Полный текст (238 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
الأدلة من السنة على إثبات صفة العلو
стр. 37
دلالة حديث (إلا كان الذي في السماء ساخطاً عليها) على إثبات العلو
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وروى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (والذي نفسي بيده! ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطاً عليها حتى يرضى)].
هذا دليل من السنة على إثبات صفة العلو، فالمؤلف ﵀ بدأ بصفة الاستواء وذكر بعدها صفة العلو مستقلة ولها أدلة خاصة؛ لأن الاستواء علو خاص، فلهذا ذكر سبعة أدلة من القرآن على إثبات صفة الاستواء، ثم بعد ذلك ذكر الأدلة التي تثبت العلو، وبدأ بحديث أبي هريرة، وهو دليل على ثبوت صفة العلو لله ، والحديث صحيح رواه الشيخان البخاري ومسلم وغيرهما.
يقول النبي ﷺ : (والذي نفسي بيده!) هذا قسم، والنبي ﷺ هو الصادق المصدق، لكن أقسم لتأكيد الكلام، قال: (والذي نفسي بيده!)، ونفوس العباد كلها بيد الله، وفيه إثبات صفة اليد لله .
(ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشها فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطاً عليها حتى يرضى)، والذي في السماء هم الملائكة، ولفظ السماء إذا أطلق فالمراد به جهة العلو، والله تعالى له أعلى العلو، وهو فوق العرش، فقوله: (الذي في السماء) يعني: الذي في العلو، فكل ما علا رأسك فهو سماء، والله تعالى له أعلى العلو وهو ما فوق العرش، وإذا أريد بالسماء: الطباق المبنية فهي تفيد معنى علا، وقوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] يعني: من في العلو.
وقوله: (كان الذي في السماء ساخطاً عليها حتى يرضى) هذا يدل على أن امتناع المرأة من فراش زوجها من غير سبب من كبائر الذنوب؛ لأن الرسول ﷺ أثبت أن الله يسخط عليها، ففيه إثبات صفة السخط لله مع إثبات صفة العلو، وهذا فيه التحذير من امتناع المرأة من فراش زوجها بدون سبب، وأنها إذا فعلت ذلك فقد ارتكبت كبيرة، وفي الحديث الآخر: (إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فلم تأته لعنتها الملائكة حتى تصبح).
стр. 38
دلالة حديث (ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء) على إثبات العلو
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وروى أبو سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر من في السماء صباحاً ومساءً؟!)].
هذا هو الدليل السادس، وقد استدل به المؤلف لإثبات صفة العلو، وأن الله في العلو فوق المخلوقات، يقول النبي ﷺ : (ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر من في السماء صباحاً ومساءً).
ووجه الدلالة من هذا الحديث في موضعين: الموضع الأول: قوله: (وأنا أمين في السماء).
الموضع الثاني: قوله: (يأتيني خبر من في السماء).
والمراد بالسماء العلو، والله تعالى له أعلى العلو وهو ما فوق العرش، فهذا دليل على إثبات صفة العلو، والحديث صحيح متفق على صحته رواه الشيخان البخاري ومسلم وغيرهما.
стр. 39
دلالة حديث (أين الله؟) على إثبات العلو
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وروى معاوية بن الحكم السلمي ﵁ أن النبي ﷺ قال لجارية: (أين الله؟ قالت: في السماء.
قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله.
قال: أعتقها فإنها مؤمنة).
رواه مسلم بن الحجاج وأبو داود وأبو عبد الرحمن النسائي.
ومن أجهل جهلاً، وأسخف عقلاً، وأضل سبيلاً ممن يقول: إنه لا يجوز أن يقال: أين الله؟ بعد تصريح صاحب الشريعة بقوله: (أين الله؟)!].
هذا الدليل السابع وهو حديث معاوية بن الحكم السلمي، والحديث رواه الإمام مسلم في صحيحه أن النبي ﷺ قال للجارية: (أين الله؟ قالت: في السماء.
قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله.
قال: أعتقها فإنها مؤمنة)، فـ معاوية بن الحكم السلمي كانت له جارية اشتراها لترعى له الغنم عند جبل أحد، فأبصرها من بعيد وقد جاء الذئب وأخذ شاة، فغضب معاوية من الجارية لأنها لم تطرد الذئب، فلطمها، ثم ندم وخاف وجاء إلى النبي ﷺ وأخبره بأنه لطمها فشدد عليه النبي ﷺ فقال: (يا رسول الله! إني سأعتقها، فقال له: ائتني بها، فأتاه بها، فقال لها: أين الله؟ قالت: في السماء.
قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله.
قال: أعتقها فإنها مؤمنة)، فاستدل على إيمانها بأنها أثبتت أن الله في العلو، وأهل البدع كالجهمية والأشاعرة يؤولون هذا الحديث، فهذا الحديث غصة في حلوقهم؛ لأن كلمة (أين) يسأل بها عن المكان، فالمعنى أي: أين مكان الله؟ فقالوا: لا يمكن أن يسأل عن الله بأين، حتى أنهم خطئوا النبي ﷺ وخطئوا الجارية، فقالوا: إن الجارية أعجمية لا تفهم، فالرسول ﵊ سألها.
أين الله؟ ولا يُسأل عن الله بأين؛ لأنك لو سألت عن الله بأين ففيه تحديد المكان، وإذا كان الله في جهة العلو صار محدوداً ومتحيزاً وجسماً، وهذا كفر عندهم، فأهل البدع يقولون: من قال: إن الله في السماء فقد كفر؛ لأنك بقولك هذا تنقص من قدر الله، وتجعل الله محدوداً متحيزاً في مكان، ولا يكون شيء على شيء إلا المحدود المتحيز، ولا يكون إلا جسم، وهذا يجعل لله شبيهاً ومثيلاً، وهذا كفر عندهم، وقد تأولوا هذا بقولهم: إن ظاهر النصوص كفر، أي: ظاهر القرآن والسنة كفر والعياذ بالله! فلابد أن تؤول، فلو أثبتنا العلو والمعية وأثبتنا العلم والقدرة لله ففي هذا مشابهة للمخلوقات، وتشبيه الله بخلقه كفر، فلا بد أن نتأولها فأشكل عليهم قوله ﷺ (أين الله؟) وهذا صريح في جواز السؤال بأين الله؟ وعندما قالت: في السماء صدقها وأثبت لها الإيمان، وبعض أهل البدع قال: الرسول ﵇ قال لها: (أين الله؟) وقصده أن يقول: من الله؟ لأن هذه جارية أعجمية لا تفهم، فخاطبها على قدر عقلها وفهمها، فلما أجابت أقرها على جواب فاسد! إذاً: فالسؤال عندهم فاسد والجواب فاسد! هكذا اتهموا الرسول والعياذ بالله، فأهل البدع وصفوا الرسول بأنه سأل سؤالاً فاسداً، وأقرها على جواب فاسد، قالوا: والله ليس له مكان، فلو كان له مكان لصار محدوداً ومتحيزاً، فقالوا: ليس له مكان، وإنما هو في كل مكان والعياذ بالله.
ولهذا رد عليهم المؤلف فقال: ومن أجهل جهلاً، وأسخف عقلاً، وأضل سبيلاً ممن يقول: إنه لا يجوز أن يقال: أين الله؟ بعد تصريح صاحب الشريعة بقوله: (أين الله؟).
وصاحب الشريعة هو رسول الله ﷺ .
стр. 40
دلالة حديث (كانت زينب تقول زوجني الله من فوق سبع سماوات) على إثبات العلو
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وروى أنس بن مالك ﵁ قال: كانت زينب بنت جحش تفخر على أزواج النبي ﷺ تقول: زوجكن أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سماوات.
رواه البخاري].
هذا هو الدليل الثامن، وقد استدل به المؤلف على أن الله في العلو، وأنه فوق المخلوقات فوق السماوات السبع، فكانت زينب بنت جحش تفخر على أزواج النبي ﷺ وتقول: زوجكن أهليكن وزوجني الله من فوق سبع سماوات.
والشاهد قولها: (من فوق سبع سماوات)، ففيه إثبات أن الله فوق السبع السماوات وذلك أن زينب بنت جحش ﵂ تزوجت زيد بن حارثة أولاً ثم طلقها زيد ﵁، ثم بعد ذلك خطبها النبي ﷺ ، وأرسل إليها من يخطبها له، فزوجه الله من فوق سبع سماوات، فدخل عليها بدون ولي وبدون مهر؛ لأن الله أنزل: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب:٣٧] وهذا التزويج كان من فوق سبع سماوات، قال الله: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ﴾ [الأحزاب:٣٧] وذلك أنه كان عندهم في الجاهلية وفي أول الإسلام جواز التبني، أي: أن الإنسان الذي ليس عنده أولاد يتبنى له ولداً، فيأتي بولد وينسبه إلى نفسه، ويكون ابناً له ولو لم يكن من صلبه، فنهى الله عن ذلك وقال: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب:٥]، ومن المعلوم أن الإنسان لا يتزوج زوجة ابنه، وزيد بن حارثة تبناه النبي ﷺ في الجاهلية، وكان يُدعى بـ زيد بن محمد، فالله تعالى هدم التبني وأبطله قولاً وفعلاً، بالقول وذلك عندما قال: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب:٥]، وبالفعل وذلك عندما أمر نبيه أن يتزوج زوجة ابنه بالتبني؛ حتى يهدم التبني ويعلن بطلانه، وأن الابن المتبنى ليس كابن الصلب، فابن الصلب لا يتزوج أبوه زوجته، لكن الابن الدعي ليس ابناً من صلبك، فيجوز لك أن تتزوج زوجته؛ ولهذا أمر الله نبيه أن يتزوج زوجته بعد طلاقها هدماً للتبني وأنزل: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب:٣٧]، فدخل عليها النبي ﷺ بدون مهر وبدون ولي وزوجه الله من فوق سبع سماوات، فكانت زينب تفخر على أزواج النبي ﷺ وتقول لإحداهن: أنتِ زوجكِ أبوكِ، وأنا زوجني الله من فوق سبع سماوات، وهذا فخر، وأي فخر!
стр. 41
دلالة حديث عروج روح المؤمن إلى السماء التي فيها الله على إثبات العلو
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي حديث أبي هريرة ﵁ (أن رسول الله ﷺ ذكر المؤمن عند موته وأنه يعرج بروحه حتى ينتهى إلى السماء التي فيها الله رواه الإمام أحمد والدارقطني وغيرهما].
هذا الحديث سنده لا بأس به، وهذا هو الدليل التاسع على إثبات العلو، والشاهد قوله: (حتى ينتهى بها إلى السماء التي فيها الله)، وهي السماء السابعة، ومعنى قوله: (التي فيها الله) يعني: فوقها، ففيه إثبات أن الله في السماء، يعني: في العلو، وأنه فوق السماوات السبع، وفيه أن روح المؤمن يعرج بها إلى السماء وتفتح له أبواب السماء، وأما روح الفاجر والكافر فإنها تغلق أبواب السماء دونها، ثم تطرح طرحاً، نسأل الله السلامة والعافية.
стр. 42
دلالة حديث (من اشتكى منكم فليقل ربنا الله الذي في السماء) على إثبات العلو
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وروى أبو الدرداء ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من اشتكى منكم أو اشتكى أخ له فليقل: ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض، كما رحمتك في السماء، اغفر لنا حوبنا وخطايانا، أنت رب الطيبين، أنزل رحمة وشفاء من شفائك على هذا الوجع، فيبرأ).
رواه أبو القاسم الطبري في سننه].
هذا الحديث كما ذكر المؤلف ﵀ رواه أبو القاسم الطبري في شرح أصول اعتقاد أهل السنة، ورواه أبو داود في سننه، ورواه الإمام أحمد في مسنده، ورواه الدارمي في الرد على الجهمية، والبيهقي، والذهبي في العلو، والحديث ضعيف، ولكن المؤلف أورده لأن له شواهد، وكذلك أورده غيره من أهل العلم في إثبات العلو كهؤلاء الأئمة الذين رووه، واحتج به شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وغيره من أهل العلم، وهذا الحديث مشهور في رقية المريض، فيقال هكذا: (ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض كما رحمتك في السماء، اغفر لنا حوبنا وخطايانا، أنت رب الطيبين، أنزل رحمة وشفاء من شفائك على هذا الوجع؛ فيبرأ بإذن الله).
والشاهد قوله: (ربنا الله الذي في السماء) أي: في العلو، فأثبت أن الله في السماء.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي هذه المسألة أدلة من الكتاب والسنة يطول بذكرها الكتاب، ومنكِر أن يكون الله في جهة العلو -بعد هذه الآيات والأحاديث- مخالف لكتاب الله، منكِر لسنة رسول الله].
مسألة العلو ورد فيها أدلة كثيرة من الكتاب والسنة، وأفراد الأدلة على العلو تزيد على ثلاثة آلاف دليل، ولا يمكن حصرها، وكلها تدل على أن الله فوق المخلوقات وفوق العرش، وكل نص فيه أن الله استوى على العرش فهو دليل على ذلك، وكل نص فيه أن الله في السماء فهو دليل على العلو، وكل نص فيه الفوقية فهو دليل على العلو، وكذلك كل نص فيه العلو، كقوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وقوله: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨]، وكذلك كل نص فيه الصعود، كقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ﴾ [فاطر:١٠]، والصعود يكون من أسفل إلى أعلى، وهذا يدل على العلو، وكل نص فيه الرفع إلى الله يدل على العلو، وكل نص فيه النزول كقوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الزمر:١] يدل على العلو، وكل نص فيه السؤال عن الله بأين يدل على العلو، وهكذا، وكل نص فيه رفع الأصبع إلى السماء يدل على العلو، فهذه أنواع من الأدلة كثيرة لا حصر لها؛ ولذا قال المؤلف: (يطول بذكرها الكتاب)، يعني: هي كثيرة، لكن قد تحصر أنواع الأدلة مثلما ذكرت لكم، كنصوص الاستواء، ونصوص العلو، ونصوص الفوقية، ونصوص النزول، ونصوص الصعود وهكذا، وكل نوع تحته أدلة كثيرة، فمثلاً نجد تحت نصوص الاستواء سبعة أقوال من الأدلة، وأفرادها كما ذكر العلماء -كالعلامة ابن القيم وغيره- أنها تزيد على ثلاثة آلاف دليل.
قال المؤلف: (ومنكر أن يكون الله في جهة العلو -بعد هذه الآيات والأحاديث- مخالف لكتاب الله ومنكِر لسنة رسول الله) أي: أن الذي ينكر أن الله في العلو يكون مخالفاً لكتاب الله وسنة نبيه، وإذا كان جاحداً لهذه النصوص فإنه يكفر ويكون مرتداً، والعياذ بالله، أما إذا كان متأولاً فهذا قد لا يحكم عليه بالكفر؛ لأن هناك فرقاً بين الجاحد وبين المتأول، فالجاحد الذي أنكر كلام الله وجحده يكفر، فالذي يجحد قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] فقد كذَّب الله، ومن كذَّب الله فقد كفر، أما الذي يتأول هذه الآية، فيقول: معنى استوى: استولى، لا يكفر، فهناك فرق بين الجاحد وبين المتأول.
стр. 43
الآثار التي تدل على إثبات صفة العلو لله
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال مالك بن أنس: الله في السماء، وعلمه في كل مكان لا يخلو من علمه مكان].
المؤلف ﵀ استدل أيضاً بالآثار عن السلف التي تدل على ثبوت العلو، فاستدل بقول مالك: (الله في السماء وعلمه في كل مكان لا يخلو عن علمه مكان).
وهذا الأثر رواه الآجري في كتاب الشريعة وعبد الله بن أحمد في كتاب السنة واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة وابن قدامة في إثبات صفة العلو.
قوله: (الله في السماء) يعني: في العلو، وعلمه في كل مكان أي أن: علمه لا يخلو عن أي مكان، وأما هو سبحانه فهو فوق العرش.
قال: [وقال الشافعي: خلافة أبي بكر حق قضاها الله في سمائه، وجمع عليها قلوب أصحاب نبيه ﷺ ].
استدل المؤلف أيضاً بقول الشافعي ﵀، وهذا الأثر رواه ابن قدامة في صفة العلو، والشاهد قوله: (خلافة أبي بكر قضاها الله في سمائه) يعني: في علوه، فأثبت أن الله في السماء.
قال: [وقال عبد الله بن المبارك: نعرف ربنا فوق سبع سماوات بائناً من خلقه ولا نقول كما قالت الجهمية: إنه هاهنا! وأشار إلى الأرض].
عبد الله بن المبارك هو الإمام الورع الزاهد المشهور، وهذه المقالة التي قالها عبد الله بن المبارك رواها عبد الله بن أحمد في كتاب السنة والبخاري في خلق أفعال العباد والدارمي في الرد على الجهمية وفي الرد على بشر المريسي والبيهقي في الأسماء والصفات وابن قدامة في إثبات صفة العلو، وابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية.
يقول عبد الله بن المبارك: (نعرف ربنا فوق سبع سماوات).
هذا هو الشاهد من الأثر، فأثبت أن الله فوق سبع سماوات بائناً من خلقه، يعني: ليس مخالطاً للمخلوقات، فهو بائن منفصل عن مخلوقاته، فالمخلوقات نهايتها من جهة العلو العرش والله فوق العرش، وليس فوقه شيء من المخلوقات، يقول عبد الله بن المبارك: (ولا نقول كما قالت الجهمية: إنه هاهنا وأشار إلى الأرض).
فالجهمية يقولون: الله في كل مكان، في الأرض وفي السماء وفي كل مكان.
стр. 44
إثبات صفة الوجه لله
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ومن الصفات التي نطق بها القرآن وصحت بها الأخبار: الوجه، قال الله : ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨].
قال : ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧].
وروى أبو موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: (جنات الفردوس أربع: ثنتان من ذهب حليتهما وآنيتهما وما فيهما، وثنتان من فضة حليتهما وآنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن)].
من الصفات التي جاءت في القرآن العزيز وثبتت في السنة المطهرة: صفة الوجه لله ؛ ولهذا قال المؤلف: (ومن الصفات التي نطق بها القرآن) وهذا كقول الله تعالى: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ﴾ [الجاثية:٢٩] فنطق به القرآن، يعني: أثبتها الله تعالى في كتابه، قال: (وصحت بها الأخبار) أي: الأحاديث عن رسول الله ﷺ ، (الوجه) أي: صفة الوجه.
стр. 45
الأدلة على إثبات صفة الوجه من الكتاب
استدل المؤلف على ذلك بالأدلة من الكتاب العزيز ومن السنة المطهرة، قال الله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]، ففيها إثبات صفة الوجه.
وقال : ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧]، وأهل البدع ينكرون صفة الوجه لله من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة أيضاً، وصفة الوجه من الصفات الذاتية الثابتة لله ، والأشاعرة يتأولونها، فمنهم من يؤولها بالذات كما في تفسير الجلالين، ففيه: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن:٢٧] أي: ذاته، وقصده من ذلك تأويل صفة الوجه، والآية فيها إثبات الوجه والذات، وكذلك بعض الأشاعرة كـ الآمدي وغيره أولوا الوجه بالذات، وبعض الأشاعرة المحدثين -كـ البيهقي وغيره- فوضوا هذه الصفة، وكذلك ابن فورك والتفويض معناه: تفويض المعنى، فيقولون: لا نعلم معنى هذه الصفة فنفوضها إلى الله، وهذا باطل، قال بعض أهل العلم: إن التفويض شر من التعطيل، والمفوضة شر من المعطلة، فهم الذين لا يثبتون معاني الصفات فيقولون: لا ندري ما معنى الاستواء، وما معنى اليدين، وما معنى الوجه، فيتعاملون معها كأنها حروف أعجمية لم نفهم معناها! وهذا غلط؛ فإن الله أمر بتدبر القرآن كله، وليس آية دون أخرى، فقال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤]، وقال: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧].
وأهل الحق أثبتوا الصفات وأثبتوا معانيها وفوضوا الكيفية، فالكيفية لا يعلمها إلا الله كما قال الإمام مالك ﵀ عندما سئل عن الاستواء: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب.
فنحن نعرف معنى العلم وأنه ضد الجهل، ونعرف معنى السمع وأنه ضد الصمم، ونعرف معنى البصر وأنه ضد العمى، فنثبت المعاني، وابن فورك يقول: ما نعرف معنى البصر، ولا ندري معنى السمع، ولا ندري معنى العلم، فيفوض معاني الصفات، وهذا باطل، فالمعاني معلومة، وإنما الذي لا يعلم هو الكيف، فكيفية صفة السمع، وكيفية صفة الاستواء، وكيفية صفة الوجه لا يعلمها إلا الله، أما المعنى فهو معلوم، ولهذا قال المؤلف ﵀: (من الصفات التي نطق بها القرآن وصحت بها الأخبار: الوجه) واستدل بآيتين من كتاب الله، الآية الأولى: قول الله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] وفيه إثبات صفة الوجه.
стр. 46
الأدلة على إثبات صفة الوجه من السنة النبوية
واستدل من السنة بأدلة منها حديث أبي موسى الأشعري ﵁ الذي رواه الشيخان وغيرهما أن النبي ﷺ قال: (جنات الفردوس أربع: ثنتان من ذهب حليتهما وآنيتهما وما فيهما، وثنتان من فضة حليتهما وآنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن)، فقوله: (إلا رداء الكبرياء على وجهه) فيه إثبات الوجه، وفيه إثبات أن الله تعالى يُرى يوم القيامة، وفيه إثبات الكبرياء لله ، قال الله تعالى: ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الجاثية:٣٧]، فهذا الحديث فيه إثبات ثلاث صفات: صفة الوجه، وصفة الرؤية، وصفة الكبرياء.
والرؤية سيتكلم عليها المؤلف ﵀ بكلام خاص، فهي من الصفات التي اشتد النزاع فيها بين أهل السنة وبين أهل البدع.
قوله: (وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن) هذا خاص بالمؤمنين، فالمؤمنون يرون ربهم في الجنة، وفي موقف القيامة يرونه أيضاً، وأما غير المؤمنين فقد اختلف العلماء في رؤيتهم لله في موقف القيامة، فمن العلماء من قال: يراه أهل الموقف كلهم مؤمنهم وكافرهم ثم يحتجب عن الكفرة.
ومن العلماء من قال: إنه لا يراه إلا المؤمنون والمنافقون؛ لأن المنافقين كانوا مع المؤمنين في الدنيا، وجرت عليهم أحكام الإسلام، ويكونون معهم في الآخرة، ثم بعد ذلك ينفصل المؤمنون عن الكفار ويضرب بينهم بسور له باب.
وقال آخرون من أهل العلم: إنه لا يراه إلا المؤمنون وأما الكفار فإنهم يحجبون عن الله، قال الله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥].
والذين قالوا: إن الكفار يرونه يوم القيامة، قالوا: هذه الرؤية لا تفيدهم بل يزدادون بها عذاباً إذا حجبوا، مثل المسيء حينما يرى السلطان ثم يعاقبه فإنه لا يستفيد من هذه الرؤية إلا عقوبة.
وفيه إثبات الجنة وأن المؤمنين يتفاوتون في درجاتهم، فقوله: (جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما) هذا للمقربين السابقين، وقوله: (وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما) هذا لأصحاب اليمين كما قال الله تعالى في سورة الرحمن: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٤٦].
﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ [الرحمن:٤٨].
﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ﴾ [الرحمن:٥٠].
هذه للمقربين، ثم قال: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٦٢] هذه لأصحاب اليمين ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ [الرحمن:٦٤] فهي أربع جنات، والمؤمنون يتفاوتون في درجاتهم في الجنة على حسب أعمالهم.
وفيه الرد على من أنكر وجود الجنة والنار من الجهمية والمعتزلة، ويقولون: إنهما لا توجدان إلا يوم القيامة، وأما الآن فهما عدم، وهذا من أبطل الباطل، فالله تعالى أخبر أن الجنة موجودة، والنار أعدت للكافرين، ويفتح للمؤمن في قبره باب إلى الجنة يأتيه من روحها وطيبها، والكافر يفتح له باب من النار يأتيه من حرها وعذابها، وأرواح المؤمنين تنعم في الجنة، وأرواح الكفار تعذب في النار، وفي الجنة الولدان والحور، وقول المعتزلة من أبطل الباطل، وكذلك الجهمية يقولون: إن الجنة والنار تفنيان جميعاً، وهذا من أبطل الباطل.
قال المؤلف ﵀: [وروى أبو موسى قال: (قام فينا رسول الله ﷺ بأربع فقال: إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل، حجابه النار، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره، ثم قرأ: ﴿أََنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [النمل:٨]).
رواه مسلم].
هذا الحديث رواه الإمام مسلم كما قال المؤلف ﵀، ورواه أيضاً الإمام أحمد في مسنده وابن ماجة في سننه والبيهقي في الأسماء والصفات.
وفي لفظ لـ مسلم قال: (قام فينا رسول الله ﷺ بأربع كلمات، فقال: إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه)، ففيه أن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام؛ لأن النوم ضعف يحتاج إليه المخلوق الضعيف حتى يستريح، والله تعالى لا يتعب ولا يلحقه تعب، ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] .
قوله: (يخفض القسط ويرفعه) القسط هو العدل.
قوله: (يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه النار)، وفي لفظ: (حجابه النور)، (لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره)، وفي لفظ: (لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه، ثم قرأ: ﴿أََنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [النمل:٨]).
هذا الحديث استدل به المؤلف على إثبات صفة الوجه والشاهد من الحديث قوله: (لأحرقت سبحات وجهه) ففيه إثبات الوجه لله تعالى.
وفيه أن الله تعالى لا يراه أحد في الدنيا؛ لأنه احتجب عن خلقه بالنار أو بالنور، ولو كشف الحجاب لاحترق الخلق ولما استطاعوا أن يثبتوا لرؤية الله في الدنيا؛ ولهذا لما كلم الله موسى بدون واسطة من وراء حجاب طمع موسى ﵊ في الرؤية فقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف:١٤٣]، قال الله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] أي: لا تستطيع ولا تتحمل الرؤية، ولكن انظر إلى الجبل، وهو جبل صخر عظيم، قال: ﴿فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] أي: إن ثبت الجبل فأنت تستطيع أن تراني، وإلا فلا، فلما تجلى الله للجبل دُكَّ الجبل وساح وخر موسى صعقاً، أي: أغمي عليه، فلما أفاق موسى قال: سبحانك! تبت إليك وأنا أول المؤمنين بأنه لا يراك بشر في الدنيا إلا مات، ولا جبل إلا دُك؛ ولهذا كان الصواب أن نبينا ﷺ لم ير ربه في المعراج، وإنما كلمه الله من وراء حجاب، وفرض عليه الصلوات من وراء حجاب، ولا يستطيع أحد أن يرى الله في الدنيا لا من الأنبياء، ولا من الملائكة ولا من غيرهم، فقد احتجب الله من خلقه، بالنار أو النور، وجاء في آثار أنه احتجب من خلقه بنار ونور وظلمة وثلج، فلا يستطيع أحد أن يرى الله ولا يستطيع أحد أن يتحمل رؤية الله في الدنيا، ولو كشف الحجاب لاحترقوا، ولكن يوم القيامة ينشئ الله المؤمنين نشأة قوية يتحملون فيها رؤية الله، فينظر المؤمنون إلى ربهم يوم القيامة، فالمؤمنون ينشئون يوم القيامة نشأة قوية، فتتبدل الصفات والذات هي هي، الجسد هو الذي كان في الدنيا، يبلى كله في القبر إلا عجب الذنب، ثم يعيده الله إلى ما كان عليه، إلا أن الصفات تتبدل، فينشئ الله المؤمنين نشأة قوية يتحملون بها رؤية الله؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى:٥١]، ويدخل في هذا القول كل البشر، ومنهم النبي ﵊ فإنه بشر كلمه الله من وراء حجاب، وهذا هو الصواب.
وقال بعض أهل العلم: إن النبي ﷺ رأى ربه ليلة المعراج ببصره وهذا خطأ، والصواب: أنه رآه بقلبه ولم يره بعين بصره، وهذا ما عليه المحدثون والصحابة وغيرهم.
فهذا الحديث فيه تنزيه الله عن النوم، وفيه أن الله احتجب من خلقه بالنار أو بالنور، وفيه أن الله لا يراه أحد في الدنيا لقوله: (لأحرقت سبحات وجهه كل شيء).
ومحمد ﷺ شيء، وفي اللفظ الآخر: (ما انتهى إليه بصره من خلقه) أي: جميع الخلق، ومحمد ﷺ من الخلق، فلم ير ربه ليلة المعراج بعين رأسه وإنما رآه بعين قلبه، ولكنه سمع كلام الله من دون واسطة من وراء حجاب.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فهذه صفة ثابتة بنص الكتاب وخبر الصادق الأمين، فيجب الإقرار بها، والتسليم كسائر الصفات الثابتة بواضح الدلالات].
صفة الوجه صفة ثابتة بنص الكتاب كما قال الله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]، وبخبر الصادق الأمين؛ لذلك يجب التسليم والإقرار بها، ويجب على كل مسلم أن يقر بصفة وجه الله كسائر الصفات الثابتة، خلافاً لمن أنكر الصفات كالجهمية والمعتزلة، فقد قالوا: ليس لله وجه ولا علم ولا سمع ولا بصر، وخلاف الأشاعرة الذين تأولوها بالذات، وبعضهم فوضها كـ البيهقي.
стр. 47
الأسئلة
стр. 48
بيان صحة حديث العباس ومعنى الأوعال
السؤال
ما حال حديث العباس؟ وما معنى الأوعال؟
الجواب
هذا الحديث فيه ضعف؛ لأنه من رواية سماك عن عبد الله بن عذيرة، ولكن العلماء أوروده في كتبهم وحسنوه؛ لأن له شواهد، فقد احتج به الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم والإمام المصلح محمد بن عبد الوهاب وأبو داود وغيرهم.
ومعنى قوله: (وفوق ذلك أوعال)، أن الملائكة خلقهم الله على صفة الأوعال.
стр. 49
توضيح المسالك التي سلكها من أنكر الاستواء والعلو
السؤال
نرجو توضيح قولكم: الذين أنكروا الاستواء والعلو سلكوا مسلكين؟
الجواب
الذين أنكروا العلو والذين يقولون: إن الله ليس فوق السماوات وليس فوق العلو سلكوا أحد مسلكين في الرب ، فالجهمية طائفتان: الطائفة الأولى: أنكروا العلو وأن الله فوق المخلوقات وقالوا: إنه في كل مكان، وقالوا: إنه متحد بالمخلوقات في كل مكان، حتى في الحمامات وحتى في بطون السباع وأجواف الطيور، وفي كل مكان، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً! الطائفة الثانية: أنكروا أن الله فوق المخلوقات فقالوا: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوقه ولا تحته، ولا مبايناً له ولا مخالطاً له، ولا متصلاً به ولا منفصلاً عنه! قال العلماء: هذا وصف مستحيل، فالذين نفوا النقيضين أشد كفراً من الذين قالوا: إنه في كل مكان، وإن كان كل منهما كافر.
стр. 50
نسف حجة الأشاعرة في تأويلهم قوله: (استوى)
السؤال
يقول الأشاعرة: استوى بمعنى استولى ودليلهم قول الشاعر: قد استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق فبم يرد عليهم؟
الجواب
هذا قول باطل، فالاستواء معروف معناه في اللغة العربية كما قرر الأئمة، وهذا البيت الشعري لا يعرف له قائل، ولو عرف قائله فلا بد من سند متصل حتى يعرف من قائله، فحديث رسول الله ﷺ لا يقبل حتى يصح السند ويعدل الرواة، ويكون السند متصلاً متسلسلاً بالثقات من الراوي إلى النبي ﷺ ، فإذا كان السند منقطعاً أو كان الرواة غير عدول فلا يقبل، فكيف يقبل بيت لا يُعرف من قاله وليس له سند ولا خطام؟! وإن عرفنا قائله فقد خالف أهل اللغة في معنى الاستواء، فيكون شاذاً، فراوي الحديث إذا خالف من هو أوثق منه يكون الحديث ضعيفاً لشذوذه؛ لكونه خالف من هو أوثق منه، فلو فرضنا أن هذا القائل عربي فنقول: قوله شاذ، وهذا لو سلّمنا أن قائله معروف، فكيف وهو لا يعرف له قائل، وليس له خطام.
ثم أيضاً قد روي هذا البيت بلفظ: قد استولى بشر على العراق من غير سيف أو دم مهراق وهذه الرواية مقدمة على الرواية الأولى.
стр. 51
إثبات صفة الكتابة لله
السؤال
الله تعالى يوصف بصفة الكتابة كما ورد في قوله ﷺ : (إن الله تعالى كتب كتاباً)، وفي الحديث الآخر: (إنه أمر القلم أن يكتب)، فهل هناك فرق بينهما؟
الجواب
لا منافاة، أمر القلم عندما خلقه فقال له: اكتب، فجرى في تلك الساعة ما هو كائن إلى يوم القيامة، فالله تعالى أمر القلم أن يكتب والله كتب كما في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص الذي رواه مسلم: (إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء)، وهذا الحديث: (كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش)، وفي الأحاديث الأخرى أن الله خط التوراة بيده لموسى، فلا منافاة.
стр. 52
الرد على من استدل بحديث الجارية على أن الإيمان هو التصديق
السؤال
كيف نرد على من استدل بحديث الجارية على أن الإيمان مجرد التصديق؟
الجواب
لقد طعنوا -كما سبق- في هذه الجارية، فقالوا: إن الجارية أعجمية لا تفهم، وطعنوا في النبي فقالوا: إن الرسول سأل سؤالاً فاحشاً! فالإيمان قول وعمل، وليس فيه أن الجارية لم تكن تعمل شيئاً، إنما اختبرها النبي ﷺ ، ومعلوم أن التصديق يقتضي العمل، وليس في الحديث أن الجارية لم تكن تصلي ولا تصوم، وإنما سألها عما هو دليل على الإيمان ثم ذهبت.
стр. 53
بيان جواز إطلاق قول (ونطق بها كتابة)
السؤال
قول المؤلف: ونطق بها كتابه، هل هذا الأسلوب مقبول عند أهل السنة أن ينسب النطق للكتاب؟
الجواب
نعم هذا مقبول، فقد نص القرآن على ذلك بقوله: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الجاثية:٢٩]، فينبغي للإنسان أن يتأمل النصوص قبل أن يحكم عليها.
стр. 54
بيان جواز إطلاق ألفاظ (صعد) و (علا) و (ارتفع) على الله
السؤال
هل يوصف الله بصعد وعلا وارتفع؟
الجواب
نعم، فالسلف لهم أربع عبارات في تفسير استوى هي: استقر وعلا وصعد وارتفع، وهذا هو معنى الاستواء، فالله تعالى استوى بهذه المعاني الأربعة على عرشه استواء يليق بجلاله وعظمته.
стр. 55
إرشاد النساء إلى وجوب ستر أيديهن وأرجلهن
السؤال
نرجو من فضيلتكم تذكير الأخوات بأهمية الالتزام بتغطية جميع الجسد وخاصة الكفين والقدمين حيث يتساهل بعضهن في ذلك علماً بأنهن أولى بالتستر من غيرهن من عامة النساء.
الجواب
لا شك أن المرأة يجب عليها أن تستر جميع جسدها، فكلها عورة، فتستر يديها ورجليها وقدميها وشعرها ووجهها، فلا يجوز للمرأة أن تبدي يديها، فبعض النساء تبدي يديها للرجال عندما تخرج وتركب السيارة، فهذا حرام عليها؛ لأن اليدين عورة، فلا بد أن تخرج بالقفازين أو بالثوب الطويل، وكذلك الرجلان عورة فلا بد أن تسترهما إما بالجوارب أو بالثوب؛ ولهذا لما نهى النبي ﷺ عن الإسبال (قيل: يا رسول الله! المرأة تحتاج أن تسبل الثوب حتى تغطي قدميها، فقال: أرخي شبراً، قيل: يا رسول الله! إذاً تنكشف أقدامهن! قال: أرخيه ذراعاً ولا تزيدي على ذلك)، فدل على أن المرأة لابد أن تستر قدميها إما بالجوارب أو بالثوب، وتستر اليدين إما بالقفازين أو بالثوب، ولا يجوز للمرأة أن تبدي يديها أو أصابعها أو الذهب الذي في يديها فهذا حرام عليها، وبعض النساء تتساهل فتجدها عند صاحب الذهب تخرج يديها وعليها الذهب، وتخرج الساعدين، وتجدها في السيارة وفي الأسواق تخرج اليدين، وترى رجليها، فهذا حرام عليها، والواجب عليها التستر، فكلها عورة إلا وجهها في الصلاة إذا لم يكن عندها رجال أجانب، فإن كان عندها رجال أجانب فلا تكشفه.
стр. 56
بيان الفرق بين الكرسي والعرش
السؤال
هل هناك فرق بين الكرسي والعرش؟
الجواب
الكرسي غير العرش كما في الحديث: (ما السماوات السبع والأرضين السبع بالنسبة للكرسي إلا كحلقة ألقيت في فلاة من أرض، ونسبة الكرسي إلى العرش كحلقة ملقاة في فلاة من أرض)، فالعرش مخلوق عظيم، والكرسي مخلوق عظيم، وصح عن ابن عباس أنه قال: الكرسي موضع القدمين للرب ، والعرش لا يقدر قدره إلا الله، فالكرسي مخلوق عظيم أكبر من السماوات والأرض، ونسبة السماوات إليه كحلقة ألقيت في صحراء من الأرض، ونسبة الكرسي إلى العرش كذلك كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض، فالكرسي غير العرش، هذا هو الصواب.
وهناك قول أنهما شيء واحد وهذا قول ضعيف، وهناك من يقول: الكرسي هو العلم، وهذا قول باطل.
стр. 57
بيان عدم وجود المنافاة بين صفتي العلو والمعية
السؤال
هل نثبت صفتي العلو والمعية؟
الجواب
أهل السنة وأهل الحق كلهم يثبتون صفتي العلو والمعية، ولا منافاة ولا تناقض بينهما، خلافاً لأهل البدع الذين يبطلون صفة علو الله بالمعية، ويضربون النصوص بعضها ببعض، ويجعلون صفة المعية تنقض صفة العلو وتبطلها، وهذا من أبطل الباطل؛ لأنه ليس معنى المعية أن الله مشترك بالمخلوقات، وإنما المعية في لغة العرب هي مطلق المصاحبة، وهي تختلف باختلاف المتعلقات وما يتعلق بها، فتقول: فلان مع فلان، يعني: في الرأي، وإن كان هذا في المشرق وهذا في المغرب، وتقول: الأمير مع الجيش، والجيش في مكان والأمير في مكان، يعني: معه في الرأي والتسديد، ويقال: فلان معه زوجته وقد تكون في المشرق وهو في المغرب، يعني: عصمتها بيده؛ فالمعية لا تفيد الاختلاط وإنما معناها مطلق المصاحبة، وتفيد مع المصاحبة المقارنة في أمر من الأمور، وتقول العرب: ما زلنا نسير والقمر معنا، وهل أنت مختلط بالقمر؟ لا، لكن المعنى: ما زلنا نسير والقمر يسير، وتقول: المتاع معك وإن كان فوق رأسك.
فلا منافاة بين العلو والمعية، لكن أهل البدع ليسوا من أهل المعرفة، بل هم من أهل الجهل حيث جهلوا معنى المعية في اللغة وضربوا النصوص بعضها ببعض، وأبطلوا نصوص العلو والفوقية بنصوص المعية، وأما أهل السنة فآمنوا بالنصوص من الجانبين، وجمعوا بينهما جمعاً صحيحاً.
стр. 58
الفرق بين من يستشعر أن الله يراقبه في كل مكان وبين الذي يقول إن الله في كل مكان
السؤال
هل الذي يستشعر أن الله يراقبه في كل مكان، مثل الذي يقول: إن الله في كل مكان؟ الشيخ: لا، فالذي يقول: إن الله في كل مكان كافر، والذي يستشعر أن الله يراقبه في كل مكان محسن، ففي الحديث: (الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، وهذه هي المراقبة، وهي أن يراقب الله ويعبد على المشاهدة، فالله يراه، فيعبد الله على أنه يراه.
стр. 59
تعدي الاستواء بإلى وعلى وبالواو
السؤال
هي يتعدى الاستواء بالواو؟
الجواب
الاستواء يأتي متعدياً بإلى أو يأتي متعدياً بالمعية، وكل واحد منهما صحيح، فإذا جاء بالواو فتفيد المساواة كقولك: استوى الماء والخشبة، أي: أنه استوى الماء مع الخشبة، وهذا له معنى وذاك له معنى، أما إذا جاء متعدياً بعلى فهذا يكون في العلو والارتفاع كقوله تعالى: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ [الزخرف:١٣].
стр. 60
شرح الاقتصاد في الاعتقاد للمقدسي [٤]
من صفات الله التي أثبتها لنفسه وأثبتها له رسوله وسائر أهل السنة والجماعة صفة النزول، فإن الله تعالى ينزل نزولاً يليق بجلاله سبحانه، وهو ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، ولا يسأل عن كيفية نزوله تعالى، ومن سأل عن ذلك فهو مبتدع.
стр. 61
إثبات صفة النزول لله
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وتواترت الأخبار وصحت الآثار بأن الله ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، فيجب الإيمان به، والتسليم له، وترك الاعتراض عليه، وإمراره من غير تكييف ولا تمثيل ولا تأويل ولا تنزيه ينفي حقيقة النزول].
انتهى المؤلف من الكلام على إثبات صفة الوجه، وانتقل إلى إثبات صفة النزول، قال: (وتواترت الأخبار وصحت الآثار بأن الله ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا).
يقول المؤلف: إن صفة النزول ثابتة بالتواتر، والتواتر دليل قطعي، ودليل التواتر يقابل دليل الآحاد، فالأدلة نوعان: متواتر وآحاد، فالمتواتر هو الذي يرويه عدد كثير يستحيل اجتماعهم على الكذب من أول السند إلى آخره، ويكون مستنداً إلى شيء حسي أو إلى وحي السماء، وما دون ذلك فهو أخبار آحاد.
والآحاد أنواع، فقد يكون غريباً، وقد يكون عزيزاً، وقد يكون مشهوراً، فالغريب هو: الذي يرويه واحد عن واحد، والعزيز هو: الذي يرويه اثنان، والمشهور هو: الذي يرويه ثلاثة ما لم يصل إلى حد التواتر.
فالمؤلف يقول: إن صفة النزول ثابتة بالتواتر أي: بالنصوص المتواترة، فقد رويت عن جمع غفير من الصحابة، وصحت الآثار أن الله تعالى ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا نزولاً يليق بجلال الله وعظمته، فلا نكيفه؛ لأننا لا نعلم كيف يكون النزول.
فإذا قال قائل: كيف يكون النزول؟ فنقول كما قال الإمام مالك ﵀: النزول معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، فالنزول معناه معلوم في اللغة العربية، وأما كيفية النزول فلا ندري عنه، فلا نقول: يكون على كيفية كذا.
يقول المؤلف: (تواترت الأخبار وصحت الآثار بأن الله ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا)، وجاء في الأخبار المتواترة أنه ينزل في الثلث الأخير من الليل وفي بعضها: في الثلث الأول أو في النصف الأول، فيقول: (من يدعوني فأستجيب له؟ من يستغفرني فأغفر له؟ من يسألني فأعطيه؟ حتى يطلع الفجر).
فيجب على كل مؤمن الإيمان بصفة النزول والتسليم لله وترك الاعتراض، وإمرار هذه الصفة من غير تكييف ولا تمثيل فلا نكيف ولا نؤول، فلا نقول: ينزل على كيفية كذا، ولا نقول: ينزل كنزول المخلوق، ولا نؤول كما أول المبتدعة فقالوا: ينزل أمره أو ينزل ملك من ملائكته، فهذا تأويل باطل.
يقول المؤلف: ولا تنزيه ينفي حقيقة النزول، يشير إلى الرد على الذين أولوا صفة النزول بدعوى تنزيه الله فنفوا حقيقة هذه الصفة، وذلك أنهم يدعون أن الإثبات الحقيقي لهذه الصفة يتنافى مع التنزيه، ثم يقولون: التنزيه يقتضي نفي هذه الصفة، فنقول: هذا باطل، والمؤلف يقول: ولا تنزيه ينفي حقيقة النزول، فهذا التنزيه الذي ينفي حقيقة النزول باطل، والتنزيه الحقيقي هو إثبات الصفة على ما يليق بجلال الله وعظمته.
стр. 62
الأدلة على إثبات صفة النزول لله
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فروى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ حتى يطلع الفجر)، وفي لفظ: (ينزل الله .
ولا يصح حمله على نزول القدرة ولا الرحمة ولا نزول الملك].
هذا الحديث صحيح رواه الإمام مالك في موطئه، ورواه البخاري ﵀ في مواضع من صحيحه في كتاب التهجد وفي كتاب الدعوات وفي كتاب التوحيد باب قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ [الفتح:١٥]، ورواه الإمام مسلم في كتاب صلاة المسافرين، ورواه الإمام أحمد في مواضع من مسنده، ورواه أبو داود في سننه في كتاب السنة باب في الرد على الجهمية، ورواه الترمذي في كتاب الدعوات، ورواه ابن ماجة في كتاب الإقامة، ورواه غيرهم، وهو من الأحاديث المتواترة، وفيه: (إن الله تعالى ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ حتى يطلع الفجر)، ولا يتكلف الإنسان ويتحذلق مثلما يقول بعض الناس: إن الليل يختلف في الأماكن، فيكون في مكان ثلث الليل الآخر، ويكون في بلاد أخرى نهار أو صبح أو بعد الظهر، ثم يأتي ثلث الليل الآخر فلا يزال الرب ينزل، هكذا يفسر بعض الناس النزول، فالإشكال الذي في ذهنك الآن وقع بسبب التمثيل، فاترك التمثيل حتى يزول الإشكال، فنقول: إن الله ينزل ولا نعرف كيف، فلا نكيف، فهذا النزول يليق بجلال الله وعظمته، فلا نكيف ولا ندري ما الكيفية، فإذا كنت في أي مكان من أرض الله فإذا جاء ثلث الليل الآخر فهذا وقت التنزل لله، فتضرع إلى الله وادعه سبحانه.
يقول المؤلف ﵀: (ولا يصح حمله على نزول القدرة ولا الرحمة ولا نزول ملك).
هذا تأويل المتأولين، قال بعض المتأولين: ينزل الله أي قدرته، وبعضهم قال: تنزل الرحمة، وبعضهم يقول: ينزل ملك، وهذا من أبطل الباطل، فالرحمة نزولها في كل وقت، وليس نزولها مخصصاً في ثلث الليل، وكذلك الملك لا يقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟! من يستغفرني فأغفر له؟! هل يمكن لمخلوق أن يقول: من يدعوني فأستجيب له؟! من يستغفرني فأغفر له؟! من يسألني فأعطيه؟! لا يقول هذا إلا الله ، ومن هنا يعلم بطلان تأويل المبتدعة بأن نزول الله معناه نزول أمره أو نزول رحمته أو نزول ملك، هذا من أبطل الباطل.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [لما روى مسلم بإسناده عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: (ينزل الله إلى السماء الدنيا حين يمضي ثلث الليل فيقول: أنا الملك، أنا الملك، من ذا الذي يدعوني فأستجيب له؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له؟ حتى يضيء الفجر)].
هذه إحدى روايات الحديث عند الإمام مسلم، ورواه أيضاً الترمذي في سننه في كتاب الصلاة بلفظ: (حين يمضي ثلث الليل)، وفي بعضها: (حتى يمضي نصف الليل)، كما سيأتي في إحدى الروايات.
وسهيل بن أبي صالح هو ابن ذكوان السمان.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وروى رفاعة بن عرابة الجهني أن رسول الله ﷺ قال: (إذا مضى نصف الليل أو ثلث الليل ينزل الله إلى السماء الدنيا فيقول: لا أسأل عن عبادي أحداً غيري، من ذا الذي يستغفرني أغفر له؟ من ذا الذي يدعوني أستجيب له؟ من ذا الذي يسألني أعطيه؟ حتى ينفجر الصبح) رواه الإمام أحمد.
وهذان الحديثان يقطعان تأويل كل متأول، ويدحضان حجة كل مبطل].
هذا الحديث من حديث رفاعة بن عرابة، ويقال: عرادة الجهني، ويقال: إن عرادة اسم جده، والحديث رواه الإمام أحمد -كما قال المؤلف- في مسنده، ورواه ابن ماجة في سننه، ورواه الدارمي في الرد على الجهمية.
وذكر المؤلف ثلاث روايات في وقت النزول، حين يمضي ثلث الليل الأول، وحين يمضي نصف الليل الأول، وحين يمضي ثلث الليل الآخر، وأكثر الأحاديث وردت أنه حين يمضي ثلث الليل الآخر، والأحاديث المتواترة على هذا، ورواية النصف والثلث انفرد بها مسلم في بعض طرقه كما قال هذا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وأخبار النزول متواترة في الجملة، قال ابن عبد البر: إنه حديث كثير الطرق.
ولهذا اتفق السلف على إثبات صفة النزول لله على ما يليق بجلاله وعظمته، ونزوله سبحانه لا يشبه نزول المخلوق، فالله مستوٍ على عرشه كما أخبر عن نفسه وهو فوق المخلوقات وهو ينزل كل ليلة إلى الدنيا كما يليق بجلاله وعظمته من غير تكييف، وأئمة السنة كلهم أجمعوا على هذا، واستدلوا بالنصوص على أن الله ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا، وينزل عشية عرفة، وينزل يوم القيامة للفصل والقضاء، ولا منافاة بين نزوله واستوائه على عرشه؛ لأنه سبحانه ينزل نزولاً لا يشابه نزول المخلوقين، بل كما يليق بجلاله وعظمته ولا نعلم كيفيته، ولهذا قال الإمام محمد بن الحسين الآجري: الإيمان بهذا واجب، ولا يسع المسلم العاقل أن يقول: كيف ينزل؟ ولا يرد هذا إلا المعتزلة، وأما أهل الحق فيقولون: الإيمان به واجب بلا كيف؛ لأن الأخبار قد صحت عن رسول الله ﷺ : أن الله ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة، والذين نقلوا إلينا هذه الأخبار هم الذين نقلوا إلينا الأحكام من الحلال والحرام، فكيف تقبل الأخبار التي رووها في الحلال والحرام ولا تقبل الأحكام التي رووها في الصفات؟! وكما قبل العلماء منهم ذلك، قبلوا منهم هذه السنن، قال الآجري: إن من ردها فهو ضال خبيث، يحذرونه ويحذرون منه.
ومن الأئمة أبو بكر بن خزيمة ﵀ له كتاب التوحيد، وهو كتاب عظيم، ينقل عنه أهل الحق أهل السنة والجماعة، قال بعد أن ذكر هذه الأخطاء: نشهد شهادة مقر بلسانه، مصدق بقلبه، مستيقن بما في هذه الأخبار بنزول الرب بغير أن نصف الكيفية؛ لأن نبينا المصطفى لم يخبرنا كيفية نزول خالقنا إلى السماء الدنيا، وأعلمنا أنه ينزل، والله جل وعلا لم يترك ولا نبيه ﵊ بيان ما في المسلمين إليه حاجة من أمر ديننا، فنحن قائلون مصدقون بما في هذه الأخبار من ذكر النزول، غير متكلفين القول بصفته أو بصفة الكيفية، إذ النبي ﷺ لم يصف لنا كيفية النزول، وفي هذه الأخبار ما بان وثبت وصح أن الله جل وعلا فوق السماء الدنيا.
الذي أخبرنا به نبينا ﷺ : أنه ينزل إلينا، إذ محال في لغة العرب أن يقول: ينزل من أسفل إلى أعلى، ومفهوم الخطاب أن النزول من أعلى إلى أسفل.
وبهذا يتبين أن صفة النزول أجمع عليها أهل السنة والجماعة، وتواترت بها الأخبار عن رسول الله ﷺ .
وقوله: (وهذان الحديثان يقطعان تأويل كل متأول ويدحضان حجة كل مبطل).
أي يقطعان قول من يقول: إنه ينزل أمره أو وينزل ملك، لصراحتهما أن الله هو الذي ينزل بنفسه، وأنه قال: من يسألني؟ من يدعوني؟ من يستغفرني؟
стр. 63
رواة حديث النزول من الصحابة
قال المؤلف ﵀: [وروى حديث النزول علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وجبير بن مطعم وجابر بن عبد الله وأبو سعيد الخدري وعمرو بن عبسة وأبو الدرداء وعثمان بن أبي العاص ومعاذ بن جبل وأم سلمة زوج رسول الله ﷺ وخلق سواهم].
يبين المؤلف ﵀ أن روايات حديث النزول متواترة، فقد رواه جمع من الصحابة، منهم: علي بن أبي طالب أخرج روايته اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة، وابن ماجة مقيداً بليلة النصف من شعبان.
وعبد الله بن مسعود أخرج روايته الإمام أحمد في المسند والشريعة للآجري، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة.
وجبير بن مطعم؛ أخرج روايته في شرح أصول اعتقاد أهل السنة، والسنة لـ ابن أبي عاصم، ومسند الإمام أحمد، وسنن الدارمي والتوحيد لـ ابن خزيمة وجابر بن عبد الله أخرج روايته في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والتوحيد لـ ابن خزيمة، وأبو سعيد الخدري في شرح أصول اعتقاد أهل السنة، والسنة لـ ابن أبي عاصم وسنن الترمذي.
وعمرو بن عبسة بن خالد بن حذيفة: أخرج روايته الإمام أحمد في المسند، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة.
وأبو الدرداء؛ أخرج روايته ابن خزيمة في كتاب التوحيد، وفي شرح أصول اعتقاد أهل السنة.
وعثمان بن أبي العاص أخرج روايته البخاري في الكبير، والذهبي في سير أعلام النبلاء، والإمام أحمد في المسند، وابن خزيمة في التوحيد.
وعثمان بن أبي العاص أخرج روايته ابن أبي عاصم في السنة.
ومعاذ بن جبل، وروايته في شرح أصول اعتقاد أهل السنة.
وأم سلمة وروايتها في شرح أصول اعتقاد أهل السنة.
وبعض هذه الروايات قد يكون فيها ضعف، ومنها ما اتفق عليه الشيخان، ولكن مجموعها يشد بعضه بعضاً، ويقوي بعضها بعضاً، وتشهد لها الأحاديث الصحيحة.
وقد ذكر اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة: أن حديث النزول رواه عن النبي ﷺ عشرون نفساً، فهي لكثرتها بلغت حد التواتر، وهذه الروايات تجعل هذا الأمر من الأمور المسلمة المعلومة من الدين بالضرورة والتي لا يسع أحداً أن ينكرها ولا أن يكابر فيها إلا من غلب عليه الهوى، ومن كان إلهه هواه فلا حياة فيه.
стр. 64
الإيمان بصفة النزول من غير تكييف أو تشبيه وأقوال العلماء في ذلك
قال المؤلف ﵀: [ونحن مؤمنون بذلك مصدقون، من غير أن نصف له كيفية، أو نشبهه بنزول المخلوقين].
معنى كلام المؤلف: أننا معشر أهل السنة والجماعة مؤمنون بذلك، مصدقون بصفة النزول من غير أن نصف لها كيفية، فلا نقول: كيفيتها على كذا وكذا، أو مثل نزول المخلوق بل نقول: الله أعلم بالكيفية، ولا نشبه صفة النزول بنزول المخلوقين، ولا نكيفه، كأن نقول: إنه على كيفية كذا، فعلم الكيفية موكول إلى الله .
стр. 65
قول الإمام أبي حنيفة في صفة النزول
قال المؤلف ﵀: [وقد قال بعض العلماء: سئل أبو حنيفة عنه - يعني: عن النزول- فقال: ينزل بلا كيف].
بعد أن ذكر المؤلف ﵀ النصوص والأحاديث المتواترة أراد أن يذكر أقوال أهل العلم من أهل السنة والجماعة الذين أثبتوا هذا الشيء، فقال: سئل أبو حنيفة -وهو أحد الأئمة الأربعة- عن النزول، فقال: ينزل بلا كيف.
يعني: ينزل الرب بلا كيف -روى قول الإمام أبي حنيفة هذا البيهقي في الأسماء والصفات- فأثبت النزول بقوله: ينزل بلا كيف، وهذا هو قول أهل السنة والجماعة فلا يقولون: على كيفية كذا، أو يشبه نزوله نزول المخلوق؛ لأن الكيف منفي، ولا يعلمه إلا الله.
стр. 66
قول الإمام محمد بن الحسن في أحاديث صفة النزول
قال المؤلف ﵀: [وقال محمد بن الحسن الشيباني صاحبه: الأحاديث التي جاءت أن الله يهبط إلى سماء الدنيا، ونحو هذا من الأحاديث أن هذه الأحاديث قد روتها الثقات، فنحن نرويها، ونؤمن بها، ولا نفسرها].
هذا القول هو لـ محمد بن الحسن الشيباني، وهو الصاحب الثاني لـ أبي حنيفة، والصاحب الأكبر هو أبو يوسف.
يقول محمد بن الحسن: الأحاديث التي جاءت أن الله يهبط إلى سماء الدنيا ونحوها من الأحاديث قد روتها الثقات أي: الرواة الثقات، فنحن نرويها ونؤمن بها ولا نفسرها.
يعني: لا نفسرها تفسير الجهمية وغيرهم من أهل البدع الذين يؤولونها فيفسرون النزول بنزول الملك أو القدرة أو الرحمة، وقوله: (لا نفسرها) أي: لا نفسر الكيفية، وإنما نرويها ونؤمن بها ونصدق بها، ونكل علم الكيفية إلى الله .
стр. 67
رواية عبد الله بن أحمد عن الإمام أحمد في صفة النزول
قال المؤلف ﵀: [وروينا عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: كنت أنا وأبي عابرين في المسجد فسمع قاصاً يقص بحديث النزول فقال: إذا كان ليلة النصف من شعبان ينزل الله إلى سماء الدنيا، بلا زوال ولا انتقال، ولا تغير حال، فارتعد أبي ﵀ واصفر لونه، ولزم يدي، وأمسكته حتى سكن، ثم قال: قف بنا على هذا المتخوض، فلما حاذاه قال: يا هذا! رسول الله أغير على ربه منك، قل كما قال رسول الله ﷺ وانصرف].
هذه القصة رواها عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه، والقاص هو الواعظ، والغالب أن هؤلاء القصاص الذين يعظون الناس ليس عندهم علم، وإنما يعظونهم بالقصص والحكايات والأحاديث الضعيفة والموضوعة، فـ عبد الله بن أحمد مر مع أبيه في المسجد فسمعا واعظاً يتكلم في حديث النزول فقال: (إذا كان ليلة النصف من شعبان ينزل الله إلى سماء الدنيا بلا زوال ولا انتقال ولا تغير حال) قال عبد الله: (فارتعد أبي ﵀، واصفر لونه، ولزم يدي، وفي لفظ: وأمسك يدي) أي: تغير الإمام أحمد فاصفر لونه وارتعد، فأمسك ابنه عبد الله بيده حتى سكن، أي: هدأ ثم مشى حتى حاذى الواعظ فقال له: (يا هذا! رسول الله أغير منك على الله ، قل كما قال رسول الله وانصرف).
أي: فالرسول قال: (ينزل ربنا) ولم يقل: بلا زوال ولا انتقال ولا تغير حال، فهل أنت أغير على الله أم الرسول أغير منك؟ لا شك أن الرسول أغير، ومع ذلك لم يقل: ينزل بلا زوال ولا انتقال ولا تغير حال، فاحذر أن تتجاوز كلام الرسول ﵊.
قال المحقق في الحاشية: لم أجد هذه القصة.
стр. 68
رواية حنبل عن الإمام أحمد في صفة النزول
قال المؤلف ﵀: [قال حنبل قلت لـ أبي عبد الله - يعني: أحمد بن حنبل -: ينزل الله إلى سماء الدنيا، قلت: نزوله بعلمه أو بماذا؟ فقال لي: اسكت عن هذا ما لك ولهذا، أمض الحديث على ما روي بلا كيف ولا حد، على ما جاءت به الآثار، وبما جاء به الكتاب].
هذه القصة رواها اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة.
وحنبل السائل للإمام أحمد هذا هو حنبل بن إسحاق بن حنبل بن هلال بن أسد وكنيته أبو علي الشيباني، وهو ابن عم الإمام أحمد وتلميذه، قال الخطيب: كان ثقة ثبتاً.
يقول حنبل: قلت لـ أبي عبد الله - يعني: أحمد بن حنبل -: ينزل الله إلى السماء الدنيا، قلت: نزوله بعلمه أوبماذا؟ فأنكر علي الإمام أحمد وقال لي: اسكت عن هذا، لا تخض في مثل هذا، ما لك ولهذا، أمض الحديث على ما روي بلا كيف ولا حد، لا تزد عن الحديث، بل اقتصر على ما جاءت به الآثار، وبما جاء به الكتاب، يعني: بما جاء به الكتاب العزيز.
والمعنى: أن نصوص الصفات من الآيات والأحاديث نمضيها كما وردت، ونمرها كما جاءت، ولا نتأول تأويلاً ظاهر النصوص، بل نؤمن بها من غير تعرض للكيفية.
стр. 69
قول الإمام إسحاق بن راهويه في صفة النزول
قال المؤلف ﵀: [وقال إسحاق بن راهويه: قال لي الأمير عبد الله بن طاهر: يا أبا يعقوب! هذا الحديث الذي ترويه عن رسول الله ﷺ : (ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا) قال: قلت: أعز الله الأمير، لا يقال لأمر الرب : كيف؟ إنما ينزل بلا كيف.
ومن قال: يخلو العرش عند النزول أو لا يخلو فقد أتى بقول مبتدع، ورأي مخترع].
هذه المقالة هي للإمام إسحاق بن راهويه وهو إمام كبير من الحفاظ، وكنيته: أبو يعقوب الحنظلي، وهو من أئمة أهل السنة والجماعة، قال له الأمير عبد الله بن طاهر: وهذا اسمه عبد الله بن طاهر بن الحسين وكنيته أبو العباس، وهو أمير خرسان في زمانه، بل من أشهر الولاة في العصر العباسي، يقول الأمير لـ إسحاق بن راهويه يا أبا يعقوب! هذا الحديث الذي ترويه عن رسول الله ﷺ : (ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا) كيف ينزل؟ فتعجب الإمام من الأمير قال: قلت: أعز الله الأمير، لا يقال لأمر الرب كيف؟ إنما ينزل بلا كيف، هذا كلام الإمام رداً على الأمير.
قول الإمام: أعز الله الأمير، هذا دعاء له.
وقوله: لا يقال لأمر الرب كيف: إنما ينزل بلا كيف إلى هنا انتهى كلام الإمام إسحاق للأمير.
ثم بدأ المؤلف كلامه بقوله: (ومن قال يخلو العرش عند النزول أو لا يخلو فقد أتى بقول مبتدع، ورأي مخترع) إذاً: الحافظ عبد الغني يرى أنه لا يقال: (يخلو العرش من الرب) ويرى أن هذا من القول المبتدع فنقول: ينزل الرب، ولا نقول: يخلو العرش أو لا يخلو العرش.
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن للعلماء أقوالاً ثلاثة في هذه المسألة: القول الأول: أنه لا يخلو العرش عند نزوله، أي: أن الله ينزل إلى سماء الدنيا ولا يخلو منه العرش؛ لأن نصوص الفوقية والعلو محكمة وأما النزول فهو فعل يفعله والله أعلم بكيفيته.
القول الثاني: وهو الذي اختاره المؤلف أنه لا يقال: يخلو ولا يقال: لا يخلو، بل السكوت.
القول الثالث: أن يقال: يخلو منه العرش، وهذا أضعفها.
ثم ذكر شيخ الإسلام أن أصح هذه الأقوال هو القول الأول، وهو أن يقال: لا يخلو منه العرش.
وقال: منهم من ينكر أن يقال: يخلو منه العرش أو لا يخلو، ونقل هذا عن الحافظ عبد الغني المقدسي.
ومنهم من قال: بل يخلو منه العرش، وهذا أضعفها، وصنف ابن مندة في الإنكار على من قال: لا يخلو منه العرش، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لما ذكر الأقوال في هذه المسألة: القائلون بأنه يخلو منه العرش طائفة قليلة من أهل الحديث، وجمهورهم على أنه لا يخلو منه العرش، وهو المأثور عن الأئمة المعروفين بالسنة، ولم ينقل عن أحد منهم بإسناد صحيح ولا ضعيف أن العرش يخلو منه.
إذاً: شيخ الإسلام يبين أن قول جمهور المحدثين: أنه لا يخلو منه العرش، وأن هناك طائفة قليلة تقول: بأنه يخلو منه العرش، والقول الثالث: أنه لا يقال: يخلو ولا يخلو، كما اختاره الحافظ عبد الغني وغيره، قالوا: إن القول: بأنه يخلو أو لا يخلو قول مبتدع، وبهذا يتبين أن جمهور المحدثين على أنه لا يخلو منه العرش.
стр. 70
الأسئلة
стр. 71
منهجية الحافظ المقدسي في تخريج الأحاديث في هذا الكتاب
السؤال
هناك قاعدة للمصنف بالنسبة لتخريج الأحاديث، وهي: أنه إذا لم يخرج الحديث فهذا معناه: أن الحديث متفق عليه هل هذه القاعدة مطردة؟
الجواب
قد يكون هذا اصطلاحاً له، وقد لا يكون، لكن هل هي مطردة؟ قد توجد بعض الأحاديث لا يعزوها، ولا تكون مما اتفق عليه، يعني: كأن المصنف أخذ على نفسه أنه إذا سكت عن الحديث فمعناه أنه رواه الشيخان، لكن أحياناً قد يكون رواه أحدهما، أو لم يروه الشيخان؛ لأن الإنسان بشر قد يخطئ، لكن إن كان مثل هذا قاعدة للمصنف ففي الغالب أنه ينص على ذلك في المقدمة، ولكن قد يوجد خلاف هذا على قلة.
стр. 72
الحض على قيام الليل
السؤال
نرجو من فضيلتكم توضيح الفائدة التربوية من إثبات صفة النزول، خصوصاً أن الحضور من طلاب العلم يحتاجون إلى البناء الإيماني، ومنه قيام الليل، الذي هو دأب الأنبياء والصالحين؟
الجواب
لا شك أن المؤمن يستفيد من هذه الأحاديث -كحديث النزول- فإن الله يستجيب الدعاء في ثلث الليل الآخر، ولهذا يقول العلماء: إنه وقت التنزل الإلهي فإن هذا الوقت وقت شريف، ونصف الليل الثاني أفضل من نصف الليل الأول، وثبت في الأحاديث الصحيحة أن النبي ﷺ أوتر أول الليل، وأوتر أوسطه، ثم انتهى به الوتر إلى السحر.
وجاء في حديث عائشة: (أن النبي ﷺ كان يقوم ثلث الليل الآخر) وجاء في الصحيح: (أن النبي ﷺ كان ينام إذا صلى العشاء، فإذا انتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل قام ﵊ يصلي) وجاء في الحديث الآخر: (أحب الصلاة إلى الله صلاة داود، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه)، وكان داود ﵊ ينام النصف الأول، ثم يقوم السدس الرابع والسدس الخامس، ثم ينام السدس السادس، حتى يستعين بها على أعمال النهار، أي: هذه النومة في السدس الأخير؛ لأنه كان ملكاً حاكماً، يحكم بين الناس كما قال تعالى عنه: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص:٢٦].
وقد ثبت في الحديث: (أن النبي ﷺ كان يقوم السدس الخامس والسادس) وبهذا يتبين أن النصف الأخير هو أفضل الليل، ويشمل السدس الرابع والخامس والسادس، وأما النصف الأول فكان ينامه داود ﵊، وينامه نبينا ﷺ ، فيكون النصف الأخير وهو النصف الثاني بأسداسه الثلاثة هو أفضل الليل، فالسدس الرابع والخامس يقومه داود، والسدس الخامس والسادس يقومه نبينا ﵊.
فينبغي للمسلم ولاسيما طالب العلم أن يكون له نصيب من هذا الوقت العظيم الثمين، وقت التنزل الإلهي، فالرب ينزل ويقول: (من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ حتى يطلع الفجر)، وهذا يدلنا أن هذا وقت عظيم وثمين، ولو أنه وقت قصير، لكن ينبغي أن يكون المسلم في هذا الوقت من الذاكرين الله كثيراً، ومن المستغفرين بالأسحار، ومن المستيقظين لا النائمين، وفي الحديث أن النبي ﷺ : (قيل له: إن رجلاً قد نام حتى طلع الفجر، قال: ذاك رجل قد بال الشيطان في أذنه)، رواه البخاري في الصحيح.
قيل: نام عن ورده من الليل، وقيل: نام ولم يصل شيئاً، أو نام عن صلاة العشاء، فينبغي للمسلم وخصوصاً طالب العلم أن يستفيد من أحاديث النزول والتنزل الإلهي؛ لأن الرب ينزل في هذا الوقت الشريف ويقول: (من يدعوني؟ من يسألني؟ من يستغفرني؟) فينبغي أن يكون الإنسان في هذا الوقت من الداعين والساعين والمستغفرين.
стр. 73
معنى (سبحات وجهه)
السؤال
ما معنى قوله: (سبحات وجهه)؟
الجواب
ذكر بعضهم كـ السفاريني وغيره بأن المقصود بـ (سبحات وجهه) بأنوار بصره والله أعلم.
стр. 74
معنى قوله: (لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه)
السؤال
ألا يحتج أهل البدع بقوله: (أحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره) على أن الله ينتهي بصره، وأنه لا يحيط بصره بكل شيء، كيف يرد عليهم؟
الجواب
هذا كلام باطل، معنى: (لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) يعني: إحاطة بهم، أي: بصره يحيط بالخلق جميعاً، ولو كشفها لأحرقت سبحات وجهه جميع الخلق؛ لأن الله تعالى يدرك جميع الخلق.
стр. 75
حكم الدعاء بصفات الله دون أسمائه
السؤال
هل يجوز أن يدعو المسلم بصفة من صفات الله، كقوله: يا وجه الله؟
الجواب
هذا لا يجوز، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن دعاء الصفة ردة عن الإسلام، فلا يجوز أن يقول: يا وجه الله! أو يقول: يا رحمة الله ارحميني، أو يا قدرة الله أنقذيني، أو يا وجه الله أعطني كذا وكذا، هذا لا يجوز، وهو حرام وبدعة، حتى قال شيخ الإسلام: إنه كفر، قال ذلك حين رد على البكري، وذلك لأن الله تعالى بذاته وأسمائه وصفاته هو الخالق، فلا تنادى الصفة وحدها، لكن ورد الاستعاذة بالصفة عن النبي ﷺ كقوله: (أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر) وكذلك ورد القسم بالصفة (وعزة الله) كما في الحديث: (وعزتك لا أسألك غير هذا)، وقاله إبليس كما قال الله عنه: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص:٨٢]؛ هذا لا بأس به؛ لأنه يخاطب الله، أما نداء الصفة وحدها فلا يجوز، وبعض العامة يقول: يا وجه الله أنقذني، فهذا ما ينبغي، ويجب الإنكار على مثل هذا، ويعرَّف أنه لا يجوز أن يقول: يا وجه الله أنقذني ونحوه، وهذا معروف عند أهل البادية وعند بعض العامة.
والبعض يقول: اللهم إني أسألك بعلوك فوق خلقك، فنقول: ينبغي للإنسان أن يسأل بالأسئلة الشرعية المعروفة كأن يقول: أسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى.
следующие страницы →