Полный текст (238 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
شرح الاقتصاد في الاعتقاد للمقدسي [١]
للعلم فضل عظيم في ميزان الإله الكريم، وفي مقياس الشرع القويم، فالعلماء ورثة الأنبياء، وسادة الأولياء، وأنجب النجباء، وأصفى الأصفياء.
وطلب العلم الشرعي له منزلة عظيمة، وقد حث عليه الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم، لاسيما العلم الذي يرتقي بصاحبه في معارج الإيمان بالله والتصديق الكامل به جل في علاه، ومن ذلك علم العقيدة الذي يعتبر من أهم العلوم التي يجب على المسلم دراستها.
стр. 2
الحث على طلب العلم وبيان فضله
بسم الله الرحمن الرحيم.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا وإمامنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي القرشي العربي المكي ثم المدني صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فقد ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: (وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده).
فطلب العلم وحضور مجالس العلم فيه فضل عظيم، وأجر كبير.
وإن طلب العلم بحسن إخلاص النية لا يعدله شيء، فهو من أفضل القربات، وأجل الطاعات، والعلم: هو ميراث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر.
ولقد بين الله تعالى فضل العلم، وأهل العلم والعلماء، فقال سبحانه في كتابه العظيم: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:٩].
وقال سبحانه: ﴿َ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨].
وقرن شهادة أهل العلم بشهادته وشهادة ملائكته على أعظم مشهود به، وهي الشهادة له بالوحدانية، فقال سبحانه: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران:١٨].
ومجالس الذكر وطلب العلم أفضل من نوافل العبادة، فهي أفضل من نوافل الصلاة، ونوافل الصيام، ونوافل الحج، فطلب العلم مقدم على نوافل العبادات؛ وما ذاك إلا لأنه بطلب العلم وحضور مجالسه يتعلم الإنسان دينه، ويتبصر ويتفقه في دينه، ويعلم الحلال والحرام، ويعلم ما يجب لله تعالى، وما يصف الله به نفسه من الأسماء والصفات، ويعلم حق الله ، فيعبده على بصيرة ولهذا ثبت في الصحيحين: من حديث معاوية بن أبي سفيان ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين).
قال العلماء: هذا الحديث له منطوق، وله مفهوم؛ فمنطوقه: أن من فقهه الله في الدين فقد أراد به خيراً.
ومفهومه: أن من لم يفقه الله في الدين لم يرد به خيراً.
فينبغي على المسلم أن يحرص على حضور مجالس وحلقات العلم والدروس العلمية، وأن يكون صاحب نية حسنة خالصة لله؛ لأن طلب العلم عبادة من أفضل القربات وأجل الطاعات، والعبادة لا بد فيها من شرطين، ولا تقبل إلا بهما: الشرط الأول: أن تكون خالصة لله، مراداً بها وجه الله والدار الآخرة.
والشرط الثاني: أن تكون موافقة لشرع الله، وعلى هدي رسول الله ﷺ .
فينبغي لطالب العلم أن يحرص على مجالس العلم، وعلى الدروس العلمية، وأن يرتبط بها، وأن ينتهز الفرصة ما دامت هذه المجالس والحلقات موجودة، وأهل العلم موجودون، فقد يأتي وقت لا تتيسر له هذه المجالس، وقد يفقدها، فعلى طالب العلم أن يجتهد وأن يحرص، وأن يخلص نيته لله، وأن يكون قصده أن يتفقه ويتبصر في دين الله، وأن يرفع الجهل عن نفسه وعن غيره؛ لأن الأصل في الإنسان أنه لا يعلم، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل:٧٨].
وقيل للإمام أحمد ﵀: كيف ينوي طالب العلم؟ قال: ينوي أن يرفع الجهل عن نفسه وعن غيره.
فالأصل في الإنسان أنه لا يعرف، فيتعلم ويتبصر، فيرفع الجهل عن نفسه ويعبد ربه على بصيرة، ثم يرفع الجهل عن غيره، بأن يعلم غيره ما تعلَّم.
والأدلة والنصوص في فضل العلم وطلب العلم كثيرة ومشهورة ومعلومة.
стр. 3
أهل العلم هم أهل الصراط المستقيم
وأهل العلم والبصيرة هم أهل الصراط المستقيم، الذين أنعم الله عليهم، والذين منَّ الله عليهم بالعلم والعمل؛ فإن أهل الصراط المستقيم هم أهل الهداية والتقوى، وأهل الفلاح والبر، وهم الذين نسأل الله في كل ركعة من ركعات الصلاة في سورة الفاتحة أن يهدينا طريقهم، عندما نسأل الله أن يهدينا الصراط المستقيم، صراط المنعم عليهم، الذين أنعم الله عليهم بالعلم والعمل.
وأنت في كل ركعة في قراءة الفاتحة تسأل الله أن يهديك الصراط المستقيم، صراط المنعم عليهم، الذين من الله عليهم بالعلم والعمل، وتسأل الله أن يجنبك طريق المغضوب عليهم، وطريق الضالين.
والمغضوب عليهم: هم الذين يعلمون ولا يعملون بعلمهم، ولكن لا يعملون بعلمهم، ويدخل في ذلك دخولاً أولياً اليهود، فاليهود يعلمون ولا يعملون، وتسأل الله أن يجنبك طريق الضالين: وهم الذين يعبدون الله على جهل وضلال، ولديهم عمل، ولكن ليس لديهم علم ولا بصيرة، كالنصارى وأشباههم من الصوفية والزهاد الذين يتخبطون في دياجير الظلمات، وليس عندهم بصيرة.
إذاً: فهما داءان، من سلم منهما فقد سلم.
داء الغواية، وداء الضلال.
فأما داء الغواية: فهو عدم العمل بما يعلمه الإنسان.
وداء الضلال: هو أن يتعبد الله على جهل وضلال، وقد برأ الله نبيه الكريم من هذين الداءين، فقال : ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم:١ - ٢].
فأقسم سبحانه بالنجم؛ وله أن يقسم بما شاء من خلقه ؛ أن نبينا ﷺ ليس ضالاً ولا غاوياً، بل هو راشد ﵊.
وعلى طالب العلم أن يعتني بالدروس العلمية والإصغاء والانتباه وحسن النية، وكذلك ينبغي له أن يسأل عما أشكل عليه، وأن يكون سؤاله سؤال استرشاد واستفهام وتعلم، لا سؤال تعنت ورياء، ولا يكون هدفه أن يظهر أنه يعلم، أو يقصد من سؤاله إعنات المسئول وإيقاعه في الحرج، أو السؤال عن الأشياء التي لا تقع، أو يكثر من الأسئلة، وتشقيق المسائل التي لا حاجة إليها، بل يسأل سؤال استرشاد واستفهام، يقصد به العلم والفائدة، ولا يقصد الرياء، ولا إعنات المسئول، ولا يسأل عن الألغاز والأشياء المشكلة، والتي لم تقع، أو نادرة الوقوع، فهكذا ينبغي أن يكون طالب العلم.
стр. 4
ترجمة الإمام الحافظ عبد الغني المقدسي
هو الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور بن رافع بن حسين بن جعفر المقدسي، نسبة إلى بيت المقدس، الجمّاعيلي نسبة إلى بلدة جمّاعيل، وهي قرية من أرض فلسطين، تابعة لبيت المقدس.
ويسمى أيضاً: الدمشقي؛ لأنه انتقل إلى دمشق، والصالحي؛ لأنه سكن في قرية الصالحية في جبل طاسيون في دمشق.
وكان من علماء القرن السادس الهجري، وكانت ولادته سنة (٥٤١) أو (٥٤٢) أو (٥٤٣) أو (٥٤٤) من الهجرة على خلاف في ذلك، وكانت وفاته سنة (٦٠٠) من الهجرة.
والحافظ عبد الغني المقدسي ﵀ له باع طويل في الحديث وعلوم الحديث، وهو صاحب كتاب عمدة الأحكام؛ المعروف والمنتشر بين أيدي الطلاب، المرتب في الحديث على أبواب الفقه، وهو سلفي المعتقد ﵀.
وقد عاصر الموفق محمد بن قدامة صاحب المغني، وهو ابن خالته، عاصره تأخر عنه ست سنوات، أو ثمان سنوات، أو عشر سنوات، وأخذ عنه.
وعاصر كذلك الضياء المقدسي صاحب المختارة، وأخذ عنه، وله شيوخ كثيرون، وتلاميذ كثيرون.
والحافظ ﵀ كانت له عناية كبيرة بالحديث وعلومه، وأما ابن خالته محمد بن قدامة المقدسي فقد كانت عنايته بالفقه أكثر، فقد ألف كتاب المغني، وهو من أوسع كتب الفقه، وهو أعلى كتاب فيه مقارنة بين المذاهب الأربعة، حيث أنه يذكر أقوال المذاهب الأربعة وأدلتها.
стр. 5
وسطية أهل السنة بين الفرق
وللحافظ عبد الغني المقدسي رسالة تسمى: عقيدة الحافظ عبد الغني، أو تسمى: الاقتصاد في الاعتقاد، وسماها هو: الاقتصاد.
ومعنى الاقتصاد: كون الشيء وسطاً، والقصد هو: الوسط، والقصد من ذلك: بيان المذهب الوسط في العقيدة، وهو مذهب أهل السنة والجماعة؛ لأن مذهب السلف وسط بين طرفي الإفراط والتفريط، فما من شيء إلا وله طرفان ووسط، فالطرفان هما: مجاوزة الحد والغلو، أو التقصير، فإما جفاء وتفريط وإما إفراط، فهذان طرفان مذمومان.
وكلا طرفي قصد الأمور مذموم، والوسط هو الحق، وهو مذهب أهل السنة والجماعة، فمذهب أهل السنة والجماعة وسط بين مذاهب أهل البدع والفرق.
فمثلاً: مذهب أهل السنة والجماعة وسط في القدر بين مذهبي الجبرية والقدرية، فالجبرية: غلوا في إثبات أفعال الرب، ونفوا أفعال العبد، وقالوا: إن العبد ليس له أفعال، والرب سبحانه هو الفاعل، وأن أفعال العباد هي أفعال الله، والعبادة وعاء للأعمال، فالله هو المصلي والصائم عندهم، والعباد كأنهم وعاء، كالكأس الذي يصب فيه الماء، فالعباد عندهم كئوس، والله صباب الماء فيها، فلم يثبتوا للعبد اختيار ولا قدرة، بل سلبوا قدرته واختياره.
وقابلهم القدرية فقالوا: إن العبد هو الذي يخلق فعل نفسه، سواء كان خيراً أو شراً، طاعة أو معصية، وإن الله لم يخلق أفعال العباد.
وأما أهل السنة فوسط بين هؤلاء وهؤلاء، فأثبتوا أفعال العباد، وأثبتوا الاختيار للعباد كما دلت النصوص على ذلك، ولكن المشيئة والاختيار تابع لمشيئة الله ، فالله خلق العباد، وخلق أفعالهم وقدراتهم، والعباد لهم قدرة واختيار، فهم الذين يصلون ويصومون، وهم الذين يقومون ويقعدون، ويفعلون ذلك باختيارهم.
وأهل السنة وسط كذلك في باب الإيمان بين المرجئة والخوارج الوعيدية الذين يقولون: إن العبد يكفر إذا فعل المعصية، وإذا فعل الكبيرة، فالزاني عندهم كافر، وكذلك السارق وشارب الخمر.
والمرجئة يقولون: إن العبد إذا عرف ربه بقلبه فهو مؤمن، ولا يضره شيء، فلو فعل جميع الكبائر والمنكرات فلا يضره، وما دام عرف ربه بقلبه فهو مؤمن، ولا يكفر إلا إذا جهل ربه بقلبه.
ولا تضره المعاصي والكبائر، ولو فعل جميع الكبائر؛ لأنه عرف ربه، ويدخل الجنة من أول وهلة وهذان المذهبان باطلان.
وأما أهل السنة فوسط بين هؤلاء وهؤلاء، فقالوا: إن العبد لا يكفر بفعل المعصية، بل يكون ناقص وضعيف الإيمان إذا لم يستحل الكبيرة، والمعاصي تضر الإيمان وتنقصه وتضعفه إلا أنها لا تقضي عليه، فلا يقضي على الإيمان إلا الكفر الأكبر، أو الشرك الأكبر، أو النفاق الأكبر.
والمؤلف ﵀ في هذه الرسالة ذكر كثيراً من الموضوعات العقدية والمسائل العقدية والصفات، فقد بحث جميع الصفات أو أغلب الصفات في هذه الرسالة: فبحث صفة الاستواء، وصفة العلو، وصفة الوجه، وصفة النزول، وصفة اليدين، وصفة المحبة، وصفة المشيئة والإرادة، وصفة الضحك، وصفة الفرح، وصفة العجب، وصفة البغض، وصفة السخط، وصفة الكره، وصفة الرضا، والنفس والرؤية والكلام، والقول في القرآن، وكلام الله ، وبحث القضاء والقدر والإسراء والمعراج، ورؤية الرسول ﷺ لربه ليلة المعراج، ورؤية المؤمنين لربهم، والشفاعة والحوض، وعذاب القبر ونعيمه، والجنة والنار، والميزان، وأركان الإيمان، والاستثناء في الإيمان، وحقيقة الإيمان والإسلام، والإيمان بخروج الدجال، ونزول عيسى وقتله الدجال، والإيمان بملك الموت، وخصائص النبي ﷺ ، والمفاضلة بين الخلفاء الراشدين، والشهادة لمن شهد له النبي ﷺ بالجنة، وفضل الاتباع.
كل هذه المسائل وهذه المباحث العقدية بحثها المؤلف ﵀ في هذه العقيدة التي تسمى: عقيدة الحافظ عبد الغني، أو الاقتصاد في الاعتقاد، والآن نبدأ في الرسالة.
стр. 6
مقدمة المؤلف
بسم الله الرحمن الرحيم.
رب يسر وأعين.
والحمد لله وحده، حسبنا الله ونعم الله الوكيل.
قال الشيخ الإمام العالم الزاهد الحافظ تقي الدين أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور الحنبلي المقدسي رحمه الله تعالى: [الحمد لله المتفرد بالكمال والبقاء، والعز والكبرياء، الموصوف بالصفات والأسماء، المنزه عن الأشباه والنظراء، الذي سبق علمه في بريته بمحكم القضاء، من السعادة والشقاء، واستوى على عرشه فوق السماء، وصلى الله على الهادي إلى المحجة البيضاء والشريعة الغراء، محمد سيد المرسلين والأنبياء، وعلى آله وصحبه الطاهرين الأتقياء، صلاة دائمة إلى يوم اللقاء].
стр. 7
الكلام حول البسملة
هذه خطبة المؤلف ﵀، افتتحها بالبسملة والحمد لله اقتداء بالكتاب العزيز، والله تعالى افتتح كتابه بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:١ - ٢]، والبسملة الصواب أنها آية منفصلة في أول كل سورة، وليست من السور، لا من الفاتحة ولا من غيرها.
والفاتحة سبع آيات، أولها ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]، والآية السادسة: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٧]، والسابعة: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧]، فهذه سبع آيات بدون البسملة على الصحيح من أقوال أهل العلم.
ويدل على ذلك نصوص منها، الحديث القدسي: أن الرب قال: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين) فالمراد بالصلاة هنا الفاتحة؛ لأن الفاتحة لها أسماء، ومن أسمائها الصلاة، فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]، قال الله: حمدني عبدي، فقول الرب سبحانه: إذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]، دل على أن أول آية في السورة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة:٢]، ولم يقل إذا قال العبد: بسم الله الرحمن الرحيم، فدل على أن أول آية: ((الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)).
فالمؤلف افتتح كتابه بالبسملة، (باسم الله)، يعني: أستعين باسم الله، والباء للاستعانة، و (الله) لفظ الجلالة لا يسمى به غيره، وهو أعرف المعارف، و (الله) أصلها الإله، ثم حذفت الهمزة، فاجتمعت اللامان، وأدغمت إحداهما في الأخرى.
والله هو: المألوه فإله بمعنى: مألوه، وهو المعبود التي تألهه القلوب محبة وإجلالاً وتعظيماً وخوفاً ورجاء.
و (الرحمن) اسم من أسماء الله، لا يسمى به غيره، المشتمل على الرحمة، أي: ذو الرحمة.
و (الرحيم) اسم آخر، فالرحمن لا يسمى به غيره، والرحيم مشترك يطلق على الله وعلى غيره.
قال تعالى عن نبيه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]، فوصف نبيه بأنه رحيم.
فأسماء الله نوعان: منها ما هو خاص به، لا يسمى به غيره، مثل: الله، والرحمن، وخالق الخلق، مالك الملك، النافع الضار، المحيي المميت، المعطي المانع.
ومنها ما هو مشترك، مثل: العزيز والعليم والسميع والبصير والحي والرحيم وغير ذلك.
فمعنى البسملة: أستعين بالله الرحمن المتصف بالرحمة.
وكل اسم من أسماء الله مشتق، فليست أسماء الله جامدة، بل هي مشتقة، مشتملة على الصفات.
فالرحمن مشتمل على صفة الرحمة، والعليم مشتمل على صفة العلم، والقدير مشتمل على صفة القدرة، والحكيم مشتمل على صفة الحكمة وهكذا، بخلاف الصفات مثل صفة الغضب وصفة الرضا، فلا يشتق له أسماء منها.
وأسماء الله وصفاته توقيفية فلا يقال: إن من أسمائه الراضي؛ لأن الله اتصف بالرضى ولا يقال إن من أسمائه الغاضب؛ لأنه يغضب، ولكن الأسماء مشتملة على الصفات.
قال: (والحمد لله وحده)، قد يقال: إن قوله: (بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ)، رب اغفر وأعن يا كريم، والحمد لله وحده، حسبنا الله ونعم الوكيل، يعني: الله كافينا، ونعم الوكيل المتوكل عليه سبحانه، قد يكون هذا ليس من قول المؤلف.
ولهذا قال بعد ذلك: (قال الشيخ الإمام العالم الزاهد الحافظ تقي الدين أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور الحنبلي المقدسي).
فقوله: حنبلي يعني: حنبلي المذهب، وقد يكون مقلداً، وقد يكون مجتهداً، مثل: شيخ الإسلام وابن القيم ويسمى كل منهما حنبلياً؛ لأنهما ينتسبان إلى مذهب الحنابلة؛ ولأنهما وافقا الإمام أحمد في الأصول، وليس معنى ذلك: أنهما مقلدان، وإنما وافقوه في الأصول.
وقوله: (المقدسي): نسبة إلى بيت المقدس، رحمه الله تعالى.
стр. 8
الكلام على الحمد والمدح، وبيان الفرق بينهما
(الحمد لله) الحمد: هو الثناء على المحمود بصفاته الاختيارية، وهو أكمل من المدح، فالمدح: هو أن تذكر صفات الممدوح، وقد تكون هذه الصفات اختيارية، وقد تكون خلقية، ليست اختيارية، والحمد إنما يكون بذكر صفات المحمود مع حبه وإجلاله وتعظيمه، فالإخبار عن المحمود بالصفات الاختيارية، مع حبه وإجلاله وتعظيمه هذا هو الحمد، وأما المدح فلا يلزم منه الحب، بل تذكر صفات الإنسان وقد لا تكون هذه الصفات اختيارية، فمثلاً عندما تذكر أوصاف الأسد تقول: إنه قوي.
فهذا مدح للأسد، ولكن ليس فيه محبة، ولا يلزم من ذلك المحبة، فلا يسمى حمداً، فلا تقول: أحمدُ الأسد، وإنما تقول: أمدح الأسد فالحمد أكمل؛ لأن الحمد هو الإخبار عن المحمود أو ذكر صفاته الاختيارية والثناء عليه بها مع حبه وإجلاله، ولهذا جاء الحمد من صفات الله ، وجاء الحمد في حق الرب ، فقال: (الحمد لله)، ولم يقل أمدح الله؛ لأنه أكمل.
و (ال) للاستغراق، يعني: جميع أنواع المحامد مستغرقة لله ملكاً واستحقاقاً.
(الحمد لله)، الله: علم على الرب ، وهو أعرف المعارف، يعني: المألوه الذي تألهه القلوب محبة وإجلالاً وتعظيماً.
стр. 9
الكلام على بقية ألفاظ مقدمة المؤلف
(المتفرد بالكمال والبقاء)، يعني: سبحانه هو الذي تفرد بالكمال، وبصفات الكمال.
وأما المخلوق فإنه وإن اتصف ببعض الصفات إلا أنها ليست صفات كمال على الإطلاق، بل إن الكمال الذي فيها هو كمال نسبي، يليق بالمخلوق وبالبشر، فأما صفات الكمال على الإطلاق فلا يستحقه إلا الرب ، فهو الذي تفرد بالكمال، وتفرد بالبقاء، وهو الباقي ، وهو الحي القيوم الذي لا يموت، وأما المخلوق فإنه ليس له البقاء إلا بإبقاء الله له.
(وهو المتفرد بالكمال والبقاء والعز)، أي: العز الكامل، وأما المخلوق فإن عزه عز نسبي بإعزاز الله له.
(وتفرد بالكبرياء) ، وأما المخلوق فليس له أن يتكبر، فإذا تكبر فهو مذموم، فالكبر للمخلوق من الصفات الذميمة ومن الكبائر، وقد يكون كفراً، كما إنه إذا تكبر عن عبادة الله، فلم يعبد الله فإن هذا الكبر يخرج من الملة، وقد يكون كبراً دون ذلك فيكون من الكبائر، وفي الحديث: (لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر)، هذا إذا كان هذا الكبر على التوحيد فهو مخلد في النار، وأما إن كان دون التوحيد فهذا من باب الوعيد ومن الكبائر.
(وهو الموصوف بالصفات والأسماء).
يعني: الموصوف بالصفات والأسماء التي وصف بها نفسه وسمى بها نفسه في كتابه، أو على لسان نبيه ﷺ ؛ لأن الأسماء والصفات توقيفية، فليس للعباد أن يسموا الله بأسماء من عند أنفسهم، أو يصفوه بصفات من عند أنفسهم، ولا يخترعون لله أسماءً أو صفات، بل الأسماء والصفات توقيفية، يوقف فيها عند النصوص.
(المنزه عن الأشباه والنظراء)، والنظير هو: المثيل، فالله ليس له مثيل ولا شبيه، بل هو لا أحد يماثله في صفاته لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله .
فليس له مثيل ولا شبيه لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أسمائه، ولا في أفعاله .
(الذي سبق علمه في بريته بمحكم القضاء)، أي: الذي سبق علمه في المخلوق، (في بريته)، يعني: مخلوقاته والبرية هي: المخلوقات.
يعني: قد سبق علم الله بما يكون في المخلوقات، وكتب ذلك في اللوح المحفوظ، وفي الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أن النبي ﷺ قال: (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء).
والعلم ثابت بالكتاب قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج:٧٠].
وقال سبحانه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد:٢٢].
(سبق علمه في بريته بمحكم القضاء من السعادة والشقاء)، يعني: أن الله تعالى سبق علمه وكتب الشقاوة والسعادة، فعلم ذلك، وكتب في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق الخلق، وقبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة.
(واستوى على عرشه فوق السماء)، يعني: استوى استواءً يليق بجلاله وعظمته، ومعنى (استوى): استقر وعلا وصعد وارتفع فوق عرشه استواء يليق بجلاله وعظمته، فبين المؤلف ﵀ في خطبته أنه يسير على وفق معتقد أهل السنة والجماعة، وعلى ما دلت عليه النصوص، فأثبت الاستواء، وأهل البدع يحرفون ويؤلون استوى بالاستيلاء.
(وصلى الله على الهادي إلى المحجة البيضاء والشريعة الغراء، محمد ﷺ ، (صلى الله): صلاة الله على عبده، وأحسن أو أصح ما قيل في تعريف صلاة الله على عبده أنها: ثناؤه عليه في الملأ الأعلى، وقد روى البخاري في صحيحه عن أبي العالية قال: صلاة الله على عبده ثناؤه عليه في الملأ الأعلى، فأنت تسأل الله أن يثني على عبده في الملأ الأعلى.
(وصلى الله على الهادي)، وهذا وصف للرسول، والهادي أي: هداية دلالة وإرشاد؛ لأن الهداية هدايتان: هداية دلالة وإرشاد، وهذه يملكها النبي ﷺ ، ويملكها الدعاة والمصلحون، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢].
وهداية التوفيق والتسديد، وخلق الهداية في القلوب، وجعل الإنسان يقبل الحق ويرضاه، وهذه لا يملكها إلا الله.
ولا يملكها النبي ﷺ ولا غيره.
قال الله تعالى لنبيه لما عجز عن هداية عمه أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص:٥٦]، يعني: إنك لا توفق ولا تستطيع أن توفِّق، بل الذي يوفق هو الله، وهو الذي يخلق الهداية في القلوب.
(وصلى الله على الهادي إلى المحجة البيضاء والشريعة الغراء)، المحجة: يعني: الجادة والطريق، (البيضاء): وهي محجة الإسلام وطريق الإسلام، والصراط المستقيم، (والشريعة الغراء)، يعني: البيضاء الناصعة، وهي ما بعث بها ﵊، من الشريعة السهلة السمحة في العقيدة والعمل والخلق.
(محمد)، هذا اسم من أسمائه ﵊، وسمي محمداً: لكثرة المحامد.
وله أسماء كثيرة ﵊، مثل: محمد وأحمد والحاشر والمقفي والعاقب، أي: الذي يحشر الناس على عقبه، وله أسماء كثيرة ﵊.
(محمد سيد المرسلين)، سيدهم: يعني: له السؤدد والإمامة، فهو مقدمهم وإمامهم ﵊، وهو سيد المرسلين والأنبياء.
(وعلى آله)، المراد بالآل، قيل: أهل بيته، يعني: المؤمنين به منهم، مثل: عمه العباس وعمه حمزة وعلي وفاطمة والحسن والحسين، فكلهم من أهل بيته.
وقيل: المراد بآله: أتباعه على دينه إلى يوم القيامة ويدخل في ذلك أهل بيته، ويدخل في ذلك أزواجه، فإن أزواجه من أهل بيته.
(وصحبه)، جمع صاحب، وهو: كل من لقي النبي ﷺ مؤمناً ولو لحظة، ومات على الإسلام، وكل من لقي النبي ﷺ يشمل العميان مثل: عبد الله بن أم مكتوم، فإنه لقيه، ولا يقال: كل من رأى النبي ﷺ ؛ لأن ابن أم مكتوم ﵁ صحابي، ولم ير النبي ﷺ لكن لقيه، فكل من لقي النبي ﷺ مؤمناً به ولو للحظة ثم مات على الإسلام فهو صحابي، ولو كان صغيراً أو صبياً.
(وعلى آله وصحبه)، وإذا فسر الآل: بأتباعه على دينه، فيكون الدعاء بالصلاة للصحابة مرتين، مرة بالعموم ومرة بالخصوص.
(وعلى آله): أي: أتباعه على دينه، ويدخل في ذلك الصحابة وأزواجه وأهل بيته، ثم قال: (وصحبه) وهذا تخصيص بعد تعميم.
(الطاهرين)، أي: الذين طهرهم الله من الشرك، والإصرار على الكبائر.
(الأتقياء)، جمع تقي، والتقي: هو الذي آمن بالله، وأدى الواجبات، وترك المحرمات.
(صلاة دائمة)، يعني: مستمرة.
(إلى يوم اللقاء)، وهو يوم الدين، الذي يلقى فيه كل مؤمن ربه، ويقف بين يديه للحساب.
стр. 10
اتفاق الأمة على الإيمان بالله
قال المؤلف ﵀: [اعلم - وفقنا الله وإياك لما يرضيه من القول والنية والعمل، وأعاذنا وإياك من الزيغ والزلل - أن صالح السلف، وخيار الخلف، وسادة الأئمة، وعلماء الأمة اتفقت أقوالهم وتطابقت آراؤهم على الإيمان بالله ، وأنه أحد فرد صمد، حي قيوم، سميع بصير، لا شريك له ولا وزير، ولا شيبه له ولا نظير، ولا عدل ولا مثل، وأنه موصوف بصفاته القديمة التي نطق بها كتابه العزيز، الذي: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢].
وصح بها النقل عن نبيه وخيرته من خلقه محمد سيد البشر، الذي بلغ رسالة ربه ونصح لأمته، وجاهد في الله حق جهاده، وأقام الملة وأوضح المحجة، وأكمل الدين، وقمع الكافرين، ولم يدع لملحد مجالاً ولا لقائل مقالاً].
بعد أن ذكر المؤلف ﵀ الخطبة والثناء على الله والصلاة على نبيه وأتباعه، قال المؤلف ﵀: (اعلم وفقنا الله وإياك لما يرضيه من القول والنية والعمل).
فاعلم: أمر بالعلم، والعلم: هو حكم الذهن الجازم، يعني: تيقن، بخلاف الشك والشك هو ما يشك فيه الإنسان بين أمرين، فإذا كان أحد الأمرين راجحاً سمي ظناً، فالراجح يسمى ظناً، والمرجوح يسمى وهماً، وإذا استوى الأمران سمي شكاً، وإذا كان عنده جزم يسمى يقيناً وعلماً، فالمعلومات أربعة: علم، وظن، وشك، ووهم.
فالعلم: هو ما يجزم وما يتيقن فيه الإنسان، فهو علم الذهن الجازم.
والظن: هو الراجح من أحد الأمرين اللذين يشك فيهما، والوهم: هو المرجوح من أحد الأمرين، والشك: هو أن يتساوى الأمران.
فالمؤلف ﵀ يقول: لا تشك ولا تظن ولا تتوهم بل تيقن من غير شك ولا ظن ولا وهم، ثم جاء بالجملة الاعتراضية، هي دعاء لطالب العلم، وهذا من نصحه ﵀، فمن نصحه لطالب العلم أن يعلمه ويدعو له.
قال: (وفقنا الله وإياك لما يرضيه من القول والنية والعمل)، فهذا تعليم ودعاء، وهذا من نصحه، كما قال الشيخ الإمام المفتي المجدد محمد بن عبد الوهاب في كثير من رسائله: اعلم أرشدك الله لطاعته، اعلم رحمك الله، فهؤلاء الأئمة وهؤلاء العلماء أنصح الناس للناس، فالأنبياء هم أنصح الناس للناس، والعلماء هم ورثة الأنبياء، فمن نُصح العلماء أنهم يعلِّمون ويدعون.
فهو يعلمك ويقول: اعلم، ويدعو لك بقوله: (وفقنا الله وإياك)، ونسأل الله أن يوفق، وهو سأل الله التوفيق له ولك يا طالب العلم! لما يرضيه من القول والعمل والنية، فنسأل الله أن يوفقنا، يعني: يجعلنا موفقين مسددين، قابلين للحق مختارين له، راضين به، والحق هو الذي يرضي الله من القول، مثل: النطق بكلمة التوحيد، والشهادتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله، وتلاوة القرآن، والتسبيح والتهليل والتكبير وغير ذلك.
(والعمل): كالصلاة، والصيام، والصدقة، والحج، (والنية): الاعتقاد الصحيح بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر.
(وأعاذنا وإياك من الزيغ والزلل)، هذه استعاذة بالله لنفسه ولطالب العلم، فقد استعاذ بالله قائلاً: أعاذنا وإياكم من الزيغ.
و (الزيغ): هو الانحراف عن الحق في الاعتقاد، كأن يعتقد اعتقاداً باطلاً سيئاً، كاعتقاد المشركين، أو اعتقاد اليهود، أو اعتقاد النصارى، أو اعتقاد أهل البدع، أو اعتقاد الفلاسفة الضالين، أو الجهمية، أو الباطنية، أو الصوفية المنحرفين، أو المعتزلة، أو الأشاعرة، فكل هذا زيغ، فاستعاذ بالله من الزيغ لنفسه ولك يا طالب العلم.
(والزلل) وهو نوع من الانحراف، وهو الزلل عن الحق، يعني: تخطي الحق، وتجاوز الحق، وعدم إصابة الحق.
وقوله: (وفقنا الله وإياكم لما يرضيه من القول والنية والعمل، وأعاذنا وإياكم من الزيغ والزلل)، جملة اعتراضية للدعاء، أراد بها المؤلف أن يدعو لطالب العلم.
(اعلم أن صالح السلف، وخيار الخلف، وسادة الأئمة، وعلماء الأمة، اتفقت أقوالهم وتطابقت آراؤهم على الإيمان بالله ، والمراد بصالح السلف: الصحابة، والتابعون، (وخيار الخلف): وهم من تبعهم وسار على نهجهم من الأئمة والعلماء وأهل السنة والجماعة، وسادة الأمة، يعني: مقدمو الأئمة في الدين، فهو يقول: اعلم أن صالح السلف المتقدمين من الصحابة والتابعين، وخيار الخلف ومن تبعهم، ومقدم الأئمة وسائر علماء الأمة، كلهم اتفقت أقوالهم وتطابقت آراؤهم على الإيمان بالله ، وأنه واجب الوجود بذاته، وأنه موجود فوق العرش، وأن له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وأنه المعبود بالحق، وأن غيره معبود بالباطل.
اتفق على هذا السلف والخلف والأئمة والعلماء.
وكذلك اتفقوا على الإيمان بصفاته وبأفعاله، والإيمان بربوبيته وألوهيته، وأنه المعبود بالحق.
ويدخل في الإيمان بالله قوله: (وأنه أحد فرد صمد، حي قيوم سميع بصير)، فكل هذا داخل في الإيمان بالله.
فهو (أحد) يعني: واحد ، لا نظير له في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، (وفرد) وهو مثل أحد بمعناه، إلا أن فرداً لم ترد في النصوص، والذي ورد في النصوص أحد وصمد، وهذا من باب الخبر عن الله، ولا نعلم أن كلمة فرد من أسماء الله، ولكن من أسماء الله الأحد والصمد، والأحد كافية عن الفرد، ولكن زادها من باب الخبر.
(الصمد) هو: السيد الذي كمل في سؤدده، والذي تصمد إليه الخلائق في حوائجها، فهو كامل في نفسه، وهو سيد في نفسه، ولا يحتاج إلى غيره، وهو القائم بنفسه، المقيم لغيره .
ومن تفسير الصمد: هو الذي لا جوف له.
يعني: لا يأكل ولا يشرب.
والملائكة صُمد لا يأكلون ولا يشربون، والله أولى بذلك من المخلوقين.
فهو الصمد الذي لا يحتاج إلى أحد، قائم بنفسه، مقيم لغيره، كمل سؤدده، وصمدت إليه الخلائق في حوائجها، حي حياة كاملة أبدية لم يسبقها عدم، ولا يطرأ عليه ضعف ولا نوم ولا نعاس، بل حياته حياة كاملة مستمرة باقية أبد الآباد.
(قيوم): وهذا من أسمائه ، أي: القائم بنفسه، المقيم لغيره، والحي القيوم: وصفان عظيمان، واسمان عظيمان ترجع إليهما جميع الأسماء والصفات، حتى قيل: إنه الاسم الأعظم، قال تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥]، (سميع)، وهو من أسمائه ، (بصير) قال سبحانه: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، فسميع: متصف بالسمع، فهو يسمع الأصوات ويدركها، ولا يخفى عليه شيء، وهو بصير يرى كل شيء، وهو سميع بسمع، وبصير ببصر، لا شريك له، وليس له شريك في أسمائه، ولا شريك له في صفاته، ولا شريك له في أفعاله، ولا شريك له في ألوهيته وعبوديته وعبادته، ولا شريك له في ملكه.
(ولا وزير)، والوزير هو: المعين، فليس له معين يعينه بخلاف المخلوق الضعيف، وملوك الدنيا لا يستغنوا عن الوزراء لكي يعينونهم ويساعدونهم، وأما الرب تعالى فلا يحتاج إلى وزير ولا يحتاج إلى أحد، بل هو كامل ، بخلاف المخلوق الضعيف الذي يحتاج إلى الولد، ويحتاج إلى الزوجة لإعانته، ويحتاج إلى الوزير، ويحتاج إلى الأمير، ويحتاج إلى خادم.
(ولا شبيه له)، أي: لا أحد يشبهه، لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، (ولا نظير) أي: ليس له نظير ولا مماثل ولا عدل، وكلها بمعنى: المثيل فليس له مماثل ولا مشابه، ولا نظراء ولا عدلاء ولا أمثال، بل هو لا يماثله أحد من خلقه، ولا يعدل به أحد من خلقه.
(وأنه موصوف بصفاته القديمة التي نطق بها كتابه العزيز الذي ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢] وصح بها النقل عن نبيه)، يعني: هو موصوف سبحانه بصفاته التي وصف بها نفسه في كتابه، أو وصفه بها رسوله ﵊؛ لأن الصفات والأسماء توقيفية، فليس للعباد أن يخترعوا لله أسماءً وصفات من عند أنفسهم، ولهذا قال: (موصوف بصفاته القديمة التي نطلق بها كتابه، وصح بها النقل عن نبيه وخيرته من خلقه محمد سيد البشر ﵊، الذي بلغ رسالة ربه، ونصح لأمته، وجاهد في الله حق جهاده، وهذا وصفه ﵊، فهو بلَّغ الرسالة وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، (وأقام الملة)، وهي: الدين، (وأوضح المحجة)، وهي: الطريق، (وأكمل الدين)، يعني: أكمل الله به الدين، ولو قال المؤلف: وأكمل الله به الدين لكان أحسن؛ لأن الذي يكمل الدين هو الله، وليس النبي ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:٣]، ومقصود المؤلف بأكمل الدين يعني: أكمل الله به الدين.
(وقمع الكافرين)، يعني: قمع الله به الكافرين، فإن الذي قمع هو الله، فقمع الله الكافرين برسالته.
(ولم يدع لملحد مجالاً)، والملحد هو: المنحرف، الذي انحرف عن الصواب.
والإلحاد أقسام: فقد يكون إلحاد كفر؛ كالذي ألحد في توحيد الله، وفي أسمائه وصفاته، فهذا إلحاد يخرجه عن ملة الإسلام.
وقد يكون إلحاداً دون الكفر، كالإلحاد بالمعاصي وبالبدع، وكالإلحاد في نفي بعض الصفات وبعض الأسماء.
(فلم يدع ﵊ لملحد مجالاً، ولا لقائل مقالاً)؛ لأنه ﵊ بلغ الرسالة، ونصح الأمة، وأقام الملة، وأوضح المحجة، وكمل به الدين، ولم يترك لملحد مجالا، ولا لقائل مقالاً؛ لأن الشريعة كملت، وهي واضحة ليس فيها لبس، فلا مجال لملحد ولا مجال لقائل، يريد أن يزيد في هذا الدين أو ينقص منه، أو يحرف أو يئول.
стр. 11
الكلام على أثر طارق بن شهاب
قال المؤلف ﵀: [فروى طارق بن شهاب قال: جاء يهودي إلى عمر بن الخطاب ﵁ فقال: يا أمير المؤمنين! آية في كتابكم تقرءونها لو علينا معشر يهود نزلت نعلم اليوم الذي نزلت فيه لاتخذنا ذلك اليوم عيداً.
قال: أي آية؟ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]، فقال: إني لأعلم اليوم الذي نزلت والمكان، نزلت على رسول الله ﷺ ونحن في عرفة عشية جمعة].
وهذا الأثر رواه الشيخان البخاري ومسلم رحمهما الله في صحيحيهما اللذين هما أصح الكتب بعد كتاب الله ، وفيه بيان كمال هذا الدين، وهذا الأثر رواه طارق بن شهاب: أن يهودياً جاء إلى عمر بن الخطاب ﵁ فقال: يا أمير المؤمنين! آية في كتابكم تقرءونها لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيداً، فقال عمر: أي آية؟ قال له: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]، ويا لها من آية عظيمة، فيها بيان أن الدين قد كمل، وأن الله قد أتم النعمة على هذه الأمة، وأنه رضي لهم الإسلام ديناً.
فهذا الدين كامل لا يحتاج إلى أن يزيد فيه أحد أو ينقص منه أحد، وهو محفوظ أيضاً بحفظ الله له، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، وفيه رد على الرافضة الذين يقولون: إن القرآن ضاع ثلثيه ولم يبق إلا الثلث، وهذا تكذيب لله، ومن كذب الله فقد كفر، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، بعض الرافضة يقولون: إن القرآن لم يحفظ، ولم يبق منه إلا الثلث، حتى ألف بعض شيوخهم كتاباً سماه: فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب، وأثبت فيه أن القرآن محرف، فنعوذ بالله وهذا مصادم لقول الله : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:٣]، ولقوله : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، فالآية صريحة قاطعة، فمن قال: إن القرآن محرف فقد كذّب الله، ومن كذّب الله فقد كفر، فالقرآن محفوظ بحفظ الله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩].
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:٣]، يعني: الدين كامل لا يحتاج إلى أن يزاد فيه أو ينقص منه، ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة:٣]، فقد أتم الله النعمة، ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]، فرضي الله لنا هذا الدين، وهذه الآية هي من آخر ما نزل من سورة المائدة.
ولما أكمل الله هذا الدين وأتم نعمه قبض نبيه ﵊؛ لانتهاء مهمته إلى الدنيا، وأنزل عليه: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر:١ - ٣].
فقال عمر ﵁: إني لأعلم اليوم الذي نزلت والمكان الذي نزلت فيه، نزلت على رسول الله ﷺ ، واليوم الذي نزلت فيه يوم عرفة وهو يوم الجمعة، والمكان في عرفة قبل وفاة النبي ﷺ بما يقارب ثمانين يوماً فنزلت في يوم الجمعة وهو يوم عيد، ويوم الحج الأكبر، ويوم عرفة، فقد نزلت في يوم عظيم، وهو يوم الحج ويوم عرفة الذي يجتمع الحجاج فيه في صعيد واحد من أقطار الدنيا كلها، وصادف يوم عرفة يوم جمعة في الحجة التي حجها النبي ﷺ ، فنحن نتخذه عيداً، وهو يوم عيد والحمد لله، وهذا يدل على أن اليهود يعلمون الحق، ولكن حملهم البغي والحسد على عدم الإيمان، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٤٦]، وقال سبحانه: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة:٨٧]، فحملهم الكبر والبغي على عدم الإيمان، فقد ظنوا أن النبوة ستكون في بني إسرائيل، فلما كانت في بني إسماعيل جحدوا وكفروا، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٨٩]، نسأل الله السلامة والعافية، ونعوذ بالله من زيغ القلوب.
والمراد بقوله: (عشية عرفة)، يعني: آخر النهار، ومعلوم أن النبي ﷺ وقف بعد الظهر، بعدما صلى الظهر، وهي عشية عظيمة مباركة.
стр. 12
شرح الاقتصاد في الاعتقاد للمقدسي [٢]
اتفق صالح السلف، وخيار الخلف، وسادة الأئمة، وعلماء الأمة على الإيمان بما جاء في كتاب الله العزيز، وما ورد على لسان نبيه ﵊، ومن ذلك: إثبات صفة الاستواء لله ، وأنه مستوٍ على عرشه كما جاء ذلك في سبعة مواضع من القرآن الكريم، وكما دلت على ذلك السنة النبوية المشرفة، وكما فهمه سلف الأمة الصالح.
стр. 13
تابع بيان اتفاق الأمة على الإيمان بالله وحده
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فآمنوا بما قال الله سبحانه في كتابه، وصح عن نبيه، وأمرّوه كما ورد من غير تعرض لكيفية، أو اعتقاد شبهة أو مثلية، أو تأويل يؤدي إلى التعطيل، ووسعتهم السنة المحمدية والطريقة المرضية، ولم يتعدوها إلى البدعة المرزية الردية، فحازوا بذلك الرتبة السنية، والمنزلة العلية].
قول المؤلف: (فآمنوا)، يشير إلى صالح السلف وخيار الخلف، وسادة الأئمة وعلماء الأمة فهو يقول: إن صالح السلف وخيار الخلف، وسادة الأئمة وعلماء الأمة اتفقت أقوالهم، وتطابقت آراؤهم على الإيمان بالله ، ثم قال: فآمنوا، فالضمبر يعود إليهم.
(فآمنوا بما قال الله سبحانه في كتابه وصح عن نبيه)، يعني: آمنوا بما جاء في كتابه العزيز، وبما صح في السنة المطهرة، (وأمروه كما ورد)، يعني: في النصوص، والمراد: نصوص الصفات أمروها كما وردت، من غير تعرض للكيفية، وإلا فالأحكام فهم يعلمونها ويفسرونها ويئولونها على تأويلها الذي دلت عليه النصوص.
(من غير تعرض لكيفية)، فالاستواء والنزول، والعلم والقدرة، والسمع والبصر يمرونها كما جاءت، فيثبتون المعنى، ولا يتعرضون للكيفية.
(أو اعتقاد شبهة أو مثلية)، يعني: لا يقولون: إن استواء الله كيفيته كذا، أو أن يشبه كذا، أو أنه مثل كذا، فلا يتعرضون للكيفية ولا التشبيه ولا المثلية.
(أو تأويل يؤدي إلى تعطيل)، كذلك لا يئولون، مثل: أن يقولوا إن استوى بمعنى: استولى؛ لأن هذا التأويل يؤدي إلى تعطيل الصفة ونفيها.
فهم لا يئولون ولا يكيفون، ولا يشبهون ولا يمثلون، ولا يحرفون، حتى لا يؤدي هذا إلى تعطيل الصفة ونفيها.
(ووسعتهم السنة المحمدية)، يعني: اكتفوا بالسنة المحمدية الذي جاء بها محمد ﷺ .
(والطريقة المرضية)، وهي: الطريقة التي رضيها الله لعباده، ورضيها الصحابة، ولم يتعدوها إلى البدعة، ولم يتجاوزا السنة إلى البدعة، والبدعة: هي كل حدث في الدين، فكل محدث في الدين هو بدعة، قال ﵊: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)، متفق على صحته.
وفي لفظ لـ مسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد).
(فلم يتجاوزا السنة إلى البدعة المرزية الردية)، يعني: التي تردي صاحبها، فهي ردية في نفسها وتردي صاحبها، وتوصله إلى الردى.
(فحازوا بذلك الرتبة السنية، والمنزلة العلية)، يعني: أن الصحابة والتابعون والأئمة والعلماء عندما آمنوا بما جاء عن الله وعن رسوله ﷺ ، ولم يكيفوا الصفات ولم يئولوها ولم يبتدعوا ولم يتجاوزوها إلى البدعة حازوا بذلك الرتبة السنية أي: الشريفة، والمنزلة العلية أي: العالية، حيث حازوا رضا الله ، وما أعد لهم وأثابهم من الثواب العظيم، ورفع درجاتهم ومنزلتهم في الجنة.
نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم.
ثم إن المؤلف بدأ يتكلم عن الصفات، وبدأ بصفة الاستواء، وهي من الصفات التي اشتد النزاع فيها بين أهل السنة وبين أهل البدع، وساق النصوص في هذا.
стр. 14
صفة الاستواء
قال الإمام الحافظ تقي الدين أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد بن سرور المقدسي في كتاب الاقتصاد في الاعتقاد: [فمن صفات الله تعالى التي وصف بها نفسه، ونطق بها كتابه، وأخبر بها نبيه: أنه متسوٍ على عرشه كما أخبر عن نفسه].
стр. 15
الأدلة على الاستواء من الكتاب والسنة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فقال عز من قائل في سورة الأعراف: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤].
وقال في سورة يونس ﵇: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يونس:٣].
وقال في سورة الرعد: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الرعد:٢].
وقال في سورة طه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥].
وقال في سورة الفرقان: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان:٥٩].
وقال في سورة السجدة: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [السجدة:٤].
وقال في سورة الحديد: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد:٤].
فهذه سبعة مواضع أخبر الله فيها سبحانه أنه على العرش.
وروى أبو هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الله كتب كتاباً قبل أن يخلق الخلق: إن رحمتي سبقت غضبي، فهو عنده فوق العرش)].
بدأ المؤلف ﵀ الكلام في الصفات عن الكلام على صفة الاستواء على العرش، وذكر بعدها صفة العلو، وصفة الاستواء على العرش من الصفات التي تدل على علو الله أو التي تثبت علو الله على خلقه، وصفتي العلو والاستواء كلاهما تدلان على علو الله ، وتدلان على إثبات علو الله ، ولكن صفة الاستواء تدل على علو خاص، وهو العلو على العرش، وصفة العلو تدل على إثبات علو الله على خلقه، وإن كان كل من الصفتين فيهما إثبات علو الله على خلقه، إلا أن بينهما فرقاً، فصفة الاستواء إنما دل عليها النص، ودل عليها النقل، ولم يدل عليها العقل، فلولا أن الله أخبرنا في كتابه أنه استوى على العرش لما علمنا ذلك، بخلاف صفة العلو فإنه دل عليها العقل والنقل والفطرة، فصفة علو الله على خلقه: ثابتة بالعقل وثابتة بالنقل أي: بالنصوص، وثابتة بالفطرة.
وهما من الصفات التي اشتد النزاع فيها بين أهل السنة وبين أهل البدع، وهي من العلامات الفارقة بين أهل السنة وبين أهل البدع.
وصفة العلو وصفة الكلام وصفة الرؤية هذه الصفات الثلاث من العلامات الفارقة بين أهل السنة وبين أهل البدعة، فمن أثبتها فهو من أهل السنة، ومن نفاها فهو من أهل البدع، فتجد الجهمية والمعتزلة والأشاعرة لا يثبتون هذه الصفات، والأشاعرة يثبتون الرؤية، لكن على غير وجهها، ويثبتون الكلام على غير وجهه، فيقولون: هو معنى نفسي، ليس بحرف ولا صوت، ويثبتون الرؤية ولكن في غير جهة، فهم لم يثبتوا صفة الرؤية على حقيقتها.
وأما العلو فإنهم ينفونه، فتبين بهذا أن هذه الصفات من العلامات الفارقة بين أهل السنة وبين أهل البدع، وهي من الصفات التي اشتد النزاع فيها بين أهل السنة وبين أهل البدع.
وصفة الاستواء تدل على العلو، فتثبت علو الله ، إلا أن الاستواء على العرش إنما هو علو خاص على العرش.
وصفة العلو كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨]، تدل على إطلاق صفة العلو على جميع المخلوقات، وأما الاستواء على العرش فهو علو خاص يفعله سبحانه كما يليق بجلاله وعظمته.
стр. 16
أدلة القرآن على إثبات صفة الاستواء
وصفة الاستواء على العرش دلت عليها النصوص من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
أما الكتاب العزيز فإن الله تعالى أثبت صفة الاستواء في سبعة مواضع من كتاب الله سردها المؤلف ﵀، وكلها جاءت بلفظ الاستواء وجاءت كلها بحرف (على) الذي يدل على العلو الارتفاع، في سورة الأعراف، وفي سورة يونس، وفي سورة الرعد، وفي سورة طه، وفي سورة الفرقان، وفي سورة السجدة، وفي سورة الحج، سبعة مواضع، كلها دلت على ثبوت صفة الاستواء، أما في سورة الأعراف فقال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤]، فاستوى تعدى بـ (على)، التي تدل على العلو والارتفاع.
وفي سورة يونس قال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يونس:٣].
وفي سورة الرعد قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الرعد:٢].
وفي سورة طه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] (على).
وفي سورة الفرقان: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان:٥٩].
وفي سورة السجدة: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [السجدة:٤].
وفي سورة الحديد: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد:٤].
فهي سبعة مواضع لا ثامن لها في القرآن العظيم، وكلها جاءت بلفظ (على)، الذي يدل على العلو والارتفاع؛ لأن الاستواء له معان متعددة.
الأول: أن يأتي متعدياً بـ (إلى)، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت:١١]، فدل ذلك على العلو.
وأحياناً يتعدى بـ (الواو) التي تفيد المعية، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون:٢٨].
ومثل: استوى الماء والخشبة.
وأحياناً يتعدى بلفظ (على) الذي يدل على العلو والارتفاع.
ونصوص الاستواء جاءت كلها في السبعة المواضع بلفظ استوى، وبلفظ (على) الذي يدل على العلو والارتفاع كقوله سبحانه: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [الزخرف:١٣].
وكلها صريحة على علو الرب على خلقه، وعلوه على العرش، والعرش هو سقف المخلوقات، وليس فوقه شيء، فالمخلوقات تنتهي من جهة العلو للعرش، والله تعالى فوق العرش بعد أن تنتهي المخلوقات.
ولهذا فإن نصوص الاستواء السبعة كلها من أدلة علو الله على خلقه؛ لأن نصوص أدلة علو الرب على خلقه كثيرة، أفرادها تزيد على ثلاثة آلاف دليل، وكلها تدل على علو الله على خلقه، ولكنها أنواع، ومن أنواعها الاستواء، فهو نوع من أدلة العلو.
ومع ذلك أنكرها أهل البدع، مع كونها صريحة وكثيرة، وقالوا: إنه ليس فوق المخلوقات، وسلكوا أحد مسلكين: المسلك الأول: قالوا: إن الله مختلط بالمخلوقات، وهو مع المخلوقات، وضربوا النصوص بعضها ببعض، وقالوا: إن أدلة المعية تبطل الفوقية وتناقضها، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤]، وقوله: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠].
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:١٥٣]، فقالوا: إن نصوص المعية هذه تناقض الفوقية وتبطلها، فقالوا: بالاختلاط، وقالوا: إن الله مختلط بالمخلوقات، تعالى الله عما يقولون، حتى قالوا: إن الله في كل مكان.
نعوذ بالله.
ولم ينزهوه عن الأماكن القذرة، تعالى الله عما يقولون، حتى قالوا: إنه في بطون السباع، وفي أجواف الطيور، وفي كل مكان.
تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.
والمسلك الثاني: الذين أنكروا نصوص العلو والاستواء، وقالوا: بنفي النقيضين عن الله، فقالوا: بالنفي المحض، وقالوا: إن الله لا يكون مع المخلوقات، لا فوق المخلوقات، ولا مع المخلوقات، ولا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوقه ولا تحته، ولا مباين له ولا محايد له، ولا متصل به، ولا منفصل عنه، فيكون عدماً، بل أشد من العدم، فيكون ممتنعاً مستحيلاً، والمستحيل أشد من العدم.
стр. 17
أدلة السنة على إثبات صفة الاستواء
استدل المؤلف ﵀ على إثبات الاستواء من الكتاب العزيز بسبع آيات، واستدل من السنة بنصوص منها: عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الله كتب كتاباً قبل أن يخلق الخلق: إن رحمتي سبقت غضبي، فهو عنده فوق العرش) متفق عليه.
وقوله: (إن رحمتي سبقت غضبي) هذا من كلام الله لفظاً ومعنى، فهذا الحديث قدسي؛ لأن الحديث منسوب إلى قدسية الله، ومنسوب إلى الله، فهو من كلام الله لفظاً ومعنى، والقرآن هو من كلام الله لفظاً ومعنى إلا أن القرآن له أحكام تختلف، فكلام الله يتفاضل بعضه على بعض؛ ولهذا كانت ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] تعدل ثلث القرآن.
والقرآن له أحكام منها: أنه لا يمسه إلا متوضئ، ومنها أنه يتعبد بتلاوته، ومنها أنه معجز بألفاظه، والحديث القدسي ليس كذلك وإن كان من كلام الله، أما الحديث غير القدسي فهو من كلام النبي ﷺ لفظاً ومن الله معنى، قال تعالى عن نبيه الكريم: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤].
يقول النبي ﷺ : (إن الله كتب كتاباً قبل أن يخلق الخلق: إن رحمتي سبقت غضبي فهو عنده فوق العرش).
والشاهد قوله: (فهو عنده فوق العرش) وفي هذا إثبات الفوقية.
وقوله: (فهو عنده فوق العرش) صريح في إثبات الفوقية، والحديث أخرجه البخاري في صحيحه ومسلم في صحيحه وغيرهما.
ووجه الدلالة من الحديث إثبات العند، فهو عنده فوق العرش، ففيه إثبات الفوقية.
والحديث يدل على صفة الرحمة أيضاً، لقوله: (إن رحمتي)، وصفة الغضب، وصفة الكتابة كما في قوله: (إن الله كتب كتاباً قبل أن يخلق الخلق)، فدل هذا الحديث على أربع صفات وهي: صفة الكتابة، والرحمة، والغضب، والفوقية.
والنصوص الكثيرة دلت على أن العرش أعلى المخلوقات، وأنه ليس فوقه شيء، والله فوق العرش، وفي هذا الحديث أن هذا الكتاب فوق العرش والجمع بينهما بأن يقال: هذا الكتاب مستثنى، فهو فوق العرش.
стр. 18
الفروق بين الاستواء والعلو
والفرق بين صفة الاستواء وصفة العلو من وجهين: الوجه الأول: أن صفة الاستواء من الصفات الفعلية، وهي فعل يفعله الله سبحانه، وكان الاستواء بعد خلق السماوات والأرض، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤]، فالله تعالى خلق الأرض أولاً ثم خلق السماء، ثم دحا الأرض، ثم استوى على العرش.
والاستواء من الصفات الفعلية التي تتعلق بالمشيئة والاختيار مثل الغضب والرضا والنزول، فهذه الصفات تتعلق بالمشيئة والاختيار، فمتى شاء نزل، ومتى شاء غضب، وكذلك الاستواء، فقد كان في وقت مستوياً على العرش، وفي وقت ليس مستوياً عليه، فقبل خلق السماوات والأرض لم يكن مستوياً على العرش ثم استوى على العرش.
أما العلو فمن الصفات الذاتية التي لا ينفك عنها الباري ، فلا يقال: في وقت كان عالياً وفي وقت ليس عالياً، بل هو في جميع الأوقات عالٍ على جميع المخلوقات ومنها العرش.
إذاً: الاستواء صفة أخرى، وهي فعل يفعله، وهو علو خاص على العرش، والله أعلم بكيفيته، أما صفة العلو فهو عام مطلق ولا ينفك عن الباري، فهو عال على جميع المخلوقات ومنها العرش، أما الاستواء فهو علو خاص على العرش.
الوجه الثاني: أن العلو دل عليه العقل والنقل والفطرة، وأما الاستواء فدل عليه النقل فقط، فلولا أن الله أخبرنا بالاستواء لما علمنا بذلك، أما العلو فقد دل عليه العقل والفطرة، وقد فطر الله الخلائق على علو الله حتى البهائم فإنها ترفع رأسها إلى السماء.
стр. 19
حديث الأوعال
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وروى العباس بن عبد المطلب ﵁ أن النبي ﷺ ذكر سبع سماوات وما بينها ثم قال: (وفوق ذلك بحر بين أعلاه وأسفله كما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ذلك ثمانية أوعال ما بين أظلافهن وركبهن ما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ظهورهن العرش ما بين أعلاه وأسفله ما بين سماء إلى سماء، والله تعالى فوق ذلك) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة القزويني].
هذا الحديث هو الدليل الثاني من أدلة السنة التي استدل بها المؤلف ﵀ على علو الله على العرش وعلى جميع المخلوقات، وهو حديث العباس بن عبد المطلب عم النبي ﷺ وفيه: أن النبي ﷺ ذكر سبع سماوات، وبين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام، ثم فوق السماء السابعة بحر بين أعلاه وأسفله كما بين سماء إلى سماء يعني: قدر خمسمائة عام، ثم فوق ذلك ثمانية أوعال وهم: ملائكة فالملائكة صفة خلقهم على صفة خلق الأوعال يحملون العرش، قال: (وفوق ذلك ثمانية أوعال ما بين أظلافهن وركبهن ما بين سماء إلى سماء) يعني: ما بين أظلافهن وركبهن كما بين السماء والأرض، والعرش فوق ظهورهن، وما بين أعلاه وأسفله كما بين سماء إلى سماء، يعني: مسيرة خمسمائة عام، فتكون المسافات كلها من الأرض إلى السماء الدنيا خمسمائة عام وبين كل سماء إلى سماء خمسمائة عام، وجاء في الحديث الآخر: (كثف كل سماء مسيرة خمسمائة عام)، وفوق السماء السابعة بحر بين أعلاه وأسفله كما بين السماء والأرض خمسمائة عام، ثم فوقه ثمانية أوعال بين أظلافهن وركبهن خمسمائة عام، ثم العرش ما بين أعلاه وأسفله خمسمائة عام، فتكون جميع المسافة ما يقارب خمسين ألف عام، وقد أشار إلى هذا ابن القيم ﵀ في الكافية الشافية، وتكلم على قوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج:٤]، وقال في سورة السجدة: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة:٥]، والجمع بين الآيتين هو أن العدد الذي ذكر في المعارج يكون في الدنيا، والعدد الذي ذكر في السجدة يكون يوم القيامة، فهذا الحديث فيه بيان هذه المسافات.
الشاهد من الحديث قوله: (والله تعالى فوق ذلك)، فالعرش هو سقف المخلوقات فوق ظهور الأوعال والله فوق ذلك، ففيه إثبات العلو.
والحديث رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة كما ذكر المؤلف ﵀، والحديث سنده فيه ضعف؛ لأنه من رواية سماك عن عبد الله بن عذيرة، ولكن الحديث له شواهد؛ ولهذا حسنه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وابن القيم، وذكره الإمام المصلح المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب في آخر كتاب التوحيد، فالحديث حسن بشواهده، والحديث إن كان سنده ضعيفاً لكن له شواهد تقوى بها، فلهذا احتج به شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم والشيخ الإمام المصلح والمؤلف هنا، وكذلك يحتج به الأئمة في كتب السنة، فقد استدل به أبو داود وابن ماجة وابن خزيمة في كتاب التوحيد وابن أبي عاصم في كتاب السنة والإمام أحمد في المسند والذهبي في العلو.
стр. 20
أقوال السلف في إثبات صفة الاستواء
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقالت أم سلمة زوج النبي ﷺ ومالك بن أنس في قوله : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإقرار به إيمان، والجحود به كفر].
(الاستواء غير مجهول) يعني: أنه غير مجهول المعنى في اللغة العربية.
(والكيف غير معقول) يعني: كيفية استواء الرب لا تُعقل ولا تُعرف.
(والإقرار به إيمان) يعني: أنه يجب على الإنسان أن يقر بأن الله استوى على العرش.
والجحود به كفر؛ لأن في ذلك إنكار لكلام الله ، وهذا الأثر ورد عن أم سلمة ﵂، وورد عن الإمام مالك بن أنس، وورد عن ربيعة شيخ الإمام مالك، وله ألفاظ، والمشهور منها ما ورد عن الإمام مالك وهو قوله: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
وثبت أن الإمام مالك ﵀ كان يحدث في مجلس الحديث فجاءه رجل وهو يحدث فقال: يا مالك! ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] كيف استوى؟ فأطرق الإمام مالك ﵀ ملياً، حتى علته الرحضاء وجعل يتصبب عرقاً من شدة هذا السؤال عليه، ثم رفع رأسه وقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، ما أراك إلا رجل سوء، وأمر به أن يخرج من مجلسه ويبعد.
قوله: الاستواء معلوم أي: معناه معلوم في اللغة العربية؛ لأن الله تعالى أمرنا بتدبر القرآن والتفكر في معانيه، ولم يستثنِ آيات الصفات مثل آية الاستواء، قال سبحانه: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤]، وقال: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]، وقال: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص:٢٩]، وقال: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧].
والاستواء معلوم معناه في اللغة العربية، فاستوى بمعنى: علا وارتفع وصعد واستقر، وهذه المعاني الأربعة تدور عليها تفاسير السلف لصفة الاستواء، فالله تعالى مستو على عرشه بهذه المعاني الأربعة كما يليق بجلاله وعظمته.
والكيف غير معقول فما نعلم كيف استوى فالكيفية مجهولة لكن نعلم المعنى.
والإيمان به واجب؛ لأنه كلام الله، والسؤال عنه بدعة، فلا يُسأل عن الكيفية، وهذه المقالة رويت أيضاً عن أم سلمة ﵁ ولكن بسند فيه ضعف.
وروي هذا عن ربيعة شيخ الإمام مالك، وعن الإمام مالك ﵀، وما ينسب عن مالك صحيح، والأمة تلقته بالقبول عن الإمام مالك.
وهذا يقال في جميع الصفات وليس خاصاً بالاستواء فقط، فإذا قال قائل: ما معنى النزول؟ أو قال: كيف النزول؟ فنقول: النزول معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
وإذا قال قائل: الله تعالى يتصف بالعلم، فكيف العلم؟ فنقول: العلم معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
وهكذا جميع الصفات.
وقد تلقى العلماء هذه المقالة عن الإمام مالك بالقبول، ورواية أم سلمة ﵂ روتها كتب السنة والعقائد، فرواها اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة، وكذلك استدل بها شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى وغيرها، وقال: هذا الجواب روي عن أم سلمة موقوفاً ومرفوعاً ولكن إسناده مما لا يعتمد عليه، وكذلك رواه الصابوني في عقيدة السلف وأصحاب الحديث، وأخرجه البيهقي في الأسماء والصفات وغيره، لكن سند الرواية عن أم سلمة ضعيف، وكذلك مسند الرواية عن ربيعة شيخ الإمام مالك، أما الرواية عن الإمام مالك فسندها ثابت.
وقصد المؤلف ﵀ من الاستدلال بقول الإمام مالك وأم سلمة أن الأمة تلقت الصفات بالقبول، وأن الصحابة فهموا من نصوص الاستواء علو الله على خلقه، وأن هذا معلوم عند الصحابة، فهم فهموا نصوص الصفات ولهذا فسروها، فـ أم سلمة وربيعة ومالك فسروا هذه الآية ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] فسروها بالعلو، فقالوا: الاستواء معلوم، يعني معلوم معناه في اللغة العربية، ومعناه: الصعود والعلو والارتفاع والاستقرار.
وأما الكيفية فهي مجهولة، وأما الإيمان به فواجب، فيجب الإيمان بالاستواء؛ لأن الله أخبر به.
стр. 21
الأسئلة
стр. 22
الجمع بين كون رسول الله سيد المرسلين وبين حديث (السيد هو الله)
السؤال
كيف التوفيق بين أن الرسول ﷺ هو سيد المرسلين، وبين قوله: (السيد هو الله)؟
الجواب
لا منافاة بينهما، فالنبي ﷺ لما قال له الصحابة: (أنت سيدنا، قال: السيد الله ، يعني: السيد على الإطلاق، فالسيد على الإطلاق هو الله ، والنبي ﷺ خاف عليهم من أن يغلوا فيه، فلما قالوا له: أنت سيدنا وابن سيدنا وخيرنا وابن خيرنا، قال: (أيها الناس! قولوا بقولكم، أو ببعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان، أنا عبد الله ورسوله).
فقال هذا من باب حماية جناب التوحيد، وسد كل طريق يوصل إلى الشرك.
فالسيد على الإطلاق هو الله ، وأما إذا أضيف فقد قال النبي ﷺ : (قوموا لسيدكم)، لـ سعد بن معاذ، لما جاء وهو على حمار، قال: (قوموا لسيدكم)، بالإضافة، فالرسول ﷺ هو سيد الناس، قال ﵊: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر).
وهو ﷺ سيد الأنبياء والمرسلين فسيد الناس هو الرسول ﵊، والله تعالى هو السيد على الإطلاق.
ومخاطبة الشخص بـ (يا سيدي!) لا بأس به، إذا كان سيداً، فإذا كان عبداً فلا بأس أن يقول: سيدي فلان، وجاء في الحديث: (لا يقول أحدكم عبدي وأمتي، وليقل: فتاي وفتاتي، ولا يقل: سيدي ومولاي).
فالسيد بالإضافة لا بأس به، فيقال: سيد بني فلان، إذا كان سيداً مطاعاً فيهم، وأما السيد على الإطلاق فهو الله.
стр. 23
المقصود بالمعطلة
السؤال
يطلق العلماء اسم المعطلة كثيراً، فهل تطلق على فرقة معينة، بمعنى: أنها تطلق مثلاً على الجهمية أو الأشاعرة، أو المعتزلة، أو أن هذا لفظ يطلق على كل معطل، وبالتالي لا يخص به جماعة؟
الجواب
المعطلة اسم عام لكل من عطل صفات الرب ، والتعطيل أنواع: فقد يكون تعطيلاً كلياً، وهو تعطيل المسموعات من سامعها، وهذا تعطيل المعطلة الذين أنكروا وجود الرب، فقد عطلوا المسموعات من سامعها، فالملاحدة الذين أنكروا وجود الرب من الشيوعيين والدهريين وغيرهم يقال لهم: معطلة، وتعطيلهم تعطيل تام؛ لأنهم عطلوا المخلوقات من خالقها، وعطلوا المصنوعات من صانعها، فقالوا: هذه المخلوقات ليس لها خالق، وهذه المصنوعات ليس لها صانع.
النوع الثاني: وهو تعطيل الخالق من صفاته، فالذين نفوا الأسماء والصفات كالجهمية معطلة أيضاً، والذين أثبتوا الأسماء ونفوا الصفات أيضاً معطلة، والأشاعرة معطلة؛ لأنهم عطلوا بعض الصفات.
فالمعطلة أنواع منهم الكافر، ومنهم المبتدع على حسب التعطيل.
فالتعطيل الكامل كالملاحدة الذين عطلوا المخلوقات، فأنكروا وجود الله، وكذلك الجهمية الذين عطلوا الله من أسمائه وصفاته، فهؤلاء ملاحدة أيضاً؛ لأن إنكار الأسماء والصفات إنكار لوجود الرب، إذ ليس هناك شيء موجود إلا بأسماء وصفات، فالذي ليس له اسم وصفة لا وجود له.
والمعتزلة معطلة؛ لأنهم عطلوا الرب من صفاته.
والأشاعرة معطلة؛ لأنهم عطلوا الله من بعض الصفات، وإن أثبتوا بعض الصفات وأثبتوا الأسماء.
стр. 24
الفرد ليس اسماً من أسماء الله
السؤال
هل الفرد اسم من أسماء الله ؟
الجواب
إن الفرد لا أعلم أنه اسم من أسماء الله، وإنما أسماؤه الأحد والصمد، فالأحد كافٍ عن الفرد، وأما الفرد فلا أعلم أنه اسم من أسماء الله.
стр. 25
كل اسم لله يشتق له منه صفة
السؤال
اتفقت كل أقوال أهل السنة على أن لكل اسم من أسماء الله صفة تشتق من الاسم، ولكن هذا لا يظهر من اسم الرب، والإله، والله، فهي أسماء لا تشتق منها صفات؟
الجواب
الرب له صفة الربوبية، فيشتق منه صفة الربوبية، والإله هو: المعبود، وهو: المألوه المعبود، فيشتق منه صفة الألوهية، وكل اسم يشتق له منه صفة فالرحمن يشتق منه صفة الرحمة، وكل اسم فهو مشتمل على صفة.
стр. 26
حكم من أنكر صفة من صفات الله
السؤال
هل من أنكر صفة من صفات الله نكفره، أم يكتفى بالقول أنه مبتدع فقط مع دخولهم تحت مسمى الإسلام؟
الجواب
هذا فيه تفصيل، وهو: أنه إذا أنكر الصفة وجحد الصفة بعد معرفتها مثل أن ينكر: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يونس:٣]، فينكر الاستواء فهذا يكفر؛ لأنه أنكر أمراً معلوماً من الدين بالضرورة، ولأنه كذَّب الله.
وأما من أوّل الصفة بشبهة فهذا لا يكفر، فإن الذي يقول: أنا أثبت: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يونس:٣]، وأُثبت الاستواء، ولكن معناه: استولى، لشبهة حصلت له فهذا لا يكفر؛ لأنه متأول.
وأما الذي ينكر الاستواء، فهذا كذَّب الله، ومن كذَّب الله فقد كفر.
إذاً: هناك فرق بين الجاحد وبين المتأول.
فالجاحد: أنكر، والمنكر يكفر، قال تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرعد:٣٠]، فمن جحد اسماً من أسماء الله أو صفة من صفاته من غير تأويل فقد كفر، ومن تأولها بشبهة فلا يكفر؛ لأن له شبهة، فيعذر بها.
стр. 27
بيان أن أسماء الله توقيفية
السؤال
هل نفي الصفات عن الله تعالى كالإثبات ينبغي أن يكون بنص من الكتاب والسنة أم يجوز للمرء أن ينفي عن الله ما شاء من الصفات التي لا ينبغي أن يتصف بها الرب دون التقيد بالنصوص؟
الجواب
الأسماء والصفات توقيفية، فلا يسمى الله إلا بما سمى به نفسه، أو سماه به رسوله، وكذلك الصفات لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله.
وأما ما عدا ذلك فينفى عن الله كل صفات النقائص والعيوب على الإجمال، ويثبت له الوصف الكامل قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النحل:٦٠]، فتنفى عنه النقائص كما نفاها عن نفسه بقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤]، وقوله: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا﴾ [البقرة:٢٢]، وقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥]، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤] فهذه النصوص تنفي النقائص، والقاعدة في الأسماء والصفات: أن تثبت كل صفة وكل اسم على حسب ما ورد.
وأما النقائص والعيوب فإنها تنفى عن الله إجمالاً، كما نفاها عن نفسه، فقال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤]، وقال: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥]، وقال: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا﴾ [البقرة:٢٢]، وقال: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤].
وما بقي شيء، فجميع النقائص كلها قد نفيت فأما أن يأتي ليثبت فيقول: أنا أثبت لله صفة من النقائص.
فنقول: لا، هذا باطل؛ لأن الأسماء والصفات توقيفية، والنفي: أن تنفي عن الله جميع النقائص والعيوب التي نفاها عن نفسه، لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤]، وقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥]،]، وقوله: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا﴾ [البقرة:٢٢].
стр. 28
حكم تسمية الله بالقديم وحكم وصفه به
السؤال
ما معنى القديم؟ وهل يجوز وصف صفات الله تعالى بالقديمة؟
الجواب
نعم، جاء في الحديث: (وسلطانه القديم)، والقديم ليس من أسماء الله؛ لأنه ما من قديم إلا وقبله شيء، ولأنه قد يشعر بالقدم والبلى؛ ولهذا أنكر العلماء على الطحاوي حينما قال: قديم بلا ابتداء، ولكنه قيده بقوله: بلا ابتداء.
وجاء في النصوص اسم الأول، والأول هو الذي ليس قبله شيء، وكل شيء آيل إليه.
وأما القديم فليس من أسماء الله، قال تعالى: ﴿كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس:٣٩]، فالعرجون وصف بأنه قديم لوجود العرجون الجديد، فصار قديماً بالنسبة للجديد.
стр. 29
بيان أن صفات كمال الخالق لا يلزم أن تكون صفات كمال للمخلوق إذا اتصف بها والعكس
السؤال
هل كل صفة كمال في الخالق تكون صفة كمال في المخلوق، والعكس؟
الجواب
لا، فصفة الولد صفة كمال في المخلوق، وهي نقص في الخالق.
بل إن من أعظم الجرائم وصف الله بأن له ولد، قال الله تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم:٩٠ - ٩٢].
فهو أمر عظيم، ونسبة الولد إلى الله صفة نقص في حق الخالق، وهي صفة كمال في المخلوق، ولكن الله منزه عن هذا، وكذلك الكبر فهي صفة كمال له، والمخلوق ليس له أن يتكبر.
стр. 30
حكم الإشارة باليد أثناء ذكر صفات الله
السؤال
ذهب كثير من العلماء إلى حديث أنس ﵁: عن النبي ﷺ : (إن قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن)، وفيه: أنه يحرك أصابعه تمثيلاً لذلك، وحديث اليهودي الذي أشار للنبي ﷺ أن الله خلق السماوات على إصبع.
فهل هذا يدل على جواز التمثيل بالأصابع للحديثين، أم لا؟
الجواب
لا، الحديث ما جاء في هذا، وإنما المراد به تحقيق الصفة، كما جاء في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:٥٨]، وأشار إلى عينه وأذنه، فالمراد تحقيق الصفة، وليس المراد التشبيه، وإنما المراد أن الصفة صفة حقيقية.
ولا يجوز لإنسان أن يمثل شيئاً، ويقصد بذلك التمثيل، لكن إذا كان هناك حاجة مثل ما جاء من النصوص، والمراد به تحقيق الصفة، وأنها صفة حقيقة وليس المراد التشبيه فلا بأس، ولا يحتاج الإنسان أن يشير بإصبعيه أو بإصبعين.
والبينية واسعة في اللغة العربية، قال تعالى: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة:١٦٤]، ولا يلزم من هذا ما يفهمه بعض المشبهة، بأنه يلزم من ذلك أن تمسك القلوب بأصابع الرب تعالى؛ لأن البينية واسعة، قال الله تعالى: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة:١٦٤]، فالسحاب ليس ملاصقاً لا للسماء ولا للأرض، فهذه بينية خلق قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن، يقلبها كيف يشاء.
стр. 31
الجمع بين حديث (لا تسيدوني)، وحديث (أنا سيد الناس)
السؤال
كيف نجمع بين قوله ﷺ : (لا تسيدوني)، وبين: (أنا سيد الناس ولا فخر)؟
الجواب
هذا من باب قوله: (قولوا بقولكم أو ببعض قولكم)، فهذا من باب حماية جناب التوحيد، فلما قالوا له: سيدنا وابن سيدنا، قال: (قولوا بقولكم أو بعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان).
وهو مثل قوله: (لا تسيدوني).
فالمراد به حماية جناب التوحيد، وإلا فهو سيد الخلق، وسيد الناس ﵊.
стр. 32
منهج أهل السنة في التعامل مع سائر الفرق
السؤال
ما منهج أهل السنة والجماعة في التعامل مع الفرق الأخرى، كالصوفية والرافضة، وغيرهم ممن ينتسبون للإسلام خاصة في بلاد الغرب؟
الجواب
الصوفية طبقات تختلف أحوالهم فيها، وأما الرافضة فمعروفون أنهم يعبدون آل البيت، ويكفرون الصحابة، فإذا عرف أنهم يعتقدون هذا الاعتقاد، وأظهروا ذلك فلا يعاملون معاملة المسلمين، وإن لم يظهروا ذلك وتستروا فيعاملون معاملة المسلمين إذا لم يظهر منهم ما يعتقدون، كما عامل النبي ﷺ المنافقين أمثال عبد الله بن أبي وغيره، ومن أظهر منهم النفاق يعامل معاملة المشركين.
стр. 33
الضابط بين الأخبار والأسماء
السؤال
ما الضابط أن هذا من الأخبار وهذا من باب الأسماء مثال: عبد المانع، عبد الهادي هل هي أسماء أم ليست أسماء؟
الجواب
الضابط هو ما ورد في النصوص من ذكر أسماء الرب، وما لم يرد فليس من الأسماء، وإذا جاء وهو مما لم يرد يكون من باب الخبر، فإذا أخبر عنه بذلك فلا بأس.
والقاعدة عند أهل العلم: باب الخبر أوسع من باب الصفات، فيخبر عن الله بأنه ذات، وبأنه موجود، وبأنه صانع الأشياء، وبأنه شيء، وبأنه شخص، ولا يقال: من أسمائه الذات، أو من أسمائه أنه موجود، أو الشيء، قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام:١٩]، فأخبر عن نفسه بأنه شيء، قال ﵊ في الحديث: (لا شخص أغير من الله)، وقال عن إبراهيم: إنه يجادل في ذات الله، وكذلك خبيب قال: (وذلك في ذات الإله وإن يشأ).
فهذه كلها من باب الخبر، فباب الخبر أوسع من باب الأسماء، وأما الأسماء والصفات فتوقيفية، فإذا سمى الله نفسه بشيء، أو أطلق على نفسه شيئاً، وسماه به، فهو من الأسماء أو وصف نفسه أو وصفه به رسوله.
وأما ما عدا ذلك فهو من باب الخبر.
стр. 34
الحث على الاستمرار في الدعوة
السؤال
لقد سعيت جاهداً في دعوة أهلي إلى طريق الخير، تارة بشريط أو بكلمة، وتارة برسالة ولم ألحظ عليهم أي تغير أو قبول للدعوة، وتراودني نفسي أن أعيش مثلهم، وألا أهتم إلا بنفسي وأتركهم وشأنهم.
فبماذا تنصحني؟
الجواب
ننصحك بالاستمرار، وعدم اليأس، وعدم الملل والتعب، ولا بد من الصبر والاستمرار، فمن لم يصبر ويستمر انقطع عن الدعوة، ولك أسوة بالنبي ﷺ ، وبالمرسلين والدعاة والمصلحين، فإن نوحاً ﵊ مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم إلى الله، وكذلك نبينا ﵊ استمر في دعوته، والصحابة استمروا في دعوتهم، فالداعية عليه أن يستمر في دعوته وأن يصبر، ولهذا قال الله تعالى في صفة الرابحين: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١ - ٣]، فهذه هي صفات الرابحين، إيمان مبني على العلم الصحيح، وأداء للواجبات، ودعوة إلى الله وصبر، وهذا الصبر استمرار، فأنت تريد أن تتخلى عن الصفة الرابعة وهي الصبر فتنقطع، فلا تكون بذلك الانقطاع في ركب الدعاة، فاصبر، ولا تيأس، وأنت على خير سواء قبلوا أو لم يقبلوا، قال الله تعالى عن لقمان أنه قال لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [لقمان:١٧].
ولا بد من الصبر، فإن من لم يصبر لا يستطيع أن يؤدي الواجبات، ولا أن يترك المحرمات، ولا أن يسير في طريق الدعوة، ولا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ولذلك فلا بد من الصبر وتحمل الأذى واحتساب الأجر.
وفق الله الجميع لطاعته، ورزق الله الجميع العلم النافع والعمل الصالح، وثبت الله الجميع على الهدى، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
стр. 35
شرح الاقتصاد في الاعتقاد للمقدسي [٣]
إن معتقد أهل السنة والجماعة هو إثبات العلو لله ، فهو فوق عرشه بائن من خلقه لا يخفى عليه شيء من حالهم، ولقد جاءت الآيات الكثيرة والأحاديث النبوية الصحيحة بإثبات صفة العلو لله تعالى، فمن جحد شيئاً من هذه الأدلة راداً لها فهو كافر بدين الله مرتد عن الإسلام.
стр. 36
الأدلة من السنة على إثبات صفة العلو
стр. 37
دلالة حديث (إلا كان الذي في السماء ساخطاً عليها) على إثبات العلو
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وروى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (والذي نفسي بيده! ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطاً عليها حتى يرضى)].
هذا دليل من السنة على إثبات صفة العلو، فالمؤلف ﵀ بدأ بصفة الاستواء وذكر بعدها صفة العلو مستقلة ولها أدلة خاصة؛ لأن الاستواء علو خاص، فلهذا ذكر سبعة أدلة من القرآن على إثبات صفة الاستواء، ثم بعد ذلك ذكر الأدلة التي تثبت العلو، وبدأ بحديث أبي هريرة، وهو دليل على ثبوت صفة العلو لله ، والحديث صحيح رواه الشيخان البخاري ومسلم وغيرهما.
يقول النبي ﷺ : (والذي نفسي بيده!) هذا قسم، والنبي ﷺ هو الصادق المصدق، لكن أقسم لتأكيد الكلام، قال: (والذي نفسي بيده!)، ونفوس العباد كلها بيد الله، وفيه إثبات صفة اليد لله .
(ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشها فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطاً عليها حتى يرضى)، والذي في السماء هم الملائكة، ولفظ السماء إذا أطلق فالمراد به جهة العلو، والله تعالى له أعلى العلو، وهو فوق العرش، فقوله: (الذي في السماء) يعني: الذي في العلو، فكل ما علا رأسك فهو سماء، والله تعالى له أعلى العلو وهو ما فوق العرش، وإذا أريد بالسماء: الطباق المبنية فهي تفيد معنى علا، وقوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] يعني: من في العلو.
وقوله: (كان الذي في السماء ساخطاً عليها حتى يرضى) هذا يدل على أن امتناع المرأة من فراش زوجها من غير سبب من كبائر الذنوب؛ لأن الرسول ﷺ أثبت أن الله يسخط عليها، ففيه إثبات صفة السخط لله مع إثبات صفة العلو، وهذا فيه التحذير من امتناع المرأة من فراش زوجها بدون سبب، وأنها إذا فعلت ذلك فقد ارتكبت كبيرة، وفي الحديث الآخر: (إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فلم تأته لعنتها الملائكة حتى تصبح).
стр. 38
دلالة حديث (ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء) على إثبات العلو
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وروى أبو سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر من في السماء صباحاً ومساءً؟!)].
هذا هو الدليل السادس، وقد استدل به المؤلف لإثبات صفة العلو، وأن الله في العلو فوق المخلوقات، يقول النبي ﷺ : (ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر من في السماء صباحاً ومساءً).
ووجه الدلالة من هذا الحديث في موضعين: الموضع الأول: قوله: (وأنا أمين في السماء).
الموضع الثاني: قوله: (يأتيني خبر من في السماء).
والمراد بالسماء العلو، والله تعالى له أعلى العلو وهو ما فوق العرش، فهذا دليل على إثبات صفة العلو، والحديث صحيح متفق على صحته رواه الشيخان البخاري ومسلم وغيرهما.
стр. 39
دلالة حديث (أين الله؟) على إثبات العلو
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وروى معاوية بن الحكم السلمي ﵁ أن النبي ﷺ قال لجارية: (أين الله؟ قالت: في السماء.
قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله.
قال: أعتقها فإنها مؤمنة).
رواه مسلم بن الحجاج وأبو داود وأبو عبد الرحمن النسائي.
ومن أجهل جهلاً، وأسخف عقلاً، وأضل سبيلاً ممن يقول: إنه لا يجوز أن يقال: أين الله؟ بعد تصريح صاحب الشريعة بقوله: (أين الله؟)!].
هذا الدليل السابع وهو حديث معاوية بن الحكم السلمي، والحديث رواه الإمام مسلم في صحيحه أن النبي ﷺ قال للجارية: (أين الله؟ قالت: في السماء.
قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله.
قال: أعتقها فإنها مؤمنة)، فـ معاوية بن الحكم السلمي كانت له جارية اشتراها لترعى له الغنم عند جبل أحد، فأبصرها من بعيد وقد جاء الذئب وأخذ شاة، فغضب معاوية من الجارية لأنها لم تطرد الذئب، فلطمها، ثم ندم وخاف وجاء إلى النبي ﷺ وأخبره بأنه لطمها فشدد عليه النبي ﷺ فقال: (يا رسول الله! إني سأعتقها، فقال له: ائتني بها، فأتاه بها، فقال لها: أين الله؟ قالت: في السماء.
قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله.
قال: أعتقها فإنها مؤمنة)، فاستدل على إيمانها بأنها أثبتت أن الله في العلو، وأهل البدع كالجهمية والأشاعرة يؤولون هذا الحديث، فهذا الحديث غصة في حلوقهم؛ لأن كلمة (أين) يسأل بها عن المكان، فالمعنى أي: أين مكان الله؟ فقالوا: لا يمكن أن يسأل عن الله بأين، حتى أنهم خطئوا النبي ﷺ وخطئوا الجارية، فقالوا: إن الجارية أعجمية لا تفهم، فالرسول ﵊ سألها.
أين الله؟ ولا يُسأل عن الله بأين؛ لأنك لو سألت عن الله بأين ففيه تحديد المكان، وإذا كان الله في جهة العلو صار محدوداً ومتحيزاً وجسماً، وهذا كفر عندهم، فأهل البدع يقولون: من قال: إن الله في السماء فقد كفر؛ لأنك بقولك هذا تنقص من قدر الله، وتجعل الله محدوداً متحيزاً في مكان، ولا يكون شيء على شيء إلا المحدود المتحيز، ولا يكون إلا جسم، وهذا يجعل لله شبيهاً ومثيلاً، وهذا كفر عندهم، وقد تأولوا هذا بقولهم: إن ظاهر النصوص كفر، أي: ظاهر القرآن والسنة كفر والعياذ بالله! فلابد أن تؤول، فلو أثبتنا العلو والمعية وأثبتنا العلم والقدرة لله ففي هذا مشابهة للمخلوقات، وتشبيه الله بخلقه كفر، فلا بد أن نتأولها فأشكل عليهم قوله ﷺ (أين الله؟) وهذا صريح في جواز السؤال بأين الله؟ وعندما قالت: في السماء صدقها وأثبت لها الإيمان، وبعض أهل البدع قال: الرسول ﵇ قال لها: (أين الله؟) وقصده أن يقول: من الله؟ لأن هذه جارية أعجمية لا تفهم، فخاطبها على قدر عقلها وفهمها، فلما أجابت أقرها على جواب فاسد! إذاً: فالسؤال عندهم فاسد والجواب فاسد! هكذا اتهموا الرسول والعياذ بالله، فأهل البدع وصفوا الرسول بأنه سأل سؤالاً فاسداً، وأقرها على جواب فاسد، قالوا: والله ليس له مكان، فلو كان له مكان لصار محدوداً ومتحيزاً، فقالوا: ليس له مكان، وإنما هو في كل مكان والعياذ بالله.
ولهذا رد عليهم المؤلف فقال: ومن أجهل جهلاً، وأسخف عقلاً، وأضل سبيلاً ممن يقول: إنه لا يجوز أن يقال: أين الله؟ بعد تصريح صاحب الشريعة بقوله: (أين الله؟).
وصاحب الشريعة هو رسول الله ﷺ .
стр. 40
دلالة حديث (كانت زينب تقول زوجني الله من فوق سبع سماوات) على إثبات العلو
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وروى أنس بن مالك ﵁ قال: كانت زينب بنت جحش تفخر على أزواج النبي ﷺ تقول: زوجكن أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سماوات.
رواه البخاري].
هذا هو الدليل الثامن، وقد استدل به المؤلف على أن الله في العلو، وأنه فوق المخلوقات فوق السماوات السبع، فكانت زينب بنت جحش تفخر على أزواج النبي ﷺ وتقول: زوجكن أهليكن وزوجني الله من فوق سبع سماوات.
والشاهد قولها: (من فوق سبع سماوات)، ففيه إثبات أن الله فوق السبع السماوات وذلك أن زينب بنت جحش ﵂ تزوجت زيد بن حارثة أولاً ثم طلقها زيد ﵁، ثم بعد ذلك خطبها النبي ﷺ ، وأرسل إليها من يخطبها له، فزوجه الله من فوق سبع سماوات، فدخل عليها بدون ولي وبدون مهر؛ لأن الله أنزل: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب:٣٧] وهذا التزويج كان من فوق سبع سماوات، قال الله: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ﴾ [الأحزاب:٣٧] وذلك أنه كان عندهم في الجاهلية وفي أول الإسلام جواز التبني، أي: أن الإنسان الذي ليس عنده أولاد يتبنى له ولداً، فيأتي بولد وينسبه إلى نفسه، ويكون ابناً له ولو لم يكن من صلبه، فنهى الله عن ذلك وقال: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب:٥]، ومن المعلوم أن الإنسان لا يتزوج زوجة ابنه، وزيد بن حارثة تبناه النبي ﷺ في الجاهلية، وكان يُدعى بـ زيد بن محمد، فالله تعالى هدم التبني وأبطله قولاً وفعلاً، بالقول وذلك عندما قال: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب:٥]، وبالفعل وذلك عندما أمر نبيه أن يتزوج زوجة ابنه بالتبني؛ حتى يهدم التبني ويعلن بطلانه، وأن الابن المتبنى ليس كابن الصلب، فابن الصلب لا يتزوج أبوه زوجته، لكن الابن الدعي ليس ابناً من صلبك، فيجوز لك أن تتزوج زوجته؛ ولهذا أمر الله نبيه أن يتزوج زوجته بعد طلاقها هدماً للتبني وأنزل: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب:٣٧]، فدخل عليها النبي ﷺ بدون مهر وبدون ولي وزوجه الله من فوق سبع سماوات، فكانت زينب تفخر على أزواج النبي ﷺ وتقول لإحداهن: أنتِ زوجكِ أبوكِ، وأنا زوجني الله من فوق سبع سماوات، وهذا فخر، وأي فخر!
следующие страницы →