوهم، فمثلهم هذا كمثل الشيطان عندما دعا الإنسان للكفر؛ فلما كفر تبرأ منه.
وقد جاء في سبب نزول هذه الآية: أنها نزلت في عابد جاءه الشيطان، فلم يزل به حتى زنى بامرأة وحملت، ثم قتل الولد، فأخذ وصلب، فجاءه الشيطان وقال له: أنا الذي فعلت بك كذا وكذا، وأنا الذي أخلصك إذا فعلت شيئاً واحداً، قال: وما هو؟ قال: تومئ لي برأسك بالسجود، فأومأ له برأسه بالسجود، فقال: أنا بريء منك، فتبرأ منه، فأنزل الله: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ﴾ [الحشر:١٦].
ووجه الشبه أن المنافقين قالوا لليهود: انقضوا العهد، وقاتلوا محمداً ونحن معكم، فلما نقضوا العهد تبرءوا منهم، وهذا المثل ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ [الحشر:١٦ - ١٧]، نسأل الله السلامة والعافية.
وقد ذكر الله هذه الأوصاف تحذيراً لنا؛ لئلا يصيبنا ما أصابهم.
стр. 126
شرح كتاب الإيمان الأوسط لابن تيمية [٨]
الآيات القرآنية الواردة في ذكر صفات المنافقين كثيرة، بل أنزل الله سورة كاملة باسمهم وبين فيها صفاتهم، وقد صار الفقهاء يطلقون مصطلح الزنديق على المنافق، وذلك لما كثر المسلمون من العجم وتداولوا هذا المصطلح، واختلف الفقهاء في حكم الزنديق وقبول توبته.
стр. 127
أوصاف المنافقين في سورة المنافقون
стр. 128
المنافقون يظهرون خلاف ما يبطنون
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد ذكر في سورة المنافقين قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون:١] إلى آخر السورة، والمقصود بيان كثرة ما في القرآن من ذكر المنافقين وأوصافهم].
ذكر الله تعالى سورة كاملة في شأن المنافقين تسمى سورة المنافقين، بين الله تعالى فيها أوصافهم وأخلاقهم؛ تحذيراً لعباده المؤمنين أن يتصفوا بصفاتهم، قال سبحانه: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ [المنافقون:١] وهم الذي كفروا في الباطن، وأظهروا الإسلام في الظاهر ﴿قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون:١] هذا قولهم باللسان ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون:١] إذاً: لهم ظاهر وباطن، ظاهرهم الشهادة لله تعالى بالوحدانية باللسان، وكذلك الشهادة لرسول الله ﷺ بالرسالة، وأما في الباطن فقلوبهم مكذبة.
﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [المجادلة:١٦] أي: اتخذوا أيمانهم وقاية يتقون بها العقوبات التي تصيبهم في الدنيا، فكلما فعلوا شيئاً حلفوا أيماناً أنهم ما فعلوا فيسلمون من العقاب؛ لأن الأحكام إنما تكون على الظاهر، والسر تكله إلى الله، فجعلوا أيمانهم وقاية.
وهذا فيه تحذير للمؤمن من الأيمان، فنجد بعض المؤمنين يحلف ولا يبالي، وهذه من صفات المنافقين، وبئسما صنعوا، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون:٣] آمنوا: عرفوا الحق، ووضح لهم، ثم كفروا، فلما كفروا بعد وضوح الحق عوقبوا بأن طبع الله على قلوبهم، فجعل عليها غلافاً كالطابع.
وفي آية أخرى أخبر عنهم سبحانه بقوله: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ [البقرة:٨٨] أي: إذاً قلوبهم عليها غلاف وطابع وختم؛ بسبب تركهم الحق، وإعراضهم عنه بعد وضوحه، كما قال تعالى عن أهل القرى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف:٥] فقد أزاغ الله قلوبهم بسبب زيغهم وتركهم الحق بعد وضوحه.
وقال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام:١١٠] ومن أوصافهم أنهم ممن يعجبك منظرهم، وأيضاً كلامهم معسول وبليغ وفصيح، لكن القلوب خراب ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون:٤] أي: خاوية ليس فيها شيء فهي جوفاء.
﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ [المنافقون:٤] وذلك بسبب ما في قلوبهم من الهلع، يظنون كل أمر وبلاء ينزل نازلاً بهم، ويرون أن كل حادثة هي عليهم؛ بسبب ما في قلوبهم من الريب والزيغ.
قال الله تعالى: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون:٤] أي: هم العدو الحقيقي اللدود، شديد العداوة، وإن كان اليهود أعداء، والنصارى أعداء، لكن هؤلاء أشد عداوة؛ ولهذا قال: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون:٤].
стр. 129
المنافقون يرفضون استغفار الرسول لهم
قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون:٥] أي: ومن صفاتهم أنهم ﴿لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [المنافقون:٥] فإذا جاء الرسول ليستغفر لهم لووا رءوسهم كأنهم لا يحتاجون؛ لما في قلوبهم من الكفر والنفاق، فإذا استغفر لهم أعرضوا وصدوا ولم يقبلوا ﴿وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [المنافقون:٥].
قال تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [المنافقون:٦] يعني: ما داموا على كفرهم ونفاقهم؛ فلن يجدوا المغفرة، حتى ولو استغفر لهم الرسول ﵊.
стр. 130
المنافقون يصدون الناس عن الرسول
قال تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون:٧] أي من أوصافهم أنهم يقولون لبعضهم البعض: لا تنفقوا على المؤمنين، ولا تبذلوا أموالكم، بل اتركوهم في حاجتهم وفقرهم، حتى ينفضوا عن النبي ﷺ ويتركوه، فلا يبقى عنده أحد، وهذا من ظنهم السيئ أن الإسلام سينتهي، فهم يقولون: ﴿لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [المنافقون:٧] أي: من الصحابة لعلهم ينفضون عنه ويتركونه ولا يبقى معه أحد.
فقال الله رداً عليهم: ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون:٧]، أي: إذا منعتم النفقة أنتم، فإن الله له خزائن السموات والأرض، فالرزق بيد الله.
стр. 131
سبب نزول قوله تعالى (يقولون لئن رجعنا)
وذكر الله من أوصافهم قوله: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾ [المنافقون:٨].
وهذه الكلمة قالها عبد الله بن أبي عندما حصل نزاع بين بعض المهاجرين وبعض الأنصار، والمهاجرون هم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة، والأنصار هم الذين نصروهم واستقبلوهم في المدينة حتى أعز الله المسلمين.
والنزاع الذي حدث بين بعض الشباب من الأنصار والمهاجرين أن مهاجريا كسع أنصارياً، فتنادى هؤلاء وهؤلاء، وبلغ ذلك عبد الله بن أبي، فقال: أوفعلوها، وقال: ما حالهم إلا كما قال الأول: سمن كلبك يأكلك! يعني: جئنا بهم إلى المدينة والآن صاروا ضدنا.
ثم قال: والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، ويقصد بالأعز نفسه، وبالأذل الرسول ﷺ وأصحابه.
فسمعها زيد بن أرقم، فأنزل الله: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون:٨]، ولما سمع عبد الله بن أبي ابنه عبد الله، وكان من أصلح عباد الله، جاء ووقف أمام أبيه بالسيف، وقال: والله لا تدخل المدينة؛ حتى تكون أنت الأذل والرسول هو الأعز! وجاء إلى النبي ﷺ وقال: يا رسول الله! إني سمعت أنك تقتل عبد الله -يعني أباه- وإني لا أستطيع أن أرى قاتل أبي، ولكن إن أردت قتله، فأمرني أن آتيك برأسه! فقال: النبي ﷺ : لا، نستبقيه؛ حتى لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه، فأنزل الله قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون:٨] أي: ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين أبداً دائماً إلى يوم الدين، رغم أنوف الكافرين والمنافقين، واليهود والنصارى، ﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون:٨] أي: لا يعلمون أن العزة باقية لله ولرسوله وللمؤمنين.
فنسأل الله أن يعزنا بطاعته، ونسأل الله أن يعز الإسلام وأهله، وأن يذل الشرك وأهله، وأن يخذل الكفار والمنافقين ويهلكهم، ويقطع دابرهم، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
стр. 132
مسائل متعلقة بالمنافقين
قال الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه، ونور ضريحه: [والمنافقون هم في الظاهر مسلمون، وقد كان المنافقون على عهد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يلتزمون أحكام الإسلام الظاهرة -لاسيما آخر الأمر- ما لم يلتزمه كثير من المنافقين الذين من بعدهم؛ لعز الإسلام وظهوره إذ ذاك بالحجة والسيف، تحقيقاً لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة:٣٣]].
يقول المؤلف: (والمنافقون هم في الظاهر مسلمون)، هذا هو المنافق، والمنافق: هو الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر، فهم في الظاهر مسلمون وفي الباطن منافقون، وهم كفرة؛ لأنهم شاركوا الكفار في الكفر، وزادوا عليهم بالخداع، حيث أظهروا الإسلام، ولهذا كانت عقوبتهم أشد، وعذابهم كذلك أشد في الآخرة.
стр. 133
العلة في التزام المنافقين حال قوة المسلمين
وذكر المؤلف ﵀ أن المنافقين صاروا يلتزمون بأحكام الإسلام الظاهرة، ولا سيما في آخر الأمر لما قوي المسلمون، وظهر الإسلام، وأعز الله رسوله والمؤمنين، فصاروا يلتزمون بأحكام الإسلام الظاهرة ولا يخالفونها؛ خوفاً من سطوة الإسلام والمسلمين عليهم لو أظهروا كفرهم ونفاقهم، فالتزموا بأحكام الإسلام ما لم يلتزمه كثير من المنافقين الذين من بعدهم؛ لأن قوة الإسلام عند النبي ﷺ والصحابة أقوى منها فيمن بعدهم.
وإذا قوي المسلمون التزم المنافقون بأحكام الإسلام في الظاهر، وإذا ضعف المسلمون ضعف التزام المنافقين بأحكام الإسلام، وصاروا يظهرون حقيقتهم، فالمنافقون يتحينون الفرص؛ ليظهروا ما يخفون من الكفر والنفاق.
فإن كان الإسلام قوياً، وكان المسلمون أقوياء يقيمون الحدود، فحينئذ يلتزم المنافقون بأحكام الإسلام؛ خوفاً من أن تقطع رقابهم، وأن تؤخذ أموالهم.
ولهذا بين المؤلف ﵀ بأن المنافقين التزموا بأحكام الإسلام في الظاهر، في عهد النبي ﷺ في آخر الأمر، وذلك لعز الإسلام وظهوره إذاك بالحجة والسيف، فالإسلام قوي بالحجة والبرهان والبيان، والمسلمون أقوياء يظهرون الإسلام ويبينون محاسنه، ويبينون وجوب التزامه، فلا يستطيع المنافقون أن يقابلوا الحجة بالحجة، إذ ليس عندهم حجج.
وكذلك كان المسلمون لهم الغلبة بالسيف والقوة والسلطان، فمن أظهر النفاق قتل؛ فلهذا صار المنافقون يلتزمون أحكام الإسلام، حتى لا تقام عليهم الحدود.
يقول المؤلف: [وتحقيقاً لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة:٣٣]].
أي: أن الله تعالى وعد في هذه الآية الكريمة، بأنه مظهر دينه على الدين كله، وعلى جميع الأديان، وقد وقع ذلك.
стр. 134
إطلاع الله لنبيه على أسماء المنافقين
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولهذا قال حذيفة بن اليمان ﵁، وكان من أعلم الصحابة بصفات المنافقين وأعيانهم، كان النبي ﷺ قد أسر إليه عام تبوك أسماء جماعة من المنافقين بأعيانهم؛ فلهذا كان يقال هو صاحب السر الذي لا يعلمه غيره].
حذيفة بن اليمان ﵁، أسر إليه النبي ﷺ ببعض أسماء المنافقين، فكان من أعلم الصحابة بصفات المنافقين وأعيانهم، فكان يقال: هو صاحب السر الذي لا يعلمه غيره، كما روى ذلك البخاري في صحيحه وأحمد في مسنده وابن حبان والنسائي عن أبي الدرداء قال: أليس فيكم صاحب السر، الذي لا يعلمه غيره؟ يعني: حذيفة.
стр. 135
قاعدة في الصلاة على موتى المنافقين ونحوهم
قال المؤلف ﵀: [ويروى أن عمر بن الخطاب ﵁، لم يكن يصلي على أحد حتى يصلي عليه حذيفة ﵁؛ لئلا يكون من المنافقين الذين نهى الله تعالى عن الصلاة عليهم].
وذلك لأن الله تعالى نهى عن الصلاة عليهم بقوله: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة:٨٤] وهذه الآية فيها النهي عن الصلاة على الكفار، وقد ذكر الله تعالى العلة في ذلك قال: ﴿إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة:٨٤] فمن علم كفره فلا يصلى عليه، ومن لم يعلم كفره فإنه يصلى عليه ولو كان فاسقاً، إلا أنه جاء في بعض الأحاديث أن النبي تأخر عن الصلاة على بعض الفساق، كالغال من الغنيمة، والقاتل نفسه، وغيرهم ممن جاء النص بأنه لا يصلى عليه، فإنه لا يصلي عليهم أعيان الناس ووجهاؤهم وعلماؤهم، ولكن يصلي عليهم بقية الناس؛ ليكون في ذلك تحذير للأحياء من أن يفعلوا ذلك فلا يصلى عليهم، ولكن يصلي عليه عامة المسلمين؛ لأنه مسلم.
والقاعدة في هذا: أنه من علم كفره فإنه لا يصلى عليه، ومن لم يعلم كفره فإنه يصلى عليه؛ لهذه الآية وهي قوله تعالى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة:٨٤] ثم ذكر العلة فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة:٨٤].
فكان عمر ﵁ لا يصلي على أحد حتى يصلي عليه حذيفة، خشية أن يكون من المنافقين الذين نهى الله عن الصلاة عليهم، فإذا صلى حذيفة على شخص صلى عليه عمر؛ لأن حذيفة صاحب السر، أي: الذي أسر إليه النبي ﷺ بأسماء المنافقين وأعيانهم.
стр. 136
خطورة النفاق
قال المؤلف ﵀: [قال حذيفة ﵁: النفاق اليوم أكثر منه على عهد رسول الله ﷺ ، وفي رواية: كانوا على عهد النبي ﷺ يسرونه، واليوم يظهرونه].
وهذا رواه البخاري في الفتن، ورواه ابن أبي شيبة أيضاً في الفتن، وأبو نعيم في الحلية، والفريابي في صفة النفاق.
وكونهم يسرونه على عهد النبي ﷺ ؛ فذلك لقوة الإسلام وعزه بالحجة والسيف.
وأما بعد ذلك فإن المسلمين حصل لهم بعض الضعف، فصار المنافقون يظهرون النفاق، وكذلك الآن في هذا الزمن تجد بعض المنافقين وبعض العلمانيين يظهرون نشاطهم في الصحف وفي المجلات إذا أمنوا إقامة الحدود، وإن خافوا أن تقام عليهم الحدود تجدهم إما أن يعتذروا وإما أن يؤولوا.
стр. 137
خوف السلف من النفاق
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وذكر البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه عن ابن أبي مليكة قال: أدركت ثلاثين من أصحاب محمد ﵌ كلهم يخاف النفاق على نفسه].
هذا الأثر ذكره البخاري أيضاً في صحيحه في كتاب الإيمان تحت هذه الترجمة: باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر.
وقال إبراهيم التيمي: (ما عرضت قولي على عملي، إلا خفت أن أكون مكذباً).
يعني: إن الإنسان في الغالب تكون الأقوال عنده أكثر من الأعمال وأوسع، فالإنسان يتكلم بكلام طيب، لكن عند التطبيق يضعف، ولهذا قال إبراهيم التيمي: (ما عرضت قولي على عملي إلا خفت أن أكون مكذباً)؛ لأن القول طيب، وأما العمل فهو ضعيف.
وقال الحسن البصري: (ما خافه إلا مؤمن، وما أمنه إلا منافق).
يعني: ما خاف النفاق إلا مؤمن، وما أمنه إلا منافق، فالمنافق يأمن من النفاق؛ لأنه منافق، والمؤمن يخافه على نفسه وذلك دليل إيمانه.
قال ابن أبي مليكة، كما ذكر المؤلف: [أدركت ثلاثين من أصحاب محمد ﷺ ، كلهم يخاف النفاق على نفسه، ثم قال: ما منهم أحد يقول إنه على إيمان جبريل وميكائيل].
وهذا فيه رد على المرجئة الذين يقولون: إن إيمان جبريل وميكائيل وإيمان سائر الناس سواء، وإيمان أهل السماء وأهل الأرض سواء، وهذا معناه أن إيمان أفجر الناس وأتقى الناس سواء.
ولهذا قال الطحاوي في الطحاوية: (والإيمان واحد، وأهله في أصله سواء)، أي: أهل الإيمان في أصله سواء، فالناس كلهم مؤمنون، وكلهم أولياء لله.
فكان الصحابة كلهم يخاف النفاق على نفسه الأصغر؟ وإن كان ظاهر الترجمة وهي باب خوف المؤمن أن يحبط عمله وهو لا يشعر أنه النفاق الأكبر؛ لأن الذي يحبط العمل النفاق الأكبر، ولكن آخر الأثر: (ما منهم أحد يقول إنه على إيمان جبريل وميكائيل)، يدل على أن المراد هو النفاق الأصغر، يعني: كل منهم يعتقد أنه ناقص الإيمان، وأنه لا يصل إلى ما وصل إليه جبريل وميكائيل.
الصحابة لا يخافون أن يكفروا بالله ورسوله، وإنما يخافون من نفاق يكون في الأعمال.
قال الحافظ: قد جزم بأنهم كانوا يخافون النفاق في الأعمال غير واحد ولم ينقل عن غيرهم خلاف في ذلك، وكأنه إجماع؛ وذلك لأن المؤمن قد يعرض له في علمه ما يشوبه مما يخالف الإخلاص.
стр. 138
العبادات لا تقبل من المنافقين
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد أخبر الله تعالى عن المنافقين أنهم يصلون ويزكون، وأنه لا يقبل ذلك منهم، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء:١٤٢].
قوله: (فقال تعالى) في نسخة أخرى: وقال تعالى، والأحسن صيغة (وقال تعالى).
والآية قد أخبر الله فيها عن المنافقين أنهم يصلون ويزكون، وأنه لا يقبل ذلك منهم، ومثلها قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة:٥٤].
إن من أوصاف المنافقين أنهم ارتضوا الخداع والكسل عند الصلاة والمراءاة بها، وهذه أوصاف مشينة، وفيه تحذير للمؤمن من هذه الأوصاف، فلا ينبغي للمؤمن أن يخادع، بل يجب أن يكون أمره واضحاً.
وكذلك على المؤمن أن يقوم إلى الصلاة برغبة ولا يقوم بكسل وتثاقل، وكذلك يحذر المؤمن من الرياء، ويخلص عمله لله، فإن الرياء من صفات المنافقين، وعدم ذكر الله كثيراً من صفاتهم أيضاً، فهذه أربعة أوصاف من أوصاف المنافقين: الخداع، والكسل عند إقامة الصلاة، والرياء، وقلة ذكر الله.
стр. 139
سبب عدم قبول عبادات المنافقين
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى: ﴿قُلْ أَنفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ * وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة:٥٣ - ٥٤]].
هنا بين الله أن المنافقين لا تقبل منهم نفقاتهم، ولا تقبل صلاتهم، وبين العلة، وهي كفرهم بالله ورسوله.
إن التوحيد هو المصحح للأعمال، فمن كان من أهل التوحيد صحت أعماله وقبلت، ومن كان من أهل النفاق والكفر بطلت أعماله وردت، فأي موحد أخلص عمله قبل منه ولو كان عاصياً، فالعاصي نقول له: صلاتك صحيحة، أو زكاتك صحيحة، ولو كان عنده بعض المعاصي، كعقوق الوالدين أو قطيعة الرحم، أو شرب الخمر أو الدخان، أو حلق اللحية، فهذه المعاصي لا تمنع من قبول عباداته إذا كان موحداً.
لكن الكافر لا يقبل منه أي عمل؛ لأنه ليس عنده توحيد، بل أشرك بالله، فلا تقبل عباداته؛ لأن المصحح للأعمال كلها هو التوحيد، والمبطل للأعمال كلها هو الشرك والكفر، ولهذا بين الله سبب عدم قبول الصلاة والزكاة فقال: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة:٥٤] فهذا هو المانع المبطل لأعمالهم، وفي هذا تحذير للمؤمن من أن يتصف بصفات المنافقين، فإن إتيان الصلاة عن كسل، والإنفاق مع الإكراه وصف نفاق، والمؤمن ينفق مع النشاط والطواعية وانشراح الصدر، لا كارهاً متبرماً، بخلاف المنافق؛ لأنه ليس عنده إيمان.
стр. 140
انكشاف أمر عبد الله بن أبي عند الصحابة
قال المؤلف ﵀: [فقد كانوا يشهدون مع النبي ﷺ مغازيه، كما شهد عبد الله بن أبي بن سلول وغيره من المنافقين الغزوة التي قال فيها ابن أبي: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾ [المنافقون:٨] وأخبر بذلك زيد بن أرقم النبي ﷺ وكذبه قوم حتى أنزل الله القرآن بتصديقه].
وهذه القصة رواها البخاري ومسلم في صحيحيهما، فقد كان عبد الله بن أبي رأس المنافقين، يشهد مع النبي مغازيه، ويصلي معه، وكان أيضاً يشهد معه الجمعة، وإذا صلى الجمعة قام وخطب في الناس وقال: احمدوا ربكم على هذا النبي الكريم، أطيعوه واتبعوه.
ثم بعد غزوة تبوك قام وأراد أن يقول مثل الذي يقوله دائماً، فأخذه بعض الصحابة وقالوا: اجلس عدو الله، قد عرفنا أمرك، فخرج وهو يقول: أردت أن أشد أمره، فمنعني فلان وفلان.
وقد حدث في غزوة تبوك، أو غزوة المريسيع على خلاف أن قال عبد الله بن أبي: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾ [المنافقون:٨]، يعني: أنه هو الأعز والنبي ﷺ هو الأذل، حاشاه، فسمع ذلك زيد بن أرقم، فأخبر النبي ﷺ ، فكذبه قومه حتى شق عليه ذلك، فأنزل الله تصديقه في قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون:٨].
وهذا يدل على أن المنافقين يظهرون الإسلام، وهم مكذبون في الباطن، وهم يصلون الصلوات الخمس، لكنهم يتخلفون عن صلاة العشاء وصلاة الفجر؛ لأن صلاة العشاء والفجر في الظلام، ولا يراهم أحد ويخفون على الناس، وفي صلوات النهار يأتون، ويجاهدون مع النبي ﷺ .
وفي هذا الزمن وفي جميع الأزمان نرى المنافقين يعيشون بين المسلمين، ويصلون معهم، وهم على كفرهم ونفاقهم، فمتى حانت لهم الفرصة أظهروا نفاقهم وكفرهم، وهم في الخفاء يخططون لهدم الإسلام، والإضرار بالمسلمين.
قال المؤلف ﵀: [والمقصود أن الناس ينقسمون في الحقيقة إلى: مؤمن، ومنافق كافر في الباطن مع كونه مسلماً في الظاهر، وإلى كافر باطناً وكافراً].
فهذه هي أقسام الناس، وهذه الأقسام لا شك فيها، فقد دل عليها القرآن والسنة والإجماع، وهي معلومة من الدين بالضرورة.
стр. 141
ظهور مصطلح الزنديق والخلاف في حكمه
قال المؤلف ﵀: [ولما كثرت الأعاجم في المسلمين تكلموا بلفظ الزنديق، وشاعت في لسان الفقهاء، وتكلم الناس في الزنديق هل تقبل توبته في الظاهر إذا عرف بالزندقة، ودفع إلى ولي الأمر قبل توبته؟ فمذهب مالك رحمه الله تعالى، وأحمد في أشهر الروايتين عنه، وطائفة من أصحاب الشافعي، وهو أحد القولين في مذهب أبي حنيفة، أن توبته لا تقبل.
والمشهور من مذهب الشافعي ﵀ قبولها، كالرواية الأخرى عن أحمد، وهو القول الآخر في مذهب أبي حنيفة، ومنهم من فصل].
стр. 142
ظهور هذا المصطلح وسببه
هذا الخلاف في قبول توبة الزنديق، والزنديق قد يطلق على المنافق الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر، وقد يطلق على الجاحد من أصله، ولفظ الزنديق هذا إنما تكلم الناس به عندما كثر المسلمون من الأعاجم بعد زمن الصحابة والتابعين، ودخل الناس في دين الإسلام، فتكلموا بلفظ زنديق، وهي كلمة فارسية معناها: المنافق، وشاعت في لسان الفقهاء، وتكلموا هل تقبل توبته الزنديق أو لا تقبل؟ والزنديق يطلق على المنافق، ويطلق على الجاحد المعطل الذي عطل الرب من أوصافه، وعطل المصنوعات من صانعها، فالمنافق الزنديق، إذا ادعى التوبة، هل تقبل توبته؟
стр. 143
الخلاف في قبول توبة الزنديق
اختلف العلماء على ثلاثة أقوال: القول الأول: مذهب مالك، وأحمد في المشهور عنه، وطائفة من أصحاب الشافعي، وهو قول لـ أبي حنيفة: أن توبته لا تقبل، يعني: في الدنيا، فإذا عرف أنه منافق فلابد أن تقطع رقبته، وإن قال: تبت.
وألف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى كتاباً في هذا وسماه (الصارم المرسول على شاتم الرسول) قالوا: الزنديق والذي سب الله أو سب الرسول، أو استهزأ بالله أو برسوله أو بكتابه، أو الساحر، هؤلاء لا تقبل توبتهم، بل يقتلون؛ حتى لا يتجرأ الناس على مثل هذا الكفر الغليظ، وكذلك من تكررت ردته، أما ما عداهم من الكفرة إذا ادعى التوبة، فإننا نقبل توبته.
فالقول الأول هو أن هذا يقتل زجراً له ولأمثاله؛ حتى لا يتجرأ الناس على مثل هذا الكفر أو غيره، أما ما بينه وبين الله فإن كان صادقاً في التوبة، فالله يقبل توبة الصادقين، وإن كاذباً فلا يقبل الله توبة الكاذبين وهذا في الآخرة، أما في الدنيا فلابد من قطع رقبته.
القول الثاني: أن توبته تقبل، وهذا هو المشهور من مذهب الشافعي، ورواية عن الإمام أحمد، وقول في مذهب أبي حنيفة، أي: إذا أخذناه فقال: أنا تائب، فإننا نتركه، ولا نقتله ومن تاب تاب الله عليه.
القول الثالث: التفصيل، وهو أنه إن أخذ قبل التوبة ثم ادعى التوبة لا تقبل توبته، بل لابد أن تقطع رقبته، أما إذا تاب وسلم نفسه، فإنها تقبل توبته؛ لأنه ما سلم نفسه إلا لأنه تائب.
وهذا القول لعله أعدلها، فإنه إذا سلم نفسه كان مثل المحاربين، وقد قال الله تعالى عن المحاربين وقطاع الطريق: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة:٣٣]، ثم قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة:٣٤] يعني: إذا سلموا أنفسهم قبل القبض عليهم، فهؤلاء تقبل توبتهم.
فهنا بين الله تعالى في كتابه أن المحارب وهو قاطع الطريق إن سلم نفسه قبلنا توبته، وإن قبضنا عليه ثم ادعى التوبة فلا تقبل توبته، فكذلك الساحر وكذلك الزنديق وكذلك المنافق له هذا الحكم.
وهذا أعدل الأقوال، فإن القول الأول يقتل مطلقاً، والقول الثاني لا يقتل مطلقاً، والقول الثالث يقتل إذا قبضنا عليه قبل أن يسلم نفسه، ولا يقتل إذا سلم نفسه قبل أن نقبض عليه.
стр. 144
معنى الزنديق عند الفقهاء وغيرهم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والمقصود هنا أن الزنديق في عرف هؤلاء الفقهاء هو المنافق الذي كان على عهد النبي ﷺ ، وهو أن يظهر الإسلام ويبطن غيره، سواء أبطن ديناً من الأديان كدين اليهود والنصارى أو غيرهم، أو كان معطلاً جاحداً للصانع والمعاد والأعمال الصالحة.
ومن الناس من يقول: الزنديق هو الجاحد المعطل، وهذا يسمي الزنديق في اصطلاح كثير من أهل الكلام والعامة، ونقلة مقالات الناس.
ولكن الزنديق الذي تكلم الفقهاء في حكمه هو الأول؛ لأن مقصودهم هو التمييز بين الكافر وغير الكافر، والمرتد وغير المرتد، ومن أظهر ذلك أو أسره.
وهذا الحكم يشترك فيه جميع أنواع الكفار والمرتدين، وإن تفاوتت درجاتهم في الكفر والردة، فإن الله تعالى أخبر بزيادة الكفر كما أخبر بزيادة الإيمان بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة:٣٧]، وتارك الصلاة وغيرها من الأركان، أو مرتكبي الكبائر، كما أخبر بزيادة عذاب بعض الكفار على بعض في الآخرة بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ العَذَابِ﴾ [النحل:٨٨]].
والزنديق عند هؤلاء الذين ذكرهم المؤلف يطلق على الجاحد المعطل، يعني: الذي يجحد الرب ويعطل الرب من أفعاله وربوبيته وأسمائه وصفاته، فهذا يسمى زنديقاً، ويسمى المنافق زنديقاً أيضاً، فالزنديق يطلق على أمرين: الأول الجاحد المعطل، والثاني المنافق.
ولكن الزنديق الذي تكلم الفقهاء في حكمه هو الأول كما قال المؤلف، وهو المنافق؛ لأن مقصودهم هو التمييز بين الكافر وغير الكافر، والمرتد وغير المرتد، ومن أظهر ذلك أو أسره، وهذا الحكم يشترك فيه جميع أنواع الكفار والمرتدين، وإن تفاوتت درجاتهم في الكفر والردة، فإن الله أخبر بزيادة الكفر كما أخبر بزيادة الإيمان.
فالإيمان يزيد وينقص، كما قال: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح:٤]، وقال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة:١٢٤].
والكفر يزيد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة:٣٧]، ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة:١٢٥]، فالكفر يزيد وينقص، والإيمان يزيد وينقص.
وكذلك تارك الصلاة وغيرها من الأركان، أو مرتكب الكبائر، كما أخبر بزيادة عذاب بعض الكفار على بعض في الآخرة بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ العَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النحل:٨٨]، فالكفرة يتفاوتون، بعضهم يزيد على بعض، فالكافر الذي يصد عن سبيل الله، ويؤذي المؤمنين، أشد عذاباً من الكافر الذي لا يصد عن سبيل الله.
стр. 145
التفريق بين الحكم بالظاهر والحكم بالباطن
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فهذا أصل ينبغي معرفته؛ فإنه مهم في هذا الباب، فإن كثيراً ممن تكلم في مسائل الإيمان والكفر لتكفير أهل الأهواء، لم يلحظوا هذا الباب، ولم يميزوا بين الحكم الظاهر والباطن، مع أن الفرق بين هذا وهذا ثابت بالنصوص المتواترة والإجماع المعلوم، بل هو معلوم بالاضطرار من دين الإسلام].
يعني: أن هذا الكلام أصل ينبغي معرفته؛ وهو أن المنافق تجرى عليه أحكام الإسلام في الظاهر، وإذا أظهر النفاق قتل، كما تجرى على المسلم ظاهراً وباطناً، فالمؤمن ظاهراً وباطناً تجرى عليه أحكام الإسلام، والمنافق الذي يظهر الإسلام تجرى عليه أحكام الإسلام، فإذا لم نعلم حاله عاملناه كمسلم في الزواج، والنكاح، والصداق، والصلاة عليه إذا مات، والميراث، وإجابة دعوته، وتغسيله، ودفنه في مقابر المسلمين.
فكل هذه الأحكام تجرى على المنافق الذي أظهر الإسلام وأبطن الكفر، ما لم يظهر نفاقه، فإذا أظهر نفاقه قتل وعومل بما أظهر من نفاقه على الخلاف المشهور: هل يقتل بدون استتابة، أو بعد الاستتابة؟ أو إذا سلم نفسه فلا يقتل، وإذا لم يسلم نفسه فإنه يقتل.
فأحكام الإسلام تجرى على المنافقين، وتجرى أيضاً على المسلمين، وأما الكفار الذين أظهروا الكفر فتجرى عليهم أحكام الكفار.
يقول المؤلف: (فإن كثيراً ممن تكلم في مسائل الإيمان والكفر لتكفير أهل الأهواء، لم يلحظوا هذا الباب)، يعني: أن بعض الناس يكفر أهل البدع ولا يلحظ هذا المعنى، مع أن أهل البدع والأهواء، إن كانوا يظهرون الإسلام فتجرى عليهم أحكام الإسلام ولا يكفرون، والبدعة والمعصية لا يكفر صاحبها، فكما أن الزاني لا يكفر، فكذلك المبتدع -كصاحب بدعة المولد- لا يكفر كذلك، ولا يكفر إلا من أظهر الكفر.
فالذين كفروا أهل البدع لم يلحظوا هذا الباب، وهو إجراء الأحكام على الظاهر، ولم يميزوا بين الحكم الظاهر والباطن، مع أن الفرق بين الحكم الظاهر والحكم الباطن ثابت شرعاً.
والحكم الظاهر هو الحكم على المنافق بالإسلام، والحكم الباطن هو الكفر، وهذا هو حكمه في الآخرة، والفرق بينهما ثابت بالنصوص المتواترة، والإجماع المعلوم، بل هو معلوم بالاضطرار من دين الإسلام.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن تدبر هذا علم أن كثيراً من أهل الأهواء والبدع قد يكون مؤمناً مخطئاً جاهلاً ضالاً عن بعض ما جاء به الرسول ﷺ ، وقد يكون منافقاً زنديقاً يظهر خلاف ما يبطن].
فالمبتدع قد يكون مؤمناً، ولم يكفر، لكن أخطأ بسبب جهله وضلاله، كمثل شخص يقيم الموالد، وهو مؤمن يصلي ويصوم، ويزكي ويحج، فإذا قيل له: لماذا تقيم بدعة المولد؟ قال: أقيمه محبة للرسول، فهو هنا قد أخطأ لجهله وضلاله، فلا يكون كافراً، فليس كل من يأتي ببدعه يقال له كافر، بل لابد من التمييز بين الأحكام كما قال المؤلف.
وهذا الذي أقام البدعة كأن يقول: نويت أن أصلي فرض العشاء خلف هذا الإمام أربع ركعات، فهذه بدعة عندما تلفظ بها، ويقولها بعض الناس للجهل والضلال، فلا يكون كافراً، بل هو مبتدع.
ولهذا قال المؤلف ﵀: (ومن تدبر هذا علم أن كثيراً من أهل الأهواء والبدع قد يكون مؤمناً، مخطئ جاهل، قد يكون مؤمناً مخطئاً جاهلاً ضالاً عن بعض ما جاء به الرسول ﵊، وقد يكون منافقاً يظهر خلاف ما يبطن)، يعني: الشخص الذي يظهر البدعة هو على أحد أمرين: إما أن يكون مؤمناً ابتدع هذه البدعة لجهله وضلاله، وإما أن يكون منافقاً زنديقاً؛ لأنه يبطن الكفر ويظهر البدعة.
فهو دائر بين هذا وبين هذا.
следующие страницы →