Полный текст (331 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
جريان الأحكام على الظاهر
قال المصنف رحمه الله تعالى (قال: ثم ولى الرجل، فقال خالد بن الوليد ﵁: يا رسول الله، ألا أضرب عنقه؟ فقال: لا، لعله أن يكون يصلي، قال خالد ﵁: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال رسول الله ﷺ : إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم)].
فيه أن الأحكام تجرى على الظاهر فمن كان يصلي فلا يقتل، ولهذا لما استأذن خالد ﵁ أن يضرب عنقه، قال: (لعله أن يكون يصلي، قال خالد: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال النبي ﷺ : إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم)، أي: فالأحكام على الظاهر، أما الخفي وما داخل النفس فالله أعلم به وهو يحاسبه، ولهذا فإن المنافقين تجرى عليهم أحكام الإسلام وهم منافقون في الباطن، إلا من أظهر نفاقه وكفره قتل من قبل ولاة الأمور، ومن لم يظهر نفاقه تجر عليه أحكام الإسلام: من الإرث، والتغسيل، والنكاح، وجميع الأحكام.
وجاء في اللفظ الآخر: أن النبي ﷺ بين أنه منعهم من ذلك لئلا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه.
قال المؤلف: (قال: ثم نظر إليه وهو مقف).
قوله: (مقف)، أي: قد ولاه قفاه، وهذا الرجل اعترض على النبي ﷺ وقفى، فلما ذهب وأعطاهم قفاه، قال النبي ﷺ : (إنه يخرج من ضئضئ هذا قوم تحقرون صلاتكم عند صلاتهم).
قال المصنف رحمه الله تعالى: [(فقال: إنه يخرج من ضئضئ هذا قوم يتلون كتاب الله رطباً لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، قال: أظنه قال: لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد)، اللفظ لـ مسلم.
قوله: (من ضئضئ هذا) من نسله وعقبه، قال: (لأقتلنهم قتل عاد) ذكر في الحاشية أن لفظ: (عاد) من رواية مسلم، وعند مسلم: (لأقتلنهم قتل ثمود)].
واحتج بهذا الإمام أحمد في رواية على كفر الخوارج؛ لأنه شبههم بثمود وعاد وهم قوم كفار، وقال: (يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية) في اللفظ الآخر: (ثم لا يعودون إليه)، قالوا: وهذا دليل على كفرهم.
والقول الثاني لأهل العلم وهم الجمهور: أنهم مبتدعة وعصاة وليسوا كفاراً؛ لأنهم متأولون، وهو الذي عليه عمل الصحابة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولـ مسلم في بعض الطرق عن أبي سعيد ﵁: (أن النبي ﷺ ذكر قوما يكونون في أمته يخرجون في فرقة من الناس سيماهم التحليق)].
الفُرقة بالضم: الخلاف، أما الفرقة بالكسر: الجماعة، وقوله: (يخرجون في فرقة من الناس) يعني: الخلاف الذي حصل بين علي وأهل العراق، ومعاوية وأهل الشام، وقد خرجوا في وقت الخلاف، وهذا فيه علم من أعلام النبوة، وأنه رسول الله حقاً، حيث أخبر أنهم يخرجون في وقت الفرقة والخلاف فخرجوا بعدما حصل قتال بين علي وأهل الشام.
وقوله: (سيماهم التحليق) أي: علامتهم حلق الرأس، فيشددون في حلق الرأس ولا يتركونه يطول، ويحلقونه حلقاً كاملاً ويشددون في هذا، فهذه علامتهم وسيماهم.
стр. 212
الخلاف بين علي ومعاوية ﵄
стр. 213
بيان أقرب الطائفتين إلى الحق
قال المصنف رحمه الله تعالى: [عن أبي سعيد: (أن النبي ﷺ : ذكر قوماً يكونون في أمته يخرجون في فرقة من الناس سيماهم التحليق، ثم قال: شر الخلق أو من شر الخلق، يقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق)].
قوله: أدنى أي: أقرب الطائفتين إلى الحق، فقتلهم جيش علي ﵁، فدل على أن علياً ﵁ أقرب إلى الحق من معاوية وأهل الشام.
وفي اللفظ الآخر: (عمار تقتله الفئة الباغية)، وقد قتله جيش معاوية وأهل الشام، فدل على أن معاوية وأهل الشام بغاة، لكن لا يعرفون أنهم بغاة، وهم مجتهدون لهم أجر الاجتهاد وفاتهم أجر الصواب، وعلي ﵁ وأصحابه مجتهدون مصيبون لهم أجر اجتهاد وأجر الصواب.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال أبو سعيد ﵁: أنتم قتلتموهم يا أهل العراق، وفى لفظ له: (تقتلهم أقرب الطائفتين إلى الحق)، وهذا الحديث مع ما ثبت في الصحيح عن أبي بكرة ﵁ أن النبي ﷺ قال للحسن بن علي ﵄: (إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين طائفتين عظيمتين من المؤمنين)].
وقوله: (ابني هذا سيد) وهو ابن ابنته فاطمة فدل على أن ابن الابن وابن البنت يسمى ابناً، قوله: سيد، وفي اللفظ الآخر: (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة)، وقوله: (وسيصلح الله به بين طائفتين عظيمتين من المؤمنين)، فيه دليل على أن معاوية وأهل الشام وعلياً وأهل العراق كلهم مؤمنون؛ لأنه وصفهم بالإيمان، وفيه الرد على من كفرهم من الخوارج وغيرهم.
ولما قتل علي ﵁ وبايع الناس ابنه الحسن بالخلافة، فبقي في الخلافة ستة أشهر، ثم تنازل عن الخلافة لـ معاوية ﵁ بشرط حقن دماء المسلمين، فأصلح الله به بين فئتين عظيمتين، ووضعت الحرب أوزارها، وبويع لـ معاوية بالخلافة في عام أربعين من الهجرة، وسمي ذلك العام عام الجماعة، واجتمع الناس كلهم على معاوية ﵁.
فيكون معاوية أول ملوك المسلمين وبه انتهت الخلافة، قال النبي ﷺ : (الخلافة بعدي ثلاثون سنة)، وآخر الثلاثين السنة الستة أشهر التي تنازل فيها الحسن بن علي ﵁ لـ معاوية بن أبي سفيان ﵁.
والمصنف ﵀ ذكر في موضع آخر أن الرجل الذي اعترض على النبي ﷺ كان قتله جائزاً، ولكن النبي ﷺ بين أن قتله لم يحل؛ لأن سفك الدماء بغير الحق من أكبر الكبائر، إلى إن قال: ولما قال ذو الخويصرة: اعدل فإنك لم تعدل، وإنما لم يقتلهم لئلا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه، ذكر هذا ﵀ في الصارم المسلول.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فبين أن كلا الطائفتين كانت مؤمنة وأن اصطلاح الطائفتين كما فعله الحسن ﵁ كان أحب إلى الله ورسوله من اقتتالهما، وأن اقتتالهما وإن لم يكن مأموراً به، فـ على بن أبي طالب ﵁ وأصحابه أقرب إلى الحق من معاوية ﵁ وأصحابه، وأن قتل الخوارج مما أمر به النبي ﷺ ].
الأقرب: بدل كلمة (قتل): قتال؛ لأن إمام المسلمين قد قاتلهم، وأن قتال الخوارج أحسن، وليس للإنسان أن يأخذ واحداً من الخوارج ويقتله، فتصير المسألة فوضى، لكن هذا إمامه يكشف شبهته إذا كان له شبهه، فإن أبوا قاتلهم الإمام.
стр. 214
أصل الخلاف بين علي ومعاوية ﵄
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولذلك اتفق على قتالهم الصحابة والأئمة].
قوله: (على قتالهم) هذا يبين المراد، وهذه أربع فوائد استنبطها المؤلف ﵀ من هذا الحديث: (إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين طائفتين عظيمتين من المؤمنين).
الفائدة الأولى: أن كلاً من الطائفتين مؤمنة وليسوا كفاراً، فـ علي وأهل العراق ومعاوية وأهل الشام كلهم مؤمنون، وفيه الرد على من كفرهم.
الفائدة الثانية: أن اصطلاح الطائفتين أحب إلى الله من القتال، وقد اصطلحوا على يد الحسن.
الفائدة الثالثة: أن قتال الطائفتين مع كونه غير مأمور به، لكن علياً وأهل العراق أقرب إلى الحق من معاوية وأهل الشام؛ لأن علياً ﵁ هو الخليفة الذي بايعه أكثر أهل الحل والعقد فثبتت له الخلافة، فيجب على معاوية وأهل الشام أن يبايعوه، لكن اجتهد معاوية وأهل الشام، وهم لا يمانعون في أنه يستحق البيعة، لكن قالوا: أولاً نطالب بدم عثمان ونحن أولياؤه، ومعاوية يرى أنه من أوليائه، وعلي ﵁ لا يمانع، لكن يقول: لا نستطيع أن نأخذ قتلة عثمان في هذا الوقت، فهو وقت التباس واشتباه ووقت فتنة، ولا يعرف أحداً بعينه من الذين قتلوه فقد اندسوا ودخلوا في قبائلهم.
فإذا هدأت الأمور استطعنا أن نأخذهم بعد ثبوتهم، لكن معاوية وأهل الشام قالوا: نريد أن نأخذهم الآن، فحصل الخلاف، ورأى علي ﵁ أنه يجب عليه أن يقاتلهم ويجب أن يخضعوا؛ لأنه يجب عليهم أن يبايعوه وألا يشقوا عصا المسلمين، ومعاوية وأهل الشام مجتهدون قالوا: نحن نطالب بدم عثمان ولا نريد الخلافة، فحصل الخلاف، فمن أصاب فله أجران، ومن أخطأ فله أجر.
وأكثر أهل العلم وأكثر الصحابة انضموا إلى علي ﵁ ورأوا أن الحق معه، واستدلوا بقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ [الحجرات:٩].
قالوا: طائفة معاوية وأهل الشام بغت فيجب قتالهم بنص الآية: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات:٩]، وبعض الصحابة مثل معاوية وأهل الشام أشكل عليهم الأمر وما فهموا هذا المثال، بل فهموا أنهم يطالبون بدم عثمان.
وبعض الصحابة اشتبه عليهم الأمر، فتوقفوا واعتزلوا الفريقين، منهم سلمة بن الأكوع الذي ذهب إلى البادية وتزوج، وقال: إن النبي ﷺ أذن له في البدو، ومنهم: أسامة بن زيد وابن عمر وجماعة اشتبه عليهم الأمر فاعتزلوا الفريقين.
وأكثر الصحابة اتضح لهم الأمر وعلموا أن علياً ﵁ مصيب، وأنه يجب أن ينصر، وهو الخليفة الراشد الذي تمت له البيعة فمن لم يبايع يجب قتاله، وهذا هو الصواب أن علي هو الذي معه الحق وهو الخليفة بنص حديث معاوية (عمار بن ياسر تقتله الفئة الباغية)، وقد قتله أهل الشام.
وحديث الخوارج: (تقتلهم أدنى الطائفتين)، أي: تقتلهم أقرب الطائفتين إلى الحق، فقتلهم علي ﵁، فدل على أنهم أقرب إلى الحق.
ولكن معاوية وأهل الشام مجتهدون، فلا يجوز للإنسان أن يطعن في الصحابة ولا يتكلم فيهم، والصحابة رضوان الله عليهم كلهم مجتهدون، من أصاب فله أجران أجر الإصابة وأجر الاجتهاد، ومن أخطأ فله أجر الاجتهاد وفاته أجر الصواب، ولهم من الحسنات من جهادهم مع رسول الله ﷺ وسبقهم إلى الإيمان ونشرهم للإسلام ما يغطي ما صدر عنهم من الهفوات، ونقول كما قال تعالى: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ [الحشر:١٠].
стр. 215
موقف أهل السنة من الخلاف بين الصحابة
وكما قال بعض السلف: هذه الحروب والقتال الذي حصلت نزه الله منها أيدينا فنسأل الله أن ينزه ألسنتنا منها، لكن أهل البدع تجدهم يطعنون في الصحابة، يطعنون في علي، ويطعنون في معاوية، وهذا خطأ، وهو خلاف معتقد أهل السنة والجماعة.
فالواجب الترضي على الجميع، وأن نعتقد أنهم مجتهدون ما بين مجتهد مصيب له أجران، وما بين مجتهد مخطئ له أجر، وما ينقل عن الصحابة كما قال شيخ الإسلام ﵀ في الواسطية: منه ما هو كذب لا أساس له من الصحة، ومنه ما له أصل ولكن زيد فيه ونقص، ومنه ما هو صحيح، والصحيح هم فيه بين مصيب مجتهد له أجران، والمجتهد المخطئ له أجر، ولهم من الحسنات ما يغطي ما صدر عنهم من الهفوات، هذا هو الواجب على المسلمين، أما الكلام في الصحابة والطعن فيهم، وذكر مساوئهم، فهذا من طريقة أهل البدع.
أما أهل السنة والجماعة فإنهم يترضون عن الجميع، ويترحمون على الجميع، ويعتقدون أن قتالهم ليس للهوى ولا للعصبية وإنما هو عن اجتهاد، ويعتقدون أن لهم من الحسنات من السبق إلى الإيمان والجهاد مع النبي ﷺ ونشر الإسلام والدعوة إلى الله، ما يغطي ما صدر عنهم ما الهفوات.
ونقول في الجميع كما قال تعالى: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠].
فإياك أن تلوث لسانك في الطعن في الصحابة فإن هذا شعار أهل البدع من الخوارج والمعتزلة، والروافض هم الذين يطعنون في الصحابة ويسبونهم، نسأل الله السلامة والعافية.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وهؤلاء الخوارج لهم أسماء يقال لهم: الحرورية؛ لأنهم خرجوا بمكان يقال له: حروراء، ويقال لهم: أهل النهروان؛ لأن علياً ﵁ قاتلهم هناك].
الخوارج لهم أسماء فيسمون: الحرورية؛ لأنهم خرجوا في مكان في العراق يسمى حروراء، فنسبوا إليه فيقال لهم: الحرورية، ومن ذلك أن عائشة ﵂ سألتها امرأة، فقالت: يا أم المؤمنين، ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، ففهمت عائشة أنها معترضة، وأن السؤال سؤال اعتراض، فقالت: أحرورية أنت؟ أي: هل أنت من الخوارج من بلدة حروراء فتعترضين؟ لأن الخوارج يعتقدون أن الحائض تقضي الصلاة مثل الصوم، فهذه المرأة ليست من الخوارج، لكنها لم تحسن السؤال، فكأنها تقول: ما الحكمة في كون الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، لكن قالت: ما بالها؟ ففهمت منها أنها معترضة وأنها من الخوارج فقالت: أحرورية أنت؟ أأنت من الخوارج؟ قالت: لا، لست بحرورية ولكن لأفهم، فقالت عائشة ﵂: (هكذا كان يصيبنا على عهد رسول الله ﷺ ، فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة).
فهذه الفرقة تسمى الحرورية نسبة إلى حروراء، ويسمون أهل النهروان؛ لأن علياً قاتلهم بمكان يقال له: النهروان، ويسمون الخوارج؛ لأنهم خرجوا على الطائفتين، على علي ﵁ وعلى معاوية، وكفروا الجميع، وقالوا: علي كافر، ومعاوية كافر وعثمان كافر، قالوا: لأنهم تقاتلوا؛ ولأنهم حكموا الرجال في كتاب الله فكفروا، فهذا هو مذهبهم يكفرون المسلمين بالمعاصي.
ومذهبهم باطل خبيث فهم يخلدون المؤمنين في النار، ويكفرونهم بالمعاصي.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ومن أصنافهم الإباضية أتباع عبد الله بن أباض، والأزارقة أتباع نافع بن الأزرق، والنجدات أتباع نجدة الحروري].
الخوارج أصناف كثيرة ذكر الذين كتبوا في الفرق أنهم يبلغون ما يقرب من أربع وعشرين فرقة، منهم الإباضية نسبة إلى عبد الله بن أباض، ومنهم الأزارقة أتباع نافع بن الأزرق، ومنهم النجدات، ومنهم الصفرية، فلهم فرق كثيرة متعددة، ولو راجعت كتب الفرق مثل الفرق بين الفرق للبغدادي، والملل والمحل للشهرستاني وغيرها، ففي الفصل والملل لـ ابن حزم يذكر أن الخوارج أربع وعشرون فرقه أو اثنتان وعشرون فرقة، والشيعة أربع وعشرون فرقة.
стр. 216
من اعتقادات الخوارج
стр. 217
تكفير الخوارج لأهل القبلة بالذنوب واستحلال دمائهم بذلك
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وهم أول من كفر أهل القبلة بالذنوب بما يرونه هم من الذنوب].
هذا معتقدهم، وأول من كفر أهل القبلة بالذنوب الخوارج، والمراد بأهل القبلة المسلمون الذين يتجهون إلى الكعبة في الصلاة، وفي الذبح، وفي الدعاء، والمسلمون يسمون أهل القبلة؛ لأنهم يستقبلون القبلة في الصلاة، وفي الذبح، وفي الذكر، وفي الدعاء.
وبعد قتل عثمان ﵁ خرجت الخوارج فكفروا أهل القبلة بالذنوب، والمعاصي لا يكفر بها الإنسان، إنما يكفر إذا أتى بمكفر، أما المعصية فلا يكفر بها، فهو بالزنا لا يكفر إلا إذا استحله، وبها يكون مؤمناً ضعيف الإيمان.
وكذلك شرب الخمر لا يكفر به فيقال فيها: هو ضعيف الإيمان، إلا إذا اعتقد أنه حلال، وإذا تعامل بالربا يكون ضعيف الإيمان وإذا عق والديه ضعيف الإيمان وإذا شهد الزور ضعيف الإيمان.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [واستحلوا دماء أهل القبلة بذلك].
إذا زنا أو سرق كفروه وقتلوه فيستحلون دمه وماله، ويعاملونه معاملة الكافر: دمه حلال وماله حلال كالكافر سواء بسواء، بل يسمونه كافراً، ويخلدونه في النار، ويحلون الدم والمال نعوذ بالله.
ومن العجيب أنهم يقاتلون المسلمين ولا يقاتلون عباد الأوثان، كما جاء في الحديث: (يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان)، فأهل الإسلام يقتلونهم، وأهل الأوثان الذين يعبدون الأوثان والأصنام يتركونهم.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فكانوا بذلك كانوا كما نعتهم النبي ﷺ : (يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان)، وكفروا علي بن أبي طالب ﵁ وعثمان بن عفان ﵁ ومن والاهما].
стр. 218
اتصاف الخوارج بقتل المسلمين وترك الكفار
وكذلك معاوية، فكفروا الجميع؛ كفروا عثمان وعلياً ومعاوية، ولهذا تواطؤ الخوارج في ليلة واحدة على قتل ثلاثة، يقولون: إنهم زعماء الكفر، وانتدبوا لكل واحد واحداً من الخوارج، لقتل علي ومعاوية وعمرو بن العاص، أما علي فإنه لما خرج إلى الصلاة وكان قد اختبأ له عبد الرحمن بن ملجم فقتله.
وأما معاوية فإنه جرحه وسلم، وأما عمرو بن العاص فإنه تخلف تلك الليلة فسلم، وهذا الذي قتل علياً ﵁ يسمى عبد الرحمن بن ملجم وكان يرى أنه متقرب إلى الله، ويرى أنه فاز في قتله، وأنه رفع بها درجات، وهناك أبيات في مدحه يمدحه بها واحد من الخوارج ويقول: فاز بها عبد الرحمن درجات بقتله علي ﵁، وهذه عقيدة خبيثة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقتلوا علي بن أبي طالب ﵁ مستحلين لقتله، قتله عبد الرحمن بن ملجم المرادي منهم، وكان هو وغيره من الخوارج مجتهدين في العبادة، لكن كانوا جهالاً فارقوا السنة والجماعة].
هناك أبيات يقول فيها: يا ضربة من تقي ما أرد بها إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا.
إني لأذكره يوماً فأحسبه أوفى البرية عند الله ميزاناً وقد رد عليه رجل من أهل السنة والجماعة ﵀ فقال: يا ضربة من شقي ما أراد بها إلا ليبلغ عند ذي العرش سخطانا أني لأذكره يوماً فألعنه ديناً وألعن عمران بن حطانا قال المصنف رحمه الله تعالى: [فقال هؤلاء: ما الناس إلا مؤمن وكافر].
هذا مذهب الخوارج وهو أن الناس قسمان: مؤمن أو كافر فقط، والعاصي أدخلوه مع الكافر.
وأهل السنة قسموا الناس ثلاثة أقسام أو أربعة أقسام: مؤمن محقق الإيمان، ومؤمن ضعيف الإيمان، وكافر، والمنافق الذي دخل في الإسلام ظاهراً، وعندهم أن المؤمن هو فاعل جميع الطاعات وتارك جميع المنكرات، والكافر هو الذي فعل الكفر أو فعل المعصية، فإذا قصر في بعض الواجبات أو فعل بعض المحرمات فهو كافر، وهذا مذهب الخوارج.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [والمؤمن من فعل جميع الواجبات وترك جميع المحرمات، فمن لم يكن كذلك فهو كافر مخلد في النار، ثم جعلوا كل من خالف قولهم كذلك، فقالوا: إن عثمان ﵁ وعلياً ﵁ ونحوهما حكموا بغير ما أنزل الله وظلموا فصاروا كفاراً].
انتهى بيان مذهب الخوارج الذين يقولون: الناس قسمان: مؤمن وكافر، والمؤمن عند الخوارج من فعل جميع الواجبات وترك جميع المحرمات، فالإيمان عندهم: تصديق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالجوارح، مثل أهل السنة.
لكن يأتي بعد ذلك الفرق، فأهل السنة يقولون: إذا أخل ببعض الواجبات، أو فعل بعض المحرمات صار ضعيف الإيمان ولا يخرج بذلك عن الإسلام، وهم يقولون: إذا أخل ببعض الواجبات أو فعل بعض المحرمات فهو كافر مخلد في النار، ثم جعلوا كل من خالف قولهم كافراً، فكفروا عثمان وعلياً ومعاوية.
قالوا: لأنهم حكموا بغير ما أنزل الله؛ ولأنهم ظلموا فصاروا كفاراً، فالظالم كافر، ومن حكم بغير ما أنزل الله فهو كافر، فكفروا الجميع نسأل السلامة والعافية.
стр. 219
شرح كتاب الإيمان الأوسط لابن تيمية [١٢]
ذهب الخوارج إلى تكفير مرتكبي الكبائر، وقد رد عليهم شيخ الإسلام ابن تيمية بنصوص الكتاب والسنة التي تبين أنهم باقون على الإسلام.
стр. 220
الأدلة على بطلان مذهب الخوارج في تكفير الفاسق
стр. 221
بطلان مذهب الخوارج بالأمر بقطع يد السارق دون قتله
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ومذهب هؤلاء باطل بدلائل كثيرة من الكتاب والسنة، فإن الله سبحانه أمر بقطع يد السارق دون قتله، ولو كان كافرا مرتداً لوجب قتله؛ لأن النبي ﷺ قال: (من بدل دينه فاقتلوه)].
هذا هو الدليل الأول على بطلان مذهب الخوارج، وهو أن الله أمر بقطع يد السارق ولم يأمر بقتله، ولو كان السارق كافراً كما يقول الخوارج لوجب قتله؛ لقول النبي ﷺ : (من بدل دينه فاقتلوه)، فدل هذا على أن الخوارج مذهبهم باطل، وعلى أن العاصي والسارق ليس بكافر، ولكنه مؤمن ناقص الإيمان.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال ﷺ (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، وزنا بعد إحصان، أو قتل نفس يقتل بها)].
هذا الحديث روي عن عثمان وهو محصور في الفتنة رواه أبو داود والترمذي والنسائي وأحمد والحاكم، وهو صحيح، وفيه أنه لا يحل دم امرئ مسلم إلا إذا فعل واحد من الثلاث: إذا ارتد، أو زنا وهو محصن، أو قتل نفساً بغير نفس، والعاصي كالسارق لا يقتل، وإذا زنا وهو محصن يرجم بالحجارة حتى يموت حداً، وإذا قتل عمداً عدواناً يقتل قصاصاً، وإذا ارتد يقتل، وما عدا هذه الثلاثة فلا يحل دمه.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأمر سبحانه أن يجلد الزاني والزانية مائة جلدة، ولو كانا كافرين لأمر بقتلهما].
هذا هو الدليل الثاني على بطلان مذهب الخوارج، وهو أن الزاني والزانية يجلدان ولا يقتلان، ولو كان العاصي كافراً كما تقول الخوارج لوجب قتل الزاني والزانية، والله تعالى يقول: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢].
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأمر سبحانه أن يجلد قاذف المحصنة ثمانين جلدة، ولو كان كافراً لأمر بقتله].
هذا هو الدليل الثالث على بطلان مذهب الخوارج، وهو أن الله تعالى أمر بجلد القاذف، والقاذف فاسق وعاصي، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور:٤]، ولم يقل فاقتلوهم، ولو كان القاذف كافراً لوجب قتله كما تقول الخوارج.
стр. 222
بطلان مذهبهم بالأمر بجلد شارب الخمر دون قتله
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وكان النبي ﷺ يجلد شارب الخمر ولم يقتله].
هذا هو الدليل الرابع على بطلان مذهب الخوارج: أن شارب الخمر يجلد ولا يقتل ولو كان كافراً لوجب قتله.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [بل قد ثبت عنه ﷺ في صحيح البخاري وغيره: (أن رجلاً كان يشرب الخمر وكان اسمه عبد الله حماراً وكان يضحك النبي ﷺ وكان كلما أتي به إليه جلده، فأتي به إليه مرة فلعنه رجل، فقال النبي ﷺ : لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله) فنهى عن لعنه بعينه، وشهد له بحب الله ورسوله ﷺ مع أنه قد لعن شارب الخمر عموماً].
في لفظ آخر: كان اسمه عبد الله وكان يلقب حماراً، وهذا الرجل كان كثيراً ما يؤتى به ويجلد في الخمر، فأتي به مرة من المرات وجلد، فقال رجل: لعنه الله، وفي لفظ آخر: (أخزاه الله ما أكثر ما يؤتى به، فقال النبي ﷺ : لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله)؛ ولأن الحد طهارة يطهره من الذنب، فإذا أقيم عليه الحد طهر، والتوبة طهارة.
والمرأة الغامدية وماعز جاءا إلى النبي ﷺ تائبين، وأقيم عليهما الحد، فاجتمع لكل منهما طهارتان: طهارة التوبة، وطهارة الحد.
وهذا الحد يطهره؛ ولهذا لما لعنه الرجل قال النبي ﷺ : (لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله)؛ لأن عنده أصل الإيمان، وكل مؤمن عنده أصل المحبة لله ورسوله، فمن لم يحب الله ورسوله فهو كافر، ولا تنتهي محبة الله ورسوله إلا إذا جاء الشرك، والعاصي عنده أصل المحبة، ولذلك اتقى الشرك بسبب حبه لله ورسوله، فإذا جاء الشرك انتهت محبة الله ورسوله نعوذ بالله.
فهذا الرجل وإن كان قد جلد في الخمر فعنده أصل المحبة، ولهذا قال النبي ﷺ : (فإنه يحب الله ورسوله)، فنهى عن لعنه بعينه، وشهد له بحب الله ورسوله مع أن النبي ﷺ قد لعن شارب الخمر عموماً فقال: (لعن الله شارب الخمر وعاصرها ومعتصرها وساقيها)، وهذا على العموم، وفرق بين اللعن للعموم ولعن الخصوص، ففي العموم لا يوجد مانع فلك أن تقول: لعن الله اليهود والنصارى، ولعن الله السارق، كما في الحديث: (لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده)، ولعن الله شارب الخمر.
لكن فلان بن فلان السارق، وفلان بن فلان شارب الخمر لا يلعن بعينه على الصحيح؛ لأن الشخص المعين قد يتوب، وقد يكون لم يعلم الحكم، وقد يعفو الله عنه.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وهذا من أجود ما يحتج به على أن الأمر بقتل الشارب في الثالثة أو الرابعة منسوخ؛ لأن هذا أتي به ثلاث مرات، وقد أعيا الأئمة الكبار جواب هذا الحديث، ولكن نسخ الوجوب لا يمنع الجواز].
المؤلف ﵀ استطرد لما ذكر قصة هذا الرجل الذي كان يؤتي به كثيراً ويجلد في الخمر، والجواب عن الحديث الذي ورد: (من شرب الخمر فاجلدوه، ثم إذا شرب فاجلدوه، ثم إذا شرب فاجلدوه، ثم إذا شرب الرابعة فاقتلوه) الصواب: أن قتله في الرابعة منسوخ، ودليل ذلك أن هذا الرجل كثيراً ما يؤتي به فيجلد في الخمر ولم يقتله، أي: أنه أتي به مرات كثيرة فيجلد، فلو كان القتل باقياً لقتله، فلما لم يقتله دل على أن الأمر بقتله منسوخ.
стр. 223
حكم قتل الشارب في الرابعة
وقد أعيا الأئمة الكبار الجمع بين الحديثين، ولكن نسخ الوجوب لا يمنع الجواز، فيجوز أن يقال: يجوز قتله إذا رأى الإمام المصلحة.
أي: أن الأمر بقتله منسوخ لكن إذا رأى الإمام المصلحة في قتله من باب التعزير، وأنه لا يندفع الشر إلا بذلك، كما إذا كثر الناس وتجرءوا على شرب الخمر وأكثروا من شربه، فلا بأس أن يقتلهم الإمام في الرابعة تعزيراً لا وجوباً.
كما أن عمر ﵁ لما تتابع الناس في الطلاق في الثلاث ألزمهم بطلاق الثلاث تعزيراً فصار يوقع الثلاث، وكان الطلاق الثلاث بكلمة واحدة على عهد النبي ﷺ ، وأبي بكر وصدر من خلافة عمر طلقة واحدة، فلما تتابع الناس في الطلاق وأكثروا منه في زمن عمر ﵁ قال: إن الناس استعجلوا شيئاً لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم ردعاً لهم حتى لا يتجرءوا، فصار من طلق بالثلاث يوقع عليه الثلاث.
فكذلك شارب الخمر يجلد ثم يجلد ثم يجلد، لكن إذا تتابع الناس ولم يرتدعوا فلا بأس أن يقتل الإمام في الرابعة تعزيراً وردعاً للناس.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فيجوز أن يقال: يجوز قتله إذا رأى الإمام المصلحة في ذلك، فإن ما بين الأربعين إلى الثمانين ليس حداً مقدراً في أصح قولي العلماء كما هو مذهب الشافعي وأحمد في إحدي الروايتين، بل الزيادة على الأربعين إلى الثمانين يرجع إلى اجتهاد الإمام فيفعلها عند المصلحة كغيرها في أنواع التعزير].
شارب الخمر جاء في الحديث أنه يجلد أربعين، فكان شارب الخمر على عهد النبي ﷺ وأبي بكر يجلد أربعين جلدة، فلما تتابع الناس استشار عمر الصحابة، فقال عبد الرحمن بن عوف: أخف الحدود ثمانين، فجلده عمر ثمانين.
فالزيادة من أربعين إلى الثمانين اجتهاد، فكذلك للإمام أن يجتهد إذا تتابع الناس وأكثروا من شرب الخمر فيقتل شارب الخمر ردعاً وتعزيراً، كما أنه يزيد من الأربعين إلى الثمانين تعزيراً.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وكذلك صفة الضرب فانه يجوز جلد الشارب بالجريد والنعال وأطراف الثياب].
وصفة الضرب كان على عهد النبي ﷺ أن يضرب الشارب بالجريد والنعال وأطراف الثياب، جاء في الحديث: (أتي برجل شرب الخمر، قال: فمنا الضارب بيده ومنا الضارب بنعله، ومنا الضارب بثوبه، حتى عد أربعين).
فكما أنه للإمام أن يجتهد فيجلد من الأربعين إلى الثمانين، كذلك يجتهد في صفة الضرب فبدل أن يكون بالثياب والنعال يضرب بالجريد كما فعل الصحابة، وكذلك أيضاً للإمام قتله تعزيراً واجتهاداً.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [بخلاف الزاني والقاذف].
الزاني يجلد مائة ولا اجتهاد فيه، والقاذف يجلد ثمانين بنص القرآن كما قال تعالى في الزاني: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢]، وفي القاذف: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور:٤].
أما شارب الخمر فالزيادة على الأربعين اجتهاد.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فيجوز أن يقال: قتله في الرابعة من هذا الباب].
يجوز أن يقال إن قتل شارب الخمر في الرابعة من باب التعزير اجتهاداً، بخلاف الزاني والقاذف، فهذه جملة معترضة.
стр. 224
الرد على الخوارج بأن الله سمى المقتتلين مؤمنين
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأيضاً: فإن الله تعالى قال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:٩ - ١٠]، الآية.
فقد وصفهم بالإيمان والأخوة وأمرنا بالإصلاح بينهم].
ما زلنا في ذكر المرجحات والأدلة التي تدل على أن من وصفوا بالإسلام دون الإيمان في النصوص هم ضعفاء الإيمان، وأنهم لم يخرجوا من دائرة الإسلام، خلافاً لمن قال إنهم منافقون.
وقد سبق ذكر مرجحات منها: أن الحرف (لما) في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤]، ينفي به ما قرب وجوده وانتظر وجوده.
ومنها أنه قال: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ [الحجرات:١٤].
فأثبت لهم طاعة لله ورسوله فدل على أنهم مؤمنون وليسوا منافقين، ومنها أن الله وجه الخطاب إليهم، ولو كانوا منافقين لكان هذا خلاف مدلول الخطاب.
ومن المرجحات المذكورة هنا قول الله : ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات:٩].
стр. 225
الأسئلة
стр. 226
حكم لعن المعين
السؤال
هل يجوز لعن الكافر المعين؟
الجواب
هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم مثل الفاسق، وفيها قولان لأهل العلم: من العلماء من قال: يجوز لعن الفاسق بعينه، ويجوز لعن الكافر بعينه.
والقول الثاني: أنه لا يلعن الفاسق ولا الكافر بعينه وإن كان ميتاً لقول النبي ﷺ : (لا تسبوا الأموات فإنهم أفضوا إلى ما قدموا)، أي: ولو كان ميتاً فلا تسبوه بعينه فإنه أفضى إلى ما قدم، وإذا كان حياً فكذلك؛ لأنه قد يجوز أن يتوب الله عليه، إلا إذا اشتد أذى الكافر للمسلمين في الحياة فيجوز لعنه، وكذلك إذا كان الميت الكافر أو الفاسق صاحب بدعة، فتحذر الناس من هذه البدعة ولو كان فيه سب له؛ لأن هذا فيه مصلحه للأحياء.
أما إن لم يكن صاحب بدعة فلا يلعن على الصحيح لا الكافر بعينه ولا العاصي بعينه، وإنما يلعن بالعموم، فتقول: لعن الله السارق أي: جنس السارق، لعن الله شارب الخمر أي: جنسه، لعن الله القاذف، أي: جنسه، لعن الله الكافر أي: جنس الكافر، أما فلان بن فلان الكافر فلا يلعن؛ لأنه أفضى إلى ما قدم إن كان ميتاً، وإن كان حياً فلعل الله أن يهديه فيدعى له بالهداية، ولما عصت دوس، فقيل: يا رسول الله! إن دوساً أبت وعصت فادع الله عليهم، فقال أحد الصحابة: هلكت دوس، فقال: (اللهم اهد دوساً وائت بهم)، فهداهم الله وجاءوا مسلمين.
فالمقصود: أن لعن المعين سواء كان كافر أو فاسقاً فيه قولان لأهل العلم: قيل: يجوز، وقيل: لا يجوز.
والصواب من القولين: أنه لا يجوز لعن المعين الفاسق ولا الكافر، إلا إذا كان الميت كافراً أو فاسقاً أو صاحب بدعة فيحذر الناس من بدعته؛ لأن فيه مصلحة للأحياء، وإلا إذا اشتد أذى الحي منهم على المسلمين الأحياء فلا بأس بلعنهم والدعاء عليهم والقنوت؛ لأن النبي ﷺ قنت ودعا على رعل وذكوان، ودعا على شيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة في الصلاة وقال: اللهم اللعن فلاناً وفلاناً؛ لأنه اشتد أذاهم للمسلمين.
стр. 227
وقت القيام للصلاة
السؤال
بعض الناس يقومون عند سماع المقيم للصلاة عند قوله: قد قامت الصلاة، فهل هذا عليه دليل؟
الجواب
لا أعلم له دليلاً وإنما تقوم في أي وقت، قال بعض السلف: يقوم إذا رأى الإمام، لأنه قد يكون بينه وبين الإمام علامة فيقيم والإمام في البيت إذا كان بيته قريباً ثم يأتي، فيشق على الإنسان، فإذا رأى الإمام قام، وهذا هو الأولى، وإن قمت فلا حرج لكن هذا فيه مشقه عليك، ولا يوجد تحديد للقيام.
стр. 228
علة كفر من نكح امرأة أبيه
السؤال
ما علة كفر من نكح امرأة أبيه عند أهل السنة كما في حديث البراء ﵁: أنه لقي عمه ومعه الراية فسأله: إلى أين أنت ذاهب، فقال: بعثني رسول الله ﷺ إلى فلان لأقتله وآخذ ماله، فإنه نكح امرأة أبيه؟
الجواب
هذا الرجل الذي نكح زوجة أبيه استحلها فكفر بالاستحلال؛ ولذلك عقد النبي ﷺ لواءً للبراء وأمره بأن يذهب إليه ويقتله ويأخذ ماله لكفره؛ لأنه رأى أن زوجة أبيه حلال واستحلها ونكحها.
مثل من استحل الخمر، فقال: الخمر حلال، أو الربا حلال، أو الزنا حلال فهو كافر، أو قال: نكاح زوجة الأب حلال فيكفر، فهذا الرجل استحل نكاح زوجة أبيه ونكحها مستحلاً لذلك، فلهذا كفر، وعقد النبي ﷺ لواءً للبراء وأمره أن يقتله ويأخذ ماله لكفره وضلاله، فمن استحل الكبيرة المعلومة من الدين بالضرورة كفر، وإذا لم يستحلها كان عاصياً، لكن هذا استحلها.
стр. 229
الخلاف في كفر الخوارج
السؤال
هل صح أن شيخ الإسلام ابن تيمية نقل إجماع الصحابة على عدم كفر الخوارج في منهاج السنة؟
الجواب
شيخ الإسلام قال: إن الصحابة عاملوا الخوارج معاملة أهل البدع والعصاة لا معاملة الكفرة؛ لأنهم متأولون، وهذا هو مذهب جمهور العلماء.
والقول الثاني لأهل العلم: أنهم كفار وهو رواية عن الإمام أحمد ﵀، واستدلوا بظواهر الأحاديث كما قال: (يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية)، وفي لفظ: (ثم لا يعودون إليه)، وفي لفظ: (لئن لقيتهم لأقتلنهم قتل عاد - أو قتل ثمود -)، شبههم بعاد وثمود وهم قوم كفار، فدل على كفرهم، والجمهور والصحابة عاملوهم معاملة المبتدعة.
ولا يقال: إن معاملة الصحابة ﵃ للخوارج كفساق قبل أن يقيم ابن عباس ﵄ عليهم الحجة، وبعد إقامة الحجة من لم يرجع عن مذهبه فهو كافر؛ لأنهم متأولون وبعضهم بقي على شبهته.
стр. 230
حكم من يصف الآمر بالمعروف والمجاهد بأنه خارجي
السؤال
ظهر في هذا العصر من يقول: إن المجاهد خارجي ومن أنكر المنكرات فهو خارجي، فما رأيكم؟
الجواب
نسأل الله السلامة والعافية، فهذا تعدى مذهب الخوارج، كيف يقال: المجاهد في سبيل الله خارجي؟ ومن أنكر المنكر خارجي؟ والله تعالى يقول: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [التوبة:٧١]، فالذي يعتقد أن من ينكر المنكر يكون خارجياً فهو مصادم للنصوص، نسأل الله السلامة والعافية، والله تعالى أثنى على المجاهدين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الصف:١٠ - ١٢].
وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١١١]، أفبعد هذه النصوص الآن في الثناء على المجاهدين يقال للمجاهد خارجي؟! وكذلك الذي ينكر المنكرات أيكون خارجياً! قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠]، فالخيرية حصلت في هذه الأمة بالإيمان بالله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكيف يقال للذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر: خارجي، ما يقول هذا إلا فاسد العقيدة، أو جاهل جهلاً مركباً.
стр. 231
حكم حلق الرأس
السؤال
ما حكم حلق الرأس بالموسى؟
الجواب
لا بأس به فهو جائز مباح، لكن تركه أولى، كان النبي ﷺ لا يحلق إلا في حج أو عمرة، قال الإمام أحمد ﵀: هو سنة، أي: ترك الرأس وإبقاء الشعر، لو نقوى عليه لا تخذناه، لكن له كلفة ومشقة، جاء في الحديث: (ومن كان له شعر فليكرمه).
فالسنة تربيته اقتداء بالرسول ﵊، لكن يحتاج إلى تعب ومشقة من غسل ودهن وشد، فهذا لا نقوى عليه، وحلقه مباح.
وقد قال النبي ﷺ لصبي رآه حلق بعض رأسه وترك بعضه: (احلقه كله أو اتركه كله) فهو مباح؛ لكن الأفضل تركه إذا كان يريد أن يقتدي بالنبي ﷺ .
أما إذا أراد أن يقلد الفسقه أو يقلد -كما يقال- طائفةً من الخنافس، وقد كان قبل سنوات طائفة تسمى الخنافس يربون شعورهم في بريطانيا وفي غيرها، فإذا كان قصده أن يقلد الكفرة فهذا شيء آخر، أما إذا أراد أن يقتدي بالرسول ﷺ فشيء طيب.
وقد تجد بعض الناس يحلق لحيته ويربي شعره، فإذا قلت له: لماذا تربي شعرك؟ قال: أقتدي بالرسول، فيقال له: تقتدي بالرسول في إبقاء شعر الرأس وأنت تحلق لحيتك، فإذا كان الإنسان يريد أن يقتدي بالنبي ﷺ فهو أفضل، وهو كما قال الإمام أحمد سنة، فيكون متبعاً للسنة، وحلقه جائز لا بأس به.
وإذا كان شعره كشعر الفسقة أو كان الإنسان شاباً يخشى عليه من الفتنة فحلقه أفضل في هذه الحالة، حتى يبتعد عن شعار الفسقة وحتى يسلم من الشر؛ لأنه قد يكون الشاب إذا فرد شعره وهو أمرد وليس له لحية قد يخشى عليه من بعض الفسقة.
стр. 232
حكم دفع الزكاة لمن عليه دين ليسدد دينه
السؤال
هل يجوز دفع الزكاة لمن كان عليه دين وليس له دخل ويريد سداد الدين الذي عليه؟
الجواب
نعم، صاحب الدين من الغارمين، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ﴾ [التوبة:٦٠].
من عليه دين هو الغارم، والغارمون صنفان: الصنف الأول: غارم لمصلحة نفسه، وهو الذي عليه ديون من أجل النفقة على نفسه، والكسوة لنفسه وأهله وأولاده وأجرة السكن، فهذا يعطى ما يكفيه لمدة سنة من نفقة وكسوة وأجرة مسكن.
والثاني: غارم لإصلاح ذات البين، كالذي يصلح بين الناس ويتحمل في ذمته ديوناً، فيصلح بين القبائل أو بين الأشخاص ولا يصطلحون إلا إذا تحمل، فيأتي إلى القبيلتين بينهما شر فيقول: أنا أتحمل، ويعطي هؤلاء مائة ألف وهؤلاء مائة ألف حتى يصطلحون، ويتحملها في ذمته، فهذا يعطى من الزكاة ما يسدد هذه الديون ولو كان غنياً؛ تشجيعاً له على هذا العمل النبيل، وقد كان هذا في الجاهلية وأقره الإسلام، قال الله تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:١١٤].
стр. 233
نوع كفر إبليس وأنواع الكفر
السؤال
مما استدل به الأزارقة على مذهبهم كفر إبليس، وقالوا: ما ارتكب إلا كبيرة حيث أمر بالسجود لآدم فامتنع فطرد من الجنة؟
الجواب
هذا المستدل جهله مركب، فإبليس ليس كفره بالمعصية بل كفره بالإباء والاستكبار، والإباء والاستكبار نوع من أنواع الكفر، فالكفر أنواع: منها: التكذيب، فمن كذب الله ورسوله كفر، ومنها: الإباء والاستكبار، وهو: أن يتلقى أمر الله وأمر رسوله بالإباء والاستكبار، بالرفض لا بالتكذيب.
وإبليس ما كذب الله، فالله تعالى قال: اسجدوا لآدم، وهو وامتنع واعترض على الله، وقال: لا يمكن أن أسجد لآدم؛ لأن عنصري أحسن من عنصر آدم، فعنصر آدم الطين، وأنا عنصري النار، والنار خير من الطين، ولا يمكن أن يخضع الفاضل للمفضول كما قال تعالى: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢].
فإذاً: كفر إبليس بالرفض والإباء والاستكبار، وليس بمعصية.
واليهود يعلمون أن محمداً هو رسول الله حقاً، كما قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٤٦]، فكفرهم بالإباء والاستكبار.
وكفر أبي طالب عم الرسول ﵊ الذي يقول: ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية دينا لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحاً بذاك مبينا كان بالإباء والاستكبار، فكان مستكبراً عن عبادة الله، وحملته الحمية أن يكون على دين قومه، فكان مستكبراً عن عبادة الله واتباع الرسول ﷺ ، فكفره بالإباء والاستكبار.
فإبليس كفره بالإباء والاستكبار وهو نوع من أنواع الكفر، والكفر أنواع منها: كفر التكذيب، وكفر الإباء والاستكبار، وكفر الإعراض، وكفر الشك، وكفر الرفض، وقد يكون بالاعتقاد، بأن يعتقد أن لله صاحبة أو ولداً، أو يكذب الله ورسوله، كما يكون بالقول كأن يسب الله أو يسب الرسول ﷺ ، أو يستهزئ بالله وبرسوله، وكفر يكون بالعمل كالسجود للصنم، وكفر بالرفض والامتناع كأن يعرض فلا يتعلم دين الله ولا يعبد الله، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [الأحقاف:٣]، فإبليس كفره بالإباء والاستكبار.
стр. 234
موقف المسلم تجاه ما حصل بين الصحابة
السؤال
ما هو موقف المسلم تجاه ما حصل بين الصحابة ﵃، وما حكم من يطعن في الصحابة ﵃؟
الجواب
أن الواجب على المسلم أن يترضى على الصحابة، وأن يكف اللسان عن ما صدر منهم، وأن يعتقد أن ما حصل بينهم كما قال الشيخ ابن تيمية ﵀: الأخبار التي تروى عن الصحابة منها ما هو كذب لا أساس له من الصحة، ومنها ما له أصل لكن زيد فيه ونقص وغير عن وجهه، ومنها ما هو صحيح، والصحيح هم فيه ما بين مصيب له أجران، ومخطئ له أجر.
ويجب على الجميع أن يعتقد أن الصحابة أفضل الناس وخير الناس لا كان ولا يكون مثلهم، وهم قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، فهم أفضل الناس وخير الناس، سبقونا إلى الإيمان والجهاد، وحملوا الشريعة، وبلغوا دين الله، فلهم من الحسنات والسبق إلى الإيمان وتبليغ دين الله ونشر الإسلام ما يغطي ما صدر منهم من الهفوات.
ولما أراد بعض العلماء أن يقارن بين عمر بن عبد العزيز وورعه ومعاوية بن أبي سفيان، قال: عمر بن عبد العزيز له إيمانه وتقاه وورعه، لكن ليس له مزية الصحبة فلا يلحق الصحابة، والصحابة لهم مزية الصحبة ولا يلحقهم من بعدهم إلى يوم القيامة، ولهم مزية الجهاد في سبيل الله مع الرسول ﵊ والسبق إلى الإسلام، وهي مزية لا يمكن أن يلحقهم فيها من بعدهم، ولهذا لما جاء في الحديث أن: (الصابر على دينه له أجر خمسين من الصحابة)، قال العلماء: له أجر خمسين في ناحية الصبر، لكن ليس معناه أنه أفضل من الصحابة، فالصحابة فاقوا عليه بالجهاد، وفاقوا عليه بالصحبة، وفاقوا عليه بنشر دين الله، لكن في هذه الخصوصية فقط.
ولهذا قال بعض العلماء: الغبار الذي دخل في أنف معاوية في جهاده مع النبي ﷺ يعدل ورع عمر بن عبد العزيز، فالصحابة لا كان ولا يكون مثلهم، فهم خير الناس وأفضل الناس بعد الأنبياء.
ثم أيضاً باب التوبة مفتوح، ولهم من الحسنات والمصائب التي يشاركون الأمة فيها، فكيف بعد هذا يكون مسلم يؤمن بالله ورسوله يسب الصحابة أو يكفرهم أو يضللهم.
стр. 235
شرح كتاب الإيمان الأوسط لابن تيمية [١٣]
ظهرت المعتزلة في عهد الحسن البصري وقالوا بأن الفاسق يخرج من الإيمان، لكن لا يدخل في الكفر، واعتزلوا حلقة الحسن البصري ﵀، ولهم أقوال رديئة فاسدة.
стр. 236
حكم الفاسق عند المعتزلة
стр. 237
ظهور المعتزلة وإنكارهم الشفاعة للعصاة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فلما شاع في الأمة أمر الخوارج تكلمت الصحابة ﵃ فيهم، ورووا عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الأحاديث فيهم، وبينوا ما في القرآن من الرد عليهم، وظهرت بدعتهم في العامة.
فجاء بعدهم المعتزلة الذين اعتزلوا الجماعة بعد موت الحسن البصري ﵀، وهم: عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء الغزال وأتباعهما].
لما شاع في الأمة أمر الخوارج تكلمت الصحابة فيهم وبينوا بدعتهم وحذروا الناس منهم، ورووا عن النبي ﷺ الأحاديث فيهم، وسبق أن الأحاديث في الخوارج كلها صحيحة، وفيهم عشرة أحاديث في الصحيحين وفي غيرهما، بخلاف الأحاديث التي في القدرية فرفعها ضعيف ووقفها أصح.
فبدعة الخوارج أول البدع ظهوراً، ظهرت في أواخر عهد الصحابة بعد مقتل عثمان ﵁، ثم بعد ذلك ظهرت بدعة المعتزلة في أوائل عهد التابعين في أوائل المائة الثانية، وسببها: أن الحسن البصري -وهو تابعي جليل- كان له حلقة يدرس فجاء رجل فسأل الحسن البصري عن العاصي وعن الفاسق فأجابه، وكان في حلقته عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء فاعترضا على شيخهما فقال واصل بن عطاء: أنا لا أقول إنه مؤمن ولا أقول إنه كافر، ثم جلس في حلقة مستقلة واعتزل حلقة شيخه الحسن البصري، ومن ذلك الوقت سموا معتزلة؛ لأنهم اعتزلوا حلقة شيخهم الحسن البصري.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فقالوا: أهل الكبائر يخلدون في النار كما قالت الخوارج، ولا نسميهم لا مؤمنين ولا كفاراً بل فساق ننزلهم منزلة بين منزلتين].
هذا مذهب المعتزلة وقد قالوا: أن أهل الكبائر مخلدون في النار كما قالت الخوارج، فهم يوافقون الخوارج في تخليد العاصي في النار في الآخرة، أما في الدنيا فيخالفونهم، فالخوارج يقولون: إذا فعل الكبيرة خرج من الإيمان ودخل في الكفر، والمعتزلة يقولون: خرج من الإيمان ولم يدخل في الكفر، وصار في منزلة بين المنزلتين لا مؤمناً ولا كافراً، ويقولون: نسميه فاسقاً، والحقيقة أنه ليس هناك منزلة بين الإيمان الكفر، والناس إما مؤمن أو كافر، وهم اختلقوا من عند أنفسهم منزلة بين المنزلتين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأنكروا شفاعة النبي ﷺ لأهل الكبائر من أمته، وأن يخرج أحد من النار بعد أن دخلها].
إنكار الشفاعة مشترك بين المعتزلة والخوارج، فكلهم أنكروا شفاعة النبي ﷺ لأهل الكبائر من أمته، وقالوا: إن العاصي مخلد في النار لا شفاعة له، واستدلوا بالآيات التي جاءت في الكفار كقوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٨]، وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة:٢٥٤]، وقوله: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر:١٨].
فهذه الآيات في الكفار حملوها على المؤمنين فقالوا: ليس لهم نصيب في الشفاعة، ولا يمكن أن يخرج أحد من النار بعد دخولها أبداً، فالزاني والسارق وشارب الخمر والكافر كلهم مخلدون في النار، ولا يمكن أن يشفع في أحد، ولا يمكن أن يخرج أحد من النار بعد دخولها مع أن الأحاديث في إخراج العصاة الموحدين بلغت حد التواتر ومع ذلك أنكرها الخوارج والمعتزلة، فأنكر عليهم أهل السنة وصاحوا بهم وبدعوهم وضللوهم وفسقوهم، وقالوا: كيف تنكرون النصوص وهي متواترة ولا حصر لها، والنبي ﷺ يشفع أربع شفاعات، والأنبياء يشفعون، والملائكة يشفعون، والشهداء يشفعون، والأفراط يشفعون، فكيف تنكرون الشفاعة ونصوصها متواترة؟ قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقالوا: ما الناس إلا رجلان سعيد لا يعذب أو شقي لا ينعم، والشقي نوعان: كافر وفاسق، ولم يوافقوا الخوارج على تسميتهم كفارا].
المعتزلة قالوا: الناس رجلان سعيد لا يعذب أو شقي لا ينعم، والسعيد الذي لا يعذب هو الموحد الذي أدى الواجبات وترك المحرمات، والشقي نوعان: كافر أتى بالكفر ومات على الكفر، والثاني: فاسق -وهو المؤمن العاصي- وهذا قالوا فيه: إنه شقي كالكافر سواء ليس هناك فرق بينه وبين الكافر.
والخوارج قالوا: الشقي نوع واحد وهو الكافر، والكافر عندهم الذي أتى بالكفر والذي أتى بالمعصية سواء بسواء ولا فرق.
والمؤسس للاعتزال هو واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد، وقد كان عمرو بن عبيد زاهداً في الدنيا لكنه ابتلي بالكلام، ونفى صفات الله ، وكذلك واصل بن عطاء، وقد كانوا في حلقة الحسن البصري يدرسون، ولكن ابتلوا بهذه الآراء السيئة، وكان واصل بن عطاء الغزال فصيحاً جداً، وعنده قوة في الخطابة والأسلوب وتصريف الكلام، حتى أنه يخطب الخطبة الطويلة -ساعتين أو ثلاثاً- لا يتلعثم إلا أنه في لسانه لثغة في الراء، فمن فصاحته صار يتجنب الراء في الخطبة الطويلة، فيأتي بخطبة طويلة ليس فيها راء حتى لا تبين لثغته، ومن فصاحته أنه قيل له مرة: قل أمر الأمير بحفر البئر في قارعة الطريق، فقال: أوعز القائد بقلب القليب في الجادة، فأدى المعنى بدون راء، ولكنه ابتلي بهذا الاعتقاد الفاسد، وهو المؤسس لمذهب المعتزلة هو وعمرو بن عبيد وهو القول بأن المؤمن العاصي يخرج من دائرة الإيمان في الدنيا ويخلد في النار في الآخرة، نسأل الله السلامة والعافية.
стр. 238
الرد على المعتزلة في تقسيم الناس بين الإيمان والكفر
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وهؤلاء يرد عليهم بمثل ما رد به على الخوارج، فيقال لهم: كما أنهم قسموا الناس إلى مؤمن لا ذنب له وكافر وفاسق لا حسنة له].
الضمير يعود إلى الخوارج، (فكما أنهم) أي: الخوارج (قسموا الناس إلى مؤمن لا ذنب له وكافر لا حسنة له)، والمؤمن الذي لا ذنب له هو المؤمن المطيع، والكافر الذي لا حسنة له هو الكافر والعاصي.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قسمتم الناس إلى مؤمن لا ذنب له وإلى كافر وفاسق لا حسنة له].
قوله: (قسموا): الضمير يعود إلى المعتزلة، والمعنى: قسمتم أيها المعتزلة الناس إلى مؤمن لا ذنب له وهو المطيع، وإلى كافر وفاسق لا حسنة له، فالكافر معروف، والفاسق هو المؤمن العاصي، فجعلوهم قسمين، لكن الفاسق لا حسنة له كما أن الكافر لا حسنة له، فجعلوا الفاسق مثل الكافر، والفاسق مؤمن له حسنات عند أهل الحق، لكن عند المعتزلة ليس له حسنة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فلو كانت حسنات هذا كلها محبطة، وهو مخلد في النار لاستحق المعاداة المحضة بالقتل والاسترقاق، كما يستحقها المرتد].
هذا هو الرد الأول، أن نقول للمعتزلة: لو كانت حسنة العاصي مرتكب الكبيرة حابطة وهو مخلد في النار لاستحق المعاداة المحضة بالقتل والاسترقاق كما يستحقها المرتد، ولو كان الزاني والسارق وشارب الخمر أو المرابي تحبط أعماله كالكافر وليس له حسنات لاستحق المعاداة المحضة فيقتل ويسترق كما أن الكافر يقتل ويسترق، فالمؤمنون إذا قاتلوا الكفار يقتلونهم ويسترقونهم، وإذا وقعوا أسرى بأيديهم فالإمام مخير بين القتل والاسترقاق والمفاداة، فهذا المؤمن العاصي الذي تقول المعتزلة إنه لا حسنة له وإن أعماله حابطة لو كانت أعماله حابطة لكان يستحق أن يعادى معاداة تامة كالكافر ويقتل ويسترق، لكن النصوص دلت على أنه يعامل معاملة المؤمنين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فإن هذا قد أظهر دينه بخلاف المنافق].
العاصي مرتكب الكبيرة قد أظهر دين الإسلام وهو مؤمن، وإذا سألت العاصي فقلت له: أأنت مؤمن؟ قال: نعم أنا مؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، ونحن نصلي ونصوم، فهو يظهر دينه وينتسب إلى الإسلام بخلاف الكافر.
стр. 239
بيان الرد على الوعيدية بآية (إن الله لا يغفر أن يشرك به)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقد قال الله في كتابه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨].
فجعل ما دون ذلك الشرك معلقاً بمشيئته].
هذه الآية فيها رد على المعتزلة، ووجه الرد من الآية قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨].
فخص الله الشرك بأنه لا يغفر، وعلق ما دونه بالمشيئة، فدل على أن العاصي تحت المشيئة؛ لأن معصيته دون الشرك، فهو تحت مشيئة الله إن شاء الله غفر له وإن شاء عذبه، وإذا عذبه فإنه يخرج من النار بشفاعة الشافعين، أو برحمة أرحم الراحمين كما دلت على ذلك النصوص.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولا يجوز أن يحمل هذا على التائب، فإن التائب لا فرق في حقه بين الشرك وغيره].
قوله: (لا يجوز أن يحمل هذا) الإشارة تعود إلى الحكم الذي دلت عليه الآية السابقة، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨].
أي: فلا يقول قائل في التائب؛ لأن التائب لا فرق في حقه بين الشرك وغيره، والتوبة تجب ما قبلها سواء كان شركاً أو غير شرك، فمن تاب من الشرك قبل الله توبته إذا كانت توبة نصوحاً، ومن تاب من الزنا أو السرقة أو الربا قبل الله توبته، والآية فرقت بين الشرك وغيره: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨].
فدل على أن هذا في غير التائبين؛ لأن الله تعالى فرق بين الشرك وغيره، فخص الشرك بأنه لا يغفر وعلق ما دونه تحت المشيئة، أما التوبة فإنها تجب ما قبلها أياً كانت، كالتوبة من الشرك أو الكفر أو النفاق أو الزنا أو السرقة، فإذا كانت التوبة نصوحاً وجاء التائب بشروطها: أن تكون التوبة لله، وأقلع عن المعصية، وندم على ما مضى، وعزم على عدم العودة إليها، ورد المظلمة إلى أهلها، وكانت التوبة قبل الموت وقبل طلوع الشمس من مغربها في آخر الزمان، فهذه مقبولة من كل شخص، حتى من المثلثة النصارى الذين قالوا: إن الله ثالث ثلاثة، فقد عرض الله عليهم التوبة بقوله: ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ﴾ [المائدة:٧٤].
فهذه الآية في غير التائبين، بخلاف آية الزمر فإنها في التائبين كما سيذكر المؤلف ﵀ وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٥٣].
فهذه أجمع العلماء على أنها في التائبين؛ لأن الله عمم وأطلق، فقال: ﴿إِِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٥٣]، أي ذنب: سواء كان كفراً، أو شركاً، أو نفاقاً، فعمم وأطلق ولم يخصص ولم يقيد، فدل على أنها في التائبين، فآية الزمر في التائبين، وآية النساء في غيرهم.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٥٣]، فهنا عمم وأطلق؛ لأن المراد به التائب، وهناك خص وعلق].
قوله: (هناك): الإشارة تعود إلى آية النساء، و (هنا) الإشارة تعود إلى آية الزمر.
والتخصيص هو تخصيص الشرك بأنه لا يغفر، وعلق ما دون الشرك على المشيئة فقال: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، وفي آية الزمر عمم وأطلق.
стр. 240
أصناف المؤمنين في القرآن
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ [فاطر:٣٢ - ٣٥].
فقد قسم الله سبحانه الأمة التي أورثها الكتاب واصطفاها إلى ثلاثة أصناف: ظالم لنفسه، ومقتصد، وسابق بالخيرات، وهؤلاء الثلاثة ينطبقون على الطبقات الثلاث المذكورة في حديث جبريل ﵊: الإسلام، والإيمان، والإحسان، كما سنذكره إن شاء الله تعالى].
هذه الآية هي آية فاطر: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر:٣٢]، وفيها أقسام المؤمنين، وهؤلاء الثلاثة كلهم مؤمنون، لأن الله أورثهم الكتاب واصطفاهم، فكلهم مصطفون، وكلهم أورثهم الله القرآن: فالصنف الأول: هو الظالم لنفسه، وهو المؤمن العاصي الذي أخل ببعض الواجبات أو فعل بعض المحرمات.
والصنف الثاني: هو المقتصد، وهو المؤمن المطيع الذي أدى الواجبات وترك المحرمات، لكن ليس عنده نشاط في فعل المستحبات والنوافل، وليس عنده نشاط في ترك المكروهات كراهة تنزيه وفضول المباحات، بل قد يتوسع في المباحات وقد يفعل المكروهات، فهؤلاء يقال لهم: مقتصدون، ويقال لهم أصحاب اليمين.
والصنف الثالث: السابق بالخيرات، وهم الذين أدوا الواجبات، ومع ذلك عندهم نشاط ففعلوا المستحبات والنوافل، وتركوا المحرمات، وتركوا المكروهات كراهة تنزيه، وتركوا فضول المباحات خشية الوقوع في المحرمات، وهؤلاء كلهم مؤمنون، فإن قيل: كيف يكون العاصي من المصطفين؟ قلنا: لما سلم من الشرك ووحد الله وأخلص له العبادة صار من المصطفين دون الكفار.
والقسم الرابع: الكفار.
وفي سورة الواقعة قسمهم الله ثلاثة أصناف فقال: ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة:٧]، وقال: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة:١٠]، وقال: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة:٢٧]، وقال: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾ [الواقعة:٤١].
وفي آخر الواقعة قسمهم كذلك.
وهؤلاء الثلاثة: الظالم والمقتصد والسابق ينطبقون على الطبقات الثلاث في حديث جبريل: الإسلام والإيمان والإحسان، فالظالم لنفسه يسمى مسلماً ولا يسمى مؤمناً؛ لأنه ترك بعض الواجبات وفعل بعض المحرمات، والمقتصد يسمى مؤمناً، والسابق للخيرات يسمى محسناً.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ومعلوم أن الظالم لنفسه إن أريد به من اجتنب الكبائر أو التائب من جميع الذنوب فذلك مقتصد أو سابق، فإنه ليس أحد من بني آدم يخلو عن ذنب، لكن من تاب كان مقتصداً أو سابقاً].
الأقرب والله أعلم أن الظالم لنفسه لا يراد به من اجتنب الكبائر، وقوله: (إن أريد به من اجتنب الكبائر) أي: ما أريد به من اجتنب الكبائر فإن هنا نافية بمعنى (ما)؛ لأن الظالم لنفسه هو الذي يفعل بعض الكبائر، والتائب من جميع الذنوب، إما مقتصد إذا كان يفعل بعض النوافل والمستحبات، وإما سابق بالخيرات إن كان يفعل مع ذلك المستحبات.
فإذاً الظالم لنفسه غير التائب، لأن الظالم لنفسه هو الذي يفعل بعض المحرمات ويترك بعض الواجبات ولم يتب، أما من تاب من فعله لبعض الكبائر فيكون من المقتصدين أو من السابقين، فالظالم لنفسه يراد به من يفعل بعض الكبائر ولا يراد به من اجتنب الكبائر.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [كذلك من اجتنب الكبائر كفرت عنه السيئات كما قال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء:٣١]، فلا بد أن يكون هناك ظالم لنفسه موعود بالجنة، ولو بعد عذاب يطهر من الخطايا].
التائب إما مقتصد أو سابق، ويقولون: ليس أحد من بني آدم يخرج من الذنب، فالإنسان محل الذنب، لكن من تاب كان مقتصداً أو سابقاً، إن تاب من الذنب وفعل المستحبات فهو سابق، وإن تاب من الذنب ولم يفعل النوافل فهو مقتصد، ومن اجتنب الكبائر كفرت عنه السيئات، كما قال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء:٣١].
إذاً: لابد أن يكون هناك ظالم لنفسه موعود بالجنة ولو بعد عذاب يطهر به من الخطايا وهذا هو المؤمن العاصي، وهو موعود بالجنة إن عاجلاً أو آجلاً؛ إن عفا الله عنه دخل الجنة من أول وهلة، وإن لم يعف الله عنه عذب بالنار ثم أخرج منها إلى الجنة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فإن النبي ﷺ ذكر أن ما يصيب المؤمن في الدنيا من المصائب مما يجزى به ويكفر به من خطاياه، كما في الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: (ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا هم ولا حزن ولا غم ولا أذىً حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه)].
وهذا الحديث صحيح رواه الشيخان البخاري ومسلم وغيرهما.
والوصب المرض.
والنصب: التعب.
والهم والحزن والغم من أمراض الداخلية والباطن، والأذى عام، وقيل الهم ينشأ عن الفكر في ما يتوقع حصوله مما يتأذى به.
والغم كرب يحدث للقلب بسبب ما حصل.
والحزن يحصل لفقد ما يشق على المرء فقده.
وهذه كلها يكفر بها من خطاياه، فإذا أصاب الإنسان مرض أو تعب أو هم أو حزن أو غم أو أذى حتى الشوكة إذا أصابت جسمه يكفر الله بها من خطاياه، ولما نزل قوله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء:١٢٣] بين النبي ﷺ لـ أبي بكر أن الحزن والهم يجزى به الإنسان.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وفي المسند وغيره أنه لما نزلت هذه الآية: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء:١٢٣].
قال أبو بكر ﵁: يا رسول الله! جاءت قاصمة الظهر، وأينا لم يعمل سوءاً؟ فقال: (يا أبا بكر ألست تنصب؟ ألست تحزن؟ ألست تصيبك اللأواء؟ فذلك مما تجزون به)].
اللأواء: الشدة وضيق العيش.
أبو بكر ﵁ بفقهه وعلمه وورعه يفهم معنى الآية: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء:١٢٣]، إذ معناه: أن كل سوء يعمله الإنسان لا بد أن يجازى به، فقال: يا رسول الله! جاءت قاصمة الظهر، ومن يستطيع ألا يعمل شيئاً ولا يقع في سيئة ولا هفوة، وكل شيء نعمله لابد أن نجازى به، فبين له النبي ﷺ أن الجزاء ليس خاصاً في الآخرة، بل عام في الدنيا فقال: (يا أبا بكر ألست تنصب؟ ألست تحزن؟ ألست تصيبك اللأواء والشدة والهم والغم قال: بلى، قال: ذلك مما تجزون به).
فإذا تعب الإنسان أو أصابه نصب أو هم أو غم أو شوكة أو أذى أو ضيق أو مصيبة كفر بها من خطاياه، والحمد لله على ذلك، والمؤمن أمره كله له خير؛ ولهذا جاء في الحديث: (عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، إن أصابته ضراء فصبر كان خيراً له، وإن أصابته سراء فشكر كان خيراً له، وليس ذلك إلا للمؤمن)، فالمؤمن ينصب ويحزن ويتعب، وتصيبه اللأواء والشدة وضيق العيش والمرض، وهذا كله مما يبتلى به الإنسان.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأيضاً فقد تواترت الأحاديث عن النبي ﷺ من أنه يخرج أقوام من النار بعدما دخلوها، وأن النبي ﷺ يشفع في أقوام دخلوا النار].
هذا هو المرجح السادس من المرجحات: أن وصف العصاة بالإيمان والإسلام لضعف إيمانهم لا لنفاقهم، وأن المؤمن العاصي إذا دخل النار فإنه يعذب بها ثم يخرج، وقد يشفع فيه فلا يدخل النار، وقد يعفو الله عنه، فدل هذا على أن الفاسق أو العاصي والذي وصف بالإيمان دون الإسلام لا يخرج من الإيمان ولو ضعف إيمانه.
وقد تواترت الأحاديث عن النبي ﷺ بأنه يخرج أقوام من النار بعدما دخلوها، وأن النبي ﷺ يشفع في أقوام دخلوا النار، بل ثبت أن النبي ﷺ يشفع في العصاة أربع مرات، وكل مرة يحد الله له حداً، جاء في بعض الأحاديث: أن الله يقول: (أخرج من كان في قلبه مثقال دينار من إيمان) وفي بعضها: (مثقال نصف دينار) وفي بعضها: (أخرج من كان في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان) وفي بعضها: (أخرج من في قلبه أدنى مثقال حبة خردل من إيمان) وفي بعضها: (أخرج من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة خردل من إيمان) فيخرجهم بالعلامة وقد جعل الله له علامة، وهذا فيه رد على الخوارج والمعتزلة الذين يقولون بتخليد العصاة في النار وأنهم لا يخرجون منها، فهذا دليل ومن المرجحات على أن العاصي وضعيف الإيمان لا يخرج من الإيمان ولا يسمى منافقاً، بل عنده أصل الإيمان، فيقال: إنه مؤمن ضعيف الإيمان، مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته.
стр. 241
الاحتجاج على طائفتي الوعيدية والمرجئة بنصوص الوعد والوعيد
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وهذه الأحاديث حجة على الطائفتين الوعيدية الذين يقولون: من دخلها من أهل التوحيد لم يخرج منها، وعلى المرجئة الواقفة الذين يقولون: لا ندري هل يدخل من أهل التوحيد النار أحد أولاً].
هذا الحديث حجة على الطائفتين: الوعيدية: وهم الخوارج والمعتزلة، ويسمون الوعيدية؟ لأنهم يعملون بنصوص الوعيد، ويغمضون أعينهم عن نصوص الوعد، فيعملون ببعض النصوص ويتركون بعض النصوص، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء:١٠].
فهذا من نصوص الوعيد، إذاً آكل مال اليتيم مخلد في النار.
وقوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء:٩٣]، إذاً القاتل مخلد في النار، وهكذا عملوا بالنصوص التي فيها الوعيد للعصاة كالحديث: (من اقتطع مال امرئ بيمينه أوجب الله له النار).
أما نصوص الوعد كالحديث: (من قال: لا إلا الله دخل الجنة) و (حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئاً) فهذه يغمضون أعينهم عنها، ولا يعملون إلا بنصوص الوعيد، وهذه علامة أهل الزيغ، أنهم يأخذون ببعض النصوص ويتركون البعض الآخر.
فالخوارج والمعتزلة أخذوا نصوص الوعيد فخلدوا العصاة في النار وأخرجوهم من الإيمان في الدنيا، وأغمضوا أعينهم عن نصوص الوعد، وقابلتهم المرجئة فأخذوا بنصوص الوعد، فقالوا في مثل: (من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة)، إن المعاصي لا تضر، وإن زنى وإن سرق، أما الأثر: (من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه) فقالوا فيه: الموحد لا يضره أي كبيرة يعملها.
أما نصوص الوعيد فقد أغمضوا أعينهم عنها؛ لأنهم من أهل الزيغ.
فجاء أهل السنة وأخذوا نصوص الوعيد وصفعوا بها وجوه المرجئة وأبطلوا بها مذهبهم، وقالوا: مذهبكم باطل بنصوص الوعيد، وأخذوا نصوص الوعد وصفعوا بها وجوه الخوارج والمعتزلة وأبطلوا بها مذهبهم وقالوا: مذهبكم باطل، فأبطلوا مذهب الخوارج والمعتزلة بأدلة المرجئة، وأبطلوا مذهب المرجئة بأدلة الخوارج والمعتزلة، وتعارضا فتساقطا، وبقي مذهب أهل السنة والجماعة.
قال أهل السنة: أنتم أدلتكم أيها الخوارج نأخذها ونستدل بها على أن المعاصي تضعف الإيمان وتنقص الإيمان، لكن لا يخرج بها من الإيمان بدليل نصوص الوعد، ونأخذ أدلتكم أيها المرجئة من نصوص الوعد ونستدل بها على أن العاصي معه أصل الإيمان، ولا يخرج من الإيمان، ولكن المعاصي تضره وتنقصه بدليل نصوص الوعيد، فأخذوا أدلة هؤلاء وأدلة هؤلاء، وعملوا بالأدلة من الجانبين، وأبطلوا مذهب المعتزلة بأدلة المرجئة، وأبطلوا مذهب المرجئة بأدلة الخوارج والمعتزلة، وبقي مذهب أهل السنة في الميدان هو الصحيح.
وهذه الأحاديث حجة على الطائفتين: الوعيدية الذين يقولون من دخلها من أهل التوحيد لم يخرج منها، وهذا وصف مشترك بين الخوارج والمعتزلة، وحجة على المرجئة الواقفة الذين يقولون: لا ندري هل يدخل من أهل التوحيد النار أحد أم لا؟ فهؤلاء متوقفون عندهم شك، ويسمون الواقفة، فإذا قيل لهم: هل أهل التوحيد يدخلون النار؟ قالوا: لا ندري، فهذه النصوص حجة عليهم، فالنصوص فيها أنهم يدخلون ويخرجون.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [كما يقول ذلك طوائف من الشيعة والأشعرية، كالقاضي أبي بكر وغيره].
القاضي أبو بكر الباقلاني من أمكن الأشاعرة، وقد وافق المرجئة الواقفة طوائف من الشيعة والأشعرية وتوقفوا في دخول العصاة أهل التوحيد النار.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأما ما يذكر عن غلاة المرجئة أنهم قالوا: لا يدخل النار من أهل التوحيد أحد فلا نعرف قائلاً مشهوراً من المنسوبين إلى العلم يذكر عنه هذا القول].
يقولون: لن يدخل النار من أهل التوحيد أحد ولو فعل جميع الكبائر وجميع المعاصي، وهذا يقوله غلاة المرجئة كالجهمية، ولا يوجد أحد من العلماء المنتسبين للعلم يقول بهذا القول، إنما يقوله غلاة المرجئة وغلاة المرجئة هم الجهمية الذين يقولون لا يضر مع الإيمان طاعة كما لا ينفع مع الكفر معصية، فيقولون: إن المؤمن إذا عرف ربه بقلبه يكفيه، ولو فعل المنكرات وجميع الكبائر، حتى لو فعل المكفرات فلا يضره ما دام أنه يعرف ربه بقلبه، وهذا من أبطل الباطل.
стр. 242
إثبات الإيمان للعصاة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأيضاً فإن النبي ﷺ قد شهد لشارب الخمر المجلود مرات بأنه يحب الله ورسوله ونهى عن لعنه، ومعلوم أن من أحب الله ورسوله ﷺ أحبه الله ورسوله بقدر ذلك].
هذا هو المرجح السابع من مرجحات مذهب جمهور السلف والخلف القائلين بأن الذين وصفوا بالإسلام دون الإيمان ليسوا منافقين، وإنما معهم أصل الإيمان، خلافاً لطائفة من أهل السنة على رأسهم الإمام البخاري وجماعة حينما قالوا: إن هؤلاء منافقون.
فالمرجح السابع: أن النبي ﷺ قد شهد لشارب الخمر بأنه يحب الله ورسوله ونهى عن لعنته، فالرجل الذي كان يؤتى به كثيراً ويجلد في الخمر لما لعنه رجل قال: لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله، ومعلوم أن من أحب الله ورسوله أحبه الله ورسوله بقدر ذلك، والذي يحبه الله ورسوله لا يمكن أن يكون كافراً أو منافقاً؛ لأن المنافق لا يحبه الله ورسوله، فدل على أنه مؤمن.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأيضاً فإن الذين قذفوا عائشة أم المؤمنين ﵂، كان فيهم مسطح بن أثاثة.
وكان من أهل بدر، وقد أنزل الله فيه لما حلف أبو بكر ﵁ ألا يصله: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور:٢٢]].
قصة قذف عائشة معروف أنه أشاعه أهل الإثم وعلى رأسهم عبد الله بن أبي ابن سلول رئيس المنافقين، كان يشيع الإفك، والإفك أسوأ الكذب، وهو قذف عائشة ﵂ بالفاحشة، وذلك لما تخلفت عن الجيش وأركب هودجها الذين وكلوا بالهودج وظنوا أنها فيه لخفتها وهي كانت خرجت لحاجتها، فسار الجيش وتركها، فجاء صفوان بن المعطل السلمي وكان قد تأخر فلما رآها عرفها فخمرت وجهها بجلبابها ثم أناخ لها البعير فركبت وجعل يقودها إلى المدينة، فأشاع أهل الإفك من المنافقين وغيرهم ذلك، وعبد الله بن أبي يستوشيه ويجمعه ولكن لا يثبت عليه شيء؛ ولهذا ما جلده النبي ﷺ ؛ لأنه ما ثبت عليه شيء، فهو يستوشيه وينشره من بعيد، ولكن لا يتكلم به أمام أحد حتى لا يثبت عليه شيء، وهو الذي تولى كبره قال تعالى: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:١١].
وشارك في هذا وتكلم فيه بعض الصحابة، منهم حسان بن ثابت الشاعر، ومنهم مسطح بن أثاثة ابن خالة أبي بكر ﵁، وكان أبو بكر ينفق عليه لقرابته وفقره، فجلد النبي ﷺ مسطح وأقام عليهم الحد ثمانين جلدة، ومعلوم أن الحد طهارة، فطهرهم الله بالحد والتوبة طهارة، فلما شارك مسطح بن أثاثة في الإفك حلف أبو بكر أن يقطع النفقة عنه، أنزل الله هذه الآية تنهى أبي بكر عن الحلف، قال الله تعالى: ﴿وَلا يَأْتَلِ﴾ [النور:٢٢]، أي: لا يحلف ﴿وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ [النور:٢٢].
والفضل: السعة والغنى: ﴿أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى﴾ [النور:٢٢]، وهو مسطح: ﴿وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ [النور:٢٢].
فـ مسطح من القرابة وهو مسكين ومهاجر، اجتمعت فيه الأوصاف، قال تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور:٢٢].
قال أبو بكر لما نزلت هذه الآية: بلى والله أحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى النفقة التي ينفقها على مسطح.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وإن قيل إن مسطحاً ﵁ وأمثاله تابوا؛ لكن الله تعالى لم يشترط في الأمر بالعفو عنهم والصفح والإحسان إليهم التوبة].
إن هذه الآية أنزلها الله في أمر أبي بكر بالعفو والصفح، فإذا قيل إن مسطحاً وأصحابه تابوا إلى الله والحد طهارة وقد أقيم عليهم الحد، فيقال: الآية ليس فيها شرط التوبة وما قال الله: وليعفوا وليصفحوا إذا تابوا، فدل على أنه مأمور بالصفح والتوبة حتى ولو لم يتوبوا؛ لأنه مؤمن ولو كان عاصياً، فدل على أنه بقي على ِإيمانه وأنه ليس من المنافقين.
ووجه الدلالة: أن الله أمر أبا بكر بالعفو والصفح والنفقة ولم يشترط التوبة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وكذلك حاطب بن أبي بلتعة ﵁ كاتب المشركين بأخبار النبي ﷺ ، فلما أراد عمر ﵁ قتله قال النبي ﷺ : (إنه قد شهد بدراً، وما يدريك أن الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم،)].
هذا هو المرجح التاسع من المرجحات أن من وصف بالإسلام دون الإيمان فإنه يبقى على إيمانه، وأن من فعل المعصية فهو باق على أصل إيمانه، وفي ذلك قصة حاطب بن أبي بلتعة ﵁ لما كاتب المشركين بأخبار النبي ﷺ وتأول فقال: إنه يريد أن يضع يداً عندهم ليحموا بها أهله وعشيرته، فهذا عذره وهو صادق في ذلك، وما أنكر الله عليه وأنزل فيه صدر سورة الممتحنة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الممتحنة:١]، وفي آخرها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة:١٣].
فجعل الله فعل حاطب من التولي ومع ذلك فهو مسلم من الصحابة وممن شهد بدراً.
فهذا كله من المرجحات لجمهور السلف والخلف على أن من فعل معصية فإن يبقى على إيمانه، وأن من وصف بالإسلام دون الإيمان فإنه لا يخرج بذلك عند دائرة الإيمان ولا يكون من المنافقين، ولما أراد عمر قتله وقال: دعني أضرب عنقه، وفي اللفظ الآخر: (أن عمر قال: يا رسول الله! دعني أضرب عنق هذا المنافق فقد خان الله ورسوله و - عمر معذور؛ لأنه متأول حيث رأى حاله- فلما دعا النبي ﷺ حاطباً وسأله قال: يا رسول الله! لا تعجل علي، فوالله ما فعلت ذلك رضا بالكفر بعد الإيمان وإنما أردت أن أتخذ يداً عندهم يحمون بها أهلي وعشيرتي، وإن من عندك من قريش لهم قرابات يحمون أهليهم فأردت إن فاتني ذلك أن أتخذ عندهم يداً، فقال عمر: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، فإنه قد خان الله ورسوله، فقال النبي ﷺ : أما أنه قد صدقكم، وقال: أما إنه قد شهد بدراً وما يدرك يا عمر لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم).
فقصة حاطب بن أبي بلتعة دليل لجمهور السلف والخلف على بقاء الإيمان مع المعصية، وأن من وصف بالإسلام دون الإيمان فإنه لا يكون من المنافقين.
стр. 243
الأسئلة
стр. 244
بيان أن الرافضة لا يعتمد عليهم في الأذكار ولا غيرها
السؤال
لا يشك عاقل أن الرافضة -قبحهم الله- لهم خطط ماكرة للصد عن سبيل الله وقد ضايقوا المسلمين بأعظم مقدساتهم في الحرمين مكة والمدينة، ولهم خطط لجعلها -قبحهم الله- وكراً لنشر مذاهبهم الضالة، وفي الآونة الأخيرة ازداد شرهم حتى نشروا بعض الأوراق مما ظاهره حسن من الأدعية التي رواها الأئمة كـ البيهقي وغيره ﵏، فما رأيكم في ذلك، وهل من توجيه لنا تجاه هذا؟
الجواب
هذا الأذكار التي يوزعها الشيعة لا ينبغي لمسلم أن يعتمد عليها، ولا أن يقبلها؛ لأنهم ليسوا أهلاً للتوزيع وليسوا أهلا لأن يؤخذ منهم، والأذكار الشرعية موجودة في الأحاديث الصحيحة، وقد ألف العلماء كتباً في الأذكار فألف ابن القيم كتاب الوابل الصيب في الكلم الطيب، وألف النووي كتاب الأذكار، فتؤخذ منها أذكار الصباح والمساء، وابن السني ألف في عمل اليوم والليلة، وشيخ الإسلام ابن تيمية له أيضاً الكلم الطيب، وسماحة شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ له رسالة في الأذكار، وكذلك حصن المسلم لأخينا الشيخ سعيد بن وهف القحطاني، وكذلك الشيخ عبد الله الجار الله له أيضاً نشرة في الأذكار، وهو حديث يكفى به عن هذه التي يوزعها الشيعة، فالشيعة ليسوا أهلاً لأن يؤخذ ويعتمد على توزيعهم.
стр. 245
حكم أهل الفترة
السؤال
ما مذهب أهل السنة والجماعة في أهل الفترة الذين ماتوا قبل بعثة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟
الجواب
أهل الفترة الله أعلم بهم وهو الذي يحاسبهم، ولكن جاءت النصوص في أن بعض أهل الفترة بلغتهم الدعوة، فمن بلغتهم الدعوة فإنهم يؤاخذون، ومن ذلك ما جاء أن عبد الله بن جدعان قيل للنبي ﷺ إن له جفنة كبيرة يطعم منها الحجاج، فهل ينفعه ذلك؟ فقال النبي ﷺ : (لا، إنه لم يقل يوماً: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين) أي: أنه أنكر البعث.
وجاء في قصة الرجل الذي سأله: أين أبي؟ قال: (في النار فلما ولى دعاه فقال: إن أبي وأباك في النار) فدل على أنه قد قامت عليه الحجة، وكذلك والد النبي ﷺ .
وأما والدة النبي ﷺ فقد ثبت في صحيح مسلم وفي مسند الإمام أحمد أن النبي ﷺ قال: (استأذنت ربي في أن أزور قبر أمي فأذن لي واستأذنته أن أستغفر لها فلم يأذن لي)، فزار قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، ولم يأذن الله له بالاستغفار لأمه، وأمه ﵊ ماتت في الفترة، فيحتمل أنها بلغتها الدعوة ويحتمل أنها لم تبلغها الدعوة.
وجاءت أحاديث في أهل الفترة بعضها صحيح وأكثرها ضعيفة لكن يشد بعضها بعضاً، وقد أخذ بها شيخ الإسلام ابن تيمية والعلامة ابن القيم في أنهم يمتحنون يوم القيامة، وجاء في بعض الأحاديث أنه يؤتي بالشيخ الكبير والهرم والأصم من أهل الفترة، وأنه يخرج لهم عنق من النار، فيقال: رِدُوها.
فمن وردها صارت عليه برداً وسلاماً، ومن امتنع فإنه يكون عاصياً، فهذه الأحاديث فيها دليل على أن من لم تبلغه الدعوة يمتحن يوم القيامة، فمن أطاع دخل الجنة ومن عصى دخل النار، والله تعالى له الحكمة البالغة، وهو الحكم العدل .
стр. 246
حكم من قال للنبي ﷺ اعدل
السؤال
الخوارج الذين خرجوا على علي ﵁ هل كان فيهم أحد ممن لاقى النبي ﷺ ، وهل الذي قال للنبي ﷺ : (اعدل يا محمد) يعد من الصحابة ويترضى عنه؟
الجواب
ظاهره أنه منافق، ولهذا استأذن خالد في قتله وقال: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، فقال: (لا.
أليس يصلي) جاء في اللفظ الآخر: (لئلا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابة).
ولهذا قال: (إنه يخرج من ضئضي هذا)، أي: من نسله وعقيدته (قوم تحقرون صلاتكم عند صلاتهم)، فالأقرب والله أعلم أنه منافق؛ لأنه اعترض على النبي ﷺ وقال: اعدل، أو: اتق الله، فاتهم النبي ﷺ .
وجاء في الحديث الآخر في قصة الأنصاري الذي اختصم هو والزبير في شراج الحرة، وهو مسيل الماء، وكان جاراً للزبير، وكان الماء يسقي من الأعلى ثم الأدنى، وكان الزبير هو الأعلى فقال الأنصاري للزبير: سرح الماء إلى أرضي، والزبير انتظر حتى يبلغ الماء الزرع ثم يرسله، فقال: لا، فاختصما إلى النبي ﷺ فقال النبي ﷺ : (اسق يا زبير ثم سرح الماء إلى جارك) ولم يحدد له حداً، فغضب الأنصاري وقال للرسول ﵊: أن كان ابن عمتك -قلت له هذا- فتلون وجه النبي ﷺ ، وقال: (اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر) أي: مقدار ما يغطي الرجل ثم أرسل الماء إلى جارك، وفي الأول ما أعطى الزبير حقاً، فلما أغضب الأنصاري النبي ﷺ أعطى الزبير حقه كاملاً في الشرع، ولهذا أخذ العلماء من قوله ﷺ : (احبس الماء حتى يصل إلى الجدر) أنه بمقدار ما يمشي الماء في المزرعة فإذا غطى الماء الكعبين يجب أن تسرحه إلى جارك، وفي قول هذا الرجل: (أن كان ابن عمتك)، قيل: إنه منافق اتهم النبي ﷺ ، وقيل: إنه ليس منافقاً ولكن من شدة الغضب قال هذا، والأقرب والله أعلم أن هذا الذي اتهم النبي ﷺ منافق.
стр. 247
حكم الجاسوس
السؤال
من فعل فعل حاطب ﵁ في هذا الزمان، فما حكمه هل يحكم عليه بما حكم به على حاطب ﵁؟
الجواب
العلماء لهم كلام طويل في هذا، وهذا يسمى جاسوساً يتجسس على المسلمين، والعلماء حكموا بأن الجاسوس يقتل، وهل يكفر أو لا يكفر؟ فيه كلام، وأما حاطب فإنه منع من قتله أمران: الأمر الأول: أنه صادق، قال النبي ﷺ : (أما إنه قد صدق).
والثاني: أنه شهد بدراً، وهذان الأمران لا يجتمعان في غير حاطب إلى يوم القيامة، فلا يمكن لأحد أن يكون شهد بدراً، فلهذا قالوا: الجاسوس إذا تجسس على المسلمين قتل.
وهو الذي ينقل أخبار المسلمين إلى المشركين وقتله من قبل ولاة الأمور وليس من قبل الأشخاص، فإذا ثبت عند ولاة الأمور أنه جاسوس يقتل أما الأشخاص فلا؛ لأنه تصبح المسالة فوضى كلما أبغض شخص آخر قتله وقال: هذا جاسوس.
стр. 248
حكم فسخ عقد الإجارة قبل انتهاء مدته
السؤال
أجرت محلاً لي بعقد لمدة سنة ثم أخل المستأجر بشروط العقد، وماطل في الدفع، فهل يجوز أن أفسخ العقد ولو بقي له بعض المال من الأقساط الأولى التي دفعها كمقدم للعقد؟
الجواب
الإجارة عقد لازم يلزم الوفاء به، وهذا لابد أن يؤدي، فيشتكى به ويحبس ويلزم بأداء الأجرة كاملة.
لكن إذا اتفق معه على شيء أو اصطلح معه على ترك الأجرة أو على إنهاء الأجرة فلا بأس، إما إذا تمسك المؤجر بالأجرة فإنه يلزم المستأجر إتمام الإجارة.
стр. 249
أقسام الرياء
السؤال
إذا كان الرياء يبطل الأعمال، فهل إذا توضأ الرجل رياء ثم صلى هل تبطل صلاته كما يبطل وضوءه؟
الجواب
الرياء فيه تفصيل، فالرياء الذي يحبط العمل هو الذي يداخل العمل من أصله ويستمر معه إلى نهاية العمل، إما إذا طرأ الرياء على الإنسان ثم دفعه واستغفر الله فلا يضره، لكن إذا استرسل معه واستمر فقيل إنه يجازى بنيته الأولى ولا يبطل، وقيل: إنه إذا استمر معه فإنه يبطل العمل، ومن يتوضأ رياء كيف يتوضأ رياء؟! فالغالب أن الرياء يكون في الصلاة في تحسين الصلاة أو تزيينها ولا يكون في الوضوء.
стр. 250
حكم من فسق الصحابة أو كفرهم
السؤال
ما الحكم على من فسق الصحابة أو كفرهم؟
الجواب
من كفر الصحابة وفسقهم فقد كذب الله، ومن كذب الله كفر؛ لأن الله زكاهم وعدلهم ووعدهم بالحسنى بالجنة، فهو مكذب لله.
следующие страницы →