Полный текст (331 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
حكم من قال للنبي ﷺ اعدل
السؤال
الخوارج الذين خرجوا على علي ﵁ هل كان فيهم أحد ممن لاقى النبي ﷺ ، وهل الذي قال للنبي ﷺ : (اعدل يا محمد) يعد من الصحابة ويترضى عنه؟
الجواب
ظاهره أنه منافق، ولهذا استأذن خالد في قتله وقال: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، فقال: (لا.
أليس يصلي) جاء في اللفظ الآخر: (لئلا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابة).
ولهذا قال: (إنه يخرج من ضئضي هذا)، أي: من نسله وعقيدته (قوم تحقرون صلاتكم عند صلاتهم)، فالأقرب والله أعلم أنه منافق؛ لأنه اعترض على النبي ﷺ وقال: اعدل، أو: اتق الله، فاتهم النبي ﷺ .
وجاء في الحديث الآخر في قصة الأنصاري الذي اختصم هو والزبير في شراج الحرة، وهو مسيل الماء، وكان جاراً للزبير، وكان الماء يسقي من الأعلى ثم الأدنى، وكان الزبير هو الأعلى فقال الأنصاري للزبير: سرح الماء إلى أرضي، والزبير انتظر حتى يبلغ الماء الزرع ثم يرسله، فقال: لا، فاختصما إلى النبي ﷺ فقال النبي ﷺ : (اسق يا زبير ثم سرح الماء إلى جارك) ولم يحدد له حداً، فغضب الأنصاري وقال للرسول ﵊: أن كان ابن عمتك -قلت له هذا- فتلون وجه النبي ﷺ ، وقال: (اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر) أي: مقدار ما يغطي الرجل ثم أرسل الماء إلى جارك، وفي الأول ما أعطى الزبير حقاً، فلما أغضب الأنصاري النبي ﷺ أعطى الزبير حقه كاملاً في الشرع، ولهذا أخذ العلماء من قوله ﷺ : (احبس الماء حتى يصل إلى الجدر) أنه بمقدار ما يمشي الماء في المزرعة فإذا غطى الماء الكعبين يجب أن تسرحه إلى جارك، وفي قول هذا الرجل: (أن كان ابن عمتك)، قيل: إنه منافق اتهم النبي ﷺ ، وقيل: إنه ليس منافقاً ولكن من شدة الغضب قال هذا، والأقرب والله أعلم أن هذا الذي اتهم النبي ﷺ منافق.
стр. 247
حكم الجاسوس
السؤال
من فعل فعل حاطب ﵁ في هذا الزمان، فما حكمه هل يحكم عليه بما حكم به على حاطب ﵁؟
الجواب
العلماء لهم كلام طويل في هذا، وهذا يسمى جاسوساً يتجسس على المسلمين، والعلماء حكموا بأن الجاسوس يقتل، وهل يكفر أو لا يكفر؟ فيه كلام، وأما حاطب فإنه منع من قتله أمران: الأمر الأول: أنه صادق، قال النبي ﷺ : (أما إنه قد صدق).
والثاني: أنه شهد بدراً، وهذان الأمران لا يجتمعان في غير حاطب إلى يوم القيامة، فلا يمكن لأحد أن يكون شهد بدراً، فلهذا قالوا: الجاسوس إذا تجسس على المسلمين قتل.
وهو الذي ينقل أخبار المسلمين إلى المشركين وقتله من قبل ولاة الأمور وليس من قبل الأشخاص، فإذا ثبت عند ولاة الأمور أنه جاسوس يقتل أما الأشخاص فلا؛ لأنه تصبح المسالة فوضى كلما أبغض شخص آخر قتله وقال: هذا جاسوس.
стр. 248
حكم فسخ عقد الإجارة قبل انتهاء مدته
السؤال
أجرت محلاً لي بعقد لمدة سنة ثم أخل المستأجر بشروط العقد، وماطل في الدفع، فهل يجوز أن أفسخ العقد ولو بقي له بعض المال من الأقساط الأولى التي دفعها كمقدم للعقد؟
الجواب
الإجارة عقد لازم يلزم الوفاء به، وهذا لابد أن يؤدي، فيشتكى به ويحبس ويلزم بأداء الأجرة كاملة.
لكن إذا اتفق معه على شيء أو اصطلح معه على ترك الأجرة أو على إنهاء الأجرة فلا بأس، إما إذا تمسك المؤجر بالأجرة فإنه يلزم المستأجر إتمام الإجارة.
стр. 249
أقسام الرياء
السؤال
إذا كان الرياء يبطل الأعمال، فهل إذا توضأ الرجل رياء ثم صلى هل تبطل صلاته كما يبطل وضوءه؟
الجواب
الرياء فيه تفصيل، فالرياء الذي يحبط العمل هو الذي يداخل العمل من أصله ويستمر معه إلى نهاية العمل، إما إذا طرأ الرياء على الإنسان ثم دفعه واستغفر الله فلا يضره، لكن إذا استرسل معه واستمر فقيل إنه يجازى بنيته الأولى ولا يبطل، وقيل: إنه إذا استمر معه فإنه يبطل العمل، ومن يتوضأ رياء كيف يتوضأ رياء؟! فالغالب أن الرياء يكون في الصلاة في تحسين الصلاة أو تزيينها ولا يكون في الوضوء.
стр. 250
حكم من فسق الصحابة أو كفرهم
السؤال
ما الحكم على من فسق الصحابة أو كفرهم؟
الجواب
من كفر الصحابة وفسقهم فقد كذب الله، ومن كذب الله كفر؛ لأن الله زكاهم وعدلهم ووعدهم بالحسنى بالجنة، فهو مكذب لله.
стр. 251
كيفية مناظرة النصراني
السؤال
يوجد لدينا في العمل شخص نصراني، ويقول: كيف تثبت لي أن دينكم هو الدين الصحيح الذي إذا دخل الإنسان فيه فإنه سوف يدخل الجنة؟
الجواب
هذا يحتاج إلى إنسان يناظره بالأدلة العقيلة التي يقتنع بها، ويستطيع السائل أن ينظر ما الذي يناسب هذا الشخص بالأدلة العقلية، أو يستعين بكتب المناظرة فيناظر النصراني الذي لا يؤمن، ومن المناظرات أن يقال له: أنت تؤمن بأن عيسى رسول الله أو لا تؤمن؟ فإن آمن بأنه رسول الله فقل: إن عيسى أخبر بأن محمداً رسول الله، والنبي لا يكذب، المقصود أن هذا يناظر بما يناسبه، وبالشيء الذي يصدق به.
стр. 252
العلاقة بين العقل والشريعة
السؤال
ما حكم قول أحدهم: كل ما جاء عن الشرع وقبله العقل وجب علينا قبوله؟ وهل يعتبر هذا من أفكار المعتزلة؟
الجواب
هذا ليس صحيحاً، فكل ما جاء به الشرع وثبت في الوحيين، في كتاب الله وسنة رسوله يجب على الإنسان أن يقبله سواء وافقه العقل أم خالفه، ولا يتقيد بالعقل، ولكن من المعلوم أن العقل الصريح يوافق النقل الصحيح، ولا يمكن أن يكون العقل صريحاً ويخالف النص الصحيح أبداً، فإذا وجدت ما ظاهره أن العقل يخالف النقل، فهو أحد أمرين: إما أن النقل غير صحيح ولم يثبت.
وإما أن العقل غير صريح قد يكون فيه شبهة أو شهوة، أما من عقله صريح ونقله صحيح فلا يتعارضان أبداً، فالعقل الصريح يوافق النقل الصحيح.
وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ له كتاب سماه: موافقة المعقول لصحيح المنقول، التزم شيخ الإسلام في هذا الكتاب وقال: أنا مستعد وملتزم بأن كل شبهة وكل دليل يورده المبطل أقلبه حجة عليه، وإذا وجدت ما يخالفه فاعلم أن النقل غير صحيح أو العقل غير صريح، والعلماء يقولون: الشريعة جاءت بمحارات العقول لا بمحالاتها، والمعنى: أن الشريعة لا تأتي بشيء تنكره العقول وتنفيه، ولكن تأتي بشيء تتحير فيه العقول ولا تدركه على استقلالها، والمراد بالعقول: العقول السليمة، أما العقول المريضة فليس لها اعتبار، وعقل الإنسان الذي عنده شبهات أو شهوات لا عبرة به.
стр. 253
مراتب الأفضلية بعد الأنبياء والمرسلين
السؤال
أيهما أفضل بعد الأنبياء والمرسلين هل هم الصالحون المذكورون في القرآن كلقمان ومريم بنت عمران، وذو القرنين أم هم الصحابة ﵃؟
الجواب
أفضل الناس الرسل، وأفضل الرسل أولو العزم الخمسة: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام.
وأفضل أولو العزم الخمسة الخليلان: إبراهيم ومحمد ﵉.
وأفضل الخليلين نبينا وإمامنا محمد ﷺ ، فهو أفضل الخلق على الإطلاق، وأشجعهم وأكرمهم وأعبدهم وأزهدهم وأتقاهم، قال ﵇: (إني لأتقاكم لله وأخشاكم له) ثم يليه جده إبراهيم، ثم موسى الكليم، ثم بقية أولي العزم الخمسة، ثم بقية الرسل، ثم الأنبياء.
ثم يليهم الصديقون، والصديق على وزن (فعِّيل) صيغة مبالغة، وسمي الصديق لقوة تصديقه، وإيمانه يحرق الشبهات والشهوات، فلا يبقى شبهة ولا شهوة، ولا يصر على معصية، وفي مقدمتهم الصديق الأكبر أبو بكر ﵁.
ثم يليهم الشهداء الذين بذلوا أموالهم وأرواحهم لله، فأغلى ما يملكه الإنسان نفسه التي بين جنبيه، والشهيد بذل روحه لله، وقاتل في سبيل الله لإعلاء كلمة الله، ثم الصالحون، فهذه أربع طبقات: الأنبياء وفي مقدمتهم الرسل، ثم الصديقون، ثم الشهداء ثم الصالحون، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء:٦٩].
وهم الذين أمرنا في كل ركعة من ركعات الصلاة أن ندعو الله أن يهدينا صراطه: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٧]، وهم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون، والصالحون طبقات الطبقة الأولى: السابقون بالخيرات، وهم: الذين يفعلون الواجبات والمستحبات والنوافل، ويتركون المحرمات والمكروهات وفضول المباحات.
الطبقة الثانية: المقتصدون، وهم: الذين أدوا الواجبات لكن ليس عندهم نشاط لفعل المستحبات، وتركوا المحرمات وليس عندهم نشاط لترك المكروهات وفضول المباحات.
والطبقة الثالثة: الظالمون لأنفسهم، وهم الذين ارتكبوا بعض المحرمات أو تركوا بعض الواجبات.
стр. 254
حكم السفر لأجل الترخص
السؤال
كنت مع مجموعة من الشباب في السابق إذا جاء رمضان نذهب خارج مدينة الرياض مسافة ثمانين كيلو متراً لأجل الترخص برخص السفر والإفطار، وليس لدينا غير هذا، وكان هذا الأمر قبل ما يقارب الخمس سنوات، فما الحكم الآن؟
الجواب
لا يجوز إفطاركم في هذه الحالة، لأنكم تعاملون بنقيض قصدكم، فمن خرج بقصد الإفطار لا يجوز له الإفطار، فحرام عليكم الإفطار وعليكم قضاء تلك الأيام مع التوبة والندم والعزم على عدم العود مرة أخرى.
فلو خرج الإنسان لقصد أن يترخص وليس له غرض فهذا حرام عليه ولا يجوز له، أما إذا خرج للزيارة أو لغرض أو لحاجة أو للنزهة على الصحيح أيضاً -وإلا المسألة فيها خلاف- فإنه يترخص، لكن من خرج بقصد الإفطار حتى يتخلص من الصوم فهذا حرام عليه أن يفطر، ويجب أن يصوم، ولو سافر في هذه الحالة معاملة له بنقيض قصده.
ومثله من طلق زوجته في مرض الموت يريد أن يحرمها من الميراث فترث ولو خرجت من العدة ما لم تتزوج أو ترتد معاملة له بنقيض قصده، والقاتل الذي قتل مورثه حتى يرث يعامل بنقيض قصده فيحرم من الميراث، فهذه قاعدة في الشرع أن الإنسان يعامل بنقيض قصده، فالذي خرج في رمضان لأجل أن يفطر يعامل بنقيض قصده، ويقال: الفطر عليك حرام، ولا يجوز لك أن تفطر ولو كنت في السفر.
وعليهم أن يتوبوا إلى الله مما مضى ويكثروا من الأعمال الصالحة مع قضاء الأيام.
وإذا كان مضى رمضان آخر فعليهم مع صوم كل يوم كفارة وهي إطعام مسكين.
стр. 255
حكم الصلاة خلف إمام يأخذ من لحيته
السؤال
إمام مسجد يأخذ من لحيته ويقول: إن إعفاء اللحية ليس بواجب، ويحتج بأن بعض أهل العلم إنما يأخذون بالحكم الأحوط وليس بالواجب، فما حكم قوله؟ وما حكم الصلاة خلفه؟
الجواب
قوله باطل، وهذا مخالف للنصوص، فقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن النبي ﷺ قال: (قصوا الشوارب وأرخوا اللحى، خالفوا المشركين، خالفوا المجوس) فوردت أوامر بألفاظ: جزوا، أرخوا، وفروا، وهذه أوامر، والأمر للوجوب عند أهل العلم، وقد قال الإمام أبو محمد ابن حزم: وأجمع العلماء على أن إعفاء اللحية فرض وأن حلقها حرام، فهذا الإمام حجته داحضة وفي قلبه مرض؛ لأنه أراد أن يترخص حتى إنه يفتي لنفسه، وأما الصلاة خلفه فصحيحة؛ لأنه مسلم، ولو أمكن آخر أحسن منه فهو أولى، وإذا كان مصراً على هذا فينبغي أن يكون الإمام غيره، ويكون إماماً ملتزماً بالسنة، ويعمل بالنصوص.
стр. 256
شرح كتاب الإيمان الأوسط لابن تيمية [١٤]
مما يرد على الوعيدية من الخوارج والمعتزلة الذين يقولون بخلود العصاة في جهنم أن الله تعالى قد أخبر بالمغفرة لأهل بيعة الرضوان وهم معرضون لارتكاب الكبائر وكذلك ذكر الله أسباباً كثيرة لإسقاط الذنب مما يدل على عدم الخلود.
стр. 257
الرد على الوعيدية بحديث المغفرة لأهل بيعة الرضوان
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وكذلك ثبت عنه ﷺ في الصحيح أنه قال: (لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة)، وهذه النصوص تقتضي أن السيئات مغفورة بتلك الحسنات، ولم يشترط مع ذلك توبة، وإلا فلا اختصاص لأولئك بهذا، والحديث يقتضي المغفرة بذلك العمل.
وإذا قيل: إن هذا لأن أحداً من أولئك لم يكن له إلا صغائر لم يكن ذلك من خصائصه أيضاً، وعلى هذا يستلزم تجويز الكبيرة من هؤلاء المغفور لهم].
هو المرجح العاشر من المرجحات التي تؤيد أن العاصي الذي نفي عنه الإيمان وأثبت له الإسلام عنده أصل الإيمان، وليس منافقاً، وهو ما يسمى بالفاسق الملي، وسبق أن المسألة فيها قولان لأهل العلم أحدهما: أن الذين وصفوا بالإسلام دون الإيمان منافقون، وإسلامهم إسلام في الظاهر، وهذا مذهب البخاري وجماعة، وقول طائفة من أهل السنة ومن أهل الكلام.
القول الثاني: قول جمهور السلف والخلف: أن هؤلاء الذين أثبت لهم الإسلام ونفي عنهم الإيمان ليسوا منافقين، وإنما هم ضعفاء الإيمان معهم أصل الإيمان، ونفي عنهم الإيمان لكونهم قصروا في بعض الواجبات، أو فعلوا بعض المحرمات، وقد ذكر المؤلف مرجحات كثيرة، وهذا المرجح العاشر يدل على أن العاصي إذا نفي عنه الإيمان يبقى معه أصل الإيمان.
فقد ثبت عنه ﷺ في الصحيح أنه قال: (لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة)، وهذا الحديث رواه الإمام مسلم في صحيحه ورواه أبو داود والترمذي وأحمد وابن حبان وغيرهم.
والمراد بالشجرة: الشجرة التي بايع النبي ﷺ فيها الصحابة بيعة الرضوان على قتال المشركين، وهذا في صلح الحديبية، وذلك سنة ست من الهجرة لما أحرم النبي ﷺ وأصحابه بالعمرة، فلما قربوا من مكة منعتهم قريش من الدخول إلى مكة فنزلوا في الحديبية، والحديبية قرب حدود الحرم، وهي مكان على طريق جدة، فأرسل النبي ﷺ عثمان بن عفان يفاوضهم ويخبرهم أنه ما جاء لقتال وإنما جاء للعمرة، فاحتبست قريش عثمان ﵁، وشاع في الصحابة أن عثمان قد قتل، فبايع النبي ﷺ الصحابة على الموت، وكانوا ألفاً وما بين الأربعمائة إلى الخمسمائة، فلما سمعت قريش بأن النبي بايع الصحابة على الموت وقتالهم خافوا وأطلقوا عثمان، فسميت هذه البيعة بيعة الرضوان، وأنزل فيها قوله : ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح:١٨].
وقال ﵊ في هذا الحديث الصحيح: (لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة) هؤلاء الصحابة الذين بايعوا تحت الشجرة لهم مزية على غيرهم، كما أن من شهد بدراً له مزية، فأهل بدر قال فيهم النبي ﷺ : (وما يدريك لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) ولهذا يقول العلماء: أفضل الصحابة الخلفاء الراشدون ثم بقية العشرة المشهود لهم بالجنة، ثم أهل بدر، ثم أهل بيعة الرضوان.
فقول النبي ﷺ : (لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة) استدل به المؤلف ﵀ على أن من وقع في معصية أو في كبيرة يبقى معه أصل الإيمان، ولهذا قال المؤلف ﵀: وهذه النصوص تقتضي أن السيئات مغفورة بتلك الحسنات، والحسنة هي البيعة تحت الشجرة، فتغفر بها السيئات، وكذلك أيضاً شهود بدر.
ففي حق حاطب بن أبي بلتعة في المرجح التاسع السابق قال النبي ﷺ : (وما يدريك إن الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) فشهود بدر حسنة عظيمة تغفر بها السيئات؛ ولهذا غفرت هذه السيئة التي حصلت من حاطب وهي مكاتبة المشركين، وإخبارهم بقدوم النبي ﷺ عليهم، وقد أنزل فيها الله تعالى صدر سورة الممتحنة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة:١].
وقال: في آخر آية من السورة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ [الممتحنة:١٣].
فهذه السيئة التي صدرت من حاطب بن أبي بلتعة ﵁ غفرت بهذه الحسنة العظيمة وهي شهود بدر، كما أن الذين بايعوا تحت الشجرة وكانوا ألفاً وأربعمائة حصلت لهم هذه الحسنة العظيمة، وهي البيعة تحت الشجرة، وهذه حسنة عظيمة تغفر بها السيئات، فدل هذا على أنه لو وقع من هؤلاء سيئة أنه يبقى معهم أصل الإيمان، وهي تدل على أن العاصي في الجملة يثبت له الإسلام، وينفى عنه الإيمان، وأنه يبقى معه أصل الإيمان.
فتكون النصوص التي جاءت بإثبات الإسلام لأقوام ونفي الإيمان عنهم دليل على أن معهم أصل الإيمان وليسوا المنافقين كما ذهب إليه الجمهور، ولهذا قال المؤلف ﵀: هذه النصوص تقضي أن السيئات مغفورة بتلك الحسنات.
وقوله: (ولم يشترط مع ذلك توبة) فإنه ما قال النبي ﷺ : لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة إلا إذا تاب بعد أن وقع في المعصية؛ لأن التوبة طهارة تغفر بها السيئات عامة لكل مؤمن إلى يوم القيامة، فدل على أن هؤلاء الذين بايعوا تحت الشجرة، وهؤلاء الذين شهدوا بدراً تغفر لهم السيئات بهذه الحسنة العظيمة ولم يشترط النبي ﷺ مع ذلك توبة، ولهذا قال المؤلف: وإلا فلا اختصاص لأولئك بهذا، أي: لا اختصاص لهم بالتوبة بل التوبة عامة، ولو كان المراد: لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة إذا تاب، وقوله في أهل بدر: اعلموا ما شئتم فقد غفرت لكم إذا تبتم، فلو كان المراد أنه لا بد من التوبة لزالت الخصيصة التي لأهل بدر والتي لأهل بيعة الرضوان، ولو قلنا إنه لا بد من التوبة صاروا مشاركين لغيرهم.
فالتوبة طهارة لكل أحد، وليست خاصة بأهل بدر ولا بأهل بيعة الرضوان، فدل هذا على أن الخصيصة التي لأهل بدر والخصيصة التي لأهل بيعة الرضوان هي هذه الحسنة بخصوصها -ولو لم يحدث توبة إذا صدرت معصية- فإنها تغفر بهذه الحسنة العظيمة وهي شهود بدر وبيعة الرضوان.
وقوله ﵀: (والحديث يقتضي المغفرة بذلك العمل) المقصود بذلك العمل: شهود بدر وبيعة الرضوان.
قوله: (وإذا قيل إن هذا لأن أحداً من أولئك لم يكن لهم إلا الصغائر لم يكن ذلك من الخصائص أيضاً) فليس المراد الآن ذكر خصيصة هؤلاء إنما المراد الوصف، والنبي ﷺ أتى بوصف وقال: (لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة)، وهذا وصف ليس المراد به شخصاً بعينه، وقوله: (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) كل من شهد بدراً وصف بهذا الوصف، ويشفع له الحديث، فلا يقال لأن أولئك لم يعملوا الكبائر وإنما صدرت منهم الصغائر؛ لأن المراد الوصف لا الشخص.
وهذا يستلزم تجويز الكبيرة من هؤلاء المغفور لهم فليسوا معصومين، وإنما المعصوم الرسل عن الشرك وعن الكبائر، ومعصومون عن الخطأ فيما يبلغونه عن الله، أما غير الرسل فليسوا معصومين من الكبائر حتى يقال: إن أهل بيعة الرضوان وكذلك أهل بدر لا تصدر منهم إلا الصغائر، فصدور الكبيرة منهم جائزة وليست مستحيلة، والنبي ﷺ أراد بهذا الوصف لا شخصاً بعينه، وبهذا يتبين أن من المرجحات شهود بدر، وأنها حسنة تغفر بها السيئات كالسيئة التي حصلت من حاطب لما كاتب المشركين بأخبار النبي ﷺ ، وكذلك حسنة بيعة الرضوان تغفر بها السيئات التي تصدر منهم.
стр. 258
الرد على الوعيدية بأسباب سقوط العقوبة عن العاصي
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأيضاً قد دلت نصوص الكتاب والسنة على أن عقوبة الذنوب تزول عن العبد بنحو عشرة أسباب].
стр. 259
زوال عقوبة الذنب بأسباب مختلفة
هذا هو المرجح الحادي عشر، وهو يدل على أن المؤمن إذا صدرت منه معصية أو كبيرة يبقى معه أصل الإيمان، وأن النصوص التي فيها وصف بعض الناس بالإسلام دون الإيمان، تدل على أنه نفي عنهم كمال الإيمان وليسوا منافقين.
وذلك أنه قد دلت نصوص الكتاب والسنة على أن عقوبة الذنب تزول عن العبد بعشرة أسباب، وإذا حصل واحد من هذه العشرة محي الذنب، وسلم العبد من عقوبته، وهذا يدل على أن المؤمن إذا وقع في الكبيرة لا يخرج من الإيمان بل يبقى معه أصل الإيمان، وهذه العشرة ذكرها المؤلف وهي: أحدها التوبة: الثاني: الاستغفار.
الثالث: الحسنات الماحية.
الرابع: دعاء المؤمنين للمؤمن.
الخامس: ما يعمل للميت من أعمال البر.
السادس شفاعة النبي ﷺ .
السابع: المصائب التي يكفر الله بها الخطايا.
الثامن: ما يحصل في القبر من الفتنة والضغط والروعة.
التاسع: أهوال يوم القيامة وكربها وشدائدها.
العاشر: رحمة الله وعفوه ومغفرته بلا سبب من العباد.
فهذه عشرة أسباب إذا حصل واحد منها محي الذنب عن صاحبه وسقطت العقوبة عنه، وليس المراد أن تجتمع العشرة كلها، بل إذا حصل واحد منها سقطت عقوبة الذنب عن العبد.
فهذه الأسباب التي تسقط بها عقوبة الذنوب عن العبد تدل على أن المؤمن يقع في المعاصي ويقع في الكبائر، ويسمى مسلماً ولا يسمى مؤمناً إذا ارتكب الكبيرة، وينفى عنه الإيمان المطلق وإن كان معه أصل الإيمان الذي يصحح إسلامه، وأصل الإيمان لابد منه، والمسلم لابد له من إيمان يصحح إسلامه، فيؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، لكن الإيمان الكامل لا يطلق إلا على من أدى الواجبات وترك المحرمات، وهذا فعل كبيرة فلا نسميه مؤمناً بإطلاق، بل لابد أن يكون مؤمناً ناقص الإيمان، أو ضعيف الإيمان فهو مؤمن فاسق، ويقال هو مسلم ولا يقال مؤمن، والإيمان الذي نفي عن العاصي غير الإيمان الذي دخل به في الإسلام، فالإيمان دخل به في الإسلام لابد منه، وهو أصل الإيمان، والإيمان الذي ينفى عن العاصي هو الإيمان الكامل الذي يستحق به دخول الجنة والنجاة من النار.
هذه الأسباب العشرة التي إذا حصل واحد منها سقطت عقوبة الذنب تدل على أن المؤمن يقع في الكبيرة ولا يخرج من الإسلام بل يسمى مسلماً، وليس إسلامه كإسلام المنافقين كما ذهب إليه البخاري وجماعة، فـ البخاري ﵀ قال: إن الإيمان هو الإسلام والإسلام هو الإيمان، فهما مترادفان لا فرق بينهما، ومن نفي عنه الإيمان فقد نفي عنه الإسلام، سواء بسواء، والآية: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤] نزلت هذه في المنافقين.
والصواب: أن الإسلام غير الإيمان وليسا مترادفين إذا اجتمعا، والذين نفي عنهم الإيمان لا لكونهم منافقين بل لكونهم نقص إيمانهم فلا يطلق عليهم الإيمان الكامل، لكن نقص إيمانهم وضعف بفعل الكبيرة فيسمون مسلمين؛ لأن معهم أصل الإيمان الذي يصح به إسلامهم، ولا يسمون مؤمنين بإطلاق لتقصيرهم في بعض الواجبات أو فعلهم لبعض المحرمات.
فهذا المرجح الحادي عشر: أن عقوبة الذنب تسقط عن العبد إذا حصل واحد من عشرة أسباب، ودل على أن معه أصل الإيمان وليس منافقاً.
стр. 260
ذكر أسباب سقوط عقوبة الذنوب
стр. 261
الشروط الموجبة لإسقاط التوبة لعقوبة الذنب
قال المؤلف ﵀: [أحدها: التوبة، وهذا متفق عليه بين المسلمين، قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣].
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة:١٠٤].
وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى:٢٥] وأمثال ذلك].
هذا هو السبب الأول: التوبة، فالتوبة تسقط بها عقوبة الذنب، وهذا بإجماع المسلمين وليس فيه خلاف، والتوبة عامة في كل ذنب صغير أو كبير، حتى من الكفر ومن النصرانية واليهودية والمجوسية، فإذا تاب من الزنا والسرقة وشرب الخمر وعقوق الوالدين والتعامل بالربا تاب الله عليه، وسقطت عنه عقوبة الذنب في الدنيا والآخرة، وسلم من شره في الدنيا والآخرة، لكن بشرط أن تكون التوبة نصوحاً، ليس كل من ادعى التوبة يكون تائباً، فالتوبة تنقسم إلى قسمين: توبة الكذابين وتوبة الصادقين.
فتوبة الكذابين: هو الذي يتوب بلسانه وقلبه معقود على المعصية مصر عليها، والتوبة لابد لها من شروط، فإذا وجدت الشروط صحت.
الشرط الأول: أن تكون التوبة لله، فبعض الناس يتوب لكن ليس لله، بل لأجل الدنيا، ولأجل بعض المقاصد: صلى المصلي لأمر كان يطلبه فلما انقضى الأمر لا صلى ولا صاما التوبة عبادة لابد أن تكون لله، والعبادة لا تصح إلا بشرطين: أن تكون خالصة لله، وأن تكون موافقة للشرع.
ثانياً: الإقلاع عن المعصية، ومعنى الإقلاع: ترك المعصية، فإذا كان يتعامل بالربا ترك الربا، أما أن يقول شخص: تبت من الربا، وهو يتعامل بالربا فهو كذاب، وكذلك من يعق والديه فيزعم أنه يتوب وهو مستمر على عقوق الوالدين، فهذه ليست توبة، فيجب الإقلاع عن المعصية، والذي يأكل الرشوة ويقول: أنا تائب ولكنه مستمر على أكل الرشوة هذه ليست توبة، فالإقلاع يعني: ترك المعصية.
ثالثاً: الندم على ما مضى، أن يندم ويتحسر ويتأسف.
الشرط الرابع: العزم الصادق الجازم على عدم العودة إليها مرة أخرى، وبعض الناس يريد أن يتوب في رمضان خاصة، ولكنه ينوي أنه إذا خرج رمضان عاد إلى المعاصي، فهذه ليست توبة؛ لأنه ما صمم ولا عزم على عدم العودة إلى المعصية، بل هو يريد أن يرجع إلى المعصية، وهذه توبة مؤقتة.
الشرط الخامس: رد المظلمة إلى أهلها إن كانت بينه وبين الناس، فإذا كانت المظلمة بينه وبين الناس كأن قتل شخصاً بغير حق فعليه أن يسلم نفسه لأولياء القتيل: إما أن يقتلوه قصاصاً، أو يأخذوا الدية، أو يعفوا عنه، أو إذا كان مالاً يرد المال حتى يتوب، أو شخص سرق من مال شخص أو اختلسه فإن أراد أن يتوب لابد يرد المال إليه، وإذا كانت غيبة أو نميمة يستحلهم منها، فلابد من رد المظلمة إلى أهلها إذا كانت بينك وبين الناس.
الشرط السادس: أن تكون التوبة في وقت تقبل فيه، وهو قبل بلوغ الروح إلى الحلقوم بالنسبة للشخص الواحد، ففي الحديث: (إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر) أي: ما لم تصل الروح إلى الغرغرة، وبالنسبة لعموم الناس: ما لم تطلع الشمس من مغربها في آخر الزمان كما في الحديث: (لا تنقطع التوبة حتى تنقطع الهجرة، ولا تنقطع الهجرة حتى تطلع الشمس من مغربها).
فإذا طلعت الشمس من مغربها انتهى الأمر وكل يبقى على ما كان، المؤمن على إيمانه والكافر على كفره، قال الله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ في إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام:١٥٨]، جاء في تفسير الآية: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام:١٥٨]: أنها طلوع الشمس من مغربها.
فالشروط السابقة هي: الأول: أن تكون لله.
الثاني: الإقلاع عن المعصية.
الثالث: الندم على ما مضى.
الرابع: العزم على عدم العودة إليه.
الخامس: رد المظلمة إلى أهلها.
السادس: أن تكون قبل طلوع الشمس من مغربها.
والسابع: أن تكون قبل بلوغ الروح إلى الحلقوم.
الثامن: أن تكون قبل نزول العذاب، فإذا نزل العذاب لم تقبل، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ [غافر:٨٤]، قال الله: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر:٨٥].
ففرعون آمن لكن بعد نزول العذاب فما نفعه، قال الله تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٩٠]، وفرعون هو الذي يقول للناس: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٩٠]، لكن في وقت لا ينفع فيه الإيمان، قال الله: ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس:٩١ - ٩٢]؛ لأنه لابد أن يكون قبل نزول العذاب.
إلا طائفة من الناس استثناهم الله لما نزل العذاب تابوا ونفعتهم التوبة، وهم قوم يونس، قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ في الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إلى حِينٍ﴾ [يونس:٩٨]، لما أخبرهم نبيهم بأن العذاب نازل بهم ورأوا أسبابه تابوا فتاب الله عليهم، وجاءهم نبيهم فآمنوا، قال الله: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ * فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إلى حِينٍ﴾ [الصافات:١٤٧ - ١٤٨].
هذه أسباب ثمانية للتوبة إذا وجدت فهي توبة الصادقين، وإلا فهي توبة الكذابين.
إذاً: التوبة تمحو الذنب لكن بشروطها الثمانية كما ذكرنا.
والدليل قول الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣]، هذه الآية أجمع العلماء على أنها في التائبين؛ لأن الله أطلق وعمم، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٥٣]، ويشمل ذنب الكفر والشرك والزنا والسرقة والربا، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٥٣] أي: لمن تاب، قال سبحانه: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة:١٠٤]، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى:٢٥]، وقال سبحانه: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه:٨٢]، نعم.
стр. 262
الاستغفار وإسقاطه لعقوبة الذنب
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الثاني: الاستغفار، كما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا أذنب عبد ذنباً فقال: أي رب أذنبت ذنباً فاغفره لي، فقال ربه: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به، قد غفرت لعبدي، ثم أذنب ذنباً آخر فقال: أي رب أذنبت ذنباً فاغفره لي فقال ربه: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به، قد غفرت لعبدي، فليفعل ما شاء، قال ذلك في الثالثة أو الرابعة).
وفي صحيح مسلم عنه ﷺ أنه قال: (لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون ثم يستغفرون فيغفر لهم)].
هذا هو السبب الثاني من الأسباب التي تسقط بها عقوبة الذنب عن العبد: الاستغفار، وقد استدل المؤلف بحديثين: الحديث الأول في الصحيحين وغيرهما وهو حديث صحيح.
وقوله: (فليفعل ما شاء)، ليس المراد به الإذن بالمعصية، وإنما المراد: أنه كلما أذنب وتاب فإن الله يغفر له، وهذا حصل منه الذنب ثم تاب بالشروط الثمانية، ثم ابتلي بالذنب مرة ثانية ثم تاب بالشروط الثمانية، ثم ابتلي ثم تاب وهكذا.
وقوله في الحديث الثاني: (لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون ثم يستغفرونه فيغفر لهم)، دليل على أن الاستغفار يمحو الله به الخطايا والذنوب.
стр. 263
الخلاف في وقوع الاستغفار بدون توبة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقد يقال على هذا الوجه: الاستغفار هو مع التوبة، كما جاء في حديث: (ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم مائة مرة).
وقد يقال: بل الاستغفار بدون التوبة ممكن واقع، وبسط هذا له موضع آخر، فإن هذا الاستغفار إذا كان مع التوبة مما يحكم به عام في كل تائب، وإن لم يكن مع التوبة فيكون في حق بعض المستغفرين الذين قد يحصل لهم عند الاستغفار من الخشية والإنابة ما يمحو الذنب، كما في حديث البطاقة بأن قول لا إله إلا الله ثقلت بتلك السيئات لما قالها بنوع من الصدق والإخلاص الذي يمحو السيئات، وكما غفر للبغي بسقي الكلب لما حصل في قلبها إذ ذاك من الإيمان، وأمثال ذلك كثير].
وهذا اعتراض وجواب عنه، الاعتراض: أنه قد يقال: الاستغفار هو مع التوبة، أي: الاستغفار والتوبة شيء واحد فلابد أن يكون مع التوبة، ولا ينفع بدونها، وعلى هذا يكون السببان سبب واحد، التوبة والاستغفار شيء واحد، واستدل المعترض بحديث: (ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم مائة مرة)، أخرجه أبو داود والترمذي وابن السني والبغوي.
وقال الترمذي بعد أن ساقه: هذا حديث غريب، إنما نعرفه من حديث أبي نصيرة وليس إسناده بالقوي.
ومع ذلك فقد حسنه الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره، في المجلد الأول، وعلى كل حال لعل الحافظ حسنه بشواهده، فالحديث له شواهد، وكذلك أيضاً شيخ الإسلام ﵀ لعله ساقه هنا لأنه يرى أنه ثابت وأنه حسن بشواهده.
فالمقصود: أن الاعتراض على هذا الوجه أن يقال: الاستغفار مع التوبة شيء واحد، وقد أجاب المؤلف ﵀ فقال: الاستغفار إذا كان مع التوبة فليس فيه إشكال، ويغفر الذنب، لكن قد يوجد الاستغفار بدون التوبة وينفع؛ ولهذا قال المؤلف: قد يقال: (الاستغفار بدون التوبة ممكن واقع وبسط هذا له موضع آخر، فإن هذا الاستغفار إذا كان مع التوبة مما يحكم به عامة فكل شخص يصدر منه التوبة مع الاستغفار فهو مغفور له، لكن قد يكون الاستغفار بدون التوبة وينفع في حق بعض الناس دون البعض الآخر)، فالمؤلف ﵀ يجيب عن الاعتراض ويقول: إذا اعترض بعض الناس وقال: الاستغفار هو التوبة والتوبة هي الاستغفار، نقول: نعم، إذا كان الاستغفار مع التوبة فهذا عام في كل شخص، وعام في كل معصية، لكن قد يوجد استغفار بدون توبة وينفع، ولكن هذا في حق بعض الناس دون البعض، وبعض الناس يستغفر ولم يتب، لكن يحصل له عند الاستغفار من الخشية والإنابة ما يمحو الله به خطيئته بسبب ما قارن الاستغفار من الانكسار والخشية والإنابة إلى الله كما في حديث البطاقة، وحديث البطاقة حديث مشهور، وهو أرجى حديث لأهل السنة والجماعة، وهو أرجى حديث للعصاة، وخلاصته: (أنه يؤتى يوم القيامة برجل فينشر له تسعة وتسعين سجلاً كل سجل مد البصر سيئات، فيقول الله: أتنكر من هذا شيئاً؟ قال: لا والله يا رب، فيقول الله: هل لك حسنة يقول: لا والله ما أذكر شيئاً يا رب، فيقول الله: بلى فإنك لا تظلم، فيخرج له بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فتوضع البطاقة التي فيها الشهادتان في كفة وتوضع السجلات في كفة، فثقلت البطاقة وطاشت السجلات فغفر الله له)، فرجحت البطاقة التي فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله وخفت بطاقة السيئات، فغفر الله له.
ومعلوم أن كل مسلم له مثل هذه البطاقة، وكل مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ومع ذلك يعذب بعضهم بالنار، وهذا لم يعذب فبعض الناس قال: لأن هذه البطاقة التي فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله قالها عن توبة وإخلاص، ولهذا نقول: إذا تاب فالتوبة تكفيه، وصاحب البطاقة ثقلت بطاقته بتلك السيئات؛ لأنه قالها بنوع من الصدق والإخلاص الذي يمحو السيئات، وقارن الشهادتين نوع من الإخلاص والصدق، وكثير من الناس يقولونها وليس عندهم صدق وإخلاص فلهذا يعذبون بسيئاتهم، أما هذا فغفر له بسبب أنه قال هذه البطاقة بنوع من الصدق والإخلاص الذي يمحو السيئات، فكذلك المستغفر، أي: إذا استغفر عن خشية وإنابة يمحو الله بهذا الاستغفار الذنب ولو لم يتب.
قوله: (وكما غفر للبغي بسقي الكلب) والبغي الزانية من بني إسرائيل والحديث فيه: (أن امرأة بغياً من بني إسرائيل مرت بركية بئر فوجدت كلباً يلهث يكاد يأكل الثرى من العطش، فنزلت في البئر وملأت خفها ماء وأخرجته وسقت الكلب، فغفر الله لها ذنبها) غفر لها ذنبها العظيم وهو الزنا بسقيها الكلب، ومعلوم أنه قد يسقي بعض العصاة كلباً أو غيره ولا يغفر له، وهذه المرأة غفر لها بسبب أنه حصل في قلبها إذ ذاك الإيمان والصدق والإخلاص؛ فلهذا غفر الله لها.
فكذلك بعض المستغفرين يستغفر عن توبة وخشية وإنابة فيغفر له، وبعض المستغفرين يستغفر ولكن لا يكون عنده خشية ولا إنابة فلا يغفر له إلا إذا تاب، وبهذا يكون المؤلف أجاب عن هذا الاعتراض.
стр. 264
إسقاط الحسنات الماحية لعقوبة الذنب
قال المصنف رحمه الله تعالى: [السبب الثالث: الحسنات الماحية، كما قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤]، وقال ﷺ : (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر).
وقال ﷺ : (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه).
وقال ﷺ : (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه).
وقال ﷺ : (من حج البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه).
وقال ﷺ : (فتنة الرجل في أهله وماله وولده تكفرها الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر).
وقال ﷺ : (من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منها عضواً منه من النار حتى فرجه بفرجه).
وهذه الأحاديث وأمثالها في الصحاح.
وقال ﷺ : (الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، والحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب)].
هذا هو السبب الثالث من الأسباب التي تسقط بها عقوبة الذنب ويمحو الله بها الذنب: وهو الحسنات الماحية، فيفعل حسنة عظيمة فيمحو الله بها الخطايا ولو لم يتب، وقد استدل المؤلف بأدلة: الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤]، جاء في سبب نزول هذه الآية: (أن رجلاً أصاب من امرأة قبلة ثم جاء إلى النبي ﷺ فأخبره، فقال النبي ﷺ : أشهدت معنا الصلاة؟ قال: نعم، قال: اذهب فقد غفر الله لك).
جاء في سبب نزولها أنه فعل صغيرة، وقد يقال: إنه تاب، وظاهره أنه تاب، والقبلة صغيرة، فهو فعل صغيرة من الصغائر ثم تاب، لكن المؤلف استدل بعموم الآية: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤]، وقال: الحسنة تمحو السيئة من دون توبة.
الدليل الثاني: حديث أبي هريرة ﵁ المشهور: (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر)، وهذا الحديث رواه الإمام مسلم وغيره.
وهذا الحديث استدل به المؤلف على أن من الحسنات التي يكفر بها السيئات: الصلوات الخمس، والجمعة، ورمضان لكن الحديث فيه: (إذا اجتنبت الكبائر)، وسيأتي الكلام عليه.
الدليل الثالث: ما ثبت في صحيح البخاري وغيره أن النبي ﷺ قال: (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)، وجه الدلالة: أن صوم رمضان حسنة يمحو الله بها الخطايا، وسيأتي أن بعض العلماء قال: إذا اجتنبت الكبائر.
الدليل الرابع: قوله ﷺ : (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)، وهو حديث صحيح، فقيام ليلة القدر حسنة غفر بها الذنوب.
الدليل الخامس: قوله ﷺ : (من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه) رواه البخاري ومسلم وغيرهما، وفيه: أن الحج حسنة عظيمة يمحو الله بها الخطايا.
الدليل السادس: قوله ﷺ : (فتنة الرجل في أهله وماله وولده يكفرها: الصلاة، والصيام، والصدقة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) وهذا الحديث رواه الشيخان وغيرهما.
ومعنى: (فتنة الرجل في أهله وماله) ما يحصل من الكلام والأخذ والرد بينه وبين الزوجة وبينه وبين ولده وبينه وبين جاره، والمقصود ما يحصل من نزاع أو كلام وأخذ ورد، فهذه الفتنة التي تكون بين الإنسان وأهله وبينه وبين ولده وبينه وبين جاره يكفرها الصلاة والصدقة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذه الحسنات يكفر الله بها الخطايا، ومعلوم أنها صغائر ليست كبائر.
الدليل السابع: قوله ﷺ : (من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منها عضواً منه من النار حتى فرجه بفرجه) وهذا الحديث أيضاً رواه الشيخان وغيرهما.
وفيه: أن العتق حسنة يكفر الله به الخطايا، ويعتق الله به رقبة المعتق من النار، إذا أعتق العبد أعتقه الله من النار، ومعناه: كفر سيئاته بهذه الحسنة، وهذه الحسنة وهي العتق محت السيئات، حتى إنه غفر له، فإذا أعتق عبداً أعتق الله عنه اليد باليد والرجل بالرجل، ويده بيده، حتى فرجه بفرجه.
وهذه الأحاديث وأمثالها في الصحاح كلها صحيحة، وقال: (الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، والحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب).
قوله: (الصدقة تطفئ الخطيئة) أي: المعصية، والصدقة حسنة من الحسنات، ومع ذلك أخبر النبي ﷺ أنها تطفئ الخطيئة.
وقوله: (والحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب)، الحديث فيه كلام لأهل العلم، رواه ابن ماجة، وفيه تقديم الجملة الأولى على الثانية، وقال بعضهم: له شواهد يتقوى بها، ومنهم من تكلم فيه، ومنهم من تكلم في الجملة الأخيرة.
وهذه الأحاديث كلها تدل على أن الحسنات يمحو الله بها السيئات، ويمحو بها عقوبة الذنوب من غير التوبة.
стр. 265
اعتراض على أن الحسنات تمحو الكبائر والجواب عنه
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وسؤالهم على هذا الوجه أن يقولوا: الحسنات إنما تكفر الصغائر فقط، فأما الكبائر فلا تغفر إلا بالتوبة، كما قد جاء في بعض الأحاديث: ما اجتنبت الكبائر.
فيجاب عن هذا بوجوه].
هذا اعتراض على هذه الأحاديث التي استدل بها المؤلف على أن الحسنات يمحو الله بها الخطايا، قالوا: الحسنات إنما تكفر الصغائر ولا تكفر الكبائر، فأما الكبائر فلا تغفر إلا بالتوبة؛ ولهذا جاء في بعض الأحاديث: (ما اجتنبت الكبائر)، كما في حديث أبي هريرة في مسلم: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر).
فأجاب المؤلف ﵀ عنها بخمسة أجوبة، وبعض الأجوبة عليها اعتراضات.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أحدها: أن هذا الشرط جاء في الفرائض كالصلوات الخمس والجمعة وصيام شهر رمضان، وذلك أن الله تعالى يقول: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء:٣١]، فأداء الفرائض مع ترك الكبائر مقتض لتكفير السيئات، وأما الأعمال الزائدة من التطوعات فلا بد أن يكون لها ثواب آخر، فإن الله تعالى يقول: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨]].
الجواب الأول على هذا الاعتراض هو: أن الحسنات إنما تمحو الكبائر، قال المؤلف ﵀: هذا الشرط إنما جاء في الفرائض خاصة دون التطوعات، والفرائض إنما يكفر الله بها الخطايا إذا اجتنبت الكبائر كالصلوات الخمس والجمعة وصيام رمضان، ودليلها الحديث السابق حديث أبي هريرة عند مسلم: (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر)، وذلك أن الله تعالى يقول: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء:٣١] أي: الصغائر، فاشترط لتكفير الصغائر ترك الكبائر، يقول المؤلف: فالفرائض مع ترك الكبائر مقتضٍ لتكفير السيئات، أما غير الفرائض مثل الحسنات الماحية مثل المرأة البغي التي سقت الكلب، فهذه حسنة يمحو الله بها الخطايا، وهكذا الأعمال الزائدة عن الفرائض من التطوعات، يقول المؤلف: فلابد أن يكون لها ثواب آخر؛ لقول الله : ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨].
نعم.
стр. 266
دلالة التصريح أن المغفرة قد تكون مع الكبائر
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الثاني: أنه قد جاء التصريح في كثير من الأحاديث بأن المغفرة قد تكون مع الكبائر، كما في قوله ﷺ : (غفر له وإن كان قد فر من الزحف).
وفي السنن: (أتينا رسول الله ﷺ في صاحب لنا قد أوجب، فقال: أعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منه عضواً من النار).
وفي الصحيحين في حديث أبي ذر ﵁ قوله ﷺ : (وإن زنا وإن سرق)].
هذا هو الجواب الثاني، وهو أنه قد جاء التصريح في كثير من الأحاديث بأن المغفرة قد تكون بالحسنة مع الكبيرة، منها هذا الحديث: (غفر له وإن كان قد فر من الزحف)، الجهاد في سبيل الله مستحب إلا في ثلاث مواضع يكون واجباً فقط: الموضع الأول: إذا داهم العدو بلداً من بلاد المسلمين وجب على أهل البلد أن يقاتلوا كلهم رجالهم ونساؤهم، وهو عليهم فرض عين.
الثاني: إذا استنفر الإمام واحداً من الناس وأمره بأن يجاهد يجب عليه، وصار فرضاً في حقه.
الثالث: إذا وقف في الصف ولو كان متطوعاً، ففي هذه الحالة صار فرضاً عليه، ولا يجوز له أن يفر أو يهرب؛ لأنه يخذل إخوانه المؤمنين، فإذا فر من الزحف صار مرتكباً لكبيرة من كبائر الذنوب، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إلى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال:١٥ - ١٦]، توعده الله بالنار وهو مرتكب للكبيرة.
والنبي ﷺ في هذا الحديث يقول: (من قال: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه غفرت ذنوبه وإن كان قد فر من الزحف)، أي: وإن كان قد ارتكب كبيرة، إذاً: هنا فيه أنه غفر له مع الكبيرة.
كذلك الحديث الثاني في السنن قال: (أتينا رسول الله ﷺ في صاحب لنا قد أوجب، فقال النبي ﷺ : أعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منه عضواً من النار)، أوجب: ارتكب كبيرة توجب له النار ومع ذلك غفرت له هذه الكبيرة بهذه الحسنة وهي العتق.
والدليل الثالث: ما في الصحيحين من حديث أبي ذر أن النبي ﷺ قال: (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة، فقال أبو ذر: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، فكررها ثلاثاً فقال في الثالثة: وإن زنى وإن سرق وإن رغم أنف أبي ذر).
وهذا دليل على أنه يغفر له الزنا بالتوحيد الخالص، ولكن هذا سيأتي فيه الكلام لأهل العلم، وظاهره أن الأصل أن مرتكب الكبيرة تحت مشيئة الله إلا إذا تاب توبة نصوحاً، واستدل المؤلف ﵀ بهذه الأدلة على أن الحسنة قد يمحو الله بها الخطايا ولو مع الكبائر.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الثالث: أن قوله ﷺ لأهل بدر ونحوهم: (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) إن حمل على الصغائر أو على المغفرة مع التوبة لم يكن فرق بينهم وبين غيرهم، فكما لا يجوز حمل الحديث على الكفر لما قد علم أن الكفر لا يغفر إلا بالتوبة، لا يجوز حمله على مجرد الصغائر المكفرة باجتناب الكبائر].
هذا هو الجواب الثالث، وقد استدل المؤلف بالحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال لأهل بدر: (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)، وهذا حديث قدسي قاله الله تعالى في قصة حاطب: (وما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم).
وهذا الحديث فيه دليل على أن من شهد بدراً يغفر له ولو فعل الكبيرة.
فإذا قال قائل: إن المراد أن تغفر له الصغائر إذا تاب، فيقال: إذاً لا فرق بين أهل بدر وغيرهم، فكل واحد تغفر له الصغائر باجتناب الكبائر، وكل واحد يغفر له بالتوبة، ولا خصيصة بهذا لأهل بدر، فدل على أن المراد الكبيرة.
يقول المؤلف: فكما لا يجوز حمل الحديث على الكفر لا يجوز حمله على مجرد الصغائر، فلا يقول قائل إن قوله: (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) أي: غفرت لكم الكفر، فلا أحد يقول هذا؛ لأن الكفر لا يغفر إلا بالتوبة، فكذلك لا يقول قائل: إن المراد (اعملوا ما شئتم) الصغائر؛ لأن الصغائر مغفورة باجتناب الكبائر، فدل هذا على أن المراد الكبيرة.
وهذا يدل على أن هذه الحسنة وهي حضور بدر يمحو الله بها الكبائر؛ ولهذا قال المؤلف: فكما لا يجوز حمل الحديث على الكفر لما قد علم أن الكفر لا يغفر إلا بالتوبة لا يجوز حمله على مجرد الصغائر المكفرة في اجتناب الكبائر.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الرابع: أنه قد جاء في غير حديث أنه: (أول ما يحاسب عليه العبد من عمله يوم القيامة الصلاة، فإن أكملها وإلا قيل: انظروا هل له من تطوع؟ فإن كان له تطوع أكملت به الفريضة، ثم يصنع بسائر عمله كذلك)، ومعلوم أن ذلك النقص المكمل لا يكون لترك مستحب، فإن ترك المستحب لا يحتاج إلى جبران؛ ولأنه حينئذ لا فرق بين ذلك المستحب المتروك والمفعول فعلم أنه يكمل نقص الفرائض من التطوعات، وهذا لا ينافي ما ورد من أن الله لا يقبل النافلة حتى تؤدى الفريضة، مع أن هذا لو كان معارضاً للأول لوجب تقديم الأول؛ لأنه أثبت وأشهر، وهذا غريب رفعه، وإنما المعروف أنه في وصية أبي بكر ﵁ لـ عمر ﵁، وقد ذكره أحمد في رسالته في الصلاة.
وذلك لأن قبول النافلة يراد به الثواب، ومعلوم أنه لا يثاب على النافلة حتى تؤدى الفريضة، فإنه إذا فعل النافلة مع نقص الفريضة كانت جبراً له وإكمالاً لها فلم يكن فيها ثواب نافلة؛ ولهذا قال بعض السلف: النافلة لا تكون إلا لرسول الله ﷺ ؛ لأن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وغيره يحتاج إلى المغفرة، وتأول على هذا قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء:٧٩]، وليس إذا فعل نافلة وضيع فريضة تقوم النافلة مقام الفريضة مطلقاً، بل قد تكون عقوبته على ترك الفريضة أعظم من ثواب النافلة].
هذا هو الجواب الرابع وفيه يقول المؤلف أنه ورد في الحديث: (إن أول ما يحاسب عليه العبد من عمله يوم القيامة الصلاة، فإن أكملها وإلا قيل: انظروا هل له من تطوع -أي: نوافل- فإن كان له تطوع أكملت به الفريضة ثم يصنع بسائر عمله كذلك).
معنى الحديث: أن الإنسان أول ما يحاسب عليه من الأعمال التي بينه وبين الله الصلاة، وهذا لا ينافي الحديث الآخر: (إن أول ما يقضى بين الناس في الدماء)، ومعناه: أول ما يقضى بين الناس في الدماء فيما يتعلق بحقوق الناس، وأول ما يحاسب عنها العبد صلاته فيما يتعلق بالعبادات، فإن أكملها وصارت تامة وليس فيها نقص شيء من الواجبات ولا خلل فالحمد لله، وإلا قيل كما جاء في الحديث: (وإلا قال الرب: انظروا هل له من تطوع)، (فإن كان له تطوع) مثل: السنن الرواتب وصلاة الضحى وصلاة الليل أكملت بها الفريضة، (ثم يفعل بسائر عمله كذلك)، كزكاة الفريضة إن كانت كاملة فالحمد لله، وإن لم تكن كاملة وفيها نقص فإذا كان له صدقات يكمل بها الفريضة، وكذلك صيام رمضان إذا كان فيه نقص يكمل من صيام التطوع كصيام الإثنين والخميس، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وصيام ست من شوال، وصيام يوم التاسع والعاشر من شهر محرم، وهكذا سائر العمل.
المؤلف ﵀ يعلق على هذا الحديث فيقول: (ومعلوم أن ذلك النقص المكمل لا يكون لترك مستحب) أي: هذا النقص الحاصل في الصلاة أو في الزكاة والصوم، فلو كان ترك مستحباً كترك زيادة الدعاء بعد التشهد الأول، فلا نقول: إنه يكمل من النوافل؛ لأن المستحب لا يحتاج إلى جبران، إنما الذي يحتاج إلى جبران هو الواجب.
فإذاً: قول النبي ﷺ : (انظروا فإن أكملها وإلا قيل: انظروا هل له من تطوع)، المراد منه إذا أخل بشيء من الواجبات في الصلاة أو في الزكاة تكمل من النوافل، وإذا أخل بشيء من المستحبات فلا يكمل، ولا يعتبر نقصاً في الصلاة ولا في غيرها.
فتبين بهذا أن المراد بالحديث: (انظروا إن أكملها وإلا فانظروا هل له من تطوع)، أنه يجبر نقص الواجب فقط.
يقول المؤلف: و (لأنه حينئذ إذا ترك مستحباً أو فعل مستحباً لا فرق بين المتروك والمفعول؛ لأنه ليس بواجب، سواء فعله أو تركه، فلا يقال: إنه إذا ترك مستحباً يجبر به مستحب آخر، فعلم أنه يكمل نقص الفرائض من التطوعات).
إذاً: إذا نقص شيئ من الواجبات في الفرائض كمل من التطوعات، فإذا ترك واجباً من الصلاة كمل من التطوع، وإذا ترك واجباً من الزكاة كمل من الصدقات، وإذا ترك واجباً من صيام رمضان كمل من صيام النفل، وإذا ترك واجباً من الحج كمل من حج النفل، وهكذا.
وهذا لا ينافي حديث: (إن الله لا يقبل نافلة حتى تؤدى الفريضة) على فرض صحته.
يقول المؤلف ﵀: لو قيل: إن هذا الحديث يعارض هذا الحديث فإنه يجب تقديم الحديث الأول؛ لأنه أثبت وأشهر، والقاعدة عند أهل العلم: إذا تعارض حديثان فإن أمكن الجمع بينهما فلا يعدل عنه؛ لأنه عمل بالحديث من الجانبين، فإن لم يمكن ننظر التاريخ فإن عرفنا المتقدم أو المتأخر يكون المتأخر ناسخاً للمتقدم، فإن لم يعرف التاريخ ننظر إلى الترجيح، فإذا كان أحدهما أصح فهو مقدم على غيره، فإن لم يمكن الترجيح نتوقف.
يقول المؤلف: إن حديث (لا يقبل الله نافلة حتى تؤدى الفريضة) غريب رفعه إلى النبي ﷺ ، والمعروف أنه في وصية أبي بكر لـ عمر قال له: واعلم أنه لا تقبل نافلة حتى تؤدى الفريضة، وقد كتبها أبو بكر لـ عمر.
يقول المؤلف رحمه ا
стр. 267
شرح كتاب الإيمان الأوسط لابن تيمية [١٥]
رد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى على المعتزلة والخوارج الذين يخرجون العاصي من دائرة الإسلام ويخلدونه في النار بردود مقنعة للمنصف.
стр. 268
تابع أجوبة شيخ الإسلام عن الاعتراضات الواردة على دلالة محو الحسنات للسيئات على إسلام العاصي
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فإن قيل: العبد إذا نام عن صلاة أو نسيها كان عليه أن يصليها إذا ذكرها بالنص والإجماع، فلو كان لها بدل من التطوعات لم يجب القضاء، قيل: هذا خطأ.
فإن قيل: هذا يقال في جميع مسقطات العقاب، فيقال: إذا كان العبد يمكنه رفع العقوبة بالتوبة لم ينه عن الفعل، ومعلوم أن العبد عليه أن يفعل المأمور ويترك المحظور؛ لأن الإخلال بذلك سبب للذم والعقاب، وإن جاز مع إخلاله أن يرتفع العقاب بهذه الأسباب، كما عليه أن يحتمي من السموم القاتلة، وإن كان مع تناوله لها يمكن رفع ضررها بأسباب من الأدوية، والله عليم حكيم رحيم، أمرهم بما يصلحهم ونهاهم عما يفسدهم، ثم إذا وقعوا في أسباب الهلاك لم يؤيسهم من رحمته، بل جعل لهم أسباباً يتوصلون بها إلى رفع الضرر عنهم، ولهذا قيل: إن الفقيه كل الفقيه الذي لا يؤيس الناس من رحمة الله ولا يجرئهم على معاصي الله؛ ولهذا يؤمر العبد بالتوبة كلما أذنب.
قال بعضهم لشيخه: إني أذنبت، قال: تب، قال: ثم أعود، قال: تب، قال: ثم أعود، قال: تب، قال: إلى متى؟ قال: إلى أن تحزن الشيطان.
وفي المسند عن علي عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله يحب العبد المفتن التواب)].
стр. 269
الرد على القول بأن سقوط عقوبة الذنب بالحسنة مقيد باجتناب الكبائر
المؤلف ﵀ ذكر المرجحات التي تدل على أن المؤمن العاصي لا يخرج عن دائرة الإسلام لا بالمعصية ولا بالكبيرة، وأن النصوص التي وصفت بعض الناس بالإسلام ونفت عنهم الإيمان لا تدل على أنهم من المنافقين بل مضافة إلى الإيمان، واستدل على ذلك: بأن العقوبة على الذنب تسقط بعشرة أسباب، وذكر من هذه الأسباب ثلاثة: التوبة، والاستغفار، والحسنات الماحية.
ثم ذكر اعتراضاً على القول: بأن الحسنات تمحو السيئات، لما استدل بالنصوص: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود:١١٤]، و: (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر)، و: (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)، و: (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)، و: (من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه).
وهذه كلها حسنات ماحية تسقط بها عقوبة الذنب، وذكر الاعتراض من بعض الناس وقولهم: إن هذا إنما يكون إذا اجتنبت الكبائر؛ لأن الحديث مقيد: (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر).
فالحسنات الماحية إنما تخص الصغائر، أما الكبائر فلا بد لها من توبة؛ بدليل أنها قيدت باجتناب الكبائر: (إذا اجتنبت الكبائر)، في حديث: (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر)، وفي حديث الوضوء لما ذكر في الحديث أن الوضوء يكفر السيئات قال: (ما لم تصب المقتلة)، والمقتلة هي الكبيرة.
أجاب المؤلف ﵀ عن هذا الاعتراض بأجوبة: الجواب الأول: أن شرط اجتناب الكبائر إنما جاء في الفرائض خاصة: (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان)، وأما الأعمال الزائدة من التطوعات فلابد أن يكون لها ثواب آخر.
الجواب الثاني: أنه قد جاء التصريح في بعض النصوص بأن المغفرة تكون مع الكبيرة، كحديث: (غفر له وإن فر من الزحف)، وحديث الرجل الذي أوجب، أي: فعل ذنباً أوجب له النار قال: (اعتقوا عنه يعتق الله عنه بكل عضو منه عضواً من النار)، وحديث أبي ذر: (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وإن سرق)، فهذه كبائر.
الثالث: حديث حاطب بن أبي بلتعة لما كاتب المشركين فقال عمر: (دعني أضرب عنقه، قال: وما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)، فهذه كبيرة، وسماها الله تولياً، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة:١].
الجواب الرابع: أنه جاء في الحديث: (أن أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة من عمله صلاته فإن أكملها وإلا قيل: انظروا هل له من تطوع، فإن كان له تطوع أكملت به الفرائض)، وهذه التطوعات التي تكمل النقص في الفرائض تكمل الواجب ولا تكمل المستحب، فالمستحب إذا ترك لا يحتاج إلى جبران، وهذا يدل على أنه ترك واجباً من واجبات الصلاة فتجبره النوافل، فدل على أن النوافل لها شأن، وأن الحسنات من التطوعات والأعمال الخيرية يجبر الله بها الواجبات في الصلاة، وكذلك الزكاة والصوم والحج.
ثم ذكر المؤلف اعتراضاً على هذا، وهو: إن الصلاة إذا نقص شيء من واجباتها كمل هذا الواجب من النوافل، واعترض على ذلك؛ لأن العبد إذا نام عن الصلاة أو نسيها فإنه جاء في الحديث: (من نام عن الصلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها)، فلو كان لها بدل من التطوعات ما وجب عليه القضاء، ولو كانت التطوعات تكفي عن الواجبات لكان من نام عن الصلاة أو نسيها نقول له: صل بدلها تطوعات، ولهذا قال المؤلف: قيل هذا خطأ، كونه يترك الفريضة كاملة اكتفاء ببدلها من التطوعات، وإنما هذه تطوعات يكمل بها النقص الذي يحصل في الصلاة، لا أن التطوعات تكفي عن الصلاة.
стр. 270
وجوب الابتعاد عن المعاصي والتحذير من الوقوع فيها بنية التوبة
ثم ذكر اعتراضاً آخر فقال: فإن قيل: هذا يقال في جميع مسقطات العقاب، فيقال: إذا كان العبد يمكنه رفع العقوبة بالتوبة لم ينه عن الفعل، وإذا كان الإنسان يمكن أن ترفع عنه عقوبة الذنب بشيء من المسقطات نقول له: لا تفعل هذا الواجب ويكفيك التوبة مثلاً، أو يكفيك الاستغفار، أو تكفيك الحسنات الماحية ما دام أن الحسنات تسقط بها عقوبة ترك الوجبات.
فيقال: إذا كان العبد يمكنه رفع العقوبة بالتوبة فليس معنى ذلك أنه ينهى عن الفعل ويقال له: لا تفعل الواجبات اكتفاء بالتوبة أو بالاستغفار والحسنات؛ لأن المسلم مأمور بأن يفعل المأمور ويترك المحظور؛ ولأن ترك الواجب وفعل المحرم سبب للعقوبة، فكون الإنسان يترك الواجب أو يفعل المحرم يتسبب في عقوبته ويتسبب في ذمه، وإن كان يجوز أن تسقط عنه هذه العقوبة بمسقط من المسقطات وهي التوبة، أو الاستغفار، أو الحسنات الماحية، أو دعاء المؤمنين والصدقات، أو غير ذلك، فليس معنى ذلك: أن الإنسان يترك الواجب اكتفاء بالمسقط؛ لأن الإنسان المسلم مكلف بفعل الأوامر وترك النواهي، وإذا ترك الأوامر أو فعل النواهي فقد عرض نفسه للعقوبة؛ ولأنه قد لا يوفق لمسقط من مسقطات العقوبة، وإن كان يجوز أن تسقط عنه العقوبة لسبب من الأسباب، ومثله من يحتمي من السموم القاتلة، وإن كان مع تناوله لها يمكن رفع ضررها بأسباب من الأدوية.
فنقول للإنسان: اتق السموم القاتلة، ولا تأكل السم؛ لأن السم يقتلك فلا تتناوله، وإن كان يجوز إذا تناول سماً قاتلاً أن يأتي بأدوية ترفع هذا السم فلا يموت.
وهذا مثل من يقول: أنا أترك الواجب أو أفعل المحرم اكتفاء بأني أفعل ما يسقط هذه العقوبة عني، فنقول: يمكن أن تجد أدوية ترفع هذه السموم ويمكن ألا تجد، ثم كون الإنسان يكون سليماً من السم ليس كمن أكل السم أو تناول السم ثم أتى بشيء يرفعه فارتفع، فالأول أكمل حالاً وأحسن، وقد لا يوفق الإنسان لأدوية ترفع السم، كما أن الإنسان مأمور بفعل الأوامر وترك النواهي، فإذا ترك الأوامر أو فعل النواهي تسبب في العقوبة، وقد تسقط العقوبة بسبب من الأسباب لكن قد لا يوفق لمسقط للعقوبة؛ ولهذا قال المؤلف ﵀: (لأن الإخلال بفعل الواجبات وترك المحرمات سبب للذنب والعقاب وإن جاز مع إخلاله أن يرتفع العقاب بهذه الأسباب، كما عليه أن يحتمي من السموم القاتلة وإن كان مع تناوله لها يمكن رفع ضررها بأسباب من الأدوية، والله عليم حكيم رحيم، أمرهم -أي: أمر العباد- بما يصلحهم ونهاهم عما يفسدهم)، فالأوامر فيها صلاح للناس، والنواهي فيها سبب لفسادهم وسلب أحوالهم في الدنيا والآخرة، ثم إذا وقعوا في أسباب الهلاك لم يؤيسهم من رحمته ، فمن زلت به القدم بفعل الكبيرة أو المعصية أو ترك الواجب لم يؤيسه الله من رحمته، بل جعل لهم أسباباً يتوصلون بها إلى رفع الضرر عنهم، فأمر العباد بما فيه صلاحهم وهو فعل الواجبات، ونهاهم عما فيه ضررهم وهو المحرمات، فيجب على المسلم أن يجاهد نفسه حتى يمتثل الأوامر ويجتنب النواهي، فإذا زلت به القدم وترك الواجب أو فعل المحرم فالله تعالى لا يؤيسه من رحمته، بل جعل أسباباً إذا فعلها سقطت هذه العقوبة، وكمل الواجب الذي أخل به، ورفعت العقوبة عن المحرم الذي فعله؛ ولهذا قيل: إن الفقيه كل الفقيه الذي لا يؤيس الناس من رحمة الله ولا يجرئهم على معاصيه، فلا يقول: إن من فعل المعصية أو الكبيرة هالك ولا حيلة له، كما تقول الخوارج إن من فعل الكبيرة كفر وخلد في النار، بل يقول: إن الله جعل أسباباً ترفع العقوبة، فتب إلى الله من هذه المعصية، واستغفر، وافعل الحسنات، وهو كذلك لا يجرئهم على معاصي الله، فلا يقول: الأمر سهل وبسيط، ترك الواجب سهل، فعل المحرم سهل، التوبة تكفي والاستغفار يكفي، فلا نجرئ الناس على معاصي الله ولا نؤيسهم من رحمة الله.
стр. 271
الأمر بتجديد التوبة مع كل ذنب
يقول المؤلف ﵀: (ولهذا يؤمر العبد بالتوبة كلما أذنب)، والتوبة تكون صحيحة من الذنب إذا وجدت الشروط الثمانية التي سبقت، فإذا وجدت الشروط فالتوبة صحيحة مقبولة يمحو الله بها الذنب، فإذا بلي بالذنب مرة أخرى يؤمر بالتوبة، فتكون التوبة محت الذنب السابق والذنب الجديد يحتاج إلى توبة، فإذا تاب توبة نصوحاً بشروطها الثمانية محت هذه التوبة الذنب، فإذا بلي بالذنب مرة ثالثة عليه أن يتوب وهكذا، ولهذا قال بعضهم لشيخه: إني أذنب، قال: تب، قال: ثم أعود، قال: تب، قال: ثم أعود، قال: تب، قال: إلى متى؟ قال: إلى أن تحزن الشيطان، أي: استمر.
وهذا كما جاء في الحديث الذي مر بنا لما وقع العبد في الذنب قال: (إني أذنبت ذنباً فتب علي يا رب، فقال الله: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ، قد غفرت لك، ثم أذنب فقال: رب أذنبت، فقال: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به)، وهكذا ثم قال في آخر الحديث: (فليفعل ما شاء) أي: أنه كلما أذنب تاب، والمعنى: أن التوبة مقبولة إذا تاب توبة نصوحاً، وليس معنى ذلك: أنه أذن له بالمعاصي.
قول المؤلف: (وفي المسند عن علي ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله يحب العبد المفتن التواب) في بعض الألفاظ بدل المفتن: المفتقر، هذا الحديث فيه كلام لأهل العلم، قيل بضعفه، وقيل: إن إسناده ضعيف، وقيل: إن في إسناده راوياً لم يسم، وهو ضعيف جداً؛ لكن المؤلف ﵀ ذكره لشواهده، ومن شواهده قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢].
وهو في المسند وهو من زيادات عبد الله، وقال الشيخ أحمد شاكر ﵀: إسناده ضعيف جداً، ورواه أبو يعلى في مسنده، والحديث ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد، وقال: رواه عبد الله وأبو يعلى وفيه من لم أعرفه، ولفظه: (إن الله يحب العبد المؤمن المفتن التواب)، والمفتن بفتح التاء المشددة: هو الذي يفتن ويمتحن بالذنوب، ورواه في الحلية بلفظ: المفتقر بدل المفتن.
وعلى كل حال: الحديث وإن كان ضعيفاً لكن له شواهد من القرآن ومن السنة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢].
نعم.
стр. 272
جواب آخر على القول بأن الحسنات الماحية تكفر الذنوب بشرط اجتناب الكبائر
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأيضاً: من نام عن صلاة أو نسيها فصلاته إذا استيقظ أو ذكرها كفارة لها تبرأ بها الذمة من المطالبة، ويرتفع عنه الذم والعقاب ويستوجب بذلك المدح والثواب، وأما ما يفعله من التطوعات فلا نعلم القدر الذي يقوم ثوابه مقام ذلك، ولو علم فقد لا يمكن فعله مع سائر الواجبات، ثم إذا قدر أنه أمر بما يقوم مقام ذلك صار واجباً فلا يكون تطوعاً، والتطوعات شرعت لمزيد التقرب إلى الله تعالى، كما قال تعالى في الحديث الصحيح: (ما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه) الحديث.
فإذا لم يكن العبد قد أدى الفرائض كما أمر لم يحصل له مقصود النوافل ولا يظلمه الله، فإنه تعالى لا يظلم مثقال ذرة بل يقيمها مقام نظيرها من الفرائض، كمن عليه ديون لأناس يريدون أن يتطوع لهم بأشياء، فإن وفاهم وتطوع لهم كان عادلاً محسناً، وإن وفاهم ولم يتطوع كان عادلاً، وإن أعطاهم ما يقوم مقام دينهم وجعل ذلك تطوعاً كان غالطاً في جعله تطوعاً، بل يكون من الواجب الذي يستحقونه].
هذا أيضاً جواب آخر عن الاعتراض، الجواب الأول: أنه وإن كانت له استطاعة على الذنب فإن الإنسان مأمور بأداء الواجبات وترك المحرمات، ولا يكلف بترك الواجب أو بفعل المحرم لاعتماده على أن له ما يمحوه.
وجاء الجواب الثاني عن هذا الاعتراض: وهو أنه قد ثبت في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك)، فبين النبي ﷺ أن صلاة الإنسان عندما يستيقظ من النوم بدون اختياره ومن النوم الذي يكون معذوراً فيه كمن يجعل أسباباً توقظه كمنبه الساعة أو بعض أهله، فهذا معذور، ومتى استيقظ صلى، فهذا عمل بأسباب يريد أن يصلي الفرض في وقته فإذا نام مبكراً، وجعل أسباباً توقظه، لكن فاته الفرض دون اختياره، أما إنسان لا ينام إلا متأخراً أو يؤقت الساعة على موعد العمل ويستيقظ مرة واحدة لصلاته وفطوره، فهذا ليس بمعذور، فهو تعمد ترك الصلاة؛ ولهذا لما نام النبي ﷺ في بعض أسفاره قال: (من يكلؤ لنا الصبح؟ قال بلال: أنا)، فالتزم بذلك، فنام النبي ﷺ ، فلابد أن تجعل لك أسباباً توقظك، وصاحب النوم قد يكون معذوراً وقد لا يكون معذوراً، فالمعذور الذي يجعل له أسباباً توقظه: كأن يكلم بعض إخوانه أو أهله يوقظونه أو جيرانه، أو يوقت الساعة أو الجوال حتى ينتبه، وشخص لا يريد أن يصلي، فيوقت الساعة على العمل، ويستقيظ مرة واحدة لصلاته وفطوره، فهذا متعمد للتأخير، وهذا يكون مرتداً إذا كانت هذه عادته، نعوذ بالله.
ومن أخر الصلاة عن وقتها بعذر فكفارتها أن يصليها وقت ما يذكر، وكذلك الناسي؛ لأن الإنسان يعذر بالنوم والنسيان، فحديث: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها) بين النبي ﷺ أن كفارة الصلاة التي أخرت عن وقتها بالنوم أو بالنسيان أن يصليها حال استيقاظه وحال تذكره، وتبرأ بها الذمة فلا يطالب بها يوم القيامة، فلا يقال: صليت في غير وقتها، ويرتفع عنه الذم والعقاب، لا يذم شرعاً ولا عقلاً، وليس عليه عقوبة، ويستوجب بذلك المدح والثواب؛ لأنه أدى الفريضة بقدر استطاعته.
لكن الشخص الذي يترك الفريضة ويقول: أنا أفعل تطوعاً وحسنات تمحوها، نقول له: أولاً: إنك لا تعلم القدر الذي يقوم مقام ثواب الفريضة، ولو قدر لك أن تعلم قد لا يمكنك أن تفعله مع الواجبات، ثم لو قدر أنه أمر بتطوع يقوم مقام الفريضة نقول: صار هذا التطوع واجباً، وانتقل من كونه تطوعاً إلى كونه واجباً، أما التطوع فإنه شرع لزيادة القربة إلى الله، كما قال الله تعالى في الحديث القدسي الصحيح: (وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه).
إذاً: التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض من أسباب محبة الله.
قول المؤلف ﵀: (فإذا لم يكن العبد قد أدى الفرائض كما أمر لم يحصل له مقصود النوافل)؛ لأن الإنسان يطالب أولاً بالفرائض، ثم بعد ذلك يأتي بالنوافل فيكون من أحباب الله، لكن إذا لم يكن أدى الفريضة كيف يقال: أنه يأتي بالنوافل؟! والذي أخل بالواجبات لا يقال: إنه يأتي بالنوافل، ولكن عليه أولاً أن يكمل الواجب، ثم يأتي بالنوافل، وذمته مشغولة بالواجب، فإذا فعل تطوعاً نقول: هذا التطوع يسمى فرضاً وليس تطوعاً، ولا يكون له تطوع إلا إذا كمل الفرض.
فإذا لم يكن العبد قد أدى الفرائض كما أمر لم يحصل له مقصود النوافل ولا يظلمه الله، فإن الله لا يظلم مثقال ذرة، بل يقيمها مقام نظيرها من الفرائض.
أي: إذا أخل الإنسان أخل مثلاً بواجب من واجبات الصلاة ثم صلى النوافل، لا يكتب له النوافل، ونقول له: ذمتك مشغولة بترك الواجب، والله لا يظلمك مثقال ذرة، فالله تعالى يثمن النقص الذي حصل في فريضتك من هذه النوافل، فإذا كملت الفريضة وتمت ثم تطوعت كتب لك ثوابها.
ومثال ذلك: شخص ذمته مشغولة لشخص بألف ريال، فإذا أعطاه ألف ريال فهو عادل وإن أعطاه زيادة بدون شرط صار عادلاً محسناً، فإذا قال له: لك عندي ألف ريال لكن سأعطيك ألف ريال صدقة؛ لأنه فقير، وأوفيك الدين بعد ذلك، يقال له: كيف تتصدق عليه وذمتك مشغولة بالواجب؟! فعليك أن تجعل هذه الصدقة هي الدين الواجب، فأد الواجب ثم بعد ذلك تطوع.
كذلك الإنسان الذي يريد أن يتنفل وذمته مشغولة بالواجب نقول له: أولاً كمل الواجب، فإذا نقص الواجب يكمل من النوافل؛ ولذلك قال المؤلف ﵀: (فإن الله لا يظلم مثقال ذرة بل يقيمها) أي: يقيم النوافل مقام نظيرها من الفرائض، كمن عليه ديون لأناس يريد أن يتطوع لهم بأشياء فإن وفاهم وتطوع وأعطاهم الزيادة كان عادلاً محسناً، وإن وفاهم ولم يتطوع ولم يعطهم زيادة كان عادلاً، وإن أعطاهم ما يقوم مقام دينهم وجعل ذلك تطوعاً كان غالطاً في جعله تطوعاً، بل يكون من الواجب الذي يستحقه صاحبه، فإن قال المدين: شخص له عندي ألف ريال وأنا أريد أن أتصدق عليه بألف ريال، نقول: هذا غلط منك، فاجعل هذه الصدقة هي قضاء الدين.
وبهذا يتبين أن الإنسان إذا أخل ببعض الواجبات ثم تطوع فالتطوع يكمل به الواجب، ولا يعطى ثواب النوافل، وإنما يكمل الواجب الذي عليه.
стр. 273
بطلان مذهب المعتزلة في التوحيد والعدل
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ومن العجب أن المعتزلة يفتخرون بأنهم أهل التوحيد والعدل وهم في توحيدهم نفوا الصفات نفياً يستلزم التعطيل والإشراك، وأما العدل الذي وصف الله به فهو ألا يظلم مثقال ذرة، وأنه من يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره، وهم يجعلون جميع حسنات العبد وإيمانه حابطاً بذنب من الكبائر، وهذا من الظلم الذي نزه الله تعالى نفسه عنه، فكان وصف الرب تعالى بالعدل الذي وصف به نفسه أولى من جعل العدل هو التكذيب بقدر الله تعالى].
من العجب أن المعتزلة يفتخرون بأنهم أهل التوحيد والعدل، والمعتزلة عندهم في أصول الدين خلط، وكل أصل ستروا تحته معنى باطلاً، وعند أهل السنة أصول الإيمان: الإيمان بالله، والإيمان بالملائكة، والإيمان بالكتب، والإيمان بالرسل، والإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالقدر خيره وشره.
وبدلاً من أصول الدين عند أهل السنة ألغى المعتزلة هذه الأصول وأحدثوا أصولاً لهم، فأصول الدين عند المعتزلة: التوحيد، والعدل، والمنزلة بين المنزلتين، وإنفاذ الوعيد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وكل أصل من هذه الأصول ستروا تحته معنى باطلاً، فالتوحيد ستروا تحته: نفي الصفات، والقول بخلق القرآن، وأن الله تعالى لا يرى في الآخرة، فمعنى التوحيد عندهم نفي الصفات، ومن أثبت الصفات كان مشركاً؛ لأنه شبه الله بخلقه، ومن أثبت أن القرآن كلام الله وأن الله يرى في الآخرة فهو مشرك عند المعتزلة.
والعدل ستروا تحته: التكذيب بالقدر، والقول بأن الله لا يخلق المعاصي ولا يعذب عليها إلا أن يكون ظالماً.
وفي المنزلة بل المنزلتين قالوا: مرتكب الكبيرة خرج من الإيمان ولم يدخل في الكفر، فهو في منزلة بين الإيمان والكفر.
وإنفاذ الوعيد قالوا: مرتكب الكبيرة لابد أن ينفذ الله فيه الوعيد ويخلده في النار.
والأمر بالمعروف ستروا تحته إلزام الناس بآرائهم واجتهاداتهم الباطلة، والنهي عن المنكر ستروا تحته: الخروج على ولاة الأمور بالمعاصي والظلم، فهذه أصول المعتزلة.
ومن العجب أنهم يقولون: نحن أهل التوحيد والعدل، ويفتخرون بذلك، وهم ينفون الصفات، ويكذبون بالقدر.
المؤلف ﵀ يقول: ومن العجب أن المعتزلة يفتخرون بأنهم أهل التوحيد والعدل، وهم في توحيدهم نفوا الصفات نفياً يستلزم التعطيل، قالوا: إن الله ليس له سمع ولا بصر ولا علم ولا قدرة ولا رحمة ولا صوت ولا هو فوق ولا تحت، فعطلوا الرب، بل إن الشيء الذي ليس له اسم ولا صفة لا يوجد إلا في الذهن، وبذلك شبهوا الله بالمعدوم فأشركوا، فصار توحيدهم يستلزم التعطيل والإشراك.
وأما العدل فإنهم يقولون: العدل معناه القول بأن أفعال العباد هم الذين خلقوها، والله تعالى لا يقدر على خلقها، فالعباد خلقوا الطاعات والمعاصي، ولهذا يستحقون الثواب على الله كما يستحق الأجير أجرته، ويجب على الله أن ينفذ الوعيد في العاصي ولا يغفر له ولا يرحمه.
وأما وجوب إنفاذ الوعيد: فهم يرون وجوب تخليد العصاة في النار، يقولون: العدل منه أنه لا يخلف وعيده، ويجب على الله أن يجازي المطيع؛ لأنه هو الذي خلق فعله، والعبد إذا فعل الكبيرة حبط إيمانه وخرج من الإيمان، وهذا ليس بعدل بل هو ظلم.
وذكر المؤلف أن العدل الذي وصف الله به نفسه هو أنه لا يظلم مثقال ذرة وأن من ﴿يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨]، فلا يمنع أحداً من ثواب حسناته، ولا يحمل أحداً أوزار غيره، فلا يظلم مثقال ذرة، بل من عمل أي عمل ولو مثقال ذرة من الخير يجده أو من الشر يجده، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨].
وهم -أي: المعتزلة- يجعلون جميع حسنات العبد وإيمانه حابطاً بذنب واحد من الكبائر، ويقولون: إذا زنى أو سرق أو شرب الخمر أو تعامل بالربا حبط العمل كله، وخرج من دائرة الإيمان، وخلد في النار، وهذا ظلم نزه الله نفسه عنه؛ فكان وصف الرب سبحانه بالعدل الذي وصف به نفسه أولى من جعل العدل هو التكذيب بقدر الله.
وذلك أن الله تعالى نزه نفسه عن الظلم، والظلم الذي نزه الله نفسه عنه هو وضع الشيء في غير موضعه؛ بأن يمنع أحداً من ثوابه لحسناته أو يحمله أوزار غيره، وهم جعلوا العدل التكذيب بالقدر، والقول بأن الله لا يخلق أفعال العباد، وأن العباد هم الذين خلقوا أفعالهم من طاعات أو معاص، ويوجبون على الله أن يثيب المطيع، وأن يعذب العاصي، فالله أولى بوصف العدل الذي وصف به نفسه وهو أن لا يحرم أحداً من ثوابه أو يحمله وزر غيره.
стр. 274
جواب آخر على القول بأن الحسنات الماحية لا تسقط عقوبة الذنب بشرط اجتناب الكبائر
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الخامس: إن الله لم يجعل شيئاً يحبط جميع الحسنات إلا الكفر، كما أنه لم يجعل شيئاً يحبط جميع السيئات إلا التوبة، والمعتزلة مع الخوارج يجعلون الكبائر محبطة لجميع الحسنات حتى الإيمان، قال الله تعالى ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢١٧] فعلق الحبوط بالموت على الكفر، وقد ثبت أن هذا ليس بكافر، والمعلق بشرط يعدم عند عدمه، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة:٥]، وقال تعالى لما ذكر الأنبياء: ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:٨٧ - ٨٨]، وقال تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥]، مطابق لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨]، فإن الإشراك إذا لم يغفر وأنه موجب للخلود في النار لزم من ذلك حبوط حسنات صاحبه.
ولما ذكر سائر الذنوب غير الكفر لم يعلق بها حبوط جميع الأعمال.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٢٨]؛ لأن ذلك كفر، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات:٢]؛ لأن ذلك قد يتضمن الكفر فيقتضي الحبوط وصاحبه لا يدري، والمعنى: كراهية أن يحبط أو خشية أن يحبط، فنهاهم عن ذلك لأنه يفضي إلى الكفر المقتضي للحبوط، ولا ريب أن المعصية قد تكون سبباً للكفر، كما قال بعض السلف ﵏: المعاصي بريد الكفر، فينهى عنها خشية أن تفضي إلى الكفر المحبط، كما قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ [النور:٦٣] وهي الكفر، ﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣]، وإبليس خالف أمر الله فصار كافراً وغيره أصابه عذاب أليم].
هذا هو الجواب الخامس من الأجوبة على الاعتراض على مسقط من مسقطات العقوبة، وهي الحسنة الماحية، والاعتراض هو: أن هذه الحسنات الماحية إنما تكون ماحية للصغائر دون الكبائر.
فالجواب الخامس: أن الله لم يجعل شيئاً يحبط جميع الحسنات إلا الكفر، كما أنه لم يجعل شيئاً يحبط جميع السيئات إلا التوبة، وإذا فعل الكفر بطلت جميع الأعمال، وإذا مات على الكفر والعياذ بالله خلد في النار، لكن إذا فعل المعصية: كما إذا عق والديه، أو قطع رحمه، أو تعامل بالربا وهو يعلم أنه حرام، لا نقول له: بطلت صلاتك وصومك وحجك، لكن إذا دعا غير الله وذبح لغير الله ومات على ذلك بطلت جميع الأعمال.
فالله تعالى لم يجعل شيئاً يحبط جميع الحسنات إلا الكفر، كما أنه لم يجعل شيئاً يحبط جميع السيئات إلا التوبة، حتى الكفر، فإذا تاب توبة نصوحاً من الشرك أو الكفر أو الزنا أو السرقة أو عقوق الوالدين أو التعامل بالربا بشروطها الثمانية فالتوبة تجب ما قبلها، وتزيل جميع المعاصي، كما أن الكفر يزيل جميع الحسنات.
والمعتزلة مع الخوارج يخالفون النصوص، ويجعلون الكبيرة محبطة لجميع الحسنات حتى الإيمان، ويقولون: إذا زنا أو سرق أو شرب الخمر أو عق والديه أو تعامل بالربا بطلت جميع الأعمال حتى الإيمان، فخرج من الإيمان وخرج من الإسلام وبطلت جميع أعماله، وصار مخلداً في النار.
وهذا من أبطل الباطل؛ لأن الله تعالى بين في كتابه أن الذي يحبط الأعمال الكفر والشرك لا المعاصي، وبشرط: أن يموت على الكفر، فإذا منّ الله عليه بالإسلام لا تحبط أعماله بل تبقى له يخرجها الإيمان، فإن مات على الكفر بطلت جميع الأعمال، والدليل قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢١٧]، ووجه الدلالة قوله: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ [البقرة:٢١٧]، فعلق الحبوط بالموت على الكفر.
وقد ثبت أن مرتكب الكبيرة ليس بكافر، والمعلق بشرط يعدم عند عدمه، وحبوط العمل معلق بشرط وهو الموت على الكفر، فإذا لم يمت على الكفر بعد عن حبوط العمل.
ومن الأدلة على أن الكفر يحبط الأعمال قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة:٥]، ومنها: قوله تعالى لما ذكر الأنبياء: ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ﴾ [الأنعام:٨٧] إلى قوله: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:٨٨].
ومن الأدلة على أن الشرك يحبط الأعمال قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥].
إذاً: الشرك يحبط الأعمال إذا مات على الكفر، وهو مطابق لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨]، فالشرك لا يغفر أبداً إذا مات صاحبه عليه، فإن الشرك إذا لم يغفر موجب للخلود في النار ويلزم من ذلك حبوط الحسنات وصاحبها، ولما ذكر الله سائر الذنوب غير الكفر لم يعلق بها حبوط جميع الأعمال.
أما قول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٢٨]، فلأن ذلك كفر، ومن كره شيئاً مما جاء عن الله وعن رسوله حبط عمله، وهو ردة وكفر، فمن كره التشريع الذي أنزله الله في كتابه أو أنزله على رسوله حبط عمله بردته نعوذ بالله.
وأما قول الله تعالى: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات:٢]، هذا قد يتضمن الكفر الذي يقتضي الحبوط وصاحبه لا يدري، والذي يرفع صوته فوق صوت النبي قد يحبط عمله وقد لا يحبط.
فإذاً: نهي عن رفع الصوت خشية أن يؤدي إلى حبوط العمل، فنهاهم الله عن رفع الصوت؛ لئلا يفضي إلى الكفر الذي يقتضي الحبوط، ولا ريب أن المعصية قد تكون سبباً للكفر، كما قال بعض السلف: المعاصي بريد الكفر، فينهى عن المعصية خشية أن تفضي إلى الكفر المحبط، كما قال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣]، فهذا تخويف، للذي يخالف أمر الله وعليه أن يحذر، وقوله: ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ [النور:٦٣] هو الشرك، ولهذا قال بعضهم: أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، ولعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الفتنة فيهلك، وإبليس خالف أمر الله فصار كافراً، وغيره خالف أمر الله فأصابه عذاب أليم.
إذاً: الذي يخالف أمر الله قد يكون كافراً كإبليس، وقد يكون عاصياً يعرض نفسه للعذاب الأليم كالعاصي.
стр. 275
الأسئلة
стр. 276
الفرق بين التوبة والاستغفار
السؤال
ما الفرق بين التوبة والاستغفار؟
الجواب
التوبة عرفنا أن معناها: الرجوع إلى الله من الذنب الذي حصل منه بشروطه الثمانية، والاستغفار طلب المغفرة.
стр. 277
الذكر بعد الأذان
السؤال
ما هو الذكر الذي يقال بعد الأذان؟
الجواب
الذكر الذي يقال بعد الأذان أولاً: الصلاة على النبي ﷺ ، ثم يقال: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، كما جاء في الحديث أنه قيل لرسول الله ﷺ : (يا رسول الله! إن المؤذنين يغبنوننا -أي: يحصلون على الأجر- فقال: من سمع المؤذن ثم قال مثل قوله، ثم صلى عليَّ، وقال: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة، حصل له مثل ما يحصل للمؤذن)، وكذلك أيضاً في الحديث: (إلا حلت له شفاعتي يوم القيامة).
стр. 278
حكم توبة المريض مرض الموت
السؤال
هل المصاب بمرض خطير ومصيره في الغالب إلى الموت إذا تاب تاب الله عليه، أم يكون حكمه حكم من بلغت روحه الحلقوم؟
الجواب
المريض ولو في مرض الموت تصح منه التوبة ما لم تصل الروح إلى الحلقوم؛ ولهذا ذكر العلماء أن المريض إذا حضره الموت يذكر بالتوبة ويذكر بالشهادة، فإنها تنفعه، ولا يقال له: قل: لا إله إلا الله، حتى لا يضجر ويرفض، بل يقال عنده: لا إله إلا الله، أمامه حتى يتذكر فيقولها.
فإذا قالها سكت، فإن تكلم بشيء من كلام الدنيا أعاد وقال: لا إله إلا الله.
كذلك ذكر العلماء أن من قرب موته يذكر بالتوبة فإنها تنفعه، مثل شخص سيقام عليه الحد قصاصاً فيذكر بالتوبة وبالاستغفار، ولو كان يعلم أنه سيقام عليه الحد عن قريب، فيذكر بالتوبة والاستغفار فإنها تنفعه ما لم تصل الروح إلى الحلقوم، يقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر)، فإذا سيقت الروح من الجسد ووصلت إلى الحلقوم انتهى الأمر، وكشف للإنسان عن المستقبل وصار الغيب شهادة، وعاين الملائكة؛ فلا توبة حينئذ.
стр. 279
حكم توبة من نوى قبل فعل الذنب التوبة بعد فعله
السؤال
هل تقبل توبة من فعل ذنباً ونوى قبل فعله للذنب أن يتوب بعد فعله؟
الجواب
إذا وجدت الشروط الثمانية بعد الذنب فهي صحيحة، وإذا اختل شرط منها فلا.
стр. 280
وقت أذكار الصباح والمساء
السؤال
متى تقال أذكار الصباح والمساء على الصحيح من أقوال العلماء؟
الجواب
أذكار الصباح بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس، وأذكار المساء بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس، قال الله تعالى: ﴿َسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه:١٣٠] ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ [ق:٤٠]، ذكر هذا أهل العلم، وذكر هذا العلامة ابن القيم في الوابل الصيب، ولكن سماحة شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز رحمة الله عليه يرى أن الأمر واسع، وأنه إذا فاته بعد العصر فله أن يأتي بالذكر بعد المغرب والعشاء، وكذلك في أذكار الصباح إذا فاتته له أن يأتي بالأذكار إلى الظهر.
стр. 281
الطريقة الصحيحة في رد المحكم إلى المتشابه
السؤال
هل الأحاديث فيها من المحكم والمتشابه كما في القرآن الكريم؟ وإذا كان كذلك فلماذا تؤول؟
الجواب
النصوص من السنة والقرآن فيها محكم وفيها متشابه، وكذلك أقوال أهل العلم، والقاعدة عند أهل العلم: أن المتشابه يرد إلى المحكم، ويوضح فيتضح، وأما أهل الزيغ فإنهم يأخذون بالمتشابه ويتركون المحكم.
مثال ذلك: النصوص التي أثبت الله فيها علوه على خلقه كثيرة لا حصر لها، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يونس:٣] في سبعة مواضع، وقال : ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وكل نص فيه إثبات العلو، وكل نص فيه الرفع قال تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء:١٥٨]، وكل نص فيه الصعود: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر:١٠]، والتنزيل: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الزمر:١]، وأفراد هذه الأدلة تزيد ثلاثة آلاف، وجاء في النصوص الأخرى ما يدل على المعية كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤] وقوله: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠]، فأهل الزيغ من أهل البدع من الجهمية والمعتزلة والمعطلة تعلقوا بالمتشابه، وعارضوا النصوص وضربوا بعضها ببعض، وقالوا: إن نصوص المعية تبطل نصوص العلو والفوقية، وقالوا: إن الله مشترك بين مخلوقاته، وإنه مع الخلق في كل مكان.
تعالى الله عما يقولون! أما أهل الحق فإنهم ردوا المتشابه إلى المحكم، وعملوا بالنصوص من الجانبين، وقالوا: إنه لا معارضة بين النصوص، وليس معنى المعية الاختلاط والاهتزاز، فإن المعية في لغة العرب لمطلق المصاحبة، والمصاحبة لا تقتضي الاختلاط، والعرب تقول: ما زلنا نسير والقمر معنا، وما زلنا نسير والنجم معنا، ويقال: فلان المتاع معه، وإن كان فوق رأسه، ويقال: فلان زوجته معه وإن كانت في المشرق وهو في المغرب، فالمعية لا تقتضي المصاحبة، ولها معان على حسب متعلقها.
فالمقصود: أن النصوص المحكمة والمتشابهة في الكتاب أو في السنة أو في أقوال أهل العلم ترد إلى نصوص المحكم وتفسر بها.
أما أهل الزيغ فإنهم يتعلقون بالمتشابه ويتركون المحكم، قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧].
стр. 282
المراد بأهل القبلة ودخول المنافقين فيهم
السؤال
ما المراد بأهل القبلة؟ وهل الرافضة يعدون منهم؟
الجواب
المراد بأهل القبلة كل من اتجه إلى القبلة في الصلاة وفي الذكر وفي الذبح، وأهل القبلة لا يكفرون عند أهل السنة والجماعة إلا إذا ثبت عليهم مكفر، وإلا فالأصل أن أهل القبلة يحكم عليهم بالإسلام، ومن أهل القبلة المنافقون الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر فإنهم يعاملون معاملة المسلمين في النكاح وغيره، إلا من أظهر منهم النفاق فإنه يقتل؛ ولهذا كان النبي ﷺ يعامل عبد الله بن أبي رئيس المنافقين وغيره من المنافقين معاملة المسلمين في جميع الأحداث.
ولهذا لما مات عبد الله بن أبي رئيس المنافقين ووضع في حفرته: (جاءه النبي ﷺ -كما ثبت في صحيح البخاري - واستخرجه من حفرته، ونفث فيه من ريقه، وألبسه قميصه).
ولما أراد أن يصلي عليه أخذ عمر بن الخطاب ثوبه وجره وقال: يا رسول الله أتصلي على منافق؟ فقال النبي ﷺ : (أخر عني يا عمر، فإني خيرت فقيل لي: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة:٨٠]، قال: ولو أعلم أني لو زدت على السبعين أن يغفر له لزدت على السبعين)، وإنما فعل هذا ﵊ رجاء أن يغفر الله له؛ لأنه لم ينه عن ذلك، ومراعاة لرهطه الأوس، ومراعاة لابنه عبد الله؛ لأنه كان من أصلح عباد الله، ولما قال ابن أبي القولة المشهورة: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾ [المنافقون:٨]، وقف ابنه عبد الله وقال: والله لا تدخل المدينة حتى تكون الأذل ورسول الله هو الأعز.
فالنبي ﷺ مراعاة لابنه عبد الله وللأوس، ورجاء أن يغفر الله له صلى عليه؛ ولأنه لم ينه عن ذلك، ثم بعد ذلك أنزل الله هذه الآية: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة:٨٤]، فلم يصل على منافق مات بعد ذلك، وبين الله العلة فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة:٨٤]، وهذا رواه البخاري في الصحيح.
стр. 283
عدد النفخات في الصور
السؤال
ما هو الصحيح من أقوال العلماء في عدد النفخات هل هي اثنتان أو ثلاث؟
الجواب
الصواب أنهما نفختان، كما قال الله تعالى في سورة الزمر: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨]، النفخة الأولى نفخة الصعق والموت، والنفخة الثانية نفخة البعث.
وبعض العلماء ذهب إلى أنها ثلاث نفخات: نفخة الفزع، ونفخة الصعق (الموت)، ونفخة البعث، وجاء في حديث الصور، وهو حديث ضعيف؛ لأن في سنده رجلاً ضعيفاً، جاء فيه أنها ثلاث نفخات، والصواب: أنهما نفختان: النفخة الأولى هي نفخة طويلة أولها فزع وآخرها صعقة الموت، كما قال الله في سورة النمل: ﴿وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [النمل:٨٧]، وفي سورة الزمر: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ﴾ [الزمر:٦٨]، فهي نفخة واحدة أولها فزع وآخرها صعقة الموت، وهي نفخة يطولها إسرافيل ولا يزال الصوت يقوى شيئاً بعد شيء حتى يموت الناس، جاء في الحديث: (أنه لا يسمعها أحد إلا أصغى ليتاً ورفع ليتاً)، أرأيتم صفارات الإنذار؟ رأيتم في حرب الخليج ماذا يحصل للناس من الرعب إذا جاء الصوت، وهو صوت عادي، وإذا زاد مثل هذا الصوت مائة مرة ماذا يحصل للناس، فهكذا صوت إسرافيل أوله ليس بالقوي ثم لا يزال الصوت يقوى ويقوى حتى يموت الناس، وهذه نفخة الصعق.
والثانية: نفخة البعث، يمكث الناس بعدها أربعين، كما جاء في الحديث: (قيل لـ أبي هريرة: أربعين سنة؟ قال: أبيت، قيل: أربعين شهراً؟ قال: أبيت، قيل: أربعين يوماً؟ قال: أبيت) أي: ليس عندي علم في هذا، ثم ينزل الله مطراً تنبت منه أجساد الناس، وينشئون تنشئة غير هذه التنشئة في الدنيا، الذوات هي هي، لكن تبدل الصفات، فإذا تم نباتهم أذن الله لإسرافيل فنفخ في الصور نفخة البعث فتتطاير الأرواح، وتدخل كل روح في جسدها، فيقوم الناس ينفضون التراب عن رءوسهم ويقفون بين يدي الله للحساب، والأرواح باقية لا تموت بل تبقى إما في عذاب أو في نعيم، فروح المؤمن تنقل في الجنة، ولها اتصال بالجسد.
والروح تعذب مفردة ومتصلة بالجسد، فروح الكافر تنقل إلى النار، ولها صلة بالجسد، فإذا نفخ إسرافيل في الصور دخلت الأرواح في أجسادها، فالصواب أنهما نفختان.
стр. 284
شرح كتاب الإيمان الأوسط لابن تيمية [١٦]
مما استدل به الخوارج والمعتزلة على تخليد صاحب الكبيرة في النار أن الله لا يتقبل إلا من المتقين، وصاحب الكبيرة ليس منهم فلا يقبل الله منه عملاً صالحاً فيكون في النار، وقد رد عليهم أهل السنة في ذلك وبينوا غلطهم.
стр. 285
استدلال الخوارج والمعتزلة على خلود مرتكب الكبيرة في النار بآية (إنما يتقبل الله من المتقين) والرد عليهم
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقد احتجت الخوارج والمعتزلة بقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧]، قالوا: فصاحب الكبيرة ليس من المتقين فلا يتقبل الله منه عملاً، فلا تكون له حسنة، وأعظم الحسنات الإيمان فلا يكون معه إيمان، فيستحق الخلود في النار.
وقد أجابتهم المرجئة: بأن المراد بالمتقين من يتقي الكفر، فقالوا: اسم المتقين في القرآن يتناول المستحقين للثواب، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٤ - ٥٥]، وأيضاً فابنا آدم حين قربا قرباناً لم يكن المقرب المردود قربانه حينئذ كافراً، وإنما كفر بعد ذلك إذ لو كان كافراً لم يتقرب.
وأيضاً: فما زال السلف يخافون من هذه الآية، ولو أريد بها من يتقي الكفر لم يخافوا.
وأيضاً: فإطلاق لفظ المتقين والمراد به من ليس بكافر، لا أصل له في خطاب الشارع فلا يجوز حمله عليه.
والجواب الصحيح: أن المراد من اتقى الله في ذلك العمل، كما قال الفضيل بن عياض في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود:٧] قال: أخلصه وأصوبه، قيل: يا أبا علي! ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل حتى يكون خالصاً صواباً.
والخالص: أن يكون لله، والصواب: أن يكون على السنة، فمن عمل لغير الله كأهل الرياء لم يقبل منه ذلك، كما في الحديث الصحيح، يقول الله : (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري فأنا بريء منه، وهو كله للذي أشركه).
وقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الحديث الصحيح: (لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول).
وقال: (لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار).
وقال في الحديث الصحيح: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) أي: فهو مردود غير مقبول، فمن اتقى الكفر وعمل عملاً ليس عليه أمر النبي ﷺ لم يقبل منه، وإذا صلى بغير وضوء لم يقبل منه؛ لأنه ليس متقياً في ذلك العمل، وإن كان متقياً للشرك.
وقد قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون:٦٠]، وفي حديث عائشة عن النبي ﷺ أنها قالت: (يا رسول الله! أهو الرجل يزني ويسرق ويشرب الخمر ويخاف أن يعذب؟ فقال: لا يا ابنة الصديق ولكنه الرجل يصلى ويصوم ويتصدق ويخاف أن لا يقبل منه).
وخوف من خاف من السلف أن لا يتقبل منه لخوفه أن لا يكون أتى بالعمل على وجهه المأمور، وهذا أظهر الوجوه في استثناء من استثنى منهم في الإيمان وفي أعمال الإيمان، كقول أحدهم: أنا مؤمن إن شاء الله، وصليت إن شاء الله، لخوف ألا يكون أتى بالواجب على الوجه المأمور به لا على جهة الشك فيما لقلبه من التصديق.
ولا يجوز أن يراد بالآية: أن الله لا يقبل العمل إلا ممن اتقى الذنوب كلها؛ لأن الكافر والفاسق حين يريد أن يتوب ليس متقياً، فإن كان قبول العمل مشروطاً بكون الفاعل حين فعله لا ذنب له امتنع قبول التوبة، بخلاف ما إذا اشترط التقوى في العمل فإن التائب حين يتوب يأتي بالتوبة الواجبة، وهو حين شروعه في التوبة منتقل من الشر إلى الخير لم يخلص من الذنب، بل هو متق في حال تخلصه منه].
следующие страницы →