Полный текст (331 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
حكم قصر الصلوات والجمع بينها للمسافر
السؤال
جئت من خارج مدينة الرياض وأنا مسافر، فهل آخذ برخص السفر، مع العلم بأني مقيم إلى نهاية الدورة العلمية؟
الجواب
هذا يذكرني بأن أحد الإخوان سألني بعد الصلاة وقال: هل نصلي السنة الراتبه أو نؤخرها؟ قلت: صلها الآن، السنة الراتبة لا تؤخر، فالسنة الراتبة وقتها من المغرب إلى دخول وقت العشاء، فإذا دخل وقت العشاء ذهب وقتها، وأنا أشاهد بعض الإخوان يجلسون ولا يصلون السنة الراتبة، وهذا غلط، فينبغي للإنسان أن يحافظ على السنة الراتبة.
وأما المسافر الذي أتى من بعيد فإذا نوى أن يقيم أكثر من أربعة أيام فالصواب الذي تدل عليه النصوص والذي أقره جمهور العلماء: أنه تنقطع أحكام السفر من أول فريضة يصليها، فيصلي السنن الرواتب من أول فريضة.
فإذا نوى الإقامة يوماً أو يومين أو ثلاثة أيام أو أربعة فقط، أو له حاجة ولا يدري متى تنتهي، فهذا لا يزال مسافراً، لكن إذا صلى مع الإمام وأتم فالحكم حكم المقيمين، وإن صلى وحده مع المسافرين فإنه يقصر الصلاة ولا يصلي السنة الراتبة، راتبة الظهر وراتبة المغرب وراتبة العشاء، أما سنة الفجر فلا تترك حضراً ولا سفراً.
فالإخوان الذين جاءوا للدورة وقد قرروا ونووا أن يقيموا أسبوعين ليسوا مسافرين، ومن أول فريضة تنقطع أحكام السفر عندهم، فعليهم أن يصلوا السنن الرواتب وغيرها، وليس لهم أن يقصروا ولا أن يجمعوا.
стр. 37
كيفية التخلص من المال الربوي
السؤال
أعطيت زوجتي مالاً ربوياً وهي لا تعلم ذلك واشترت به ذهباً، فكيف تتخلص من هذا الذهب؟ وهل يجب علي إخبارها بذلك؟ وهل يصلح التصدق به في بناء مسجد؟
الجواب
نعم، وعليك أن تخرج ما يقابل هذا المال، فالإثم عليك وهي لا إثم عليها، فعليك أن تخرج ما يقابل قيمة الذهب وتنفقه في المصالح العامة بنية التخلص منه لا بنية التقرب إلى الله.
وإذا وصل للإنسان فوائد ربوية فلا يجوز له أن يأخذها أولاً، أي: إن أمكن ألا يأخذها فلا يأخذها، وإن لم يمكن أو لا يستطيع ردها فإنه ينفقها في المصالح العامة للمسلمين بنية التخلص منها لا بنية التقرب، فينفقها على المساكين وعلى الفقراء وعلى المساجد وعلى مدارس تحفيظ القرآن ودور الأيتام، وحينئذ تبرأ ذمته منها، فأنت تخرج قيمة الذهب في المصالح العامة بنية التخلص منها.
стр. 38
حكم التوضؤ من الماء المغصوب كالمياه الموضوعة للشرب
السؤال
ما حكم الوضوء من برادات المياه حال ازدحام مواضع الوضوء؟ وما صحة ما ذكر عن الشيخ ابن باز ﵀ أنه يرى عدم صحة صلاة من توضأ من برادات المياه؟
الجواب
لا يجوز الوضوء من البرادات؛ لأن البرادات إنما وضعت للشرب ولم توضع للوضوء، ولو توضأ الناس منها لتعطل الشرب، وتعطل غرض الواقف.
فالوضوء من البرادات يعتبر الماء ماءً مغصوباً، وإذا توضأ بماء مغصوب اختلف العلماء فيه على قولين: منهم من يقول: لا تصلح الصلاة، كما لو صلى في أرض مغصوبة، أو صلى في ثوب حرير، فإنها لا تصح الصلاة في مذهب الإمام أحمد وجماعة، وعليه أن يعيد الصلاة.
والقول الثاني: أنها تصح مع الإثم.
وهذا هو الصواب: أنها صحيحة مع الإثم، فله أجر الصلاة وعليه إثم الغصب.
стр. 39
النصيحة لمن يحضر الدروس العلمية بالتأدب بآداب طلب العلم
السؤال
كيف يمكن توجيه نصيحة لبعض الإخوة الذين يحضرون الدروس، ويجتمعون ويتحدثون ويشوشون على من يحضر الدرس؟
الجواب
ننصح هؤلاء الإخوان أن يتأدبوا بآداب طلب العلم، فإذا جاءوا للفائدة فعليهم أن يتأدبوا وأن يجلسوا ويستفيدوا، أما أن يشوشوا فهذا غلط كبير، ومعنى هذا أنهم يتسببون في عدم وصول الفائدة إلى من يريدها، ويخشى عليهم من الإثم، لكن ننصحهم أن يجلسوا حيث ينتهي بهم المجلس.
وينبغي للإخوان أن يتفسحوا ويتوسعوا، ولكن يحرصون كل الحرص على ألا يشوشوا على إخوانهم؛ لئلا يحرموهم الفائدة، ولأنه يخشى عليهم من الإثم.
стр. 40
شرح كتاب الإيمان الأوسط لابن تيمية [٣]
من أعظم بدع المرجئة مخالفتهم في الإيمان، فإنه يؤدي إلى مفاسد دينية اعتقادية مخالفة للكتاب والسنة، ولذلك فطوائف المرجئة كلها تعد مخالفة لأهل السنة والجماعة.
стр. 41
تعريف الإيمان
أصل الإيمان في اللغة: التصديق والإقرار والمعرفة، وهو تصديق القلب وإقراره واعترافه.
وشرعاً: تصديق القلب، وإقرار اللسان، وعمل القلب والجوارح.
فيشمل أربعة أشياء: تصديق القلب ويسمى قول القلب، وقول اللسان، وعمل القلب، وعمل الجوارح.
فقول القلب: هو التصديق والإقرار والمعرفة.
وقول اللسان: هو النطق، كالنطق بالشهادتين، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله، والذكر، وتلاوة القرآن.
وعمل القلب: كالنية والإخلاص والصدق والمحبة والتوكل والرغبة والرهبة.
وعمل الجوارح: كالصلاة والصيام والزكاة والحج.
ولهذا يقول العلماء: الإيمان قول باللسان، واعتقاد بالجنان -وهو القلب- وعمل بالأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
ومن عبارات السلف في هذا: الإيمان عمل ونية، أي: عمل القلب وعمل الجوارح، والنية التصديق والإقرار، ويدخل في العمل أيضاً قول اللسان.
وبهذا ينفصل أهل السنة عن المرجئة بجميع طوائفهم وعن أهل البدع جميعاً.
والعلماء والسلف والأئمة من الصحابة والتابعين وأهل السنة قاطبة ومنهم الأئمة الأربعة يقررون أن الإيمان تصديق القلب، وإقرار اللسان ونطقه، وعمل القلب وعمل الجوارح، وقرروا أنه يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وبهذا انفصلوا عن جميع الطوائف، فانفصلوا عن الخوارج، والمعتزلة، والمرجئة، والشيعة، والكرامية، والجهمية وغيرهم، فالمرجئة الذين يرون أن الأعمال لا تدخل في مسمى الإيمان، من أعظم من خالف أهل السنة في مسمى الإيمان.
стр. 42
أقسام المرجئة
المرجئة أربع طوائف: الطائفة الأولى: الجهمية، ومذهبهم في الإيمان أن الإيمان معرفة الرب بالقلب, والكفر: جهل الرب بالقلب.
والجهمية نسبة إلى جهم بن صفوان السمرقندي الراسبي الذي نشر مذهب الجهمية، وتعريفهم هذا أفسد ما قيل في تعريف الإيمان وأبطلها وأشدها كفراً وضلالاً وبعداً عن الحق.
وألزمهم العلماء على هذا التعريف أن إبليس مؤمن؛ لأنه عرف ربه بقلبه، قال الله عنه: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الحجر:٣٦] وألزموهم بأن فرعون أكفر أهل الأرض مؤمن؛ لأن فرعون يعرف ربه بقلبه، قال الله تعالى عن فرعون وقومه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل:١٤]، وقال الله عن موسى أنه قال لفرعون: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾ [الإسراء:١٠٢] والعلم هو يقين القلب، ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء:١٠٢] فعلى هذا يكون فرعون مؤمناً على مذهب الجهم.
واليهود مؤمنون أيضاً على مذهب الجهم؛ لأن اليهود يعرفون صدق النبي ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٤٦].
وأبو طالب عم النبي ﷺ الذي مات على الشرك، وأبى أن يقول لا إله إلا الله يكون مؤمناً على مذهب الجهم؛ لأنه قال في قصيدته المعروفة: ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية دينا لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحاً بذاك مبيناً بل إن العلماء ألزموا الجهم على قوله بأنه كافر بتعريفه هو؛ لأنه قال: الكفر هو الجهل بالرب، ولا أحد أجهل من الجهم بربه، فيكون كافراً بتعريفه هو.
والجهم اشتهر بأربع عقائد خبيثة فاسدة: الأولى: عقيدة الإرجاء، وهو أن الإيمان معرفة الرب بالقلب، والكفر جهل الرب بالقلب.
والثانية: عقيدة الجبر، وهو القول بأن العبد مجبور على أفعاله، وأن الأفعال هي أفعال الله، والإنسان وعاء للأفعال، فهو آلة يحركها الله، فالأفعال أفعال الله، فالله هو المصلي والصائم على مذهب الجهم , والعباد وعاء للأفعال كالكوز الذي يصب فيه الماء، فيقول: العباد كالكوز، والله كصباب الماء فيه، هذا مذهب مذهب الجهم في الجبر.
والعقيدة الثالثة: عقيدة نفي الأسماء والصفات عن الله ، حيث قال: ليس لله سمع ولا بصر ولا قدرة، وليس فوق العالم ولا تحت العالم، ولا مباين له ولا محايث له، ولا متصل به ولا منفصل عنه.
وهو بهذا يصف ربه بالعدم، بل أشد من العدم.
العقيدة الرابعة: القول بفناء الجنة والنار.
الطائفة الثانية: الكرامية، ومذهبهم أن الإيمان هو النطق باللسان والإقرار به.
فإذا أقر الإنسان فشهد أن لا إله الله بلسانه فإنه يكون مؤمناً ولو كان مكذباً بقلبه.
وهذا يلي مذهب الجهم في الفساد, فيقولون: إن الإنسان إذا نطق بلسانه فهو مؤمن كامل الإيمان، وإن كان مكذباً بقلبه فهو مخلد في النار، فيجمعون بين الأمرين المتناقضين, فيقولون: إذا نطق المنافق بالشهادتين فهو مؤمن كامل الإيمان ومع ذلك يخلد في النار.
وعللوا ذلك فقالوا: مؤمن كامل الإيمان؛ لأنه نطق بلسانه، ويخلد في النار؛ لأنه كذب بقلبه.
الطائفة الثالثة: الماتريدية والأشاعرة, ويقولون: إن الإيمان تصديق القلب فقط, وأما نطق اللسان وعمل الجوارح فهما وإن كانا مطلوبين وجوباً إلا أنهما ليسا من الإيمان.
فهذا هو مذهب الماتريدية والأشعرية، ورواية عن الإمام أبي حنيفة اختارها بعض أصحابه.
الطائفة الرابعة من المرجئة: وهم مرجئة الفقهاء، وهم طائفة من أهل السنة، يقولون: إن الإيمان شيئان: تصديق القلب, وإقرار اللسان, أما أعمال الجوارح فليست من الإيمان، وهذه هي الرواية الثانية عن الإمام أبي حنيفة وعليها جمهور أصحابه، وهذه هي التي قررها الطحاوي في الطحاوية، حيث قال: والإيمان إقرار باللسان، وتصديق بالجنان فقط.
стр. 43
حقيقة الخلاف بين مرجئة الفقهاء وأهل السنة
стр. 44
القول بأن الخلاف مع مرجئة الفقهاء لفظي
وأول من قال بالإرجاء: حماد بن أبي سليمان شيخ الإمام أبي حنيفة في الكوفة، قال: إن الأعمال ليست داخلة في مسمى الإيمان.
وهؤلاء طائفة من أهل السنة، يقولون: إن الأعمال مطلوبة، ولكن لا نسميها إيماناً، بل الإيمان شيئان فقط: الإقرار باللسان، والتصديق بالقلب، أما الأعمال: كالصلاة والصيام والزكاة والحج وغيرها فواجبة، لكن ليست إيماناً.
فالإنسان عليه واجبان: واجب الإيمان وواجب العمل، وهؤلاء طائفة من أهل السنة، ويقولون: إن خلافنا مع الجمهور خلاف لفظي لا يترتب عليه أي فساد في العقيدة؛ لأننا متفقون على أن الأعمال مطلوبة وواجبة، لكن الخلاف بيننا: هل هي إيمان أو ليست إيماناً؟ فنحن نقول: ليست من الإيمان، وأنتم تقولون: من الإيمان، ونحن متفقون على أنها واجبة ومطلوبة، وأن من أدى الواجبات أثابه الله، ومن ترك الواجبات فهو آثم متعرض للعقوبة، ويقام عليه الحد.
ويقولون: إن الأعمال التي سميت إيماناً إنما هي تسمية مجازية لا حقيقية، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣]، أي: صلاتكم إلى بيت المقدس، فسمى الصلاة إيماناً تسمية مجازية.
وكذلك الكفر عندهم هو الجحود فقط، أما الأعمال فإذا سميت كفراً فإنما هي تسمية مجازية، وهكذا.
قال بعض العلماء وبعض الذين شرحوا الطحاوية: إن الخلاف بين مرجئة الفقهاء وجمهور أهل السنة خلاف لفظي لا يترتب عليه فساد في العقيدة.
فالأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد يرون أن الإيمان قول باللسان، وتصديق بالقلب، وعمل بالقلب، وعمل بالجوارح.
والإمام أبو حنيفة يرى أن الإيمان شيئان: إقرار باللسان، وتصديق بالقلب، أما عمل الجوارح فهو واجب آخر، ونحن متفقون على أن الأعمال مطلوبة، والخلاف بيننا وبينهم التسمية فقط.
стр. 45
يترتب على قول مرجئة الفقهاء فتح الباب للفساق والعصاة
في الواقع أن الخلاف ليس لفظياً من جميع الوجوه, فالخلاف بين جمهور أهل السنة ومرجئة الفقهاء وإن كان لا يترتب عليه فساد في العقيدة إلا أن له ثمرات وآثاراً تترتب عليه، ولهذا قال بعض العلماء: إن بدعتهم -وإن كانت في اللفظ بدعة المرجئة- أشد من فتنة الأزارقة، وهم الخوارج.
فمن الآثار التي ترتبت على خلاف مرجئة الفقهاء وإن كانوا طائفة من أهل السنة أنهم فتحوا باباً للفساق والعصاة، فمرجئة الفقهاء يقولون: إيمان أهل السماء وأهل الأرض واحد, وإيمان الفاسق والعاصي واحد هو التصديق، فكل منهم مصدق، ولكن التفاوت بينهم في الأعمال والتقوى.
فلما قالوا هذا القول فتحوا باباً للفساق والعصاة, فيأتي السكير, ويقول: أنا مؤمن كامل الإيمان، وإيماني كإيمان جبريل وميكائيل، وكإيمان أبي بكر وعمر , فإذا قيل له: كيف ذلك؟ قال: أنا مصدق، وأبو بكر مصدق وعمر مصدق.
فإذا قيل له: أبو بكر وعمر لهم أعمال عظيمة.
قال: الأعمال غير الإيمان، ونحن متفقون في الإيمان, فإيماني كإيمان أبي بكر وعمر.
وهذا باطل, فإن إيمان أبي بكر وعمر لو وزن بإيمان أهل الأرض لرجح, فكيف تقول أيها السكير: إن إيماني كإيمان أبي بكر وعمر , والذي فتح الباب لمثل هؤلاء هم مرجئة الفقهاء عندما قالوا: إن الأعمال غير داخلة في مسمى الإيمان.
стр. 46
يترتب على قول مرجئة الفقهاء فتح الباب للمرجئة المحضة
الأمر الثاني من الآثار التي تترتب على خلاف مرجئة الفقهاء مع جمهور أهل السنة فتح الباب للمرجئة المحضة وهم الجهمية، فلما قال مرجئة الفقهاء: إن الأعمال غير داخلة في مسمى الإيمان وهي مطلوبة، دخل المرجئة المحضة وقالوا: الأعمال ليست من الإيمان، وليست مطلوبة, فالمرجئة المحضة يقولون: إذا عرف الإنسان ربه بقلبه وصدق فلا يضره أي كبيرة يعملها، فلا ينفع مع الكفر طاعة كما لا يضر مع الإيمان معصية، ولهذا يقولون: إذا صدق أحد فهو مؤمن كامل الإيمان ويدخل الجنة من أول وهلة، حتى ولو فعل بعض المكفرات عندهم فلا يؤثر عليه مادام يعرف ربه بقلبه، فلو سب الله والرسول وهو يعرف ربه بقلبه ما تأثر إيمانه، ولو قتل النبي وداس المصحف بقدميه فلا يكون كافراً.
فهذه من الآثار التي ترتبت على الخلاف بين مرجئة الفقهاء وجمهور أهل السنة.
стр. 47
منع مرجئة الفقهاء الاستثناء في الإيمان
المسألة الثالثة: مسألة الاستثناء في الإيمان، وهو قول الإنسان: أنا مؤمن إن شاء الله، ومرجئة الفقهاء يمنعون الاستثناء في الإيمان، ويقولون: الاستثناء شك في الإيمان، ولا يجوز شك الشخص في إيمانه، بل لا بد أن يعلم أنه مصدق كما يعلم أنه قرأ الفاتحة، وكما يعلم أنه يحب الرسول ﵊، وأنه يبغض اليهود، ولهذا من قال: أنا مؤمن إن شاء الله، قالوا: هذا شاك في إيمانه، ويسمونه من أهل السنة الشكاكة.
أما جمهور أهل السنة فإنهم أجازوا الاستثناء باعتبار ومنعوه باعتبار، فقالوا: إن قصد الشك في أصل الإيمان والتصديق فهذا ممنوع، وإن أراد بقوله: أنا مؤمن إن شاء الله أن شرائع الإيمان والواجبات كثيرة ولا يجزم الإنسان أنه أدى ما عليه ولا يزكي نفسه، جاز له أن يستثني فيقول: أنا مؤمن إن شاء الله.
وكذلك إذا أراد عدم علمه بالعاقبة فله أن يستثني ويقول: أنا مؤمن إن شاء الله، وكذلك إذا أراد التبرك بذكر اسم الله فله أن يستثني.
ولقد انتشر في هذه الآونة مذهب الإرجاء وصار فيه كلام كثير، وأخذ ورد في الشبكة المعلوماتية، والكتابات والصحف والرسائل، واختلط الحابل بالنابل على كثير من الناس، فلا يفرقون بين الحق والباطل إلا من عصم الله، فكل من قال: إن الأعمال غير داخلة في مسمى الإيمان فهو من المرجئة, سواء قال إنه شرط كمال أو شرط صحة أو غير ذلك، فإن الشرط خارج عن المشروط، وعليه لا يقال شرط ولا غيره، وإنما الأعمال جزء من الإيمان ركن فيه.
стр. 48
زيادة الإيمان ونقصانه
стр. 49
الخلاف بين أهل السنة والمرجئة في زيادة الإيمان ونقصانه
أقر أهل السنة أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصي، كما دلت النصوص الكثيرة على هذا، قال الله تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح:٤]، وقال: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر:٣١]، وقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح:٤].
: والكفر أيضاً يزيد وينقص، قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة:١٢٤ - ١٢٥].
إذاً: الكفر يزيد وينقص، والنفاق يزيد وينقص، والإيمان يزيد وينقص.
أما المرجئة بجميع طوائفهم فيقولون: الإيمان شيء واحد لا يزيد ولا ينقص، وهذا خلاف ما دلت عليه النصوص من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وكلام السلف الصالح من الصحابة والتابعين، إذ كان يقول أحدهم لصاحبه: هلم نزدد إيماناً، ويذكرون الله، ويقرءون القرآن، فإذا أمر الإنسان بالمعروف ونهى عن المنكر، ودعى إلى الله، وقرأ القرآن زاد إيمانه، وإذا غفل أو عصى نقص إيمانه.
أما أهل البدع فإنهم خالفوا أهل السنة والجماعة في هذا، فالخوارج والمعتزلة يرون أن مسمى الإيمان كما يقول أهل السنة: قول باللسان وتصديق بالقلب وعمل بالقلب وعمل بالجوارح، لكنهم يقولون: إذا ترك الإنسان واجباً من الواجبات ذهب عنه الإيمان كله.
وجمهور أهل السنة يقولون: الإيمان يزيد وينقص، وهم يقولون: لا ينقص، بل يذهب جملة أو يبقى جملة، وقالوا: الإيمان حقيقة مركبة، والحقيقة المركبة تزول بزوال بعض أجزائها، فإذا عصى الإنسان ربه كأن سرق أو زنا أو تعامل بالربا أو عق والديه فقد خرج من الإيمان وصار كافراً.
أما أهل السنة فيقولون: بل هو ضعيف الإيمان غير كافر، إذ لو كان الزاني كافراً لقتل، ولو كان السارق كافراً لما قطعت يده، بل لو كان كافراً لقتل، كما قال النبي ﵌: (من بدل دينه فاقتلوه)، ولما ورث من أقاربه، لقول النبي ﷺ : (لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم) فالخوارج والمعتزلة وإن وافقوا أهل السنة في مسمى الإيمان إلا أنهم يخالفونهم في زوال الإيمان.
فالخوارج يقولون: إذا عصى الإنسان أو فسق أو ارتكب كبيرة ذهب الإيمان منه ودخل في الكفر، والمعتزلة يقولون: ذهب منه الإيمان ولا يدخل في الكفر، بل يكون في منزلة بين المنزلتين، فلا هو مؤمن ولا كافر، وهذا من أبطل الباطل.
стр. 50
الرد على المعتزلة والخوارج في زيادة الإيمان ونقصانه
المرجئة يقولون: الإيمان شيء واحد، وحقيقة مركبة يزول بزوال بعض أجزائه، فإذا زال التصديق زال الإيمان، وإذا وجد التصديق وجد الإيمان.
وهذه الشبهة هي عند جميع الطوائف ما عدا جمهور أهل السنة، وهذه الشبهة من أبطل الباطل، فإن الإيمان متعدد ومتبعض، ولهذا قال جمهور أهل السنة ومنهم الصحابة، والتابعون، والعلماء ومنهم الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد، وسفيان الثوري وابن عيينة والبخاري ومسلم وغيرهم من أهل العلم وأهل لحديث: إن الإيمان قول باللسان، وتصديق بالقلب، وعمل بالقلب، وعمل بالجوارح، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية.
فإذا فعل الإنسان معصية نقص إيمانه وضعف ولو كثرت المعاصي، بل لا يذهب الإيمان إلا الكفر الصراح.
ولهذا جاء في أحاديث الشفاعة: (أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان) فدل على أن الإيمان يضعف حتى لا يبقى منه إلا مثقال ذرة، ومع هذا لا يزول ولا ينتهي الإيمان إلا إذا جاء الكفر الأكبر، أو النفاق الأكبر، أو الفسق الأكبر، أو الشرك الأكبر؛ لامتناع أن يجتمع إيمان وكفر.
فإذا فعل شخص كفراً كأن سب الله، أو سب الرسول، أو استهزأ بالله أو برسوله أو بكتابه، أو كذب الله أو كذب رسوله، أو أنكر المعلوم من الدين بالضرورة وجوبه وتحريمه، كإنكار تحريم الزنا، أو تحريم الربا، أو تحريم الخمر، أو تحريم عقوق الوالدين، أو أنكر وجوب الصلاة، أو وجوب الزكاة، أو وجوب الحج، فمثل هذا قد ذهب إيمانه بالكلية.
ولهذا فإن أهل السنة بدعوا المعتزلة وصاحوا بهم: أنتم أنكرتم النصوص التي تواترت عن النبي ﷺ بأنه يدخل النار جملة من أهل الكبائر، وهم مؤمنون موحدون مصلون ولا تأكل النار وجوههم؛ لأن الله حرم على النار أن تأكل وجوههم وهم مصلون، بل تأكلهم النار من نواحى أخرى، فمثل هذا مات وهو مؤمن مصل، لكنه مات عاقاً لوالديه من غير توبة، وهذا مات على الزنا من غير توبة، وهذا مات على التعامل بالربا من غير توبة، وهذا مات على الغيبة من غير توبة، وهذا مات على النميمة من غير توبة، وهذا مات على القتل بغير حق ولم يستحله، وهكذا تواترت الأخبار عن النبي ﷺ أنه يدخل النار جملة من أهل الكبائر، فلو كان الإيمان ينتهي بالمعاصي ما أخرجو من النار.
بل تواترت الأخبار عن النبي ﷺ أنه يشفع للعصاة الموحدين، قال ﵊: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) وفي كل مرة يحد الله له حداً يعرفهم بالعلامة يخرجك من النار، فقد جاء في بعض الأحاديث أن الله تعالى يقول لنبيه ﷺ : (أخرج من النار من كان في قلبه مثقال دينار من إيمان) وفي بعضها: (أخرجوا من كان في قلبه نصف دينار) وفي بعضها: (أخرجوا من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان) والبعض الآخر: (أخرجوا من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان).
بل تواتر عن النبي ﷺ أنه يشفع أربع شفاعات للعصاة، وكذلك يشفع بقية الأنبياء، ويشفع الملائكة، ويشفع الشهداء، وكل عبد صالح، وتبقى بقية لا تنالهم الشفاعة، فيخرجهم رب العالمين برحمته، ويقول: (شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المرسلون، ولم يبق إلا رحمة أرحم الراحمين، فيخرج قوماً من النار لم يعملون خيراً قط) يعني: زيادة على التوحيد والإيمان أو كما قال ﵊.
وثبت في الحديث الصحيح: أنهم يخرجون من النار كأنهم الضغابيس قد امتحشوا وصاروا فحماً، فيصب عليهم من نهر الحياة، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، فإذا هذبوا ونقوا قيل لهم: ادخول الجنة.
والأخبار في هذا متواترة.
وثبت حديث الرجل الذي هو آخر أهل النار خروجاً، وآخر أهل الجنة دخولاً، فإذا سلمه الله من النار التفت إليها وقال: الحمد لله الذي نجاني منك، وفي أول الأمر يكون وجهه إلى النار، فيقول: يا رب! اصرف وجهي عن النار، فقد قشبني ريحها وأحرقني حرها، فيأخذ عليه العهد والميثاق ألا يسأل غير ذلك، فيعطيه، فيصرف الله وجهه عن النار، ثم ترفع له شجرة فيسكت ما شاء الله، ثم يدعو ربه ويقول: يا رب! أدنني من هذه الشجرة أستظل بظلها وأشرب من مائها، فيقول الله: ويلك يا ابن آدم ما أغدرك! ألم تقل إنك لن تسألني غيره، وربه يعذره؛ لأنه يرى ما لا صبر له، فيعطي ربه العهد والميثاق فيدنيه، ثم يسكت ما شاء الله، وتظهر له شجرة أخرى، وهكذا حتى يصل إلى الجنة.
فإذا وصل إلى باب الجنة ورأى ما فيها من النعيم والكرامة مما لا صبر له عليه، يقول: يا ربي! أدخلني الجنة، فيقول الله: ويلك يا ابن آدم ما أغدرك! ألم تقل إنك: لا تسألني غيرها، فيقول: يا ربي! لا أكون أشقى خلقك، فيضحك الله له، فإذا ضحك أدخله الجنة، فإذا دخل الجنة قال الله: تمنَّ! أما ترضى أن يكون لك مثل ملك من ملوك الدنيا؟! فيقول: رضيت يا رب، فيقول الله له: لك ذلك، ومثله، ومثله، ومثله، ومثله، ومثله، خمس مرات.
وجاء في الحديث الآخر: لك ذلك وعشرة أمثاله.
يعني: لك مثل مُلْكِ مَلِكٍ من ملوك الدنيا خمسين مرة.
فهذا آخر أهل النار خروجاً وآخر أهل الجنة دخولاً، وهذا الحديث ثابت في صحيح البخاري، فكيف يقول الخوارج والمعتزلة: إن من دخل النار لا يخرج منها! ويجعلون العصاة كالكفار سواء بسواء، وأنكروا النصوص مع تواترها، والله تعالى يقول في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨].
стр. 51
مذاهب الناس في مسمى الإيمان والكفر
مسمى الإيمان ومسمى الكفر فيه هذا الاختلاف الشديد، ومذهب أهل السنة هو المذهب الحق، وهو أن الإيمان يكون تصديقاً بالقلب، وإقراراً باللسان، وعملاً بالقلب، وعملاً بالجوارح، وأن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، وأقوال اللسان داخلة في مسمى الإيمان، وأعمال القلب داخلة في مسمى الإيمان، وتصديق القلب دخل في مسمى الإيمان، فالإيمان يكون قولاً، ويكون عملاً، ويكون تصديقاً، ويكون إقراراً، كما أن الكفر يكون بالجحود، ويكون بالعمل، ويكون بالقول.
والمرجئة يقولون: الإيمان لا يكون إلا تصديقاً بالقلب، وعليه فالكفر لا يكون إلا بجحود القلب فقط, فأقوال اللسان ليست من الإيمان، وأعمال الجوارح ليست من الإيمان، فكذلك أقوال اللسان ليست من الكفر، والأعمال ليست من الكفر، فإذا سب الله أو سب الرسول قالوا: هذا ليس بكفر، وإنما هو دليل على الكفر، وإذا سجد لصنم قالوا: ليس السجود بذاته كفراً، لكن هو دليل على الكفر الذي في قلبه.
وهذا من أبطل الباطل، فإن نفس السجود لصنم كفر، ونفس السب كفر، فإن الكفر يكون بالجحود وبالاعتقاد كمن اعتقد أن لله صاحبة، أو ولداً، أو شريكاً في الملك, أو جحد ملكاً من الملائكة، أو نبياً من الأنبياء، أو جحد البعث أو القيامة، فهذا يكفر بهذا الاعتقاد.
ويكون الكفر أيضاً بالشك، كمن شك في الله، أو ربوبيته، أو أسمائه، أو صفاته، أو شك في الملائكة، أو في البعث، أو الساعة، أو القيامة، أو الجنة، أو النار، فهذا كافر بهذا الشك.
ويكون الكفر بالعمل كالسجود لصنم قاصداً للسجود، فإنه كافر ولو لم يشأ بهذا العمل الكفر، ومثله من داس المصحف بقدميه، أو لطخ المصحف بالنجاسة، فقد كفر بهذا العمل.
ويكون الكفر بالقول كمن سب الله، أو الرسول، أو استهزأ بالله أو ملائكته أو كتبه أو رسله.
ويكون الكفر أيضاً بالرفض والترك، كمن أعرض عن دين الله لا يتعلمه ولا يعمل به، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [الأحقاف:٣]، وقال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾ [السجدة:٢٢].
فالكفر يكون في القلب والاعتقاد بالجحود، ويكون في القول باللسان، ويكون في العمل بالجوارح، ويكون بالشك، ويكون بالرفض والترك، فهذه خمسة أنواع.
والمرجئة يقولون: لا يكون الإيمان إلا بالقلب فقط، ولا يكون الكفر إلا بالقلب.
فهذه مقدمة أردت أن ينفع الله بها، وأسأل الله لي ولكم التوفيق والسداد، والعلم النافع، والعمل الصالح، وأسأل الله تعالى أن يهدينا صراطه المستقيم، وأن يهدينا لما اختلف فيه من الحق بإذنه، اللهم ثبتنا على دينك القويم حتى الممات، إنك ولي ذلك والقادر عليه.
стр. 52
الأسئلة
стр. 53
توجيه قول الطحاوي: (ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله)
السؤال
يذكر من قول أهل السنة والجماعة: (ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله) أهي صحيحة أم أنها قيلت للرد على الخوارج، مع أن ترك الصلاة بدون استحلال كفر، أفتونا مأجورين؟
الجواب
هذا قول الطحاوي ﵀، وأجاب عنه الشارح وقال: (ما لم يستحله) أي: ما لم يعتقده، ثم اعترض أيضاً على هذا الجواب بأن معنى (يعتقده) معنى يستحله.
والذنب إذا أطلق شمل الكفر وغيره, والمعصية تشمل الكفر وغيره، قال تعالى: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٨١] فهذه هي خطيئة الشرك، فالذنب يطلق على الشرك وعلى ما دونه.
والعلماء اصطلحوا على أن الذنب يطلق على ما دون الشرك، وما دون الشرك لا يكفر مرتكبه إلا إذا استحله وكان أمراً معلوماً من الدين بالضرورة وليس له شبهة، وذلك مثل الزنا السرقة الخمر عقوق الوالدين وقطيعة الرحم, فهذه كلها كبائر، من استحلها واعتقد أنها حلال كفر، أما إذا فعلها طاعة للهوى والشيطان فلا يكفر، بل يكون عاصياً، فالزاني عاص إلا إذا اعتقد أنه حلال؛ لأنه كذب الله، ومن تعامل بالربا وهو يعلم أن الربا حرام، لكن غلبه حب المال والجشع وأطاع الشيطان فهذا عاص ضعيف الإيمان مرتكب لكبيرة، فإذا استحله كفر.
وكذلك من عق والديه، ويرى أن عقوق الوالدين حلال، فهذا يكفر، لكن إن عق وهو يعلم أن عقوق الوالدين حرام، ويؤمن بقول الله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة:٨٣]، لكن غلبه الهوى والشيطان، فهذا ضعيف الإيمان، وهكذا.
فالذنب إذا كان من الكبائر وكان من الأمور المعلومة في الدين بالضرورة واستحله كفر, أما إذا لم يستحله فإنه يكون عاصياً ضعيف الإيمان، ولا يكفر إلا بالشرك.
стр. 54
توجيه حديث: (لم يعملوا خيراً قط)
السؤال
كيف نحمل الحديث الذي رواه الإمام البخاري: (ويخرج الله أقواماً من النار لم يعملوا خيراً قط فيدخلهم الجنة) هل معناه أنهم دخلوا الجنة بمجرد وجود أصل الإيمان في قلوبهم، كما في الحديث الآخر الذي رواه البخاري: (من كان في قلبه وزن ذرة من إيمان فأخرجه من النار)، وجزيتم خيراً؟
الجواب
معنى: (ما عمل خيراً) قط يعني: زيادة على التوحيد والإيمان، ولهذا جاء في اللفظ الآخر: (إلا أنهم يقولون: لا إله إلا الله) إلا أنهم موحدون، فأخرجهم الله بالتوحيد والإيمان، وليس عندهم زيادة عن التوحيد والإيمان.
ولا يمكن أن يفهم معنى ذلك أن الله أخرجهم وهم على الشرك؛ لأن الجنة حرام على المشرك بنص القرآن، قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة:٧٢]، فالنصوص تضم بعضها إلى بعض، ويصدق بعضها بعضاً، ولا يجوز أن يصدم بعضها ببعض.
стр. 55
حكم الاحتيال في الربا
السؤال
رجل أراد الاستقراض من أحد البنوك مائة ألف ريال، ويردها لهم مائة وخمسين ألفاً، فأخبرهم بأن ذلك من الربا الصريح المحرم، فقالوا له: هناك طريقة مباحة ومجازة من الهيئة الشرعية، وهي أن نشتري لك حديداً خاماً بقيمة مائة ألف ريال، ونبيعه لك، وتسدد مائة وخمسين ألفاً بأقساط شهرية لمدة ست سنوات, فما رأيكم حفظكم الله بهذا، وهل هو من الحيل المحرمة، وضحوا لنا الأمر واللبس، حفظكم الله وغفر لكم؟
الجواب
ظاهره حيلة محرمة، فالحيل لا تبيح محرماً، بل تزيده إثماً، فكونه الآن يقترض كما ذكر حرام، وهو رباً صريح، وهو ربا الجاهلية، وكونه يقول: اشتر منا سلعة ونبيعها لك حتى تشتري منا سلعة بثمن أكثر حتى تقابل الزيادة مائة وخمسين حيلة على الربا لا تبيحه.
ومثله قلب الدين على المعسر، وذلك حينما يكون على شخص دين قدره عشرة آلاف، ثم حل عليه الدين وهو معسر فقير, فقال الدائن: أبيع لك السيارة التي قيمتها عشرة آلاف بعشرين ألفاً، فباعها له بعشرين ألفاً، ثم قال له: بعها وأوفني فباعها على شخص آخر بعشرة آلاف فأوفاه، وبقي عليه في ذمته عشرة آلاف، فهذا هو قلب الدين على المعسر، وهو من الربا الذي لا يجوز.
فالواجب على الدائن أن ينظر المعسر، لقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة:٢٨٠].
أما قوله: إن اللجنة أحلت هذا، فهذا فيه نظر، وعلى السائل أن يرجع إلى اللجنة الشرعية، ولا أظنها تبيح مثل هذا.
стр. 56
حكم الاستثناء في الإيمان
السؤال
سأل رجل: هل أنت مؤمن؟ فأجاب: أسأل الله أن أكون كذلك.
فهل يصح قوله هذا؟
الجواب
بعض السلف يقال له: أنت مؤمن؟ فيقول: أنا مؤمن بالله ورسوله وملائكته وكتبه.
فهذا لا بأس، وإذا قال: أنا مؤمن إن شاء الله، وقصد أن الاستثناء راجع إلى الأعمال فلا بأس.
стр. 57
مراجع عقيدة الإرجاء
السؤال
ما المراجع في معرفة عقيدة الإرجاء قديماً وحديثاً أثابكم الله؟
الجواب
عقيدة الإرجاء ذكرها العلماء وردوا عليها في كتب السنة، ومنها كتابا الإيمان الكبير والصغير، ففيهما عقيدة الإرجاء والإفاضة فيها، وكذلك كتب العقائد أفاضوا فيها وبينوها، وكذلك أيضاً المرجئة في كتبهم ومؤلفاتهم الخاصة.
стр. 58
حكم القول بأن مصطلح العقيدة مصطلح بدعي
السؤال
ظهرت في الآونة الأخيرة بعض الدعوات الغربية، ومنها: أن مصطلح العقيدة مصطلح بدعي حادث لا يجوز استخدامه في قضايا التوحيد، ويستدلون بأن هذا اللفظ لم يرد عن النبي ﵊، ولا عن السلف الأوائل، فما رأيكم؟
الجواب
لا أدري ما مقصودهم بمصطلح (بدعي)، وكيف يكون مصطلحاً بدعياً والرسول ﵊ سئل عن الإيمان فقال: (الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره) فهذه العقيدة بينها النبي، وهي عقيدة المؤمنين، فيكف تكون مصطلحاً بدعياً؛ لكن هؤلاء يريدون بكلامهم هذا أن يصرفوا الناس عن العقيدة السليمة، ويجعلوهم ضائعين لا يعتقدون شيئاً.
стр. 59
نظرة في الآثار الواردة عن بعض الصحابة في فناء النار
السؤال
هل تصح الآثار عن عمر ﵁، وأبي هريرة ﵁، وأبي سعيد ﵁, بالقول بفناء النار؟ وهل القول بفنائها قول شاذ؟
الجواب
هذه الأقوال المذكورة عن بعض السلف تحتاج إلى ثبوتها بسند، فالذين يذكرونها يذكرونها ولا يذكرون لها سنداً، ولو صح فيكون هذا اجتهاداً منهم مخالفاً للنصوص، والنصوص مقدمة على الاجتهاد.
فالنصوص الكثيرة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ دلت على أن النار باقية دائمة لا تفنى، قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة:٣٧].
وقال: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٧]، وقال: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ:٢٣] والحقب: هي المدد المتطاولة، كلما انتهى حقب عقبه حقب إلى ما لا نهاية، قال تعالى: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء:٩٧] فكيف نأخذ بالآثار ونترك النصوص الواضحة؟ وهذه الآثار في الغالب ليس لها أسانيد، ولو صحت الأسانيد لكان هذا اجتهاداً، والاجتهاد يخطئ ويصيب، والحجة في كلام الله وكلام رسوله، لا اجتهاد المجتهد.
стр. 60
صحة اشتراط الاستحلال في الكفر
السؤال
ما رأيكم فيمن يقول: إن مجرد السجود للصنم ليس كفراً؟
الجواب
هذا قول المرجئة، يقولون: السجود للصنم ليس بكفر، لكنه دليل على الكفر، والصواب أن السجود للصنم كفر إذا كان قاصداً السجود له، وقولي: (قاصداً)؛ يخرج النائم، أو الناعس، أو شخصاً وضع جبهته على الأرض يريد أن يستريح بلا قصد ولا علم بالصنم، وغير ذلك، لكن قصد السجود للصنم كفر وشرك ولو اعتقد بقلبه خلاف ذلك، ومثله سب الله وسب الرسول، ولو قال: أنا لا أريد الكفر.
ومثله من استهزأ بالله أو بكتابه أو برسوله، وقد اجتمع جماعة في غزوة تبوك وتكلموا في حق النبي ﷺ والقراء من أصحابه، وقالوا: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطوناً، ولا أكذب ألسناً، ولا أجبن عند اللقاء، فأنزل الله في حقهم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦] فأثبت لهم الكفر بعد الإيمان بهذا القول، ولم يقل: هل تعتقدون أو لا تعتقدون؟ أما المرجئة فيقولون: السجود ذاته ليس بكفر، لكنه دليل على الكفر، ودليل على ما في قلبه.
ويقولون: مجرد السب ليس كفراً، لكنه دليل على الكفر.
وهذا من أبطل الباطل، بل نقول: نفس السب كفر، ونفس السجود للصنم كفر، ووطء المصحف بالقدم امتهاناً له كفر، وقتل النبي أو سبه كفر.
والمرجئة بنوا معتقدهم على أن الإيمان التصديق بالقلب، والكفر الجحود بالقلب، فالكفر لا يتجاوز القلب، والإيمان لا يتجاوز القلب، والسجود للصنم فعل، فعلى معتقدهم لا يكون كفراً؛ لكونه ليس في القلب، ومثله عندهم أن يلطخ المصحف بالنجاسة، وهكذا.
стр. 61
ضوابط تكفير المعين
السؤال
من عمل عملاً كفرياً، أو قال قولاً كفرياً, فهل يكفر بمجرد القول أو الفعل أم لابد من استحلال؟
الجواب
يكفر بمجرد القول والعمل، إلا إذا لم تثبت له الحجة، أو كان جاهلاً، أو لا يعلم هذا الشيء، فلابد حينئذٍ من إقامة الحجة عليه، أما إذا تكلم بكلام الكفر قاصداً له في الكلام، أو عمل عملاً كفرياً قاصداً ذلك فإنه يكفر ما لم يكن مثله يجهل هذا الشيء، أو يحتاج إلى إزالة الشبهة؛ لأن من تكلم بالكلام الكفري أو عمل الكفر فلا بد من قيام الحجة عليه، ولا بد أيضاً من وجود الشروط وانتفاء الموانع، أما إذا كان مثله يجهل هذا الشيء أو كانت له شبهة فإنه لا يكفر.
стр. 62
أسباب حصول حلاوة الإيمان
السؤال
[ ما أسباب زيادة الإيمان، وكيف أجد حلاوته؟
الجواب
أسباب زيادة الإيمان: طاعة الله ورسوله، من أطاع الله وأطاع رسوله زاد إيمانه، ومن عصى الله أو عصى رسوله نقص إيمانه، وحلاوة الإيمان تعني: لذته، ويجدها الإنسان في ثلاثة أشياء: إذا كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما, وإذا كان يحب الإنسان يحبه لله، وإذا كان يكره الرجوع في الكفر كما يكره أن يقذف في النار، كما في حديث أنس: (ثلاثة من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما, وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله, وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار) هذا يجد لذة الإيمان وحلاوته.
стр. 63
شرح كتاب الإيمان الأوسط لابن تيمية [٤]
انقسم الناس في العهد المدني إلى ثلاث فرق: مسلمين باطناً وظاهراً، وكفار باطناً وظاهراً، ومنافقين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، وقد ذكر الله الفرق الثلاث في أول سورة البقرة وبين بعض صفاتها.
стр. 64
كيفية تمييز الحق في الكلام على الإسلام والإيمان
стр. 65
أصناف الناس في العهد النبوي
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فصل.
تضمن الحديث سؤال النبي ﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان، وجوابه صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن ذلك، وقوله في آخر الحديث: (هذا جبريل جاءكم يعلمكم دينكم) فجعل هذا كله من الدين.
وللناس في الإسلام والإيمان من الكلام الكثير، مختلفين تارة، ومتفقين أخرى، ما يحتاج الناس معه إلى معرفة الحق في ذلك، وهذا يكون بأن نبين الأصول المعلومة المتفق عليها، ثم بذلك يتوصل إلى معرفة الحقيقة المتنازع فيها، فنقول: مما علم بالكتاب والسنة والإجماع، وهو المنقول نقلاً متواتراً عن النبي ﷺ ، بل هو من المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام دين النبي ﷺ أن الناس كانوا على عهده بالمدينة ثلاثة أصناف: مؤمن، وكافر مظهر للكفر، ومنافق ظاهره الإسلام وهو في الباطن كافر.
ولهذا التقسيم أنزل الله تعالى في أول سورة البقرة ذكر الأصناف الثلاثة، فأنزل أربع آيات في صفة المؤمنين، وآيتين في صفة الكافرين، وبضع عشرة آية في صفة المنافقين.
فقوله تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة:٢ - ٥] في صفة المؤمنين.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:٦] الآيتين في صفة الكفارين الذين يموتون كفاراً.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٨] الآيات في صفة المنافقين، إلى أن ضرب لهم مثلين أحدهما بالنار والآخر بالماء، كما ضرب المثل بهذين للمؤمنين في قوله: ﴿أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ [الرعد:١٧]].
قول المؤلف: (وللناس في الإسلام يعني: في مسمى الإسلام والإيمان، من الكلام الكثير، مختلفين تارة، ومتفقين أخرى، ما يحتاج الناس معه إلى معرفة الحق في ذلك).
فلما كان هذا الاختلاف كبيراً كان لابد من معرفة الحق في ذلك، وكيف يعرف الحق في ذلك؟ قال المؤلف: (هذا يكون بأن تبين الأصول المعلومة المتفق عليها، ثم بعد ذلك يتوصل إلى معرفة الحقيقة المتنازع فيها).
يعني: تبين الأصول المعلومة المتفق عليها بين الجميع، فإذا علمت الأصول وبينت ووضحت واتفق عليها الجميع انتقلنا إلى الأصول المختلف فيها، وبينا الحقيقة في ذلك.
فالمؤلف ﵀ ذكر من الأصول المتفق عليها: انقسام الناس إلى ثلاثة أصناف في عهد النبي ﷺ : مؤمن باطناً وظاهراً, وكافر باطناً وظاهراً, ومسلم في الظاهر وكافر في الباطن وهو المنافق، فهذا أصل متفق عليه لا يخالف عليه أحد، وهناك أصل آخر سيذكره المؤلف وهو أنه قد جاء في الكتاب والسنة وصف أقوام بالإسلام دون الإيمان.
فهذان أصلان متفق عليهما.
وقد ذكر الله أقسام الناس في أول سورة البقرة، ولهذا قال المؤلف ﵀: (ولهذا التقسيم أنزل الله في أول سورة البقرة ذكر الأصناف الثلاثة، فأنزل أربع آيات في سورة المؤمنين باطناً وظاهراً، وآيتين في صفة الكفار ظاهراً وباطناً، وبضعة عشرة آية في صفة المنافقين).
والبضع من ثلاثة إلى تسعة، يعني: نزل فيهم ثلاث عشرة آية.
إذاً: في المؤمنين أربع آيات، وفي الكفار آيتان، وفي المنافقين ثلاث عشرة آية؛ لشدة خطرهم على الإسلام والمسلمين؛ ولأن المنافقين شاركوا الكفار بالكفر وزادوا عليهم بالخداع، فكانوا يظهرون الإسلام خداعاً، أما الكافر فهو عدو مكشوف ظاهراً وباطناً، فاليهودي والنصراني والوثني والشيوعي والملحد كافر ظاهراً وباطناً، وتستطيع الحذر منه، أما العدو الباطن كالمنافق الذي هو كافر في الباطن ومسلم في الظاهر يعيش بين المسلمين، ويخطط ويدبر المؤامرات للقضاء على الإسلام والمسلمين، قد يصلي إلى جنبك وهو منافق فلا تعلمه، فلهذا بيّن الله هذه الأصناف الثلاثة.
стр. 66
صفات المؤمنين الصادقين في أول سورة البقرة
أنزل في المؤمنين ظاهراً وباطناً أربع آيات تبين صفاتهم، وهي قوله تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:٢] هذه الآية الأولى، ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [البقرة:٣] هذه الآية الثانية، ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة:٤] هذه الآية الثالثة، ﴿أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة:٥] هذه الآية الرابعة.
وصفهم الله بأنهم المتقون، أي: اتقوا الله، واتقوا النار، واتقوا عذاب الله وسخطه، فوحدوا الله، وأخلصوا له العبادة، فالمتقي: هو الذي جعل بينه وبين النار وقاية تقيه من غضب الله وسخطه بالإيمان والتوحيد وأداء الواجبات وترك المحرمات.
ثم وصف المتقين بقوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:٣] أي: ما غاب من الأمور الغيبية، والمعنى: يصدقون الله في أخباره الماضية والمستقبلة، ويصدقون الرسول ﵊ في الأخبار التي أخبر بها من الأخبار الماضية والمستقبلة، كإخباره عن الأمم السابقة وعن بدء الخلق، وعن ما أخبر الله به عن نفسه من أفعاله وصفاته وأسمائه، فكل هذه من أمور الغيب، ويؤمن بما أخبر الله بأنه عليم حيكم، عزيز، وأنه مستوٍ على العرش، وأنه التواب، وأنه الرحيم، وأنه الملك، وأنه القدوس، وأنه السلام، وأنه المؤمن، وأنه المهيمن، وأنه العزيز، وأنه الجبار، وأنه المتكبر، وأنه بكل شيء عليم، وأنه خالق الخلق، وبكل ما أخبر الله به عن نفسه.
وكذلك ما أخبر به عن الأمم السابقة، وعن العرش، واللوح المحفوظ، والقلم، والسماوات، والأرضين، والنجوم.
ويؤمنون أيضاً بما أخبر الله من أخبار المستقبل مما يكون قبل الساعة، وما يكون للإنسان إذا وضع في قبره من سؤال منكر ونكير، ومن عذاب القبر ونعيمه، ويؤمن ببعث الأجساد، وإعادة الأرواح إلى أجسادها، والوقوف بين يدي الله للحساب، وتطاير الصحف، والميزان، والحوض، والصراط، والجنة، والنار، وكل هذا داخل في قوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:٣].
الوصف الثاني: قوله تعالى: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلاة﴾ [البقرة:٣] يعني: يؤدونها كما أمر الله وكما أمر رسوله ﷺ .
والإقامة غير الصلاة، فهو لم يقل: يصلون، بل قال: يقيمون، فقد يفعل الإنسان صلاة صورية ولكن لا يقيمها، ولهذا توعد الله من فعل الصلاة مع السهو بالويل، فقال: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون:٤ - ٥] ولم يقل: ويل للذي يقيم الصلاة، بل له الجزاء، فمن أداها كما أمر الله وكما أمر الرسول، بإخلاص، وصدق، ومحبة، ورهبة، وأتى بها في الوقت بشروطها وخشوعها وهيئاتها وجماعتها فقد أقامها، وإلا فلا.
الوصف الثالث: قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [البقرة:٣] أي: ينفقون مما رزقهم الله من الأموال التي استخلفهم فيها، ويدخل في ذلك النفقات الواجبة كالزكاة والكفارات والنفقة على الأولاد والزوجات وعلى الأقارب والمماليك والبهائم والعبيد والأرقاء، إلى غير ذلك.
الوصف الرابع: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [البقرة:٤] أي: يؤمنون بما أنزل إليك يا محمد من الكتاب والحكمة: القرآن والسنة؛ لأن السنة وحي ثانٍ، ويؤمنون أيضاً بما أنزل من قبلك على الأمم السابقة، كالتوراة التي أنزلها الله على موسى, والإنجيل الذي أنزله الله على عيسى, والزبور الذي أنزله على داود, وصحف إبراهيم وصحف موسى، وغيرها من الكتب التي لم تسم.
الوصف الخامس: قوله تعالى: ﴿وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة:٤] أي: لا يشكون، بل يتيقنون بالآخرة ويؤمنون بها، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، ويؤمنون بالبعث والجزاء والحساب والحشر والنشر، وما بعد تطاير الصحف والحوض والميزان والصراط والجنة والنار.
فهذه هي أوصافهم، وهؤلاء مؤمنون باطناً وظاهراً.
ثم بعد ذلك حكم عليهم سبحانه بالهداية في الدنيا والفلاح في الآخرة، فقال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة:٥] أي: هؤلاء هم المهديون الذين هداهم الله إلى الصراط المستقيم، وهداهم الله للحق والدين، واستقاموا على شرع الله ودينه، فهم على هدايتهم من ربهم، ليسوا ضالين كالنصارى ولا مغضوب عليهم كاليهود، بل هؤلاء أنعم الله عليهم بالعلم والعمل، فعلموا ثم عملوا فصاروا مهتدين في الدنيا، وفي الآخرة لهم الفلاح كما قال تعالى: ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة:٥] والفلاح: هو الحصول على المطلوب، والنجاة من المرهوب.
وأعظم ما يطلبه المسلم هو رضا الله ، والتمتع بدار كرامته وجنته، وأعظم ما يكره الإنسان ويخافه عذاب الله وسخطه والنار، فهؤلاء المتقون حصلوا على الفلاح، وحصل لهم ما يطلبون، ونجوا مما يخافون منه.
فهذه هي الآيات الأربع في صفات المؤمنين باطناً وظاهراً.
стр. 67
صفات الكفار الظاهرين في أول سورة البقرة
قوله المؤلف ﵀: (وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:٦] الآيتين في صفة الكفار الذين يموتون كفاراً).
هذا الصنف الثاني، وهم الكفار ظاهراً وباطناً، وذكرهم الله في آيتين: الآية الأولى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة:٦] يعني: جحدوا توحيد الله، وجحدوا حق الله، والصواب أنهم لم يوحدوا الله، ولم يخلصوا له العبادة، فهم كفار.
ويسمى الكافر كافراً؛ لأنه ستر الحق، والكافر من الكفر وهو الستر والتغطية، وسمي الزارع كافراً؛ لأنه يغطي الحب في الأرض، وسمي الكافر كافراً؛ لأنه يغطي الحق ويجحده، والحق هو توحيد الله وإخلاص العبادة له، فجحوده الحق، وتركه لعبادة الله، وتكذيبه لله ولرسوله، صيره كافراً.
يقول الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:٦] هؤلاء الكفار لا يستفيدون من المواعظ ولا الإنذار، فسواء أنذرتهم أم لم تنذرهم لا يستفيدون، كما قال الله عن قوم هود وعاد: ﴿قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ [الشعراء:١٣٦] أي: نحن مستمرون على كفرنا وعنادنا، ﴿قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ [الشعراء:١٣٦]، وهنا قال سبحانه ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:٦].
ثم بين الله جزاءهم لما تركوا الحق عناداً، فقال: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة:٧].
فقوله تعالى: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ) أي: جعل على القلوب ختماً، وعلى السمع ختماً معنوياً يمنع وصول الحق إليه، فلا يعون الحق، ولا يستمعون إليه، وإن كانوا يسمعون أمور الدنيا، لكن الحق لا يسمعونه ولا يعونه.
قال تعالى: (وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ) أي: غطاء معنوي على الأبصار، فلا يرون الحق ولا يبصرونه، مع أنهم يبصرون أمور دنياهم في أكلهم وشربهم وبيعهم، لكن الحق لا يبصرونه؛ لأن على أعينهم غشاوة، عقوبة لهم وجزاء لما عملوا قال تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١١٧].
وقال تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة:٧] أي: جزاؤهم في الآخرة العذاب العظيم من الله، وهو عذاب الله والخلود فيها أبد الآباد، نسأل الله السلامة والعافية.
стр. 68
صفات المنافقين في أول سورة البقرة
قال المؤلف ﵀: [وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٨] الآيات في صفة المنافقين].
أي: ذكر الله في صفات المنافين الذين هم كفار في الباطن ومسلمون في الظاهر ثلاث عشرة آية.
الكفار ظاهراً وباطناً ذكرهم الله في آيتين؛ لوضوح أمرهم, أما العدو اللدود فهو المنافق الذي يعيش بين المسلمين، ولهذا فإن عبد الله بن أبي رئيس المنافقين كان في زمن النبي ﷺ يصلي مع النبي ﷺ ، وأحياناً يخطب في الناس ويقول: اتبعوا هذا النبي، وهو كذاب، هذا من النفاق، وكان يجاهد مع النبي ﷺ ، وهو يدبر المؤامرات ويخطط الخطط للقضاء على الإسلام والمسلمين، وهذا العدو المستور الذي يلتبس أمره على كثير من الناس جلى الله صفاته حتى لا ينخدع الناس به، فذكر الله في ذلك ثلاث عشرة آية.
قال المؤلف: (إلى أن ضرب لهما مثلين أحدهما بالنار والآخر بالماء) أي: ضرب الله لهم مثلين: مثلاً نارياً، ومثلاً مائياً.
قال فيهم سبحانه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٨] فهذا هو الوصف الأول: أنهم يؤمنون بألسنتهم ويكذبون بقلوبهم، فقوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ) يعني: بألسنتهم، (وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ) يعني: بقلوبهم.
وهنا إشكال، وهو: كيف أثبت الله لهم الإيمان ونفاه عنهم، فهل هذا تناقص؟
و
الجواب
معاذ الله! فإن شرط التناقض اتحاد الجهة كما هو معروف عند المناطقة وغيرهم، والجهة هنا منفكة، فإذا ورد النفي والإثبات على محل واحد كان تناقضاً، لكن إذا كان النفي في جهة والإثبات في جهة فلا يكون هناك تناقض، لأن الجهة منفكة، وهنا الجهة منفكة عن الأخرى، فقول الله تعالى: ((وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ)) أثبت لهم الإيمان من جهة اللسان.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٨] نفى عنهم الإيمان من جهة القلب، فالإثبات مسلط على اللسان، والنفي مسلط على القلب، والمعنى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ) بألسنتهم، (وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ) بقلوبهم، كما قال في الآية الأخرى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون:١] فقوله: (قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّه) أي: بألسنتهم, وقوله: (وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ) أي: بقلوبهم، نسأل الله العافية.
الوصف الثاني: قوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة:٩]، فوصفهم الله بالخداع له وللمؤمنين، فيخادعون الله بإظهارهم الإيمان، ويظنون أن هذا ينفعهم، ويخادعون المؤمنين ويظنون أنه تنطلي مكائدهم وتدبيراتهم، وهي لا تنطلي، فالله تعالى عليم بأحوال الناس، والمؤمنون لابد أن يعلموا، إذ قد بين الله لهم وصف هؤلاء المنافقين.
وقوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ﴾ [البقرة:٩] أي: أن خداعهم يعود على أنفسهم فيضرهم.
قوله: (وَمَا يَشْعُرُون) أي: وما يشعرون أن ضرر خداعهم راجع إليهم.
ثم جاءت الآية الثالثة فقال تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة:١٠] وهو مرض الشك والريب والتردد، فليس عندهم علم ولا يقين.
والمنافقون أقسام: منهم من هو مكذب، ومنهم من عنده شك وريب، ومنهم من يؤمن تارة ويكفر تارة، نسأل الله السلامة والعافية.
قال تعالى: ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة:١٠] أي: إلى مرض الشبهة والشك، فالمرض مرضان: مرض جسمي، ومرض قلبي، فالمرض الجسمي أمره هين، وعلاجه عند الأطباء، والثاني مرض القلب، وهذا هو المصيبة.
ومرض القلب ينقسم إلى قسمين: مرض شبهة وشك، ومرض شهوة.
فمرض الشبهة والشك هو الأشد؛ لأنه مرض في الاعتقاد، وشك في العقيدة.
ومرض شهوة المعاصي كمن يحب الزنا والفواحش, ويحب الغناء، فهذا عنده مرض شهوة المعاصي، قال الله تعالى في سورة الأحزاب مخاطباً لأزواج النبي ﷺ : ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب:٣٢] أي: مرض الشهوة، فنهيت المرأة عن الخضوع بالقول؛ لأنها إذا رخمت الصوت وحسنته طمع فيها الفاسق، لكن إذا تكلمت كلاماً عادياً لم يطمع فيها، وإن كانت المرأة مأمورة بخفض صوتها حتى لا يفتتن بصوتها فلا تخاطب إلا بقدر الحاجة وبقدر الضرورة، لكنها مع ذلك ليس لها أن تخضع بالقول.
فالمقصود أن مرض القلب مرضان: مرض شهوة، ومرض شبهة، وأشدهما مرض الشبهة والشك؛ لأنه في العقيدة، وهذا هو الذي أصاب المنافقين، والعياذ بالله، قال تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة:١٠]؛ لأن المرض يزيد وينقص، والكفر يزيد وينقص، والإيمان يزيد وينقص.
قال تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة:١٠] فتوعدهم الله بالعذاب بما كانوا يكذبون، حيث إنهم أظهروا الإيمان بألسنتهم وقلوبهم مكذبة، فهم مكذبون.
الوصف الرابع: قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة:١١] هذا هو الوصف الرابع، وهو أنهم يفسدون في الأرض ويسمون إفسادهم صلاحاً.
أي: من صفات المنافقين أنهم يفسدون في الأرض وينشرون الفساد ويعلنونه ويرون ذلك صلاحاً، كذلك اليوم يسمون موالاة الكفار حضارة ومدنية وسياسة وتقدماً وما أشبه ذلك، مع أنه فساد، والواجب البراءة من الكفار, والواجب التوبة من المعاصي، فهم يظهرون المعاصي والكفر وموالاة الكفار ويسمون هذا إصلاحاً.
لقد حكم الله عليهم بقوله: ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة:١٢].
الوصف الخامس: قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٣] أي: يسمون الإيمان سفهاً، ويصفون المؤمنين بالسفه، ويصفونهم بضعف العقل والبصيرة والرأي، يقولون: هؤلاء سفهاء ضعفاء البصائر.
الوصف السادس: قال تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة:١٤].
في هذه الآية بين الله أن للمنافقين باطناً وظاهراً، ظاهراً مع المؤمنين، وباطناً مع رؤسائهم.
قوله: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾ [البقرة:١٤] أي: أظهروا الإيمان بألسنتهم.
قوله: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ [البقرة:١٤] أي رؤسائهم وكبرائهم وسادتهم.
قوله: ﴿قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة:١٤]، أي: نحن معكم.
قوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة:١٤] أي: نستهزئ بالمؤمنين، وهم الصحابة، فقال الله تعالى رداً عليهم: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة:١٥] هذا جزاء وعقوبة، فاستهزاء الله بهم في مقابلة استهزائهم هو صفة كمال في حق الرب، كما قال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران:٥٤] فالله تعالى يوصف بالمكر في مقابلة مكرهم، والكيد في مقابلة كيدهم، قال : ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق:١٥ - ١٦] فقابلهم الله بهذه الصفات عقوبة لهم.
﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة:١٦] أي: أن هؤلاء اعتاضوا عن الهدى بالضلالة، يعني: تركوا الهدى واعتاضوا عنه بالضلالة، فالشراء معناه الاعتياض.
قوله: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة:١٦] أي: بل هم الخاسرون.
стр. 69
المثل الناري والمثل المائي للمنافقين في سورة البقرة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (إلى أن ضرب لهم مثلين: أحدهما بالنار، والآخر بالماء).
أي: ضرب لهم مثلين: المثل الأول: مثلاً نارياً، والمثل الثاني: مثلاً مائياً.
المثل الناري قال فيه سبحانه: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة:١٧ - ١٨].
أي: ضرب الله لهم مثلاً في كفرهم بعد وضوح الحق، وهؤلاء قوم وضح لهم الحق وآمنوا، ثم بعد ذلك كفروا بعد إيمانهم، فهؤلاء مثلهم مثل الذي استوقد ناراً، فلما أضاءت النار وأبصر ما حوله وأمامه وما يخشاه أمن، ثم ما لبث أن انطفأت عليه النار فصار لا يرى شيئاً، ولا يبصر ما عنده ولا يعرف ما عنده، ولهذا قال: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ * صُمٌّ﴾ [البقرة:١٨] أي: لا يسمعون الحق، ﴿بُكْمٌ﴾ [البقرة:١٧ - ١٨] أي: لا ينطقون بالحق، ﴿عُمْيٌ﴾ [البقرة:١٨] أي: لا يرون الحق، ﴿فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ [يس:٩].
هذا المثل الناري الذي ضربه الله للمنافقين الذين أبصروا الحق ثم عموا عنه، وآمنوا ثم كفروا فصاروا يتخبطون في الظلمات.
والمثل الثاني: المثل المائي الذي قال الله فيه: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:١٩] الصيب: هو المطر وهذا المثل ضربه الله لطائفة أخرى من المنافقين عندهم شك وريب، يؤمنون أحياناً ويكفرون أحياناً، يؤمنون حين يلمع بهم الحق ويضيء، ولكن إيمانهم ضعيف، فإذا غاب عنهم الحق ولم يبصروه يكفرون، فشبههم بالصيب.
قوله تعالى: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ [البقرة:١٩] الرعد: الصواعق التي تصيبهم، والبرق: النور الذي يلمع ويضيء لهم أحياناً.
قال الله تعالى: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ [البقرة:٢٠] فإيمانهم تارة يظهر وتارة يختفي، ولهذا قال: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ [البقرة:٢٠] يعني: إذا أضاء البرق مشوا، وإذا أظلم وقفوا، فهم في حيرة وتردد.
قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٠].
هذا معنى قول المؤلف ﵀: (إلى أن ضرب لهم مثلين: أحدهما بالنار والآخر بالماء)، وبهذا انتهت الآيات في وصف المنافقين، من قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٨] إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٠].
стр. 70
المثل الناري والمثل المائي للمؤمنين في سورة الرعد
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كما ضرب المثل بهذين للمؤمنين في قوله تعالى: ﴿أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ [الرعد:١٧]].
أي: فكذلك ضرب الله للمؤمنين مثلين: مثلاً مائياً ومثلاً نارياً في سورة الرعد، في قوله تعالى: ﴿أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ﴾ [الرعد:١٧] أي: ضرب الله مثلاً مائياً ومثلاً نارياً للحق في ثباته وبقائه، وللباطل في ذهابه وفنائه.
المثل الأول: المثل المائي قال فيه : ((أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً)) أي: المطر، ((فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا)) منها الوادي الكبير ومنها الوادي الصغير، فالوادي الكبير يحمل ماء كثيراً، والوادي الصغير يحمل ماء قليلاً، كل بقدره.
قوله: ﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا﴾ [الرعد:١٧] أي: احتمل السيل الزبد وهي الفقاقيع التي تكون فوق الماء، ثم قال بعد ذلك: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾ [الرعد:١٧] أي: هذا الزبد سرعان ما يتبخر ويكون على شاطئ الوادي ويذوب، ويبقى الماء، فمثل للحق بالماء، ومثل للباطل بالزبد الذي يذهب جفاء.
المثل الثاني: المثل الناري قال فيه : ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ [الرعد:١٧] أي: ضرب الله مثلاً بالحداد الذي يأتي بالذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص ويصهرها على النار ويذيبها، فتخرج منها الشوائب وهو الزبد المقصود في هذه الآية، ويبقى الذهب الصافي الخالص، فالذهب والفضة الصافي هذا مثل الحق فإنه يثبت، فأما الزبد والوسخ فإنه يذهب ويزول، والزبد والوسخ هو مثل الباطل في ذهابه وبطلانه.
هذا معنى قوله: ﴿أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ﴾ [الرعد:١٧].
إن أمثال القرآن أمثال عظيمة، وقد أكثر الله منها في كتابه، وكذلك النبي ﵊ ضرب أمثلة كثيرة، والأمثلة فيها فوائد عظيمة، وقد كان بعض السلف إذا لم يعرف المثل يبكي، ويقول: إن الله تعالى يقول: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٣] أي: أني لست من العالمين.
стр. 71
أقسام الناس قبل الهجرة إلى المدينة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأما قبل الهجرة فلم يكن الناس إلا مؤمن أو كافر، لم يكن هناك منافق، فإن المسلمين كانوا مستضعفين، فكان من آمن آمن باطناً وظاهراً، ومن لم يؤمن فهو كافر، فلما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة، وصار للمؤمنين بها عز وأنصار، ودخل جمهور أهلها في الإسلام طوعاً واختياراً، كان بينهم من أقاربهم ومن غير أقاربهم من أظهر الإسلام موافقة، رهبة أو رغبة، وهو في الباطن كافر، وكان على رأس هؤلاء عبد الله بن أبي بن سلول وقد نزل فيه وفي أمثاله من المنافقين آيات].
أي: أن الناس كانوا ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: مؤمن باطناً وظاهراً، وكافر باطناً وظاهراً، وكافر بالباطن مسلم في الظاهر، وكان هذا في المدينة بعد غزوة بدر، وأما قبل الهجرة، فلم يكن هناك إلا قسمان من الناس: مؤمن باطناً وظاهراً، وكافر باطناً وظاهراً، ولم يكن هناك منافق، لماذا لم يكن هناك منافق في مكة؟ قال المؤلف: (فإن المسلمين كانوا مستضعفين؛ فكان من آمن آمن باطناً وظاهراً، ومن لم يؤمن فهو كافر)، أي: باطناً وظاهراً؛ لأن الكفار كانوا أقوياء يعلنون كفرهم ليسوا بحاجة إلى أن يخفوا ذلك الكفر، لكن عندما تقوى المؤمنون في المدينة خاف المنافقون فأظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر؛ ولهذا قال المؤلف: (فلما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة وصار للمؤمنين بها عز وأنصار).
أي: بعد أن صالح النبي ﷺ قبائل اليهود في المدينة ووادعهم، وكانوا ثلاث قبائل: بني قينقاع وكانوا حلفاء الخزرج، وبني قريظة وبني النضير وكانوا حلفاء الأوس، ودخل أكثر الأنصار في الإسلام، ووقعت غزوة بدر، حينها تقوى المسلمون، وخذل الله الكفار، مما جعل بعض الأوس والخزرج الذين ليس في قلوبهم إيمان يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، حتى قال عبد الله بن أبي: هذا أمر قد توجه، فأظهر الإسلام وأبطن الكفر.
وكان عبد الله بن أبي بن سلول رئيساً في المدينة، وكان أهل المدينة قبيل الهجرة يصنعون له الخرز ليتوجوه ملكاً عليهم، فلما هاجر النبي ﷺ فاته ذلك، فشرق بالإسلام، فأظهر الإسلام وأبطن الكفر، وتبعه على ذلك بعض الناس، فصاروا منافقين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر؛ خوفاً من القتل وسلب الأموال.
أما في مكة فلا حاجة إلى إظهار الإسلام وإبطان الكفر؛ لأن الكفار كانوا أقوياء والمسلمين كانوا ضعفاء قلة، بل إن بعض المسلمين كان يخفي إسلامه خوفاً من الكفار، فقد كان بلال وعمار وغيرهما يعذبون.
قوله: (ودخل جمهور أهلها في الإسلام طوعاً واختياراً)، أي: جمهور الأوس والخزرج.
قوله: (كان بينهم من أقاربهم ومن غير أقاربهم من أظهر الإسلام) يعني: نفاقاً.
قوله: (موافقة رهبة أو رغبة، وهو في الباطن كافر، وكان رأس هؤلاء عبد الله بن أبي بن سلول، وقد نزل فيه وفي أمثاله من المنافقين آيات) أي: كالآيات التي في سورة البقرة وغيرها.
стр. 72
ذكر المنافقين وصفاتهم في مواضع قرآنية كثيرة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والقرآن يذكر المؤمنين والمنافقين في غير موضع، كما ذكرهم في سورة البقرة وآل عمران والنساء وسورة العنكبوت والأحزاب، وكان هؤلاء في أهل المدينة والبادية، كما قال تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة:١٠١]].
يذكر القرآن المؤمنين والمنافقين في مواضع كثيرة، كما ذكرهم في سورة البقرة، وذكرهم في سورة آل عمران، كما سيبين المؤلف ﵀ في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران:١٥٦] إلى أن قال: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ [آل عمران:١٦٧].
وذكرهم أيضاً في سورة النساء في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [النساء:٦٠] وقال: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء:١٣٨]، إلى قوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء:١٤٢].
وكذلك في سورة المائدة: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ [المائدة:٥٢] وفي سورة العنكبوت: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت:١٠] وفي سورة الأحزاب ذكر كثيراً من أوصافهم، قال الله تعالى: ﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ [الأحزاب:١٣].
وكان هؤلاء المنافقون في المدينة وفي البوادي التي حول المدينة، كما قال الله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ [التوبة:١٠١] يعني: ومن أهل المدينة منافقون.
﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة:١٠١].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكان في المنافقين من هو في الأصل من المشركين وفيهم من هو في الأصل من أهل الكتاب].
يعني: بعض المنافقين كانوا في الأصل مشركين وهم من الأوس والخزرج الذين دخلوا في الإسلام نفاقاً، حيث أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر؛ وذلك لما تقوى الإسلام خافوا من القتل فأظهروا الإسلام وأبطنوا الشرك، وبعض المنافقين كانوا في الأصل من اليهود والنصارى كما أخبر الله عنهم في سورة البقرة قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة:٧٨]، ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:٧٥ - ٧٦].
إذاً: المنافقون لهم ظاهر وباطن، فقد يكون مشركاً في الأصل فيخاف من القتل فيظهر الإسلام ويبطن الشرك، وقد يكون من أهل الكتاب من اليهود والنصارى، فيخاف ويظهر الإسلام ويبطن اليهودية أو النصرانية.
стр. 73
أوصاف المنافقين في سورة آل عمران
стр. 74
تخذيل المنافقين عن الجهاد
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وسورة الفتح والقتال والحديد والمجادلة والحشر والمنافقين، بل عامة السور المدنية يذكر فيها المنافقين، قال تعالى في سورة آل عمران: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران:١٥٦] إلى قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا﴾ [آل عمران:١٦٧] الآيات].
ذكر الله المنافقين في كثير من السور، بل في عامة السور المدنية، منها: سورة الفتح، قال تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ [الفتح:٦].
ومنها: سورة القتال وتسمى سورة محمد، فقد ذكر الله فيها كثيراً من صفات المنافقين، قال : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٩].
ومنها: سورة الحديد، قال : ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد:١٣].
ومنها: سورة المجادلة، قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [المجادلة:١٤].
ومنها: سورة الحشر، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [الحشر:١١].
وسورة (المنافقون) فهي سورة كاملة باسمهم، قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون:١] إلى آخر السورة.
يقول المؤلف: (بل عامة السور المدنية يذكر فيها المنافقين) بخلاف السور المكية التي نزلت قبل الهجرة ليس للمنافقين فيها ذكر؛ لأن النفاق إنما ظهر بعد الهجرة.
قال الله تعالى في سورة آل عمران: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران:١٥٦].
نهى الله تعالى المؤمنين أن يتشبهوا بالكفار الذين يقولون لإخوانهم المنافقين: لو كانوا عندنا ولم يحضروا المعركة لما ماتوا ولما قتلوا، فرد الله عليهم بقوله في الآية الأخرى: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران:١٥٤].
ثم قال تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٧] أي: ليعلم الذين نافقوا أن القتال يظهر فيه المؤمن الصادق من المنافق الكاذب.
ثم قال تعالى: ﴿قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٧] أي: إذا قيل لهم: قاتلوا قالوا: لو كنا نعلم أن هناك قتالاً لاتبعناكم، فرد الله عليهم بقوله: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران:١٦٧] فمن أوصاف النفاق أن القلوب تختلف عن الألسنة، فهم يقولون بأفواههم هذا القول لكن قلوبهم مكذبة لأقوالهم.
стр. 75
تخذيل المنافقين للمؤمنين وحمل الأحقاد عليهم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى فيها أيضاً: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ [آل عمران:١١٨] إلى قوله: ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران:١١٩ - ١٢٠]].
الآية الأولى فيها تحذير من المنافقين واتخاذهم بطانة يفشى إليهم الأسرار ويؤتمنون، فالله تعالى نهى المؤمنين أن يتخذوا بطانة من الكفار؛ لأنهم أعداء لا يؤتمنون، فقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ [آل عمران:١١٨] يعني: من غير المؤمنين، أي: لا تتخذوا بطانة من اليهود ولا النصارى ولا الوثنيين ولا الشيوعيين وغيرهم، فكل هؤلاء أعداء.
قوله تعالى: ﴿لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ [آل عمران:١١٨] يعني: لا يقصرون في الشر والعداوة والإيذاء وإيصال الضرر إليكم؛ لأنهم أعداء.
قوله: ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ [آل عمران:١١٨] يعني: يودون الشيء الذي يعنتكم ويشق عليكم ويعييكم، فهم يفرحون به ويتمنونه.
قوله: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ [آل عمران:١١٨] أي: تخرج كلمات وتفلت من ألسنتهم تدل على عداوتهم.
قوله: ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران:١١٨] أي: من شدة ما في قلوبهم من الغيظ والنفاق تبدو أحياناً على اللسان الكلمات التي تدل على ما في صدورهم من الشر والعداوة؛ لأنه إذا امتلأ صدره شراً وعداوة، فإنه كالقدر الممتلئ لا بد أن يفور ويظهر شيء منه.
وهذا موجود في القديم وفي الحديث، فبعض الكفرة وبعض رؤسائهم يصرح مثلاً بالعداوة والحرب على الإسلام والمسلمين، ويعلنها حرباً صليبية وما أشبه ذلك، فتبدو على فلتات ألسنتهم، كما قال الله: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران:١١٨] أي: الذي في صدروهم من الغيظ والعداوة والبغضاء أكبر وأعظم مما يظهر على ألسنتهم.
ثم قال الله: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران:١١٨] أي: إن كنتم تعقلون ما ينفعكم وما يضركم، فالله تعالى قد بين لكم.
ثم قال بعد ذلك: ﴿هَاأَنْتُمْ أُوْلاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران:١١٩] هذه الآية فيها دلالة على أن النفاق يكون في أهل الكتاب.
ثم قال سبحانه بعد ذلك: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ [آل عمران:١٢٠] أي: إذا أصابكم نصر وعز وسلامة وغنيمة ساءهم ذلك، ﴿وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ [آل عمران:١٢٠] أي: إذا أصابكم جدب وقحط وهزيمة فرحوا بذلك.
ثم قال الله: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران:١٢٠] لو طبق المسلمون هذه الآية لانتصروا على الكفار، فلابد من صبر وتقوى، والتقوى هي توحيد الله وإخلاص الدين له وأداء الواجبات وترك المحرمات، ومن ذلك إعداد العدة للكفرة، والجهاد بالعدة الروحية والمعنوية والحسية، والأسلحة المناسبة في كل وقت وفي كل زمان والتدرب عليها مع الإيمان والتقوى.
وما أصاب المسلمين من كيد الكفار فهو بسبب التقصير في الشرع، إما التقصير في الصبر أو التقصير في التقوى.
قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران:١٢٠] أي: لا يخفى عليه شيء من أحوالهم، فهم في قبضته وتحت تصرفه، فلا يضركم كيدهم بشرط الصبر والتقوى.
следующие страницы →