Полный текст (238 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
معنى المهيمن وبيان أن صفة الهيمنة ليست صفة الاستيلاء
السؤال
ما معنى المهيمن؟ وما رأيكم في قول القائل: إن صفة الهيمنة هي صفة الاستيلاء؟
الجواب
معنى المهيمن: المحيط بعباده وليس معناها أنه كان عاجزاً ثم غلب.
стр. 177
حكم حج من عليه دين
السؤال
هل يجوز الحج لمن عليه دين ولم يستطع قضاءه؟ وهل يجوز له أن يتصدق بشيء يسير؟
الجواب
إذا كان عليه دين حال فيجب عليه أن يقضي الدين ثم يحج إن كان في ماله سعة، وأما إذا كان الدين غير حال وهو يستطيع الوفاء فلا بأس، وأما إذا كان الدين حالاً وهو لا يستطيع أن يحج، أي: إما أن يقضي دينه وإما أن يحج؛ فإن الدين مقدم.
стр. 178
مدى إمكانية فهم التفويض من كلام الشيباني في أحاديث الصفات
السؤال
هل يفهم من كلام الشيباني ﵀ التفويض عندما قال: إن هذه الأحاديث قد روتها الثقات فنحن نرويها ونؤمن بها ولا نفسرها؟
الجواب
لا يحمل كلامه على التفويض، وإنما الجهمية هم من فهمها وفسرها بالتفويض.
أما نحن فلا نفسرها تفسير أهل البدع، ونحسن الظن بأهل العلم.
стр. 179
افتخار زينب بنت جحش بتزويج الله لها بنبيه ﷺ من فوق سبع سماوات
السؤال
ورد عن أنس بن مالك ﵁: كانت زينب بنت جحش تفخر على أزواج النبي ﷺ فتقول: زوجكن أهاليكن وزوجني الله من فوق سبع سماوات.
فهل يجوز الفخر بمثل هذه الأمور؟
الجواب
نعم، وهذه منقبة ومزية خصها الله بها، ولهذا ما أنكر عليها الصحابة ولا أنكر عليها زوجها النبي ﷺ .
стр. 180
الحكم على أثر ابن عباس في نزول القرآن جملة إلى بيت العزة
السؤال
ما صحة الأثر المروي عن ابن عباس ﵁: أن القرآن نزل جملة واحدة إلى بيت العزة ثم نزل بعد ذلك منجماً حسب الوقائع؟ وهل فيه تأييد لقول الأشاعرة بأن جبريل أخذ القرآن من اللوح المحفوظ.
فقد سمعنا من ينكر هذا الأثر لهذه الشبهة؟
الجواب
هذا مروي عن ابن عباس وسنده لا بأس به، وعلى القول بصحته فلا منافاة، فقد نزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة، وتكلم الله به وأنزله على نبينا ﷺ مفرقاً على حسب الوقائع.
стр. 181
معنى قول السلف (كلام الله قديم النوع متجدد الآحاد)
السؤال
ما معنى قولهم: القرآن قديم النوع متجدد الآحاد؟
الجواب
الصحيح أن كلام الله تعالى عموماً قديم النوع متجدد الآحاد، وليس ذلك خاصاً بالقرآن، والقرآن هو من كلام الله تعالى.
والمعنى: أن نوع الكلام قديم، وأما أفراده فمتجددة حادثة، قال الله تعالى لم يزل متكلماً، وهذه صفته، فيتكلم متى شاء أن يتكلم، وأفراد كلامه تعالى حادثة، فقد كلم الله موسى، وكلم الله محمداً ﷺ في المعراج، ويكلم الله الناس يوم القيامة، وفي الحديث: (أن الله تعالى ينادي يوم القيامة: يا آدم.
فيقول: لبيك وسعديك.
فيقول: أخرج بعث النار) فهذه جملة من أفراد الكلام المتجدد الحادث.
стр. 182
حكم دخول المسابقات القرآنية لأخذ المال
السؤال
ما حكم دخول المسابقات في القرآن بنية أخذ المال؟
الجواب
إذا كان أخذ المال مقابل التلاوة فلا يجوز، لأن التلاوة من العبادات، والعبادات لا يؤخذ عليها أجرة، ولا يجوز الاستئجار عليها، ففي الحديث: (واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً) فلو قال رجل لرجل: اقرأ جزءاً أو المصحف وأعطيك كذا من المال فإن ذلك لا يجوز.
أما إذا كان بيت المال يعطي أرزاقاً ومرتبات للمؤذنين وللأئمة وللقارئين والمقرئين والمتعلمين، أو يعطيهم إعانات من دون استئجار ومشارطة فلا بأس بذلك، وبيت المال لا بد له من أن يقوم بكفالة المؤذنين والأئمة والقضاة والمدرسين والدعاة، وتجوز إعانة الحافظ لتشجيعه على حفظ القرآن بدون شرط.
وقد سئل الإمام أحمد ﵀ عن رجل يقول: أصلي بكم رمضان بكذا وكذا درهم.
فقال: أسأل الله العافية، لا تصلِّ خلف هذا.
وكذلك الحج، فلا يجوز أخذ المال عليه إلا للتوصل به إلى طاعة الله تعالى، ولهذا فرق العلماء بين من أخذ المال ليحج ومن حج لأمر آخر، فمن لم يحج إلا من أجل المال فهذا هو الذي يقول فيه شيخ الإسلام: يخشى أن يكون داخلاً في قول الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ﴾ [هود:١٥ - ١٦].
وأما من أخذ المال ليتوصل به إلى الحج فإن فعله جائز، وعليه أن يرد الباقي؛ لأنه ليس مقصوده المال، فيرد الباقي لصاحبه إلا إذا سمح له وأعطاه فلا بأس.
وبهذا يتبين أن الاستئجار على نفس التلاوة لا يجوز، أما إذا أعطي من بيت المال إعانة من غير شرط فلا بأس بذلك، وهذا ليس خاصاً بالتلاوة، بل يدخل فيه الإمامة والأذان ونحوهما من العبادات.
وبعض العلماء قالوا: إذا تعطل فلا بأس بالاستئجار للضرورة، وإلا فالأصل المنع.
стр. 183
تكلم الله تعالى بالتوراة وبيان دلالة خط الله تعالى لها بيده
السؤال
هل التوراة مخلوقة أم هي كلام الله؟ وإذا كانت كلام الله فكيف قال آدم لموسى ﵇ في الحديث: (وخطَّ لك التوراة بيده)؟
الجواب
كتب الله كلها منزلة، وهي كلام الله، فالتوراة والإنجيل والزبور والقرآن كلها كلام الله، ولا يقال: مخلوقة، وقوله: (خط لك التوراة بيده) لا يدل على أنها مخلوقة، فهي كتابة الله تعالى، والله تعالى يوصف بالكتابة، كما في الحديث: (كتب في كتابه فهو عنده) والكتابة تشمل خط التوراة بيده أيضاً، ولا تستلزم الخلق.
стр. 184
وقت أداء تحية المسجد وما يفعله من نسيها
السؤال
هل لي أن أؤخر تحية المسجد إلى حين انتهاء الدرس علماً بأني آتي في بدايته، وهل أقضي التحية إذا نسيتها؟
الجواب
تحية المسجد هي عند الدخول، وإذا جلس ولم يصلها فلا حرج، فهي مستحبة، ورأى بعض الظاهرية أنها واجبة، وأما عند نسيانها فيؤتى بها حال ذكرها.
стр. 185
حكم المتوقف في كون القرآن مخلوقاً أو غير مخلوق
السؤال
هل يكفر من يقول: القرآن كلام الله لا أقول: مخلوق أو غير مخلوق؟
الجواب
قال العلماء: هذا متوقف، ومن قال كذلك فقد كفر، ومثله قول أبي حنيفة: من لم يقل: إن الله فوق السماء: فهو كافر، ومن قال لا أدري الله في السماء أو في الأرض.
فهو كافر.
والمقصود: أن من أنكر العلو فهو كافر، ومن قال: إن القرآن مخلوق أو توقف فهو كافر، نعوذ بالله، فلابد من أن يجزم بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، ولا يتوقف.
стр. 186
حكم الذهاب إلى المزينة
السؤال
ما حكم الذهاب إلى المزينة إذا كانت تعرف بالأخلاق الطيبة؟
الجواب
أنصح بأن لا تذهب المرأة إليها، ولا ينبغي أن تخرج المرأة من بيتها إلا لحاجة، وهذه ليست من الحاجات، فتكتفي بما تعمله في بيتها؛ إذ يخشى عليها من الخروج بدون حاجة، ثم إنها لابد لها من أن تتكلف، وقد تتجاوز في بعض الأشياء، وتعمل بعض الأشياء الممنوعة، ثم إنها تدرب وتشجع غيرها على الذهاب إلى المحلات ويراها من يراها من الرجال، وقد تتهم، وقد يتعرض لها بعض الفساق، فنصيحتي لها أن لا تذهب إليها، ولا يجوز لها أن تكشف عورتها عند هذه المزينة.
стр. 187
ضابط تكفير المعين
السؤال
ما هو الضابط في تكفير المعين؟
الجواب
الضابط أنه لا يكفر إلا بعد التبيان والتوضيح بالدليل من كتاب أو سنة أو إجماع، وأن يبين له أن هذا كفر وأنه يجب عليه الرجوع، وتكشف الشبهة إن كان عنده شبهة، فإن رجع وإلا حكم عليه بالكفر.
стр. 188
حكم المزاحمة في الصفوف وحكم حجز الأماكن في الصف
السؤال
هل تجوز مزاحمة أصحاب الصف الأول حتى يذهب الخشوع؟ وهل يجوز حجز الأماكن في الصفوف، إذ إن بعضهم يغيب طويلاً ويترك المكان محجوزاً؟
الجواب
ينبغي للإنسان أن يأتي بهدوء وأدب وبدون إيذاء، ويصلي حيث ينتهي به المكان، ولا يزاحم غيره حتى لا يتمكن من الركوع أو السجود ويذهب الخشوع.
وأما الحجز فيجوز كأن يتكئ على عمود، أو يحجز مكاناً في المسجد ثم يذهب ليتوضأ أو لحاجة قريبة، وأما لساعات طويلة فلا.
стр. 189
شرح الاقتصاد في الاعتقاد للمقدسي [٩]
الإيمان بالقدر خيره وشره واجب بالكتاب والسنة وإجماع أهل السنة والجماعة، وقد ضلت طوائف في الإيمان بالقدر، فمنهم من يعتقد أنه لا قدر وأن الأمر أنف، وأن الله لا يعلم بالشيء إلا بعد وقوعه، ومنهم من اعتقد أن الإنسان هو الذي يخلق فعله، ومنهم من اعتقد أن العبد مجبور على فعله وأنه لا اختيار له ولا مشيئة.
وهؤلاء كلهم على خطر عظيم وعلى شفا جرف هار.
стр. 190
إجماع السلف على الإيمان بالقدر بمراتبه الأربعة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأجمع أئمة السلف من أهل الإسلام على الإيمان بالقدر خيره وشره، حلوه ومره، قليله وكثيرة، بقضاء الله وقدره، لا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يجري خير وشر إلا بمشيئته، خلق من شاء للسعادة واستعمله بها فضلاً، وخلق من أراد للشقاء واستعمله به عدلاً، فهو سر استأثر به، وعلم حجبه عن خلقه، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، قال الله : ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ﴾ [الأعراف:١٧٩].
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة:١٣].
وقال : ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩]].
انتقل المؤلف ﵀ إلى مبحث القضاء والقدر وقال: وأجمع أئمة السلف من أهل الإسلام على الإيمان بالقدر خيره وشره، وأمر الله تعالى به في كتابه، فالإيمان بالقدر واجب بالكتاب والسنة والإجماع، قال الله تعالى في كتابه العظيم: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩].
وقال سبحانه: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان:٢].
وفي السنة المطهرة في حديث جبرائيل المشهور: لما سأل النبي ﷺ عن الإيمان؟ فقال: (الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره).
والإجماع: أجمع أئمة السلف من أهل الإسلام على الإيمان بالقدر.
فإذاً الإيمان بالقدر واجب بالكتاب والسنة والإجماع.
стр. 191
مراتب القدر
الإيمان بالقدر له أربع مراتب لا بد من الإيمان بها، ومن لم يؤمن بهذه المراتب لم يؤمن بالقدر.
المرتبة الأولى: العلم الشامل لكل شيء، للماضي والحاضر والمستقبل، والمستحيل أيضاً، فالله تعالى يعلم بما كان في الماضي، ويعلم ما يكون في المستقبل والحاضر، ويعلم ما لم يكن لو كان كيف يكون، قال الله تعالى عن الكفار: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال:٢٣] فدل على أن الله ما أسمعهم الآن، لكن أخبر عن علم فقال: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال:٢٣].
وقال سبحانه عن الكفار لما طلبوا الإعادة إلى دار الدنيا: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام:٢٨] وهم لا يمكن أن يردوا.
وقال عن المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ﴾ [التوبة:٤٦] أي: المنافقون.
﴿لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ * لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ [التوبة:٤٦ - ٤٧] فمع أنهم لم يخرجوا ولكن علم الله حالهم فقال: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [التوبة:٤٧] فهذه المرتبة الأولى وهي: العلم.
المرتبة الثانية: الكتابة، وهو الإيمان بأن الله كتب كل شيء في اللوح المحفوظ، فكل ما يكون من الذوات، والصفات، والأقوال، والأفعال، والحركات، والسكنات، والرطب، واليابس مكتوب، قال الله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩].
وقال سبحانه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد:٢٢].
وقال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ [الحج:٧٠] وهو اللوح المحفوظ، وهذه الآية فيها إثبات العلم وإثبات الكتابة.
وقال سبحانه: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس:١٢] وهو اللوح المحفوظ.
وقال سبحانه: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩].
وثبت في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ أن النبي ﷺ قال: (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء).
وهذا يدل على أن كتابة المقادير سابقة لخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة.
وقال ﵊: (أول ما خلق الله القلم قال له: اكتب، قال: يا رب وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة)، وفي لفظ: (فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة).
فهاتان مرتبتان لا بد من الإيمان بها.
المرتبة الثالثة: الإرادة والمشيئة، وهو: أن كل شيء يقع في هذا الوجود لا بد أن تسبق وجوده مشيئة الله وإرادته؛ إذ لا يمكن أن يقع في الكون إلا ما شاءه الله وأراده .
المرتبة الرابعة: الخلق والإيجاد، وهو الإيمان بأن الله تعالى خلق وأوجد كل شيء في هذا الكون، وكل شيء في هذا الكون خلقه الله وأوجده قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩].
﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان:٢].
﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد:١٦].
فهذه مراتب القدر الأربع، ومن لم يؤمن بها لم يؤمن بالقدر، وأهل السنة والجماعة آمنوا بهذه المراتب الأربع.
стр. 192
الطوائف المنكرة للقدر
والقدرية طائفتان: الطائفة الأولى: القدرية الأولى الذين أنكروا المرتبتين الأوليين: العلم، والكتابة، وهؤلاء كفار؛ لأن من أنكر العلم نسب الله للجهل وهذا كفر، فمن أنكر علم الله السابق وكتابته للمقادير فهو كافر، وهؤلاء وجدوا في أواخر عهد الصحابة، وهم الذين خرجوا في البصرة وقالوا: إن الأمر مستأنف وجديد، فأنكر عليهم التابعين من علماء البصرة، ومنهم حميد بن عبد الرحمن الحميري، فخرج مرة ومعه صاحب له في حج أو عمرة وقالوا: لو وفق لنا بعض أصحاب النبي ﷺ نسأله، قالوا: فوفق لنا عبد الله بن عمر فسألناه وقلنا: يا أبا عبد الرحمن! إنه ظهر قبلنا قوم يتقفرون العلم -أي: يعرفونه- ويزعمون أن الأمر أنف، يعني: مستأنف وجديد وما سبق به تقدير الله، فقال: أخبر هؤلاء أني منهم بريء وأنهم براء مني، والله لو كان لأحدهم مثل أحد ذهباً ثم أنفقه في سبيل الله ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر.
ثم روى عن أبيه عمر بن الخطاب أن النبي ﷺ سأله جبرائيل عن الإيمان؟ فقال: (الإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته، وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره).
فهؤلاء القدرية الذين أنكروا العلم والكتابة كفار؛ لأنهم نسبوا الله للجهل، وقد انقرضوا، وهؤلاء هم الذين قال فيهم الإمام الشافعي ﵀ وغيره: ناظروا القدرية بالعلم فإن أقروا به خصموا، وإن أنكروه كفروا.
الطائفة الثانية: عامة القدرية المتأخرين الذين أثبتوا العلم والكتابة، ولكنهم أنكروا عموم المشيئة وعموم الخلق، فلم ينكروا المشيئة والخلق بالكلية، وإنما أنكروا عموم المشيئة وعموم الخلق، فقالوا: إن الله علم الأشياء وكتبها، وشاء كل شيء إلا أفعال العباد فلم يشأها من خير أو شر، من طاعة أو معصية، فالله خلق كل شيء إلا أفعال العباد فلم يخلقها خيراً أو شراً؛ لشبهة حصلت لهم، ولهذا يدرأ عنهم التكفير، وشبهتهم أنهم قالوا: لو قلنا: إن الله قدر المعاصي، وخلقها وعذب عليها لكان ظالماً، ففراراً من ذلك قالوا: إن العباد هم الذين خلقوا أفعالهم استقلالاً من دون الله ، وهم الذين شاءوا أفعالهم، فهم الذين خلقوا الطاعات والمعاصي حتى يستحقوا الثواب على الطاعات، ويستحقوا العقوبة على المعاصي، لكن يقال لهم: أنتم فررتم من شيء ووقعتم في شر مما فررتم إليه، أنتم فررتم إلى القول بأن الله خلق المعاصي وعذب عليها، لكن وقعتم في شر مما فررتم منه، فيلزم على مذهبكم أنه يقع في ملكه ما لا يريد، ومعناه: وقوع المعاصي والطاعات بدون إرادة الله، وهذا أمر عظيم، وكذلك أيضاً: يلزم على مذهبكم أن مشيئة العاصي والكافر تغلب مشيئة الله؛ لأن على مذهبكم أن الله شاء الطاعة من العبد، والعبد شاء المعصية، فوقعت مشيئة العبد ولم تقع مشيئة الله، وهذا أمر عظيم.
أما القول بأن الله خلق المعصية وعذب عليها، فليس فيه نسبة الظلم إلى الله؛ لأن الذي ينسب إلى الله الخلق والإيجاد، والخلق والإيجاد مبني على الحكمة، والذي ينسب إلى العبد المباشرة والتسبق والفعل فيعذب على الفعل، وأما كون الله خلقها، فإنه خلقها لحكمة، ولهذا فإنك إذا نسبتها إلى الله لا تكون شراً؛ لأنه خلقها لحكمة، وإذا نسبتها إلى العبد فهي شر؛ لأنه باشرها وكسبها فساءته وضرته وعذب عليها، وهذا هو معنى قول النبي ﷺ : (والشر ليس إليك).
يعني: الشر المحض الذي لا حكمة في إيجاده وتقديره ليس إليك، وهذا لا وجود له في الكون، إذ لا يوجد شر محض، فكل الشرور الموجودة شرور نسبية، فهي شر بالنسبة للعبد، وخير بالنسبة إلى الله؛ لأنه خلقها لحكم وأسرار.
وأهل السنة والجماعة آمنوا بمراتب القدر كلها وقالوا: إن الله تعالى خلق كل شيء، وشاء كل شيء، وله الحكمة البالغة، وهو يهدي من يشاء فضلاً منه وإحساناً، ويضل من يشاء عدلاً وحكمة.
والمعتزلة قالوا: إن الله لا يهدي من يشاء، ولا يضل من يشاء، فالعبد هو الذي يهدي نفسه ويضل نفسه.
وأما قوله تعالى: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل:٩٣] فتأولها المعتزلة والقدرية بأن قوله: يهدي يعني: يسميه مهتدياً، ويضل: أي: يسميه ضالاً، وإلا فالعبد هو الذي يهدي نفسه ويضل نفسه، وقالوا: إن الله ليس على كل شيء قدير، بل هو على ما يشاء قدير، ولهذا تجد في أواخر بعض الكتب والله على ما يشاء قدير، وهذا يتماشى مع مذهب المعتزلة، وقصدهم من هذا إنكار دخول أفعال العباد في قدرة الله، وهذا غلط، والواجب أن يقول: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٨٤].
وأما قوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى:٢٩] فهذا مقيد بالجمع، ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى:٢٩].
ولهذا بين المؤلف ﵀ معتقد أهل السنة والجماعة فقال: وأجمع أئمة السلف من أهل الإسلام على الإيمان بالقدر خيره وشره، حلوه ومره، يعني: أهل السنة أجمعوا على وجوب الإيمان بالقدر سواء كان خيراً أو شراً، فيأكل الإنسان مما يعطيه الله من النعم والفضل والمال والصحة والولد، وتصيبه المصائب التي تكون شراً بالنسبة إليه، والمعاصي التي تقدر عليه، فسواء كان حلواً كالخير، أو مراً كالمصائب التي تحصل، فهذا كله بقضاء الله وقدره، ولا يكون شيء إلا بإرادته، وهذا معتقد أهل السنة والجماعة.
والمعتزلة وافقوا القدرية، فهم معتزلة في الصفات قدرية في الأفعال، ويقولون: يجري الخير والشر بدون مشيئة العبد.
وقول المؤلف: خلق من شاء للسعادة واستعمله بها فضلاً، يعني: أن الله تعالى تفضل عليهم، وخلق من أراد للشقاء واستعمله به عدلاً منه فله الحكمة البالغة، ولا يكون ظالماً؛ لأن الهداية ملك لله وليست ملكاً للعبد، فمن أعطاه الهداية فهذا من فضله، ومن منعه الهداية فهذا من عدله وحكمته، فلا يكون ظالماً ، ولهذا قال المؤلف: خلق من شاء للسعادة واستعمله بها فضلاً، وخلق من أراد للشقاء واستعمله به عدلاً، فهو سر استأثر به، وعلم حجبه عن خلقه.
يقول الطحاوي ﵀: القدر سر الله في خلقه، طواه عن أنامه، ونهاهم عن مرامه، فمن سأل: لمَ فعل؟ فقد رد حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين، ولهذا قال المؤلف ﵀: هو سر استأثر به، وعلم حجبه عن خلقه، فلا أحد يعلم سر الله في خلقه، يعني: سر الله في خلقه أن جعل هذا شقياً، وجعل هذا سعيداً، وجعل هذا عالماً، وجعل هذا جاهلاً، وجعل هذا عاقلاً، وجعل هذا مسلوب العقل، وهذا طويل، وهذا قصير، وهذا فقير، وهذا غني، وهذا يعمر وهذا لا يعمر، وهذا يموت طفلاً، وهذا يموت شيخاً، وهذا يموت كهلاً، وهذا يموت في بطن أمه، فله الحكمة البالغة، قال تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] لا يسأل عما يفعل: لكمال حكمته، لا لأنه طعن بالمشيئة كما يقوله من أنكر الحكم والتعليل من المعتزلة وغيرهم، قال تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء:٢٣] لكمال حكمته ﴿وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] وقال الله : ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٩] فله الحكمة البالغة.
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة:١٣].
ولو شاء لفعل ذلك لكن له الحكمة البالغة، وقال : ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩] وكل من صيغ العموم، سواء كان خيراً أو شراً، خلافاً للمعتزلة الذين يقولون: المعاصي والطاعات ليست بقدر.
стр. 193
الكتابة في اللوح المحفوظ لا تستلزم ترك العمل
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وروى علي بن أبي طالب ﵁ قال: (كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتانا رسول الله ﷺ فقعد وقعدنا حوله، ومعه مخصرة، فنكس وجعل ينكت بمخصرته، ثم قال: ما منكم من أحد إلا قد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار، فقالوا: يا رسول الله! أفلا نتكل على كتابنا؟ فقال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما من كان من أهل السعادة فييسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة فييسر لعمل أهل الشقاء، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل:٥ - ٧]) الآية].
هذا الحديث متفق عليه رواه الشيخان: البخاري ومسلم رحمهما الله، رواه البخاري في مواضع، ومسلم في كتاب القدر، ورواه أيضاً أبو داود في سننه، والترمذي وابن ماجة، وأحمد في المسند، وهو حديث صحيح عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: (كنا في جنازة في بقيع الغرقد) الغرقد: نوع من شجر الشوك، وهو من شجر اليهود، يكون في آخر الزمان، وقد بين النبي ﷺ أنه إذا نزل عيسى بن مريم يسلط المؤمنون على اليهود، فيقتلونهم قتلاً ذريعاً حتى يختبئ اليهود وراء الشجر والحجر، فيتكلم الشجر والحجر، وهذه من آيات الله، (فيقول الشجر والحجر: يا مسلم! هذا يهودي خلفي تعال فاقتله، إلا شجر الغرقد فلا يتكلم فإنه من شجر اليهود).
يقول علي ﵁ (إن النبي ﷺ خرج في جنازة فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة - يعني: عصا- فنكس وجعل ينكت بمخصرته، ثم قال: ما منكم من أحد إلا قد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار) وهذا هو الشاهد، إذ فيه إثبات الكتابة، وأن المقادير كلها مكتوبة (فقالوا: يا رسول الله، أفلا نتكل على كتابنا- وفي اللفظ الآخر- وندع العمل) أي: ما دام كل أحد مكتوب عليه الآن شقي أو سعيد، في الجنة أو في النار، فلماذا لا نكتفي بالكتاب ولا نعمل؟ وقالوا: (أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ فقال النبي ﷺ : اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما من كان من أهل السعادة فسييسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة فسييسر لعمل أهل الشقاوة ثم قرأ الآية: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل:٥ - ١٠]).
стр. 194
ذكر بعض ما ورد في السنة في إثبات القدر
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وروى عبد الله بن مسعود ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: (أن خلق أحدكم يجتمع في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه ملكاً بأربع كلمات، يكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد، فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها)].
هذا الحديث حديث صحيح متفق عليه.
رواه البخاري ﵀ في صحيحه في مواضع.
ورواه الإمام مسلم في كتاب القدر، ورواه أبو داود وابن ماجة وغيرهم، وهو من أحاديث الأربعين النووية التي يحفظها صغار الطلبة، يقول عبد الله بن مسعود: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق، هو الصادق يعني: في قوله وفي كلامه، المصدوق: من ربه: (أن خلق أحدكم يجتمع - وفي اللفظ الآخر: يجمع- في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك).
أربعين وأربعين وأربعين مائة وعشرين وهي تساوي الأربعة أشهر، وإذا مضت الأربعة الأشهر بعث الله له ملكاً بأربع كلمات: (بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد)، وفي اللفظ الآخر: (أن الملك يقول: يا رب ما الرزق؟ ما الأجل؟ ما العمل؟ ما الشقاوة؟ ما السعادة؟ فيكتب ما قيل له).
جاء في بعض الأحاديث أن الملك يدخل على النطفة بعد مضي اثنين وثمانين يوماً وهذا هو الشاهد، إذ فيه إثبات القدر وأن الإنسان يقدر عليه وهو في بطن أمه، يقال: يكتب ما يجري عليه من الرزق، والأجل، والعمل، والشقاوة والسعادة، وهذا القدر مأخوذ من القدر السابق في اللوح المحفوظ، فهو يوافقه ولا يخالفه، وهو مأخوذ منه، يعني: أن هذا مكتوب في اللوح المحفوظ، ثم هذه كتابة ثانية خاصة بالإنس، لا تخالف القدر السابق، ثم بين النبي وقال: (فوالذي لا إله غيره) فهنا أقسم وقال: لا إله غيره، يعني: لا معبود بحق غيره ، (إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب)، أي: الكتاب الذي كتب عليه وهو في بطن أمه وما كتب في اللوح المحفوظ: (فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها).
أي: لا بد أن يصير إلى ما كتب عليه، (وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب) أي: الذي كتب عليه في بطن أمه وفي اللوح المحفوظ: (فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها).
وجاء في الحديث الآخر أن هذا شق على الصحابة، فقال النبي ﷺ : (إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدوا للناس وإنه من أهل النار، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس).
وكأنه -والله أعلم- يكون بعض الناس هكذا فيما يبدو للناس، وبعضهم: لا يكون هكذا.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وفي حديث عمر بن الخطاب ﵁ الذي رواه مسلم في الصحيح وأبو داود في السنن وغيرهما من الأئمة أن جبريل ﵇ قال للنبي ﷺ : (ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، قال: فإذا فعلت ذلك فقد آمنت؟ قال: نعم).
وفيه من الأدلة ما لو استقصيناه لأدى إلى الإملال].
حديث عمر بن الخطاب مشهور، فقد رواه مسلم في صحيحه بطوله، ورواه أبو داود في السنن وغيره من الأئمة، وأخرجه البخاري من حديث أبي هريرة مختصراً وفيه: أن النبي ﷺ لما سأله جبريل عن الإيمان فذكر أركان الإيمان الستة، وجعل الركن السادس الإيمان بالقدر، قال: (أن تؤمن بالله) هذا الركن الأول، (وملائكته) الركن الثاني، (وكتبه) هذا الثالث، (ورسله) هذا الرابع (واليوم الآخر) هذا الخامس (والقدر) هذا هو السادس، وهذا هو الشاهد أن النبي ﷺ جعل الإيمان بالقدر هو الركن السادس من أركان الإيمان، فمن لم يؤمن بالقدر فليس بمؤمن؛ لأنه أنكر أصلاً من أصول الإيمان فيكون كافراً، ولأن هذه الأصول الستة وهي: الإيمان بالله، والإيمان بالملائكة، والإيمان بالكتب، والإيمان بالرسل، والإيمان باليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، هذه الأصول الستة أثبتها القرآن العظيم ووضحها وبينها النبي ﷺ في سنته، وأجمع المسلمون عليها، ولم يخالف في شيء منها إلا من خرج عن دائرة الإسلام وصار من الكافرين.
نسأل الله السلامة والعافية.
وقوله: (فإذا فعلت ذلك فقد آمنت؟ قال: نعم) يعني: جبرائيل، وهذا حديث عظيم، فيه بيان مراتب الدين وأن الدين له مراتب ثلاث؛ لأن النبي ﷺ قال في آخر الحديث: (آتاكم جبريل يعلمكم دينكم).
فجعل الدين ثلاثة مراتب، فقد سأل عن الإسلام والإيمان والإحسان، وجاء في بعضها أن النبي ﷺ قال لهم في بعض الروايات: (سلوني سلوني) فهابوا أن يسألوه، فأرسل الله جبرائيل في صورة رجل يسأل حتى يتعلم الناس كيف يسألون.
والمؤلف يقول: وفيه من الأدلة ما لو استقصيناه لأدى إلى الإملال يعني: في إثبات القدر من الأدلة ما لو استقصيناها لأدى إلى التعب وإلى الإملال؛ لأن الأدلة كثيرة فلا يمكن حصرها فيؤدي إلى الملل والسآمة.
والقدرية كما سبق أنها طائفتان: الطائفة الأولى: الذين أنكروا العلم والكتابة.
والطائفة الثانية: وهم عامة القدرية الذين أنكروا عموم المشيئة والإرادة، وهؤلاء كلهم أنكروا شيئاً من القدر، ويقابلهم طائفة أخرى تسمى: الجبرية الذين يقولون: إن العبد مجبور على أفعاله، وليس له اختيار، فالإنسان كالريشة في الهواء لا يقدر على أن يفعل شيئاً، فهو مجبور على أفعاله، وهؤلاء يعذرون الإنسان بشركه ومعاصيه، ويقولون: إنه مجبور على أفعاله، ما دام أنه قدر عليه كل شيء، فإذاً ليس عليه حرام؛ إذ ليس له اختيار ولا قدرة، بله هو مجبور، فالمصلي والصائم، ليس هو في الحقيقة الذي يفعل، وإنما هو الله تعالى الذي يفعل.
ويقولون: إن العبد كالكوز الذي يصب فيه الماء، والله صب الماء فيه، فيصب فيه الأفعال صباً، وأفعاله كلها اضطرارية مثل حركة المرتعش، والنائم، وحركة الأشجار.
ويقولون: كيف يعذب الله العبد على ما خلقه فيه؟ وكيف يقدر عليه ثم يعذبه؟ وهو ليس له قدرة، ولا اختيار، ولا امتناع عن القدر، فيقولون: فمثل الله كمثل من قيد شخصاً وأوثقه وأمسك يديه ورجليه ثم ألقاه في الماء وقال: لا يصيبك البلل.
ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء وهم يحتجون على شركهم وأفعالهم بالقدر، ولهذا يسمونها المشركية، وهؤلاء كما قال الله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [النحل:٣٥].
فهم يحتجون بالقدر ويرونه حجة، ويقولون: الزاني معذور، والسارق معذور، والمشرك معذور والعياذ بالله.
فهؤلاء آمنوا بالقدر وأنكروا الأوامر الشرعية، وهذا مذهب خبيث وباطل؛ لأن معناه: إنكار الشرائع وإنكار الرسل؛ لأنهم يعذرون أنفسهم ويحتجون بالقدر، فهم آمنوا بالقدر وأنكروا الأوامر والنواهي.
وأما القدرية الأولى الذين يقولون: إن العبد يخلق فعل نفسه خيراً أو شراً فيسمون بالقدرية المجوسية نسبة إلى المجوس؛ لأن المجوس يقولون: العالم له خالقان: ً النور خلق الخير، والظلمة خلقت الشر، فقالوا: بوجود خالقين.
والقدرية قالوا: إن العبد يخلق فعل نفسه فجعلوه خالقاً مع الله، فقالوا بتعدد الخالق فسموا مجوسية لمشابهتهم للمجوس في القول بتعدد الخالق، إلا أن المجوس أثبتوا خالقين اثنين، والقدرية أثبتوا خالقِين كل واحد يخلق فعله، فهؤلاء يسمون المجوسية؛ لأنهم كذبوا بالقدر وآمنوا بالشرع أو الأوامر والنواهي، وأولئك يسمون المشركية، ويسمون الجبرية، وهؤلاء يسمون القدرية النفاة وهم القدرية المجوسية، وأولئك يسمون القدرية المثبتة أو القدرية المجبرة وهم القدرية المشركية، والقدرية المشركية أشد فساداً وضلالاً؛ لأن القدرية المجوسية أثبتوا الشرع والأوامر والنواهي، فهم يعظمون الشرائع والأوامر والنواهي.
أما القدرية المشركية فقد أبطلوا الشرائع والأوامر والنواهي، وعلى قولهم تكون الشرائع عبث والعياذ بالله، والأوامر والنواهي عبث، والرسل عبث، فيكون قوم نوح معذورون في شركهم على مذهبهم، وكذلك قوم هود، وقوم صالح، نسأل الله السلامة والعافية.
وهناك طائفة ثالثة أيضاً يسمون الإبليسية: وهؤلاء آمنوا بالأمر والنهي، وبالقدر والشرع، لكن جعلوا هذا تناقضاً من الرب قالوا: الرب متناقض -نعوذ بالله- إذ كيف يأمر وينهى ويقدر خلاف ذلك.
فتكون الطوائف ثلاث: المشركية، والمجوسية، والإبليسية.
المجوسية أثبتوا الأمر والنهي وأنكروا القدر، والمشركية بالعكس أثبتوا القدر وأنكروا الأمر والنهي.
والإبليسية: أثبتوا القدر والأمر والنهي إلا أنهم جعلوا الرب متناقض، وقالوا: الشرع يبطل القدر، والقدر يبطل الشرع، وهؤلاء سموا إبليسية؛ لأنهم منسوبون إلى إبليس الذي اعترض على الله لما قال الله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى﴾ [البقرة:٣٤] فإبليس امتنع وقال: كيف أسجد وأنا خير منه؟ فعنصري أحسن من عنصره، إذ عنصر آدم الطين، وعنصر إبليس النار، والنار أفضل من الطين، ولا يخضع الفاضل للمفضول حيث قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢] فأول من قاس قياساً فاسداً هو إبلي
стр. 195
الأسئلة
стр. 196
حال الأحباش في جنوب المملكة
السؤال
ذكرتم حفظكم الله أن الأحباش من فرقة النصارى وأنهم في جنوب المملكة، وبمراجعة الموسوعة الميسرة تبين أن الأحباش طائفة ضالة تنسب إلى عبد الله الحبشي وهي تحيي مناهج أهل الكلام والصوفية والباطنية، يئولون صفات الله تعالى بلا ضابط شرعي، فيئولون الاستواء بالاستيلاء، ويزعمون أن جبريل هو الذي أنشأ ألفاظ القرآن، والأحباش في مسألة الإمامة من المرجئة الجهمية، وفي القدر جبرية يستغيثون بالأموات، ويسبون الصحابة وخاصة معاوية وعائشة ﵄، ويكفرون ابن تيمية وابن عبد الوهاب، وينتشرون في لبنان بصورة كبيرة، وفي أوربا وأمريكا، وكندا، واستراليا، والسويد، والدنمرك، ولا يعلم أنهم في جنوب المملكة، وذكر فتوى لسماحة الشيخ ابن باز ﵀، فما توجيهكم؟
الجواب
الأحباش الذي ذكرت غير الذي ذكرت في الموسوعة، فهؤلاء شاهدتهم يجيئون من الحبشة، وهم موجودون الآن، ويتسللون إلى المملكة من جهة الجنوب وهم نصارى، وهؤلاء يسمونهم الأحباش باللغة العامية، يقولون: هؤلاء أحباش وهم نصارى معروفون.
стр. 197
حكم من حلف بحرف من القرآن أو بسورة أو بالقرآن كله
السؤال
من حلف بحرف، أو حلف بسورة البقرة، أرجو الإيضاح: فهل عليه بكل حرف من سورة البقرة يمين؟ وشخص آخر يحلف كثيراً بالقرآن فهل عليه كفارة بكل حرف من القرآن؟
الجواب
هذا ظاهر كلام المؤلف ﵀ حيث قال: فعليه أيمان، لكن الذي يظهر والله أعلم أنه إذا حلف بالقرآن فهي يمين واحدة، وإذا حلف بكلام الله فهي يمين واحدة، هذا الذي أقره أهل العلم، لكن ظاهر كلام المؤلف يقول: فعليه أيمان بكل حرف، وهذا فيه نظر ويحتاج إلى دليل.
فمن حلف بسورة البقرة ليس معنى ذلك أنه بكل حرف عليه يمين؛ إذ هذا يحتاج إلى دليل.
стр. 198
خطأ من يفسر الشهادة بأنها إخراج اليقين الفاسد
السؤال
البعض يفسر معنى لا إله إلا الله بأنها إخراج اليقين الفاسد، فهل هذا التفسير صحيح؟
الجواب
هؤلاء هم جماعة التبليغ حيث يقولون: تخرج اليقين الفاسد وتدخل اليقين الصحيح، وهذا ليس على إطلاقه، بل قد يكون عنده يقين فاسد فيخرجه، وقد يكون عنده شك فقط فيخرجه أيضاً، فبعض الكفار يكون عنده شك، فإذا وحد الله وقال: لا إله الله زال الشك عنه، وبعض الكفرة عنده يقين في شركه ومعبوداته، فإذا وحد الله خرج اليقين الفاسد، وتيقن التوحيد الحق، فهذا الكلام ليس بصحيح على الإطلاق.
стр. 199
ثبوت لفظ (على ما تشاء قدير) في السنة وتوجيهه
السؤال
ثبت في حديث آخر من يدخل الجنة قوله ﷺ : (إنك على ما تشاء قدير) فما توجيهكم؟
الجواب
إذا ثبت هذا فهو معناه مثل الآية: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى:٢٩]؛ لأن الله تعالى وعده بالثواب، ولا ينفي هذا قوله: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة:١٢٠].
стр. 200
بيان معنى قوله: (ما منكم أحد إلا سيكلمه الله)
السؤال
في قوله ﷺ : (ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله) هل الكلام عام للمؤمنين والكفار أم هو خاص بالمؤمنين؟
الجواب
هذا ظاهره العموم ويلزم من ذلك الرؤية، والرؤية كما سبق في موقف القيامة فيها ثلاثة أقوال لأهل العلم، فمن العلماء من قال: إن الرؤية تكون لهم جميعاً ثم يحتجب عن الكفرة، ومنهم من قال: الرؤية خاصة بالمؤمنين والمنافقين، ومنهم: من قال: خاصة بالمؤمنين، والله تعالى أخبر أنهم: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾ [المؤمنون:١٠٦] حال الكفار ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨] فالظاهر أن الله يكلمهم، وهذا الكلام فيه تعذيب لهم والعياذ بالله، نسأل الله السلامة والعافية.
стр. 201
بيان الزمان الذي ينطق فيه الحجر
السؤال
هل نطق الحجر والشجر فعلاً كما سمعنا في بعض الأخبار ونقل عن بعضهم أنه نطق، ومتى يكون نطق الحجر، هل قبل نزول عيسى ﵊؟
الجواب
نطق الحجر والشجر معجزة للنبي ﷺ ، فقد سلمت عليه الشجرة، وسلم عليه الحجر، وأما الذي في آخر الزمان هذا بعد نزول عيسى، إذ ينزل عيسى ﵇ ويقتل الدجال، وبعد ذلك يقاتل المسلمون اليهود، ويسلطون عليهم فيقتلونهم قتلاً ذريعاً، فيختبئ اليهود وراء الشجر والحجر فيتكلم الشجر والحجر في ذلك الوقت، ويقول: يا مسلم! هذا يهودي خلفي تعال فاقتله.
стр. 202
أقسام الناس في الإيمان والرضا بالقضاء والقدر
السؤال
ما الفرق بين القضاء والقدر؟ وهل يلزم الإيمان والرضا بالقضاء والقدر؟
الجواب
القضاء والقدر إذا اجتمعا صار لكل واحد منهما معنى، وإذا أطلق أحدهم دخل فيه الآخر، فالقضاء له معان متعددة فقوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾ [فصلت:١٢] بمعنى: خلقهن، وقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣] بمعنى: الأمر، فيأتي بمعان متعددة، والقدر كذلك له معان متعددة.
والإيمان بالقضاء والقدر واجب، والصبر على القدر واجب، أما الرضا بما قدره الله فهذا فيه تفصيل، فالصبر على المصائب وعلى ما قدره الله واجب، ولا يجوز للإنسان أن يتسخط أو يجزع، بل يجب عليه أن يصبر وأن يحبس نفسه عن الشكوى، ولسانه عن التشكي، وجوارحه عما يغضب الله، أما كونه يرضى فهذا مستحب عند المحققين من أهل العلم، وهناك مرتبة أعلى من هذه وهي أن يصبر على المصيبة ويرضى، وهناك من يشكر الله، فالناس أقسام تجاه المصائب وما يقدره الله، القسم الأول: من يجزع ولا يصبر، فتجده مثلاً يشكو ويتكلم لماذا قدر علي هذا؟ ولماذا حصل بي كذا؟ وتجده يلطم خده، وينتف شعره، ويشق ثوبه، وهؤلاء حرموا الأجر وعليهم الوزر.
القسم الثاني: الذين يصبرون ولا يجزعون، ولا يتسخطون، ولا يتشكون، وليس في نفوسهم هلع، ولا يعملون بجوارحهم ما يغضب الله، وهؤلاء أتوا بالواجب.
القسم الثالث: يصبرون ويرضون بقضاء الله وقدره، فعندهم رضاً وطمأنينة؛ لأنهم يعلمون أن الخيرة فيما اختاره الله، ويعلم أن الله أعد للصابرين الثواب العظيم والأجر الكبير، أن الله يكفر سيئاتهم ويرفع درجاتهم بهذه المصيبة.
القسم الرابع: وهو من يجعل المصيبة نعمة يشكر الله عليها؛ لأنه يوافق ربه فيما أراده وقضاه، وفيما أحبه في محابه ومراضيه؛ ولأنه كفر بها السيئات، ورفع بها الدرجات، فاعتبرها من النعم، فالمحن في حق هؤلاء تكون منحاً ونعماً يشكرون الله عليها، وهذا لا يقدر عليه إلا عباد الله الخلص، وخواص المؤمنين.
стр. 203
حكم قول بعض الناس: (فلان لا يستحق هذا)
السؤال
بعض الناس إذا أصيب شخص بمصيبة قال: فلان لا يستحق هذا فهل في ذلك شيء؟
الجواب
هذه كلمة خطيرة ينبغي الحذر منها، فقوله: (لا يستحق) معناه: اعتراض على الله، فلا يصلح هذا، وينبغي التنبيه عليه.
стр. 204
شرح الاقتصاد في الاعتقاد للمقدسي [١٠]
اختلف أهل العلم في رؤية النبي ﷺ لربه ليلة الإسراء والمعراج فمنهم من قال: إنه رآه بعين رأسه، ومنهم من قال: إنه لم يره، وحمل أدلة القائلين بأنه رآه بقلبه لا بعينه، وهذا القول هو الصواب جمعاً بين الأدلة، والله أعلم.
стр. 205
خلاف العلماء في عدد مرات الإسراء والمعراج وكيفيته
قال الحافظ ﵀: [وأجمع القائلون بالأخبار والمؤمنون بالآثار: أن رسول الله ﷺ أسري به إلى فوق سبع سموات ثم إلى سدرة المنتهى، أسري به ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى مسجد بيت المقدس، ثم عرج به إلى السماء بجسده وروحه جميعاً، ثم عاد من ليلته إلى مكة قبل الصبح، ومن قال: إن الإسراء في ليلة والمعراج في ليلة فقد غلط، ومن قال: إنه منام، وأنه لم يسر بجسده فقد كفر.
قال الله : ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء:١].
وروى قصة الإسراء عن النبي ﷺ أبو ذر وأنس بن مالك ومالك بن صعصعة وجابر بن عبد الله وشداد بن أوس وغيرهم.
كلها صحاح مقبولة مرضية عند أهل النقل مخرجة في الصحاح].
انتقل المؤلف ﵀ من الكلام على القضاء والقدر إلى مبحث الإسراء والمعراج.
والإسراء معناه في اللغة: السفر ليلاً.
وشرعاً: هو الإسراء بنبينا محمد ﷺ ، أو السفر ليلاً بنبينا ﷺ على البراق صحبة جبرائيل من مكة إلى بيت المقدس.
وأما المعراج: فهو مفعال من العروج، وهو صعود نبينا ﷺ ليلاً من بيت المقدس إلى السماء بصحبة جبرائيل، والمعراج آلة كالسلم صعد ﷺ عليها ومعه جبرائيل حتى وصل إلى السماء ودخل السموات، وانتقل من سماء إلى سماء؛ حتى وصل إلى سدرة المنتهى.
يقول المؤلف ﵀: وأجمع القائلون بالأخبار والمؤمنون بالآثار أن رسول الله ﷺ أسري إلى فوق سبع سموات ثم إلى سدرة المنتهى، أسري به ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى مسجد بيت المقدس، ثم عرج به إلى السماء.
والمؤلف هنا ﵀ أدمج الإسراء في المعراج، وأن رسول ﷺ أسري به إلى فوق، فهو أسري به أولاً من مكة إلى بيت المقدس، ثم عرج به إلى فوق، فأدمج المؤلف ﵀ الإسراء بالمعراج، وقال: أسري به إلى فوق، وهو أسري به أولاً من المسجد الحرام إلى بيت المقدس، ثم عرج به إلى فوق سبع سموات، ثم إلى سدرة المنتهى.
ثم عاد المؤلف ﵀ فقال: أسري به ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وهو مسجد بيت المقدس، ثم عرج به، ثم عرج به إلى السماء بجسده وروحه جميعاً، ثم عاد من ليلته قبل الصبح.
وهذا هو الصواب التي تدل عليه النصوص، والذي أجمع عليه أهل السنة والجماعة، وذلك أن النبي ﷺ أسري به في الليل من مكة إلى بيت المقدس، والله تعالى بين ذلك في القرآن العظيم، قال سبحانه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء:١] ومن أنكر الإسراء فقد كفر؛ لأنه مكذب لله، ومن كذب الله كفر، إلا إذا لم يعلم بحيث كان مثله يجهل هذا، فهذا يبين له النص، وأن الله أخبر في القرآن أن الله أسرى بنبيه ﷺ ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، فإن أصر كفر؛ لأنه كذب الله، ومن كذب الله كفر.
وأما المعراج؛ فإنه جاء في الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ وهي في الصحاح وفي غيرها، والإسراء والمعراج كما ذكر المؤلف ﵀ في ليلة واحدة، وهذا هو الصواب، فقد أسري به أولاً من مكة إلى بيت المقدس، وجمع له الأنبياء هناك وصلى بهم إماماً قدمه جبرائيل فظهر فضله ﵊، ثم عرج به إلى السماء.
وقال بعض العلماء: إن الإسراء في ليلة والمعراج في ليلة، وهذا قول ضعيف.
والصواب: أن الإسراء والمعراج بجسده وروحه يقظة لا مناماً، مرة واحدة، هذا هو الصواب الذي تدل عليه النصوص، ومن أقوى الأدلة قول الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء:١] ووجه الدلالة: أن العبد اسم لمجموع الروح والجسد، فالصواب أن الإسراء والمعراج في ليلة واحدة، وأنه أسري به ﵊ بجسده وروحه مرة واحدة.
وقال آخرون من أهل العلم: إن الإسراء كان بروحه دون جسده، وهذا مروي عن عائشة ومعاوية ﵃.
وقال آخرون من أهل العلم: إن الإسراء كان مناماً.
وقال آخرون من أهل العلم: إن الإسراء كان مراراً، مرة يقظة ومرة مناماً.
وقال آخرون: أن الإسراء كان مراراً، مرة قبل الوحي ومرة بعده.
وهذه كلها أقوال ضعيفة، والصواب القول الأول: وهو أن الإسراء والمعراج في ليلة واحدة، وأن الإسراء والمعراج كان بروحه وجسده ﵊، وأنه كان يقظة لا مناماً، وأنه كان مرة واحدة لم يتعدد، وهناك فرق بين من قال: إن الإسراء كان مناماً، ومن قال: إن الإسراء كان بروحه.
فالقائلون: إن الإسراء كان بروحه، قالوا: إن الروح هي التي عرج بها وجسده باق ﵊، ولكن عرج بروحه، وهذا الاستقلال بالروح من خصائص النبي ﷺ ، وإلا فإن غيره لا تنال روحه الاستقلالية.
وأما الذين قالوا: إن الإسراء كان مناماً، فقالوا: إن الروح والجسد لم يعرج بهما، فالروح والجسد باقيان في مكة، ولكن الملك ضرب الأمثال للنبي ﷺ فتكون الصورة المعلومة في صورة تأخذ شكل الصورة المحسوسة، ومنام الأنبياء وحي كما قال الله تعالى عن نبيه إبراهيم أنه قال لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات:١٠٢].
والذين قالوا: إن الإسراء كان مناماً استدلوا بحديث شريك بن أبي نمر في الصحيحين وفي غيرهما وفي بعض ألفاظه أنه قال لما ذكر قصة الإسراء والمعراج: (ثم استيقظت وأنا في المسجد الحرام).
استدلوا بهذه اللفظة: (ثم استيقظت).
قالوا: إن الإسراء كان مناماً، ولكن شريك بن أبي نمر غلطه الحفاظ في ألفاظه من حديث الإسراء، ولهذا لما روى الإمام مسلم ﵀ الحديث الشريف قال بعده: فزاد ونقص وقدم وأخر، يعني: شريك بن أبي نمر فهو له أغلاط وأوهام، وإن كان الحديث في الصحيحين، لكن هذه أغلاط وأوهام في بعض الألفاظ، وفي بعضها: (وكان ذلك قبل الوحي) وهذه من أغلاطه أيضاً، والصواب أن الإسراء والمعراج بعد الوحي وبعد النبوة، وكان في مكة قبل الهجرة بسنة أو بسنتين أو بثلاث على خلاف.
فهذه أقوال: قيل: إن الإسراء والمعراج في ليلتين.
وقيل: إن الإسراء كان بروحه دون جسده.
وقيل: إن الإسراء كان مناماً.
وقيل: إن الإسراء كان مراراً: مرة يقظة، ومرة مناماً، وهذا يفعله بعض ضعفاء الحديث، كل ما اشتبه عليهم لفظ زادوا مرة، قال بعضهم: مرتين، وبعضهم قال: ثلاث مرات، والصواب الذي عليه المحققون وتدل عليه النصوص أن الإسراء والمعراج مرة واحدة، في ليلة واحدة يقظة لا مناماً بروحه وجسده؛ لقول الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ [الإسراء:١] والعبد: اسم لمجموع الروح والجسد، وأنه عاد ﵊ إلى مكة قبل الصبح وحدث الناس بذلك، وارتد قوم ممن أسلم؛ لأن عقولهم لم تتحمل، وكذلك أيضاً لما أخبر النبي ﷺ كفار قريش استعظموا هذا الأمر، وقالوا: يزعم محمد أنه ذهب إلى بيت المقدس في ليلة واحدة ونحن نضرب السفر إليها مدة شهر كامل، حتى سألوه عن عير لهم في الطريق مر عليها فأخبرهم متى تصل، ولما أخبر النبي بعض صناديد قريش قالوا: هل تقول هذا يا محمد إذا اجتمع الناس؟ قال: نعم.
يستعظمون ذلك، ويريدون تكذيبه، ولما قالوا لـ أبي بكر الصديق ﵁: إن صاحبك يزعم أنه ذهب إلى بيت المقدس وأنه ذهب إلى السموات، فقال أبو بكر ﵁: إن كان قال ذلك فقد صدق، ولذلك سمي الصديق.
فالمؤلف ﵀ بين الصواب في هذه المسألة، قال: وأجمع القائلون بالأخبار والمؤمنون بالآثار أن رسول الله ﷺ أسري به، ثم قال: ﴿لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ [الإسراء:١] ثم عرج به إلى السماء بجسده وروحه جميعاً، وهذا هو الصواب.
يقول المؤلف: ومن قال: إن الإسراء كان في ليلة والمعراج في ليلة فقد غلط.
وهذا صحيح، فقد غلط بعض العلماء وقالوا: إن الإسراء في ليلة والمعراج في ليلة، والصواب أنها في ليلة واحدة، ومن قال: إنه منام، وأنه لم يسر بجسده فقد كفر.
وهذا غريب من المؤلف ﵀، فإن من قال: إن الإسراء كان مناماً لا يكفر؛ لأن له شبهة وإن كان قوله ضعيفاً، فقد استدلوا ببعض ألفاظ الحديث الشريف وفيه أنه قال: (ثم استيقظت).
فالقول بالتكفير في هذا ليس بصواب، والتكفير ليس أمره بالهين، ولم أر أحداً من العلماء كفر من قال: إن الإسراء كان مناماً، وإنما يقال هذا قول ضعيف، أو قول مرجوح، أو خلاف الصواب.
يقول المؤلف ﵀: وروى قصة الإسراء عن النبي ﷺ أبو ذر وأنس بن مالك ومالك بن صعصعة وجابر بن عبد الله وشداد بن أوس وغيره.
يعني: إن أحاديث الإسراء جاءت في أحاديث عدة رواها عدد من الصحابة.
يقول المؤلف: كلها صحاح مقبولة مرضية عند أهل النقل مخرجة في الصحاح.
وهذا كلام صحيح، فحديث الإسراء متفق عليه، فقد رواه البخاري في صحيحه، ورواه مسلم أيضاً في صحيحه، ورواه ابن قدامة في إثبات صفة العلو.
وقال ابن القيم ﵀: إن قصة الإسراء والمعراج متواترة.
وقد أفرد بعض العل
стр. 206
خلاف العلماء في رؤية النبي لربه ليلة المعراج
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأنه ﷺ رأى ربه كما قال : ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم:١٣ - ١٤].
قال الإمام أحمد فيما رويناه عنه: وأن النبي ﷺ رأى ربه ، فإنه مأثور عن النبي ﷺ صحيح رواه قتادة وعكرمة عن ابن عباس.
ورواه الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس، ورواه علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس، والحديث على ظاهره كما جاء عن النبي ﷺ والكلام فيه بدعة، ولكن نؤمن به كما جاء على ظاهره ولا نناظر فيه أحداً.
وروي عن عكرمة عن ابن عباس قال: إن الله اصطفى إبراهيم بالخلة، واصطفى موسى بالكلام، واصطفى محمد ﷺ بالرؤية.
وروى عطاء عن ابن عباس قال: رأى محمد ﷺ ربه مرتين.
وروي عن أحمد ﵀ أنه قيل له: بم تجيب عن قول عائشة ﵁: من زعم أن محمداً قد رأى ربه الحديث؟ قال: بقول النبي ﷺ : (رأيت ربي .
وفي حديث شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن أنس بن مالك ﵁: أن النبي ﷺ قال: (فرجعت إلى ربي وهو في مكانه)، والحديث بطوله مخرج في الصحيحين، والمنكر لهذه اللفظة راد على الله ورسوله].
هذا مبحث رؤية النبي ﷺ لربه ليلة المعراج، ولم يختلف العلماء أنه لم ير أحد ربه في الدنيا، فأهل الحق مجمعون على أنه لم ير أحد ربه في الدنيا، وأنه لا يستطيع أحد أن يرى ربه في الدنيا، ولما سأل موسى الرؤية: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف:١٤٣] فلا يستطيع أحد أن يرى الله في الدنيا؛ لأن الله احتجب عن خلقه بالنور ولو كشفه لاحترق الخلق كلهم، كما في الحديث الذي في صحيح مسلم: (لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه).
ولا عبرة ببعض الصوفية الذين يزعمون أنه يمكن أن يرى الله في الدنيا، أو الصوفية الملاحدة الذين يزعمون أن الله موجود في الأرض في كل خضرة، لكن أجمعت الأمة قاطبة ما عدا هؤلاء على أنه لم ير أحد ربه في الدنيا ما عدا نبينا ﷺ ، وأجمعوا على أنه لم يره في الأرض، وإنما اختلفوا هل رآه ليلة المعراج فوق السموات، أو لم يره على قولين: القول الأول: أنه رآه وهذا هو الذي اختاره المؤلف، ولهذا قال: وأنه رأى ربه ، فالحافظ عبد الغني يرى أن النبي ﷺ رأى ربه بعين رأسه ليلة المعراج وهذا من خصائصه، وذهب إلى هذا أيضاً بعض العلماء كـ النووي أيضاً في شرح صحيح مسلم وابن خزيمة في كتاب التوحيد، والقاضي عياض وأبو الحسن الأشعري وأبو إسماعيل الهروي كلهم ذهبوا إلى أن النبي ﷺ رأى ربه ليلة المعراج في السماء بعيني رأسه.
واستدلوا أيضاً على هذا -وهو رواية عن الإمام أحمد - بما ثبت عن ابن عباس أنه قال: إن النبي ﷺ رأى ربه، وكذلك أيضاً: روي عن الإمام أحمد أنه قال: إن النبي ﷺ رأى ربه.
واستدلوا أيضاً بقوله : ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم:١٣]، وقوله: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ [النجم:١٢]، ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم:١٧ - ١٨].
فقالوا: إن النبي رأى ربه بعين رأسه.
القول الثاني: وهو قول جمهور العلماء وجمهور الصحابة، وهو أن النبي ﷺ لم ير ربه بعين رأسه وإنما رآه بعين قلبه، وهذا الذي عليه الجماهير هو الصواب كما سيأتي، والأدلة عليه كثيرة، ومن أصرحها ما رواه مسلم في صحيحه، عن أبي ذر ﵁: (قلت للنبي ﷺ : هل رأيت ربك؟ فقال: رأيت نوراً)، وفي لفظ: (نور أنى أراه)، أي أن النور حجاب يمنع من رؤيته، يعني: كيف أستطيع رؤيته والنور حجاب يمنعني من رؤيته.
واستدلوا بحديث أبي موسى الأشعري عند مسلم أن النبي ﷺ قال: (إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه النور -وفي لفظ: النار- لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه).
فقوله: (من خلقه) هذه عامة، ومحمد من خلقه فيشمله هذا، أي: لو كشف الحجاب لاحترق الخلق كلهم ومنهم محمد ﵊، ومنها أيضاً: قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى:٥١]، هذه الآية تدل على أنواع الوحي الثلاثة، ومحمد كلمه الله بدون واسطة، لكن من وراء حجاب، فهو محجوب عن الرؤية في الدنيا، فلا يستطيع أحد أن يرى الله تعالى.
ولأن الرؤية نعيم ادخره الله لأهل الجنة، وهي أعظم نعيم.
وأما الأدلة التي استدل بها القائلون بأن النبي ﷺ رأى ربه بعينه، فليست صريحة ولا واضحة، أما قوله تعالى: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم:١٢ - ١٣]، فالمراد بهذه الرؤية رؤية جبريل، لقوله تعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ [النجم:٥ - ٨] هذا جبريل، ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:٩ - ١١]، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم:١٣] رأى محمد ﷺ جبريل ﵇ على صورته التي خلق عليها مرتين: مرة في الأرض في بدء الوحي، ومرة في السماء عند سدرة المنتهى.
ولأن الله تعالى قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء:١] يريه الآيات، ولو كان أراه نفسه لذكر ذلك لأنه أعظم، لكنه قال: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء:١]، ولم يقل: ليراني، أو لأريه نفسي.
وأما ما روي عن ابن عباس ﵄، أنه سئل: هل رأى محمد ﷺ ربه؟ قال: نعم، فهذا جواب مطلق، وفي رواية أنه قال: رآه بفؤاده، فالمطلق يحمل على المقيد، فقوله: (نعم) يحمل على أنه رآه بقلبه.
وكذلك روي عن الإمام أحمد أنه قال: رآه، وروي عنه أنه قال: رآه بفؤاده، فيحمل المطلق على المقيد، ولم يقل ابن عباس: إنه رآه بعين رأسه، وكذلك الإمام أحمد لم يقل ذلك فالروايات يفسر بعضها بعضاً، فرواية (رآه) تفسرها رواية (رآه بفؤاده)، وهذا هو الصواب الذي عليه المحققون والجماهير، وهو أن النبي ﷺ لم ير ربه ليلة المعراج بعين رأسه وإنما رآه بفؤاده.
وثبت عن عائشة ﵂ أنه سألها مسروق: هل رأى محمد ربه؟ فقالت: (لقد وقف شعري مما قلت، ثم قالت: من حدثك أن محمداً رأى ربه فقد كذب)، وفي لفظ أنها قالت: (فقد أعظم على الله الفرية)، وهذا هو الذي عليه المحققون كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وغيرهما قالوا: إن الجمع بين النصوص التي فيها أنه رآه تحمل على رؤيته بقلبه، والنصوص التي فيها أنه لم يره تحمل على أنه لم يره بعين رأسه وبهذا تجتمع الأدلة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأنه ﷺ رأى ربه كما قال : ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم:١٣ - ١٤]].
إذاً: المؤلف أثبت أن النبي ﷺ رأى ربه بعين رأسه، والدليل الذي قاله المؤلف لا يدل على ما استدل به؛ لأن هذا في رؤية جبريل، قال تعالى في سورة النجم: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم:١٣] يعني: رأى النبي جبريل مرة ثانية، مرة في الأرض وأخرى في السماء، وبهذا لا تكون الآية دليلاً لما ذهب إليه المؤلف من أن النبي ﷺ رأى ربه بعين رأسه.
الدليل الثاني: استدل المؤلف بقول الإمام أحمد.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال الإمام أحمد فيما رويناه عنه: وأن النبي ﷺ رأى ربه ، فإنه مأثور عن النبي ﷺ وهو صحيح، رواه قتادة وعكرمة عن ابن عباس، ورواه الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس، ورواه علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن
стр. 207
ثبوت الشفاعة العظمى للنبي يوم القيامة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويعتقد أهل السنة ويؤمنون أن النبي ﷺ يشفع يوم القيامة لأهل الجمع كلهم شفاعة عامة، ويشفع للمذنبين من أمته فيخرجهم من النار بعدما احترقوا، كما روى أبو هريرة ﵁ أن الرسول الله ﷺ قال: (لكل نبي دعوة يدعو بها؛ فأريد إن شاء الله أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة)، وروى أبو هريرة ﵁ أنه قال: (قلت: يا رسول الله! من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: لقد ظننت ألا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك؛ لما رأيت من حرصك على الحديث، إن أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصاً من قبل نفسه) رواه البخاري، وروى حديث الشفاعة بطوله أبو بكر الصديق وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر بن الخطاب وأنس بن مالك وحذيفة بن اليمان وأبو موسى عبد الله بن قيس وأبو هريرة وغيرهم].
الشفاعة في اللغة: الوساطة، وشرعاً: ضم الشفيع نفسه إلى المشفوع له، فيكون شفعاً بعد أن كان وتراً، فإذا دعاك إنسان يريد شيئاً ثم ضممت صوتك إلى صوته شفعت له، فصرت أنت وهو اثنين بعد أن كان واحداً، أو كان يطلب حاجةً ثم شفعت له وضممت نفسك إليه، صرتما اثنين والاثنان شفع، وضم الشفيع نفسه إلى غيره؛ ليكون شفعاً بعد أن كان وتراً، والاثنان شفع والواحد وتر، وقيل في معنى الشفاعة: طلب الخير للغير، وقيل: مساعدة ذي الحاجة عند من يملك الحاجة، والشفاعة تكون يوم القيامة للنبي ﷺ عندما يأتيه الناس ويطلبون منه أن يشفع لهم إلى الله أن يحاسبهم، فالنبي ﷺ يضم صوته إلى صوتهم ويساعدهم ويطلب من الله أن يقضي بينهم، فيكون ﵊ شفع للخلائق، أي: ضم صوته إلى صوتهم وساعدهم وطلب من الله أن يقضي بين العباد؛ وذلك بعد أن يأتيه الإذن بذلك.
والشفاعة لها شرطان: إذن الله للشافع أن يشفع، ورضاه عن المشفوع له، فلا يمكن لأحد أن يشفع، حتى لو كان نبينا ﷺ وهو أوجه الناس عند الله، وإذا كان موسى عند الله وجيهاً قال الله: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب:٦٩]، فمحمد أعظم وجاهة، ومع ذلك لا يستطيع -وهو أفضل الخلق- أن يبدأ بالشفاعة أولاً، بل يسجد تحت العرش فيفتح الله عليه من المحامد التي يلهمه إياها ولا يحسنها في دار الدنيا، ثم يأتيه الإذن من الرب فيقول: (يا محمد! ارفع رأسك، وقل يسمع، واشفع تشفع، فيرفع محمد رأسه ويقول: يا رب! أسألك أن تقضي بين عبادك، فيشفعه الله فيهم)، فيقضي بين الخلائق.
ونبينا ﵊ له شفاعة خاصة، وله شفاعة يشاركه فيها غيره، فالشفاعة الخاصة هي الشفاعة العظمى التي تكون لأهل الموقف حينما يوقف الناس بين يدي الله للحساب حفاة لا نعال لهم، عراة لا ثياب عليهم، غرلاً غير مختونين، بهماً ليس معهم شيء، ويشتد الحر، وتدنو الشمس من الرءوس، ويزاد في حرارتها فيكون يوم عظيم، فيموج الناس بعضهم إلى بعض، فيأتون أولاً إلى آدم ويطلبون منه أن يشفع لهم فيعتذر، ويقول: أكلت من الشجرة، لا أستطيع، اسألوا غيري، ثم يرشدهم إلى نوح، فيذهبون إلى نوح فيعتذر، ويقول: إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وقد دعوت على قومي دعوة أغرقتهم، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم ﵇، فيأتون إبراهيم فيسألون الشفاعة فيعتذر، ويقول: إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب غضباً قبله مثله ولن يغضب غضباً بعده مثله، وإني كذبت في الإسلام ثلاث كذبات، أجادل بهن عن دين الله، وهي قوله عن زوجته: إنها أختي أي بالإسلام، وعندما كسر الأصنام جعل الفأس على الصنم الكبير وقال: بل فعله كبيرهم، ونظر في النجوم وقال: إني سقيم إيهاماً لهم، وهذه الأقوال جعلها كذبات وهو يجادل بها عن دين الله، ومع ذلك يعتذر ﵊ ويقول: كذبت في الإسلام ثلاث كذبات، ثم يقول: اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى فإنه كليم الله، فيذهبون إلى موسى فيقولون: يا موسى! اشفع لنا إلى ربك فيعتذر، ويقول: إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، إني قتلت نفساً لم أؤمر بقتلها، وذلك لما قتل القبطي قبل النبوة وقد تاب قبل النبوة، ومع ذلك يعتذر ويقول: اذهبوا إلى عيسى فإنه روح الله، فيذهبون إلى عيسى فيعتذر أيضاً ولا يذكر ذنباً إلا أنه يقول: اتخذت أنا وأمي إلهين من دون الله، ولكن اذهبوا إلى محمد فإنه خاتم النبيين، فيذهبون إلى النبي ﷺ فيقول: أنا لها أنا لها، فيذهب يسجد تحت العرش فيفتح الله عليه من المحامد ويلهمه الله إياها -وقد كان لا يحسنها في دار الدنيا- ثم يستأذن من الرب، فيقول الله: يا محمد! ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفع، فيقول: يا رب أسألك أن تقضي بين عبادك فيقول الرب: أنا أقضي بينهم، هذا هو المقام المحمود الذي يغبطه فيه الأولون والآخرون، قال الله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩])، المقام المحمود هو الشفاعة، وجاء في بعض الأحاديث أن المقام المحمود هو: أن يجلسه معه على العرش، وهذا ما استدل به بعض أهل السنة وغيرهم، وإن صح ذلك فإن المقام المحمود يكون شيئين: الشفاعة، وإجلاسه على العرش، وهذان الشيئان من خصائصه ﵊، وهما المقام المحمود الذي يغبطه فيه الأولون والآخرون وهذا هو الفخر والعز، ولهذا قال النبي ﷺ : (أنا سيد ولد آدم ولا فخر، أنا أول من تشق عنه الأرض، وأنا أول شفيع) ﵊، وهذه خاصة به لا يشاركه فيها أحد.
وهناك شفاعة ثانية، وهي الإذن لأهل الجنة في دخولها، إذ لا يدخل أهل الجنة الجنة حتى يشفع لهم النبي ﷺ في دخولها وهذه خاصة به.
وهناك شفاعة ثالثة: وهي الشفاعة في تخفيف العذاب عن عمه أبي طالب، فقد مات على الكفر وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، بل قال: هو على ملة عبد المطلب، لكن خفف عذابه لإيوائه للنبي ﷺ ، ودفاعه عنه، فيشفع له النبي ﷺ في أن يخفف عنه العذاب، ولهذا ثبت أن النبي ﷺ لما قيل له: يا رسول الله! إن أبا طالب يحميك ويذود عنك، فهل نفعته؟ قال: (نعم وجدته في غمرات من النار فأخرجته إلى ضحضاح منها يغلي دماغه من النار)، أي: كانت تغمره النار من جميع الجهات فأخرج إلى ضحضاح من نار يغلي منها دماغه، وهو يظن أنه أشد الناس عذاباً من شدة ما يجد وهو أخفهم، هذه شفاعة تخفيف خاصة به.
وهناك شفاعات مشتركة، منها: الشفاعة في قوم من أهل الجنة حتى ترفع درجاتهم من درجة سفلى إلى درجة عليا، والشفاعة في قوم من عصاة الموحدين استحقوا دخول النار فيشفع ألا يدخلوها فيشفعهم الله لهم، والشفاعة في قوم دخلوا النار فيخرجون منها، والشفاعة في قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم ألا يدخلوا النار.
وقد تواترت الأخبار عن النبي ﷺ أنه قال: (يدخل النار جملة أهل الكبائر) من المؤمنين الموحدين، فلا تأكل النار منهم مواضع السجود، لكنهم دخلوا النار بسبب الكبائر التي ماتوا عليها ولم يتوبوا منها، فهذا دخل النار؛ لأنه مات على الزنا من غير توبة، وهذا مات على الربا من غير توبة وهذا مات على عقوق الوالدين، وهذا مات على قطيعة الرحم، وهذا مات على الغيبة، وهذا مات على النميمة، وهذا مات على أكل مال الناس بالباطل، وهذا مات على شهادة الزور، فمنهم من يعفى عنه، ومنهم من يدخل النار يعذب فيها مدة طويلة أو قليلة على حسب ذنوبهم، ثم يخرجون بشفاعة نبينا ﷺ فيهم.
أربع شفاعات، كل مرة يحد الله له حداً ولهذا جاء في الروايات (أنه يشفع في من كان في قلبه مثقال دينار من الإيمان)، وفي بعضها: (من كان في قلبه مثقال نصف دينار)، وفي بعضها: (من كان في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان)، وفي بعضها: (أخرج من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة خردل من إيمان)، ويشفع الأنبياء والشهداء والصالحون والأفراط، والملائكة، وتبقى بقية لا تنالهم الشفاعة فيخرجهم رب العالمين برحمته، ويقول: (شفعت الملائكة، وشفع النبيون، ولم يبق إلا رحمة أرحم الراحمين، فيخرجون من النار لم يعملوا خيراً قط) يعني: زيادة على التوحيد والإيمان.
فإذا تكامل خروج العصاة الموحدين، ولم يبق منهم أحد أطبقت النار على الكفرة بجميع أصنافهم، اليهود والنصارى والوثنيين والشيوعيين والملاحدة والمنافقين، فلا يخرجون منها أبد الآباد، يقول تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾ [البلد:٢٠] يعني: مطبقة مغلقة، وقال سبحانه: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة:٣٧]، وقال سبحانه: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٧]، وقال سبحانه: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ:٢٣]، والأحقاب جمع حقب والحقب هو المدد المتطاولة، كلما انتهى حقب يعقبه حقب إلى ما لا نهاية له.
والمؤمنون الذين خرجوا من النار يلقون في نهر الحياة، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة.
فهذه هي الشفاعات الست أو السبع الخاصة بالنبي ﷺ ومنها مشتركة، وأهل السنة والجماعة وأهل البدع واتفقوا على الشفاعة العظمى، والشفاعة التي هي لأهل الجنة في دخولها، والشفاعة التي في رفع درجات أهل الجنة، واختلفوا في الشفاعات
стр. 208
الأسئلة
стр. 209
الرد على من يجوز دخول الجنة من غير عمل
السؤال
هناك من استدل بحديث: (لم يعلموا خيراً قط) على جواز دخول الجنة والبراءة من النار بدون أدنى عمل، فما توجيهكم حفظكم الله؟
الجواب
هذا باطل، لأن الله تعالى قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، والنصوص ترد هذا، وتضم بعضها إلى بعض، فالكافر لا يخرج من النار، والجنة عليه حرام، أما حديث: (لم يعملوا خيراً قط)، يعني: زيادة على التوحيد والإيمان، ومن شرط التوحيد الصلاة، ويدخل في هذا من وحد الله ثم مات في الحال ولم يتمكن من العمل، كمن قتل شهيداً في الحال بعدما أسلم، لكن هذا عام.
المقصود: أن النصوص يضم بعضها إلى بعض، فلا ينبغي للإنسان أن ينظر إلى النصوص بعين عوراء، فيأخذ بعض النصوص ويغمض عينيه عن البعض الآخر، فإن طريقة أهل البدع عدم ضم النصوص بعضها إلى بعض، فالنصوص دلت على أن الجنة حرام على الكافر، وأنه لا يخرج من النار أبد الآباد، قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٧]، وقال تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ:٢٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة:٣٧].
стр. 210
تارك الصلاة لا تنفعه الشفاعة
السؤال
هل تشمل الشفاعة تارك الصلاة ليخرج من النار؟
الجواب
هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم فإن كان جاحداً بوجوبها، فإنه كافر بالإجماع، ولا شك في كفره، وإن لم يجحد بوجوبها ففيه خلاف بين أهل العلم، والصواب الذي أجمع عليه الصحابة، ونقل عليه الإجماع عبد الله بن شقيق العقيلي وإسحاق بن راهويه والإمام ابن حزم وغيرهم، والذي عليه المحققون والجمهور أنه لا تناله الشفاعة، ولو أقر بوجوبها.
وذهب بعض المتأخرين من الفقهاء وغيرهم إلى أن كفره كفر أصغر إذا لم يجحد بوجوبها، ويقال: إن معه شعبة من شعب الإيمان وهي التصديق، فيكون كفره كفر أصغر، فعلى هذا تناله الشفاعة، لكن هذا ضعيف والصواب هو القول الأول، وهو أنه كافر كفر أكبر مخرج من الملة؛ لما ثبت في صحيح البخاري عن بريدة بن الحصيب أن النبي ﷺ قال: (من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله)، والذي يحبط عمله هو الكافر، وبقية الصلوات مثل صلاة العصر، قال ﵊: (بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة) رواه الإمام مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله، وقال ﵊: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر)، فجعل الصلاة حداً فاصلاً بين المؤمن والكافر.
стр. 211
إثبات صفة النفس لله
السؤال
ما القول في حديث الشفاعة: (شفعت الملائكة والأنبياء) إلى آخر الحديث، وفي حديث آخر في آخره: (وبقيت شفاعة أرحم الراحمين فيشفع إلى نفسه أرجو التوضيح في لفظة: فيشفع الله إلى نفسه؟
الجواب
لفظة يشفع على ظاهرها مثل كونه يكتب على نفسه الرحمة: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:١٢]، ولقوله ﷺ في الحديث القدسي: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي)، أي: حرم على نفسه من نفسه، وكتب على نفسه من نفسه، وشفع من نفسه لنفسه.
стр. 212
رؤية الله في المنام
السؤال
هل يستطيع كل أحد أن يرى ربه في المنام، وما صحة الكلام المنسوب إلى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حول هذا الموضوع؟
الجواب
رؤية الله في المنام ثابتة، يثبتها جميع الطوائف، إلا الجهمية من شدة إنكارهم للرؤية حتى أنكروا رؤية الله في المنام، قال شيخ الإسلام: إن جميع الطوائف أثبتوا رؤية الله في المنام إلا الجهمية؛ لشدة إنكارهم لرؤية الله حتى أنكروا رؤية الله في المنام، ولا يلزم من هذا التشبيه، بل يرى الإنسان ربه في المنام على حسب اعتقاده، فإن كان اعتقاده صحيحاً رأى ربه في صورة حسنة، وإن كان اعتقاده سيئاً رأى ربه في صورة تناسب اعتقاده، ولا يلزم من هذا التشبيه، ولما كان النبي ﷺ أصح الناس اعتقاداًَ قال: (فإني رأيت ربي في أحسن صورة في المنام).
стр. 213
قتل النفس بغير حق وما يترتب عليه
السؤال
من قتل نفساً بغير حق وتاب إلى الله، وبعد تنازل أهل المقتول هل يعذب يوم القيامة، وماذا يجب عليه ليكفر عما عمله، وكيف يحسن للمقتول إذا استطاع، ومن أقيم عليه الحد هل هو كفارة عن عذاب الله يوم القيامة؟
الجواب
القتل عمداً بغير حق أعظم الذنوب بعد الشرك بالله ، يقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٩٣]، وفي الحديث: (لزوال الدنيا بأسرها أهون على الله من قتل رجل مسلم)، وفي الحديث: (لا يزال الرجل في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً)، وقال تعالى في كتابه العظيم: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة:٣٢].
القتل عمداً يتعلق به ثلاثة حقوق حق لله، وحق للمقتول، وحق لأولياء القتيل، فإذا أداها برئت ذمته.
الحق الأول: حق لأولياء القتيل، فيأتي ويسلم نفسه إليهم، ويصطلح معهم، فإن شاءوا قتلوه قصاصاً وإن شاءوا طلبوا منه الدية أو أكثر من الدية صلحاً، فإذا سلم نفسه إليهم وقتلوه قصاصاً أو اتفقوا معه على نفس الدية أو أكثر منها سقط حقهم، وبقي حق الله وحق القتيل.
فإذا تاب فيما بينه وبين الله توبةً نصوحاً، بأن أقلع عن هذه المعصية وندم على ما مضى وعزم عزماً جازماً على ألا يعود إليها مرة أخرى تاب الله عليه وسقط حق الله، وبقي حق القتيل يوم القيامة، فإذا أدى الحقين: حق أولياء القتيل وحق الله، فالله تعالى يرضي المقتول عنه يوم القيامة بما يعطيه من الثواب والدرجات في الآخرة، فيصفح عن أخيه فيتوب الله عليه.
والصواب أن القاتل له توبة، وهذا هو الذي عليه الجماهير، وروي عن ابن عباس أنه قال: لا توبة له، وروي عنه أنه قال بقول الجمهور: أن له توبة، ومعنى قول ابن عباس: (لا توبة له).
ليس معناه أنه يخلد في النار، بل معناه أنه يكون هنالك موازنة بين الحسنات والسيئات، فإذا رجحت السيئات فإنه يعذب في النار بقدر جريمته ثم يخرج منها.
أما إذا كان له توبة كأن تقبل توبته، فإنه لابد أن يعذب في النار ثم يخرج منها، ولا يخلد كالمشرك.
وأما قوله تعالى: ﴿خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء:٩٣]، فالخلود خلودان: خلود مؤمد له أمد ونهاية، وخلود مؤبد لا نهاية له، فالخلود المؤبد الذي لا نهاية له خلود الكفرة، والخلود المؤمد الذي له خلود ونهاية خلود بعض العصاة الذين قد فشت جرائمهم وغلظت كالقاتل، والمراد بالخلود: المكث الطويل، والعرب تقول: أقاموا فيها فأخلدوا، ويسمى المكث الطويل خلوداً، فخلود بعض العصاة الذين كثرت جرائمهم أو فحشت أو غلظت خلود مؤمد له نهاية، ولو مكثوا مدة طويلة، وأما خلود الكفرة فإنه خلود مؤبد لا نهاية له أبد الآباد.
فإذا تنازل أولياء القتيل سقط حقهم، وبقيت التوبة فيما بينه وبين الله، فإذا تابت فيما بينه وبين الله تاب الله عليه وسقط حق الله، وبقي حق القتيل يرضيه الله يوم القيامة.
أما إذا استغفر أو دعا له، فهذا تبرع منه.
стр. 214
شرح الاقتصاد في الاعتقاد للمقدسي [١١]
من الإيمان باليوم الآخر الإيمان بالحوض الذي ترد عليه أمة النبي ﵊، ماؤه أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، وأكوابه عدد نجوم السماء، ويجب الإيمان بعذاب القبر ونعيمه وسؤال الملكين والميزان، والجنة والنار وأنهما مخلوقتان لا تفنيان.
стр. 215
الإيمان بالحوض
قال المؤلف ﵀: [ثم الإيمان بأن لرسول الله ﷺ حوضاً ترده أمته كما صح عنه، وأنه كما بين عدن إلى عمان البلقاء، وروي من مكة إلى بيت المقدس، وبألفاظ أخر (ماؤه أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، وأكوابه عدد نجوم السماء).
رواه عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو وأبي بن كعب وأبو ذر وثوبان مولى رسول الله ﷺ وأبو أمامة الباهلي وبريدة الأسلمي].
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: ثم الإيمان بأن لرسول الله ﷺ حوضاً ترده أمته كما صح عنه، بل يجب الإيمان بالحوض، وهو في موقف القيامة حوض لنبينا ﷺ ، حوض طويل طوله مسافة شهر، وعرضه مسافة شهر، كما جاء في الأحاديث، أوانيه عدد نجوم السماء، ماؤه أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، وأبرد من الثلج، وأطيب ريحاً من المسك، يصب فيه ميزابان من نهر الكوثر في الجنة، وحوض نبينا ﷺ في موقف القيامة جاءت في صفته الأحاديث المتواترة، كما أن الأحاديث في إثبات الشفاعة متواترة، وقد أنكرها الخوارج والمعتزلة مع أنها متواترة.
والأحاديث المتواترة في السنة قليلة، تقارب خمسة عشر حديثاً، وإلا فالسنة كلها ثبتت في خبر الآحاد، وهو يشمل الغريب والعزيز والمشهور، فما رواه أقل من حد التواتر فهو خبر آحاد، وخبر الآحاد إذا صح السند وعدالة الرواة، ولم يكن فيه علة ولا شذوذ؛ فإنه مقبول صحيح يؤخذ به في العقائد والأعمال والأخلاق وكل شيء، خلافاً لأهل البدع الذين يطعنون في خبر الآحاد، والحوض من الأحاديث المتواترة، والأحاديث المتواترة قليلة كما سبق منها: حديث الشفاعة، ومنها حديث: (من بنى لله مسجداً)، ومنها حديث: (من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار).
следующие страницы →