← Акыда

Акыда · id 36972

شرح كتاب الإيمان الأوسط لابن تيمية - الراجحي

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (331 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

شرح كتاب الإيمان الأوسط لابن تيمية [١] كتاب الإيمان الأوسط أو الصغير لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ من أحسن كتبه، وهو في شرح حديث جبريل المشهور، وقد ميز فيه بين أقوال الناس في الإسلام والإيمان، وأدلة كل قول، وما هو الحق في ذلك.

стр. 2

فضل العلم وآدابه

стр. 3

فضيلة طلب العلم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبد الله ورسول نبينا وإمامنا محمد، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو إليكم، وأثني عليه الخير كله، وأسأله المزيد من فضله، وأسأله أن يرزقنا جميعاً العلم النافع والعمل الصالح، وأسأله أن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم، وصواباً على هدي رسول الله ﷺ ، وأسأله سبحانه أن يجعل اجتماعنا هذا اجتماعاً مرحوماً وأن يجعل تفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، وأن لا يجعل فينا ولا منا ولا من بيننا شقياً ولا محروماً. أيها الإخوان! إن طلب العلم، والاستزادة منه، والحرص عليه، عن إخلاص ومحبة ورغبة ورهبة من أفضل القربات وأجل الطاعات، فإن العلم الذي بعث الله به نبيه محمداً ﷺ أشرف العلوم، والله رفع شأن العلماء وميزهم، وقرن شهادتهم بشهادته وشهادة الملائكة على أجل مشهود به، وهو الشهادة له بالوحدانية. وقال سبحانه: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:٩]، وقال سبحانه: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران:١٨]. وأمر الله نبيه أن يقول: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه:١١٤]. والعلم الشرعي هو ميراث الأنبياء، والأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر، ومن اتصف بالعلم كان له مزية على غيره. ولهذا فإن في حديث أبي موسى الأشعري ﵁ الذي فيه بيان أقسام الناس الذين يقرءون القرآن جعل لمن يقرأ القرآن ميزة وإن كان من المنافقين، فقال ﵊: (مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة طعمها طيب ولا ريح لها، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن مثل الحنظلة لا ريح لها وطعمها مر). فجعل المنافق الذي يقرأ القرآن له مزية، وإن كان لا ينفعه، لكن العلم يجعل للإنسان مزية تميزه على غيره، حتى الحيوانات المعلمة تتميز عن غيرها من غير المعلمة، فالكلب المعلم له ميزة على غيره من الكلاب، والكلب المعلم يجوز أكل ما صاد، والكلب غير المعلم لا يؤكل صيده، بالشروط. فالمسلم الذي من الله عليه بالعلم وسلوك طريق العلم عليه أن يغتبط بهذه النعمة، ويعلم أن الله أراد به خيراً، وإن من علامات إرادة الله الخير للعبد أن يفقهه في دينه، وأن يتبصر، وأن يحرص على طلب العلم، ولهذا ثبت في الصحيحين من حديث معاوية بن أبي سفيان ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)، قال العلماء: هذا الحديث له منطوق وله مفهوم، منطوقه: أن من فقهه الله في الدين فقد أراد به خيراً، ومفهومه: أن من لم يفقهه الله في الدين لم يرد به خيراً، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وما ذاك إلا أن الفقه في الدين وسيلة إلى العمل، وإلى تنفيذ الأحكام والتصديق بالأخبار، ولهذا فإن العلماء ورثة الأنبياء.

стр. 4

أهمية الإخلاص في طلب العلم فأنتم اتجهتم إلى طريق العلم، ونحسبكم والله حسيبكم أنكم قصدتم بذلك وجه الله والدار الآخرة، لا تريدون مالاً ولا جاهاً ولا شهادة ولا وظيفة، وإنما تطلبون العلم للتبصر والتفقه. فأوصيكم ونفسي بالإخلاص والصدق مع الله، فأخلصوا طلبكم للعلم لله، واقصدوا بذلك وجه الله والدار الآخرة؛ لأن طلب العلم من أجل القربات وأفضل الطاعات، وهو أفضل من نوافل العبادة، قال العلماء: إن طلب العلم أفضل من نوافل العبادة، يعني: كونك تتفرغ لطلب العلم أفضل من كونك تتفرغ لتصلي الليل، أو لتصلي صلاة الضحى، أو لتصوم الإثنين والخميس، أو لتصوم ثلاثة أيام من كل شهر، وإذا كان طلب العلم يمنعك من صلاة الليل أو صلاة الضحى، فأنت بين أمرين: إما أن تصلي الضحى أو تحضر درس العلم. نقول: حضور درس العلم مقدم على صلاة الليل، وإذا كان صيام الإثنين والخميس أو صيام ثلاثة أيام من كل شهر يمنعك من طلب العلم فطلب العلم مقدم؛ لأن طلب العلم أفضل من نوافل العبادة، يعني: ما زاد عن الفرائض؛ وما ذاك إلا لأن طلب العلم يتبصر به الإنسان في دين الله ويتفقه ويعلم الحلال والحرام، ويمتثل الأوامر ويجتنب النواهي، فيعبد الله على بصيرة، بخلاف الجاهل فإنه لا علم عنده. فأوصيكم ونفسي بالإخلاص، أن يخلص الإنسان في طلبه للعلم، ويعلم أنه في عبادة عظيمة من أجل القربات وأطيب الطاعات. وعليه أن يحسن القصد ويخلص النية، ويتذكر دائماً أنه يعبد الله بطلب العلم، ويتذكر دائماً أن الله من عليه بهذه النعمة العظيمة، ووجهه هذه الوجهة، وشرح قلبه وصدره لطلب العلم، فيرتبط بهذه النعمة ويفرح بها، قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٨].

стр. 5

آداب طالب العلم مع شيوخه وعليه مع ذلك أن يحترم أهل العلم والمدرسين، ويعرف لهم قدرهم وحرمتهم، ويتأدب معهم في خطابه وفي أسلوبه وفي أسئلته، وعليه مع ذلك أن يحذر من التعنت الذي يصاب به بعض الناس في أسئلته، فلا يتعنت، لا يسأل أسئلة تعنت، ولا يسأل أسئلة يريد بها الرياء والسمعة، أو يريد أن يعنت المسئول ويوقعه في الحرج، أو لأجل أن يظهر نفسه، بل يسأل أسئلة يريد بها الفائدة، ولا يسأل أسئلة غير واقعية، أو أسئلة مستحيلة، أو لا تكون، لكن يسأل أسئلة يمكن أن تقع أو واقعة، ويكون قصده بذلك الفائدة. وعليه مع ذلك الحرص على حضور دروس الحلقات العلمية، وبذل الوسع والاجتهاد، وإحضار الكتاب بين يديه، وعليه أن يحضر ذهنه، ويجاهد نفسه؛ حتى لا ترد عليه الخواطر والوساوس، فلابد أن يكون حاضر الذهن، فيفهم عن المدرس ما يقول، وعليه أن يعلق الفوائد العلمية؛ لأن الفوائد العلمية قد تفوته، ولهذا يقول السلف: العلم صيد والكتابة قيده قيد صيودك بالحبال الواثقة وعليه مع ذلك أن يستفسر عما أشكل عليه، ويرجع إلى زملائه يسألهم عما خفي عليه، ويرجع إلى الشريط أيضاً، وعليه مع ذلك أن يستفيد من أهل العلم، بأن يتصل بهم هاتفياً أو شخصياً، لكن مع التأدب، ومع القصد الحسن، وقد يحرم الإنسان العلم بسبب عدم تأدبه بآداب طالب العلم، فلابد للإنسان أن يخلص عمله لله وأن يتأدب بآداب طالب العلم. وعليه مع ذلك أن يستفيد من الكتب ومن أهل العلم، وأن يسلك الطرق والوسائل التي يستفيد منها، والوسائل في هذا العصر كثيرة: منها حضور الحلقات والدورات العلمية، ومنها حضور الدروس في المساجد، ومنها سؤال أهل العلم هاتفياً أو شخصياً، ومنها سماع الأشرطة المفيدة، ومنها القراءة في كتب أهل العلم والبصيرة، ومنها الدراسة في المعاهد والكليات والمدارس العلمية، كل هذه وسائل لطلب العلم، فنسأل الله أن يرزقنا جميعاً العلم النافع والعمل الصالح، ونسأله سبحانه أن يرزقنا وإياكم الإخلاص في العمل والثقة في القول، ونسأله أن يعيذنا وإياكم من الرياء والسمعة ومن المقاصد السيئة. ونحن إن شاء الله في هذه الدورة سوف نتكلم بما يفتح الله به على كتاب الإيمان الأوسط للإمام المجتهد المطلق العلامة شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني رحمة الله عليه، المولود سنة إحدى وستين وستمائة من الهجرة، والمتوفى سنة ثمانية وعشرين وسبعمائة ﵀ رحمة واسعة. وشيخ الإسلام معروف لدى الجميع، وهو ممن نصر الله به الحق، وأظهر الله به معتقد أهل السنة والجماعة، وقد انتشرت كتبه ومؤلفاته، ونفع الله بها في مشارق الأرض ومغاربها، ودعوة الإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ امتداد لدعوة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ولا زال شيخ الإسلام الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب وأحفاده وتلاميذه كلهم يستفيدون من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه الإمام ابن القيم وغيرهم من أهل العلم. وهذا الإمام شيخ الإسلام ﵀ هو ممن نصر الله به الحق وأظهر به عقيدة أهل السنة والجماعة، وما قرره من معتقد أهل السنة والجماعة، كله عليه أدلة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وكان من أهل العلم، ويندر أن يكون له قول ضعيف في مسائل الاعتقاد، أما المسائل الفرعية فأمرها سهل، كمسائل الفروع في الفقه وفي غيرها، لكن مسائل الاعتقاد يندر أن يكون له قول ضعيف أو مرجوح ﵀. وهذا كتاب الإيمان الأوسط ويقال له: كتاب الإيمان الصغير، وله كتاب آخر هو كتاب الإيمان الكبير أو شرح حديث جبريل، وكأن هذا الكتاب مختصر من كتاب الإيمان الكبير، وكتاب الإيمان الكبير أوسع، وهذه المباحث الموجودة في كتاب الإيمان الأوسط أو كتاب الإيمان الصغير موجودة في كتاب الإيمان الكبير، والإيمان الكبير يزيد عليه.

стр. 6

شرح خطبة الكتاب

стр. 7

معنى الحمدلة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [بسم الله الرحمن الرحيم. ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ [هود:٨٨]. الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستعيذه ونستهديه ونسترشده، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً، ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب:٤٦]، ففتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، تبصر به من العمى، وأرشد به من الغي، وأنقذ به من الضلالة، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد]. هذه خطبة تسمى خطبة الحاجة، وكثيراً ما يفتتح بها الإمام ﵀ رسائله وكتبه، وتقرأ هذه الخطبة عند خطبة النكاح وغيرها، فيفتتح بها مثل الكتاب أو الرسالة أو الجمعة، وإن لم تفتتح بها خطبة الجمعة فلا حرج. يقول: (الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه). الحمد: هو الثناء على المحمود بصفاته الجميلة الاختيارية، وهو أعلى من المدح، فالمدح: هو الإخبار عن صفات الممدوح، وقد تكون هذه الصفات ليست اختيارية، كما إذا مدحت الأسد بأنه قوي العضلات، هذه صفات له لكنه لم يفعلها باختياره، بخلاف الحمد؛ لأنه الثناء على المحمود بصفات اختيارية، مع حبه وإجلاله وتعظيمه، فالحمد أبلغ من المدح، فالحمد: هو الثناء على المحمود بصفاته الاختيارية مع حبه وإجلاله وتعظيمه. ولهذا جاء الحمد في الثناء على الرب : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] افتتح الله به كتابه العظيم، وقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام:١] وقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا﴾ [الكهف:١]. وجميع أنواع المحامد كلها ملك لله، هو مستحق لها ، فإنه هو الكامل في ذاته وصفاته وأفعاله وهو مولي النعم ومسديها، وما بالخلق من نعمة فهي من الله، قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣]. فلهذا كان مستحقاً لجميع أنواع المحامد، وهو المالك لها . قوله: (ونستعينه) يعني: نستعين بالله ، أي: نطلب منه العون، والسين والتاء تدل على الطلب، (ونستغفره)، يعني: نطلب منه المغفرة لجميع الذنوب؛ لأن الإنسان محل الخطأ، فهو بحاجة إلى الاستغفار، أي: طلب المغفرة، والمغفرة: هي ستر الذنب ومحوه والعفو عنه والسلامة من شروره في الدنيا والآخرة. فالمؤلف يقول: نثني على الله بجميع أنواع المحامد، ونسأله العون، ونطلب منه أن يغفر ذنوبنا وأن يسترها، وأن يسلمنا من شرها في الدنيا والآخرة. قوله: (ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا)، يعني: الشرور تأتي من النفس، وتأتي من غير النفس، وكذلك الأعمال تنسب إلى العبد، وهو المباشر لها والكاسب لها، فالأعمال تكون حسنة وتكون سيئة، ولهذا قال: ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا.

стр. 8

معنى الهداية ومعنى الشهادة لله بالوحدانية وقال: (من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له). هذا فيه بيان أن الرب هو الهادي وهو المضل، هو الذي يقذف الهداية في قلب العبد، ويجعله يختار الحق ويرضى به، وهو مقدر الضلالة على العبد لما له من حكمة بالغة، فهو يهدي من يشاء فضلاً منه وإحساناً، ويضل من يشاء عدلاً منه وحكمة. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ومن هداه الله فلا يستطيع أحد أن يضله، ولو اجتمع الخلق كلهم ما استطاعوا أن يضلوه، ومن أضله الله فلا يستطيع أحد أن يهديه، وإن اجتمع أهل الأرض كلهم أن يضلوه ما استطاعوا. وفي هذا رد على المعتزلة الذين يقولون: إن العبد هو الذي يهدي نفسه ويضل نفسه، يقولون: إن تسميته مهتدياً يعني: أن وصفه بأنه مهتد معناه أنه سمي مهتدياً أي: فهو من باب التسمية. من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، هذا مأخوذ من قوله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف:١٧]. ثم شهد المؤلف ﵀ بالوحدانية لله تعالى ولنبيه ﷺ بالرسالة، فقال: (وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له)،يعني: أقر وأعترف بأنه لا معبود بحق إلا الله. لا إله إلا الله هي كلمة التوحيد، ومعناها: لا معبود بحق إلا الله، فالمعبود بالحق هو الله، وما عبد سواه فهو معبود بالباطل، والمعبودات كثيرة: عبدت الشمس، والقمر، والنجوم، والكواكب، والبشر، والحجر، والأصنام، والأوثان، والجن، والإنس، والشياطين كلهم عبدوا لكن بالباطل، والعبادة بالحق هي عبادة الله وحده، كما قال سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج:٦٢]. هذه كلمة التوحيد وهي أعظم كلمة، فأعظم كلمة وأفضل الكلام بعد كلام الله كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) وهذه الكلمة العظيمة لأجلها خلق الله الخلق، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب، وانقسم الناس إلى شقي وسعيد، ولأجلها خلقت الجنة والنار، وقامت القيامة، وحقت الحاقة، ووقعت الواقعة، وهي حق الله على عباده، من وحد الله وأخلص له العبادة فإنه لا يخلد في النار وهو من أهل الجنة قطعاً، ومن مات على التوحيد فهو من أهل الجنة قطعاً، لكن إن مات على توحيد خالص خال من الشرك والبدع والكبائر دخل الجنة من أول وهلة، فضلاً من الله تعالى وإحساناً، وإن مات على توحيد ملطخ بالمعاصي والكبائر والبدع دون الشرك فهو على خطر من العذاب أن يصيبه في القبر، قد يعذب في قبره، وقد تصيبه أهوال وشدائد في موقف القيامة، وقد يعذب في النار، فهو تحت مشيئة الله، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]. وإذا دخل النار فإنه يعذب فيها على قدر جرائمه ومعاصيه، وفي النهاية يخرج منها ولا يخلد، بل يخرج منها إلى الجنة بشفاعة الشافعين أو برحمة أرحم الراحمين، ولا يبقى في النار إلا الكفرة، وإذا تكامل خروج العصاة الموحدين من النار ولم يبق منهم أحد أطبقت النار على الكفرة بجميع أصنافهم: اليهود والنصارى والوثنيين والملاحدة والشيوعيين والمنافقين، والمنافق في الدرك الأسفل منها، فلا يخرج منها أبد الآباد، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُوصَدَةٌ﴾ [الهمزة:٨] يعني: مطبقة مغلقة، ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ [الهمزة:٩]. وقال سبحانه: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة:٣٧]، وقال سبحانه: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٧]، وقال سبحانه: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ:٢٣] يعني: مدداً متطاولة، كلما انقضى حقب أعقبه حقب إلى ما لا نهاية.

стр. 9

معنى شهادة أن محمداً رسول الله والشهادة لله تعالى بالوحدانية لا تصح إلا بالشهادة لنبيه بالرسالة ﵊، ولهذا قال المؤلف: (وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)، وأشهد أن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي القرشي العربي المكي ثم المدني هو عبد الله ورسوله، وأنه خاتم النبيين، وأنه رسول الله حقاً، وأنه رسول الله إلى العرب والعجم من الجن والإنس إلى الثقلين، وأنه لا نبي بعده، فمن اعتقد أن رسالة محمد ﷺ خاصة للعرب أو اعتقد أن بعده نبياً فهو كافر بإجماع المسلمين، قال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان:١]، وقال سبحانه: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء:٧٩]، وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ:٢٨]، وقال ﵊: (والذي نفسي بيده لا يسمع بي من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار)، وقال ﵊: (وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة). فرسالة النبي ﷺ عامة للثقلين الجن والإنس، العرب والعجم، وهو خاتم النبيين فلا نبي بعده، قال سبحانه: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:٤٠]. فلا تصح إحدى الشهادتين إلا بالأخرى، فمن شهد لله تعالى بالوحدانية ولم يشهد لنبيه بالرسالة لم تقبل، ومن شهد لمحمد ﷺ بالرسالة ولم يشهد لله بالوحدانية لم تقبل، فلا بد من الشهادتين، وإذا أطلقت إحداهما دخلت فيها الأخرى.

стр. 10

معنى الصلاة على النبي وأصحابه وآله ثم قال المؤلف ﵀: (صلى الله عليه)، هذا سؤال ودعاء الرب بأن يصلي على نبيه، وصلاة الله على العبد أصح ما قيل فيها: ما رواه البخاري في صحيحه عن أبي العالية التابعي الجليل أنه قال: صلاة الله على عبده ثناؤه عليه في الملأ الأعلى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب:٥٦] يعني: يثنون عليه، والصلاة من الآدمي ومن الملائكة دعاء. (وعلى آله وأصحابه)، الأصحاب: جمع صاحب، والصحابي أصح ما قيل في تعريفه: هو من لقي النبي ﷺ مؤمناً ولو لحظة ومات على الإيمان، ولا يشترط أن يراه، فيدخل في ذلك العميان مثل عبد الله بن أم مكتوم الأعمى فإنه صحابي ولم ير النبي ﷺ ، لكن لقيه، ويدخل في ذلك الأعراب الذين لقوا النبي ﷺ ، فمن لقي النبي ﷺ مؤمناً ومات على الإيمان فهو صحابي، أما الأعراب الذين ارتدوا والعياذ بالله على أعقابهم وماتوا على الكفر فليسوا من الصحابة. وآل النبي ﷺ قيل المراد بآله: ذريته وأقاربه، ويدخل في ذلك زوجاته، ويدخل في ذلك علي وفاطمة والحسن والحسين والعباس عم النبي ﷺ وحمزة، وأزواجه كذلك. وقيل: المراد بالآل: أتباعه على دينه إلى يوم القيامة. وعطف الآل على الأصحاب من عطف العام على الخاص، وعطف الأصحاب على الآل من عطف الخاص على العام، فقوله: (على آله وأصحابه)، أصحابه داخلون في الآل؛ لأنهم من أتباع دينه، وإذا قيل: وعلى أصحابه وآله، يكون الأصحاب قد ذكروا مرتين: مرة بالخصوص ومرة بالعموم. وقال: (أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً). هذا وصفه ﵊: أرسله الله بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة يعني أنه نبي الساعة، وسمي نبي الساعة؛ لأنه ﵊ هو آخر الأنبياء، والساعة تقوم في آخر أمته؛ ولهذا قال النبي ﷺ (بعثت أنا والساعة كهاتين، وقرن بين أصبعه السبابة والوسطى)، وهو بشير لمن أطاعه بالجنة والكرامة، ونذير لمن عصاه بالنار وغضب الله وعقوبته. قال: [﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب:٤٦]]. ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾ [الأحزاب:٤٦] حيث أمره الله بذلك، بإذنه وكونه القدري وإذنه الديني الشرعي، وأتباعه ﵊ كذلك يدعون إلى الله بإذنه. ووصف بالسراج المنير لأنه ﵊ هو المبلغ عن الله، وهو المبين لطريق الجنة وطريق النار، فهو السراج يضيء لمن أراد الله هدايته، فمن أراد الله هدايته فإنه يعرف طريق الجنة وطريق النار، فيوحد الله ويخلص له العبادة، ويعمل الأعمال التي ترضي الله؛ لأن الرسول ﵊ سراج منير أنار الطريق، حيث دعا إلى الله وإلى توحيده، وبين الواجبات والمحرمات في كتاب الله الذي أنزله عليه وفي سنته المطهرة، فهو السراج المنير. قال: (ففتح به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غلفاً). وفتح الله به أعيناً عمياً وهي أعين الكفار الذين عموا عن الحق، ومن أراد الله هدايته فتح عينه للحق، وفتح به آذاناً صماً وهي آذان الكفار الذين صموا عن سماع الحق، لكن من أراد الله هدايته فتح الله أذنه وسمع الحق. وفتح به قلوباً غلفاً عليها غلاف وهي قلوب الكفرة، كما قال الله سبحانه أنهم قالوا: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ [البقرة:٨٨] يعني: عليها غلاف، لكن من أراد الله هدايته فتح الله له وأزال الله هذا الغلاف، فنفذ إليه الحق فآمن وأسلم واستقام. قال: (تبصر به من العمى وأرشد به من الغي). والعمى: هو الكفر والمعاصي، والغي: الضلال والانحراف، أي: أرشد بدعوته ﵊، وبالكتاب الذي أنزله الله عليه وهو القرآن العظيم والسنة، فهو إرشاد يبين للإنسان الطريق المستقيم حتى لا يسلك طريق الغي. قال: (وأنقذ به من الضلالة). أنقذ الله به من الضلالة ومن الكفر، والضلالة: هي الكفر والمعاصي والبدع. قال: (صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً). كما سبق، وصلى الله عليه وعلى آله، ولم يذكر أصحابه، وإذا عطف الصحابة على الآل صار من عطف الخاص على العام. (وسلم تسليماً كثيراً)، هذا: دعاء للنبي بالسلامة، مثل: اللهم سلمه. قوله: (أما بعد). هذه كلمة يؤتى بها للانتقال من شيء إلى شيء، واختلف في أول من قالها، قيل: أول من قالها داود النبي ﵊، وقيل: هي فصل الخطاب، وقيل: أول من قالها قس بن ساعدة الإيادي، وقيل غير ذلك، وكان النبي ﷺ يقول في خطبته: (أما بعد، فإن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وهي أولى من قوله: (وبعد). فمن الناس من يقول: وبعد، وكان النبي ﷺ يقول: أما بعد في خطبته، وكذلك العلماء وغيرهم يقولون: أما بعد، وهو انتقال من الخطبة إلى الدخول في الموضوع والصلب.

стр. 11

سؤال جبريل النبي ﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان وجوابه عن ذلك قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فقال الشيخ العالم العامل الورع الناسك شيخ الإسلام، بقية السلف الكرام أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام الشامي رحمه الله تعالى]. فهو عالم وإمام ومجتهد وورع وزاهد، وكنيته أبو العباس ولقبه: شيخ الإسلام. ويقال له: ابن تيمية الحران ي؛ لأنه ولد في بلد حران، ويقال: الشامي؛ لأنه نشأ في بلاد الشام، وكان في الشام في ذلك الوقت، وكذلك العراق كانت هي محط رحال العلماء، وكان العلماء متوافرين في ذلك الزمان والعلم منتشراً هناك. قال: [فصل: يتضمن الحديث سؤال النبي ﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان وجوابه ﷺ عن ذلك. وقوله في آخر الحديث: (هذا جبريل جاءكم يعلمكم دينكم)، فجعل هذا كله من الدين. وللناس في الإسلام والإيمان من الكلام الكثير: مختلفين تارة ومتفقين أخرى، ما يحتاج الناس معه إلى معرفة الحق في ذلك، وهذا يكون بأن نبين الأصول المعلومة المتفق عليها، ثم بذلك يتوصل إلى معرفة الحقيقة المتنازع فيها].

стр. 12

تخريج حديث جبريل المؤلف ﵀ بدأ بالفصل هنا، فقال: (فصل تضمن حديث سؤال النبي ﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان وجوابه عن ذلك). وقوله: (فجعل هذا كله من الدين)، يعني: حديث جبريل وهو الحديث المشهور الطويل الذي رواه الإمام مسلم ﵀ من حديث أبي هريرة ومن حديث عمر بن الخطاب ﵁، ويسمى بحديث جبرائيل، ويسمى بحديث عمر ﵁. وقد أخرجه الإمام مسلم ﵀ مطولاً في كتاب الإيمان، وأخرجه أبو داود في كتاب السنة، والترمذي في كتاب الإيمان، والنسائي في كتاب الإيمان والشرائع، وابن ماجة في المقدمة، وأخرجه الإمام أحمد، والبغوي في شرح السنة، وابن حبان وغيرهم. وأخرجه الإمام أحمد مختصراً ومطولاً، وابن أبي شيبة عن ابن عمر، وروي الحديث من طريق أبي هريرة. وأخرجه البخاري مختصراً في كتاب الإيمان، ومسلم أيضاً في الإيمان والشرائع، فهذا الحديث وهو حديث جبرائيل رواه الإمام مسلم مطولاً من حديث عمر ﵁، ورواه البخاري مختصراً، ورواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة مختصراً.

стр. 13

رؤساء الملائكة وهذا الحديث حديث عظيم، وفيه أن جبرائيل جاء للنبي ﷺ في صورة رجل أعرابي ورآه الصحابة، فدل على أن الملك ملك الوحي، وهو أشرف الملائكة وأصل الملائكة، وأفضل الملائكة ورؤساء الملائكة ثلاثة: جبريل وميكائيل وإسرافيل، وهؤلاء الثلاثة هم رؤساء الملائكة، وذلك أن كل واحد من هؤلاء الثلاثة موكل بما فيه الحياة، فجبريل موكل بالوحي الذي به حياة القلوب والأرواح، وميكائيل موكل بالقطر والمطر والماء الذي فيه حياة الحيوانات والنباتات، وإسرافيل موكل بالنفخ في الصور الذي فيه استعادة الأرواح إلى أجسادها بعد الموت، فكل واحد من هؤلاء الثلاثة موكل بما فيه الحياة، فهم رؤساء الملائكة وأصل الملائكة؛ ولهذا توسل النبي ﷺ في دعاء الاستفتاح المذكور في صلاة الليل بربوبية الله لهؤلاء الأملاك الثلاثة، كما ثبت في صحيح مسلم من حديث عائشة ﵂: أن النبي ﷺ كان إذا قام من الليل للصلاة استفتح بهذا الاستفتاح: (اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم). هذا دعاء استفتاح كان النبي ﷺ يستفتح به في صلاة الليل، وفيه: أن النبي ﷺ توسل إلى الله بربوبيته لهؤلاء الأملاك الثلاثة الذين وكلوا بما فيه الحياة، ويقال: جبرائيل وجبريل، وميكائيل وميكال. فجبريل جاء إلى النبي ﷺ في صورة أعرابي، وسأل النبي ﷺ عن الإسلام، ثم سأله عن الإيمان، ثم سأله عن الإحسان، وجاء أن سبب مجيء جبرائيل: أن النبي ﷺ قال: سلوني سلوني، فهابوا، فأرسل الله جبرائيل وجاء فسأل النبي ﷺ . فدل هذا على أن الملك يتشكل ويتصور، وأعطاه الله القدرة على ذلك، فجاء جبريل على صورة أعرابي هنا، ورآه الصحابة، وكثيراً ما يأتي في صورة دحية الكلبي وكان رجلاً جميلاً، وأما صورته التي خلقه الله عليها فله ستمائة جناح، كل جناح يملأ ما بين السماء والأرض، ورآه النبي ﷺ على هذه الصورة مرتين: مرة في الأرض عند البعثة عند غار حراء، فقد رأى ملكاً قاعداً بين السماء والأرض قد سد الأفق، فرعب منه رعباًَ شديداً، فغطه وقال له: اقرأ يا محمد، قال: ما أنا بقارئ، يعني: لست قارئاً، قال: اقرأ، ثلاث مرات، ويذكر في كل مرة أنه يغطه حتى يبلغ منه الجهد، وهذه تهيئة لتحمل الرسالة وأعبائها، فذهب إلى زوجه خديجة وقال: خفت أن يختلج عقلي، قالت: كلا والله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتقري الضيف وتكسب المعدوم وتعين على نوائب الحق. ورآه مرة ثانية على هذه الصورة ليلة المعراج، حينما جاوز السبع الطباق، ورآه مرات كثيرة بطرق متعددة، وهذه المرة جاء في صورة أعرابي.

стр. 14

سؤال جبريل عن الإسلام قال: (وأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام؟) هذا السؤال الأول، فأخبره النبي ﷺ بالحديث، وكتاب الإيمان الكبير وكتاب الإيمان الصغير يدور على شرح هذا الحديث من أوله إلى آخره. (جاء إلى النبي ﷺ وأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام؟ فقال ﵊: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان)، أو (أن تقيم الصلاة وأن تؤتي الزكاة وأن تصوم رمضان وأن تحج البيت). ففسر الإسلام بالأركان الخمسة، الركن الأول: الشهادة لله تعالى بالوحدانية ولنبيه ﷺ بالرسالة، والثاني: إقام الصلاة، والثالث: إيتاء الزكاة، والرابع: صوم رمضان، والخامس: حج بيت الله الحرام.

стр. 15

سؤال جبريل عن الإيمان والإحسان قال: (قال: صدقت، قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه) هذا سؤال العارف، والعادة أن الذي يسأل لا يعلم، وهذا يسأل ويصدق، فالسؤال سؤال العارف فتعجب الصحابة، (قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه) وهو إنما سأل ليعلم الناس دينهم، كما بين النبي ﷺ في آخر الحديث. (فقال: يا محمد أخبرني عن الإيمان؟ فقال: الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره). فسر الإيمان بالأصول الباطنة، أي: بالأركان الباطنة الستة، فالإسلام فسر بأعمال ظاهرة: نطق بالشهادتين، الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والإيمان فسر بالأركان الباطنة قال: (أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت، فعجبنا له يسأله ويصدقه، قال: فأخبرني عن الإحسان؟ فقال النبي ﷺ : الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، جعل الإحسان له مرتبتان: المرتبة الأولى: أن تعبد الله كأنك تراه، أي: تعبد الله على المشاهدة. المرتبة الثانية: فإن لم تكن تراه فإنه يراك. فإن ضعفت عن المرتبة الأولى فإنك تنتقل إلى المرتبة التي بعدها، فالمرتبة الأولى: أن تعبد الله كأنك تراه، أي: كأنك تشاهده، والثانية: إن لم تكن تراه فإنه يراك. والإحسان مرتبة عالية يعني أنك حينما تعبد الله بالصلاة والزكاة والصوم والحج وبر الوالدين وصلة الرحم تعبد الله على المشاهد، وتعبد الله على المراقبة، فأنت تراقب الله والله يراقبك، وتستشعر هذا الإحساس، (قال: صدقت).

стр. 16

سؤال جبريل عن الساعة ثم وجه إليه السؤال الرابع (قال: أخبرني عن الساعة؟) والسؤال الرابع ليس عند الرسول له جواب، قال: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل) يعني: علمي وعلمك سواء، فالساعة لا يعلمها إلا الله، قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ * قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف:١٨٧ - ١٨٨]. وبالمناسبة للفائدة: عندي كتاب كتبه شخص وحدد قيام وقت الساعة، وهذا من التخريف، واسم المؤلف يمكن أن يكون مستعاراً (كتبه فهد السالم)، ذكر أن نزول المسيح عيسى بن مريم سنة ألف وتسعمائة وتسعة عشر ميلادي، وأن قيام الساعة عام ألفين وعشرة ميلادي، وهذا مما يدل على سخافته، وأنه يؤرخ بالتاريخ النصراني، ولا يؤرخ بتاريخ الإسلام، فهذا من المخرفين، إذ حدد خروج المسيح الدجال وحدد وقت الساعة، والنبي ﷺ يقول: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل)، يعني: علمي وعلمك سواء، وهذا حددها. ثم توجه إلى السؤال الخامس: (قال: أخبرني عن أمارتها؟) أي: إذا كنت لا تعلم وقت الساعة فأخبرني عن العلامات، فأخبره النبي ﷺ عن العلامات: (قال: أن تلد الأمة ربتها) أي: الأمة تلد سيدتها، والمعنى: أمة تباع وتشترى تلد مولودة فتكون سيدة على أمها. قال العلماء: معنى ذلك أنه تكثر السراري ويتسرى الملوك الإماء ثم تلد الأمة بنتاً للملك فتكون بنت الملك سيدة على أمها. وفي لفظ: (أن تلد الأمة ربها) وهنا: (أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاة يتطاولون في البنيان) الحفاة: الذين لا نعال لهم، العراة: الذين لا ثياب عليهم، العالة: الفقراء، يتطاولون في البنيان. والحديث له ألفاظ أخرى. (ثم لبث ملياً)، وفي لفظ: قال النبي ﷺ : (ردوا السائل، فذهبوا فلم يجدوا أحداً) أي: خرج الرجل من عندهم فلما ذهبوا لإحضاره لم يجدوا أحداً؛ لأنه ملك من الملائكة وقد جاء في حالة غريبة: شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، والعادة في ذلك الوقت أن الأسفار متعبة، والذي يأتي من السفر تكون ثيابه رثة متسخة وشعره كذلك متسخ، لكن هذا ثيابه بيضاء جميلة، كأنه خرج من بيته مثلنا الآن، وشعره كذلك أسود ليس فيه غبار، فتعجب كيف يكون مسافراً ويأتي بهذه الصورة؟! فقال النبي ﷺ : (ردوا السائل)، وفي لفظ قال: (فلبث ملياً ثم قال: يا عمر! أتدري من السائل؟ فقال عمر: الله ورسوله أعلم)، هذا يقال للنبي ﷺ في حال حياته، يقال: الله ورسوله أعلم، أما بعد وفاته يقال: الله أعلم؛ لأن الرسول لا يعلم الغيب، ولا يعلم أحوال أمته. (فقال ﵊: هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم) وهذه اللفظة التي ذكرها المؤلف الآن، وفي لفظ: (أمر دينكم). فبين النبي ﷺ أن مسمى الإسلام ومسمى الإيمان ومسمى الإحسان هو الدين، إذاً: الإسلام والإيمان والإحسان داخل في مسمى الدين، والدين يشمل الإسلام والإيمان والإحسان، وله ثلاث مراتب: مرتبة الإسلام، ثم المرتبة الثانية مرتبة الإيمان وهي أعلى منه، ثم المرتبة الثالثة مرتبة الإحسان. إذاً: الدين يشمل الإسلام والإيمان والإحسان وهي مراتب، أعلاها الإحسان، ثم الإيمان، ثم الإسلام.

стр. 17

التفريق بين الإسلام والإيمان في حديث جبريل في هذا الحديث فرق النبي ﷺ بين الإسلام والإيمان، ففسر الإسلام بالأعمال الظاهرة، وفسر الإيمان بالاعتقادات الباطنة، وجاء في القرآن أيضاً ما يدل على التفرقة بينهما، كقوله سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥]، فرق بينهما. وكذلك قول الله في سورة الحجرات: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤]، وفي حديث سعد بن أبي وقاص: (أن النبي ﷺ أعطى بعض الناس عطايا يتألفهم على الإسلام وترك رجلاً هو أعجبهم إلي، فقلت: يا رسول الله ما لك عن فلان؟ فوالله إني لأراه مؤمناً، فقال النبي ﷺ : أو مسلماً) يعني: ما وصل إلى درجة الإيمان، (قال: فسكت ثم غلبني ما أجد فقلت: يا رسول الله ما لك عن فلان! فوالله إني لأراه مؤمناً، فقال: أو مسلماً، فسكت ثم غلبني أجد فقلت: يا رسول الله ما لك عن فلان فو الله إني لأراده مؤمناً فقال: أو مسلماً، ثم قال النبي ﷺ : يا سعد إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي مخافة أن يكبه الله على وجهه في النار) يعني: أن النبي ﷺ يعطي العطاء حتى يتألفهم على الإسلام، فمن كان قوي الإيمان لا يعطيه، بل يتركه لإيمانه، ومن كان ضعيف الإيمان يعطيه؛ حتى لا يرتد عن دينه، وحتى يتقوى إيمانه، وهذا فيه فرق بين الإيمان والإسلام. واختلف العلماء في الإيمان والإسلام هل هما شيء واحد أو شيئان؟ فذهب بعض أهل السنة إلى أن الإسلام والإيمان شيء واحد، وأن الإسلام هو الإيمان والإيمان هو الإسلام، وعلى رأسهم الإمام البخاري ومحمد بن نصر المروزي فقالوا: الإيمان والإسلام شيء واحد، وشاركهم فيها بعض البدع كالخوارج والمعتزلة وقالوا: إن الإيمان هو الإسلام. وأجابوا عن قول النبي ﷺ : (الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله)، قالوا: هذا على تقدير محذوف، والتقدير: شعائر الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله. وقالوا: إن آية الحجرات: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤]، في المنافقين؛ لأن الله نفى عنهم الإيمان وأثبت لهم الإسلام في الظاهر؛ لأن المنافقين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر. وذهب جمهور العلماء والمحققون من أهل العلم: إلى أن الإسلام والإيمان شيئان، وأنهما إذا اجتمعا كان لكل واحد منهما معنى، أما إذا أفرد أحدهما وتجرد عن الآخر فإنه يدخل فيه الآخر، فإذا أفرد الإسلام دخل فيه الإيمان، وإذا أفرد الإيمان دخل فيه الإسلام، وإذا اجتمعا فسر الإسلام بالأعمال الظاهرة وفسر الإيمان بالأعمال الباطنة، كما في حديث جبرائيل. وهذا هو الصواب الذي عليه جمهور العلماء وعليه المحققون كشيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من أهل العلم.

стр. 18

شرح كتاب الإيمان الأوسط لابن تيمية [٢] اختلف الناس في مسمى الإيمان والإسلام على أقوال شتى، واستدل كل قوم على ما قالوا بأدلة، وقد بين شيخ الإسلام أقوالهم والراجح في ذلك.

стр. 19

أقوال الناس في الإيمان والإسلام قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فصل: تضمن حديث سؤال النبي ﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان وجوابه عن ذلك، وقوله في آخر الحديث: (هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم)، فجعل هذا كله من الدين. وللناس في الإسلام والإيمان من الكلام الكثير: مختلفين تارة ومتفقين أخرى، ما يحتاج الناس معه إلى معرفة الحق في ذلك، وهذا يكون بأن تبين الأصول المعلومة المتفق عليها، ثم بذلك يتوصل إلى معرفة الحقيقة المتنازع فيها]. فهذا كتاب الإيمان الأوسط أو الصغير شرح لحديث جبرائيل ﵊، والمؤلف ﵀ لم يذكر الحديث بفصوله وإنما ذكر معناه، فقال: تضمن حديث جبرائيل سؤال النبي ﷺ عن الإسلام، ثم عن الإيمان، ثم عن الإحسان، ثم قال في آخر الحديث: (هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم) فسمى الإسلام والإيمان والإحسان ديناً، فالدين له ثلاث مراتب: الإسلام والإيمان والإحسان. وشيخ الإسلام ابن تيمية يقول: إن الناس اختلفوا في مسمى الإسلام وفي مسمى الإيمان، مختلفين تارة ومتفقين تارة، وقال: إن الحق يتبين بعد معرفة الأصول المتفق عليها، وذكر من هذه الأصول التي دلت عليها النصوص أصلين: الأصل الأول: أن الناس في عهد النبي ﷺ بعد هجرته إلى المدينة ثلاث طوائف: مؤمنون باطناً وظاهراً، وكفار باطناً وظاهراً، ومسلمون في الظاهر وكفار في الباطن وهم المنافقون، وهذا أصل دلت عليه النصوص من الكتاب ومن السنة، وأجمع عليه العلماء. الأصل الثاني: أن النصوص وصفت أقواماً من الناس بالإسلام ونفت عنهم الإيمان، كقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤]، وكقوله ﷺ لـ سعد بن أبي وقاص لما قال له حين أعطى رجالاً يتألفهم على الإسلام: (ما لك عن فلان؟ فوالله إني لأراه مؤمناً، فقال ﵊: أو مسلماً. ثلاث مرات). والخلاصة في هذا: أن مسمى الإسلام ومسمى الإيمان اختلف الناس فيه على أقوال:

стр. 20

القول الأول في الإسلام والإيمان القول الأول: أن مسمى الإسلام هو الكلمة ومسمى الإيمان يعم. والكلمة يعني: النطق بالشهادتين، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فمن نطق بهما فهو مسلم، فإذا عمل وأدى الواجبات وترك المحرمات فهو المؤمن. وهذا القول مروي عن الإمام الزهري رحمه الله تعالى وبعض أهل السنة، وليس مقصود الإمام الزهري ﵀ أن الأعمال لا تدخل في مسمى الإسلام، فإن الإمام الزهري أجل من أن يخفى عليه مثل ذلك، لكن مقصود الإمام الزهري بقوله إن الإسلام هو الكلمة أن الإنسان إذا نطق بالشهادتين حكم له بالإسلام، وتميز عن المشركين وعن اليهود والنصارى، والأعمال كلها داخلة في مسمى الإيمان. ومن أدلتهم: قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر:٣٢]. قالوا: فالظالم لنفسه هو المسلم، والمقتصد هو المؤمن الذي أدى الواجب فترك المحرمات، والسابق بالخيرات هو المحسن. وهذه الآية لا تدل على ما ذهب إليه هؤلاء؛ لأن الآية ليس فيها أن الإسلام هو الكلمة، وإنما فيها تقسيم الناس إلى ثلاثة أقسام: ظالم لنفسه: وهو الذي قصر في بعض الواجبات وارتكب بعض المحرمات. ومقتصد: وهو الذي أدى الواجبات وترك المحرمات. وسابق بالخيرات: وهو المحسن. فالآية قسمت الناس إلى ثلاثة أقسام، كحديث جبرائيل لما سأل النبي ﷺ عن الإسلام وعن الإيمان وعن الإحسان. ومن أدلتهم أيضاً: أن النصوص دلت على تسمية الإسلام باسم الإيمان، وتسمية الإيمان باسم الإسلام، فحديث جبرائيل الذي معنا فسر النبي ﷺ الإسلام بالأعمال: الشهادتين والصلاة والزكاة والصوم والحج. وفي حديث وفد عبد القيس فسر الإيمان بالأعمال، فإن في حديث وفد عبد القيس وهو حديث صحيح رواه الشيخان قال النبي ﷺ : (آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تؤدوا سدس ما غنمتم)، ففسر الإيمان بالأعمال، قالوا: إن النصوص سمت الإسلام بما سمي به الإيمان، وسمت الإيمان بما سمي به الإسلام.

стр. 21

القول الثاني في الإسلام والإيمان القول الثاني لأهل العلم في مسمى الإسلام والإيمان: أن الإيمان والإسلام شيء واحد، فالإسلام هو الإيمان والإيمان هو الإسلام، فهما مترادفان. وذهب إلى هذا بعض أهل السنة وعلى رأسهم الإمام البخاري ﵀، ذهب إلى هذا في كتابه الجامع الصحيح في التراجم، وشارك أهل السنة في هذا القول بعض أهل البدع كالخوارج والمعتزلة، قالوا: إن الإسلام هو الإيمان والإيمان هو الإسلام، فهما مترادفان. وأجابوا عن حديث جبرائيل: (الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله) قالوا: هذا فيه تقدير، والتقدير: شعائر الإسلام: شهادة أن لا إله إلا الله. ولكن الأصل عدم التقدير. واستدلوا بقول الله تعالى في قصة قوم لوط ﵊: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٥ - ٣٦]. قالوا: هذا البيت الواحد وصف بالإيمان ووصف بالإسلام، بيت واحد وهو لوط وابنتاه، نجاهم الله من الهلاك، فهذا يدل على أنهما مترادفان. ولكن الصواب: أنهما ليسا مترادفين. والجواب عن هذه الآية: أن البيت المفرد اتصف بالإيمان وبالإسلام؛ لأنها تنطبق عليهم أوصاف الإسلام وأوصاف الإيمان، ولا يلزم من كون هذا البيت المفرد اتصف بالإسلام والإيمان أن يكون الإسلام والإيمان واحداً؛ لأن غيرهم قد لا يتصف بصفة الإيمان. ومن أدلتهم: قول الله تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤]. فهذه الآية فيها أن الله نفى عنهم الإيمان وأثبت لهم الإسلام، فدل على أن الإيمان والإسلام شيء واحد، ولو كان الإيمان والإسلام شيئين لما نفى عنهم الإيمان، فلما نفى عنهم الإيمان وأثبت لهم الإسلام دل على أن هؤلاء منافقون، والمعنى: قولوا استسلمنا وانقدنا للإسلام ظاهراً نفاقاً. والصواب الذي عليه جمهور العلماء والمحققون من أهل السنة وعلى رأسهم شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره: أن هذه الآية ليست في المنافقين، وإنما هي في ضعفاء الإيمان؛ لأن هذه الآية من سورة الحجرات، وآية الحجرات ذكر فيها المعاصي: القتل، والغيبة، والنميمة، والسخرية، والهمز، واللمز، وليس فيها ذكر النفاق، فضعيف الإيمان ينفى عنه الإيمان ويثبت له الإسلام، وإن كان لا بد للإسلام من إيمان يصح به، إلا أنه لا يطلق عليه اسم الإيمان. ويدل على هذا ما سبق هذه الآية، فإن هذه الآية في المؤمنين قال فيها: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤]، فأثبت لهم طاعة الله ورسوله، ولو كانوا منافقين لما أثبت لهم طاعة، وقال تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ [الحجرات:١٧] فأثبت لهم الإسلام، ولو كانوا منافقين لما أثبت لهم الإسلام.

стр. 22

القول الثالث في الإسلام والإيمان والقول الثالث لأهل العلم: أن الإسلام هو الأعمال الظاهرة، والإيمان هو الأعمال الباطنة. ودليلهم حديث جبرائيل، فإنه لما سأل النبي ﷺ عن الإسلام فسره بالأعمال الظاهرة، ولما سأل عن الإيمان فسره بالاعتقادات الباطنة، فدل على أن الإسلام الأعمال الظاهرة والإيمان الأعمال الباطنة. والصواب الذي تدل عليه النصوص والذي عليه المحققون من أهل العلم والذي أقره شيخ الإسلام ﵀ في هذا الكتاب من أوله إلى آخره: أن الإسلام والإيمان تختلف دلالتهما بالاقتران والإفراد، فإذا انفرد الإسلام دخل فيه الأعمال الظاهرة والباطنة، وإذا انفرد الإيمان دخل فيه الأعمال الباطنة والظاهرة، وإذا اجتمعا صار لكل واحد منهما معنى. فإذا اجتمعا فسر الإسلام بالأعمال الظاهرة وفسر الإيمان بالأعمال الباطنة، كما في حديث جبرائيل فإنهما اجتمعا، فلما اجتمعا فسر الإسلام بالأعمال الظاهرة وفسر الإيمان بالأعمال الباطنة. لما سأله عن الإسلام فسر الإسلام: بالشهادتين، والصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، ولما سأل عن الإيمان فسره بالاعتقادات الباطنة: بالإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره. وإذا انفرد أحدهما دخل فيه الآخر، فإذا انفرد الإسلام فيدخل فيه الأعمال الظاهرة والباطنة، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]، فالإسلام هنا يشمل الأعمال الظاهرة والباطنة. وكذلك الإيمان إذا انفرد فإنه يدخل فيه الأعمال الظاهرة والباطنة، وبهذا تجتمع الأدلة ولا تختلف. وهذا ليس خاصاً بالإسلام والإيمان، فمثلهما مسمى الدين، فالدين إذا أطلق يشمل الأعمال الظاهرة والباطنة، والإسلام إذا أطلق يدخل فيه الأعمال الظاهرة والباطنة، والإيمان إذا أطلق يدخل فيه الأعمال الظاهرة والباطنة، والبر إذا أطلق يدخل فيه الأعمال الظاهرة والباطنة، والتقوى إذا أطلقت يدخل فيها الأعمال الظاهرة والباطنة. لكن إذا اجتمع الإسلام والإيمان صار لكل واحد منهما معنى، فمعنى الإسلام الأعمال الظاهرة والإيمان الأعمال الباطنة، وإذا اجتمع البر والتقوى صار لكل واحد منهما معنى، البر فعل الأوامر والتقوى ترك النواهي، وإن أطلق البر وحده شمل الأعمال الظاهرة والباطنة، وإذا أطلقت التقوى وحدها شملت الأعمال الباطنة والظاهرة. وكذلك الفقير والمسكين، الفقير إذا أطلق دخل فيه المسكين، والمسكين إذا أطلق دخل فيه الفقير، وإذا اجتمعا فسر الفقير بمن هو أشد الحاجة، فالفقير: هو الذي لا يجد شيئاً أو يجد نصف الكفاية، يعني: لمدة سنة، والمسكين: هو الذي يجد نصف الكفاية إلا أنه لا يجد الكفاية؛ ولهذا بدأ الله بالفقير في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة:٦٠]، إذاً: الفقراء والمساكين هنا شيئان. لكن في مثل قوله ﷺ : (ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان)، يدخل الفقير. وكذلك الربوبية والألوهية، إذا أطلقت الربوبية دخلت فيها الألوهية، وإذا أطلقت الألوهية دخلت فيها الربوبية، وإذا اجتمعا فسرت الربوبية بأفعال الرب، والألوهية: بأن الله هو المعبود وحده سبحانه، أي توحيد الله بأفعالك أنت أيها العبد. ومثل قول الملكين للميت في قبره: (من ربك؟) يعني: من إلهك الذي تعبد؟ فيدخل فيه الألوهية، لكن لما اجتمعا في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ﴾ [الناس:١ - ٣] صار لكل واحد معنى. ورب الناس، أي: مربيهم وخالقهم ومدبرهم، وإذا أفرد الرب دخل فيه المعبود الإله، وإذا أفرد الإله دخل فيه الرب، وإذا اجتمعا صار لكل واحد منهم معنى. ومن اجتماع الإيمان والإسلام قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥] وقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤]، وما جاء أيضاً في حديث سعد بن أبي وقاص: (ما لك عن فلان؟ فوالله! إني لأراه مؤمناً، قال: أو مسلم) ففرق بين الإسلام والإيمان. وهذا هو الصواب الذي تدل عليه النصوص وتجتمع به الأدلة، وهو الذي أقره المصنف ﵀ من أول الكتاب إلى آخره.

стр. 23

الأسئلة

стр. 24

الحث على الاستمرار في طلب العلم والدعوة إليه ونشره بين الناس السؤال نحن شباب جئنا من دولة لبنان، ولا يخفى عليك حفظك الله حال الإسلام فيها، فبماذا تنصحنا به عند رجوعنا إلى بلدنا بعد الدورة العلمية؟ وهل المجيء إلى هذه البلاد لإقامة الدين يعتبر هجرة أم ماذا؟ الجواب ننصحكم أولاً بالاستمرار في طلب العلم، والاستزادة منه والتبصر والتفقه، والاستمرار في طلب العلم بعد الدورة، وتستطيعون أن تواصلوا طلب العلم عن طريق الشبكة والدروس العلمية التي تنشر، وعن طريق سؤال أهل العلم ومهاتفتهم، وكذلك بقراءة الكتب النافعة، تستمرون ثم بعد ذلك تنشرون هذا العلم بقدر استطاعتكم، وتدعون إلى الله بالحكمة واللين والرفق من حولكم من أهليكم، ومن جيرانكم ومجتمعكم، بالطرق المناسبة التي ترونها كفيلة بإيصال العلم، عن طريق فتح المدارس، وإذا سمح لكم بإقامة الدورات بالدروس على حسب الاستطاعة، لكن أوصيكم بالاستمرار في طلب العلم والاستزادة من طلب العلم. وأما مجيئكم إلى هذه البلاد فهو مجيء لطلب العلم، وسفر لطلب العلم والرحلة في طلب العلم معروفة عن أهل العلم.

стр. 25

النجاشي لا يدخل في تعريف الصحابي السؤال هل النجاشي يعد من الصحابة أم من العباد المسلمين؟ الجواب النجاشي لم ير النبي ﷺ ولم يلقه، وقد سبق تعريف الصحابي: أنه من لقي النبي ﷺ مؤمناً به ومات على الإسلام، وهو ممن أسلم في حياة النبي ﷺ ، وهناك من أسلم في حياة النبي ﷺ ولم يلقه، فيعده علماء المصطلح من المخضرمين، وحكمه حكم التابعين؛ لأنه لم يلق النبي ﷺ ولم يره ولم يجتمع به، فهو من الملوك المؤمنين المسلمين، ولهذا فإن النبي ﷺ شهد له بالإيمان والأخوة، ولما مات خرج النبي ﷺ بالصحابة إلى المصلى وصفهم، وقال: (مات أخ لكم في الحبشة) وكبر وصلى عليه، وكبر عليه أربعاً.

стр. 26

التحذير من الادعاءات الباطلة على علماء أهل السنة ووجوب محاربتها السؤال وردت ادعاءات في هذا الزمن من بعض المشبوهين تقول: إن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ليست كل أقواله من أقوال أهل السنة، فما رأيكم بذلك؟ الجواب صحيح أن هذه الادعاءات ادعاءات هدامة، وهناك بعض المنحرفين الآن يشككون في كلام أهل العلم وفي كتب أهل العلم، وشككوا في كثير من الكتب، حتى قالوا: إن بعض الكتب نسبتها غير صحيحة، وقالوا: مسألة الإمام أحمد لم تثبت، ورسالة كذا لم تكن للإمام أحمد، ورسالة العقيدة الواسطية لم تكن عن شيخ الإسلام وهكذا، وهم يريدون ألا تثبت هذه الكتب؛ حتى يطعنوا فيها لأنها تخالف معتقدهم الباطل، فهذه ادعاءات هدامة، قصد منها أصحابها التنفير من الأئمة ومن أقوالهم ومن كتبهم. فنصيحتي لأخواني طلبة العلم أن يعرضوا عن هذه الادعاءات، وأن ينكروها، وأن يحذروا منها، فهي ادعاءات هدامة قصد منها أعداء الإسلام التنفير من الأئمة، ومن العلماء، ومن أقوالهم، ومما قرروه من العقيدة السليمة التي استدلوا عليها بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ .

стр. 27

مكانة الشيخ الألباني السؤال ما رأيكم فيمن يتكلم في عقيدة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ﵀، ويطعن في إيمانه، ويتهمه بالإرجاء؟ الجواب الشيخ محمد ناصر الدين الألباني من أهل السنة والجماعة، وهؤلاء الذين يطعنون فيه من المغرضين، والشيخ محمد ناصر الدين الألباني محدث له مؤلفات كثيرة في الحديث، وأما آراؤه الفقهية فقد يغلط كغيره، وقد يغلط في بعض المسائل، لكنه في الجملة من أهل السنة والجماعة، وإن كان يغلط في بعض المسائل فيما يتعلق بالإيمان أو غيره، فإنه ليس معصوماً، وكل يؤخذ من قوله ويرد إلا رسول الله ﷺ .

стр. 28

درجة حديث ابن عمر في أركان الإسلام السؤال هل يصح الحديث: (الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج البيت)؟ الجواب في حديث ابن عمر الذي رواه الشيخان أن النبي ﷺ قال: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان وحج البيت). هذا الحديث الذي رواه الشيخان عن ابن عمر.

стр. 29

الفرق بين الإيمان والاعتقاد السؤال ما الفرق بين الإيمان والاعتقاد؟ الجواب الإيمان هو تصديق القلب وإقراره وعمله، والتصديق والاعتقاد والإقرار ألفاظ متقاربة، فالتصديق يعني: يعتقد صدق الله وصدق رسوله ﷺ .

стр. 30

حكم من لقي النبي ﷺ وآمن به ثم ارتد بعد وفاته ثم آمن السؤال ما حكم من لقي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وآمن به ثم ارتد بعد وفاته ﷺ ثم آمن بعد حرب المرتدين، هل يعتبر من الصحابة؟ الجواب نعم، إذا مات على الإيمان فهو من الصحابة، وإن مات على الكفر فليس من الصحابة، وذلك أن المرتد إذا رجع إلى الإسلام ومن الله عليه بالإسلام فإنه يحرز أعماله السابقة ولا تضيع عليه، أما إذا ارتد ومات على الكفر بطلت أعماله وحبطت؛ لأن الله تعالى جعل سبب حبوط العمل الموت على الردة؛ قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢١٧]. فمن ارتد ومات على الكفر حبطت أعماله، ومن ارتد ومن الله عليه وعاد إلى الإسلام ومات على الإسلام سلمت له أعماله وأحرزها بإيمانه، والحمد لله.

стр. 31

حكم من شك فيما هو معلوم من الدين بالضرورة السؤال سائل يقول: إنه أصيب بالشك المؤدي إلى الكفر، فكيف يستطيع أن يزيله، علماً بأن الذي أصيب به ليس وساوس بل هو شك؟ الجواب عليه التوبة إذا لم تكن وساوس، كأن يكون عنده شك في الله، أو في وجود الله، أو شك في استحقاق الله الوحدانية، أو شك في ربوبية الله، أو في أسمائه وصفاته، أو شك في ملك من الملائكة، أو شك في الرسل، أو في رسالة النبي ﷺ هل هي حق أو غير حق؟ أو شك في البعث، أو في الجنة، أو في النار هذا كفر، والعياذ بالله. كما أخبر الله عن صاحب الجنتين حين دخل جنته: ﴿وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ [الكهف:٣٥ - ٣٦]، هذا الشك شك في الساعة، ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ﴾ [الكهف:٣٧] كفر بهذا الشك. فإذا كان هذا الشخص يشك فعليه التوبة من هذا الكفر، وعليه أن يجدد إسلامه من جديد، ويعتقد عقيدة جازمة لا يتطرق إليها شك فيها شك فيه، سواء شك في الله، أو في الملائكة، أو في الرسل، أو في الكتب، أو في البعث، أو في الجنة، أو في النار، مثل من أنكر شيئاً فليتب من هذا الإنكار، ومن أنكر وجحد ما هو معلوم من الدين بالضرورة عليه أن يتوب من هذا الجحد ويقر به، ومن شك عليه أن يتوب من هذا الشك ويجزم ويعتقد.

стр. 32

إطلاق الصلاة والسلام على آل البيت لا يشمل الكفار وأهل البدع منهم السؤال هل الصلاة على آل بيت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم تشمل بعض الرافضة والبعثيين الذين يدعون نسبهم للنبي ﷺ ؟ الجواب لا تشمل إلا المؤمنين، فآله أهل بيته المؤمنين، قوله: (وعلى آله) لا تشمل أبا طالب ولا أبا جهل، وهم من آل النبي ﷺ ؛ لأنهم كفار ماتوا على الكفر، لكن تشمل علياً وفاطمة والحسن والحسين والعباس، وحمزة، لأنهم مؤمنون، أما أبو لهب وأبو جهل فلا تشملهم، وأبو طالب لا تشمله وهم من آل النبي ﷺ ، فالرافضة المتأخرون من باب أولى، هؤلاء أعداء الله وأعداء رسوله ﷺ .

стр. 33

حكم تكفير المعين السؤال هل من آراء شيخ الإسلام ﵀ تكفير المعين؟ الجواب قول شيخ الإسلام وغيره أن المعين إذا قامت عليه الحجة ووجدت الشروط وانتفت الموانع يكفر، أما إذا لم تقم عليه الحجة فلا يكفر؛ حتى تكشف الشبهة وتوجد الشروط وتنتفي الموانع.

стр. 34

ضرورة التثبت من الأقوال المنسوبة إلى العلماء السؤال ما صحة ما ينقل عن شيخ الإسلام ﵀ أنه قال: من قال: يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت برحمتك أستغيث، أربعين مرة بين سنة الفجر إلى صلاة الفجر رزق حياة القلب؟ الجواب لا أعلم صحة هذا، إذا كان ورد هذا عنه فليراجع، وعلى السائل أن يثبت هذا، فإذا ثبت بسند صحيح، وإلا فلا يقبل.

стр. 35

دلالة عمر سارية على الجبل والرد على احتجاج المبتدعة به السؤال هل لأهل البدع حجة في أثر عمر ﵁ حينما قال: يا سارية الجبل، على معرفة الغيب والكشف؟ الجواب ليس لهم حجة، وهذا من باب الكرامة، وكرامات الأولياء معروفة، وقد يكشف للولي ما لا يكشف لغيره، وهذا من كرامة عمر ﵁، أما الصوفية الذين يدعون علم الغيب فهذا منهم كفر وضلال أعوذ بالله.

стр. 36

حكم قصر الصلوات والجمع بينها للمسافر السؤال جئت من خارج مدينة الرياض وأنا مسافر، فهل آخذ برخص السفر، مع العلم بأني مقيم إلى نهاية الدورة العلمية؟ الجواب هذا يذكرني بأن أحد الإخوان سألني بعد الصلاة وقال: هل نصلي السنة الراتبه أو نؤخرها؟ قلت: صلها الآن، السنة الراتبة لا تؤخر، فالسنة الراتبة وقتها من المغرب إلى دخول وقت العشاء، فإذا دخل وقت العشاء ذهب وقتها، وأنا أشاهد بعض الإخوان يجلسون ولا يصلون السنة الراتبة، وهذا غلط، فينبغي للإنسان أن يحافظ على السنة الراتبة. وأما المسافر الذي أتى من بعيد فإذا نوى أن يقيم أكثر من أربعة أيام فالصواب الذي تدل عليه النصوص والذي أقره جمهور العلماء: أنه تنقطع أحكام السفر من أول فريضة يصليها، فيصلي السنن الرواتب من أول فريضة. فإذا نوى الإقامة يوماً أو يومين أو ثلاثة أيام أو أربعة فقط، أو له حاجة ولا يدري متى تنتهي، فهذا لا يزال مسافراً، لكن إذا صلى مع الإمام وأتم فالحكم حكم المقيمين، وإن صلى وحده مع المسافرين فإنه يقصر الصلاة ولا يصلي السنة الراتبة، راتبة الظهر وراتبة المغرب وراتبة العشاء، أما سنة الفجر فلا تترك حضراً ولا سفراً. فالإخوان الذين جاءوا للدورة وقد قرروا ونووا أن يقيموا أسبوعين ليسوا مسافرين، ومن أول فريضة تنقطع أحكام السفر عندهم، فعليهم أن يصلوا السنن الرواتب وغيرها، وليس لهم أن يقصروا ولا أن يجمعوا.

стр. 37

كيفية التخلص من المال الربوي السؤال أعطيت زوجتي مالاً ربوياً وهي لا تعلم ذلك واشترت به ذهباً، فكيف تتخلص من هذا الذهب؟ وهل يجب علي إخبارها بذلك؟ وهل يصلح التصدق به في بناء مسجد؟ الجواب نعم، وعليك أن تخرج ما يقابل هذا المال، فالإثم عليك وهي لا إثم عليها، فعليك أن تخرج ما يقابل قيمة الذهب وتنفقه في المصالح العامة بنية التخلص منه لا بنية التقرب إلى الله. وإذا وصل للإنسان فوائد ربوية فلا يجوز له أن يأخذها أولاً، أي: إن أمكن ألا يأخذها فلا يأخذها، وإن لم يمكن أو لا يستطيع ردها فإنه ينفقها في المصالح العامة للمسلمين بنية التخلص منها لا بنية التقرب، فينفقها على المساكين وعلى الفقراء وعلى المساجد وعلى مدارس تحفيظ القرآن ودور الأيتام، وحينئذ تبرأ ذمته منها، فأنت تخرج قيمة الذهب في المصالح العامة بنية التخلص منها.

стр. 38

حكم التوضؤ من الماء المغصوب كالمياه الموضوعة للشرب السؤال ما حكم الوضوء من برادات المياه حال ازدحام مواضع الوضوء؟ وما صحة ما ذكر عن الشيخ ابن باز ﵀ أنه يرى عدم صحة صلاة من توضأ من برادات المياه؟ الجواب لا يجوز الوضوء من البرادات؛ لأن البرادات إنما وضعت للشرب ولم توضع للوضوء، ولو توضأ الناس منها لتعطل الشرب، وتعطل غرض الواقف. فالوضوء من البرادات يعتبر الماء ماءً مغصوباً، وإذا توضأ بماء مغصوب اختلف العلماء فيه على قولين: منهم من يقول: لا تصلح الصلاة، كما لو صلى في أرض مغصوبة، أو صلى في ثوب حرير، فإنها لا تصح الصلاة في مذهب الإمام أحمد وجماعة، وعليه أن يعيد الصلاة. والقول الثاني: أنها تصح مع الإثم. وهذا هو الصواب: أنها صحيحة مع الإثم، فله أجر الصلاة وعليه إثم الغصب.

стр. 39

النصيحة لمن يحضر الدروس العلمية بالتأدب بآداب طلب العلم السؤال كيف يمكن توجيه نصيحة لبعض الإخوة الذين يحضرون الدروس، ويجتمعون ويتحدثون ويشوشون على من يحضر الدرس؟ الجواب ننصح هؤلاء الإخوان أن يتأدبوا بآداب طلب العلم، فإذا جاءوا للفائدة فعليهم أن يتأدبوا وأن يجلسوا ويستفيدوا، أما أن يشوشوا فهذا غلط كبير، ومعنى هذا أنهم يتسببون في عدم وصول الفائدة إلى من يريدها، ويخشى عليهم من الإثم، لكن ننصحهم أن يجلسوا حيث ينتهي بهم المجلس. وينبغي للإخوان أن يتفسحوا ويتوسعوا، ولكن يحرصون كل الحرص على ألا يشوشوا على إخوانهم؛ لئلا يحرموهم الفائدة، ولأنه يخشى عليهم من الإثم.

стр. 40

شرح كتاب الإيمان الأوسط لابن تيمية [٣] من أعظم بدع المرجئة مخالفتهم في الإيمان، فإنه يؤدي إلى مفاسد دينية اعتقادية مخالفة للكتاب والسنة، ولذلك فطوائف المرجئة كلها تعد مخالفة لأهل السنة والجماعة.
следующие страницы →