← Акыда

Акыда · id 36973

شرح الاقتصاد في الاعتقاد - الراجحي

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (238 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

أدلة إثبات أن القرآن كلام الله تعالى

стр. 142

دلالة حديث ابن مسعود في الأمر باستذكار القرآن على أنه كلام الله قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وروى عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (استذكروا القرآن فلهو أشد تفصياً من صدور الرجال من النعم من عقله). وهو مكتوب في المصاحف]. قوله: (استذكروا القرآن فهو أشد تفصياً) يعني: أشد خروجاً وتخلصاً، والحديث أخرجه الإمام مسلم في صحيحه والبخاري وأحمد والدارمي وغيرهم، وفيه الحث على مراجعة واستذكار القرآن. وقوله ﷺ : (استذكروا القرآن) دال على أن القرآن محفوظ في الصدور ويستذكره الإنسان، ودال أن الحافظ إنما يحفظ كلام الله، ولهذا يستذكره حتى لا ينساه. وقوله: (فلهو أشد تفصياً من صدور الرجال من النعم) يعني: الإبل من علقه، وفي اللفظ الآخر: (من عقلها). وعقل البعير: أن تربط ساقه إلى فخذه إذا برك حتى لا يقوم ويهرب، فإذا استطاع بعير الوقوف وقف وحرك يده المربوطة حتى يحل العقال، فإذا رأته بقية الإبل قامت وفعلت فعله، وهكذا تتابع في تفلتها. فالنبي ﷺ شبه تفلت القرآن من الصدور مثل تفلت الإبل المعقلة، تتفلت شيئاً بعد شيء، فإن كان عندها صاحبها يتعاهدها ثبتت في مكانها، وكذلك الإنسان إن كان يستذكر القرآن بقي محفوظاً في صدره، وإن كان لا يستذكره نسيه. والشاهد من الحديث قول النبي ﷺ : (استذكروا القرآن)، وقد دل على أن القرآن محفوظ في الصدور، وهو مكتوب.

стр. 143

كتابة القرآن في المصاحف والنظر إليه بالأعين قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهو مكتوب في المصاحف منظور بالأعين، قال الله : ﴿وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ [الطور:١ - ٣]. وقال : ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٧ - ٧٩]]. فالقرآن مكتوب في المصاحف منظور بالأعين، كما أنه مقروء بالألسن ومسموع بالآذان، وهو حقيقة في هذه المواضع كلها، وقوله: (مكتوب في المصاحف) استدل عليه بقول الله تعالى: ﴿وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ [الطور:١ - ٣] ومعنى: (منشور): مكتوب. وقال : ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة:٧٧ - ٧٨] يعني: مكتوب في كتاب. فدل على أن القرآن مكتوب في المصاحف. إذاً: ما في المصاحف هو كلام الله، وفيه الرد على الأشاعرة الذين يقولون: إن المكتوب في المصاحف ليس كلام الله، ولكنه عبارة عن كلام الله، وهذا من أبطل الباطل، فالمصاحف فيها كلام الله، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ [الطور:١ - ٣]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٧ - ٧٩]. وكما أن القرآن مسموع بالآذان مقروء بالألسن محفوظ في الصدور فهو منظور بالأعين أيضاً، فالإنسان ينظر بعينه في كلام الله إذا فتح المصحف، وإذا قرأه فهو يقرأ كلام الله، وإذا سمعه فهو يسمع كلام الله، وإذا كتبه فهو يكتب كلام الله، وهو في هذه المواضع كلها حق، هذا هو الصواب خلافاً لأهل البدع، وهذا الذي عليه أهل السنة والجماعة، وهو ما دلت عليه النصوص.

стр. 144

النهي عن السفر بالمصحف الذي فيه القرآن إلى أرض العدو قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وروى عبد الله بن عمر: (أن النبي ﷺ نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو) مخافة أن يناله العدو]. هذا الحديث عن عبد الله بن عمر رواه الشيخان؛ البخاري ﵀ في صحيحه في كتاب الجهاد، ومسلم في كتاب الإمارة، وأخرجه -أيضاً- أبو داود وابن ماجة والإمام مالك وأحمد في المسند واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة وغيرهم. وقوله: (مخافة أن يناله العدو) هذه العبارة من قول الإمام مالك وهي زيادة مدرجة، وأصل الحديث هو: (نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو). والشاهد من الحديث أن النبي نهى أن يسافر بالقرآن، يعني: بالمصحف، فدل على أن القرآن في المصحف. وفيه الرد على الأشاعرة الذين يقولون: المصحف ليس فيه القرآن، وإنما هو عبارة عن القرآن، ولذلك -والعياذ بالله- فإن بعضهم قد يهين المصحف ويدوسه بقدمه ويقول: ليس فيه كلام الله، فنعوذ بالله. وقوله: (نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو) المراد بأرض العدو بلاد الكفار، أي: نهى النبي ﷺ أن يسافر بالقرآن إلى بلاد الكفار، وقد بين علة ذلك الإمام مالك فقال: (مخافة أن يناله العدو). أي: خوفاً من أن يمتهنه، فنهي المسافر أن يأخذ المصحف إذا سافر إلى بلاد الكفار حتى لا تمسه أيديهم فيهينوه. لكن الآن في الوقت الحاضر نجد المصاحف موجودة في بلاد الكفار، بل يستفتحون في إذاعاتهم بالقرآن، فاختلفت الحالة الآن وصار القرآن لا يخشى عليه، فنهي النبي ﷺ في هذا الحديث مقيد بعلة، وهي خشية أن تناله أيدي العدو فيهينوه، والآن وقع في أيديهم، وليس هذا باختيارنا؛ فقد أخذوه من أزمنة طويلة، والذي يظهر -والله أعلم- أنه الآن لا يخشى عليه. والشاهد قوله: (يسافر بالقرآن) فدل على أن المصحف فيه كلام الله، وفيه الرد على الأشاعرة الذين يقولون: ليس في المصحف كلام الله.

стр. 145

أثر عثمان في النظر إلى كلام الله في المصحف قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال عثمان بن عفان ﵁: ما أحب أن يأتي علي يوم وليلة حتى أنظر في كلام الله . يعني القراءة في المصحف]. هذا الأثر عن عثمان بن عفان الخليفة الراشد رواه البيهقي بلفظ: (لو طهرت قلوبنا ما شبعنا من كلام ربنا، وإني لأكره أن يأتي علي يوم ما أنظر في المصحف). ذكره البيهقي في الأسماء والصفات. والشاهد قوله: (حتى أنظر في كلام ربي) فدل على أن كلام الله منظور في المصاحف، فالإنسان إذا قرأ في المصحف فهو ينظر إلى كلام الله، وأثر عثمان بن عفان ﵁ فيه دليل على أن المصحف فيه كلام الله ينظر إليه القارئ، فمن فتح المصحف فهو ينظر إلى كلام الله، كما أن من قرأ فهو يقرأ كلام الله، وكما أن من سمع القارئ فهو يسمع كلام الله، وكما أن من كتب القرآن فهو يكتب كلام الله، وهو في هذه المواضع كلها حقيقة.

стр. 146

قول عكرمة: (كلام ربي) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال عبد الله بن أبي مليكة: كان عكرمة بن أبي جهل ﵁ يأخذ المصحف فيضعه على وجهه فيقول: كتاب ربي ، وكلام ربي ]. عبد الله بن أبي مليكة هو من التابعين ﵀، يقول: كان عكرمة بن أبي جهل وأبو جهل هو عمرو بن هشام بن المغيرة بن عمرو المخزومي القرشي، وقد أسلم عكرمة عام الفتح وأبلى في حروب الردة بلاء حسناً، قيل: إنه توفي في خلافة أبي بكر ﵁. يقول: كان يأخذ المصحف فيضعه على وجهه فيقول: كتاب ربي ، وهذا اجتهاد منه ﵁، وجاء في ترجمته أنه كان ربما قبل المصحف ويقول: كلام ربي. وهذا اجتهاد منه ﵁، وبعض العامة الآن تجده إذا أخذ المصحف قبله أو وضعه على الجبهة، فهذا جاء من فعل عكرمة بن أبي جهل رضي الله تعالى عنه، ولم يرد عن النبي ﷺ أنه فعل شيئاً من ذلك، ولم يرد عن كبار الصحابة أنهم فعلوا شيئاً من ذلك، فالأولى تركه، والمهم هو العمل به، ولو قبله عشرين مرة وما عمل به فإنه لا ينفعه هذا التقبيل، فالمهم العمل بهذا القرآن، وهذا هو الذي ينفع الإنسان، أي: أن يصدق أخباره وينفذ أحكامه، ويفعل أوامره، ويجتنب نواهيه، وينزجر بزواجره، ويتعظ بمواعظه، ويقف عند حدوده، ويعمل بمحكمه، ويؤمن بمتشابهه، وهذه هي التلاوة الحقيقية التي تنفع الإنسان، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [البقرة:١٢١]. والتلاوة نوعان: تلاوة حكمية وتلاوة نقلية، فالتلاوة النقلية هي قراءة القرآن، وهي عبادة، لكن التلاوة التي عليها مدار السعادة والشقاء هي التلاوة الحكمية، وهي تنفيذ أحكامه وتصديق أخباره، أما كون الإنسان يقبله أو يضعه على جبهته ولا يعمل به فهذا لا يفيده.

стр. 147

إجماع أئمة السلف على تكفير القائل بخلق القرآن قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأجمع أئمة السلف والمقتدى بهم من الخلف على أنه غير مخلوق، ومن قال: مخلوق. فهو كافر]. أي: أجمع أئمة السلف والمقتدى بهم من الخلف على أن القرآن غير مخلوق، ومن قال: إنه مخلوق. فهو كافر. ولا عبرة بأهل البدع الذين خالفوا في ذلك، فمن قال: القرآن مخلوق فهو كافر، كما أن من أنكر رؤية الله فهو كافر، وهذا -كما سبق- حكم على العموم، فيقال: من قال: إن القرآن مخلوق. فهو كافر، أما الشخص المعين فلا بد من قيام الحجة عليه، فلا يكفر حتى توجد الشروط وتنتفي الموانع؛ لأنه قد يكون الشخص المعين جاهلاً لا يدري، وقد يكون تكلم بكلام لا يفهم معناه، وقد يكون أسلم حديثاً ولا يعرف الحكم، وقد يكون شُبِّه عليه ولُبِّس عليه، فالشخص المعين لا يكفر إلا بعد قيام الحجة عليه، لكن على العموم يقال: من قال: إن القرآن مخلوق. فهو كافر، ومن أنكر رؤية الله فهو كافر.

стр. 148

إثبات علي وابن مسعود وابن عباس أن القرآن كلام الله قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال علي بن أبي طالب ﵁ في القرآن: ليس بخالق ولا مخلوق، ولكنه كلام الله منه بدأ وإليه يعود]. يقول علي ﵁ في القرآن: إنه كلام الله وليس بخالق ولا مخلوق. يعني: أنه صفة من صفاته، فالقرآن صفة الله، وليس خالقاً ولا مخلوقاً، (ولكنه كلام الله منه بدأ وإليه يعود) وهذا يعني أن القرآن بدأ من الله، أي أن الله تكلم به، (وإليه يعود) أي: يرفع القرآن في آخر الزمان من الصدور ومن المصاحف، قال الإمام أحمد ﵀: (كلام الله من الله ليس ببائن منه). وشيخ الإسلام ﵀ بين معنى كلام الإمام أحمد فقال: معنى قول الإمام أحمد هو معنى قول السلف: القرآن كلام الله منه بدأ ومنه خرج وإليه يعود. وليس معنى قول السلف والأئمة: إنه منه خرج ومنه بدأ أنه خرج منه وحل في غيره، فإن كلام المخلوق إذا تكلم به لا يخرج منه ويحل في غيره، فكيف بكلام الله؟! فمقصود السلف الرد على الجهمية الذين يزعمون أن القرآن خلقه الله في غيره، فيكون قد ابتدأ وخرج من ذلك المحل الذي خلق فيه لا من الله، كما تقول الجهمية: كلام الله لموسى خرج من الشجرة، وهو مخلوق في الشجرة، وهو قوله تعالى: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [القصص:٣٠]، ولا يقول هذا عاقل. فبين السلف والأئمة أن القرآن من الله بدأ وخرج، فقولهم: (إنه منه بدأ) يعني أنه تكلم به وليس مخلوقاً في غيره، (وإليه يعود) يوم القيامة، أي: في آخر الزمان، وهو من أشراط الساعة الكبرى، ويكون ذلك بعد خروج المهدي والدجال ويأجوج ومأجوج وعيسى بن مريم والدخان وطلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة، فينزع القرآن من المصاحف ومن صدور الرجال إذا ترك الناس العمل به، فيصبحون لا يجد الواحد في صدره آية ولا يجدون في المصاحف شيئاً من القرآن، وهذا معنى قولهم: (وإليه يعود). قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال عبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود: القرآن كلام الله منه بدأ وإليه يعود]. وهذا الأثر عن عبد الله بن عباس وابن مسعود مثل أثر علي بن أبي طالب، وفيه الرد على الجهمية والمعتزلة الذين يقولون: إنه مخلوق.

стр. 149

حكاية عمرو بن دينار عن مشايخه في أن القرآن كلام الله قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وروي عن سفيان بن عيينة قال: سمعت عمرو بن دينار يقول: أدركت مشايخنا والناس منذ سبعين سنة يقولون: القرآن كلام الله منه بدأ وإليه يعود. رواه محمد بن جرير بن يزيد الفقيه وهبة الله بن الحسن بن منصور الحافظ الطبريان في كتاب السنة لهما، وقد أدرك عمرو بن دينار أبا هريرة وابن عباس وابن عمر]. هذا الأثر عن سفيان بن عيينة الإمام المعروف يقول فيه: سمعت عمرو بن دينار -الإمام الكبير المعروف- يقول: أدركت مشايخنا والناس منذ سبعين سنة يقولون: القرآن كلام الله منه بدأ وإليه يعود. رواه محمد بن جرير الطبري وهو الإمام المفسر المعروف شيخ المفسرين، وهبة الله بن الحسن الطبري أيضاً، وكل منهما له كتاب في العقيدة، رويا هذا الحديث في كتابيهما (السنة) أن القرآن كلام الله منه بدأ وإليه يعود. وقد أدرك عمرو بن دينار بعض الصحابة، فقد أدرك أبا هريرة وابن عباس وابن عمر، ويقول: (أدركت مشايخنا والناس منذ سبعين سنة) والصحابة وكبار التابعين هم مشايخ عمرو بن دينار، وقد أدركهم يقولون: (القرآن كلام الله منه بدأ وإليه يعود). والصحابة أفضل الناس بعد الأنبياء، وكلام الصحابي إذا لم يخالفه غيره حجة.

стр. 150

تكليم الله لموسى ﵇ وقوله تعالى: (ولكن حق القول مني) قال المصنف رحمه الله تعالى: [واحتج أحمد على ذلك بأن الله كلم موسى، فكان الكلام من الله والاستماع من موسى، وبقوله : ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة:١٣]]. احتج الإمام أحمد على أن القرآن كلام الله وأنه بدأ من الله بأن الله كلم موسى، فكان الكلام من الله والاستماع من موسى، فاحتج بقوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤] وبقوله : ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة:١٣]، وبقوله أيضاً: ﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الجاثية:٢]، ﴿تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت:٢] وبقوله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل:١٠٢]، وهذا حجة في أن القرآن بدأ من الله.

стр. 151

حديث خباب: (إنكم لن تتقربوا إلى الله بأفضل مما خرج منه) قال المصنف رحمه الله تعالى: [وروى الترمذي من رواية خباب بن الأرت أن النبي ﷺ قال: (إنكم لن تتقربوا إلى الله بأفضل مما خرج منه. يعني القرآن)]. هذا الحديث رواه الترمذي عن خباب أن النبي ﷺ قال: (إنكم لن تتقربوا إلى الله بأفضل مما خرج منه. يعني القرآن) والشاهد قوله: (مما خرج منه)، فدل على أن القرآن بدأ من الله لا من الشجرة كما تقول الجهمية في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ * فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [القصص:٢٩ - ٣٠] فالجهمية والأشاعرة والمعتزلة يقولون: الكلام بدأ من الشجرة، وقالوا: الشجرة هي التي قالت: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [القصص:٣٠] نسأل الله العافية. وأهل السنة يردون عليهم ويقولون: إن القرآن بدأ من الله، كما في الحديث: (لن تتقربوا إلى الله بأفضل مما خرج منه) والحديث بهذا اللفظ غير موجود في سنن الترمذي، ولكن فيه رواية مقاربة عن أبي أمامة بلفظ: (ما تقرب العباد إلى الله بمثل ما خرج منه)، وهناك رواية عن جبير بن نفير: (إنكم لن ترجعوا إلى الله بأفضل مما خرج منه) عزاها شيخ الإسلام ابن تيمية إلى الإمام أحمد.

стр. 152

شرح الاقتصاد في الاعتقاد للمقدسي [٨] إن صفة الكلام من الصفات التي اشتد فيها النزاع بين أهل السنة والجماعة وبين أهل البدع، فمن المبتدعة من يقولون: إن الحروف والأصوات ليست كلام الله، أما أهل السنة والجماعة فيعتقدون أن الحروف المكتوبة والأصوات المسموعة عين كلام الله تعالى لا حكاية.

стр. 153

إثبات أن الحروف المقروءة عين كلام الله تعالى قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ونعتقد أن الحروف المكتوبة والأصوات المسموعة عين كلام الله لا حكاية ولا عبارة، قال الله : ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة:١ - ٢]. وقال: ﴿المص * كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف:١ - ٢]. وقال: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [يوسف:١]. وقال: ﴿المر﴾ [الرعد:١]، وقال: ﴿كهيعص﴾ [مريم:١]، ﴿حم * عسق﴾ [الشورى:١ - ٢]، فمن لم يقل: إن هذه الأحرف عين كلام الله فقد مرق من الدين وخرج عن جملة المسلمين، ومن أنكر أن يكون حروفاً فقد كابر العيان وأتى بالبهتان]. من عقيدة أهل السنة والجماعة أن الحروف المكتوبة في المصاحف هي كلام الله، والأصوات المسموعة هي كلام الله، الصوت صوت القاري والمسموع كلام الباري. وجملة: (لا حكاية ولا عبارة) فيها الرد على أهل البدع، ومنهم الكلابية أتباع عبد الله بن سعيد بن كلاب الذين يقولون: الحروف والأصوات ليست كلام الله، وإنما هي حكاية عن كلام الله. وعلى الأشاعرة الذين يقولون: الحروف والأصوات عبارة عن كلام الله، والحكاية والعبارة متقاربان. فكلام الله عند هاتين الفرقتين معنى نفسي قائم في نفس الرب لا يسمع، كما أن العلم قائم بنفسه، وهذا باطل. وقد رد المصنف هذا وقال: نعتقد -معشر أهل السنة والجماعة- أن الحروف المكتوبة والأصوات المسموعة عين كلام الله تعالى لا حكاية كما تقول الكلابية، ولا عبارة كما يقول الأشاعرة. والأدلة على ذلك كثيرة ومنها: قول الله : ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة:١ - ٢] ووجه الدلالة أنه تعالى قال: (ذَلِكَ الْكِتَابُ) والكتاب هو حروف مكتوبة أمامنا، قال: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة:٢] فهو كلام الله. وقال تعالى: ﴿المص * كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف:١ - ٢] إذاً: الكتاب الذي أنزل إلى النبي ﷺ هو كلام الله، وهو الكتاب الذي أنزل فيه حروف وألفاظ. وقال تعالى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [يوسف:١] فهو الكتاب الذي فيه حروف. وقال تعالى: ﴿المر﴾ [الرعد:١]، وقال تعالى: ﴿كهيعص﴾ [مريم:١]، وقال تعالى: ﴿حم * عسق﴾ [الشورى:١ - ٢] فهذه الآيات وغيرها تدل على أن كلام الله حروف. يقول: (فمن لم يقل: إن هذه الأحرف هي عين كلام الله فقد مرق من الدين وخرج عن جملة المسلمين). أي أن من أنكر أن يكون الحروف من كلام الله فقد خرج من الدين وخالف المسلمين. ومروقه من الدين لقوله: إنها مخلوقة، ومن قال: القرآن مخلوق. فهو كافر كما قال العلماء. ومن أنكر أن يكون كلام الله حروفاً فقد كابر العيان وأتى بالبهتان، فإذا فتحت المصحف عاينت حروف كلام الله تعالى. ويقصد بهذا المؤلف ﵀ الرد على الأشاعرة وكذلك الكلابية الذين يقولون: القرآن عبارة عن كلام الله أو حكاية عن كلام الله، وكلام الله إنما هو معنى نفسي يقوم بنفس الرب، وهذا من أبطل الباطل.

стр. 154

أدلة إثبات أن القرآن حروف

стр. 155

حديث ابن مسعود: (من قرأ حرفاً من كتاب الله) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وروى الترمذي من طريق عبد الله بن مسعود ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (من قرأ حرفاً من كتاب الله فله عشر حسنات)، قال الترمذي: هذا حديث صحيح. ورواه غيره من الأئمة وفيه: (أما إني لا أقول ألم حرف، ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف)]. هذا الحديث رواه الترمذي في كتاب فضائل القرآن، وفيه إثبات أن القرآن حروف وفيه ردّ على الأشاعرة والكلابية. وفي رواية غيره: (أما إني لا أقول ألم حرف، ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف)، فإذا قرأ المسلم (ألم) فهذه ثلاثة أحرف بثلاثين حسنة، كل حرف منها بعشر حسنات لمن تقبل الله منه.

стр. 156

نعت أم سلمة قراءة رسول الله ﷺ مفسرة حرفاً حرفاً قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وروى يعلى بن مملك عن أم سلمة أنها نعتت قراءة رسول الله ﷺ فإذا هي تنعت قراءة مفسرة حرفاً حرفاً. رواه أبو داود وأبو عبد الرحمن النسائي وأبو عيسى الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح غريب]. هذا الحديث رواه أبو داود والنسائي والإمام أحمد في مسنده والبخاري في (خلق أفعال العباد) والنسائي في فضائل القرآن، وفيه أن أم سلمة وصفت قراءة رسول الله ﷺ فإذا هي تصف قراءة مفسرة حرفاً حرفاً. فكان النبي ﷺ لا يسرع، وإنما يقف على رءوس الآي، فيقرأ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] ثم ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣] ثم ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤]، وهذا فيه الرد على من أنكر أن يكون القرآن حروفاً كالأشاعرة والكلابية وغيرهم.

стр. 157

إخباره ﷺ عن قراء يقيمون حروف القرآن دون حدوده قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وروى سهل بن سعد الساعدي قال: (بينا نحن نقتري إذ خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: الحمد لله، كتاب الله واحد، وفيكم الأخيار، وفيكم الأحمر والأسود، اقرءوا القرآن قبل أن يأتي أقوام يقرءونه يقيمون حروفه كما يقام السهم لا يتجاوز تراقيهم، يتعجلون أجره ولا يتأجلونه)، رواه أبو بكر الآجري وأئمة غيره]. هذا الحديث رواه أبو بكر الآجري في (أخلاق حملة القرآن) ورواه أبو داود في السنن بإسناد جيد. وقوله: (يقيمون حروفه إقامة السهم) يعني: يقرءون القرآن قراءة مجودة لكن لا يقبل منهم، وقوله: (لا يجاوز تراقيهم) الترقوة: العظم فوق الكتف، أي أنه غير مقبول منهم لعدم إخلاصهم؛ ولهذا قال: (يتعجلون أجره ولا يتأجلونه) أي: يأخذون أجرهم في الدنيا من مالٍ وجاهٍ وغيره مقابل القراءة، ولا يطلبون الثواب المؤجل عند الله ، وكثيراً ما يريد الإنسان بعمل الآخرة الدنيا. والشاهد من الحديث قوله: (يقيمون حروفه) فأثبت أن القرآن حروف.

стр. 158

تفضيل أبي بكر وعمر إعراب القرآن على من حفظ بعض حروفه قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وروي عن أبي بكر وعمر ﵄ أنهما قالا: إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه]. هذا الحديث أورده ابن قدامة ﵀ في المناظرة التي جرت بينه وبين أهل البدع، وفيه عن أبي بكر وعمر أنهما قالا: (إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه). ومعناه أن قراءة الإنسان قراءة مجودة مرتلة أحب إليهما وأفضل من حفظ الحروف مع عدم فهم للمعاني وتأمل لها. وهذا مثلما قال أبو عبد الرحمن السلمي التابعي الجليل: (كان مشايخنا الذين يقرئوننا القرآن - عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود - يقولون: كنا لا نتجاوز العشر الآيات حتى نتعلم معانيها والعمل بها، فتعلمنا العلم والعمل جميعاً)، فكون الإنسان يتفهم الآيات التي يقرؤها ويتفهم معانيها ويتدبرها ويجودها أحسن من كونه يحفظ آيات كثيرة من غير إعراب ومن غير تفهم. والشاهد قولهما: (من حفظ بعض حروفه). فأثبتا أن القرآن حروف، وفيه الرد على من أنكر أن يكون القرآن حروفاً من الأشاعرة والكلابية.

стр. 159

قول علي في الجنب أنه لا يقرأ حرفاً من القرآن قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وروى أبو عبيد في فضائل القرآن بإسناده قال: سئل علي ﵁ عن الجنب يقرأ القرآن؟ فقال: لا، ولا حرفاً]. هذا الأثر فيه إثبات أن القرآن حروف. وقراءة الجنب للقرآن مختلف فيها بين أهل العلم، فعند جمهور العلماء أن الجنب لا يقرأ القرآن حتى يغتسل، وإذا لم يكن عليه جنابة ولكنه كان محدثاً حدثاً أصغر فله أن يقرأ القرآن عن ظهر قلب، أما المصحف فلا يمسه حتى يتوضأ. وقال بعض العلماء: للجنب قراءة القرآن. وأما الحائض والنفساء ففيهما خلاف، فجمهور الأئمة قاسوا الحائض والنفساء على الجنب، فقالوا: الحائض والنفساء لا تقرآن القرآن. واستدلوا بحديث ضعيف، والصواب: أن الحائض والنفساء تقرءان القرآن عن ظهر قلب، ولا تقاسان على الجنب؛ لأن الجنب مدة جنابته قليلة، والجنب يستطيع أن يغتسل ويقرأ القرآن، لكن الحائض والنفساء لا تستطيعان ذلك ومدتهما تطول، فقد تكون مدة النفاس أربعين يوماً وتكون النفساء حافظة للقرآن فتنسى إذا لم تراجع، وقد تكون مدرسة أو طالبة وتحتاج لقراءته، فلها أن تقرأه عن ظهر قلب.

стр. 160

حكم ابن مسعود بالكفر بالقرآن على من كفر بحرف منه قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال عبد الله بن مسعود ﵁: من كفر بحرف منه - يعني القرآن - فقد كفر به أجمع. وقال أيضاً: من حلف بسورة البقرة فعليه بكل حرف يمين]. يقول عبد الله بن مسعود ﵁: (من كفر بحرف منه -يعني القرآن- فقد كفر به أجمع). وهذا رواه الطبري ﵀ في مقدمة تفسيره واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة. وقال أيضاً: (من حلف بسورة البقرة فعليه بكل حرف يمين). أخرجه عبد الرزاق في مصنفه، وذلك لأن كل حرف من حروف البقرة وغيرها من السور هو من القرآن، وسورة البقرة تشمل ألفاظها وحروفها ومعانيها، فلهذا قال ابن مسعود ﵁: (من حلف بسورة البقرة فعليه بكل حرف يمين). قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال طلحة بن مصرف: قرأ رجل على معاذ بن جبل فترك واواً فقال: لقد تركت حرفاً أعظم من جبل أحد]. أي أن ترك حرفاً من القرآن أعظم من الجبل؛ لأن كلام الله صفة من صفاته، ولا يجوز إسقاط شيء منه ولا ترك حرف من حروفه.

стр. 161

إثبات الحسن البصري لحروف القرآن الكريم قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال الحسن البصري في كلام له: قال الله : ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص:٢٩]، وما تدبر آياته إلا اتباعه، أما والله ما هو بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، حتى إن أحدهم ليقول: قد قرأت القرآن كله فما أسقطت منه حرفاً وقد أسقطه -والله- كله]. هذا الأثر رواه ابن كثير في التفسير وعزاه إلى ابن أبي حاتم. فـ الحسن البصري الإمام المعروف العالم التابعي الجليل يقول في قول الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص:٢٩] وما تدبر آياته إلا اتباعه والعمل به؛ لأن التدبر وسيلة إلى العمل، ولهذا يقول ﵀: (وما تدبر آياته إلا اتباعه، أما والله ما هو بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، حتى إن أحدهم ليقول: قد قرأت القرآن كله فما أسقطت منه حرفاً وقد أسقطه -والله- كله). يعني: ما أسقط منه حرفاً بالقراءة ولكنه أسقطه كله حيث لم يعمل به ولم يتبعه، فإذا لم يعمل به ولم يتبعه فقد أسقطه كله وإن أقام حروفه؛ لأن التلاوة وإن كانت عبادة مستقلة إلا أنها وسيلة إلى العمل، فإذا لم يعمل به فلن تحصل الفائدة، بل بذلك قامت عليه الحجة وصار القرآن حجة عليه.

стр. 162

تكفير ابن المبارك لمن كفر بحرف من القرآن قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال عبد الله بن المبارك: من كفر بحرف من القرآن فقد كفر بالقرآن، ومن قال: لا أؤمن بهذه اللام فقد كفر]. هذه العبارة قالها عبد الله بن المبارك الإمام العالم الزاهد المشهور، فقال: (من كفر بحرف من القرآن فقد كفر بالقرآن)؛ لأنه يجب الإيمان بالقرآن كله، فمن آمن ببعضه وكفر ببعضه فقد كفر بالجميع، وعبد الله بن المبارك قال هذا الكلام أخذاً من قول الله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [البقرة:٨٥]. قال: ومن قال: لا أؤمن بهذا اللام الذي هو من كلام الله فقد كفر.

стр. 163

إثبات أن كلام الله بصوت والرد على المخالفين قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وروى عبد الله بن أنيس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يحشر الناس يوم القيامة -وأشار بيده إلى الشام- عراة غرلاً بهماً. قال: قلت: ما بهماً؟ قال: ليس معهم شيء، فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك، أنا الديان، لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وأحد من أهل النار يطلبه بمظلمة، ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وأحد من أهل الجنة يطلبه بمظلمة حتى أقصه منه. قالوا: وكيف وإنما نأتي الله عراة غرلاً بهما؟ قال: بالحسنات والسيئات)، رواه أحمد وجماعة من الأئمة]. هذا الحديث رواه الإمام أحمد ﵀ في المسند، ورواه البخاري ﵀ في الأدب المفرد، والحاكم في المستدرك، والخطيب البغدادي وغيرهم، وهو حديث مشهور ويسمى حديث المظالم. والبخاري ﵀ رواه معلقاً في الصحيح فقال: رحل جابر بن عبد الله إلى عبد الله بن أنيس في طلب الحديث الواحد. والحديث الذي رحل من أجله هو حديث المظالم هذا. وهذا فيه الرحلة في طلب العلم، ولهذا رواه البخاري في الرحلة لطلب العلم، حيث رحل جابر بن عبد الله من المدينة إلى عبد الله بن أنيس في الشام في طلب الحديث الواحد، واشترى بعيراً لهذه المهمة. فعلماء الصحابة ومن بعدهم كان لهم عناية في طلب الحديث، وكانوا يتحملون المشاق، وقد استغرقت إحدى الرحلات شهراً، وهي رحلة من المدينة إلى الشام، فلما وصل إليه طرق عليه الباب، فلما خرج عبد الله بن أنيس قال جابر بن عبد الله: حديث عن النبي ﷺ في المظالم خشيت أن تموت أو أموت قبل أن أسمعه، فذكر الحديث. والشاهد من الحديث قوله: (فيناديهم بصوت)، فيه إثبات الصوت، أي أن كلام الله بصوت يسمع. وفيه الرد على الأشاعرة والكلابية والجهمية والفلاسفة الذين يقولون: إن كلام الله معنى قائم بالنفس، إلا أن الكلابية يقولون: الكلام أربع معانٍ في نفسه هي: الأمر والنهي والخبر والاستفهام، والأشاعرة يقولون: هو معنى واحد لا يتعدد ولا يتجزأ ولا يتفسر ولا يتنوع، بل هذا التنوع هو صفات له، إن عبرت عنه بالعربية فهو القرآن، وإن عبرت عنه بالعبرانية فهو التوراة، وإن عبرت عنه بالسريانية فهو الإنجيل، وإن عبرت عنه بالداودية فهو الزبور، فهو شيء واحد، هكذا يقول الأشاعرة؛ وعندهم هو واحد لكن له صفات، ويمثلون لذلك بالإنسان، فالإنسان له صفات متعددة، فأنت أب بالنسبة لأبنائك وابن بالنسبة إلى آبائك وأجدادك، وأنت عم بالنسبة إلى أبناء أخيك، وأنت خال بالنسبة إلى أبناء أختك، فأنت واحد وتوصف بأنك أب وابن وعم وخال، فكذلك الكلام معنى واحد يوصف بأنه توراة وإنجيل وقرآن؛ فالتنوع هو في العبارات والدلالات لا في المدلول، وكلهم يقولون: الحروف والأصوات دليل على القرآن وليست هي قرآناً، إلا أن الكلابية يسمونها حكاية، والأشاعرة يسمونها عبارة. والفلاسفة يقولون: ليس الكلام حرفاً وإنما هو معنى يفيض من العقل الفعال على النفس الشريفة، فيحصل لها تصورات بحسب ما قبلته منه. فهذا الحديث فيه رد على جميع هؤلاء الطوائف. والفلاسفة يقولون: ليس الكلام حرف، وإنما هو معنى يسير من العقل الفعال على النفس الشريفة، فيحصل له من التصورات والتصديقات بحسب ما قبلته من ذلك، فهذا الحديث فيه رد على هذه الطوائف من الكلابية والأشاعرة والفلاسفة الذين ينكرون أن يكون كلام الله بالصوت، وهذا حديث صريح حيث قال: (فيناديهم بالصوت). وأصح ما ثبت في الصحيح: (أن الله تعالى ينادي آدم يوم القيامة بالصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب) وينادي آدم فيقول: (لبيك وسعديك، فيقول: أخرج بعث النار)، وهذا فيه إثبات الصوت. والحديث فيه: (يحشر الناس يوم القيامة) وأشار بيده إلى الشام؛ لأنه مكان المحشر (غرلاً بهماً عراة لا ثياب عليهم) وغرلاً جمع الأغرل وهو الأقلح، والغرلة: القلفة، يعني: غير مختونين، والأغرال: غير المختونين، أي لم تزل عنهم الجلدة التي تقطع من الصبي وهو صغير. فالناس ترجع إليهم يوم القيامة، فيكونون غير مختونين، عراة لا ثياب عليهم، حفاة، وفي اللفظ الآخر: (لا نعال عليهم). وقوله: (بهماً) أي: ليس معهم شيء، ويكون القصاص هناك بالحسنات والسيئات (فيناديهم الرب بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك، أنا الديان، لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وأحد من أهل النار يطلبه بمظلمة، ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وأحد من أهل الجنة يطلبه بمظلمة حتى أقصه منه، قالوا: وكيف يكون القصاص؟) أي: ليس عندنا شيء، لا دراهم، ولا فضة، ولا ذهب، ولا أوراق نقدية، ولا أمتعة فكيف يكون القصاص؟ فقال: (بالحسنات والسيئات) أي: أن القصاص هناك يكون بالحسنات والسيئات. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وروى عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء كجر السلسلة على الصفوان فيخرون سجداً). وذكر الحديث]. حديث عبد الله بن مسعود ﵁ رواه البخاري تعليقاً في كتاب التوحيد، يقول عبد الله بن مسعود: أن النبي ﷺ قال: (إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء كجر السلسلة على الصفوان فيخرون سجداً). وله شواهد. وأخرج نحوه في كتاب التفسير في قوله: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر:١٨] باب: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ [سبأ:٢٣]. وفيه وجهان لإثبات الصوت لكلام الله حيث قال: سمع صوته أهل السماء وهذا وجه، والوجه الثاني قوله: وأن كلام الله بصوت يسمع. وفيه الرد على من أنكر الصوت من الكلابية والأشاعرة والفلاسفة وقوله: (كجر السلسلة على الصفا) سلسلة الحديد على الصفا أو الصفوان، والصفوان: الحجر الأملس، وهذا من باب التقريب، وليس فيه تشبيه صوت الله بصوت السلسلة، وإنما المعنى أن كلام الله يسمع بصوت، كما يسمع صوت السلسلة، وهو كقوله في الحديث الآخر: (إنكم ترون ربكم كما ترون القمر)، فليس في هذا تشبيه لله بالقمر، وإنما تشبيه للرؤية بالرؤية، وهنا تشبيه للصوت بالصوت، يعني: كما أن الصوت المسموع من السلسلة يكون قوياً، فكذلك الصوت المسموع من كلام الله يكون قوياً، وإلا فصوت الله لا يشبه صوت المخلوقين.

стр. 164

شبه المنكرين للصوت والحرف والتدليل على بطلان شبههم قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقول القائل بأن الحرف والصوت لا يكون إلا من مخارج باطل ومحال قال الله : ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق:٣٠]. وكذلك قال الله إخباراً عن السماء والأرض أنهما: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت:١١] فحصل القول من غير مخارج ولا أدوات. وروي عن النبي ﷺ أنه كلمه الذراع المسموم. وصح أنه سلم عليه الحجر وسلمت عليه الشجرة]. هذه شبه المنكرين للحرف والصوت من كلام الله ، فقد بين المؤلف ﵀ شبههم ورد عليها. ومن شبههم أنهم يقولون: الحرف والصوت لا يكون إلا من مخارج، ومعروف أن الإنسان إذا تكلم فلا بد أن يتكلم من مخارج، ومخارج الحروف معروفة فهناك حروف من أطراف اللسان، وحروف من حافة اللسان، وحروف من إطباق الشفتين، وهذا يلزم منه أن يكون الرب له مخارج حروف، فيكون له لسان، ويكون له شفتين، ويكون له أضراس، وهذا محال. يقول المؤلف ﵀: هذا محال، أي: كلام باطل لا وجه له؛ لأن هذا فيه تشبيه الخالق بالمخلوق الآدمي، والله نفى عن نفسه ممثالة المخلوقات قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]. قال سبحانه: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٧٤]. قال: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤]. قال سبحانه: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥]. فيرد عليهم أولاً بأن التمثيل باطل، فالله ليس له مثيل، وهذا تمثيل والتمثيل باطل، فلا يمكن أن يماثل الخالق بالمخلوق. والجواب الثاني: أنه يوجد بعض المخلوقات تتكلم من غير مخارج، من غير أسنان، من غير أضراس، من غير شفتين، ومن غير لسان، وإذا كانت المخلوقات يمكن أن تتكلم من دون مخارج حروف، فإمكان ذلك في حق الرب أولى، فقولكم: أنه لا بد أن يكون مخارج باطل، وذكر أدلة على جواز التكلم بغير مخارج منها: الدليل الأول: أن النار تكلمت، حيث قال الله : ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق:٣٠] فقوله: (وتقول) يدل على أن جهنم تكلمت، وجهنم ليس لها لسان، ولا أضراس، ولا أسنان، ولا شفتين، فإذا أمكن أن تتكلم بعض المخلوقات من دون مخارج فإمكان ذلك في حق الرب من باب أولى. الدليل الثاني: قال الله تعالى للسماء والأرض: ﴿اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت:١١] والسماء والأرض ليس لهما أضراس أو أسنان أو شفتين، أو مخارج؛ ولهذا قال المؤلف: (فحصل القول من غير مخارج ولا أدوات). أي: حصل قول من السماء والأرض، ومن جهنم من غير مخارج، ولا أدوات؛ لا أسنان ولا أضراس، وإذا أمكن هذا في المخلوق أمكن في الخالق من باب أولى. الدليل الثالث: حديث روي عن النبي ﷺ : أنه كلمه الذراع المسموم. والمؤلف يشير إلى حديث أبي هريرة في قصة الشاة المسمومة التي أهداها اليهود للنبي ﷺ يوم خيبر، حيث أهدت يهودية للنبي ﷺ ذراعاً مشوياً وكانت الذراع تعجبه، فنهس منها نهسة ثم نطق وتكلم الذراع بأنه مسموم، وهذا رواه البخاري ﵀ في كتاب الجزية والموادعة، ورواه البيهقي في دلائل النبوة. فهذا الذراع الذي تكلم ليس له أضراس أو أسنان، وليس له مخارج أو أدوات، فإذا أمكن هذا في المخلوق أمكن في الخالق من باب أولى. الدليل الخامس: قال: (وصح أنه سلم عليه الحجر). كذلك حديث تسليم الحجر على رسول الله ﷺ رواه مسلم في صحيحه، والترمذي في سننه، قال ﵊: (إني لأعلم حجراً كان يسلم علي في مكة). والحجر ليس له أضراس ولا أسنان، ولا مخارج وأدوات. الدليل السادس: قوله: (وسلمت عليه الشجرة). وهذا ورد في حديث علي ﵁ عند الحاكم في المستدرك، وقال: صحيح الإسناد. فالشجرة سلمت على النبي ﷺ ، وسمع الكلام منها وليس لها مخارج ولا أدوات، ولا أضراس ولا أسنان وإذا أمكن هذا في المخلوق أمكن ذلك في الخالق من باب أولى، ولهذا رد الإمام أحمد ﵀ على أهل البدع وقال: وأما قولهم: إن الكلام لا يكون إلا من جوف وفم وشفتين ولسان، أليس الله قال للسماوات والأرض: ﴿اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت:١١]. وقال: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ﴾ [الأنبياء:٧٩] أتراها سبحت بجوف وفم ولسان وشفتين؟ والجوارح إذا شهدت على الكفار فقالوا: ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت:٢١] اليد والرجل تشهد وليس لها أضراس ولا أسنان، أتراها نطقت بجوف وفم ولسان؟ ولكن الله أنطقها كيف يشاء من غير جوف ولا فم ولا شفتين ولا لسان، وبهذا تبطل شبهة هؤلاء المنكرين للحرف والصوت في كلام الله .

стр. 165

الأسئلة

стр. 166

حكم إثبات صفة الهرولة لله تعالى السؤال ما حقيقة إثبات صفة الهرولة لله تعالى؟ الجواب الهرولة مراد بها القرب، وقد سبق أن ذكرنا أن القرب نوعان: قرب من العابدين بالإثابة، وقرب من السائلين بالإجابة، ومن ثمرات هذا القرب أن الله أسرع بالخير من العبد. وفسره جماعة فقالوا: معناه أن الله لا يقطع الثواب عن العبد حتى يقطع العبد العمل، وأن الله أسرع بالخير من العبد. لكن هذا من ثمرات القرب وليس هو القرب، والإتيان يليق بجلال الله وعظمته، وهو تقرب من العباد إلى الله تعالى بالطاعات وتقرب من الله تعالى بالثواب، وهو من القرب الخاص.

стр. 167

دلالة تكليم الله لعبد الله بن حرام السؤال من المقرر أنه لا أحد يرى الله في الدنيا، وقد ورد في الحديث أن عبد الله بن حرام كلمه الله كفاحاً، فهل يلزم من ذلك أنه رأى الله ؟ الجواب ليس فيه أنه رآه، بل فيه أنه كلمه كفاحاً بكلام من دون واسطة، فيحمل على أنه بعد الموت، وفي الحديث الثابت في صحيح مسلم عن النبي ﷺ قال: (إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا)، وعبد الله بن حرام قد مات، لكن الحديث فيه أنه كلمه كفاحاً، يعني: من دون واسطة، وليس فيه أنه رآه. ومن العلماء من قال: إنه يلزم من هذا الرؤية، وإذا قيل بهذا فيكون هذا بعد الموت، لأنه لا يرى الله أحد في الدنيا.

стр. 168

الجمع بين الأحاديث التي تنفي رؤية الله في الدنيا وحديث (رأيت ربي في أحسن صورة) السؤال كيف يوفق بين أحاديث عدم رؤية الله في الدنيا وبين قول النبي ﷺ : (رأيت ربي الليلة في أحسن صورة)؟ الجواب قوله: (رأيت ربي في أحسن صورة) هذا في المنام، وفيه: (فقال: يا محمد! أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا يا رب، فوضع يده بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين ثديي، فعلمت فقلت: نقل الأقدام إلى الجماعات، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة) فهذا في المنام، وليس في اليقظة، أما في اليقظة فقد قال بعض العلماء: إنه رآه في ليلة المعراج بعيني رأسه، والمحققون على أن الله كلمه بدون واسطة وأنه رآه بعين قلبه ولم يره بعيني رأسه في اليقظة.

стр. 169

رفع القلم عن المسحور فيما زال فيه عقله السؤال ذكرتم أن المسحور لا يفقه، فلو قلنا ذلك لأصبح جميع المسحورين لا يفقهون، وسيعدون ممن رفع عنهم القلم في المجازاة بالأعمال، وقد سحر النبي ﷺ ولم يداخله شيء منه فيما يتعلق بالرسالة والشريعة فيما يبدو؟ الجواب السحر إنما يتعلق بأمور الدنيا، وقد سحر النبي ﷺ ، وكان يخيل إليه أنه يفعل الشيء ولا يفعله؛ ولكن لم يصب عقله بشيء من ذلك، ولم يتعد أثر ذلك إلى التشريع. فنقول: المصابون والمسحورون الذين زالت عقولهم هؤلاء هم الذين يرفع عنهم القلم، وأما من سحر ولكنه لم يزل عقله في كلِّ شيء -كما سمعنا من بعض الذين يقرءون على المرضى أنه يوجد من المسحورين من يسحر ولكنه يعقل، فيكون سحره في جانب من الجوانب- فهؤلاء لا يرفع عنهم القلم في الجانب الذي يعقلون فيه.

стр. 170

بيان معنى حديث (بدأ الإسلام غريباً) وحديث (ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة) السؤال قال النبي ﷺ : (بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ)، وقال: (ستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة) فما معنى هذين الحديثين؟ الجواب حديث: (بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ) على ظاهره، وفيه بيان أن الإسلام سيعود غريباً، وأنه ستعود غربة الإسلام مرة أخرى كما كانت في أول الأمر، ففي أول الأمر بدأ الإسلام غريباً، وكان النبي ﷺ هو أول المؤمنين من هذه الأمة، ثم تبعه على ذلك حر وعبد، الحر أبو بكر والعبد بلال، وآمن به من النساء خديجة وهكذا، ثم لم يزل الإسلام يزداد شيئاً بعد شيء حتى اكتمل، وسيعود غريباً في المستقبل، فلا يكون على الإسلام إلا العدد القليل. وأما حديث: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة) فهذا فيه تحذير من الفرق الضالة، وفيه أن أهل السنة والجماعة هم أهل الحق. والصواب: أن هذه الفرق كلها من فرق الأمة وأنها ليست كافرة، بل هي من الفرق المبتدعة، ولهذا قال العلماء: إن الجهمية والقدرية الذين ينكرون صفة العلم خارجون من الثنتين والسبعين فرقة المذكورة في الحديث لكفرهم وضلالهم، فدل على أن هذه الفرق ليست خارجة من الإسلام وإنما هي مبتدعة، والذين على الحق هم أهل السنة والجماعة. وقال بعض العلماء: إن هذه الفرق منها الكافر ومنها المبتدع. ولكن ظاهر الحديث أن هذه الفرق من الفرق المبتدعة.

стр. 171

مشابهة الأحباش للجهمية في قولهم بأن الله موجود بلا مكان السؤال هناك جماعة منتشرة في هذا العصر وهم الأحباش، يقولون: إن الله موجود بلا مكان، فهل سبقهم إلى هذا أحد؟ الجواب نعم، هذا قول الجهمية فإنهم قالوا: إن الله موجود في كل مكان، في السماء وفي الأرض وفي بطون السباع وفي كل مكان، بل لم ينزهوا الله عن الأمكنة القذرة تعالى الله عما يقولون! فالجهمية سبقوا الأحباش، وقد سمعنا عن هؤلاء الأحباش أنهم على مذهب النصارى وأنهم نصارى. والمقصود أن هذا هو قول الجهمية؛ فإن الجهمية ينكرون العلو ويقولون: إن الله ليس له مكان، فهو في الجهات كلها وفي كل مكان، نعوذ بالله.

стр. 172

الجمع بين حديث عدي في تكليم الله لخلقه يوم القيامة وبين النصوص الدالة على امتناع الكلام والنطق عن بعض الخلق السؤال كيف نجمع بين حديث عدي والأحاديث والآيات التي تثبت أن الله لا يكلم بعض الناس؟ الجواب ذكر الله تعالى في بعض الآيات أنهم لا ينطقون وأنهم لا يسألون، وفي بعض الآيات ذكر أنهم ينطقون وينكرون، والجمع -كما ذكر الإمام أحمد في الرد على الزنادقة- أنه في بعض المشاهد من يوم القيامة يختم على أفواههم ولا يتكلمون ولا ينطقون، وفي بعضها يخلى بينهم وبين الكلام؛ فالمشاهد متعددة، فقوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنسٌ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن:٣٩]، أي: لا يسأل في وقت، وفي وقت آخر يسأل، فيوم القيامة يوم طويل له مشاهد متعددة، ففي وقت لا يسألون وفي وقت يسألون، في وقت لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان ولا ينطقون، وفي وقت يخلى بينهم وبين الكلام فيتكلمون.

стр. 173

الجمع بين حديث: (حجابه النور) وبين ثبوت رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة السؤال كيف نجمع بين قول الرسول ﷺ : (حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) وبين الأدلة الواردة في رؤية الله تعالى وكشف الحجاب؟ الجواب لا توجد منافاة، فالله تعالى ليس كواحد من خلقه، فقد احتجب عن خلقه بالنور، وهو لا يخفى عليه شيء من أحوال عباده، وهو يراهم، ويكشف الحجاب في يوم القيامة، فينظرون إليه ولا يحترقون وإنما يحترقون في الدنيا لو رأوه، فقوله: (لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره) هذا في الدنيا، أما في الآخرة فينظر إليه المؤمنون ولا يحترقون؛ لأن الله ينشئهم نشأة قوية، وينعمهم برؤيته.

стр. 174

حكم القراءة من المصحف في النوافل السؤال هل يجوز في صلاة قيام الليل أن أقرأ من المصحف؛ لأنني لا أحفظ إلا القليل؟ الجواب لا بأس بذلك؛ لأن صلاة الليل صلاة طويلة، فإذا تمكن الإنسان وكان عنده وقت كاف فلا بأس بأن يقرأ من المصحف، أما الفرائض فإنه يكتفى فيها بما يحفظه الإنسان.

стр. 175

سماع الميت السلام ومعرفته من يسلم عليه ويدعو له السؤال هل يسمع الميت السلام والدعاء؟ وهل يعرف من يسلم عليه ويدعو له عند الوقوف على قبره؟ الجواب الله أعلم، فالميت نحن مأمورون بالسلام عليه، والنبي ﷺ يقول: (ما أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي)، أما كونه يعرف ذلك فالله أعلم، والأصل أن الميت انقطع عمله، وانقطع عن الدنيا، فلا يعلم أحوال الدنيا، ولا يعلم أحوال الناس ولا ما هم عليه، ولكنا مأمورون بالسلام عليه والدعاء له.

стр. 176

معنى المهيمن وبيان أن صفة الهيمنة ليست صفة الاستيلاء السؤال ما معنى المهيمن؟ وما رأيكم في قول القائل: إن صفة الهيمنة هي صفة الاستيلاء؟ الجواب معنى المهيمن: المحيط بعباده وليس معناها أنه كان عاجزاً ثم غلب.

стр. 177

حكم حج من عليه دين السؤال هل يجوز الحج لمن عليه دين ولم يستطع قضاءه؟ وهل يجوز له أن يتصدق بشيء يسير؟ الجواب إذا كان عليه دين حال فيجب عليه أن يقضي الدين ثم يحج إن كان في ماله سعة، وأما إذا كان الدين غير حال وهو يستطيع الوفاء فلا بأس، وأما إذا كان الدين حالاً وهو لا يستطيع أن يحج، أي: إما أن يقضي دينه وإما أن يحج؛ فإن الدين مقدم.

стр. 178

مدى إمكانية فهم التفويض من كلام الشيباني في أحاديث الصفات السؤال هل يفهم من كلام الشيباني ﵀ التفويض عندما قال: إن هذه الأحاديث قد روتها الثقات فنحن نرويها ونؤمن بها ولا نفسرها؟ الجواب لا يحمل كلامه على التفويض، وإنما الجهمية هم من فهمها وفسرها بالتفويض. أما نحن فلا نفسرها تفسير أهل البدع، ونحسن الظن بأهل العلم.

стр. 179

افتخار زينب بنت جحش بتزويج الله لها بنبيه ﷺ من فوق سبع سماوات السؤال ورد عن أنس بن مالك ﵁: كانت زينب بنت جحش تفخر على أزواج النبي ﷺ فتقول: زوجكن أهاليكن وزوجني الله من فوق سبع سماوات. فهل يجوز الفخر بمثل هذه الأمور؟ الجواب نعم، وهذه منقبة ومزية خصها الله بها، ولهذا ما أنكر عليها الصحابة ولا أنكر عليها زوجها النبي ﷺ .

стр. 180

الحكم على أثر ابن عباس في نزول القرآن جملة إلى بيت العزة السؤال ما صحة الأثر المروي عن ابن عباس ﵁: أن القرآن نزل جملة واحدة إلى بيت العزة ثم نزل بعد ذلك منجماً حسب الوقائع؟ وهل فيه تأييد لقول الأشاعرة بأن جبريل أخذ القرآن من اللوح المحفوظ. فقد سمعنا من ينكر هذا الأثر لهذه الشبهة؟ الجواب هذا مروي عن ابن عباس وسنده لا بأس به، وعلى القول بصحته فلا منافاة، فقد نزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة، وتكلم الله به وأنزله على نبينا ﷺ مفرقاً على حسب الوقائع.
следующие страницы →