Полный текст (331 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
ظهور مصطلح الزنديق والخلاف في حكمه
قال المؤلف ﵀: [ولما كثرت الأعاجم في المسلمين تكلموا بلفظ الزنديق، وشاعت في لسان الفقهاء، وتكلم الناس في الزنديق هل تقبل توبته في الظاهر إذا عرف بالزندقة، ودفع إلى ولي الأمر قبل توبته؟ فمذهب مالك رحمه الله تعالى، وأحمد في أشهر الروايتين عنه، وطائفة من أصحاب الشافعي، وهو أحد القولين في مذهب أبي حنيفة، أن توبته لا تقبل.
والمشهور من مذهب الشافعي ﵀ قبولها، كالرواية الأخرى عن أحمد، وهو القول الآخر في مذهب أبي حنيفة، ومنهم من فصل].
стр. 142
ظهور هذا المصطلح وسببه
هذا الخلاف في قبول توبة الزنديق، والزنديق قد يطلق على المنافق الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر، وقد يطلق على الجاحد من أصله، ولفظ الزنديق هذا إنما تكلم الناس به عندما كثر المسلمون من الأعاجم بعد زمن الصحابة والتابعين، ودخل الناس في دين الإسلام، فتكلموا بلفظ زنديق، وهي كلمة فارسية معناها: المنافق، وشاعت في لسان الفقهاء، وتكلموا هل تقبل توبته الزنديق أو لا تقبل؟ والزنديق يطلق على المنافق، ويطلق على الجاحد المعطل الذي عطل الرب من أوصافه، وعطل المصنوعات من صانعها، فالمنافق الزنديق، إذا ادعى التوبة، هل تقبل توبته؟
стр. 143
الخلاف في قبول توبة الزنديق
اختلف العلماء على ثلاثة أقوال: القول الأول: مذهب مالك، وأحمد في المشهور عنه، وطائفة من أصحاب الشافعي، وهو قول لـ أبي حنيفة: أن توبته لا تقبل، يعني: في الدنيا، فإذا عرف أنه منافق فلابد أن تقطع رقبته، وإن قال: تبت.
وألف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى كتاباً في هذا وسماه (الصارم المرسول على شاتم الرسول) قالوا: الزنديق والذي سب الله أو سب الرسول، أو استهزأ بالله أو برسوله أو بكتابه، أو الساحر، هؤلاء لا تقبل توبتهم، بل يقتلون؛ حتى لا يتجرأ الناس على مثل هذا الكفر الغليظ، وكذلك من تكررت ردته، أما ما عداهم من الكفرة إذا ادعى التوبة، فإننا نقبل توبته.
فالقول الأول هو أن هذا يقتل زجراً له ولأمثاله؛ حتى لا يتجرأ الناس على مثل هذا الكفر أو غيره، أما ما بينه وبين الله فإن كان صادقاً في التوبة، فالله يقبل توبة الصادقين، وإن كاذباً فلا يقبل الله توبة الكاذبين وهذا في الآخرة، أما في الدنيا فلابد من قطع رقبته.
القول الثاني: أن توبته تقبل، وهذا هو المشهور من مذهب الشافعي، ورواية عن الإمام أحمد، وقول في مذهب أبي حنيفة، أي: إذا أخذناه فقال: أنا تائب، فإننا نتركه، ولا نقتله ومن تاب تاب الله عليه.
القول الثالث: التفصيل، وهو أنه إن أخذ قبل التوبة ثم ادعى التوبة لا تقبل توبته، بل لابد أن تقطع رقبته، أما إذا تاب وسلم نفسه، فإنها تقبل توبته؛ لأنه ما سلم نفسه إلا لأنه تائب.
وهذا القول لعله أعدلها، فإنه إذا سلم نفسه كان مثل المحاربين، وقد قال الله تعالى عن المحاربين وقطاع الطريق: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة:٣٣]، ثم قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة:٣٤] يعني: إذا سلموا أنفسهم قبل القبض عليهم، فهؤلاء تقبل توبتهم.
فهنا بين الله تعالى في كتابه أن المحارب وهو قاطع الطريق إن سلم نفسه قبلنا توبته، وإن قبضنا عليه ثم ادعى التوبة فلا تقبل توبته، فكذلك الساحر وكذلك الزنديق وكذلك المنافق له هذا الحكم.
وهذا أعدل الأقوال، فإن القول الأول يقتل مطلقاً، والقول الثاني لا يقتل مطلقاً، والقول الثالث يقتل إذا قبضنا عليه قبل أن يسلم نفسه، ولا يقتل إذا سلم نفسه قبل أن نقبض عليه.
стр. 144
معنى الزنديق عند الفقهاء وغيرهم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والمقصود هنا أن الزنديق في عرف هؤلاء الفقهاء هو المنافق الذي كان على عهد النبي ﷺ ، وهو أن يظهر الإسلام ويبطن غيره، سواء أبطن ديناً من الأديان كدين اليهود والنصارى أو غيرهم، أو كان معطلاً جاحداً للصانع والمعاد والأعمال الصالحة.
ومن الناس من يقول: الزنديق هو الجاحد المعطل، وهذا يسمي الزنديق في اصطلاح كثير من أهل الكلام والعامة، ونقلة مقالات الناس.
ولكن الزنديق الذي تكلم الفقهاء في حكمه هو الأول؛ لأن مقصودهم هو التمييز بين الكافر وغير الكافر، والمرتد وغير المرتد، ومن أظهر ذلك أو أسره.
وهذا الحكم يشترك فيه جميع أنواع الكفار والمرتدين، وإن تفاوتت درجاتهم في الكفر والردة، فإن الله تعالى أخبر بزيادة الكفر كما أخبر بزيادة الإيمان بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة:٣٧]، وتارك الصلاة وغيرها من الأركان، أو مرتكبي الكبائر، كما أخبر بزيادة عذاب بعض الكفار على بعض في الآخرة بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ العَذَابِ﴾ [النحل:٨٨]].
والزنديق عند هؤلاء الذين ذكرهم المؤلف يطلق على الجاحد المعطل، يعني: الذي يجحد الرب ويعطل الرب من أفعاله وربوبيته وأسمائه وصفاته، فهذا يسمى زنديقاً، ويسمى المنافق زنديقاً أيضاً، فالزنديق يطلق على أمرين: الأول الجاحد المعطل، والثاني المنافق.
ولكن الزنديق الذي تكلم الفقهاء في حكمه هو الأول كما قال المؤلف، وهو المنافق؛ لأن مقصودهم هو التمييز بين الكافر وغير الكافر، والمرتد وغير المرتد، ومن أظهر ذلك أو أسره، وهذا الحكم يشترك فيه جميع أنواع الكفار والمرتدين، وإن تفاوتت درجاتهم في الكفر والردة، فإن الله أخبر بزيادة الكفر كما أخبر بزيادة الإيمان.
فالإيمان يزيد وينقص، كما قال: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح:٤]، وقال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة:١٢٤].
والكفر يزيد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة:٣٧]، ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة:١٢٥]، فالكفر يزيد وينقص، والإيمان يزيد وينقص.
وكذلك تارك الصلاة وغيرها من الأركان، أو مرتكب الكبائر، كما أخبر بزيادة عذاب بعض الكفار على بعض في الآخرة بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ العَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النحل:٨٨]، فالكفرة يتفاوتون، بعضهم يزيد على بعض، فالكافر الذي يصد عن سبيل الله، ويؤذي المؤمنين، أشد عذاباً من الكافر الذي لا يصد عن سبيل الله.
стр. 145
التفريق بين الحكم بالظاهر والحكم بالباطن
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فهذا أصل ينبغي معرفته؛ فإنه مهم في هذا الباب، فإن كثيراً ممن تكلم في مسائل الإيمان والكفر لتكفير أهل الأهواء، لم يلحظوا هذا الباب، ولم يميزوا بين الحكم الظاهر والباطن، مع أن الفرق بين هذا وهذا ثابت بالنصوص المتواترة والإجماع المعلوم، بل هو معلوم بالاضطرار من دين الإسلام].
يعني: أن هذا الكلام أصل ينبغي معرفته؛ وهو أن المنافق تجرى عليه أحكام الإسلام في الظاهر، وإذا أظهر النفاق قتل، كما تجرى على المسلم ظاهراً وباطناً، فالمؤمن ظاهراً وباطناً تجرى عليه أحكام الإسلام، والمنافق الذي يظهر الإسلام تجرى عليه أحكام الإسلام، فإذا لم نعلم حاله عاملناه كمسلم في الزواج، والنكاح، والصداق، والصلاة عليه إذا مات، والميراث، وإجابة دعوته، وتغسيله، ودفنه في مقابر المسلمين.
فكل هذه الأحكام تجرى على المنافق الذي أظهر الإسلام وأبطن الكفر، ما لم يظهر نفاقه، فإذا أظهر نفاقه قتل وعومل بما أظهر من نفاقه على الخلاف المشهور: هل يقتل بدون استتابة، أو بعد الاستتابة؟ أو إذا سلم نفسه فلا يقتل، وإذا لم يسلم نفسه فإنه يقتل.
فأحكام الإسلام تجرى على المنافقين، وتجرى أيضاً على المسلمين، وأما الكفار الذين أظهروا الكفر فتجرى عليهم أحكام الكفار.
يقول المؤلف: (فإن كثيراً ممن تكلم في مسائل الإيمان والكفر لتكفير أهل الأهواء، لم يلحظوا هذا الباب)، يعني: أن بعض الناس يكفر أهل البدع ولا يلحظ هذا المعنى، مع أن أهل البدع والأهواء، إن كانوا يظهرون الإسلام فتجرى عليهم أحكام الإسلام ولا يكفرون، والبدعة والمعصية لا يكفر صاحبها، فكما أن الزاني لا يكفر، فكذلك المبتدع -كصاحب بدعة المولد- لا يكفر كذلك، ولا يكفر إلا من أظهر الكفر.
فالذين كفروا أهل البدع لم يلحظوا هذا الباب، وهو إجراء الأحكام على الظاهر، ولم يميزوا بين الحكم الظاهر والباطن، مع أن الفرق بين الحكم الظاهر والحكم الباطن ثابت شرعاً.
والحكم الظاهر هو الحكم على المنافق بالإسلام، والحكم الباطن هو الكفر، وهذا هو حكمه في الآخرة، والفرق بينهما ثابت بالنصوص المتواترة، والإجماع المعلوم، بل هو معلوم بالاضطرار من دين الإسلام.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن تدبر هذا علم أن كثيراً من أهل الأهواء والبدع قد يكون مؤمناً مخطئاً جاهلاً ضالاً عن بعض ما جاء به الرسول ﷺ ، وقد يكون منافقاً زنديقاً يظهر خلاف ما يبطن].
فالمبتدع قد يكون مؤمناً، ولم يكفر، لكن أخطأ بسبب جهله وضلاله، كمثل شخص يقيم الموالد، وهو مؤمن يصلي ويصوم، ويزكي ويحج، فإذا قيل له: لماذا تقيم بدعة المولد؟ قال: أقيمه محبة للرسول، فهو هنا قد أخطأ لجهله وضلاله، فلا يكون كافراً، فليس كل من يأتي ببدعه يقال له كافر، بل لابد من التمييز بين الأحكام كما قال المؤلف.
وهذا الذي أقام البدعة كأن يقول: نويت أن أصلي فرض العشاء خلف هذا الإمام أربع ركعات، فهذه بدعة عندما تلفظ بها، ويقولها بعض الناس للجهل والضلال، فلا يكون كافراً، بل هو مبتدع.
ولهذا قال المؤلف ﵀: (ومن تدبر هذا علم أن كثيراً من أهل الأهواء والبدع قد يكون مؤمناً، مخطئ جاهل، قد يكون مؤمناً مخطئاً جاهلاً ضالاً عن بعض ما جاء به الرسول ﵊، وقد يكون منافقاً يظهر خلاف ما يبطن)، يعني: الشخص الذي يظهر البدعة هو على أحد أمرين: إما أن يكون مؤمناً ابتدع هذه البدعة لجهله وضلاله، وإما أن يكون منافقاً زنديقاً؛ لأنه يبطن الكفر ويظهر البدعة.
فهو دائر بين هذا وبين هذا.
стр. 146
الأسئلة
стр. 147
حكم الصلاة في المساجد التي فيها مقابر
السؤال
أنا من بلاد الشام، ويوجد عندنا مساجد كثيرة وفيها مقابر، فما حكم الصلاة في تلك المساجد، سواء صلاة الجمعة أو صلاة الجماعة؟
الجواب
لا تصح الصلاة في المسجد الذي فيه قبر؛ لما ثبت في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: (لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)، فهم اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ثم قال: (ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك).
فنهى النبي ﷺ عن اتخاذ القبور مساجد، ولعن من اتخذ القبور مساجد، وهذا يدل على أنه لا تصح الصلاة في المسجد الذي فيه قبر؛ لأن النهي يقتضي الفساد، فالمسجد الذي فيه قبر لا تصح الصلاة فيه، إذا كان داخلاً في سور المسجد.
والواجب إزالة القبور التي في المساجد، والحكم للأول، فإن كان المسجد هو الأقدم ودفن فيه الميت، فإنه يجب نبش الميت ودفنه في المقابر، ويبقى المسجد سليماً، وأما إذا كان القبر سابقاً، ثم بني المسجد على القبر، فيجب هدم المسجد، ونقله إلى مكان آخر.
стр. 148
حكم الدراسة عند المنحرفين
السؤال
إنني أدرس في مدرسة يكثر فيها المدرسون من الصوفية، فهل يجوز لي أن أدرس عندهم عقيدة التوحيد أو غيرها من المواد الشرعية؟
الجواب
لا يجوز لك أن تدرس في مدارس الصوفية عقيدة التوحيد؛ لأن عقيدة الصوفية منحرفة، بل ادرس عقيدة التوحيد عند أهل التوحيد لا عند المخرفين من الصوفية والوثنيين وغيرهم.
стр. 149
حكم دراسة اللغة الإنجليزية والتكلم بها بين المسلمين لإتقانها
السؤال
كثرت الأسئلة عن حكم تعلم اللغة الإنجليزية لغرض دراسة الطب أو غيره، وحاجة الدارس للتحدث بها حتى بين إخوانه من المسلمين العرب لغرض إتقانها، فما حكم ذلك؟
الجواب
إذا تعلم اللغة الإنجليزية لحاجته إليها للدعوة إلى الله، أو للعمل في الطب، فأرجو ألا يكون في ذلك حرج إن شاء الله، بل هو مطلوب خصوصاً إذا كان داعية وعنده علم؛ حتى يدعو إلى الله على بصيرة، وهذا أمر حسن، أما إذا تعلمها محبة للكفار أو محبة للغتهم، فلا شك أن هذا أمر خطير.
стр. 150
حكم ساب الصحابة
السؤال
هل يكفر من سب الصحابة رضوان الله تعالى عليهم؟
الجواب
إذا سبهم لدينهم يكفر، وهكذا من كفرهم أو فسقهم؛ لأنه مكذب لله؛ لأن الله زكاهم وعدلهم ووعدهم بالجنة، فمن كفرهم فقد كذب الله، ومن كذب الله كفر.
أما إذا سبهم من دون تكفير وتفسيق، فهذا فيه تفصيل كما بين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأن السب قد يكون للتكفير، وقد يكون للغيظ، فإن سبهم تكفيراً لهم فهذا يكفر، أما إذا سبهم لغيظ في نفسه وهو لا يعتقد كفرهم فهذا فسق.
والمقصود أن سب الصحابة ذنب عظيم، وهو دائر بين الكفر وبين الكبيرة العظيمة.
стр. 151
معنى قوله تعالى: (باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب)
السؤال
كثرت الأسئلة حول معنى قول الله ﵎: ﴿بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد:١٣]، فما معنى ذلك؟
الجواب
هذه الآية على ظاهرها، وهي تتحدث عن سور باطنه فيه الرحمة، وباطنه هو الجزء الذي من قبل المؤمنين، وظاهره من قبله العذاب، وهو الجزء الذي من قبل المنافقين، نسأل الله السلامة والعافية.
وقال بعضهم: إن هذا السور هو المذكور في قوله تعالى: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ﴾ [الأعراف:٤٦].
стр. 152
حكم الدراسة في الجامعات المختلطة
السؤال
إنني أدرس في بلد فيه الجامعات مختلطة بين الشباب والشابات، يدرسون في صف واحد، فهل تجوز لي الدراسة في تلك الجامعة أم لا؟
الجواب
لا تجوز الدراسة في الجامعات المختلطة، ولا في الفصول المختلطة، لا للبنين ولا للبنات، ويحرم على الإنسان أن يدرس في جامعة مختلطة، فلا يجوز للمرأة أن تختلط بالرجال، ولا يجوز أيضاً للرجل أن يختلط بالنساء، بل يجب أن تكون النساء على حدة والرجال على حدة، وإذا لم توجد إلا جامعة مختلطة فاجلس في بيتك، واطلب العلم على أهل العلم في الدروس العلمية والحلقات والأنشطة والبرامج المفيدة، وفي كتب أهل العلم، ويكفي هذا.
لأن الاختلاط فيه خطر على دين الإنسان وخلقه، ومن الذي يأمن على نفسه؟ وهذا اجتمعت فيه عدة محرمات: الاختلاط، والنظر، ومن الذي سمح لك أن تنظر إليها؟ ومن الذي سمح لك أن تلامسها بجسدك؟ ثم إن هذه وسيلة قريبة -كما هو الواقع- للذهاب بها، والخلوة بها، وفعل الفاحشة، نسأل الله السلامة والعافية، والوسيلة المؤدية إلى الحرام حرام، والله تعالى قال في كتابه العظيم: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ [النور:٣٠]، فأين الغض عندما تجلس بجوار بنت وهي تجلس بجوارك؟
стр. 153
حل إشكال في كلام الإمام ابن تيمية عن المنافقين
السؤال
ما معنى كلام شيخ الإسلام ﵀ في شرح حديث جبريل ﵊ حينما قال: (وكان في المنافقين من هو في الأصل من المشركين، وفيهم من هو في الأصل من أهل الكتاب)؟
الجواب
يعني أن المنافق قد يكون أصله وثنياً مشركاً، ثم يدخل في الإسلام نفاقاً، فيظهر الإسلام ويبطن الشرك، وقد يكون في الأصل يهودياً، فيدخل في الإسلام نفاقاً، يظهر الإسلام ويبطن اليهودية، كما أخبر الله تعالى عنهم بقوله: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:٧٥ - ٧٦].
فالمقصود أن المنافق قد يكون مسلماً ظاهراً وباطناً ثم ينافق، وقد يكون في الأصل مشركاً، ثم أظهر الإسلام وأبطن الشرك، وقد يكون في الأصل يهودياً أو نصرانياً من أهل الكتاب، ثم أظهر الإسلام وأبطن اليهودية أو النصرانية.
стр. 154
وجه ذكر المنافقين في السور المكية
السؤال
إذا كان النفاق لم يظهر إلا في المدينة على عهد النبي ﷺ ، فما وجه ذكر المنافقين في سورة العنكبوت وهي مكية؟
الجواب
قد تكون السورة مكية، ولكن فيها آيات مدنية، وقد تكون السورة مدنية وبعض الآيات فيها مكية، ولهذا تجد في المصحف: سورة كذا مكية إلا آية كذا وكذا، وآية كذا وكذا فهي مدنية.
стр. 155
عقيدة الدروز وحكم التعامل معهم
السؤال
ما هي عقيدة الدروز، وما حكم التعامل معهم، والسلام عليهم، وأكل ذبائحهم، وشراء بضاعتهم؟
الجواب
عقيدة الدروز من عقائد الباطنية، والباطنية طوائف كثيرة، ولهم عقائد باطنية تخالف الظاهر، وهم طبقات، فإذا كانت عقيدتهم توصل إلى الكفر؛ فلا يجوز أكل ذبائحهم، أما شراء البضائع منهم فلا بأس به، إذا لم يكن فيها ذبح.
لكن هناك مسألة وهي: مقاطعة الكفرة، فإنه ينبغي أن يشتري المرء من المسلمين، حتى لا تروج بضاعة الكفار.
стр. 156
الطائفة المنصورة والطائفة الناجية
السؤال
هل هناك فرق بين الطائفة المنصورة والفرقة الناجية؟
الجواب
لا فرق بينهما، فإن الطائفة المنصورة هي الفرقة الناجية، وهم أهل السنة والجماعة، وكلهم أنصار الله وكل هذه أوصاف لها، وهي شيء واحد.
стр. 157
حكم من يتنصر لأجل الحصول على الطعام والمال
السؤال
ينشط التنصير في بلاد إفريقيا، وبعض المسلمين يتنصر من أجل الحصول على المال والطعام، فهل يكفرون بذلك؟
الجواب
من تنصر كفر، نسأل الله العافية، سواء لأجل الطعام أو لغيره، لكن الواجب على المسلمين أن يحتضنوا المسلمين، وأن يفتحوا لهم المدارس والدورات العلمية، وكذلك ينبغي أن يكون هناك إغاثة لهم حتى لا يتنصروا، وحتى لا تحتضنهم دور التنصير، فالواجب على المسلمين أن تكون لهم عناية بإخوانهم المسلمين، فالمؤمنون بعضهم إخوان لبعض، فكيف يتركون إخوانهم للنصارى ينصرونهم بسبب الفقر؟
стр. 158
حكم القرض الربوي
السؤال
يقول السائل: استدنت من رجل مبلغاً قدره ثلاثون ألف ريال، على أن أشتري به سيارة، فقال لي: بشرط أن ترد المبلغ لي أقساطاً خمسة وثلاثين ألف ريال، فهل هذا جائز أم لا؟
الجواب
هذا ربا في القرض، وكأنه يقول: إما أن تقضي حالاً، وإما أن تزيد إذ أخرت، وهذا ربا صريح بإجماع المسلمين، نسأل الله العافية، والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران:١٣٠]، والواجب على الإنسان إذا أقرض أخاه أن يسترد مثله، لئلا ينقطع المعروف، وفي الحديث: (من أقرض شخصاً مرتين، كان كصدقة مرة).
وأما إذا أقرضته وطلبت أن يرد أكثر فهذا ربا، نعوذ بالله من ذلك.
وكل قرض جر نفعاً فهو ربا، بل لو أقرضه ثم أخذ منه سيارة ينتفع بها فسيكون ربا، أو أعطاه داراً يسكن بها مقابل قرضه فهو ربا، إلا إذا احتسب أجرة السيارة أو أجرة الدار التي يسكنها من القرض فلا مانع منه.
стр. 159
الاهتمام بالمناطق القروية في الدعوة إلى الله
السؤال
تكتض المدن بالدعاة وطلبة العلم وفقهم الله، بينما تشتكي القرى الصغيرة من قلتهم وندرتهم، إضافة إلى أن أهل القرى لا توجد عندهم المنكرات الكثيرة، ويقل الغزو الفضائي عندهم، ويتميزون بقوة الاستيعاب والحفظ، فما نصيحتك لأهل العلم؟
الجواب
نصيحتي لأهل العلم أن يذهبوا إلى تلك القرى ويعلموا أهلها، وأن يقيموا عندهم الدورات والدروس العلمية، وعلى أهل القرى أيضاً أن يأتوا بأنفسهم إلى المدن حتى يستفيدوا من الدروس العلمية، وإن لم يأتوا فعلى طلبة العلم أن يذهبوا إليهم في قراهم وبلدانهم، وأن ينشروا علمهم وأن يعلموهم مما علمهم الله، نسأل الله للجميع العلم النافع والعمل الصالح.
ونسأل الله أن يجعلنا وإياكم من المباركين، ومن أهل العلم الذين يعلمون ويعملون، ونسأل الله أن يثبتنا وإياكم على دينه القويم حتى الممات، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
стр. 160
شرح كتاب الإيمان الأوسط لابن تيمية [٩]
جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية وصف أقوام بالإسلام دون الإيمان، وجاء عكس ذلك، وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية المراد من ذلك ودلالاته.
стр. 161
أصل مهم في الفرق بين الوصف بالإسلام دون الإيمان
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهنا أصل آخر، وهو أنه قد جاء في الكتاب والسنة وصف أقوام بالإسلام دون الإيمان فقال تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات:١٤] وقال تعالى في قصة لوط ﵊: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٥ - ٣٦].
وقد ظن طائفة من الناس أن هذه الآية تقتضي أن مسمى الإيمان والإسلام واحد، وعارضوا بين الآيتين وليس كذلك، بل هذه الآية توافق الآية الأولى؛ لأن الله تعالى أخبر أنه أخرج من كان فيها مؤمناً، وأنه لم يجد إلا أهل بيت من المسلمين.
وذلك لأن امرأة لوط كانت في أهل البيت الموجودين، ولم تكن من المخرجين الذين نجوا، بل كانت من الغابرين الباقين في العذاب، وكانت في الظاهر مع زوجها على دينه، وفى الباطن مع قومها على دينهم خائنة لزوجها، تدل قومها على أضيافه، كما قال تعالى فيها: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم:١٠]، وكانت خيانتهما لهما في الدين لا في الفراش، فإنه ما بغت امرأة نبي قط، إذ نكاح الكافرة قد يجوز في بعض الشرائع، ويجوز في شريعتنا نكاح بعض الأنواع، وهن الكتابيات، وأما نكاح البغي فهو دياثة، وقد صان الله النبى عن أن يكون ديوثاً.
ولهذا كان الصواب قول من قال من الفقهاء بتحريم نكاح البغي حتى تتوب].
بعد أن ذكر المؤلف ﵀ الأصل الأول: وهو أن الأحكام تجرى على الظاهر في الدنيا، أما في الآخرة فإنها تجرى على الظاهر وعلى الباطن جميعاً، فالمؤمن ظاهراً وباطناً عند الله مؤمن، والكافر ظاهراً وباطناً عند الله كافر، والمنافق عند الله كافر، فهذا أصل ينبغي معرفته، وهو التمييز بين الحكم الظاهر والباطن، والفرق بينهما، وهذا ثابت بالنصوص المتواترة والإجماع.
стр. 162
الآيات التي فرقت بين الإسلام والإيمان أو ساوت بينهما
والأصل الثاني: ما ذكره هنا، وهو أنه قد جاء في الكتاب والسنة وصف أقوام بالإسلام دون الإيمان، مثل الأعراب في سورة الحجرات، قال الله تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤] فإذاً: نفى عنهم الإيمان، وأثبت لهم الإسلام.
وكذلك قول الله تعالى في قصة لوط: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٥ - ٣٦]، وهؤلاء هم أهل بيت واحد، وصفهم بالإيمان ووصفهم بالإسلام، وفي الآية الأولى فرق الله بين الإسلام والإيمان.
стр. 163
القول بأن الإسلام والإيمان شيء واحد
واختلف العلماء في تفسير ذلك: فمن العلماء من قال: إن الإسلام والإيمان شيء واحد، فالإيمان هو الإسلام، والإسلام هو الإيمان، ولا فرق بينهما، واستدلوا بهذه الآية: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٥ - ٣٦]، فقالوا: هذا بيت واحد وصف بالإيمان، ووصف بالإسلام، فدل على أن الإيمان والإسلام شيء واحد، وذهب إلى هذا طائفة من أهل السنة، وعلى رأسهم الإمام البخاري، وقالوا: إن هذه الآية تعارض الآية الأولى، وهي: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤]، فتحمل آية الحجرات على المنافقين الذين نفى الله عنهم الإيمان وأثبت لهم الإسلام، قالوا: والمراد بالإسلام الذي استثناه هو الإسلام في الظاهر، والمعنى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤]، يعني استسلمنا وانقدنا للإسلام ظاهراً نفاقاً، وقال بهذا القول أيضاً الخوارج والمعتزلة.
стр. 164
القول بعدم كون الإسلام والإيمان شيئاً واحداً
القول الثاني: وهو قول جمهور أهل السنة، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية: أن الإيمان والإسلام ليسا شيئاً واحداً، بل إذا اجتمعا فإن الإسلام يفسر بالأعمال الظاهرة، والإيمان يفسر بالأعمال الباطنة، وإذا أفرد أحدهما بالذكر دخل فيه الآخر.
وأجابوا عن هذه الآية: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٥ - ٣٦] بأنه بيت واحد تحقق فيه وصف الإيمان، ووصف الإسلام، فلوط وابنتاه اتصفوا بالإسلام والإيمان، وزوجة لوط اتصفت بالإسلام.
قالوا: وأما آية الحجرات فإنها تتحدث عن ضعفاء الإيمان، وليست في المنافقين، فقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤] يعني: ولكن قولوا أسلمنا؛ لأنهم لم يتمكن الإيمان من قلوبهم، وهم أظهروا الإسلام، ولكنهم لا يطلق عليهم الإيمان لضعف إيمانهم، ويدل على ذلك أن هذه السورة ليست في المنافقين، وإنما هي في العصاة، وتسمى سورة الآداب، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات:٦]، وقال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات:٩]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ [الحجرات:١١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ [الحجرات:١٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى﴾ [الحجرات:١٣]، ثم قال: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤] ثم قال: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤] يعني: أنه متوقع دخوله، ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ [الحجرات:١٤]، فأثبت لهم طاعة، ولو كانت في المنافقين لما أثبت لهم طاعة، ثم قال: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ [الحجرات:١٧]، فأثبت لهم إسلاماً.
فدل على أن هذه الآية في ضعفاء الإيمان، وهذا هو الأرجح، ولهذا فإن المؤلف ﵀ ذكر القولين، قال: (وقد ظن طائفة من الناس أن هذه الآية، وهي: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٥ - ٣٦] تقتضي أن مسمى الإيمان والإسلام واحد، وعارضوا بين الآيتين) وبين المراد بهذه الآية وآية الحجرات، فآية الحجرات أثبتت لهم الإيمان ونفت عنهم الإسلام، وآية الذاريات تصفهم بالإيمان والإسلام معاً.
стр. 165
بيان توافق معنى آية الحجرات وآية الذاريات
قال المؤلف: (وليس كذلك بل هذه الآية توافق الآية الأولى) أي: أن آية الذاريات توافق آية الحجرات؛ لأن الله أخبر أنه أخرج من كان فيها مؤمناً، قال: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٣٥]، وأنه لم يجد إلا أهل بيت من المسلمين، وذلك لأن امرأة لوط كانت في أهل البيت الموجودين، ولم تكن من المخرجين الذين نجوا، فقال تعالى: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٦]، أي: ومنهم امرأة لوط، ولكن من حصل لهم الإخراج وصفهم الله بالإيمان، وامرأة لوط ليست من المخرجين، وأما الموجودون في البيت فقد وصفهم جميعاً بالإسلام فقال: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٦]، وامرأة لوط كانت كافرة، هي موجودة معهم في البيت، فلما كانت معهم وصفهم الله بالإسلام؛ لأنها كانت تظهر أنها على دين زوجها، وهي في الحقيقة على دين قومها، ولذلك لم يخرجها الله معهم، وقال: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٣٥] ومعهم المرأة؛ لأنها من الذين أظهروا الإسلام.
ولهذا يقول المؤلف ﵀: (وذلك لأن امرأة لوط كانت في أهل البيت الموجودين، ولم تكن من المخرجين الذين نجوا، بل كانت من الغابرين الباقين في العذاب) كما قال تعالى: ﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ﴾ [الشعراء:١٧١] أي: في الباقين، وكانت في الظاهر مع زوجها على دينه، فتظهر الإسلام، وفي الباطن مع قومها على دينهم، خائنة لزوجها تدل قومها على أضيافه، فإذا جاء إلى لوط أضياف دلت عليهم، كما قال الله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [التحريم:١٠] وكانت خيانتهما لهما في الدين لا في الفراش؛ لأن زوجة النبي مصونة العرض، وإنه ما بغت امرأة نبي قط، وهذا من صيانة الله لأنبيائه.
стр. 166
حكم نكاح البغايا والكافرات
إن كان نكاح الكافرة قد يجوز في بعض الشرائع، كما في شريعة لوط، وفي شريعتنا يجوز للمسلم أن يتزوج الكافرة إذا كانت كتابية يهودية أو نصرانية؛ لقول الله تعالى في سورة المائدة: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة:٥] أي: إذا كانت من الذين أوتوا الكتاب وهي عفيفة الفراش، فيجوز للمسلم أن يتزوجها، فإن اليهودية والنصرانية أخف كفراً من الوثنية.
فلا يجوز للمسلم أن يتزوج وثنية، ولا مجوسية، ولا شيوعية، ولا غيرها من الكافرات إلا اليهودية والنصرانية بشرط أن تكون محصنة، يعني عفيفة طاهرة في عرضها.
وفي شرع من قبلنا كشريعة لوط وشريعة نوح كان يجوز الزواج من امرأة كافرة.
وأما نكاح البغايا والزانيات فقد صان الله الأنبياء عن أن تكون في بيوتهم بغي، وقد صان الله الأنبياء عن الدياثة.
ولهذا كان الصواب قول من قال من الفقهاء بتحريم نكاح البغي حتى تتوب، فالزانية لا يجوز نكاحها حتى تتوب؛ لقوله تعالى: ﴿الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٣] أي: فالزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك ما دامت على زناها ولم تتب، ولكن إذا صحت توبتها وظهرت فيجوز أن يتزوجها المسلم.
ومن هذا أن بعض الناس والعياذ بالله يقول: قد يقع رجل مع امرأة في الفاحشة، فإذا علم أهلها أنه عمل بها الفاحشة قالوا: نريد أن نزوجها إياه حتى نستر عليهما، وهذا لا يجوز؛ لأنها هي عاهرة، ولا يتزوج بها، فإنها زانية، ولابد أن يفرق بينهما، حتى تظهر توبتها وصلاحها، وتظهر توبته وصلاحه، ثم بعد ذلك يتزوج هو أو غيره بها.
والولد الذي جاء من السفاح لا يجوز أن ينسب إلى الذي زنى، بل هو لقيط، فيفرق بينهما، وهذا الولد يكون لقيطاً ليس له أب، ولا ينسب إلى أحد.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والمقصود أن امرأة لوط ﵊ لم تكن مؤمنة، ولم تكن من الناجين المخرجين، فلم تدخل في قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٣٥] وكانت من أهل البيت المسلمين، وممن وجد فيه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٦] وبهذا تظهر حكمة القرآن، حيث ذكر الإيمان لما أخبر بالإخراج، وذكر الإسلام لما أخبر بالوجود].
أي: أن امرأة لوط لم تكن مؤمنة، بل كانت كافرة، ولم تكن من الناجين المخرجين، فلم تدخل في قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٣٥] وهو بيت واحد وفيه امرأة لوط، لكن لما أخرج الله لوطاً وابنتيه لم تخرج المرأة، بل هلكت وأصابها ما أصاب قومها؛ لكفرها وضلالها، فلم تكن من أهل البيت المخرجين، ولكن كانت من أهل البيت المسلمين، وممن وجد فيه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٦] أي: وجدنا في هذه القرية بيتاً من المسلمين.
وسماهم الله مسلمين وفيهم امرأته؛ لأنها أظهرت الإسلام، وهي في الباطن مع قومها، فتجرى عليها أحكام الإسلام.
(وبهذا تظهر حكمة القرآن، حيث ذكر الإيمان لما أخبر بالإخراج، وذكر الإسلام لما أخبر بالوجود) أي: لما ذكر الإخراج وصفهم بالإيمان، قال تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٣٥]؛ لأن المرأة الكافرة لم تكن معهم، ولما ذكر الوجود ذكر الإسلام؛ لأنها أظهرت الإسلام، فهي معهم في الإسلام الظاهر، والأحكام تجرى على الظاهر.
стр. 167
مسمى الإيمان والإسلام: مدلولهما، والفرق بينهما
стр. 168
عموم الإسلام
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأيضاً فقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥] وفرق بين هذا وهذا، فهذه ثلاثة مواضع في القرآن].
فرق الله تعالى في كتابه العظيم بين الإيمان والإسلام في ثلاثة مواضع: فالموضع الأول: في سورة الحجرات، قال تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤]، أثبت لهم الإسلام ونفع عنهم الإيمان.
الموضع الثاني: في سورة الذاريات، يقول تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٥ - ٣٦].
الموضع الثالث: في سورة الأحزاب: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥].
وكذلك جاء في السنة حديث سعد بن أبي وقاص الذي رواه الشيخان وغيرهما أنه لما وصف سعد رجلاً بالإيمان قال: (أو مسلم) ففرق بين الإيمان والإسلام.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأيضاً فقد ثبت في الصحيحين عن سعد بن أبي وقاص ﵁، (أعطى رسول الله ﷺ رجالاً ولم يعط رجلاً، فقلت: يا رسول الله أعطيت فلاناً وتركت فلاناً وهو مؤمن قال: أو مسلم، قال: ثم غلبني ما أجد فقلت: يا رسول الله! أعطيت فلاناً وفلاناً وتركت فلاناً وهو مؤمن، فقال أو مسلم؟ مرتين أو ثلاثاً)، وذكر في تمام الحديث: (أنه يعطي رجالاً ويدع من هو أحب إليه منهم؛ خشية أن يكبهم الله في النار على مناخرهم).
قال الزهري ﵀: فكانوا يرون أن الإسلام الكلمة والإيمان العمل].
هذا الحديث وهو حديث سعد أن النبي ﷺ أعطى رجالاً ولم يعط رجالاً، أي: أعطاهم من الغنائم يتألفهم على الإسلام، والنبي ﷺ لا يعطي على الهوى، ولكن يعطي ضعفاء الإيمان حتى يتقوى إيمانهم وحتى لا يرتدوا، وأقوياء الإيمان لا يعطيهم، وإنما يكلهم إلى إيمانهم، فعطاؤه ﵊ هو لله وليس عن الهوى.
فلما أعطى النبي ﷺ رجالاً وترك رجلاً، قال: سعد: فترك رجلاً هو أعجبهم إلي أرى أنه مؤمن، فكيف يتركه الرسول ﷺ ولا يعطيه؟ ولا يدري ما الحكمة في ذلك، يظن أنه من كان قوي الإيمان يعطيه ومن كان ضعيف الإيمان لا يعطيه، فقال: (يا رسول الله! مالك عن فلان، فوالله إني لأراه مؤمناً، فقال النبي ﷺ : أو مسلم؟ -يعني: ما بلغ درجة الإيمان- فسكت سعد ﵁، قال: ثم غلبني ما أجد فقلت: يا رسول الله! أعطيت فلاناً وتركت فلاناً وهو مؤمن، فقال: أو مسلم، للمرة الثانية، فسكت سعد، ثم غلبه ما يجد، فقال في المرة الثالثة، يا رسول الله! مالك عن فلان، فوالله إني لأراه مؤمناً، فقال: أو مسلم، ثم قال النبي ﷺ : إني أعطي رجالاً وغيرهم أحب إلي خشية أن يكبهم الله في النار)، أي: أحس أنه سيرتد، فهو ضعيف الإيمان، كما قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ﴾ [الحج:١١].
وفي حديث آخر أن النبي ﷺ قال: (إني لأعطي رجالاً لما في قلوبهم من الهلع والجزع، وأترك أقواماً لما في قلوبهم من الخير، منهم فلان وفلان) فقال من استثناه: ما أحب أن لي بكلمة رسول الله الدنيا وما فيها.
فالنبي ﷺ يعطي ليتألف على الإسلام.
والشاهد من الحديث أن النبي ﷺ أثبت له الإسلام ورفع منزلته.
أما قول الزهري: (فكانوا يرون الإسلام الكلمة والإيمان العمل)، فقد سبق في مسمى الإسلام، وقد قلنا إن فيه ثلاثة أقوال: القول الأول للزهري وجماعة: أن الإسلام هو كلمة النطق بالشهادتين، والإيمان هو العمل، لكن الزهري إمام وليس مقصوده ﵀ أن الأعمال لا تدخل في مسمى الإيمان بل المقصود أن الكافر إذا نطق بالشهادتين تميز عن اليهودي والنصراني وحكم له بالإسلام، وإلا فالعمل داخل في مسمى الإسلام.
القول الثاني: أن الإسلام والإيمان مترادفان، فالإسلام هو الإيمان والإيمان هو الإسلام.
والثالث: أن الإسلام هو الأعمال الظاهرة، والإيمان الأعمال الباطنة.
والقول الرابع وهو الصحيح الراجح: أنها تختلف دلالة الإسلام والإيمان بالتفرد والاقتراب، فإذا قرن الإسلام بالإيمان صار لكل واحد معنى، وصار الإسلام هو الأعمال الظاهرة، والإيمان هو الأعمال الباطنة كما في حديث جبريل، وإذا أفرد الإسلام دخل فيه الإعمال الظاهرة والباطنة، وإذا أفرد الإيمان دخل فيه الأعمال الظاهرة والباطنة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فأجاب سعداً بجوابين: أحدهما أن هذا الذي شهدت له بالإيمان قد يكون مسلماً لا مؤمناً].
هذا هو الجواب الأول الذي أجاب به النبي ﷺ سعداً وهو: أن هذا الذي شهدت له بالإيمان قد يكون مسلماً لم يصل إلى درجة الإيمان، ولهذا لما قال سعد ﵁: والله إني لأراه مؤمناً، قال: أو مسلم، أي: ما وصل إلى درجة الإيمان؛ لأن المسلم هو الذي عنده تقصير في بعض الواجبات، فهو مسلم موحد لكن عنده تقصير في بعض الواجبات، أو يفعل بعض المحرمات، فإذا أدى الواجب وترك المحرمات يسمى مؤمناً بإطلاق، وإن كان مسلماً لابد له من إيمان يصحح إسلامه، لكن لا يطلق عليه اسم الإيمان إذا كان عاصياً، بل يسمى مسلماً ولا يسمى مؤمناً، فإذا أدى الواجبات وترك المحرمات يسمى مؤمناً بإطلاق.
فهذا هو الجواب الأول ومعناه: أن هذا الذي تشهد له بالإيمان قد يكون مسلماً، وما وصل إلى درجة الإيمان، وذلك لتقصيره في بعض الواجبات، أو لفعله بعض المحرمات.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الثاني: إن كان مؤمناً وهو أفضل من أولئك، فأنا قد أعطي من هو أضعف إيماناً؛ لئلا يحمله الحرمان على الردة فيكبه الله في النار على وجهه، وهذا من إعطاء المؤلفة قلوبهم].
هذا هو الجواب الثاني، وهو أنه لو سلمنا أنه مؤمن كما تقول يا سعد فأنا أعطي المال لمن كان أضعف إيماناً حتى يتقوى إيمانه، أما هذا فقوي الإيمان فلا أعطيه بل أتركه لإيمانه، وضعيف الإيمان أعطيه لئلا يحمله الحرمان على الردة.
стр. 169
الأسئلة
стр. 170
الحكمة في ترك النبي ﷺ قتل المنافقين
السؤال
الرسول ﵊ عرف أن عبد الله بن أبي منافق، فلماذا لم يقتله، ولماذا لم يظهر أصحابه على أسماء المنافقين؟
الجواب
بين النبي ﷺ ذلك وقال: لئلا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه، لأن من لم يعرفهم من اليهود والنصارى وغيرهم يرى أن عبد الله بن أبي من الصحابة، فإذا قتله النبي ﷺ قالوا: محمد يقتل أصحابه، وهذا تنفير عن الدين، ولا يعلمون أن هناك منافقين؛ لأن عبد الله بن أبي وغيره يظهرون أنفسهم أنهم من المسلمين ويعتبرون أنفسهم من الصحابة فإذا قتلوا تحدث الناس بأن محمداً يقتل أصحابه، فكان في هذا تنفير عن الإسلام.
وأما كونه لم يعلم بأسمائهم فهناك أسماء أسرهم النبي ﷺ إلى حذيفة، وهناك منافقون لا يعلمهم، فليس كل المنافقين يعلمهم، ولهذا قال الله تعالى للصحابة: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة:١٠١].
إذاً هناك بعض المنافقين لا يعلمهم النبي ﷺ ، وبعضهم أعلمه الله بهم، كما قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ * وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد:٢٩ - ٣٠]، وفي الآية الأخرى قال تعالى: ﴿لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة:١٠١]، فبعضهم يعلمهم وبعضهم لا يعلمهم.
стр. 171
الخلاف في التفريق بين عوام الشيعة والخوارج وأئمتهم
السؤال
هل يفرق بين عوام الصوفية والخوارج والشيعة، وبين أئمتهم؟
الجواب
بعض العلماء فرق بينهم وآخرون من أهل العلم جعلوا حكم العامة حكم غيرهم؛ لأنهم تبع لهم؛ ولأن الله تعالى جعل حكم عوام الكفار والتابعين كحكم المتبوعين، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا﴾ [الأحزاب:٦٧]، ﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ [الأعراف:٣٨] أي: للتابعين والمتبوعين.
وقال تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾ [البقرة:١٦٦]، ثم قال بعد ذلك: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة:١٦٧]، فالتابعون والمتبوعون والعوام والسادة حكمهم واحد.
стр. 172
واجب الأبناء تجاه الوالدين بعد موتهما
السؤال
لقد بلغت من العقوق لوالدي أيام حياته شيئاً كثيراً، حتى أنني لعنته في الصغر وقد مات والدي ﵀، وأنا الآن نادم على ذلك فما المخرج من ذلك، مع العلم بأني تعيس في حياتي وتزداد تعاستي كلما تذكرت ذلك؟
الجواب
هذه عقوبة معجلة لقطيعة الرحم؛ لكن عليك التوبة ومن تاب تاب الله عليه، وعليك مع ذلك أن تدعو لوالديك وتستغفر لهما في ظهر الغيب، وتكثر من الدعاء لهما ليل نهار، وتتصدق عنهما، وتحج عنهما، وتعتمر عنهما وكل هذا ينفعهم.
(جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما بعد موتهما قال: نعم الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما)، وهذه كلها من الحقوق، الدعاء وإنفاذ الوصية والعهد، وإكرام صديقهما، والصدقة، والحج والعمرة وكل هذا ينفعهم.
стр. 173
الخلاف في رؤية الكفار لربهم بعد الموت
السؤال
ما المقصود من قوله جل وعلا ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] هل هم الكفار فقط أم يشمل المنافقين، ومتى يحجبون عن الله ﵎؟
الجواب
هذا يشمل جميع الكفار، فكل الكفار محجوبون عن الله، والمؤمنون يرون ربهم يوم القيامة، يرونه في موقف القيامة ويرونه بعد دخولهم الجنة.
وأما الكفار فقد اختلف العلماء في رؤيتهم لربهم في الموقف، فمن العلماء من قال: بأنه يراه أهل الموقف جميعاً، ومنهم الكافرون، ثم يحتجب عن الكفرة.
وقيل: لا يراه إلا المؤمنون فقط.
وقيل: لا يراه إلا المؤمنون والمنافقون؛ لأن المنافقين مع المؤمنين في الدنيا.
فهذه أقوال ثلاثة لأهل العلم، ومن قال إن المؤمنين والكفار يرون ربهم قال: إن الكفار يرون الله في موقف القيامة ولكن لا تفيدهم هذه الرؤية بل تكون عذاباً لهم، كالسارق الذي يؤتى به أمام الأمير وأمام الملك يوبخه، ثم بعد ذلك يعاقب، وتكون هذه زيادة عقوبة له.
ومن العلماء من استدل بهذه الآية على أن جميع الكفرة محجوبون عن الله، وقال: لا يراه إلا المؤمنون: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ﴾ [المطففين:١٥]، فالضمير للكفرة بجميع أصنافهم و ﴿يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] أي: يوم القيامة.
стр. 174
الجمع بين حديث: (لا يدخل الجنة قاطع رحم)، وأن أهل الكبائر تحت المشيئة
السؤال
كيف نجمع بين قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لا يدخل الجنة قاطع رحم)، وبين ما استقر من نصوص الشريعة عند أهل السنة من أن أهل الكبائر تحت المشيئة إن شاء الله غفر لهم وإن شاء أدخلهم النار؟
الجواب
لا يوجد منافاة، فهذا من باب الوعيد عند أهل السنة، وقد ينفذ الوعيد وقد لا ينفذ، والوعيد قد ينفذ في بعضهم، فقاطع الرحم تحت مشيئة الله إن شاء الله غفر له وأدخله الجنة، وإن شاء عذبه فلا يدخل الجنة مع الأولين، بل يعذب ثم يدخل الجنة بعد ذلك، إذا لم يكن عنده كفر أكبر أو نفاق أكبر أو شرك أكبر، فلا توجد منافاة.
стр. 175
حكم بقاء المرأة في عصمة زوج يتعمد تأخير الصلاة
السؤال
أنا امرأة متزوجة ولدي أولاد، وزوجي -هداه الله- ينام طيلة اليوم ولا يصلي أحياناً أكثر الصلوات إلا جمعاً، فيصلي الظهر مع العصر والفجر مع الظهر أو مع العصر وهكذا، هذا ديدنه، علماً بأنه يتكاسل حتى عن أغراض كثيرة نحتاجها للبيت في فترة نومه وبعد استيقاظه، فما حكم ذلك؟
الجواب
أغراض البيت سهلة، لكن المصيبة الصلاة، فكيف يجمع الفجر مع الظهر، والفجر لا تجمع مع الظهر لا للمسافر ولا للمريض ولا غيره، وهو يجمع الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فهذا نخشى عليه من الردة والكفر.
وبعض العلماء يرى أنه إذا تعمد تأخير الصلاة عن وقتها تكون ردة وكفراً والعياذ بالله، فالواجب على هذه المرأة أن تنصح هذا الرجل فإن لم يقبل تذهب إلى أهلها وتتركه، ولا يجوز لها البقاء عنده على هذه الحال.
بعض العلماء يرى كفره وضلاله، وقال آخرون: إنها جريمة عظيمة أعظم من جريمة الزاني والسارق وشارب الخمر والعاق لوالديه وقاطع الرحم.
والمقصود أن على هذه المرأة أن تذهب إلى أهلها وتترك هذا الرجل حتى يتوب إلى الله، ولا تبقى عنده.
стр. 176
حكم زواج الرجل بامرأة زنى بها
السؤال
إذا زنا رجل بامرأة وأرادوا منه التزوج بها قبل توبتهما، فهل نقول بجواز ذلك؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً﴾ [النور:٣]، فهما لم يتوبا، فهل يصح زواجهما، وما حكم ذلك؟
الجواب
لا يجوز أن تزوج وهي زانية، وإن كان بينهما ولد فهو سفاح، ويفرق بينهما، ويقام الحد على الرجل وعلى المرأة، فالرجل يجلد مائة جلدة ويغرب عاماً، والمرأة تجلد مائة جلدة وتغرب، وإن كانت متزوجة ترجم بالحجارة حتى تموت، وإذا صحت التوبة بعد ذلك وظهرت توبتها وإصلاحها تزوج، وهو إذا صحت توبته يزوج منها أو من غيرها، أما أن تزوج وهي على زناها والعياذ بالله، فهذا منكر.
стр. 177
حكم وصف الله بالصانع
السؤال
هل يجوز أن يطلق على الله جل وعلا وصف الصانع؟
الجواب
لا، وهذا من باب الخبر، وباب الخبر أوسع من باب الوصف عند أهل العلم، فيذكر عن الله بأنه صانع، بأنه شيء، وبأنه ذات، كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام:١٩]، يخبر عن الله بأنه موجود، ولكن لا يقال: إن من أسماء الله الموجود أو الصانع أو الذات.
فالقاعدة عند أهل العلم أن الخبر أوسع من باب الصفة؛ لأن الصفة توقيفية وكذلك الأسماء، فلا يسمى الله إلا بما سمى به نفسه، وأطلقه على نفسه كالعليم، السميع، البصير.
أما الإخبار عن الله بأنه صانع، أو بأنه ذات، أو بأنه شيء، فهذا من باب الخبر لا من باب الوصف فيجوز.
стр. 178
شرط نكاح الكتابية
السؤال
هل من شروط للزواج من الكتابية؟
الجواب
نعم، يشترط أن تكون الكتابية محصنة لجواز الزواج بها، فتكون محصنة عفيفة تعمل بدينها، وتعرف بأنها من أهل الكتاب، أما إذا تحللت من دينها فقد صارت جاحدة أو معطلة تخرج عن أهل الكتاب.
стр. 179
حكم ولد الزنا
السؤال
ما الحكم في الابن الذي أتى من الزنا؟
الجواب
يكون لقيطاً من اللقطاء، فإذا كان هناك دار خاصة له يتربى فيها فهو أفضل، وإن لم يكن أخذه أحد المسلمين ورباه حتى يكبر وله الأجر.
стр. 180
حكم مخالفة أهل السنة في مسائل الإيمان
السؤال
ما حكم من خالف أهل السنة والجماعة في مسائل الإيمان؟
الجواب
هذا السؤال مجمل، فما المراد بمسائل الإيمان؟ هل في شعب الإيمان؟ أو خالف أهل السنة والجماعة في أنه ما عمل بشرائع الإيمان، فيكون عاصياً، أو هل خالف المعتقد؟ فينظر مراد السائل.
следующие страницы →